← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

فلما قرب منها أمهل إلى أن جنّ الليل، وأمر باخراج الأسنّة وقد كانت وضعت في رمل كيلا تصدأ فركّبت على الرماح، وفرّق الجنن «١» على أصحابه، وحشيت الغرائر بالرمل وحمّلت على الجمال وحمّلت أشياء من حديد قد أعدّت لما يحتاج إليه، ثم سار بأصحابه إلى السور قبل الفجر، فوضعوا السلالم وصعد عليها قوم من جلداء أصحابه، وتقدّم إليهم بقتل من يتكلم من الموكّلين بالأبواب، ودفع للآخرين ما أعدّه لكسر الأقفال، وقد كان التوانى وقع في أرزاق الموكّلين على الأبواب، فتفرّقوا للمعاش إلا بقيّة من المشايخ القدماء فإنّ أرزاقهم كانت جارية عليهم، فصادفوا بعضهم هناك تلك الليلة فتسوّروا ونزلوا ووضعوا السيف عليهم، وجاء الآخرون فكسروا الأقفال ودخل القرامطة، فأوّل ما عملوا أن طرحوا الرمل المحمول معهم في الأبواب نحو ذراع، ليمنعوا غلقها إلا بتعب، وساروا ونذر بهم قوم فبادروا سبكا «٢» المفلحى وهو يومئذ الأمير فأعلموه، فركب وقد طلع الفجر ومعه بعض غلمانه فتلقوه وقتلوه، وفزع الناس وركبت الخيل فقتل من تسرّع منهم، وكانت العامّة قد منعها السلطان أن تحمل سلاحا، فاجتمعوا بغير سلاح ومعهم الآجر، وحضر سبك واجتمعت الجند ووقعت الحرب، فأصابت القرامطة جراحات والقتل في العامّة كثير، واستمرّ ذلك إلى آخر النهار واختلاط الظلام، ثم خرج القرامطة وقد قتلوا من الناس مقتلة عظيمة إلى خارج

стр. 9732

البلد فباتوا خارج الدرب، وخرج الناس بعيالاتهم فركبوا السفن، وباكر أبو طاهر البلد فنزل دار عبد السلام الهاشمى، وتفرّق أصحابه في البلد يقتلون من وجدوا وينهبون ما يجدون في المنازل، ويحمل ذلك إلى موضع قد أمر بجمعه فيه. وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل «١» : أن دخولهم البصرة كان في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وأنّه وصل إليها في ألف وسبعمائة رجل، وأقام بها سبعة عشر يوما يحمل منها ما يقدر عليه من الأموال والأمتعة والنساء والصبيان، وعاد إلى بلده. قال الشريف: وتراجع الناس فاشتغلوا بدفن من قتل، ولم يردّ كثير منهم حريمه خوفا من عود القرامطة، قال: ولما اتصل خبر هذه الحادثة بالسلطان أنفذ ابن نفيس «٢» في عدة وعدة فسكن الناس، وولى البلد فشحن السور بالرجّالة، وتحرّز الناس وأعدوا السلاح؛ قال: وكان أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان قد قلّد أعمال الكوفة وقصر ابن هبيرة والسواد وطريق مكة، فجرى بينه وبين البورانى وقائع عظيمة حتى ردّهم عن عمله بشجاعته وإقدامه، فعمرت البلاد وأمن الناس وصلحت الطرق واستقام عزّ السلطان، فوقف القرمطى من ذلك على ما هاله، وكانت جواسيس أبى طاهر لا تنقطع عن العراق في صور مختلفة، واتّصل به أنّ أبا الهيجاء يهوّن أمره ويتمنّى أن ينتدب لحربه، فخاف ذلك ولم يأمنه.

стр. 9733

ذكر أخذ أبى طاهر الحاج وأسره ابن حمدان وما كان من أمره في اطلاقه ؟؟؟ كانت هذه الحادثة في سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة، وذلك أن أبا طاهر بن أبى سعيد الجنابى القرمطى أنفذ رجلا من جواسيسه إلى مكة في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وقد خرجت قوافل الحاج مع أبى الهيجاء بن حمدان في تلك السنة، فكان الجاسوس يقوم على المحجّة فيقول: يا معشر الناس ادعوا على القرمطى عدوّ الله وعدوّ الاسلام، ويسأل عن أمير الحاج وفي كم هو وكم أرزاقهم، ويسأل عمّن خرج من التجّار وما معهم من الأموال، فكان ذلك دأبه حتى قضى الحج، ثم خرج في أوّل النفر فأسرع إلى سواد باهلة، ثم إلى اليمامة وصار إلى الأحساء في أيام يسيرة، فأخبر سليمان القرمطى بصورة الأمر، فوجّه سليمان من يثلّ «١» الآبار بينه وبين لبنه «٢» وبعض آبار لبنه ويسوّى حياضها، وورد بعض الأعراب إلى أبى الهيجاء- وهو بعيد ينتظر رجوع الحاج وذلك في آخر ذى الحجة من السنة- فأخبره أنّ آبار لبنه قد ثلت فاستراب بذلك، وجاء بعض الأعراب بجلّة «٣» فيها قطعة من تمر هجّر فتيقّن أمر القرامطة، فشغل ذلك قلبه، وجاءه ما لم يقدره ولا ظنه فاضطرب من ذلك اضطرابا شديدا، وورد حاتم الخراسانى بقافلة

стр. 9734

الحاج من مكة ثانى ذلك اليوم، ومعه قافلة عظيمة، فزاد ذلك في شغل قلب أبى الهيجاء لخوفه عليه، ولم يظهر ذلك لحاتم ولا لغيره ثم ارتحل فلم يعترض عليه، فلما صار حاتم بالثعلبيّة أنهى إليه شىء من أخبار القرامطة وأنّهم بلبنه، وكان القرمطى رحل من بلده في ستمائة فارس وألف راجل، وسار حاتم فاجتاز بالهبير ليلا فلم ينزله، وسار حتى نزل الشقوق، وأغذّ السير وسلّمه الله ومن معه، ونزلت بفيد قافلة أخرى من غد رحيل حاتم من الخراسانيّة، ثم ساروا عنها حتى إذا كانوا بالهبير ظهر لهم أبو طاهر سليمان القرمطى، فقتل بعضهم وأفلت البعض حتى وردوا الكوفة، فاشتد خوف الناس بالكوفة على الحاج واضطربوا، إلا أن نفوسهم قويّة بمقام أبى الهيجاء بفيد، وكان أبو الهيجاء قد أنفذ رجلا طائيا يعرف له أخبار القرامطة، يقال له مسبع بن العيدروس من بنى سنبس- وكان خبيرا بالبرّ، وتقدّم إليه أن يسرع إليه بالخبر ويعدل عن الطريق، ومعه جماعة قد أزاح عللهم في الرزق والمحمل، فساروا حتى قربوا من لبنه فنزل إليهم فارسان، فركبوا خيولهم وتلقّوهما فتطاردوا، وقصّرا في الركض وهبطا واديا خلفهما وخرجا منه، ولحقتهم الخيل فساروا على أرض جدب، فدفع عليهم نحو من سبعين فارسا، فلم ينته حتى طعنت فيهم وضربت، فرجع القوم على خيل مطرودة وخيول القرامطة مستريحة، فبالغوا في دفعهم بكل جهد فلم تك إلا ساعة حتى قتلوا جميعا، وأسروا مسبعا دليل القوم فحملوه إلى لبنه، فسأله القرمطى وقال: إن صدقتنى أطلقتك، فلما أخبره أمر بحفظه، قال: ولم بمض لأبى الهيجاء يومان بعد إرسال الطليعة حتى وردت قوافل الحاج

стр. 9735

وأصحاب السلطان معها، وفيها من الوجوه أحمد بن بدر، عم السيدة أم المقتدر بالله، وشفيع الخادم، وفلفل الأسود صاحب خزانة السلطان، وإسحاق بن عبد الملك الهاشمى صاحب الموسم وغيرهم، فأعلمهم أبو الهيجا الخبر فأجالوا الرأى، فقال لهم: قد أنفذت رجالا أثق بهم طليعة، وأخذت عليهم ألا يرجعوا حتى يشربوا من لبنه والصواب التوقّف عن الرحيل لننظر ما يأتون به، فعملوا على ذلك وأقاموا بفيد ستة أيام، ونزلت القافلة الوسطى فيد وكثر الناس وغلت الأسعار، ولم يقدروا على حشيش للعل؟؟؟ ولا خبز، فضجّ الناس وأجمعوا على الرحيل فرحلوا عن فيد يوم الأحد، وخلّف أبو الهيجاء ابن أخيه على بن الحسين بن حمدان بفيد، في خيل ينتظرون الحاج الذى مع قافلة الشّمسة؛ قال: وكان الحاج قبل ذلك يسيرون قافلة بعد قافلة لكثرتهم، ومن أراد أن يسير بعد الحاج سمار، ومن أراد أن يتخلّف ليعتمر في الحرم تخلّف، وكان الأمر يحملهم على ذلك فيسيرون قافله بعد قافلة؛ قال: ثم وردت قافلة الشمسة فيد، فجاءهم بعض التجار بخبر ما اتصل بأبى الهيجاء، وكان في القافلة أبو عيسى صالح ابن على الهاشمى، وجماعة من العبّاسيين، وأبو محمد بن الحسن «١» ابن الحسين العلوى وعمر بن يحيى العلوى وغيرهما من الطالبيين وتجار الكوفة، فتجلّت حقيقة الأخبار من أمر القرامطة، فاجتمعوا في مضرب أبو عيسى وتشاوروا، فاجتمع رأيهم على المقام بفيد إلى أن ترتحل القافلة، ثم ينظروا لأنفسهم في عرب يخرجون معهم إلى الكوفة، فأقام

стр. 9736

الناس بفيد يومهم ثم رحلوا بكرة، فلما جاوزوا المنزل افتقد على ابن الحسين بن حمدان من تخلّف من القافلة، فسأل عنهم فأخبر بتخلّفهم فرجع إلى فيد ومعه بعض أصحابه فاجتمع بهم، وسألهم عن تخلّفهم فقالوا بأجمعهم لا تحبّ سلوك هذه الطرق، ودافعوا عن الأخبار بسبب تخلّفهم، وقالوا له: أنت وعمّك بريّان منّا، قال: اكتبوا إلى خطوطكم بذلك، ففعلوا، وانصرف فسار بالناس فلما وصل إلى عمّه أبى الهيجاء عرّفه ذلك، فلامه عليه وقال: وددت أنّ جميع من ترى كان معهم، قال: ولمّا سارت القافلة مع على بن الحسين بن حمدان أحضر هؤلاء الذين تخلّفوا بفيد ابن نزار وابن توبة تاجرين من أهلها، فعرّفوهم حاجتهم إلى من يسلك بهم إلى الكوفة على غير طريق الحاج، فجمعوا لهم جماعة من سنبس وتوصلوا بهم إلى بنى زبيد من الطائيين، ثم أخذوا ينزلون على العرب يقاتلون من قاتلهم، ويصلون من استرفدهم ويبرّون ويخلعون، فسلّمهم الله حتى وردوا الكوفة، وذلك بعد شدائد عظيمة وقتال في مواضع، ولم يسلم من الحاج غيرهم والقافلة الأولى التى كانت مع حاتم. قال: ولمّا وصل على بن الحسين بن حمدان إلى عمّه أبى الهيجاء اجتمعت القوافل، وكثر الناس، وتجلّى لهم خبر القرامطة وصحّ، فسار أبو الهيجاء بالناس إلى الخزيميّة ثم إلى الثعلبيّة، ثم ساروا يريدون البطان «١» ، واجتمع الناس من أصحاب السلطان والرؤساء

стр. 9737

فتشاوروا، فلم يدع الأمير أبو الهيجاء الاستعاثة بالقوم يقول: ارجعوا ودعونى ألقى القرامطة في أصحابى، فإن أصبت فمعكم من تسيرون معه، وإلا فامضوا إلى وادى القرى أو المدينة أو غير ذلك، وإن ظفرت وجّهت إليكم فعدتم وقد زال المحذور، ولم يزل يردّد عليهم هذا القول من الأجفر إلى الثعلبيّة، فمنهم من أجاب ومنهم من أبى ذلك وقال: لانفترق، وكان أحمد بن بدر عم السيّدة ممن أبى ذلك وصمّم على الملازمة، فعمل ابن حمدان بما أرادوه دون رأية، وبات الناس على أميال بقيت من البطان والأحمال على ظهور الجمال، وذلك ليلة الأحد لأيام خلت من صفر، فلما أضاء لهم الفجر ارتحلوا، وقدّم أبو الهيجاء ستمائة راجل من الأولياء، كان السلطان أبعدهم لكثرة شغبهم ببغداد فكانوا بين يدى القوافل، وقارب بين القطر ودخل بعض الناس في بعض، وتقدّم نزار بن محمد الضبىّ فكان في أوّل القاملة في أصحابه خلف الرجّالة، وسار أبو الهيجاء في التغالبة والعجم في ميمنة القافلة، وألزم الساقة وميسرة القافلة جماعة من الأولياء مع بعض الأمراء، واحتاط بكل ما أمكن، وسار فلما أضحى النهار أقبلت عليهم خيل القرامطة، والقافلة في نهاية العظم جدا، فكان أوّل من لقيهم رجّالة أبى الهيجاء، فحملت القرامطة عليهم فخالطوهم فقتلوا جميعا إلا نحوا من عشرين رجلا، وحمل نزار في جيشه فضارب بعض خيل القرامطة بالسيوف ساعة، فلحقته ضربة فهوى إلى الأرض واعتنق فرسه، ومضى نحو المشرق وتبعه بقيّة أصحابه، فاستقاموا حتى وصلوا إلى زبالة وساروا إلى الكوفة، فلما سمع الأمير أبو الهيجاء الصوت وعرف الخبر وكان في آخر القافلة أسرع في خيله نحو أوّل

стр. 9738

القافلة، فوجد الأمر قد فاته بقتل من كان أمامها، وقويت القرامطة على حربه ووجد الحاج قد أخذوا يمنة ويسرة، فحمل على القرامطة فاستقبلوه فقتل جماعة من أهل بيته صبروا معه، وانهزم وضرب على رأسه ضربة لم تضره إلا أنّه قد نزف منها، وأخذ أسيرا ونزل أبو طاهر القرمطى على غلوتين من القافلة، ورجّالته «١» نحو من ستمائة على المطى فأنفذهم وفرسانا من فرسانه فأحاطوا بالقافلة «٢» ، ومنعوا الناس من الهرب، وكان قد هرب خلق منهم في وقت القتال، فتلف كثير منهم في الطريق عطشا وأخذ بعضهم الأعراب فسلبوهم، وسلم قوم منهم إلى زبالة وساروا إلى الكوفة، وأتى بأبى الهيجاء إلى سليمان فلما نظر إليه تضاحك، وقال: قد جئناك عبد الله ولم نكلّفك قصدنا، فتلطّف له أبو الهيجاء بفضل عقله ودهائه وسعة حيلته وقوّة نفسه، وألان له القول حتى أنس به، فاستأمنه على نفسه فأمّنه فخلّص بذلك ناسا كثيرا، وعمل في سلامة كثير من الحاج عملا كثيرا، ثم أمر القرمطى بتمييز الحاج وإخراجهم من القوافل، وعزل الجمّالين والصنّاع ناحية فظنّوا أنّه إنما أخرجهم للقتل فارتاعوا لذلك، وكانوا قد عطشوا عطشا شديدا، فلما جهنّم الليل ضجر الموكّلون منهم، فأخذوا ما معهم وخلوّهم، فورد من ورد منهم الكوفة بشرّ حال متورّمى الأقدام في صور الموتى، ورحل أبو طاهر من الغد بعد أن أخذ من أبى الهيجاء وحده نحوا من عشرين ألف دينار من الأموال التى لا تحصى كثرة، وقدم كثير من الناس بخبر

стр. 9739

أبى الهيجاء، وأنّه راكب مع القرامطة يدور معهم ويسأل في خلاص أسرى كانوا معه، منهم أحمد بن بدر عم السيدة وفلفل الأسود وأحمد بن كشمرد ونحرير الخادم صاحب الشمسة وبدر الطائى وأخوه وغيرهم. قال: وزادت غلبة أبي طاهر لأصحابه فتنة، وعظّموا أمره وسلب عقولهم حتى قالوا فيه أقوالا مختلفة بحسب جهلهم؛ قال: ولمّا مضى لأبى الهيجاء شهور وهو عندهم أخذ يحتال في الخلاص، فمرّة يعرض به ومرّة يفصح به حتى أنس القرمطى بذلك وأجابه إليه، فسأله في ابن كشمرد وقال: هو ضعيف لكبره وعلّته، وهذا الخادم الأسود ممّن لا يضر السلطان فقده ولا ينفعه اطلاقه، وكلّمه في أحمد بن بدر فامتنع عليه، فضمن له عشرين ألف دينار وبزاة وفهودا وعبدانا وثيابا، فاستحلفه وضمنه، وتخلّص منه ناس كثير من الحاج، وأطلقه، وصار إلى بغداد فتباشر الناس بذلك وابتهجوا به. ذكر دخول أبى طاهر القرمطى الكوفة ورجوعه كان أبو طاهر قد كتب إلى الخليفة المقتدر بالله- بعد اطلاق أبى الهيجاء بن حمدان- يطلب منه البصرة والأهواز، فلم يجبه إلى ذلك، فسار من هجر في سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة يريد الحاج عند توجههم إلى الحجاز، وكان جعفر بن ورقاء الشيبانى يتقلّد أعمال الكوفة وطريق مكة، فسار مع الحاج خوفا عليهم من أبى طاهر، ومعه ألف رجل من بنى شيبان، وسار مع الحجاج من أصحاب

стр. 9740

السلطان ثمل صاحب البحر وغيره في ستة آلاف رجل، فلقى أبو طاهر الجيش فانهزموا منه، وردّت القافلة الأولى هم وعسكر الخليفة بعد أن انحدروا من العقبة، وتبعهم أبو طاهر إلى باب الكوفة وبها يومئذ جنىّ الصفوانى، كان الخليفة قد أنفذه في جيش عظيم إلى الكوفة، وبها أيضا ثمل في جيش عظيم، وأقبل أبو طاهر حتى نزل بظاهر الكوفة في يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة، وأقبل جنىّ إلى خندق الكوفة في عشية هذا اليوم، وأهل البلد والعامّة منتشرون على الخندق، وجعفر بن ورقاء في بنى شيبان نازل على القنطرة التى على الخندق مما يلى دور بنى العبّاس، ونمل على القنطرة التى تليها، وجنىّ مما يلى ذلك من ناحية يمنة الكوفة، فناوشه الناس، وخرج أبو محمد الحسن بن يحيى بن عمر العلوى فطارد بعض فرسانه، وانكفأ أبو طاهر راجعا، وبات الناس على تلك الحال وقد قوى الطمع فيه، فلما كان الليل ورد كتاب السلطان يخاطب أبا محمد بن ورقاء في تدبير الجيش، فعمل على لقاء جنىّ الخادم ليعرّفه ذلك، فأشير عليه ألا يفعل فأبى ذلك، تم ركب يعرّف جنيّا ما كتب به إليه، فأنف جنىّ أن يكون تابعا وأسرّ ذلك في نفسه، وباكرهم القرمطى بالقتال بعد أن أضحى النهار، فدخلت الرجّالة وراء الفرسان بجيش خرس عن الكلام صمت وحركات خفيّة، والبارقة فيهم ظاهرة في ضوء الشمس، وهم يزفون عسكرهم زفا، حتى إذا وصلوا إلى عسكر السلطان مالوا على جيش ابن ورقاء وهو في ميسرة الناس، فما تمهّل بنو شيبان حتى انهزموا راجعين، فعبروا القنطرة التى على الخندق إلى جانب الكوفة وتبعوهم، فصاروا من وراء جنىّ وثمل فوضعوا السيف

стр. 9741

في الناس، وجنى جالس قبل ذلك على كرسى حديد يبيّن أنّه لا يقاتل وكأنّه يريد قتاله بعد الناس فأسروه، وقاتله ثمل وقاومه وهو منهزم على محاملة ومدافعة، إلى أن تخلصّ وسلم جعفر بن ورقاء وكثير من أصحابه، وقتل كثير من العامّة وغيرهم في الطرقات، ووصل أبو طاهر إلى البلد فرفع السيف ونهب منازل الناس، وأقام بالكوفة ستة أيام بظاهرها يدخل البلد نهارا ويقيم بجامعها إلى الليل، ثم يخرج فيبيت بعسكره، وحمل منها ما قدر على حمله، ودخل المنهزمون بغداد ولم يحجّوا في هذه السنة، وخاف أهل بغداد وانتقل الناس إلى الجانب الشرقى. قال: ورحل أبو طاهر عن الكوفة في يوم الاثنين لعشر بقين من ذى القعدة، وقتل يوم دخوله أبو موسى العبّاسى صاحب صلاة الكوفة ورحل مؤنس المظفر من بغداد بجيش السلطان عند اتّصال الأخبار ببغداد، فسار منها حتى دخل الكوفة، فكان وصوله إليها بعد رحيل القرامطة عنها، فأقام بها ثلاثة أيام ثم رحل عنها، ثم عاد القرمطى في سنة خمس عشرة. ذكر دخول أبى طاهر القرمطى الى العراق وقتل يوسف بن أبى الساج قال: وفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة سار أبو طاهر من هجر إلى الكوفة، وكان المقتدر بالله قد استعمل يوسف بن أبى الساج على حرب القرامطة، فاستصعب ابن أبى الساج المسير إلى بلد القرامطة، وثقل مسيره في أرض قفر لكثرة من معه من العساكر، فاحتال على

стр. 9742

أبى طاهر وكتب إليه واطمعه في بغداد، وأظهر له المواطأة والتزم بمعاضدته فغرّه بذلك، حتى رحل بعيال وحشم واتباع وصبية، وجيشه على أقوى عدّة تمكّنه، وأقبل يريد الكوفة وعمّيت أخباره عن أهلها، إنّما هى أراجيف، ورحل يوسف بن أبى الساج بجيشه من واسط يريد الكوفة، فسبقه أبو طاهر إليها ودخلها في يوم الخميس لسبع خلون من شوّال من هذه السنة، وأخذ ما يحتاج إليه ونزل عسكره خارج الكوفة ما بين الحيرة إلى ناحية الخورنق، وأقبلت جيوش ابن أبى الساجّ تسيل من كل وجه على غير تعبئة، وأقبل هو في جيشه ورجاله حتى نزل في غربىّ الفرات، وعقد عليه جسرا محاذيا لأبى طاهر، وعبر إليه مستهينا بأمره مستحقرا له لا يرى أنّه يقوم به، وذلك في يوم الجمعة، فأرسل إلى أبى طاهر يدعوه إلى طاعة الخليفة المقتدر بالله أو الحرب في يوم الأحد، فقال: لا طاعة إلا لله والحرب غدا، فلما كان في يوم السبت لتسع خلون من شوّال سنة خمس عشرة التقوا واقتتلوا قتالا شديدا عامّة النهار، وكثير من عسكر ابن أبى الساج لم يستتم نزوله، وهو جيش يضيق عنه موضعه ولا يملك تدبيره، وقد تفرّق عنه عسكره تفرّقا منتشرا في فراسخ كثيرة، وركبوا من نهب القرى وأذى الناس وإظهار الفجور ما؟؟؟ يمنى كثير من الناس هلاكهم. قال الشريف أبو الحسين: ولمّا لقيه بظهر الكوفة ما بين الحيرة والخورنق والنهرين من الفرات اتّفق له تلول وأنهار وموضع يضيق عن جيشه ولا يتمكّن معه الإشراف عليه، فقدّم بين يديه رجّالة بالرماح والتراس

стр. 9743

مع قائد يعرف بابن الزرئيخى «١» ، فأقبل القرمطى نحوه في أربعة آلاف فقاومته الرجّالة طويلا، ثم دخلتها الخيل وتعطفت عليها واضطرب الناس، فوضع فيهم السيف؛ قال الشريف: وأخبرنى بعض الجند قال: كنت والله قبل الهزيمة أريد أن أضرب دابّتى بالسوط فلا يمكننى ذلك لضيق الموضع، ووصل كثير من عسكر القرمطى إلى ابن أبى الساج في مصافه على أتمّ عدّة، فلما التقوا اقتتلوا كأعظم قتال شوهد، وكثرت القتلى والجراح في القرامطة جدا، وقتل رجّالة ابن أبى الساج، وخلص إليه فانهزم الناس وقتلوا قتلا ذريعا، حتى صاروا في بساط واحد نحو فرسخين أو أرجح، فلما كان عند غروب الشمس انهزم أصحاب ابن أبى الساج بعد صبر عظيم، وأسر هو وجماعة كثيرة من أصحابه، وذلك في وقت المغرب من يوم السبت، فوكل به أبو طاهر طبيبا يعالج جراحه، واحتوى القرامطة على عسكر ابن أبى الساج، ولم تكن فيهم قوّة على جمع ما فيه لضعفهم وقتل من قتل منهم، فمكث أهل السواد من الأكرة وغيرهم ينهبون القتلى نحو أربعين يوما، ووصل المنهزمون إلى بغداد بأسوأ حال، فخاف الخاص والعام ببغداد من القرامطة، وكان أبو طاهر القرمطى يظن أن مؤنسا المظفّر لا يتأخّر عن حربه، وكان على وجل منه، فلمّا لم يخرج إليه اشتد طمعه وظن أنّه لا يلقاه أحد ولا يقاومه، وأنّ ما كان قد خدع به من أنّ ببغداد من يظاهره على أمره، وينتظر وصوله إليه من الرؤساء- حق، فخرج يريد بغداد،

стр. 9744

فلما قرب من نواحى الأنبار وقصر ابن هبيرة ونزل بسواده وكل بهم جندا ليست بالكثير، وركب في جيشه فوافى الأنبار واحتال إلى أن عبر الفرات وصار من الجانب الغربى، وتوجّه بين الفرات ودجلة يريد مدينة السلام، وعرف الناس ذلك فكثر اضطرابهم وجزعهم، فبرز مؤنس المظفّر الخادم من بغداد للمسير إلى الكوفة، فبلغه أنّ القرامطة قد ساروا إلى عين التمر، فأرسل من بغداد خمسمائة سمارية فيها المقاتلة لتمنع من عبور الفرات، وسيّر جماعة من الجيش لحفظ الأنبار، وقصد القرامطة الأنبار فقطع أهلها الجسور، فنزلوا غرب الفرات وأنفذ أبو طاهر أصحابه إلى الحديثة، فأتوه بسفن فعبر فيها ثلاثمائة من القرامطة، فقاتلوا عسكر الخليفة وقتلوا منهم جماعة واستولوا على الأنبار؛ قال: ولما ورد الخبر بذلك إلى بغداد خرج نصر الحاجب في عسكر جرّار، ولحق بمؤنس المظفّر فاجتمعا في نيّف وأربعين ألفا سوى الغلمان ومن يريد النهب، وكان في العسكر أبو الهيجاء بن حمدان وإخوته وأصحابهم، فلما أشرف القرامطة على عسكر الخليفة هرب منه خلق كثير إلى بغداد من غير قتال؛ قال ابن الأثير «١» : كان عسكر القرامطة ألف فارس وسبعمائة فارس وثماثمائة راجل؛ قال: وقيل كانوا ألفين وسبعمائة فارس. قال الشريف: وسار مؤنس المظفّر حتى نازل القرامطة على قنطرة

стр. 9745

نهر زبارا «١» ، على نحو ثلاثة فراسخ من بغداد، وشحن الموضع بالجيش، وأشار أبو الهيجاء بن حمدان بقطع القنطرة خوفا من عبور القرمطى، وإن اتفق أدنى جولة مع امتلاء صدور الجيش من القرامطة فلا يملك البلد لشدة اضطرابه وكثرة أهله، ففعل مؤنس ذلك وقطعها وقاتل عليها نفر من القرامطة قتالا شديدا، لا يمنعهم كثرة النشاب ولا غيره، وشحن مؤنس الفرات ما بين بغداد إلى الأنبار بسماريّات، فيها رماة ناشبة تمنع أحدا من القرامطة من شرب الماء إلا بجهد، فضلا عن تمكن من العبور، وكان أحد من نصب لذلك إسحاق بن إبراهيم بن ورقاء، وكان شيخا ذا دين وبصيرة ونيّة في الخير، فأقام على حصاره لأبى طاهر وكان لا يقدر على مذهب لا إلى وجهه ولا إلى جوانبه، ومتى دنا من الماء أخذته السهام؛ قال الشريف: فحدثنى من حضر يومئذ وقد ورد كتاب المقتدر بالله، يأمر مؤنسا بمعاجلته القتال ويذكر ما لزم من الأموال إلى وقت وصوله، فكتب مؤنس كتابا ظاهرا- جواب كتاب الخليفة- يمليه على كاتبه والناس يسمعون، يقول: إن في مقامنا، أطال الله بقاء مولانا نفقة المال، وفي لقائنا نفقة الرجال، ونحن اخترنا نفقة المال على نفقة الرجال، قال: ثم انفذ المظفر مؤنس رسولا إلى القرمطى يقول: ويلك! تظن أننى كمن لقيك، أبرز لك رجالى والله ما يسرّنى أن أظفر بك بقتل رجل مسلم من أصحابى، ولكنّنى أطاولك وأمنعك مأكولا ومشروبا حتى آخذك أخذا بيدى إن شاء الله؛ قال:

стр. 9746

وأنفذ المظفّر حاجيه يلبق في ستة آلاف مقاتل إلى القرامطة، الذين بقصر ابن هبيرة مع سواده، ليوقعوا بهم ويخلّصوا يوسف بن أبى الساج، فعلم أبو طاهر بذلك فاضطرب واجتهد في عبور الفرات فعجز. ثم اتّفق له طوف حطب فعبر عليه في نفر يسير، وصار إلى سواده الذى خلفه، وجاء يلبق فواقعه أبو طاهر في نفر يسير، فكرّ يلبق راجعا منهزما وسلم السواد وذلك بعد قتال شديد. ونظر أبو طاهر إلى ابن أبى الساج- وقد خرج من الخيمة، ينظر ويرجو الخلاص، وقد ناداه أصحابه: أبشر بالفرج، فلما تمّت الهزيمة أحضره أبو طاهر وقتله وقتل من معه من الأسرى «١» ، وقصد القرامطة مدينة هيت وكان المقتدر قد سيّر إليها سعيد بن حمدان وهارون بن غريب، فسبقوا القرامطة إليها وقاتلوهم عند السور، فقتل من القرامطة جماعة فعادوا عنها، فرجع مؤنس إلى بغداد وسار أبو طاهر إلى الدالية من طريق الفرات، فقتل من أهلها جماعة ثم سار إلى الرّحبة فدخلها في ثامن عشر المحرم سنة ست عشرة وثلاثمائة، بعد أن حاربه أهلها فظفر بهم ووضع السيف فيهم، فراسله أهل قرقيسيا يطلبون الأمان فأمّنهم على ألا يظهر أحد منهم بالنهار، فأجابوا إلى ذلك، وخافه الأعراب وهربوا من بين يديه، فقرّر عليهم أتاوة عن كل رأس دينار يحملونه إلى هجر، ثم صعد من الرحبة إلى الرقّة فدخل أصحابه إلى نصيبين، وقتلوا بها ثلاثين رجلا وقتل من القرامطة جماعة، وقاتلوا ثلاثة أيام ثم انصرفوا في آخر

стр. 9747

ربيع الأوّل، وساروا إلى سنجار ونهبوا فطلب أهل سنجار الأمان فأمنهم، ثم عاد إلى الرحبة، ووصل مؤنس إلى الرقة بعد انصراف القرامطة عنها، فاحتال مؤنس في ارسال زواريق فيها فاكهة قد جعل فيها سموما قاتلة، فكانت القرامطة يلقونها فيأخذونها، فمات كثير منهم وضعفت أبدان بعضهم، وجهدوا وكثر فيهم الذّرب فكرّوا راجعين وهم قليلو الظهر مرضى، فلما بلغوا هيت قاتلهم أهلها من وراء السور، فقتلوا منهم رئيسا كبيرا وانصرفوا عنهم مفلولين «١» . ثم رحل أبو طاهر فدخل قصر ابن هبيرة فنهب وقتل، ثم دخل الكوفة على حال ضعف وعلل وجراحات، وأصحابه على ظهور حمر أهل السواد، وكان دخوله إليها يوم الجمعة لثلاث ليال خلت من شهر رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة، فأقام بها إلى مستهلّ ذى الحجة من السنة، ولم يقتل في البلد ولا نهب، وساس أهل الكوفة أمرهم مع القرامطة، ورحل أبو طاهر عن الكوفة في ذى الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة. ذكر أخبار من ظهر من القرامطة بسواد العراق في أثناء وقائع أبى طاهر الجنابى قال ابن الأثير «٢» والشريف أبو الحسين- وقد لخّصت من روايتيهما ما أورده، ودخل خبر بعضهم في خبر بعض- ولمّا كان من أمر أبى طاهر في سنة ست عشرة وثلاثمائة ما قدّمناه، اجتمع بالسواد

стр. 9748

ممن يعتقد مذهت القرامطة وكان يكتمه خوفا فظهروا واجتمع منهم بسواد واسط أكثر من عشرة آلاف، وولّوا عليهم رجلا يسمّى حريث بن مسعود، فخرج إليه الأمير بواسط فنام عسكره في بعض المواضع، فكبسه القرامطة فقتلوا منهم خلقا، واستولوا على سائر ما حواه العسكر من السلاح وغيره فقوى أمرهم؛ واجتمعت طائفة أخرى بعين التمر في جمع كثير، فولوا عليهم رجلا يسمّى عيسى ابن موسى «١» ، وكانوا يدعون إلى المهدى، فسار عيسى بن موسى إلى الكوفة ونزل بظاهرها، وجيى الخراج وصرف العمال عن السواد وكان والى الكوفة قد هرب منها قبل دخولهم، ووجّهوا إلى جميع السواد من يطالبهم بالرحيل إليهم، فخرج إليهم من بين راغب وراهب، ففرّقوا العمّال في الطساسيج، وولّوا المعاون لقوم من وجوه عشائرهم، وولوا ابن أبى البوادى الكوفي خراج الكوفة، ونصبوا بعض بنى ربيعة واليا لحربها، وأقاموا في البلد أياما وراحوا إلى الجمعة بأجمعهم، وأقاموا أبا الغيث بن عبدة خطيبا، وأحدثوا في الأذان ما لم يكن فيه، فركب إليهم أبو على عمر بن يحيى العلوى وعيسى ابن موسى نازل على شط الفرات في بعض الأيّام، فأظهروا الاستطالة على أبى على بن يحيى وانقصوا رتبته، وأقيم وحجب أوقاتا طويلة، فخرج أبو على إلى السلطان وذكر له صورة أمر القوم، وقرّر في نفسه أخذهم، فأنفذ السلطان معه صافي النصرى «٢» في جيش وضمن

стр. 9749

أبو على معاونته، وكان هؤلاء قد خرجوا من الكوفة وخلّفوا واليهم عليها وصاحب خراجهم، وقصدوا موضعا يعرف بالجامع وما يليه فنهبوا واستباحوا، ووثب أهل الكوفة بعد خروجهم على من خلّفوه عندهم، فقتلوا منهم جماعة وأخرجوا من بقى، واتصل الخبر بالقرامطة فانكفأوا راجعين يريدون الكوفة ليقاتلوا أهلها، فاجتمع الناس وحملوا السلاح وحفظوا البلد وطافوا به ليلا ونهارا مدة أيّام، وجاءت «١» القرامطة فنزلوا على الكوفة ولم يكن لهم فيها مطمع فساروا إلى سورا، وقدم أبو على العلوى وصافى النصرى من بغداد، فواقعوهم على نهر بقرب اجهاباذ يعرف بنهر المجوس، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى هزمهم الله تعالى، فقتل منهم ما لا يحصى وغرق منهم قوم وهرب الباقون، وتفرقوا وأسر عيسى بن موسى وخلق كثير معه وأعمى كان من دعاتهم كان يقول الشعر يعرف بأبى الحسن الخصيبى، ودار أبو على في السواد فتلقّط منهم قوما، فسكن البلد وتفرّق ذلك الجمع ولم يبق لهم بقيّة قائمة، وحملت الأسرى والرؤوس إلى بغداد فقتل الأسرى بباب الكناسة وصلبوا هناك، وحبس عيسى بن موسى ثم تخلّص بغفلة السلطان وحدوث ما حدث من اضطراب الجيش وكثرة الفتن في آخر أيام المقتدر، وأقام ببغداد يدعو ويتوصل إلى ناس استغرّهم، ويعمل كتبا يجمع فيها ما يأخذه من كتب يشتريها من الورّاقين، يمخرق فيها بذكر أمور ينسخها ويوهم أنّ له بذلك علما، ورتّب كتبا ينسبها إلى عبدان الداعى، ليوهم أنّ عبدان كان

стр. 9750

أحد العلماء بكل فلسفة وغيرها، وأنّه يعلم ما يكون قبل كونه، ومخرق بجهده على جهّال فصاروا له أتباعا، وأفسد فسادا عظيما، قال الشريف: وادعى خلافته من مخرق بعده إلى الآن. وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل «١» : أن الخليفة المقتدر بالله أرسل إلى حريث بن مسعود، هارون بن غريب وإلى عيسى بن موسى صافى النصرى، فأوقعوا بهم وانهزمت القرامطة وقتل أكثرهم وأسروا وأخذت أعلامهم وكانت بيضاء وعليها مكتوب (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) «٢» فدخلت بغداد منكوسة، واضمحلّ أمر القرامطة بالسواد. نعود إلى أخبار أبى طاهر ذكر مسير أبى طاهر الى مكة شرفها الله ونهبها وأخذ الحجر الاسود واعادته وما كان من أخباره في خلال ذلك وفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة حجّ بالناس منصور الديلمى، وسلموا في مسيرهم حتى أتوا مكة، فوافاهم أبو طاهر القرمطى بمكة يوم التروية، وهو يوم الاثنين لثمان خلون من ذى الحجة، فنهب هو وأصحابه أموال الحجّاج وقتلوهم حتى في المسجد الحرام والبيت، وقلعوا الحجر الأسود وأنفذوه إلى هجر، وأخذوا كسوة الكعبة وباب

стр. 9751

البيت، وطلع رجل منهم ليقلع الميزاب «١» فسقط فمات، وخرج أمير مكة ابن مجلب في جماعة من الأشراف إلى أبى طاهر، وسألوه في أموالهم فلم يشفّعهم فقاتلوه فقتلهم جميعا وطرح القتلى في بئر زمزم، ودفن الناس في المسجد الحرام حيث قتلوا من غير غسل ولا كفن ولا صلاة على أحد منهم، ونهب دور أهل مكة، قال الشريف أبو الحسين: ولما نهب القرامطة مكة ورجع أبو طاهر إلى بلده لحقه كدّ شديد عند خروجه من مكة، وحاصرته هذيل فأشرف على الهلكة إلى أن عدل به دليل من الطريق المعروف إلى غيره، فوصل إلى بلده بعد ذلك في المحرم سنة ثمانى عشرة وثلاثمائة، فأقام به ثم سار إلى الكوفة فدخلها في شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة، فاشتروا منها أمتعة وأسروا خلقا من السواد، وعاثوا ورجعوا بعد خمسين يوما إلى بلدهم، فأقاموا به. وأنفذ أبو طاهر سريّة إلى جنّابه وسينيز ومهروبان في البحر، فيها وجوه أصحابه في نحو أربعين مركبا، فوافت ساحل سينيز فصعدوا من المراكب، فحملوا على أهلها حملة واحدة فانكشف الناس عنهم، فوضعوا فيهم السيف فمالقوا أحدا إلا قتلوه من رجل وامرأة، فما نجا إلا من لحق بالجبال وسبوا النساء، فترك الناس الديار وخرجوا يريدون الهرب، فنادى أبو بكر الطرازى في الناس: لا هرب أحد، فإنّا نقاتل من ورد إلينا، وضرب بالبوق ووجّه من

стр. 9752

حبس الناس عن سلوك الطرقات وردّهم إلى البلد، وجمع الناس بالمسجد الجامع ورغبّهم في الجهاد وأسعفهم بماله، ورغبت المتطوّعة في الاجتماع فقويت قلوب الناس، وأنفذ أبو بكر سريّة من وقته من خاصّة غلمانه في نحو ثلاثمائة رجل في البحر، ووجّه سريّة أخرى في البر، وأنفذ إلى مهروبان يخبر أنّه على لقاء العدوّ، وسألهم الإنجاد في المراكب لمعاونة أهل جنّابه على قتال القرامطة، فساروا والتقى الفريقان في البرّ والبحر من أهل جنابه وسينيز، ووافت قوارب مهروبان فأشعلوا النيران في القوارب، فأحرقوا بعضها وتخلص منهم نحو عشرين قاربا، وانتشبت الحرب فقتل الله منهم خلقا كثيرا، وأسر جماعة ولحق بعضهم بالجبال، وورد على أبى بكر الطرازى من أخبره بذلك، فجمع الناس وغدا نحو الجبال، وأرسل فارسا إلى من بسينيز من أصحابه أن يلحقوا به، وأنفذ إلى جنّابه ألّا يتخلّف عنه من فيه حراك، لتكون الوقعة بهم من كل وجه، فوافوا المنهزمين من القرامطة في بعض كهوف الجبال، وذلك في يوم الأربعاء فلمّا رأوا الناس قد أقبلوا نحوهم كسروا جفون سيوفهم، وحملوا عليهم فثبتوا لهم، ولم تزل الحرب قائمة بينهم يوم الأربعاء والخميس إلى نصف النهار، ثم نادى أبو بكر الطرازى: من جاء برأس فله خمسون درهما، فتنادى الناس بالشهادة وجدّوا ونشطوا، وقتلوا خلقا كثيرا وأخذوا جميع من بقى أسرى، وحملوا مشهرّين والناس يكثرون حمد الله والثناء عليه، ولم يفلت منهم أحد. وكتب الناس محضرا أنفذوه إلى بغداد، وحملت الأسرى والرؤوس معه، قال الشريف: ونسخة المحضر:

стр. 9753

بسم الله الرحمن الرحيم- حضر من وقّع بخطّه وشهادته آخر هذا الكتاب المحضر، وقد حضر عندهم ثلاثة من القرامطة- لعنهم الله- ذكر أحدهم أنّه يقال له- سيّار بن عمر بن سيّار، والآخر ذكر أنّه يقال له- على بن محمد بن عمر «١» ، والآخر ذكر أنّه يعرف بأحمد ابن غالب بن جعفر الأحساوى، فذكروا أنّهم متى نفذ رسولهم إلى صاحبهم سليمان بن الحسن القرمطى ردّ الحجر والشّمسة وكسوة البيت وأطلق الأسارى الذين في قبضته، وهادن السلطان وارتدع عن السعى بالفساد والقطع على الحاج، ولم يحفزهم ولم يعترض عليهم، ويقول هؤلاء النفر من جملة الأسرى الذين في يد محمد بن على الطرازى- وهم الذين ظفّر الله بهم- فمتى ما وفى سليمان بن الحسن القرمطى بما بذلوه عنه أفرج السلطان عنهم وردّهم إليه، وذلك في يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وأسفل ذلك خطوط أهل البلد بالشهادة. وأحضر سيّار بن عمر بن سيّار وعلى بن محمد بن عمر المعروف بأبى الهذيل بن المهلّب وأحمد العيّار، وهم من جملة الأسرى في الوقعتين بسينيز وجنابه، فعرض عليهم رؤوس أصحابهم ممّن قتل من القرامطة، ليعرفوا باسمائهم وأنسابهم فذكروا نحو المائة رأس، ومن الأسرى نحوهم، وحملوا إلى بغداد فحبسوا وأجرى عليهم، ويقال إنّه قد كان فيهم من إخوة سليمان بن الحسن من كتم أمره. وحدّثنى ابن حمدان أنّهم كانوا بعد خلاصهم ومصيرهم إلى

стр. 9754

أبى طاهر يتحدثون: أن كثيرا من الكبراء وغيرهم كانوا يرسلون إليهم ما يتقرّبون به إلى قلوبهم، وذكروا أنهم كانوا يكثرون الخشوع وذكر النبى ﷺ وتعظيمه وإقامة الصلاة؛ قال: ويضحكون من فعلهم هذا وخديعتهم الناس، قال: ويضحك أبو طاهر وإخوته مما يتحدثون به، قال: وكان سبب تخلص هؤلاء الأسرى أن أبا بكر بن ياقوت كتب في المهادنة، وجرى بينهم خطوب في المراسلة إلى أن وافقهم أن يردّوا الحجر الأسود ويخلوا الأسرى ولا يعرضوا للحاج، فجرى الأمر على ذلك. قال الشريف: وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة دخل القرمطى الكوفة، واستقبل لؤلؤا الأمير خارجا بالحاج في ذى القعدة، فرجع بهم لؤلؤ إلى الكوفة وتفرّقوا فيها، بعد أن واقعته الخراسانية فلم يقدر على مقاومتهم وامتنعوا منه، إلا أن الناس تسرّبوا وافترقوا، فظفر بمن ظفر منهم فلم يكثر القتل وأخذ ما وجد، وأشار بعض أهل الكوفة على بعض أصحابه في هذه السنة- عند نزولهم بالكوفة- أن يسار في الحاج بغير ما يجرى فيهم، فقال الرجل: الذى من أصحاب القرمطى: والله ما ندرى ما عند سيّدنا أبى طاهر، من نمزيق هؤلاء الذين من شرق الأرض وغربها، واتخاذهم ومن وراءهم أعداء، وما يفوز بأكثر أموالهم إلا الأعراب والشرّاد من الناس، قال الكوفي: فلو أنّه حين يظفر بهم دعاهم أن يؤدى كل رجل دينارا وأطلقهم وأمّنهم لم يكره أحد منهم ذلك وخفّ عليهم وسهل، وحجّ الناس من كل بلد لأنّهم ظماء إلى ذلك جدا، ولم يبق ملك إلا كاتبه وهاداه واحتاج إليه في حفظ أهل بلده وخاصّته، فجبى في كل سنة

стр. 9755

ما لا يصبر إلى سلطان مثله من الخراج، واستولى على الأرض وانقاد له الناس، وإن منع من ذلك السلطان اكتسب المذمّة، وصار عند الناس هو المانع من الحج، فاستصوب رأيه وفرّج عنه، لأن أصحاب أبى طاهر كان قد ظهر منهم اضطراب عليه وقلّت طاعتهم له، قال: حتى لقد سمعت بعضهم وقد لحقه فارس من العرفاء يركض ويدور في الكوفة ويقول: ارجع إلى العسكر فإنّ السيّد يأمرك بذلك، فذكر أمّه بقبيح من الشّتيمة بعد أن كانوا يعبدونه، قال: ولما سمع رئيس القرامطة كلام الكوفي وما أشار به من أمر الحاج وما جرى من الكلام في ذلك دخل إلى أبى طاهر فعرّفه ما جرى، فبادر من وقته ونادى في الناس بالأمان، وأحضر الخراسانيّة وقرّر معهم أنهم يحجّون ويؤدون إليه المال في كل سنة، ويكونون آمنين على أنفسهم وأموالهم فلم يأمنوا له، فسلّم سياسة أمرهم إلى أبى على عمر بن يحيى العلوى، واستقرّ للقرامطة ضريبة ورسم على سفر الحاج. قال الشريف: ولمّا كان في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة كبس أبو طاهر الكوفة عشية، وفيها شفيع اللؤلؤى أمير، فهرب من مجلسه والناس عنده، ورمى بنفسه من سطحه واستتر عند امرأة ضعيفة، وظهر الجند من الطرقات فقاوموا من لحقهم من جيشه، وامتنع أكثرهم منه وخرجوا سالمين إلا نفرا منهم أصيبوا، ووجّه أبو طاهر إلى شفيع اللؤلؤى فأمّنه وأحضره، فحضر إليه وقدّم إليه طعاما يأكله، وطلبت مائدة يأكل عليها، فقيل ما يحضر إلا مائدة نهبت من داره، فقال أبو طاهر: قبيح أن يراها فافرشوها بالرقاق لكى لا يعرفها، ففعلوا

стр. 9756

ذلك وقدّمت إليه، وكان يحمل إلى أبى طاهر صحفة صحفة مما يقدّم إليه، فينظر إليها أولا وينفذها إليه وكان ذلك لدناءته ومهانته، وتفرّق أصحابه عنه وقلّت طاعتهم له فاحتاج إلى المداراة، فوجّه إلى شفيع من يخاطبه في أن يمضى إلى السلطان، ويعرّفه أنّهم صعاليك لا بدّ لهم من أموال، وأنّه إن أعطاهم ما لا لم يفسدوا عليه شيئا وخدموه فما يلتمسه، وإن أبى ذلك لم يجدوا بدا من أن يأكلوا بأسيافهم وسيّره أبو طاهر ووصله، وخرج شفيع إلى السلطان فقدم إلى القرمطى أبو بكر بن مقاتل من قبل السلطان يناظره، ففتّ في عضده وملأ صدره من السلطان وأتباعه، فزاده ذلك انكسارا وذلة وسار عن الكوفة. وفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة فسدت رجال القرامطة وقتل بعضهم بعضا، وسبب ذلك أنّه كان منهم رجل يقال له ابن سنبر، وهو من خواص أبى سعيد الجنّابى المطلعين على سرّه، وكان له عدوّ من القرامطة اسمه أبو حفص الشريك، فعمد ابن سنبر إلى رجل من أصفهان، وقال له: إذا ملّكتك أمر القرامطة نقتل عدوّى، فأجابه إلى ذلك وعاهده عليه، فأطلعه على أسرار أبى سعيد وعلامات كان يذكرها في صاحبهم الذى يدعو إليه، فحضر إليه أولاد أبى سعيد فذكر لهم العلامات، فقال أبو طاهر: هذا هو الذى ندعو إليه، فأطاعوه ودانوا له حتى كان يأمر الرجل منهم بقتل أخيه فيقتله، وكان إذا كره رجل منهم يقول إنه مريض- يعنى قد شك في دينه ويأمر بقتله، وبلغ أبو طاهر أنّ الأصفهانى يريد قتله لينفرد بالأمر، فقال لإخوته:

стр. 9757

قد أخطأنا في هذا الرجل وسأكشف حاله، فقال له: إنّ لنا مريضا فانظر إليه ليبرأ، وأضجعوا والدتهم وغطّوها بإزار، فلما رآها قال: إنّ هذا المريض لا ببرأ فاقتلوه، فقالوا: كذبت، هذه والدتنا ثم قتلوه، وذلك بعد أن أفتى أكثر أكابرهم بالقتل «١» . ذكر وفاة أبى طاهر بن أبى سعيد الجنابى وأخيه وقيام أخويهما بعده قال «٢» : وفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة هلك أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد وأخوه أبو منصور بجدرى أصابهما، وملك التدبير بعده أخواه أبو القاسم سعيد وهو أكبرهم، وأبو العبّاس، وكانا يتّفقان معه على تدبير الأمر، وكان لهم أخ آخر لا يختلط بهم لاشتغاله بالشرب واللهو، قال: وشركهما في تدبير الأمر ابن سنبر ذكر اعادة القرامطة الحجر الأسود الى الكعبة شرفها الله تعالى قال: وفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة أراد القرامطة أن يستميلوا أهل الإسلام، فحملوا الحجر الأسود وأتوا به الكوفة، فنصبوه في المسجد الجامع على الأسطوانة السابعة في القبلة ممّا يلى صحن المسجد حتى يراه الناس ثم حملوه إلى مكة شرفها الله تعالى، وقالوا: أخذناه بأمر ورددناه بأمر.

стр. 9758

قال ابن الأثير «١» وكان بجكم الرايقى قد بذل لهم فيه خمسين ألف دينار، فلم يردّوه وردّوه الآن بغير شىء، وذلك في ذى القعدة من السنة، فكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة إلا أياما، وحكى ابن الأثير «٢» في سبب ردّه: أنّ عبيد الله المنعوت بالمهدى القائم ببلاد المغرب والمستولى عليها كتب إلى القرمطى ينكر فعله ويلومه ويلعنه، ويقول أخفقت علينا سعينا وأشهرت دولتنا بالكفر والإلحاد بما فعلت، ومتى لم ترد على أهل مكة ما أخذته وتعيد الحجر الأسود إلى مكانه وتعيد كسوة الكعبة فأنا برىء منك في الدنيا والآخرة. فلما وصل هذا الكتاب أعيد الحجز إلى مكة شرّفها الله تعالى. ذكر ملك القرامطة دمشق وسيرهم الى الديار المصرية ومحاصرة من بها ورجوعهم عنها قال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى: وفي سنة ستين وثلاثمائة سار الحسن بن أحمد بن أبى سعيد الجنّابى، وهو الذى انتهى إليه أمر القرامطة، من بلده إلى الكوفة، وعزم على قصد الشام وسبب ذلك أنّه كان قد تقرّر للقرامطة في الدولة الاخشيديّة من مال دمشق في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، فلما ملك المعز لدين الله العبيدى الديار المصرية، واستولى جعفر بن فلاح على الشام، علموا أن ذلك يفوّتهم، فسار الحسن بن أحمد إلى الكوفة، وراسل بختيار الديلمى

стр. 9759

أحد ملوك الدولة البويهية، في طلب السلاح والمساعدة، فأنفذ إليه خزانة سلاح من بغداد وسبب له على أبى تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان بأربعمائة ألف درهم، فرحل الحسن من الكوفة حتى أتى الرحبة وعليها أبو تغلب بن حمدان، فحمل إليه المال المسبّب له به عليه وحمل إليه العلوفة، وأرسل إليه يقول: هذا شىء كنت أردت أن أسير أنا فيه بنفسى، وأنت تقوم مقامى فيه، وأنا مقيم في هذا الموضع إلى أن يرد علىّ خبرك، فإن احتجت إلى مسيرى سرت إليك، ونادى في عسكره: من أراد المسير من الجند الإخشيدية وغيرهم إلى الشام مع الحسن بن أحمد فلا اعتراض عليه، فقد أذنّا له في المسير والعسكران واحد، فخرج إلى عسكر القرمطى جماعة من عسكر أبى تغلب، وكان فيه كثير من الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين، صاروا إليه لما انهزموا من المغاربة عند ملكهم الديار المصريّة بعد الدولة الإخشيدية؛ قال: وسبب مظاهرة ابن حمدان للقرمطى أنّه كان قد وقع بينه وبين جعفر بن فلاح مراسلات، أغلظ جعفر فيها على أبى تغلب وتهدّده بالمسير إليه، فلما أرسل ابن جعفر إلى الحسن ابن أحمد هذه الرسالة ومكّن الجند من المسير معه سرّه ذلك وزاد قوّة، وسار عن الرّحبة وقرب من أرض دمشق ووصل إلى ضياع المرج فظفرت خيله برجل مغربى يقال له على بن مولاه، فقتلوه وقتلوا معه جماعة من المغاربة فوقعت الذلّه على المغاربه، وكان ظالم بن موهوب العقيلى على مقدّمة القرامطة في جمع من بنى عقيل وبنى كلاب، فلقى المغاربة في صحراء المزّة وأقبل شبل بن معروف العقيلى معينا لظالم، ولم يزل القتال بينهم إلى أن أقبل الحسن بن أحمد القرمطى فقوى العقيليون،

стр. 9760

وتشمّرت المغاربة ولم يزل القتال إلى العصر، ثم حمل ظالم ومن معه فانهزمت المغاربة وأخذهم السيف وتفرّقوا، وقتل جعفر بن فلاح ولم يعرف، واشتغلت العرب بنهب العسكر، وكانت هذه الوقعة في يوم الخميس لست خلون من ذى القعدة سنة ستين وثلاثمائة، فلما كان بعد الوقعة عثر بجعفر بن فلاح من عرفه وهو مقتول مطروح على الطريق، فاشتهر خبره في الناس، ثم نزل الحسن بن أحمد بعد الوقعة على ظاهر المزّة فجبى مالا من البلد وسار يريد الرملة، وكان جوهر القائد قد أنفذ من مصر رجلا من المغاربة يقال له سعادة بن حيّان ذكر أنّه في أحد عشر ألفا، فلما بلغ ابن حيّان أن ابن فلاح قد قتل وجاءه بعد ذلك قوم من المنهزمين فأخبروه بخبر الواقعة، تحيّر وتقطّعت به الأسباب، فلم تكن له جهة غير الدخول إلى يافا، ولم يكن له بها عدّة ولا دار، فلما دخل إليها جاءه الحسن بن أحمد فنزل عليها، واجتمعت إليه عرب الشام فنازلها وناصبها بالقتال، حتى اشتدّ الحصار وقلّ ما بها جدا، وكان يدخل إليها شىء سرا فجعل عليها حرسا، فمن وجد معه شىء من الطعام يريد الدخول به إلى يافا ضربت عنقه، فلما طال بهم الأمر أكلوا دوابّهم وجميع ما عندهم من الحيوان، ثم هلك أكثرهم من الجوع، وكان الحسن بن أحمد قد سار عن يافا نحو مصر، وخلّف على حصارها أبا المنجّى وظالما العقيلى ونزل على مصر يوم الجمعة مسّتهلّ شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاثمائة، فقاتل المغاربة على الخندق الّذى لمدينتهم، وقتل كثيرا منهم خارج الخندق وحاصرهم شهورا، ثم رحل عنها إلى الأحساء ولم يعلم الناس ما كان السبب في ذلك، فلما تيقنت المغاربة أنّه قد رحل

стр. 9761

إلى بلده أنفذ جوهر القائد ابن أخته نحو يافا، وبلغ من عليها يحاصرها أن الحسن بن أحمد رحل عن مصر، وأنّ إبراهيم ابن أخت جوهر خارج يريد يافا، فسار القوم عنها وتوجّهوا نحو دمشق، فنزلوا بعسكرهم على ظاهرها، فجرى بين ظالم وأبى المنجّى كلام وخلاف ذكر أنّه بسبب أخذ الخراج، وكان كل واحد منهما يريد أخذه للنفقة في رجاله، وكان أبو المنجى كبيرا عند القرمطى يستخلفه على تدبير أحواله. قال: ولما رحل القوم عن يافا إلى دمشق جاءها إبراهيم ابن أخت جوهر القائد، فأخرج من كان بها وسار بهم إلى مصر، ورجع الحسن ابن أحمد فنزل الرمله، ولقيه أبو المنجّى وظالم فذكر أبو المنجّى للحسن ابن أحمد ما جرى من ظالم وما تكلّم به، فقبض عليه ولم يزل محبوسا حتى ضمنه شبل بن معروف فخلّى سبيله، فهرب إلى شط الفرات إلى حصن كان له في منزل بنى زياد، ثم إنّ الحسن بن أحمد طرح مراكب في البحر وجعل فيها رجالا مقاتلة، وجمع كل من قدر عليه من العرب وغيرهم وتأهّب للمسير إلى مصر، وكان جوهر يكتب إلى المعز لدين الله إلى القيروان بما جرى على عسكره، من القتل والحصار والقتل، أن الحسن بن أحمد يقاتلهم على خندق عسكرهم، وقد أشرف على أخذ مصر فقلق من ذلك قلقا شديدا، وجمع من يقدر عليه وسار إلى مصر، وهو يظن أنها تؤخذ قبل أن يصل إليها، فدخلها في يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وكان شديد الخوف من الحسن بن أحمد، فلما نزل مصر عزم على أن يكتب إلى الحسن بن أحمد كتابا يعرّفه فيه أن المذهب واحد،

стр. 9762

وأنهم منهم استمدوا، وأنّهم ساداتهم في هذا الأمر، وبهم وصلوا إلى هذه المرتبة وترهّب عليه، وكان غرض المعز لدين الله العبيدى في ذلك أن يعلم من جواب القرمطى ما في نفسه، وهل خافه لما وافى مصر أم لا؟ قال: والحسن بن أحمد يعرف أنّ المذهب واحد، لأنّه يعلم الظاهر من مذهبهم والباطن، لأن الجميع اتّفقوا على تعطيل الخالق وإباحة الأنفس والأموال وبطلان النبوّة، فهم متفقون على المذهب، وإذا تمكّن بعضهم من بعض يرى قتله ولا يبقى عليه. قال الشريف: وكان عنوان الكتاب: من عبد الله ووليّه وخيرته وصفيّه معدّ أبى تميم بن إسماعيل المعزّ الدين الله أمير المؤمنين، وسلالة خير النبيّين ونجل علىّ أفضل الوصيّين إلى الحسن بن أحمد، ونسخة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم- رسوم النطقاء ومذاهب الأئمة والأنبياء ومسالك الرسل والأوصياء، السالف والآنف منّا صلوات الله علينا وعلى آبائنا، أولى الأيدى والابصار في متقدّم الدهور والأكوار وسالف الأزمان والأعصار عند قيامهم بأحكام الله، وانتصابهم لأمر الله، بالابتداء بالإعذار والانتهاء بالإنذار، قبل إنفاذ الأقدار في أهل الشقاق والإصرار، لتكون الحجّة على من خالف وعصى، والعقوبة على من بان وغوى، حسبما قال الله جلّ وعزّ (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) «١» (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) «٢» وقوله سبحانه

стр. 9763

(قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) «١» (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ) «٢» ، أما بعد أيها الناس: فإنا نحمد الله بجميع محامده ونمجّده بأحسن مماجدة، حمدا دائما أبدا ومجدا عاليا سرمدا، على سبوغ نعمائه وحسن بلائه، ونبتغى إليه الوسيلة بالتوفيق والمعونة، على طاعته والتسديد في نصرته، ونستكفيه ممايلة الهوى والزيغ عن قصد الهدى، ونستزيد منه إتمام الصلوات وإفاضة البركات وطيب التحيات، على أوليائه الماضين وخلفائه التالين، منّا ومن آبائنا الراشدين المهديين المنتخبين، الذين قضوا بالحقّ وكانوا به يعدلون. أيها الناس (قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها) «٣» ليتذكّر من تذكر وينذر من أبصر واعتبر. أيها الناس: إن الله جلّ وعزّ إذا أراد أمرا قضاه، وإذا قضاه أمضاه، وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحا، وأبرز أرواحنا بالقدرة مالكين، وبالقوّه قادرين، حين لاسماء مبنيّة، ولا أرض مدحيّة، ولا شمس تضىء، ولا قمر يسرى، ولا كوكب يجرى، ولا ليل يجنّ، ولا أفق يكنّ، ولا لسان ينطق ولا جناح يخفق، ولا ليل، ولا نهار، ولا فلك دوّار، ولا كوكب سيّار، فنحن أوّل الفكرة، وآخر العمل بقدر ومقدور، وأمر في القدم مبرور، فعند ما تكامل الأمر وصحّ العزم

стр. 9764

أنشأ الله جلّ وعز المنشآت فأبدأ الأمّهات من هيولانا، فطبعنا أنوارا وظلمة وحركة، وسكونا، فكان من حكمه السابق في عمله ما ترون من فلك دوّار، وكوكب سيّار، وليل ونهار، وما في الآفاق من آثار معجزات، وأقدار باهرات، وما في الأقطار «١» من الآثار، وما في النفوس من الأجناس والصور والأنواع، من كثيف ولطيف، وموجود ومعدوم وظاهر وباطن، ومحسوس وملموس، ودان وشاسع، وهابط وطالع كل ذلك لنا ومن أجلنا، دلالة علينا وإشارة إلينا، يهدى الله ما كان له لب سجيح، ورأى صحيح، قد سبقت له منّا الحسنى، فدان بالمعنى، ثم إنه جلّ وعلا أبرز من مكنون العلم ومخزون الحكم آدم وحوّاء أبوين ذكرا وأنثى، سببا لإنشاء البشرية «٢» ، ودلالة لاظهار القدرة القويّة الكونيّة «٣» ، وزوّج بينهما فتوالدا الأولاد، وتكاثرت الأعداد، ونحن ننقل في الأصلاب الزكيّة والأرحام الطاهرة المرضية، كلّما ضمّنا من صلب ورحم أظهر منّا قدرة وعلما وهلم جرا إلى آخر الجد الأول والأب الأفضل سيد المرسلين وإمام النبيين أحمد ومحمد صلوات الله عليه وعلى آله في كل ناد ومشهد، فحسن آلاؤه وبان غناؤه، وأباد المشركين وقصم الظالمين، وأظهر الحق واستعمل الصدق، وبان بالأحديّة ودان بالصمديّة، فعندها سقطت الأصنام وانعقد الإسلام، وظهر الإيمان وبطل السخر والقربان، وارتفع الكفر والطغيان، وخمدت بيوت

стр. 9765

النيران وهربت عبدة الأوثان، وأتى بالقرآن شاهدا بالحق والبرهان فيه خير ما كان وما يكون إلى يوم الوقت المعلوم، مبينا عن كتب تقدّمت في صحف قد نزلت، تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة ونورا وسراجا منيرا، وكل ذلك دلالات لنا ومقدّمات بين أيدينا، وأسباب لإظهار أمرنا، هدايات وآيات وشهادات، وسعادات قدسيات إلاهيات أوّليات كائنات، منشآت مبديات معيدات وما من ناطق نطق ولا نبىّ بعث ولا وصّى ظهر إلا قد أشار إلينا، ولوّح بنا ودلّ علينا في كتابه وخطابه، ومنار أعلامة ومرموز كلامه، ما هو موجود غير معدوم وظاهر وباطن، يعلمه من سمع الندا أو شاهد ورأى، من الملأ الأعلى، فمن أغفل منكم أو نسى أو ضلّ أو غوى فلينظر في الكتب الأولى «١» والصحف المنزّلة، وليتأمل آى القرآن وما فيه من البيان، وليسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم، فقد أمر الله (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) * «٢» . قال: وهذا الكتاب طويل جدا لا طائل فيه، قطعناه ههنا وسنذكر جملة من هذا الكتاب في أخبار المعز لدين الله غير ما في هذا الموضع، على ما نقف عليه إن شاء الله تعالى في موضعه «٣» . قال «٤» : والجواب من الحسن بن أحمد القرمطى الأعصم: وصل إلينا كتابك الذى كثر تفصيله وقلّ تحصيله، ونحن سائرون على أثره والسلام.

стр. 9766

وسار الحسن بن أحمد بعد ذلك إلى مصر، فنزل بعسكره عين شمس، وناشب المغاربة القتال، وانبثت سراياه في أرض مصر وبعث عمّالا إلى الصعيد تجبى الأموال، وضيّق على المغاربة ودوامهم القتال على خندق مدينتهم، يعنى الشريف بمدينتهم القاهرة المعزيّة، قال: فذكر أنّه هزمهم حتى عبر الخندق فامتنعوا منه بالسور، وعظم ذلك على المعز لدين الله وتحيّر في أمره، ولم يجسر أن يخرج بعسكره خارج الخندق، قال: وكان ابن الجرّاح الطائى في جمع عظيم مع الحسن بن أحمد القرمطى، وكان قوة لعسكره ومنعة ومقدّمة، فنظر القوم فإذا ليس لهم بالحسن بن أحمد طاقة، ففكّروا في أمره فلم يجدوا لهم حيلة غير فلّ عسكره، وعلموا أنّه لا يقدر على فلّه إلا بابن الجراح، وأنّ ذلك لا يتمّ إلا ببذل ما يطلبه من المال، فراسلوا ابن الجرّاح وبذلوا له مائة ألف دينار، على أن يفلّ لهم عسكر القرمطى فأجابهم إلى ذلك، ثم إنهم فكروا في أمر المال فاستعظموه، فعملوا دنانير من النحاس وطلوها بالذهب وجعلوها في أكياس، وجعلوا على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من الذهب تغطى ما تحتها وشدّوها وحملت لابن الجراح بعد أن استوثقوا منه، وعاهدوه ألا يغدر بهم إذا وصل إليه المال، فلما وصل إليه المال عمل على فلّ عسكره، وتقدم إلى كبراء أصحابه بأن يتبعوه إذا تواقف العسكران، وقامت الحرب فلما اشتدّ القتال ولىّ ابن الجرّاح منهزما، واتّبعه أصحابه في جمع كثير، فلما نظر إليه القرمطى قد انهزم بعد الاستظهار تحيّر ولزمه أن يقاتل هو ومن معه فاجتهد في القتال حتى تخلص، ولم تكن له بهم طاقة وكانوا قد بادروه من كل جانب، فخشى على نفسه وانهزم

стр. 9767

واتّبعوه [قومه] ودخل [المغاربة] معسكره، فظفروا باتباع وباعة «١» نحو من ألف وخمسمائة رجل، فأخذوهم أسرى وانتهبوا العسكر وضربوا أعناقهم، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، ثم جرّدوا خلف الحسن بن أحمد، أبا محمود إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل من المغاربة، فسار خلفه وتباطأ في السير خوفا من أن يعطف عليه، وسار الحسن فنزل أذرعات وأنفذ أبا المنجّى في طائفة كثيرة من الجند إلى دمشق، وكان ابنه قبل ذلك واليا عليها، ثم سار القرمطى في البريّة إلى بلده وفي نيّته العود، وكانت المغاربة، لمّا سمعوا بقصّة ظالم، وقبض القرمطىّ عليه لما جرى بينه وبين أبى المنجّى ما ذكرناه، وهربه إلى حصنه، راسلوه ليأتى القرمطىّ من خلفه، فسار يريد بعلبك فلقيه الخبر بهزيمة القرمطى ونزول أبى المنجّى على دمشق، فسار ظالم نحو دمشق ونزل أبو محمود أذرعات، وذكر أنّه كان بينه وبين ظالم مراسلة واتّفقا على أبى المنجّى، وبلغ أبو المنجّى مسير ظالم إليه وكان في شرذمة يسيرة، وأبو المنجّى بدمشق في نحو ألفى رجل، وكان قد ورد إليه الخبر في أن ظالما يصبح من غد في عقبة دمّر، وكان الجند قبل ذلك قد طلبوا منه الرزق، فقال: ما معى مال، فلما ورد إليه خبر ظالم أعطى الجند على السّرج دينارين لكل رجل، ثم إنّ ظالما أصبح من غد ذلك اليوم في عقبة دمّر، فخرج أبو المنجّى وابنه بمن معهما إلى الميدان للقتال، فذكر أنّ ظالما أنفذ إلى أبى المنجّى رسولا يقول له: إنما جئت مستأمنا إليكم، وقد كان

стр. 9768

الجند حقدوا على أبى المنجّى من جهة الرزق، فلما صار ظالم في عقبة دمّر مشرفا على دمشق ذهب قوم من الجند نحو العقبة، فاستأمنوا إلى ظالم وتبعهم قوم بعد قوم، فقوى طمع ظالم بهم فانحدر من العقبة، ثم سار بمن معه حتى قرب من أبى المنجّى فأحاط به فلم يقدر على الهرب فأخذ هو وابنه من بعد أن وقعت فيه ضربة، وانقلب عسكره إلى ظالم، وملك ظالم البلد، وذلك في يوم السبت لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. فلما تمكّن ظالم ونزل البلد أوثق أبا المنجّى وابنه ثم حبسهما، وقبض على جماعة من أصحابه فأخذ أموالهم، ثم قدم أبو محمود بعد ذلك دمشق في يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان، فلقيه ظالم وتقرّب إليه بأبى المنجّى وابنه، فعمل لكل واحد منهما قفصا من خشب وحملهما إلى مصر فحبسا، وكان بعد ذلك بين ظالم وأبى محمود وأخبار دمشق ما ليس ذكره في هذا الموضع من غرضنا، فلنرجع إلى أخبار القرامطة. ذكر عود القرامطة الى الشام ووفاة الحسن بن أحمد قال: وفي سنة خمس وستين وثلاثمائة كاتب هفتكين التركى وهو بالشام القرامطة، وقد جرى بينه وبين المغاربة حروب ووقائع واستنصر بهم، فكاتبوه بأنّهم سائرون إلى الشام، فوافوا دمشق في هذه السنة، وكان الذى وافى منهم إسحاق وكسرى وجعفر، فنزلوا ظاهر دمشق نحو الشماسيّة، ووافى معهم كثير من العجم ممّن كان من أصحاب هفتكين، فلقى هفتكين القرامطة وحمل إليهم

стр. 9769

الأموال وأكرمهم وفرح بهم وأمن، فأقاموا على دمشق أياما ثم رحلوا متوجّهين إلى الرملة، وكان بها أبو محمود إبراهيم بن جعفر فتحصّن منهم بيافا، ونزلت القرامطة الرملة ونصبوا القتال على يافا، حتى كلّ الفريقان من القتال وصار بعضهم يحدّث بعضا، وأقامت القرامطة بالرملة يجبون المال، فندب العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله- وكان قد ولى الأمر بعد وفاة أبيه- جوهر القائد إلى الخروج إلى الشام في سنة خمس وستين، وحمل إليه خزائن السلاح والأموال، فسار يريد الشام في عساكر لم تخرج المغاربة من مصر بمثلها، وتواترت الأخبار إلى هفتكين بمسيره، وهو على عكا وكان قد ملك صيدا، فنزل عكّا وسار فنزل طبريّة، وفارق القرامطة الرملة ونزلها جوهر، وسار إسحاق وكسرى القرمطيّان إلى الأحساء، وبقى جعفر لم يسر معهم وانضمّ إلى هفتكين بطبريّة، وسار جوهر في طلبهما فسارا إلى دمشق وتبعهم جوهر حتى نزل بالشماسيّة بظاهر دمشق، والمناوشة تقع بينهم تارة والموادعة أخرى، فلم يزل الأمر كذلك إلى جمادى الأولى سنة ست وستين وثلاثمائة، فوردت الأخبار وقويت بقرب الحسن بن أحمد القرمطى من دمشق، وجاء من بشّر ابن عمّه جعفر بذلك، فسار إليه وصحّ ذلك عند جوهر، فنزل دمشق وسار نحو طبريّة وجدّ في السير، وكان قد هلك من عسكره خلق كثير، فخاف أن يدركه الحسن بن أحمد القرمطى فأسرع المسير من طبريّة، وخرج الحسن ابن أحمد من البريّة يريد طبريّة فوجده قد سار عنها، فأنفذ خلفه سريّة فلحقته فرجع عليها أصحاب جوهر، فقتلوا جماعة من العرب وسار جوهر حتى نزل ظاهر الرملة، وأتاه الخبر عن الحسن فدخل جوهر

стр. 9770

زيتون الرمل وتحصّن به، وسار هفتكين من دمشق في أثر الحسن ابن أحمد فلحقه، وتوفى الحسن بن أحمد بالرملة، وتولى أمر القرامطة بعده ابن عمّه جعفر، واجتمع هو وهفتكين على قتال جوهر، فقاتلوه بقيّة سنة ست وستين وثلاثمائة، ثم رجع جعفر إلى بلده، وكان بين هفتكين وجوهر من الحصار ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار ملوك مصر. ذكر استيلاء القرامطة على الكوفة وخروجهم عنها قال ابن الأثير «١» رحمه الله تعالى: وفي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ورد إسحاق وجعفر الهجريّان- وهما من القرامطة الذين تلقبوا بالسادة- فملكا الكوفة، قال: وكان للقرامطة من الهيبة ما إن عضد الدولة وبختيار أقطعاهم الكثير من الاقطاعات، وكان نائبهم ببغداد وهو أبو بكر بن شاهويه يحكم حكم الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة بن بويه، فلما جاء القرامطة إلى الكوفة كتب صمصام الدولة إلى إسحاق وجعفر بالملاطفة ويسألهما عن سبب حركتهما، فذكرا أن السبب في ذلك ما وقع منه من القبض على صاحبهما، وبثا أصحابهما في جباية الأموال، ووصل الحسن بن المنذر- وهو من أكابر القرامطة- إلى الجامعين، فأرسل صمصام الدولة العساكر والعرب فقاتلوه وأسروه وجماعة من القوّاد وانهزم من معه، ثم جهّز القرامطة جيشا آخر في عدد كثير فهزمته عساكر صمصام الدولة،
следующие страницы →