Полный текст (13 172 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
هذا نبىّ معه البرهان ... أرسله بحقّه الدّيّان
وجاءه التنزيل والفرقان ... فاتبعه لا تحتالك الأوثان
فقلت: يا خالة! إنك لتذكرين ما قد وقع ذكره في بلدتنا فأثبتيه لى، فقالت:
إن محمد بن عبد الله رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله، يدعو الى الله، مصباحه مصباح، وقوله صلاح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، وقرنه نطّاح، ذلّت له البطاح، ما ينفع الصياح، لو وقع الذباح، وسلّت الصفاح، ومدّت الرماح، قال: ثم قامت فانصرفت ووقع كلامها في قلبى، وجعلت أفكر فيه، وذكر بعد ذلك إسلامه وتزويجه رقية؛ فكان يقال: أنهما أحسن زوجين اتفاقا وجمالا.
ومنها
أن هندا بنت عتبة بن ربيعة كانت عند الفاكه بن المغيرة، وكان من فتيان قريش، وكان له بيت الضيافة، خارجا من البيوت، تغشاه الناس من غير إذن؛ فخلا البيت ذات يوم واضطجع هو وهند فيه، ثم نهض لبعض حاجته، وأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه، فلما رآها ولّى هاربا وأبصره الفاكه فأقبل اليها فضربها برجله وقال لها: من هذا الذى خرج من عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا، ولا انتبهت حتى أنبهتنى! فقال لها: ارجعى الى أبيك، وتكلّم النتاء فيها، فقال لها أبوها: يا بنيّة! إن الناس قد أكثروا فيك، فأنبئينى نبأك، فإن يكن الرجل عليك صادقا دسست عليه من يقتله، فتنقطع عنك المقالة، وإن يك كاذبا حاكمته الى بعض الكهّان، فقالت: لا والله! ما هو علىّ بصادق؛ فقال له: يا فاكه! إنك قد رميت ابنتى بأمر عظيم، فحاكمنى الى بعض كهّان اليمن؛ فخرج للفاكه في جماعة من بنى مخزوم، وخرج عتبة في جماعة من بنى عبد مناف، ومعهم هند ونسوة، فلما شارفوا البلاد، وقالوا: غدا نرد على الرجل، تنكّرت حال هند، فقال لها عتبة: إنى أرى
стр. 947
ما بك من تنكّر الحال، وما ذاك إلّا لمكروه عندك، فهلّا كان هذا قبل أن يشتهر عند الناس مسيرنا؟ فقالت: لا والله! ولكنّى أعرف أنكم تأتون بشرا يخطىء ويصيب ولا آمنه أن يسمنى ميسما يكون علىّ سبة فقال: إنى سوف أختبره لك، فصفّر لفرسه حتى أدلى ثمّ أدخل في إحليله حبّة حنطة وأوكأ عليها بسير، فلما أصبحوا قدموا على الرجل فأكرمهم ونحرلهم، فلما تغدّوا قال له عتبة: قد جئناك في أمر وقد خبأنا لك خبيئا أختبرك به، فانظر ما هو؟ فقال ثمره، فى كمره. قال إنّى أريد أبين من هذا، قال: حبّة برّ، فى إحليل مهر، قال: انظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يدنو من إحداهنّ فيضرب بيده على كتفها ويقول لها، انهضى، حتى دنا من هند فقال لها:
انهضى غير رسحاء ولا زانية، ولتلدنّ ملكا اسمه معاوية؛ فنهض اليها الفاكه فأخذ بيدها فجذبت يدها من يده وقالت: اليك عنّى فو الله لأحرصنّ أن يكون من غيرك؛ فتزوّجها أبو سفيان.
ومنها .
أن أمية بن عبد شمس دعا هاشم بن عبد مناف الى المنافرة، فقال هاشم:
إنّى أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق، ننحرها بمكة أو الجلاء عن مكّة عشر سنين، فرضى أميّة وجعلا بينهما الخزاعىّ الكاهن وخرجا اليه ومعهما جماعة من قومهما فقالوا: نخبأ له خبيئا فان أصابه تحاكمنا اليه، وإن لم يصبه تحاكمنا الى غيره، فوجدا أبا همهمة وكان معهم أطباق جمجمة، فأمسكها معه ثم أتوا الكاهن فأناخوا ببابه وكان منزله بعسفان: فقالوا: إنا قد خبأنا لك خبيئا فأنبئنا عنه. قال: أحلف بالضّوء والظلمه، وما بتهامة من تهمه، وما بنجد من أكمه، لقد خبأتم لى أطباق جمجمه، مع الفلندح أبى همهمه؛ فقالوا: صدقت احكم بين هاشم بن عبد مناف وبين أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف أيّهما أشرف بيتا ونفسا، قال: والقمر الباهر،
стр. 948
والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجوّ من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من منجد وغائر، لقد سبق هاشم أميّة الى المآثر، أوّلا منه وآخر؛ فأخذ هاشم لإبل ونحرها وأطعمها من حضر وخرج أميّة الى الشام فأقام بها عشر سنين؛ فيقال:
إنها أوّل عداوة وقعت بين بنى هاشم وبين بنى أميّة.
ومنها:
أن بنى كلاب وبنى رباب من بنى نضر خاصموا عبد المطّلب في مال قريب من الطائف فقال عبد المطّلب: المال مالى فسلونى أعطكم، قالوا: لا، قال: فاختاروا حاكما قالوا: ربيعة بن حذار الأسدىّ فتراصوا به وعقلوا مائة ناقة في الوادى وقالوا: الإبل والمال لمن حكم له، وخرجوا وخرج مع عبد المطّلب حرب بن أميّة فلما نزلوا بربيعة بعث اليهم بجزائر فنحرها عبد المطّلب، وأمر فصنع جزرا وأطعم من أتاه، ونحر الكلابيّون والنضريّون ووشقوا فقيل لربيعة فقال: إنّ عبد المطلب امرؤ من ولد خزيمة فمتى يملق يصله بنو عمّه وأرسل اليهم أن اخبأوا لى خبيئا فقال عبد المطّلب: قد خبأت كلبا اسمه سوّار في عنقه قلادة، فى خرزة مزادة، وضممتها بعين جرادة، فقال الآخرون: قد رضينا ما خبأت وأرسلوا الى ربيعة فقال: خبأثمّ خبيئا حيّا قالوا: زد، قال: ذو برثن أغبر، وبطن أحمر، وظهر أنمر؛ قالوا: قربت، قال: سما فسطع، ثمّ هبط فلطع، فترك الأرض بلقع، قالوا: قربت فطبّق قال: عين جرادة، فى خرزة مزادة، فى عنق سوّار ذى القلادة، قالوا: زه زه أصبت فاحكم لأشدّنا طعانا، وأوسعنا مكانا، قال عبد المطلب: احكم لأولانا بالخيرات، وأبعدنا عن السو آت وأكرمنا أمهات، فقال ربيعة: والغسق والشفق، والخلق المتّفق، ما لبنى كلاب وبنى رباب من حقّ، فانصرف يا عبد المطّلب على الصواب، ولك فصل الخطاب؛ فوهب عبد المطّلب المال لحرب بن أميّة.
стр. 949
وأخبار الكهنة كثيرة نذكر منها إن شاء الله تعالى في السيرة النبويّة جملة تقف عليها فى المبشرات برسول الله ﷺ وذلك في السفر الرابع عشر من كتاب الأصل.
الزّجر
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في زجر الطير: إنّ العلماء بهذا الفنّ قالوا:
اذا خرجت من منزلك تطلب حاجة، أو تخطب امرأة، فنعب غراب عن يمينك وعن يسارك أو سنح أو برح فامض فإنّك مدرك حاجتك إن شاء الله تعالى فإن تعب أمامك أو فوقك فارجع ففيها تأخير.
وإن خرجت تريد خصومة فنعب فوق رأسك فامض فإنك مدرك حاجتك إن شاء الله تعالى.
فإن خرجت تطلب دابّة فنعب عن يمينك أو يسارك على حائط مرتفع، فامض لحاجتك، فإن نعب أمامك فارجع.
وإن خرجت تطلب مالا ضلّ عنك أو سرق، فنعب غراب على شجرة يابسة فلا تطلبه فقد استهلك وقد يأتيك بعضه، فإن نعب على جدار جديد أو شجرة خضراء فإنك تصيب مالك إن شاء الله تعالى.
فإن خرجت تريد الضّالّ فنعب من ورائك، فارجع فليس لك في ذلك خيرة، وإن نعب عن يسارك فإنى خائف على نفسك إلا أن يشاء الله.
فإن خرجت تريد الصيد فنعب من فوقك فارجع فإن نعب أمامك فامض فإنّك تدرك خيرا.
стр. 950
وإن خرجت تطلب سلطانا في طلب مال أو حاجة فنعب عن يمينك ثمّ طار ثمّ نعب أدركت منه طلبتك إن شاء الله تعالى.
وإن خرجت تريد شراء شىء فنعب عن يمينك فإنه صالح، وإن نعب عن يسارك فلا خير فيه.
وإن خرجت من منزلك فرأيت غرابا يمسح منقاره على الأرض فإنك تصيب أو تأتيك هديّة من مكان بعيد.
وإن خرجت تطلب حاجة فنعب عن يمينك ثم قطع الطريق الى يسارك فنعب فإنك تدرك حاجتك عجلا إن شاء الله تعالى! فإن نعب فوق رأسك فارجع فإنى أخاف عليك بعض أعدائك.
وإن خرجت تريد سلطانا فنعب غراب وهو مستقبل الشرق فامكث يومك ذلك فإنى أخاف عليك.
فإن خرجت فرأيت غرابا ينفض ريشه؛ فإنه يأتيك خير عاجل.
وإن خرجت تريد أرضا بعيدة فرأيت غرابا ينتفض فامض لحاجتك؛ فإنك تدرك أملك إن شاء الله تعالى.
وإن خرجت تريد السلطان فوقع غراب على شىء فنعب ثلاث مرّات فامض لحاجتك؛ فهو خير عاجل وتيسير للحوائج إن شاء الله تعالى.
وإن خرجت فرأيت غرابا ناشرا جناحيه يريد الطيران فامض، فإن نعب فارجع يومك.
وإن خرجت تريد خصومة فنعب من فوقك فامض، وإن نعب فأجابه الآخر فهو جيّد صالح.
стр. 951
وإن خرجت تريد خصومة فنعب من فوقك أو شخّ فامض؛ فإنك تلقى في يومك ذلك ما تريد إن شاء الله تعالى.
وإن خرج جماعة وفيهم رجل شريف فشخّ غراب على رأس الشريف، ثم أتوا ملكا فإنهم يصيبون خيرا إن شاء الله تعالى.
وإن خرج يطلب حاجة الى سلطان فواجهه غراب فليمكث يومه ذلك ولا يمض فى تلك الحاجة، وإن نعب عن يمينه فقطع الطريق ثمّ وقع فهو يدرك حاجته.
وإن خرج يريد السلطان أو بعث اليه وهو لا يدرى فرأى غرابا يطير قليلا؛ ثم يقع فيلقط من الأرض شيئا فليمض فإنّه يصيب سلطانا ويلى قوما، وإن رأى غرابا يبحث فى الأرض فإنّ بعض أهله يموت سريعا، وإن رآه ينقر في الأرض فذلك ملك.
وإن خرج فرأى غرابا يطير ثمّ وقع ثلاث مرات وهو ساكت لا ينعب، فذلك غمّ يصيبه إلا أن يدفع الله عزّوجلّ عنه.
وإن خرج فرآه ينتفض ثم ينعب ثمّ يطير فذلك سلطان يناله ويتزوج؛ والعلم عند الله.
وإن خرج فرأى غرابا يطير ثمّ يقع فذاك خير وسرور يأتيه.
وإن خرج فرأى غرابا يطير نحو عين الشمس فذاك همّ يصيبه شديد.
وإن خرج فلقى بقرا فليرجع فإن لقى من البغال شيئا لم يركب فليرجع والمركوبة صالحة لا بأس بها.
وإن خرج يعود مريضا فنهق حمار عن يمينه أو عن يساره فالمريض صالح، وإن نهق خلفه فقد اشتدّ بالمريض مرضه وأنا خائف عليه.
стр. 952
وإن خرج يريد حاجة فاستقبله غلام يبكى وهو متلطّخ بعذرة وهو ذاهب والغلام راجع فليمض فإنّ حاجته تقضى، وإن استقبله غلام يعدو ويتلهّف فإن حاجته تعسر وتطول.
وإن خرج في حاجته فرأى ورشانا يطير، يرتفع ويهبط فليمض فإن ذلك أنجح لحاجته، وإن رآه يطير مستعليا فليرجع، وإن رأى حمامة مسرولة تطير من فوق رأسه وتدور فإنّ حاجته مقضيّة بعد بطء ومطل، وإن رأى حمامة هابطة واقعة تقع وتطير فإنّ ذلك خير صالح وسرور إن شاء الله تعالى.
وإن خرج من منزله فاستقبلته جنازة وجماعة فليرجع يومه ذلك ولا يعود لحاجته فإنّها غير مقضية، فإن كانت الجنازة قد جاوزته مدبرة فليذهب لحاجته؛ فإن ذلك صالح. وإن رأى نسوة الى المقابر وهنّ مقبلات نحوه فليقعد حتى يمضين عنه فإنّه أنجح لحاجته وإن رآهن مدبرات فليمض في حاجته فإنها مقضيّة.
وإن خرج من داره قرأى في أرضها نملا كثيرا وفي حائطها فليمض لحاجته فذلك خير وسرور يناله. فإن رأى ذبابا كثيرا مجتمعا على حائط وهو يسمع لهنّ دبيبا فذاك مرض يصيبه في بدنه أو يصيب بعض أهله. ومن رأى ذرّا كثيرا وقردانا فذلك فرح ورزق عاجل يناله إن شاء الله تعالى. ومن رأى دجاجتين تقتتلان بنقر بعضهما فذاك يدل على أنّه يقع بينه وبين امرأته كلام وغضب.
وإن خرج من منزله فرأى ورشانين يقتتلان في جوّ السماء رافعين وهابطين فيأتيه ما يسرّ به. وإن رأى كلبة والكلاب تطوف حولها ويتبع بعضها بعضا فإن كان عليه دين قضاه الله عنه وإن كانت له حاجة مهمة قضيت في وجهه ذلك وإن أراد شيئا يسّره الله له وإن أراد سفرا تهيّأ له ورجع سالما.
стр. 953
وإن خرج فرأى على رجل قربة ثمّ انشقت فليرجع الى منزله ويتعوّذ بالله من شرّ ذلك اليوم فإنّه مكروه جدّا.
وإن خرج فرأى رجلا وهو يريد أن يملأ قربة فليمض في حاجته فإنه فرح وسرور وخير يناله عاجلا إن شاء الله تعالى.
وإن خرج فرأى حمارا أو بغلا عليه راوية مملوءة فشأنه غير صالح وهو مكروه، وإن كان صاحب الراوية يريد أن يملأها فليمض فحاجته مقضية إن شاء الله تعالى.
وإن خرج من منزله فرأى جملا عليه حطب أو بعض منافع الناس فهو من علامات النجاح في الخصومة والظفر العاجل إن شاء الله تعالى، فإن رآه غير محمول عليه وعليه صاحبه فإنّ ذلك خير يأتيه وينعى اليه بعض أهله من مكان بعيد.
قال: وأرجو أن يدفع الله، فإن رآه مناخا يرغو فإن ذلك خير يأتيه ويخبر عن شىء ممّا يحبّ من تزويج أو غنيمة وهو صالح.
وإن خرج فرأى بعيرا قد شرد ورأى من يطلبه فإن ذلك نجاة من عدوّه وفرح قريب إن شاء الله تعالى.
وإن خرج فرأى بعيرا قد شرد فاجتمع عليه الناس فإن ذلك يدلّ على ظفره بعدوّه وانتقامه منه فليحمد الله على ما رأى ويشكره.
ومن خرج من منزله فرأى قردا يتقلّب والناس حوله فليمض لحاجته فإنّها مقضية.
وإن خرج فرأى القرد يلعب والناس مجتمعون عليه وقد صار لعبه الى أن يتقلّب ظهرا لبطن في الأرض فليرجع من وجهه ذلك فليس بموفّق وهو مكروه.
стр. 954
وإن خرج من منزله فرأى غلمانا يلعبون بالأكرة ويتسابقون فليمض في وجهه ذلك فإنّه يصيب رفعة وشرفا وتمكنا من السلطان ويصيب مالا عظيما.
وإن خرج فرآهم يلعبون بالصوالجة فهو رفعة ويدلّ على مال ردىء حرام يصيبه من سلطان ويركب أمرا عظيما من عمله فليتق الله.
وإن رأى جوارى يلعبن بالطرق كأنهنّ يزففن عروسا فهو خير وسرور ودخول فى أمر شريف وإنّه يربح ربحا عظيما وهو خير الزجر.
وإن خرج فرأى عصفورين يلقطان الحبّ فهو صالح، وإن رآهما يتسافدان فهو خير يناله في يومه، وإن رآهما مدبرين فليمض لحاجته فإنها مقضية إن شاء الله تعالى.
وإن خرج فتعلق بثوبه شىء فليرجع؛ فإنى أكره له أن يذهب في حاجته تلك.
وإن خرج فرأى حدأة تسفد حدأة وهى تصيح فهو نجاح فليمض لحاجته.
وإن خرج فعثر فلا يذهبن في تلك الحاجة وليؤخّرها.
ومن الزجر ما مخرجه مخرج الكهانة.
فمن ذلك ما حكى أنّ أميّة بن أبى الصلت الثقفىّ بينا هو يشرب مع إخوان له فى قصر عيلان بالطائف إذ سقط غراب على شرفة القصر فنعب نعبة فقال أميّة:
بفيك الكثكث أى التراب فقال له أصحابه: ما يقول؟ قال يقول: إنّك اذا شربت الكأس التى بيدك متّ، ثم نعب نعبة أخرى، فقال أميّة كمقالته الأولى فقال أصحابه: ما يقول؟ قال: يزعم أنّه يقع على هذه المزبلة في أسفل القصر فيستثير عظما فيبتلعه فيشجى به فيموت، فوقع الغراب على المزبلة فأثار العظم وابتلعه فشجى فمات، فأنكر أميّة ووضع الكأس من يده وتغيّر لونه فقال أصحابه: ما أكثر ما سمعنا
стр. 955
مثل هذا وكان باطلا وألحّوا عليه حتى شرب الكأس فمال فأغمى عليه ثم أفاق فقال:
لا برىء فأعتذر، ولا قوىّ فأنتصر، ثم خرجت نفسه.
وزعموا أن رجلا من كعب خرج في جماعة ومعه سقاء من لبن فسار صدر يومه فعطش فأناخ ليشرب فاذا غراب ينعب فأثار راحلته، ثم سار فلما أظهر أناخ ليشرب، فنعب الغراب وتمرّغ في التراب فضرب الرجل السقاء بسيفه فاذا فيه أسود ضخم فقتله، ثم سار فاذا غراب واقع على سدرة فصاح به فوقع على سلمة فصاح به فوقع على صخرة فانتهى اليها فأثار كنزا، فلما رجع الى أبيه قال له: إيه ما صنعت؟
قال: سرت صدر يومى، ثم أنخت لأشرب فنعب الغراب، قال أثرها وإلا فلست يا بنى! قال: أثرتها، ثم أنخت لأشرب فنعب الغراب وتمرّغ في التراب قال: اضرب السقاء وإلا لست يا بنى! قال: فعلت، فاذا أسود ضخم قال: ثم مه! قال: ثم رأيت غرابا على سدرة قال: أطره وإلا فلست يا بنى! قال: فعلت فوقع على سلمة قال:
أطره وإلا فلست يا بنى! قال: فعلت فوقع على صخرة قال: أحد يا بنىّ! فأحداه ومن الزجر: ما يروى أن كسرى أبرويز بعث الى النبىّ ﷺ حين بعث زاجرا ومصوّرا وقال للزاجر: انظر ما ترى في طريقك وعنده، وقال للمصوّر:
إئتنى بصورته، فلما عاد اليه أعطاه المصوّر صورته ﷺ فوضعها كسرى على وسادته، وقال للزاجر: ما رأيت؟ فقال: لم أر ما أزجره حتى الآن وأرى أمره يعلو عليك لأنك وضعت صورته على وسادتك.
وقيل: إن كثيّرا تعشّق امرأة من خزاعة يقال لها: أمّ الحويرث، فشبّب بها فكرهت أن يفضحها كما فضح عزّة فقالت له: إنّك رجل فقير لا مال لك فابتغ مالا،
стр. 956
ثم تعال فاخطبنى كما يخطب الكرام قال: فاحلفى لى ووثّقى أنّك لا تتروّجين حتى أقدم عليك فحلفت ووثقت له فمدح عبد الرحمن بن الأزدىّ وخرج اليه؛ فلقى ظباء سوانح، ولقى غرابا يفحص التراب بوجهه فتطيّر من ذلك حتى قدم على حىّ من لهب فقال: أيّكم يزجر؟ قالوا: كلّنا! فمن تريد؟ قال: أعلمكم بذلك! قالوا: ذلك الشيخ المنحنى الصلب، فأتاه فقصّ عليه القصّة فكره ذلك له وقال:
قد ماتت أو تزوّجت رجلا من بنى عمّها فقال كثيّر
تيممت لهبا أبتغى العلم عندهم ... وقد ردّ علم العائفين الى لهب!
فيممت شيخا منهم ذا نحالة ... بصيرا يزجر الطير منحنى الصّلب!
فقلت له: ماذا ترى في سوانح ... وصوت غراب يفحص الأرض بالترب؟
فقال: جرى الطير السنيح ببينها ... ونادى غراب بالفراق وبالسلب
فإن لا تكن ماتت فقد حال دونها ... سؤال خليل باطن من بنى كعب
قال: ثم مدح الرجل الأزدىّ فأصاب منه خيرا، ثم قدم عليها فوجدها قد تزوّجت رجلا من بنى عمّها فأخذه الهلاس فكشح جنباه بالنار؛ فلمّا اندمل من علّته ووضع يده على ظهره فاذا هو برقمتين فقال: ما هذا؟ قالوا: أخذك الهلاس وزعم الأطباء أنّه لا علاج لك إلا بالكشح بالنار فكشحت بها فأنشأ يقول
عفى الله عن أمّ الحويرث ذنبها ... علام تعنّينى وتكمى دوائيا؟
ولو آذنونى قبل أن يرقموا بها ... لقلت لهم: أمّ الحويرث دائيا
وحكى أن صاحب الروم بعث الى النبىّ ﷺ رسولا وقال له:
انظر أين تراه جالسا، ومن الى جانبه، وانظر ما بين كتفيه حتى الخاتم والشامة؛ فقدم
стр. 957
ورسول الله ﷺ على نشز واضعا قدميه في الماء، وعن يمينه علىّ ﵇؛ فلما رآه ﷺ قال: «تحوّل فانظر ما أمرت به» فنظر ثم رجع الى صاحبه فأخبره الخبر فقال: ليعلونّ أمره وليملكنّ ما تحت قدمى وقال:
بالنشز العلوّ وبالماء الحياة.
ومن الزجر: ما روى عن أبى ذؤيب الهذلىّ قال: إنّه بلغنا أن رسول الله ﷺ عليل فأوجس أهل الحىّ خيفة عليه فبتّ بليلة ثابتة النجوم طويلة الأناة لا ينجاب ديجورها ولا يطلع نورها حتى اذا قرب السّحر غفوت فهتف لى هاتف يقول
خطب أجلّ أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومعقد الآطام
قبض النبىّ محمد فعيوننا ... تذرى الدموع عليه بالتّسجام
قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومى فزعا فنظرت الى السماء فلم أر إلّا سعد الذابح فتفاءلت به ذبحا يقع في العرب، وعلمت أنّ النبىّ ﷺ قد مات أو هو ميّت من علّته، فركبت ناقتى وسرت حتى أصبحت فطلبت شيئا أزجره، فعنّ لى شيهم قد أرم على صلّ وهو يتلوّى عليه والشيهم يقضمه حتى أكله فزجرت ذلك شيئا مهمّا فقلت: تلوّى الصّلّ: انفتال الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله ﷺ ، ثم أوّلت أكل الشيهم إياه: غلبة القائم على الأمر فحثثت ناقتى حتى اذا كنت بالعلية زجرت الطير فأخبرنى بوفاته. ونعب غراب سانحا بمثل ذلك فتعوّذت من شرّ ما عنّ لى في طريقى، ثم قدمت المدينة ولأهلها ضجيج كضجيج الحجيج أهلّوا جميعا بالإحرام فقلت: مه! قالوا قبض رسول الله ﷺ فجئت المسجد فأصبته خاليا فأتيت رسول الله ﷺ فأصبت بابه مرتجد وقد
стр. 958
خلا به أهله فقلت: أين الناس؟ فقيل: فى سقيفة بنى ساعدة صاروا الى الأنصار فجئت السقيفة فوجدت أبا بكر، وعمر رضى الله عنهما، وأبا عبيدة، وسالما، وجماعة من قريش ورأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة ومعهم شعراؤهم وأمامهم حسّان بن ثابت، وكعب في ملإ منهم فأويت الى الأنصار فتكلموا فأكثروا وتكلّم أبو بكر فلله من رجل لا يطيل الكلام ويعلم مواضع الفصل، والله لتكلّم بكلام لم يسمعه سامع إلّا انقاد له ومال اليه، وتكلم بعده عمر رضى الله عنه بكلام دون كلامه، ومدّ يده فبايعه، ورجع أبو بكر رضى الله عنه ورجعت معه، فشهدت الصلاة على رسول الله ﷺ ، وشهدت دفنه قال: ولقد بايع الناس من أبى بكر رجلا حلّ قداماها ولم يركب ذنابابها وانصرف أبو ذؤيب الى باديته وثبت على إسلامه.
ومنه: ما روى عن مصعب بن عبد الله الزّبيرىّ أنه حدّث عن رجل قال:
شردت لنا إبل فأتيت حليسا الأسدىّ فسألته عنها فقال لبنت له: خطّى، فخطّت ونظرت ثمّ انقبضت وقامت منصرفة فنظر حليس في خطّها فضحك وقال: أتدرى لم قامت؟
قلت: لا، قال: رأت أنك تجد إبلك وأنّك تتزوّجها فاستحيت فقامت، فخرجت فأصبت إبلى ثمّ تزوجتها بعد.
الفأل والطّيرة
حكى أنه لما ولد لسعيد بن العاص عنبسة قال سعيد لابنه يحيى: أىّ شىء تجلّه؟
قال: دجاجة بفراريجها، وإنما أراد احتقاره بذلك لأن أمّه كانت أمة فقال سعيد:
إن صدق الطير ليكوننّ أكثركم ولدا فكان كذلك.
стр. 959
لما طلب عامر بن إسماعيل مروان بن محمد اعترضه بالفيّوم قوم من العرب فسأل رجلا: ما اسمك؟ فقال منصور بن سعد: وأنا من سعد العشيرة، فتبسم تفاؤلا به وتيمّنا واستصحبه فظفر بمروان تلك الليلة.
ومن الطّيرة: ما حكى عن بعضهم قال: حضرت الموقف مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه فصاح به رجل من خلفه: يا خليفة رسول الله ﷺ ، ثم قال:
يا أمير المؤمنين! فقال رجل من خلفه: دعاه باسم ميت! مات والله أمير المؤمنين، ولا يقف هذا الموقف أبدا! فالتفت اليه فاذا هو اللهبىّ؛ فقتل عمر قبل الحول.
وحكى أنّ عمر رضى الله عنه خرج الى حرّة واقم فلقى رجلا من جهينة فقال له:
ما اسمك؟ قال: شهاب، قال: ابن من؟ قال: ابن جمرة! قال: وممن أنت؟
قال: من الحرقة! قال: ثم ممن؟ قال: من بنى ضرام! قال: وأين منزلك؟
قال: بحرّة ليلى! قال: وأين تريد؟ قال: لظى وهو موضع! فقال عمر:
أدرك أهلك، فما أراك تدركهم إلا وقد احترقوا، قال: فأدركهم، وقد أحاطت بهم النار.
وقال المداينىّ: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربا منه فنزل قرية من الصعيد يقال لها: شكر، فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ قال طالب بن مدرك! فقال: أوّه! ما أرانى راجعا الى الفسطاط أبدا؛ ومات في تلك القرية.
وقيل: بينا مروان بن محمد في إيوان له ينفّذ الأمور، فانصدعت زجاجة الأموال، فوقعت الشمس منها على منكب مروان وكان هناك عياف فقال: صدع الزّجاج
стр. 960
أمر منكر على أمير المؤمنين، ثم قام فاتّبعه ثوبان مولى مروان. فقال له: ويحك! ما قلت؟ قال. قلت: صدع الزجاج صدع السلطان، ستذهب الشمس بملك مروان، بقوم من الترك أو خراسان، ذلك عندى واضح البرهان! قال: فما ورد لذلك شهران حتّى ورد خبر أبى مسلم.
وقال إبراهيم بن المهدىّ: أرسل الىّ محمد الأمين في ليلة مقمرة من ليالى الصيف فقال: يا عمّى! إن الحرب بينى وبين طاهر قد سكنت فصر الىّ فإنى اليك مشتاق فجئته وقد بسط له على سطح، وعنده سليمان بن جعفر، وعليه كساء روذبارىّ، وقلنسوة طويلة، وجواريه بين يديه وضعف جاريته عنده. فقال لها: غنّينى فقد سررت بعمومتى فاندفعت تغنّيه
هم قتلوه كى يكونوا مكانه ... كما فعلت يوما بكسرى مرازبه!
بنى هاشم كيف التّواصل بيننا ... وعند أخيه سيفه ونجائبه؟
هكذا غنته، وإنما هو
وعند علىّ سيعه ونجائبه
فغضب وتطيّر، وقال: ما قصّتك؟ ويحك! غنينى ما يسرّنى، فغنّت
هذا مقام مطرّد ... هدمت منازله ودوره!
فازداد تطيّرا، ثم قال: ويحك! انتهى وغنّى غير هذا فغنّت
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرّج بالدّم
فقال لها: قومى الى لعنة الله، فوثبت؛ وكان بين يديه قدح بلّور وكان لحبه إيّاه يسمّيه محمدا باسمه، فأصابه طرف ذيلها فسقط على بعض الصوانى فانكسر،
стр. 961
فأقبل علىّ وقال: أرى والله يا عمّ أن هذا آخر أمرنا، فقلت: كلّا! بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويسرّك، قال: ودجلة والله هادئة ما فيها صوت مجداف، ولا أحد يتحرّك؛ فسمعت هاتفا يهتف: (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ)
قال فقال لى:
سمعت يا عمّ؟ فقلت: وما هو؟ وقد والله سمعته، فاذا الصوت قد عاد فقال: انصرف بيتك الله بخير فمحال أن لا تكون الآن قد سمعت ما سمعت، فانصرفت وكان آخر العهد به.
وشبيه بهذا ما حكى عن علّوية المغنىّ قال: كنت مع المأمون لما خرج الى الشام، فدخلنا دمشق فطفنا فيها، وجعل يطوف على قصور بنى أميّة، ويتتبّع آثارهم، فدخلنا صحنا من صحونهم، مفروشا بالرخام الأخضر، وفيه بركة ماء فيها سمك، وأمامها بستان، فاستحسن ذلك وعزم على الصّبوح ودعا بالطعام والشراب، وأقبل علىّ فقال: غنّنى ونشّطنى، فكأنّ الله تعالى أنسانى الغناء كله إلا هذا الصوت من شعر عبد الله بن قيس الرّقيّات
لو كان حولى بنو أمية لم ... تنطق رجال أراهم نطقوا
من كلّ قرم محض ضرائبه ... عن منكبيه القميص ينخرق
قال: فنظر الىّ مغضبا، وقال: عليك وعلى بنى أميّة لعنة الله، ويلك! أقلت لك سرّنى أو سؤنى؟ ألم يكن لك وقت تذكر فيه بنى أميّة إلا هذا الوقت تعرّض بى؟ فتجلّدت عليه وعلمت أنّى قد أخطأت، فقلت: أتلومنى على أن أذكر بنى أميّة؟ هذا مولاكم زرياب عندهم يركب في مائتى غلام مملوك له، ويملك ثلاثمائة ألف دينار [وهبوها له سوى الخيل والضياع والرّقيق «١» ] : وأنا عندكم أموت
стр. 962
جوعا، فقال: أو لم يكن لك شىء تذكّرنى به نفسك غير هذا؟ فقلت: هكذا حضرنى حين ذكرتهم، فقال: أعرض وتنبّه على إرادتى وغنّ فأنسانى الله كلّ شىء أحسنه إلا هذا الصوت
الحين ساق الى دمشق وما ... كانت دمشق لأهلنا بلدا
قادتك نفسك فاستقدت لها ... وأرتك أمر غواية رشدا
فرمانى بالقدح فأخطأنى وانكسر القدح، وقال: قم الى لعنة الله وحرّ سقر! فركب، وكانت تلك الحال آخر عهدى به حتى مرض ومات بعد ذلك بقليل.
ومثل ذلك ما حكى في قتلة المتوكل، وذلك أنه جلس يوم الأربعاء لأيام خلون من شوّال سنة تسع وأربعين ومائتين وقال للفتح بن خاقان: أحبّ أن نصطبح؛ فأحضر المغنّين وفيهم أحمد بن أبى العلاء فقال له: غنّ فغنّى
يا عاذلىّ من الملام دعانى ... إنّ البليّة فوق ما تصفان
زعمت بثينة أنّ فرقتنا غدا ... لا مرحبا بغد فقد أبكانى
فتطّير المتوكّل منه، وقال: أحمد! كيف وقع لك أن تغنّى بهذا الشعر، قال:
فشغل قلب ابن أبى العلاء لما أنكر عليه، ثم ذهب ليغنّى غيره، فغنّاه ثانية، فقال المتوكّل: نسأل الله خير هذا اليوم، وصرف المغنّين وقام لصلاة الظهر، فلمّا فرغ قال له الفتح: يا سيّدى أتمم يومك، فدعا بالشراب وقال: أين ابن أبى العلاء؟ فأحضر فقال له: غنّ، فأغمى عليه فأعاد البيتين فاغتمّ المتوكّل غاية الغمّ وقتل في الليلة الآتية من ذلك اليوم.
قال القاضى أبو على الجوينىّ: حضرت بين يدى سيف الدولة أبى الحسن صدقة ابن منصور بن دبيس، وابنه أبو المكارم محمد إذ ذاك مريض مرضه الذى مات فيه
стр. 963
وقد أتى بديوان أبى نصر بن نباته فتصفّحه فوقع بيده وقال: يعزّى سيف الدولة أبا الحسن ويرثى ابنه أبا المكارم محمد، فأخذت المجلّد وأطبقته فعاد فتصفّحه فخرج ذلك، ومن القصيدة التى عناها قوله
فإنّ بميّا فارقين حفيرة ... تركنا عليها ناظر الجود داميا
تضمّنها أيدى فتى ثكلت به ... غداة ثوى أمالنا والأمانيا
ولمّا عدمنا الصبر بعد محمد ... أتينا أباه نستفيد التعازيا
حكى: أنّ أبا الشمقمق شخص مع خالد بن يزيد بن مزيد وقد تقلّد الموصل، فلما أراد الدخول اليها اندقّ لواؤه في أوّل درب منها، فتطيّر من ذلك وعظم عليه، فقال أبو الشمقمق
ما كان مندقّ اللواء لريبة ... تخشى ولا أمر يكون مبذّلا
لكنّ هذا الرمح ضعّف متنه ... صغر الولاية فاستقلّ الموصلا
فسرّى عن خالد، وكتب صاحب البريد بذلك الى المأمون، فزاده ديار ربيعة وكتب اليه: هذا التضعيف الموصل متن رمحك، فأعطى خالد أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم.
وقيل: لمّا توجّه المسترشد للقاء السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجلقىّ، وقع على الشمسية التى ترفع على رأسه طائر من الجوارح وألحّ، كلما نفّر عاد، فتفاعل الناس له بذلك وسرّ هو به، فقال إنسان يعرف بملكدار: هذا جارح ومنقبض الكفّ وليس فيه بشرى بل ضدّها، وأقبل السلطان في جيشه فكانت الكسرة وقبض على المسترشد وقتل من بعد.
стр. 964
خرج بعض ملوك الفرس الى الصيد، فكان أوّل من استقبله أعور فأمر بضربه وحبسه، ثم خرج وتصيّد صيدا كبيرا، فلمّا عاد استدعى الأعور وأمر له بصلة، فقال الأعور: لا حاجة لى في صلتك، ولكن ائذن لى في الكلام، فقال: تكلّم! قال:
لقيتنى فضربتنى وحبستنى، ولقيتك فصدت وسلمت فأيّنا أشأم؟ فضحك وخلاه.
الفراسة والذكاء
يقولون: عظم الجبين يدلّ على البله، وعرضه يدلّ على قلة العقل، وصغره على لطف الحركة، والحاجبان اذا اتصلا على استقامة دلّا على تخنيث واسترخاء، واذا تزججا نحو الصّدغين دلّا على طنز واستهزاء، والعين اذا كانت صغيرة الموق دلّت على سوء دخلة، وخبث شمائل، واذا وقع الحاجب على العين دلّ على الحسد، والعين المتوسطة في حجمها دليل فطنة وحسن خلق ومروءة، والناتئة على اختلاط عقل، والطائرة على حدّة، والتى يطول تحديقها على قحة وحمق، والتى تكسر طرفها على خفّة وطيش، والشّعر على الأذن يدلّ على جودة السمع، والأذن الكبيرة المنتصبة تدلّ على حمق وهذيان.
وحكى: أن أبا موسى الأشعرىّ وجّه السائب بن الأقرع في خلافة عمر بن الخطّاب رضى الله عنه الى مهرجا بعد أن فتحها ودخل دار الهرمزان بعد أن جمع السبى والغنائم، ورأى في بعض مجالس الدار تصاوير فيها مثال ظبى وهو مشير بإحدى يديه الى الأرض، فقال السائب: لأمر ما صوّر هذا الظبى هكذا، إن له لشأنا، فأمر بحفر الموضع الذى الإشارة اليه فأفضى الى موضع فيه حوض من رخام، فيه سفط جوهر فأخذه السائب وخرج به الى عمر رضى الله عنه.
стр. 965
وقيل: كان المعتضد يوما جالسا في بيت يبنى له وهو يشاهد الصّنّاع فرأى في جملتهم عبدا أسود منكر الخلق، شديد المرح، يصعد على السلاليم مرقاتين مرقاتين ويحمل ضعف ما يحمل غيره، فأنكر أمره، وأحضره وسأله عن سبب ذلك، فلجلج فقال لوزيره: قد خمّنت في هذا نخمينا ما أحسبه باطلا، إمّا أن يكون معه دنانير قد ظفر بها من غير وجهها، أو لصّا يتستّر بالعمل، ثم قال: علىّ بالأسود فأحضره وضربه، وحلف إن لم يصدقه ليضربنّ عنقه، فقال الأسود: ولى الأمان يا أمير المؤمنين، قال: نعم! إلّا ما كان من حدّ، فظن أنه قد أمّنه، فقال: كنت أعمل في أتّون الآجرّ، منذ سنين، فأنا منذ شهور جالس إذ مرّ بى رجل في وسطه كيس فتبعته وهو لا يعرف مكانى فحلّ الهميان وأخرج منه دينارا فتأمّلته فاذا كله دنانير فكتّفته وسددت فاه وأخذت الهميان وحملته على كتفى وطرحته في التّنور وطيّنت عليه، فلما كان بعد أيام أخرجت عظامه وطرحتها في دجلة والدنانير معى تقوّى قلبى قال: فأرسل المعتضد من أحضر الدنانير، واذا على الكيس:
لفلان بن فلان، فنادى في المدينة، فحضرت امرأته وقالت: هذا زوجى وقد ترك طفلا صغيرا خرج في وقت كذا ومعه كيس فيه ألف دينار، فغاب الى الآن، فسلّم الدنانير اليها وأمرها أن تعتدّ، وضرب عنق الأسود وأمر أن يوضع فى الأتّون.
وقيل: جلس المنصور في إحدى قباب المدينة فرأى رجلا ملهوفا مهموما يجول فى الطرقات، فأرسل من أتاه به فسأله عن حاله فأخبره أنّه خرج في تجارة فأفاد مالا ورجع الى منزله به، فدفعه الى امرأته، فذكرت المرأة أنّ المال سرق ولم يرنقبا ولا تسلّقا، فقال له المنصور: منذكم تزوّجتها؟ قال: منذ سنة، قال: فبكرا أو ثيّبا؟
стр. 966
قال ثيّبا، قال: فلها ولد من سواك؟ قال: لا، قال: شابّة أم مسنّة؟ قال:
شابّة، فدعا المنصور بقارورة طيب، وقال: تطيّب بهذا، فهو يذهب همّك، فأخذها وانقلب الى أهله، ثم قال المنصور لأربعة من ثقاته: اقعدوا على أبواب المدينة، فمن مرّبكم وعليه شىء من هذا الطّيب فأتونى به، وأشمهم من ذلك الطّيب، ومضى الرجل بالطّيب، فدفعه الى امرأته وقال: وهبه لى أمير المؤمنين، فلمّا شمّته بعثت به الى رجل كانت تحبّه وقد كانت دفعت اليه المال فتطيّب به، ومرّ مجتازا ببعض الأبواب، فأخذ وأتى به الى المنصور، فقال له: من أين استفدت هذا الطيب؟ فلجلج لسانه، فسلّمه الى صاحب شرطته وقال: أن احضر الدنانير وإلّا فاضربه ألف سوط، فما هو إلّا أن جرّد وهدّد، فأحضر الدنانير على حالتها فأعلم المنصور بذلك، فدعا صاحب الدنانير وقال: أرأيتك إن رددت عليك متاعك بعينه أتحكّمنى في امرأتك؟ قال: نعم! قال: خذ دنانيرك وقد طلّقت امرأتك وخبّره الخبر.
ودخل شريك بن عبد الله القاضى على المهدىّ فأراد أن يبخّره فقال للخادم: ائت القاضى بعود، فذهب فجاء بالعود الذى يلهى به، فوضعه في حجر شريك، فقال شريك:
ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: عود أخذه صاحب العسس البارحة فأحببنا أن يكون كسره على يد القاضى، فقال شريك: جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين، ثم ضرب به الأرض فكسره ثم أفاضوا في حديث آخر حتى نسى الأمر ثم قال المهدىّ لشريك:
ما تقول فيمن أمر وكيلا له أن يأتى بشىء فجاء بغيره فتلف ذلك الشىء؟ فقال:
يضمن يا أمير المؤمنين، فقال للخادم: اضمن ما تلف.
стр. 967
الباب الرابع من القسم الثانى من الفن الثانى فى الكنايات والتعريض
والكنايات لها مواضع؛ فأحسنها العدول عن الكلام القبيح الى ما يدلّ على معناه فى لفظ أبهى منه. ومن ذلك أن يعظّم الرجل فلا يدعى باسمه ويكنى بكنيته، أو يكنى باسم ابنه صيانة لاسمه، وقد ورد في ذلك كثير من آى القرآن فمنها قوله تعالى (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً)
أى كنّياه. وقد كنّى رسول الله ﷺ علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: بأبى تراب؛ وقال البحترىّ
يتشاغفن بالصغير المسمّى ... موضعات وبالكبير المكنّى
وهذا يدل على أن المراد بالكنية التبجيل؛ وقول ابن الرومىّ
بكت شجوها الدنيا فلما تبيّنت ... مكانك منها استبشرت وتثنّت
وكان ضئيلا شخصها فتطاولت ... وكانت تسمّى ذلة فتكنّت
وقال أبو صخر الهذلىّ
أبى القلب إلا حبّه عامريّة ... لها كنية: عمرو، وليس لها عمرو
ومن عادة العرب وشأنهم؛ استعمال الكنايات في الأشياء التى يستحيى من ذكرها، قصدا للتعفّف باللسان، كما يتعفّف بسائر الجوارح، قال الله عزوجلّ تأديبا لعباده (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)
فقرن عفّة البصر
стр. 968
بعفّة الفرج؛ وفي القرآن كنايات عدل بها عن التصريح تنزيها عن اللفظ المستهجن، كقوله تعالى: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)
وقال أبو عبيد: هو كناية، شبّه النساء بالحرث، وقوله تعالى: (وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا)
، قيل: هو كناية عن الفروج، وفي موضع آخر: يوم (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)
، وقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ)
، وقوله تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ)
قال المفسرون: هذا تنبيه بأكل الطعام على عاقبة ما يصير اليه؛ وهو الحدث، لأن من أكل الطعام فلا بدّ أن يحدث. ثم قال:
(انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ)
وهذا من ألطف الكناية، ومنه قوله تعالى: (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) *
فالغائط: المطمئن من الأرض، وكانوا يأتونه لحاجتهم ويستترون به عن الأماكن المرتفعة. ومن لم ير الوضوء من لمس النساء جعل الملامسة هاهنا كناية عن الفعل.
ومن الكنايات في كلام رسول الله ﷺ وهو وإن كان قد ورد في الأمثال أشبه بالكناية- منها قوله ﷺ «إياكم وخضراء الدّمن» يريد بها المرأة الحسناء في المنبت السوء، وتفسير ذلك: أن الريح تجمع الدّمن، وهو البعر في البقعة من الأرض فأذا أصابه المطر نبت نبتا غضّا يهتزّ وتحته الدّمن الخبيث، يقول:
فلا تنكحوا هذه المرأة الحسناء لجمالها، ومنبتها خبيث كالدّمن؛ فإن أعراق السوء تزرع أولادها؛ وقال زفر بن الحارث
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا!
стр. 969
وقوله ﷺ : «حمى الوطيس» قاله لما جال المسلمون يوم حنين، والوطيس: حفيرة تحتفر في الأرض شبيهة بالتنّور؛ وقال الحسن: لبث أيوب ﵇ على المزبلة سبع سنين، وما على الأرض يومئذ خلق أكرم على الله منه، فما سأل الله العافية إلا تعريضا في قوله: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
والعرب تكنى عن الفضلة المستقذرة بألفاظ كلّها كنايات، منها: الرّجيع والنّجو والبراز والغائط والعذرة والحشّ، فبعض هذه الألفاظ يراد بها نفس الحدث، وبعضها يراد بها المواضع التى يأتى اليها المحدث، وكذلك استعملوا في إتيان النساء: المجامعة، والمرافعة، والمباضعة، والمباشرة، والملامسة، والمماسّة، والخلوة، والإفضاء، والغشيان، والتغشّى، وكل هذه الألفاظ مذكورة في القرآن.
وحكى: أن رجلا من بنى العنبر كان أسيرا في بكر بن وائل، وعزموا على غزو قومه، فسألهم رسولا الى قومه، فقالوا: لا ترسل إلا بحضرتنا لئلا تنذرهم، وجىء بعبد أسود، فقال له: أتعقل؟ قال: نعم إنى لعاقل! قال: ما أراك عاقلا! ثم أشار بيده الى الليل، فقال: ما هذا؟ قال: الليل! قال: أراك عاقلا. ثم ملأ كفّيه من الرمل فقال: كم هذا؟ قال: لا أدرى وإنه لكثير، قال: أيّما أكثر؟
النجوم أم النيران؟ قال: كلّ كثير، فقال: أبلغ قومى التحيّة، وقل لهم ليكرموا فلانا، يعنى أسيرا كان في أيديهم من بكر، فإن قومه لى مكرمون وقل لهم: إن العرفج قد أدبى، وشكّت النساء، وأمرهم أن يعروا ناقتى الحمراء، فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملى الأصهب بآية ما أكلت معهم حيسا، واسألوا عن خبرى أخى الحارث؛
стр. 970
فلما أدّى العبد الرسالة اليهم قالوا: قد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء، ولا جملا أصهب، ثم سرّحوا العبد ودعوا الحارث فقصّوا عليه القصّة، فقال:
قد أنذركم؛ أمّا قوله: قد أدبى العرفج؛ يريد: أن الرجال قد استلاموا ولبسوا السلاح، وقوله: وشكّت النساء؛ أى اتخذن الشّكاء للسفر، وقوله: الناقة الحمراء؛ أى ارتحلوا عن الدهناء واركبوا الصّمّان وهو الجمل الأصهب، وقوله: بآية ما أكلت معكم حيسا أى أخلاط من الناس وقد غزوكم؛ لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط، فامتثلوا ما قال، وعرفوا لحن كلامه. وحكى أبو الفرج الأصفهانىّ بسنده الى مجالد ابن سعيد عبد الملك بن عمر قال: قدم علينا عمر بن هبيرة الكوفة، فأرسل الى عشرة أنا أحدهم من وجوه أهل الكوفة، فسمرنا عنده. ثم قال: ليحدثنى كلّ رجل منكم أحدوثة. وابدأ أنت يا أبا عمرو، فقلت: أصلح الله الأمير، أحديث الحق أم حديث الباطل؟ قال: بل حديث الحقّ، قلت: إن امرأ القيس آلى ألية أن لا يتزوّج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنين، فجعل يخطب النساء فاذا سألهن عن هذا، قلن أربعة عشر، فبينا هو يسير في جوف الليل اذا هو برجل يحمل ابنة له صغيرة، كأنها البدر لتّمه، فأعجبته فسألها: يا جارية! ما ثمانية وأربعة واثنان؟
فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة، وأما أربعة فأخلاف الناقة، وأما اثنان فثديا المرأة، فخطبها الى أبيها، فزوّجه إياها وشرطت عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال، فجعل لها ذلك، وعلى أن يسوق اليها مائة من الإبل، وعشرة أعبد، وعشر وصائف، وثلاثة أفراس؛ ففعل ذلك، ثم إنه بعث عبدا له الى المرأة، وأهدى لها نحيا من سمن، ونحيا من عسل، وحلّة من قصب، فنزل العبد
стр. 971
على بعض المياه، فنشر الحلّة فلبسها فتعلّقت بسمرة فانشقّت، وفتح النّحيين فأطعم أهل الماء منهما فنقصا، ثم قدم على حىّ المرأة وهم خلوف فسألها عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع اليها هديّتها فقالت له: أعلم مولاك أنّ أبى ذهب يقرّب بعيدا، ويبعّد قريبا، وأنّ أمّى ذهبت تشقّ النفس نفسين، وأنّ أخى ذهب يراعى الشمس، وأنّ سماءكم انشقّت، وأنّ وعاءيكم نضبا، فقدم الغلام على مولاه فأخبره، فقال: أما قولها: أنّ ابى ذهب يقرّب بعيدا ويبعّد قريبا: فإن أباها ذهب يحالف قوما على قومه، وأما قولها: ذهبت أمّى تشق النفس نفسين: فإن أمها ذهبت تقبل امرأة نفساء؛ وأما قولها: ذهب أخى يراعى الشمس: فإن أخاها في سرح له يرعاه، فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به، وقولها: أن سماءكم انشقّت: فإن البرد الذى بعثت به انشقّ، وأما قولها: أن وعاءيكم نضبا: فإن النّحيين نقصا؛ فاصدقنى؛ فقال: يا مولاى! إنى نزلت بماء من مياه العرب، فسألونى عن نسبى، فأخبرتهم أنى ابن عمك، ونشرت الحلّة فلبستها وتجمّلت بها، فتعلّقت بسمرة فانشقّت، وفتحت النّحيين فأطعمت منهما أهل الماء. فقال: أولى لك؛ ثم ساق مائة من الإبل، وخرج ومعه الغلام ليسقى الإبل، فعجز؛ فأعانه امرؤ القيس فرمى به الغلام في البئر، وخرج حتى أتى المرأة بالإبل فأخبرهم أنه زوجها، فقيل لها: قد جاء زوجك! فقالت: والله ما أدرى أزوجى هو أم لا؟ ولكن انحروا له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها، ففعلوا؛ فأكل ما أطعموه، قالت: اسقوه لبنا حازرا (وهو الحامض) فسقوه؛ فشرب، فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم، ففرشوا له؛ فنام. فلما أصبحت أرسلت اليه: أريد أن أسألك عن ثلاث، قال: سلى عما بدا لك، فقالت: لم تختلج شفتاك؟
стр. 972
قال: من تقبيلى إياك! قالت: لم تختلج فخذاك؟ قال: لتورّكى إياك! قالت:
فلم يختلج كشحاك؟ قال: لالتزامى إياك! قالت: عليكم العبد! فشدّوا أيديكم به؛ ففعلوا؛ قال: ومرّقوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر، فرجع الى حيّه واستاق مائة من الإبل وأقبل الى امرأته. فقيل لها: قد جاء زوجك! فقالت: والله ما أدرى أزوجى هو أم لا؟ ولكن انحروا له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها، ففعلوا؛ فلما أتوه بذلك، قال: وأين الكبد والسّنام والملحاء؟ فأبى أن يأكل، فقالت:
اسقوه لبنا حازرا، فأتى به، فأبى أن يشربه وقال: أين الصّريف والرّثيئة؟ فقالت:
افرشوا له عند الفرث والدم، ففرشوا له؛ فأبى أن ينام وقال: افرشوا لى فوق التلعة الحمراء واضربوا عليها خباء، ثم أرسلت اليه: هلمّ شريطتى عليك في المسائل الثلاث، فأرسل اليها: سلينى عما شئت، فقالت: لم تختلج شفتاك؟ قال: لشرب المشعشعات؛ قالت: فلم يختلج كشحاك؟ قال: للبس الحبرات؛ قالت: فلم يختلج فخذاك؟
قال: لركض المطهّمات؛ قالت: هذا زوجى لعمرى! فعليكم به، واقتلوا العبد فقتلوه، ودخل امرؤ القيس بالجارية؛ قال ابن هبيرة: حسبكم! فلا خير فى الحديث في سائر الليلة بعد حديثك يا أبا عمرو ولن يأتينا أحد بأعجب منه، فقمنا فانصرفنا وأمر لى بجائزة.
وقيل: بعث نشامة بن الأعور العنبرىّ الى أهله بثلاثين شاة ونحى صغير فيه سمن، فسرق الرسول شاة، وأخذ من رأس النحى شيئا، فقال لهم الرسول: ألكم حاجة أخبره بها؟ فقالت امرأته: أخبره أنّ الشهر محاق، وأن جدينا الذى كان يطالعنا وجدناه مرثوما، فارتجع منه الشاة والسمن.
стр. 973
وقيل: أسرت طىّء غلاما، فقدم أبوه ليفديه، فاشتطّوا عليه. فقال أبوه:
لا والذى جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبلى طىّء! ما عندى غير ما بذلته، ثم انصرف وقال: لقد أعطيته كلاما إن كان فيه خير فهمه. كأنه قال: الزم الفرقدين على جبلى طىّء، ففهم الابن تعريضه وطرد إبلا لهم من ليلته ونجا.
ومن التخليص المتوسّط اليه بالكناية؛ ما روى عن عدىّ بن حاتم بن عبد الله الطائىّ، أنه قال يوما في حق الوليد بن عقبة بن أبى معيط: ألا تعجبون لهذا؟ أشعر بركا يولّى مثل هذا المصر، والله ما يحسن أن يقضى في تمرتين. فبلغ ذلك الوليد فقال على المنبر: أنشد الله رجلا سمّانى أشعر بركا إلا قام، فقام عدىّ بن حاتم فقال: أيها الأمير، إن الذى يقوم فيقول: أنا سمّيتك أشعر بركا لجرىء، فقال له: اجلس يا أبا طريف! فقد برّأك الله منها، فجلس وهو يقول: ما برأنى الله منها.
وقيل: كان شريح عند زياد بن أبيه وهو مريض، فلما خرج من عنده أرسل اليه مسروق رسولا وقال: كيف تركت الأمير؟ فقال: تركته يأمر وينهى، قال مسروق:
إنه صاحب مرض، فارجع اليه واسأله ما يأمر وينهى، قال: يأمر بالوصيّة وينهى عن النّوح.
خطب رجل الى قوم فجاءوا الى الشعبىّ يسألونه عنه، وكان به عارفا، فقال: هو والله ما علمت نافذ الطعنة، ركين الجلسة، فزوّجوه؛ فاذا هو خيّاط فأتوه فقالوا:
غررتنا فقال: ما فعلت وإنه لكما وصفت.
стр. 974
وخطب باقلانىّ الى قوم وذكر أن الشعبىّ يعرفه فسألوه فقال: إنه لعظيم الرماد، كثير الغاشية.
قيل: أخذ العسس رجلين فقال لهما: من أنتما؟ فقال أحدهما
أنا ابن الذى لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا الى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود!
وقال الآخر
أنا ابن من تخضع الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها
تأتيه بالذلّ وهى صاغرة ... يأخذ من مالها ومن دمها!
فظنوهما من أولاد الأكابر، فلما أصبح سأل عنهما؛ فإذا الأول ابن طبّاخ والثانى ابن حجّام.
وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه للأحنف: أىّ الطعام أحبّ اليك؟
قال: الزّبد والكمأة. فقال: ما هما بأحبّ الطعام اليه، ولكنه يحبّ الخصب للمسلمين.
وقال لقمان لابنه: كل أطيب الطعام، ونم على أوطأ الفرش؛ كنّى عن إكبار الصيام، وإطالة القيام.
ومن جيّد التورية وغريبها مع توخّى الصدق في موطن الخوف: قول أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه، وقد أقبل رسول الله ﷺ وهو رديفه عام الهجرة، فقيل له: من هذا يا أبا بكر؟ فقال: رجل يهدينى السبيل.
стр. 975
ورفع الى عبيد الله بن الحسن قاضى البصرة وصية لرجل بمال أمر أن تتّخذ به حصون. فقال: اشتروا به خيلا للسبيل، أما سمعتم قول النخعىّ
ولقد علمت على تجنبى الردى ... أن الحصون الخيل لا مدر القرى
قيل كان البراء بن قبيصة صاحب شراب؛ فدخل على الوليد بن عبد الملك، وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ قال فرس لى أشقر، ركبته فكبابى، فقال:
لو ركبت الأشهب لما كبابك؛ يريد الماء.
قال عبد الملك بن مروان لثابت بن الزبير: ما ثابت من الأسماء! ليس باسم رجل ولا امرأة، قال: يا أمير المؤمنين لا ذنب لى لو كان اسمى الىّ، لسمّيت نفسى زينب، يعرّض به؛ فإنه كان يعشق زينب بنت عبد الرحمن بن هشام فخطبها؛ فقالت: لا أوسّخ نفسى بأتى الذبّان.
قال نميرىّ لفقعسىّ: إنى أريد إتيانك فأجد على بابك جروا، فقال له الفقعسىّ:
اطرح عليه ترابا وادخل؛ أراد النميرىّ قول الشاعر
ينام الفقعسىّ وما يصلّى ... ويخرى فوق قارعة الطريق
وأراد الفقعسىّ قول الآخر
ولو وطئت نساء بنى نمير ... على ترب لخبّثن الترابا
قال عبد الله بن الزبير لامرأة عبد الله بن حازم السلمىّ: أخرجى المال الذى وضعته تحت استك، فقالت: ما ظننت أن أحدا يلى شيئا من أمور المسلمين يتكلّم بهذا، فقال بعض من حضر: أما ترون الخلع الخفىّ الذى أشارت اليه؟ فلما أخذ الحجّاج أمّ عبد الرحمن بن الأشعث تجنّب ما عيب على ابن الزبير، فكنّى عن المعنى فقال لها:
عمدت الى مال الله فوضعته تحت ذيلك.
стр. 976
ماتت للهذلىّ أمّ ولد، فأمر المنصور الربيع بأن يعزّيه ويقول له: إن أمير المؤمنين يوجّه اليك بجارية نفيسة لها أدب وظرف تسليك عنها، وأمر لك بفرس وكسوة وصلة؛ فلم يزل الهذلىّ يتوقّعها، ونسيها المنصور، ثم حجّ ومعه الهذلىّ فقال له وهو بالمدينة:
أحبّ أن أطوف الليلة في المدينة، وأطلب من يطوف بى فقال: أنا لها يا أمير المؤمنين؛ فطاف به حتى وصل الى بيت عاتكة فقال: يا أمير المؤمنين! وهذا بيت عاتكة الذى يقول فيه الأحوص
يا بيت عاتكة الذى أتعزّل
فأنكر المنصور ذكر بيت عاتكة من غير أن يسأله عنه؛ فلما رجع أمرّ القصيدة على خاطره فاذا فيها
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل
فتذكّر الموعد وأنجزه واعتذر اليه.
اجتمع الشعراء بباب أمير من أمراء العرب، فمرّ رجل بباز فقال رجل من بنى تميم لآخر من بنى نمير: هذا البازى! فقال النميرىّ: إنه يصيد القطا؛ عرّض الأوّل بقول جرير
أنا البازى المطلّ على نمير ... أتيح من السماء لها انصبابا
وأراد الآخر قول الطرمّاح
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلّت
قال عمر بن هبيرة الفزارىّ لأيوب بن ظبيان النميرىّ وهو يسايره: غضّ من بغلتك! فقال: إنها مكتوبة، أراد بن هبيرة قول جرير
فغضّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
стр. 977
وأراد النميرىّ قول ابن دارة
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
وقيل: كان العزيز بن المعزّ العبيدىّ أحد الخلفاء بمصر يلعب بالحمام فتسابق هو وخادم له فسبق طائر الخادم طائر الخليفة؛ فبعث الى وزيره ابن كلس اليهودىّ يستعلمه عن ذلك فاستحيى أن يقول: إن طائر الخليفة سبق، فكتب إليه
يابن الذى طاعته عصمة ... وحبّه مفترض واجب
طائرك السابق لكنّه ... جاء وفي خدمته حاجب
جاءت امرأة إلى عمر رضى الله عنه فقالت: أشكو اليك زوجى، خير أهل الأرض إلا رجل سبقه لعمل، أو عمل مثل عمله، يقوم الليل حتى يصبح، ويصوم النهار حتى يمسى؛ ثم أخذها الحياء فقالت: أقلنى يا أمير المؤمنين! فقال: جزاك الله خيرا! فقد أحسنت الثناء، فلما ولّت قال كعب بن شور: يا أمير المؤمنين لقد أبلغت اليك في الشكوى، فإنها كنّت بذلك عن عدم المباضعة.
الباب الخامس من القسم الثانى من الفن الثانى فى الألغاز والأحاجىّ
قالوا: واشتقاق اللّغز من ألغز اليربوع ولغز: إذا حفر لنفسه مستقيما، ثم أخذ يمنة ويسرة ليوارى بذلك ويعمّى على طالبه. وللّغز أسماء فمنها: المعاياة، والعويص، والرمز، والمحاجاة، وأبيات المعانى، والملاحن، والمرموس، والتأويل، والكناية،
стр. 978
والتعريض، والإشارة، والتوجيه، والمعمّى، والممثّل، ومعنى الجميع واحد، واختلافها بحسب اختلاف وجوه اعتباراته، فانك إذا اعتبرته من حيث إن واضعه كأنه يعاييك، أى يظهر إعياءك وهو التعب، سميته: معاياة، وإذا اعتبرته من حيث صعوبة فهمه واعتياص استخراجه، سمّيته: عويصا، وإذا اعتبرته من حيث إنه قد عمل على وجوه وأبواب، سمّيته: لغزا، وفعلك له: إلغازا، واذا اعتبرته من حيث إن واضعه لم يفصح عنه قلت: رمز، وقريب منه الإشارة، وإذا اعتبرته من حيث إن غيرك حاجاك أى استخرج مقدار عقلك، سمّيته: محاجاة، وإذا اعتبرته من حيث إنه استخرج كثرة معانيه، سمّيته: أبيات المعانى، وإذا اعتبرته من حيث إنّ قائله قد يوهمك شيئا ويريد غيره، سميته: لحنا وسميت فعلك: الملاحن، وإذا اعتبرته من حيث إنه ستر عنك ورمس فهو: المرموس، والرمس: القبر، وإذا اعتبرته من أن معناه يؤوّل اليك، سميته: مؤوّلا، وسميت فعلك: تأويلا، وإذا اعتبرته من حيث إن صاحبه لم يصرّح بغرضه، سميته: تعريضا وكناية، وإذا اعتبرته من حيث إنه ذو وجوه، سميته: الموجّه، وسميت فعلك: التوجيه، وإذا اعتبرته من حيث إنه مغطّى عليك، سمّيته: معمّى.
قال الحكيم أمير الدولة المعروف بابن التلميذ في الميزان
ما واحد مختلف الأسماء؟ ... يعدل في الأرض وفي السماء
يحكم بالقسط بلا رياء ... أعمى يرى الرشاد كلّ رائى
أخرس لا من علّة وداء ... يغنى عن التصريح بالإيماء
يجيب إن ناداه ذو امتراء ... بالرفع والخفض عن النداء
يفصح إن علّق في الهواء.
стр. 979
قولة: مختلف الأسماء يعنى ميزان الشمس، والآصطرلاب، وسائر آلات الرصد، وهو معنى قوله: يحكم في السماء. وميزان الكلام: النحو، وميزان الشعر:
العروض، وميزان المعانى: المنطق، وهذه الميزان والذراع والمكيال.
وقال آخر فيه ما تقولون؟: فيما نزل من السماء، وعلّق في الهواء، له عين عمياء، وكفّ شلاء، ليس له إن عدل ثواب، ولا عليه إن جار عقاب، خلق من ثلاثة أجناس، تضعضعه الأنفاس، جسمه عار من غير لباس، أخرس اللسان، فى أذنه خرصان، مكرر الذكر فى القرآن، ينطوى اذا نام كالصّلّ، وفعله المستقبل معتلّ، وله في الآخرة أكبر محلّ.
وقال أبو نصر الكاتب في الخاتم
ومنكوح إذا ملكته كفّ ... وليس يكون في هذا مراء
له عين تخلّلها صياء ... فإن كحلت فللميل العماء
يظلّ طليعة للوصل هونا ... وللخاشى بزورته احتماء
وقد أوضحته وأبت عنه ... ففسّره فقد برح الخفاء
أراد بقوله: تخلّلها ضياء أى أنها مفتوحة وكحلها بالإصبع؛ وقد يبعث المحبوب بخاتمه علامة للزيارة أو رهنا عليها وهو أمان للجانى.
وقال ابن الرومىّ في فتيلة السراج
ما حيّة في رأسها درّة ... تسبح في بحر قليل المدى؟
إن غيّبت كان العمى حاضرا ... وإن بدت لاح طريق الهدى!
стр. 980
وقال السرىّ الرفّاء في شبكة الصيّاد
وكثيرة الأحداق إلا أنها ... عمياء ما لم تنغمس في ماء
وإذا هى انغمست أفادت ربّها ... ما لا ينال بأعين البصراء
وقال آخر في النوم
وحامل يحملنى ... وما له شخص يرى!
إذا حصلت فوقه ... وهو لذيذ الممتطى!
سريت لا أدرى أفى ... أرض سريت أم سما!
وقال أبو العلاء المعرىّ في ركابى السرج
خليلان نيطا في جوانب مجلس ... جداراه قدّام له ووراء!
متى يضع الرّجلين ماش عليهما ... يزل عنه في وشك حفا وحفاء!
قوله: خليلان لتشابههما، والمجلس: السرج، وجداراه: قربوسه ورادفته، والحفا مقصور: وجع الرّجل، وممدود: من مشى الرجل حافيا بغير نعل.
وقال ابن القاسم عبد الصمد بن نائل في القفل
مجامع يعقد عقد الكلبه ... إن رامه غيرك جرّ نكبه
ينام كالأمرد لا كالقحبه ... حتى اذا شكّ القمدّ جنبه
وعالج الجذبة بعد الجذبه ... وانحلّ بالحقنة لا بالشربه
ألقى جنينا نتجته العزبه ... ثم إذا عاد إليه أشبه
بعض حروف المعجم المنكبه ... يبغض وهو صادق المحبه
يعتقد السّلم وينوى حربه ... وهو على ذاك طويل الصحبه
стр. 981
شبّهه بالمجامع: لدخول الفراش في بطنه، وقوله: يعقد عقد الكلبة: فى عسر المفارقة، وإن فتحه غيرك جرّ نكبة عليك لسرقة ما فيه، ينام كالأمرد: لانكبابه، والقمدّ: الذكر وهو المفتاح، والجنين: الفراش، وإذا عاد إليه أشبه حرف الكاف.
وقال في اسم سعيد
يبسم عن أوّل اسمه حبّى ... ثم بثانى حروفه يسبى
ثم بحرفين لو بدا بهما ... أسدى يدا، صورة اسمها تنبى
أربعة نصفها كجملتها ... فى العدّ لم تنتقص ولم تربى
هذا وفيه اسم يوم اتّفقت ... مفاخر العجم فيه والعرب
فأعمل الفكر في تأمله ... واركب به كلّ مركب صعب
شبّه السين بالثغر، وثانيه العين وهى تسبى القلوب، والحرفان يد وهى أربعة في العدد وستّة في الصورة، وإذا أخذت السين والعين فهى أربعة وهى جملة العدد، وفيه عيد وهو يوم التفاخر بالزينة واللبوس.
وقال ابن أبى البغل الكاتب في القلم
اصمّ عن المنادى لا يجيب ... به تخبو وتشتعل الخطوب
ضئيل الجسم «أعلم» ليس تخفى ... عليه غيوب ما تخفى القلوب
تراه راجلا لا روح فيه ... ويحييه وينطقه الرّكوب
يبين لسانه مكنّ سودا ... معارفه ويخرسه المشيب
يقسّم في الورى بؤسى ونعمى ... ويحكم والقضاء له مجيب
عجبت لسطوة فيه وضعف ... وكلّ أموره عجب عجيب
أراد بقوله: أعلم: مشقوق الشّفة.
стр. 982
وقال أبو العلاء المعرّى في الملح
وبيضاء من سرّ الملاح ملكتها ... فلما قضت إربى حبوت بها صحبى
فباتوا بها مستمتعين ولم تزل ... تحثّهم بعد الطعام على الشّرب
قوله: سرّ أى خالصة، والملاح جمع ملح، والإرب: الحاجة.
وقال آخر في عودى الغناء والبخور
وما شيئان إسمهما سواء ... وأصلهما معا عند انتساب
إذا حضراك بتّ قرير عين ... بلا طعم يلذّ ولا شراب
وما أن يوجدان النفع إلّا ... بضرب أو بضرب من عذاب
معنى اسمهما سواء ظاهر، وأصلهما خشب، والضّرب الأول: ضرب العود، والثانى: من العذاب وهو الإحراق.
وقال آخر في الحرب
ما ذات شوك لها جناح ... يختطف الناس عن قريب
وهى عقيم ترى بنيها ... من بين مرد وبين شيب
يأكل بعض البنين بعضا ... طلوع شمس الى غروب
تصحيفها الداء غير شك ... قد يحسم الداء بالطبيب
والداء معكوسه مكان ... يصلح للطائر النجيب
يعرفها من يكون طبّا ... بالشعر والنحو والغريب
هذا لغز معمى في الحرب، وشوكها: السلاح، وجناحاها: جانباها، وعقيم:
لأنها لا تلد، وبنوها: رجالها. وأكلهم: قتلهم. وتصحيفها: الجرب، وعكسه:
برح.
стр. 983
وقال آخر في الثدى
وما أخوان مشتبهان جدّا ... كما اشتبه الغرابة والغراب
يضمّهما على مرّ الليالى ... وما اجتمعا ولا افترقا إهاب
لذاك وذا دموع هاملات ... ولكن كلّ دمعهما شراب
يصونهما عن الأبصار دين ... ويضرب دون نيلهما حجاب
هما: ثديا المرأة، ويضمّهما إهاب: وهو الجلد.
وقال آخر في الفخّ
وما ميّت كفّنته ودفنته ... فقام الى حىّ صحيح فأوثقه
وقال آخر وهو لغز
حلف الحبيب علىّ لا سمّيته ... فكنيته ولطفت خوف تغاضبه
ظبى! اذا ما زارنى حلّ اسمه ... قلبى وذلك من عجيب عجائبه
ويكون إن رحمته وخرمته ... وقلبته ما تشتهى من صاحبه
ويكون إن صحّفت مبدأه الذى ... أصبحت تهواه لعين مراقبه
وتراه بعد الجزم إن ميّزت في التصحيف ... مقلوبا أشدّ معائبه
وحروفها فالنصف منها جذرها ... وحساب ذلك غير متعب حاسبه
فاطلبه سادس سادس ثانيه ثا ... نيه وثالثه كذاك لطالبه
وتمامه من بعد مثل حروفه ... فى البيت صحّ اسم الحبيب لقالبه
стр. 984
هو لغز في فرحة، والترخيم: حذف الآخر، والخرم: حذف الأوّل؛ فاذا رخم وخرم وقلب بقى: حر، واذا قلبت الفاء قافا بقى: قرحة لعين المراقب، واذا صحفته مقلوبا، وجزمت آخره صار: هجر، والنصف من حروفه اثنان، وهما جذر جميع حروفه، وقوله: فاطلبه سادس سادس: يعنى البيت السادس.
وقال آخر في سلمى
سل ماهرا بالقريض والأدب ... ما اسم فتاة قعيدة النّسب
قد صرّح الشّعر باسمها فمتى ... فكّرت فيها ظفرت بالعجب
الاسم: سلمى، وهو ظاهر في أول البيت.
وقال آخر في الكرة
ومضروبة تحيا إذا ما ضربتها ... وإن تركت من شدّة الضرب ماتت
وقال أبو عبد الله بن المغلّس في السّراج
وداع الى نفسه في الظلام ... وما سمعت أذنه صوته
اذا هو بيّض وجه الطريق ... سوّد في وجهه بيته
وقال آخر في الصّدى
وساكن يسكن في الفلاة ... ليس من الوحش ولا النبات
ولا من الجنّ ولا لحيّات ... ولا الخيام الشعر والأبيات
ولا بذى جسم ولا حياة ... كلا! ولا يدرك بالصفات
بلى! له صوت من الأصوات ... يسمع في الأحيان والأوقات
стр. 985
وقال ابن المغلّس في النخلة
وقائمة أبدا لا تنام ... وما قعدت قطّ مذ قامت
تعيش إذا غسلوا رجلها ... وإن حلقوا رأسها ماتت
وقال آخر ما يقول سيدنا الشيخ: فى شىء نزل من السماء، وركض في الهواء، وخيّم في البيداء، نطق على نفسه فأفصح، وتكلّم فبيّن وأوضح، أفقر وأغنى، وأمات وأحيا، له شوارق من غير غضب، ورقصات على غير طرب، يسبق الفرس السريع، ويسبقه الطفل الرضيع، مختلف الألوان، يوجد في كلّ زمان، ما أكثر لغاته! وأعمّ في البشر ذكر صفاته! وهو خفيف ثقيل، كثير قليل، كبير صغير، طويل قصير، غال رخيص، قوىّ ضعيف، سريع بطىء، بارد حارّ، نافع ضارّ، أبيض أسود أزرق، قريب بعيد، قديم جديد، متحرّك ساكن، ظاهر باطن، يتجسّر ويتكسّر، ويتعوّج ويتدوّر، سلطانه في الشمال وبه يذلّ، وضعفه في الجنوب وبه يعزّ، نحيل يخفى جثّة الفيل في طيّه وعطفه. ويتخلّل جفن العين الرمدة برفقه ولطفه، يمشى على الحدق فلا يؤلمها، ويطأ القلوب فلا يكلمها، على أنّه يقطع الطريق، ويخيف الفريق، كم أهلك من قوم وما راق ولا سفك! يحمل ألف قنطار، ويعجز عن حمل دينار، وهو ليلىّ نهارىّ، عربىّ عجمىّ، برىّ بحرىّ، سهلىّ جبلىّ، رومىّ نوبىّ، هندىّ حبشىّ، صينىّ جاهلىّ إسلامىّ. كان مع آدم في الجنّة، وصحب نوحا في السفينة، وتوسّط النار مع إبراهيم، كم له مع موسى من خبر! ولموسى فيه من آية وأثر! حمل المسيح على غير ظهر، وما سر في برّ ولا بحر، أخرجه النبىّ ﷺ من جسده، وفرّقه على صحابته، إذا نطقت به كان بعض أحد خلفاء بنى العباس السبعة وهو ١٤٣١.
следующие страницы →