← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

وسار الحسن بن أحمد بعد ذلك إلى مصر، فنزل بعسكره عين شمس، وناشب المغاربة القتال، وانبثت سراياه في أرض مصر وبعث عمّالا إلى الصعيد تجبى الأموال، وضيّق على المغاربة ودوامهم القتال على خندق مدينتهم، يعنى الشريف بمدينتهم القاهرة المعزيّة، قال: فذكر أنّه هزمهم حتى عبر الخندق فامتنعوا منه بالسور، وعظم ذلك على المعز لدين الله وتحيّر في أمره، ولم يجسر أن يخرج بعسكره خارج الخندق، قال: وكان ابن الجرّاح الطائى في جمع عظيم مع الحسن بن أحمد القرمطى، وكان قوة لعسكره ومنعة ومقدّمة، فنظر القوم فإذا ليس لهم بالحسن بن أحمد طاقة، ففكّروا في أمره فلم يجدوا لهم حيلة غير فلّ عسكره، وعلموا أنّه لا يقدر على فلّه إلا بابن الجراح، وأنّ ذلك لا يتمّ إلا ببذل ما يطلبه من المال، فراسلوا ابن الجرّاح وبذلوا له مائة ألف دينار، على أن يفلّ لهم عسكر القرمطى فأجابهم إلى ذلك، ثم إنهم فكروا في أمر المال فاستعظموه، فعملوا دنانير من النحاس وطلوها بالذهب وجعلوها في أكياس، وجعلوا على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من الذهب تغطى ما تحتها وشدّوها وحملت لابن الجراح بعد أن استوثقوا منه، وعاهدوه ألا يغدر بهم إذا وصل إليه المال، فلما وصل إليه المال عمل على فلّ عسكره، وتقدم إلى كبراء أصحابه بأن يتبعوه إذا تواقف العسكران، وقامت الحرب فلما اشتدّ القتال ولىّ ابن الجرّاح منهزما، واتّبعه أصحابه في جمع كثير، فلما نظر إليه القرمطى قد انهزم بعد الاستظهار تحيّر ولزمه أن يقاتل هو ومن معه فاجتهد في القتال حتى تخلص، ولم تكن له بهم طاقة وكانوا قد بادروه من كل جانب، فخشى على نفسه وانهزم

стр. 9767

واتّبعوه [قومه] ودخل [المغاربة] معسكره، فظفروا باتباع وباعة «١» نحو من ألف وخمسمائة رجل، فأخذوهم أسرى وانتهبوا العسكر وضربوا أعناقهم، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، ثم جرّدوا خلف الحسن بن أحمد، أبا محمود إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل من المغاربة، فسار خلفه وتباطأ في السير خوفا من أن يعطف عليه، وسار الحسن فنزل أذرعات وأنفذ أبا المنجّى في طائفة كثيرة من الجند إلى دمشق، وكان ابنه قبل ذلك واليا عليها، ثم سار القرمطى في البريّة إلى بلده وفي نيّته العود، وكانت المغاربة، لمّا سمعوا بقصّة ظالم، وقبض القرمطىّ عليه لما جرى بينه وبين أبى المنجّى ما ذكرناه، وهربه إلى حصنه، راسلوه ليأتى القرمطىّ من خلفه، فسار يريد بعلبك فلقيه الخبر بهزيمة القرمطى ونزول أبى المنجّى على دمشق، فسار ظالم نحو دمشق ونزل أبو محمود أذرعات، وذكر أنّه كان بينه وبين ظالم مراسلة واتّفقا على أبى المنجّى، وبلغ أبو المنجّى مسير ظالم إليه وكان في شرذمة يسيرة، وأبو المنجّى بدمشق في نحو ألفى رجل، وكان قد ورد إليه الخبر في أن ظالما يصبح من غد في عقبة دمّر، وكان الجند قبل ذلك قد طلبوا منه الرزق، فقال: ما معى مال، فلما ورد إليه خبر ظالم أعطى الجند على السّرج دينارين لكل رجل، ثم إنّ ظالما أصبح من غد ذلك اليوم في عقبة دمّر، فخرج أبو المنجّى وابنه بمن معهما إلى الميدان للقتال، فذكر أنّ ظالما أنفذ إلى أبى المنجّى رسولا يقول له: إنما جئت مستأمنا إليكم، وقد كان

стр. 9768

الجند حقدوا على أبى المنجّى من جهة الرزق، فلما صار ظالم في عقبة دمّر مشرفا على دمشق ذهب قوم من الجند نحو العقبة، فاستأمنوا إلى ظالم وتبعهم قوم بعد قوم، فقوى طمع ظالم بهم فانحدر من العقبة، ثم سار بمن معه حتى قرب من أبى المنجّى فأحاط به فلم يقدر على الهرب فأخذ هو وابنه من بعد أن وقعت فيه ضربة، وانقلب عسكره إلى ظالم، وملك ظالم البلد، وذلك في يوم السبت لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. فلما تمكّن ظالم ونزل البلد أوثق أبا المنجّى وابنه ثم حبسهما، وقبض على جماعة من أصحابه فأخذ أموالهم، ثم قدم أبو محمود بعد ذلك دمشق في يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان، فلقيه ظالم وتقرّب إليه بأبى المنجّى وابنه، فعمل لكل واحد منهما قفصا من خشب وحملهما إلى مصر فحبسا، وكان بعد ذلك بين ظالم وأبى محمود وأخبار دمشق ما ليس ذكره في هذا الموضع من غرضنا، فلنرجع إلى أخبار القرامطة. ذكر عود القرامطة الى الشام ووفاة الحسن بن أحمد قال: وفي سنة خمس وستين وثلاثمائة كاتب هفتكين التركى وهو بالشام القرامطة، وقد جرى بينه وبين المغاربة حروب ووقائع واستنصر بهم، فكاتبوه بأنّهم سائرون إلى الشام، فوافوا دمشق في هذه السنة، وكان الذى وافى منهم إسحاق وكسرى وجعفر، فنزلوا ظاهر دمشق نحو الشماسيّة، ووافى معهم كثير من العجم ممّن كان من أصحاب هفتكين، فلقى هفتكين القرامطة وحمل إليهم

стр. 9769

الأموال وأكرمهم وفرح بهم وأمن، فأقاموا على دمشق أياما ثم رحلوا متوجّهين إلى الرملة، وكان بها أبو محمود إبراهيم بن جعفر فتحصّن منهم بيافا، ونزلت القرامطة الرملة ونصبوا القتال على يافا، حتى كلّ الفريقان من القتال وصار بعضهم يحدّث بعضا، وأقامت القرامطة بالرملة يجبون المال، فندب العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله- وكان قد ولى الأمر بعد وفاة أبيه- جوهر القائد إلى الخروج إلى الشام في سنة خمس وستين، وحمل إليه خزائن السلاح والأموال، فسار يريد الشام في عساكر لم تخرج المغاربة من مصر بمثلها، وتواترت الأخبار إلى هفتكين بمسيره، وهو على عكا وكان قد ملك صيدا، فنزل عكّا وسار فنزل طبريّة، وفارق القرامطة الرملة ونزلها جوهر، وسار إسحاق وكسرى القرمطيّان إلى الأحساء، وبقى جعفر لم يسر معهم وانضمّ إلى هفتكين بطبريّة، وسار جوهر في طلبهما فسارا إلى دمشق وتبعهم جوهر حتى نزل بالشماسيّة بظاهر دمشق، والمناوشة تقع بينهم تارة والموادعة أخرى، فلم يزل الأمر كذلك إلى جمادى الأولى سنة ست وستين وثلاثمائة، فوردت الأخبار وقويت بقرب الحسن بن أحمد القرمطى من دمشق، وجاء من بشّر ابن عمّه جعفر بذلك، فسار إليه وصحّ ذلك عند جوهر، فنزل دمشق وسار نحو طبريّة وجدّ في السير، وكان قد هلك من عسكره خلق كثير، فخاف أن يدركه الحسن بن أحمد القرمطى فأسرع المسير من طبريّة، وخرج الحسن ابن أحمد من البريّة يريد طبريّة فوجده قد سار عنها، فأنفذ خلفه سريّة فلحقته فرجع عليها أصحاب جوهر، فقتلوا جماعة من العرب وسار جوهر حتى نزل ظاهر الرملة، وأتاه الخبر عن الحسن فدخل جوهر

стр. 9770

زيتون الرمل وتحصّن به، وسار هفتكين من دمشق في أثر الحسن ابن أحمد فلحقه، وتوفى الحسن بن أحمد بالرملة، وتولى أمر القرامطة بعده ابن عمّه جعفر، واجتمع هو وهفتكين على قتال جوهر، فقاتلوه بقيّة سنة ست وستين وثلاثمائة، ثم رجع جعفر إلى بلده، وكان بين هفتكين وجوهر من الحصار ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار ملوك مصر. ذكر استيلاء القرامطة على الكوفة وخروجهم عنها قال ابن الأثير «١» رحمه الله تعالى: وفي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ورد إسحاق وجعفر الهجريّان- وهما من القرامطة الذين تلقبوا بالسادة- فملكا الكوفة، قال: وكان للقرامطة من الهيبة ما إن عضد الدولة وبختيار أقطعاهم الكثير من الاقطاعات، وكان نائبهم ببغداد وهو أبو بكر بن شاهويه يحكم حكم الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة بن بويه، فلما جاء القرامطة إلى الكوفة كتب صمصام الدولة إلى إسحاق وجعفر بالملاطفة ويسألهما عن سبب حركتهما، فذكرا أن السبب في ذلك ما وقع منه من القبض على صاحبهما، وبثا أصحابهما في جباية الأموال، ووصل الحسن بن المنذر- وهو من أكابر القرامطة- إلى الجامعين، فأرسل صمصام الدولة العساكر والعرب فقاتلوه وأسروه وجماعة من القوّاد وانهزم من معه، ثم جهّز القرامطة جيشا آخر في عدد كثير فهزمته عساكر صمصام الدولة،

стр. 9771

وقتل مقدّم القرامطة، وكانت هذه الوقعة بالجامعين، فلما بلغ المنهزمون الكوفة رحل القرامطة عنها، وتبعتهم العساكر إلى القادسية وأخذ أمر القرامطة في الانتقاض، ولم يكن لهم بعد ذلك بالعراق والشام وقعة بلغنا خبرها. ذكر ظفر الأصغر بالقرامطة قال «١» ابن الأثير: وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة جمع إنسان بعرف بالأصفر من بنى المنتفق جمعا كثيرا، وكان بينه وبين جمع من القرامطة وقعة، قتل فيها مقدّم القرامطة وانهزم أصحابه وقتل منهم وأسر خلق كثير، وسار الأصفر إلى الأحساء فتحصّن القرامطة منه، فعدل إلى القطيف فأخذ ما كان فيها من عبيدهم وأثقالهم ومواشيهم، وسار بذلك إلى البصرة وانتقض أمر القرامطة وضعفوا، وكان مدة ظهور مذهبهم إلى هذا التاريخ مائة سنة، ومنذ ظهر أمرهم واستولوا على البلاد وتجهّزت العساكر لقتالهم خمسا وتسعين سنة، وكانت فتنتهم قد عمّت أكثر البلاد والعباد؛ ولم أقف لهم بعد واقعة الأصفر على واقعة أخرى فأذكرها. وقد ذكرنا من أخبارهم ما فيه كفاية، فلنذكر أخبار الخوارج ببلاد الموصل.

стр. 9772

ذكر أخبار الخوارج ببلاد الموصل مساور ومن بعده كان خروج مساور بن عبد الحميد بن مساور البجلى بالبوازيج من بلاد الموصل في شهر رجب من شهور سنة اثنتين وخمسين ومائتين في خلافة المعتز بالله، وكان سبب «١» خروجه أنّ شرطة الموصل كان بتولّاها رجل اسمه حسين بن بكير لبنى عمران أمراء الموصل، فأخذ ابنا لمساور هذا اسمه حوثرة فحبسه بالحديثة، وكان حوثرة جميلا فكان متولّى الشرطة يخرجه من الحبس ليلا ويحضره عنده، ويردّه إلى الحبس نهارا، فكتب حوثرة إلى أبيه- وهو بالبوازيج- يقول: أنا بالنهار محبوس وبالليل عروس، فغضب لذلك وقلق وخرج وتابعه جماعة، وقصد الحديثة فاختفى حسين بن بكير، فأخرج ابنه من الحبس وكثر جمعه من الأعراب والأكراد، فسار إلى الموصل ونزل بالجانب الشرقى، وكان الوالى عليها عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن اهبان الخزاعى، واهبان يقال إنه مكلّم الذئب وله صحبة، فوافقة من الجانب الغربى وعبر دجلة رجلان من أهل الموصل إلى مساور، فقاتلا مساورا فقتلا وعاد مساور وكره القتال، وكان حوثرة ابنه معه فكان يقول: أنا الغلام البجلى الشارى ... أخرجى جوركم من دارى

стр. 9773

ذكر قتل مساور بندارا الطبرى متولى طريق خراسان قال «١» : ولمّا فارق مساور الموصل «٢» بلغ بندارا الطبرىّ وهو بالدسكرة أنّه يريد كرخ جدان، وكان بندار الطبرى يلى طريق خراسان هو ومظفّر بن سيسل، فقال بندار ذلك لمظفّر فقال مظفّر: قد أمسينا وغدا عيد، فإذا قضينا العيد سرنا إليه، فسار بندار ليلا طمعا في أن يكون الظفر له، حتى أشرف على عسكر مساور، فأشار عليه بعض أصحابه أن يبيّتهم فأبى، وقال: حتى أراهم ويرونى، فأحسّ به الخوارج فركبوا واقتتلوا، وكان مع بندار ثلاثمائة فارس ومع مساور سبعمائة، فاشتدّ القتال بينهم وحمل الخوارج حملة، اقتطعوا من أصحاب بندار أكثر من مائة فصبروا لهم وقاتلوهم حتى قتلوا جميعا، فانهزم بندار وأصحابه وجعل أصحاب مساور يقتطعونهم قطعة بعد قطعة فقتلوهم، وأمعن بندار في الهرب فطلبوه حتى أدركوه فقتلوه ونصبوا رأسه، ونجا من أصحابه نحو خمسين رجلا، وقيل مائة، وأتى الخبر إلى المظفر فرحل نحو بغداد، وسار مساور نحو حلوان فقاتله أهلها، فقتل منهم أربعمائة إنسان، وقتلوا من أصحابه جماعة وقتل مساور عدّة من أصحاب خراسان كانوا بحلوان، فأعانوا أهلها على مساور، ثم انصرف عن حلوان، فقال مساور في ذلك: فجعت العراق ببندارها ... وحزت البلاد بأقطارها

стр. 9774

وحلوان صبّحتها غارة ... فقتّلت أغرار غرّارها وعقبة بالموصل اجحرته ... وطوّقه الذل بى كارها قال: وكان قتل بندار في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ثم لقى مساور عسكرا للخليفة، ومقدّمهم خطرمش بناحية جلولاء في ذى الحجة من السنة، فهزمهم مساور واستولى على أكثر بلاد الموصل فقوى أمره وكثرت اتباعه «١» . فجمع له الحسن «٢» بن أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطاب التغلبى- وكان خليفة أبيه على الموصل- عسكرا كثيرا منهم حمدان بن حمدون جدّ الأمراء الحمدانيّة وغيره، وسار إليه وعبر إليه نهر الزاب، فتأخر مساور عن موضعه ونزل بموضع يقال له وادى الذئاب، وهو واد عميق، فسار الحسن في طلبه فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عسكر الموصل وكثر القتل فيهم، وسقط كثير منهم في الوادى فهلك فيه أكثر من القتلى، وذلك في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين ومائتين، ونجا الحسن فوصل إلى حرّة من أعمال إربل، وهرب محمد بن على بن السيّد، فظنّ الخوارج أنّه الحسن فتبعوه فقتلوه، وكان فارسا شجاعا، واشتدّ أمر مساور وعظم شأنه وخافه الناس.

стр. 9775

ذكر استيلاء مساور على الموصل وخروجه منها قال «١» : ولما انهزم عسكر الموصل من مساور قوى أمره وكثرت أتباعه، فسار من موضعه وقصد الموصل فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى، فاستتر أمير البلد عبد الله بن سليمان لضعفه عن مقاتلته ولم يدافعه أهل الموصل، فوجه مساور جمعا إلى دار عبد الله أمير البلد فأحرقها، ودخل الموصل بغير حرب فلم يتعرّض لأحد، وحضرت الجمعة فدخل المسجد الجامع، وحضر الناس فصعد مساور المنبر، وجعل على درج المنبر من أصحابه من يحرسه بالسيوف وكذلك في الصلاة، ولما خطب قال في خطبته: (اللهم أصلحنا وأصلح ولاتنا) ولما دخل في الصلاة جعل إبهاميه في أذنيه وكبّر ست تكبيرات ثم قرأ بعد ذلك. ثم فارق البلد ولم يقدر على المقام به لكثرة أهله، وسار إلى الحديثة وكان قد اتّخذها دار هجرته، وكان دخوله الموصل في سنة خمس وخمسين ومائتين، ثم كان بينه وبين عسكر للخليفة في هذه السنة وقعة فانهزم عسكر الخليفة.

стр. 9776

ذكر اختلاف الخوارج على مساور وانتصاره على من خالفه وقتاله عساكر الخليفة وفي سنة ست «١» وخمسين ومائتين خالف إنسان من الخوارج اسمه عبيدة من بنى زهير، على مساور، وسبب ذلك أنّه خالفه في توبة المخطىء، فقال مساور: تقبل توبته، وقال عبيدة: لا تقبل، فجمع عبيدة جمعا كثيرا وسار إلى مساور، وتقدّم إليه مساور من الحديثة، فالتقوا بنواحى جهينة في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين، واقتتلوا أشد قتال فترجّل عبيدة ومعه جماعة من أصحابة وعرقبوا دوابّهم فقتل عبيده وانهزم جمعه، فقتل أكثرهم واستولى مساور على كثير من العراق، ومنع الأموال عن الخليفة فضاقت على الجند أرزاقهم فاضطرهم ذلك إلى أن سار إليه موسى بن بغا وبايكباك وغيرهما في عسكر عظيم، وذلك في سنة ست وخمسين، فوصلوا إلى السنّ وأقاموا به، ثم عادوا بسبب خلع المهتدى، فلما ولى المعتمد على الله الخلافة سيّر مفلحا في عسكر كبير لقتال مساور، فسار فلما قارب الحديثة فارقها مساور، وقصد جبلين يقال لأحدهما زينى والآخر عامر وهما بالقرب من الحديثة، فتبعه مفلح فعطف عليه مساور وهو في أربعة آلاف فارس، وكان مساور قد انصرف من حرب عبيدة وقد جرح كثير من أصحابه، فلحقوا مفلحا بجبل زينى فلم يصل إلى ما يريد، فصعد مساور رأس الجبل فاحتمى به، ونزل مفلح في أصل الجبل، وجرى بينهما وقعات كثيرة، ثم أصبحوا يوما

стр. 9777

فطلبوا مساورا فلم يجدوه، وكان قد نزل من غير الوجه الذى نزل به مفلح، لمّا أيس من الظفر لضعف أصحابه من الجراح، فلمّا لم يره مفلح سار إلى الموصل وسار منها إلى ديار ربيعة، سنجار ونصيبين والخابور، فنظر في أمرها ثم سار فأتى الموصل، فأحسن السيرة في أهلها ورجع عنها وقد تأهّب للقاء مساور، فلمّا قارب الحديثة فارقها مساور وتبعه مفلح، فكان مساور يرتحل عن المنزل فينزله مفلح، فلمّا طال الأمر على مفلح وتوغّل في الجبال والشعاب والمضايق عاد عنه فتبعه مساور يقفو أثره ويأخذ من ينقطع عن ساقة العسكر، فرجع إليه طائفة من العسكر فقاتلوه، ثم عادوا ولحقوا مفلحا، ووصل مفلح الحديثة فأقام بها أياما، وانحدر في أول رمضان إلى سامرّا، فاستولى حينئذ مساور على البلاد، وقوى أمره واشتدت شوكته. وفي سنة «١» سبع وخمسين ومائتين خرج على مساور خارجىّ آخر اسمه طوق من بنى زهير، فاجتمع إليه أربعة آلاف فصار بهم إلى أذرمة «٢» ، فحاربه أهلها فدخلها بالسيف، وأخذ جارية بكرا فافتضّها في المسجد، فجمع الحسن بن أيوب بن أحمد العدوى جمعا كثيرا فحاربه وقتله، وأنفذ رأسه إلى سامرا «٣» ، واستمر مساور بتلك النواحى إلى أن مات في سنة ثلاث وستين.

стр. 9778

ذكر وفاة مساور وخبر من قام بعده الى أن قام هارون البجلى وفي سنة «١» ثلاث وستين ومائتين توفّى مساور الشارى، وكان قد رحل من البوازيج يريد لقاء عسكر قد سار إليه من قبل الخليفة، فكتب أصحابه إلى محمد بن خرّزاد وهو بشهرزور ليولّوه أمرهم، فامتنع وكان كثير العبادة فبايعوا أيوب بن حيّان الوارقى البجلى، فأرسل إليهم محمد بن خرّزاد يذكر أنّه نظر في أمره فلم يسعه اهمال الأمر، لأنّ مساورا عهد إليه به، فقالوا له: قد بايعنا هذا الرجل ولا نغدر به، فسار إليهم فيمن بايعه فقاتلهم، فقتل أيوب بن حيّان فبايعوا بعده محمد بن عبد الله بن يحيى الوارقى المعروف بالغلام فقتل أيضا فبايع أصحابه هارون بن عبد الله البجلى، فكثر اتباعه وعاد عنه ابن خرّزاد، واستولى هارون على بلد الموصل وجبى خراجه.

стр. 9779

ذكر محاربة محمد بن خرزاد هارون بن عبد الله وما كان من خبر خرزاد ومقتله واستقلال هارون بالأمر بمفرده وفي سنة «١» سبع وستين ومائتين كانت الحرب بين محمد بن خرّزاد وهارون بن عبد الله، وذلك أن محمدا جمع أصحابه وسار لحرب هارون، فنزل واسط وهى قرية من قرى الموصل، وكان يركب البقر لئلا يفرّ من القتال، ويلبس الصوف الغليظ ويرقع ثيابه، وكان كثير العبادة والنسك ويجلس على الأرض ليس بينه وبينها حائل، فلما نزل واسط خرج إليه وجوه أهل الموصل، وكان هارون بمعلثايا يجمع لحرب محمد، فلما سمع بنزول محمد عند الموصل سار إليه، ورحل ابن خرّزاد نحوه، فالتقوا بالقرب من قرية شمرخ واقتتلوا قتالا شديدا، كان فيه مبارزة وحملات كثيرة، فانهزم هارون وقتل من أصحابه نحو مائتى رجل، منهم جماعة من الفرسان المشهورين، ومضى هارون منهزما فعبر دجلة إلى العرب قاصدا بنى تغلب فنصروه واجتمعوا إليه، ورجع محمد بن خرّزاد من حيث أقبل وعاد هارون إلى الحديثة فاجتمع إليه خلق كثير، فكاتب أصحاب ابن خرّزاد واستمالهم، فأتاه منهم خلق كثير، ولم يبق مع ابن خرّزاد إلا عشيرته من النسردليّة، وهم أهل شهرزور، وإنما فارقه أصحابه لأنّه كان خشن العيش، وهو ببلد شهرزور كثير الأعداء من الأكراد

стр. 9780

وغيرهم، وكان هارون ببلد الموصل قد صلح حاله وحال أصحابه، فمال إليه أصحاب ابن خرّزاد وقصدوه لهذا السبب، وأوقع ابن خرّزاد بالأكراد الجلاليّة بنواحى شهرزور وغيرهم، فقتل وتفرّد هارون بالأمر وقوى، وكثر أتباعه وغلبوا على القرى والرساتيق، وجعلوا على دجلة من يأخذ الزكاة من الأموال المنحدرة والمصعدة، وبثّوا نوّابهم في الرساتيق يأخذون الأعشار من الغلّات وفي سنة اثنتين «١» وسبعين ومائتين دخل هارون الموصل، وصلّى الجمعة بالناس وكان معه حمدان بن حمدون. ذكر خروج محمد بن عبادة على هارون وكلاهما خارجى وفي سنة «٢» ثمان وسبعين ومائتين خرج محمد بن عبادة ويعرف بأبى جورة «٣» - وهو من بنى زهير على هارون، وكان محمد هذا في أوّل أمره من الفقراء الصعاليك، وكان هو وابناؤه يلتقطون الكمأة ويبيعونها إلى غير ذلك من الأعمال، ثم إنه جمع جماعة وحكم، فاجتمع إليه أهل تلك النواحى والأعراب وقوى أمره، وأخذ عشر الغلات وقبض الزكاة، وسار إلى معلثايا فقاطعه أهلها على خمسمائة دينار، وجبى تلك الأعمال وبنى عند سنجار حصنا، وحمل إليه الميرة والأمتعة، وجعل فيه ابنه أبا هلال ومعه مائة وخمسون رجلا

стр. 9781

من وجوه بنى زهير وغيرهم، ووصل الخبر إلى هارون فاجتمع رأيه ورأى وجوه أصحابه على قصد الحصن أولا، فإذا قرغوا منه ساروا إلى محمد بن عبادة، فجمع أصحابه به فبلغوا ألف فارس ومائتى فارس ومائة راجل، فأحدق بالحصن وحصره، ومحمد بن عبادة في قبراثا «١» لم يعلم بذلك، وجدّ هارون في قتال أهل الحصن، ونصب عليهم السلاليم وملكه، فلما رأى من معه من بنى تغلب تغلّبه على الحصن أعطوا من فيه من بنى زهير الأمان، بغير أمر هارون فشقّ ذلك عليه، إلا أنّه قتل أبا هلال بن محمد ونفرا معه قبل الأمان، ثم ساروا إلى محمد فوافوه وهو في أربعة آلاف رجل، فاقتتلوا فانهزم هارون ومن معه، ووقف بعض أصحابه ونادى رجالا بأسمائهم فاجتمعوا نحو أربعين رجلا، وحملوا على ميمنة محمد فانهزمت، وعادت الحرب فانهزم محمد وأصحابه، ووضعوا فيهم السيف فقتل منهم ألفان وأربعمائة رجل وحجز بينهم الليل وجمع هارون مالهم فقسّمه بين أصحابه، وانهزم محمد إلى آمد فأخذه صاحبها أحمد بن عيسى بن الشيخ بعد حرب وأسره، وحمله إلى المعتضد بالله فسلخ جلده كالشاة.

стр. 9782

ذكر انهزام هارون من عسكر الموصل كان المعتضد بالله قد سار إلى ماردين في سنة إحدى وسبعين، وخلّف بالموصل نصر القشورى يجبى الأموال ويعين العمّال على جبايتها فخرج عامل معلثايا إليها ومعه جماعة من أصحاب نصر، فوقع عليهم طائفة من الخوارج فاقتتلوا إلى أن أدركهم الليل ففرّق بينهم، وقتل من الخوارج إنسان اسمه جعفر، وهو من أعيان أصحاب هارون، فعظم عليه ذلك وأمر أصحابه أن يفسدوا في البلاد، فكتب نصر القشورى إلى هارون يتهدّده بقرب الخليفة، وأنّه إن همّ به أهلكه وأصحابه، فلا يغتر بمن سار إلى حربه فعاد عنه بمكره وخديعته، فأجابه هارون بجواب غليظ، من جملته وإنّا وإياك كما قيل: فلا توعدونا باللقاء وأبرزوا ... إلينا سوادا نلقه بسواد فبعث نصر جواب هارون إلى المعتضد بالله فجدّ في قصده، وولّى الحسن بن علىّ كورة الموصل وأمره بقصد الخوارج، وأمر كافّة مقدّمى الولايات والأعمال بطاعته، فجمعهم وسار إلى أعمال الموصل وخندق على نفسه، وأقام إلى أن رفع الناس غلّاتهم، ثم سار إلى الخوارج وعبر نهر الزاب إليهم، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانكشف الخوارج عنه، ليفرّقوا جمعيته «١» ثم يعطفوا عليه، فأمر الحسن أصحابه بلزوم مواقفهم ففعلوا، ورجع هارون وأصحابه وحملوا سبع عشرة حملة، فانكشفت ميمنة الحسن وثبت هو، فحمل عليه

стр. 9783

الخوارج حملة رجل واحد وهو ثابت، وضرب على رأسه عدّة ضربات فلم تؤثر فيه، فلما رأى أصحابه ثباته رجعوا إليه وقاتلوا وصبروا، فانهزم هارون ومن معه وقتل خلق كثير، وكانت هذه الوقعة في سنة اثنتين وثمانين «١» ومائتين، فتحيّر هارون في أمره فقصد البريّة، ونزل عند بنى تغلب ثم عاد إلى معلثايا، ورجع إلى البريّة ثم رجع إلى دجلة، وتكرّر ما بين ذلك، فلما رأى أصحابه قوّة دولة الخليفة المعتضد بالله راسلوا الخليفة في طلب الأمان، فأمّنهم فأتاه ثلاثمائة وستون رجلا، وبقى مع هارون بعضهم، وهو يجول في البلاد إلى أن قتل. ذكر مقتل هارون وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين سار المعتضد بالله إلى الموصل، ووصل إلى تكريت وأقام بها، وأحضر الحسين بن حمدان وبعثه في طلب هارون في جماعة من الفرسان والرجّالة، فانتخب الحسين ثلاثمائة رجل فسار بهم، ومعه وصيف فقال له الحسين: مره يا أمير المؤمنين بطاعتى، فأمره بذلك، فسار بهم الحسين حتى انتهى إلى مخاضة في دجلة، فقال الحسين لوصيف ولمن معه ليقفوا هناك، وقال: ليس لهارون طريق- إن هرب- غيرها، فلا تبرحوا من هذا الموضع حتى يمرّ بكم فتمنعوه من العبور وأكون أنا من خلفه، ومضى الحسين في طلب هارون فلقيه، واقتتلوا وقتل من الفريقين عدّة قتلى، ثم انهزم

стр. 9784

هارون، وأقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه: قد طال مقامك ولسنا نأمن أن يأخذ حسين هارون، فيكون الفتح له دوننا، والصواب أن تمضى في آثارهم فأطاعهم ومضى، ولما فارق المخاضة جاء هارون فعبرها، وجاء الحسين في أثره إلى الموضع فلم ير وصيفا وأصحابه في الموضع الذى تركهم فيه، فعبر في أثر هارون وانتهى إلى حىّ من أحياء العرب، فسأل عنه فكتموه أمره فهدّدهم فأعلموه أنّه اجتاز بهم، فتبعه حتى أدركه بعد أيام وهارون في نحو مائة رجل، فناشده فأبى الحسين إلا قتاله، وحاربه وألقى نفسه عليه وأسره، وجاء به إلى المعتضد بالله إلى بغداد فوصلها لثمان بقين من شهر ربيع الأول، وأدخل هارون على فيل، وأرادوا أن يلبسوه ديباجا مشهّرا فامتنع «١» ، وقال: هذا لا يحلّ فألبسوه كارها، ولما صلب نادى بأعلى صوته لا حكم إلا لله ولو كره المشركون، وكان هارون صفريا، وكانت مدة خروج هذه الطائفة، منذ خرج مساور إلى أن أسر هارون ثلاثين سنة، منها أيام مساور عشر سنين، ومدة خروج هارون عشرون سنة، والله تعالى أعلم.

стр. 9785

الباب التاسع من القسم الخامس من الفن الخامس فى اخبار من استقل بالملك والممالك بالبلاد الشرقية والشمالية في خلال الدولة العباسية وهم ملوك خراسان وما وراء النهر والجبال وطبرستان وغزنه والغور وبلاد السند والهند والدولة السامانية والدو لة الصفارية والغزنوية والغورية والدولة الديلمية الختلية. ذكر أخبار الدولة السامانية وقيامها بما وراء النهر ونسب ملوكها وابتداء أمرهم كان أوّل من نبغ منهم وظهر اسمه وولى من قبل الخلافة نصر بن أحمد بن أسد بن سامان خداه بن جثمان بن طمغاث بن نوشرد بن بهرام جوبين بن بهرام خشنش، وكان بهرام خشنش من الرىّ فجعله كسرى هرمز مرزبان أذربيجان، وكانت ولاية نصر بن أحمد ما وراء النهر في سنة إحدى وستين. ومائتين من قبل الخليفة المعتمد على الله العبّاسى؛ وكان المأمون، لمّا ولى خراسان في خلافة أبيه الرشيد، اصطنع أولاد أسد بن سامان، وهم نوح وأحمد ويحيى وإلياس، فقدّمهم ورفعهم واستعملهم، فلمّا أفضت الخلافة إلى المأمون ورجع

стр. 9786

إلى العراق استخلف غسّان «١» بن عبّاد، فاستعمل غسان نوح بن أسد على سمرقند، وأحمد بن أسد على فرغانة، ويحيى على الشاش وأشروسنة، وإلياس على هراة وذلك في سنة أربع ومائتين، ثم أقرّهم طاهر بن الحسين على هذه الأعمال لما ولى خراسان، ثم توفى نوح بن أسد فأقرّ طاهر أخويه يحيى وأحمد على عمله، وكان أحمد بن أسد عفيفا عن المطاعم الدنيّة حسن السيرة، لا يقبل الرشا، ففيه يقول الشاعر: ثوى ثلاثين حولا في ولايته ... فجاع يوم ثوى في قبره حشمه وقيل إنّ هذا الشعر إنما قيل في ابنه نصر. وأمّا إلياس فإنه أقام بهراة إلى أن مات، فا؟؟؟ فر عبد الله بن طاهر ابنه أبا إسحاق محمد بن إلياس على عمله بهراة. وكان لأحمد بن أسد سبعة بنين وهم: نصر وأبو يوسف يعقوب وأبو زكريا يحيى وأبو الأشعث أسد وإسماعيل وإسحاق وأبو غانم حميد، فلما توفى أحمد بن أسد استخلف ابنه نصرا على أعماله بسمرقند، فبقى عاملا عليها إلى آخر الأيام الطاهريّة وبعدها إلى أن مضى لسبيله، وكان إسماعيل بن أحمد يخدم أخاه نصرا، فولاه بخارى في سنة إحدى وستين ومائتين، فهذا ابتداء أمرهم على سبيل الاختصار. وهذه الولاية هى أوّل ولاية كانت لملوك هذه الدولة ولأهل هذا البيت من قبل الخليفة، ففى هذه السنة كان ابتداء دولتهم، وأوّل من استقلّ منهم بالولاية نصر هذا في هذا التاريخ، وكان قبل ذلك

стр. 9787

يلى الأعمال من قبل عمّال خراسان، قال: ثم وقع [خلاف] بين نصر وأخيه إسماعيل مرة بعد أخرى حتى أفضى ذلك إلى الحرب بينهما، فتحاربا في سنة خمس وسبعين ومائتين، فظفر إسماعيل بأخيه نصر فلما جىء به إليه ترجّل إسماعيل له، وقبّل يده وردّه إلى موضعه بسمرقند، وتصرّف في النيابة عنه ببخارى وصلح ما بينهما، وكان إسماعيل خيّرا يحب أهل العلم والدين ويكرمهم، وببركتهم دام الملك في عقبة من بعده. حكى عن أبى إبراهيم إسماعيل بن أحمد هذا قال «١» : كنت بسمرقند فجلست للمظالم وجلس أخى إسحاق إلى جانبى، فدخل أبو عبد الله محمد بن نصر الفقيه الشافعى فقمت له اجلالا لعلمه ودينه، فلما خرج عاتبنى أخى وقال: أنت أمير خراسان يدخل عليك رجل من رعيّتك فتقوم له فتذهب السياسة بهذا!! قال إسماعيل فبتّ في تلك الليلة فرأيت النبى ﷺ ، وكأنّى واقف أنا وأخى إسحاق، فأقبل النبى ﷺ وأخذ بعضدى وقال لى: يا إسماعيل ثبت ملكك وملك بنيك بإجلالك محمد بن نصر، ثم التفت إلى إسحاق وقال: ذهب ملكك وملك بنيك باستخفافك بمحمد ابن نصر.

стр. 9788

ذكر وفاة نصر وقيام أخيه اسماعيل وفي سنة تسع وسبعين ومائتين توفى نصر بن أحمد، وكانت مدة استقلاله بالأمر ثمانى عشرة سنة تقريبا، وكان دينا «١» عاقلا حسن الشعر، ولما مات قام مقامه في أعماله بما وراء النهر أخوه إسماعيل ابن أحمد. وفي سنة ثمانين ومائتين غزا إسماعيل بلاد الترك، وافتتح مدينة ملكهم وأسر أباه وامرأته خاتون ونحوا من عشرة آلاف، وقتل منهم خلقا وأصاب من الدواب ما لا يعلم عدده، وأصاب الفارس من الغنيمة ألف درهم. ذكر ملك اسماعيل خراسان وفي سنة سبع وثمانين ومائتين ملك خراسان من عمرو بن الليث الصفّار، وسبب ذلك «٢» أن عمرا كان قد أرسل إلى الخليفة المعتضد بالله يطلب منه أن يوليه ما وراء النهر، فوجّه إليه الخلع واللواء بذلك، وكان هو إذ ذاك بنيسابور، فوجّه لمحاربة إسماعيل محمد بن بشير- وكان صاحبه وخليفته- وعشرة من قوّاده، فتوجّهوا إلى آمل فعبر إليهم إسماعيل نهر جيحون، والتقوا فهزمهم وقتل محمد بن بشير في نحو سنة آلاف رجل، وبلغ المنهزمون إلى عمرو بنيسابور، وعاد إسماعيل إلى بخارى، فتجّهز عمرو لقصده وسار من نيسابور

стр. 9789

نحو بلخ، فراسله إسماعيل يستعطفه ويقول: إن ولايتك قد اتّسعت ولك دنيا عريضة، وأنّه ليس بيدى إلا ما وراء النهر، وأنا في ثغر فاقنع بما في يدك واتركنى، فأبى عمرو إلا قتاله، فذكر أصحاب عمرو له شدّة العبور إلى نهر بلخ، فقال: لو شئت أن أسكره ببدر الأموال لفعلت، وسار إسماعيل نحوه وعبر النهر إلى الجانب الغربى، ونزل عمرو بلخ وأخذ إسماعيل عليه النواحى لكثرة جيوشه، فبقى عمرو كالمحاصر فطلب المحاجزة فأبى إسماعيل، والتقوا واقتتلوا فلم يكن بينهم كبير قتال حتى ولى عمرو هاربا، ومرّ بأجمة في طريقه فقيل له إنّها أقرب الطرق فقصدها في نفر يسير وقال لعامة من معه: اسلكوا الطريق الواضح، ودخل الأجمة فوحل به فرسه ومضى من معه، فجاء أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيرا، فسيّره إسماعيل إلى سمرقند، فلما وصل الخبر إلى المعتضد ذمّ عمرا ومدح إسماعيل، قال: ثم خيرّه إسماعيل بين المقام عنده أو انفاذه إلى المعتضد فاختار التوجّه إلى الخليفة فسيّره إليه، كانت هذه الوقعة في شهر ربيع الأول من السنة. وأرسل الخليفة المعتضد بالله إلى إسماعيل الخلع، وولاه ما كان بيد عمرو وخلع على نائبه بالحضرة وهو المعروف بالمرزبانى، فاستولى إسماعيل على خراسان وصارت بيده.

стр. 9790

ذكر ملكه طبرستان وفي سنة سبع وثمانين أيضا ملك إسماعيل طبرستان من محمد بن زيد العلوى، وسبب ذلك أنّه سار لقصد خراسان، ظنا منه أن إسماعيل لا يتجاوز ما وراء النهر، فبعث إليه ينهاه عن التعرض إليها وترك له جرجان فامتنع من ذلك، فندب إسماعيل لقتاله محمد بن هارون فالتقوا واقتتلوا على باب جرجان، فانجلت الحرب عن انهزام العلوى بعد أن جرح عدّة جراحات وأسر ابنه زيد بن محمد، وحمل إلى إسماعيل فأكرمه وأحسن نزله، وسار محمد بن هارون إلى طبرستان وملكها، وتولّاها من قبل إسماعيل. ثم استولى محمد بن هارون على الرىّ في شهر رجب سنة تسع وثمانين بعد أن خلع طاعة إسماعيل، وكان أهل الرى قد كاتبوه في تسليمها إليه، فسار إليهم فحاربه واليها وهو اكرتمش «١» التركى، فقتله محمد وقتل ابنيه وأخاه كيغلغ وهو من قواد الخليفة. ذكر القبض على محمد بن هارون ووفاته وفي «٢» سنة تسعين ومائتين أنفذ المكتفى بالله عهدا إلى إسماعيل بولاية الرىّ، فسار إليها ففارقها ابن هارون إلى قزوين ثم عاد إلى طبرستان، واستعمل، إسماعيل على جرجان بارس التركى الكبير»

стр. 9791

وألزمه احضار محمد بن هارون، فكاتبه بارس وضمن له اصلاح أمره. فقصد بخارى فلما بلغها قيد وحمل على جمل، وحبس فمات بعد شهرين محبوسا؛ وكان ابتداء أمر محمد بن هارون أنّه كان خياطا، ثم جمع جمعا من أهل الفساد وقطع الطريق في مفازه سرخس مدّة، ثم استأمن إلى رافع بن هرثمة وبقى معه إلى أن انهزم من عمرو الصفار فاستأمن إلى إسماعيل السامانى فسيّره إسماعيل لقتال العلوى كما قدّمناه ثم خرج عليه كما ذكرنا. وفي سنة إحدى ونسعين ومائتين «١» خرجت الترك في خلق كثير لا يحصون كثرة، وكان عسكرهم سبعمائة قبّة تركية، ولا تكون القبّة التركية إلا لرؤسائهم، فوجّه إليهم إسماعيل جيشا عظيما وتبعهم خلق من المطوّعة فوصلوا إلى الترك وهم غادون، فكبسهم المسلمون في الصبح فقتلوا منهم خلقا كثيرا وانهزم الباقون أقبح هزيمة. ذكر وفاة اسماعيل وولاية ابنه أحمد كانت وفاته في منتصف صفر سنة خمس وتسعين ومائتين. ولقّب بعد موته بالماضى، وكان رحمه الله تعالى عاقلا عادلا حسن السيرة في رعيّته حليما. حكى عنه أنّه كان لولده أحمد مؤدب يؤدّبه، فمرّ به الأمير إسماعيل فسمع المؤدب يسبّه، ويقول: لا بارك الله فيك ولا فيمن ولدك. فدخل عليه وقال: يا هذا نحن لم نذنب ذنبا فتسبّنا. فهل

стр. 9792

ترى أن تعفينا من سبّك، وتخص المذنب بذمّك وشتمك؟ فارتاع المؤدب وخرج إسماعيل عنه، وأمر له بصلة جزاء لخوفه منه. وجرى بين يديه ذكر الأنساب والأحساب فقال لبعض جلسائه: كن عصاميا ولا تكن عظاميا. ومن مكارمه وآدابه أنّه لما ولى بعد أخيه نصر واستقل بالأمر استمرّ يكاتب أصحابه وأصدقاءه بما كان يكاتبهم به أوّلا، فقيل له في ذلك فقال: بجب علينا إذا زادنا الله رفة ألا ننقص إخواننا، بل نزيدهم رفعة وعلاء وجاها ليزدادوا لنا خلوصا وشكرا؛ وكانت مدة ولايته منذ أفضى الأمر إليه بعد وفاة أخيه ست عشرة سنة. ولما مات ولى بعده ابنه: أبو نصر أحمد بن اسماعيل قال «١» : ولما استوثق له الأمر ببخارى قصد بالخروج إلى الرى فأشار عليه إبراهيم بن زيدويه بقصد سمرقند، والقبض على عمّه إسحاق بن أحمد لئلا يخرج عليه، فاستدعى عمّه إلى بخارى فحضر إليه واعتقله بها، ولم يزل إلى سنة ثمان وتسعين فأطلقه وأعاده إلى سمرقند وفرغانة، قال: ولما قبض على عمّه عبر إلى خراسان، فلما ورد نيسابور هرب بارس الكبير من جرجان إلى بغداد خوفا منه، وكان لخوفه منه أسباب منها: أن الأمير إسماعيل كان قد استعمل ابنه أحمد على جرجان- لما أخذها من محمد بن زيد- ثم عزله عنها،

стр. 9793

واستعمل عليها بارس الكبير، فاجتمع عند بارس أموال عظيمة من خراج الرى وطبرستان وجرجان، فحملها إلى إسماعيل فلما سارت عنه بلغه وفاة إسماعيل فردّها وأخذها، فلمّا قاربه أحمد خافه فكتب إلى المكتفى بالله يستأذنه في المصير إليه، فأذن له فسار إلى بغداد في أربعة آلاف فارس، فوصل إليها بعد وفاة المكتفى وولاية المقتدر، فأعجب المقتدر فسيّره إلى بنى حمدان بعسكره وولاه ديار ربيعة، فخافه أصحاب الخليفة أن يتقدّم عليهم، فدسّوا عليه غلاما له فسمّه فمات بالموصل، واستولى غلامه على أمواله وتزوّج بامرأته. ذكر استيلاء أحمد بن اسماعيل على سجستان وفي «١» شهر رجب سنة ثمان وتسعين ومائتين استولى على سجستان، وذلك أنّه لما استتب ملكه واستقرت قواعده سار في سنة سبع وتسعين ومائتين إلى الرى، وكان مسكنه ببخارى ثم سار إلى هراة، فسيّر منها جيشا في المحرّم سنة ثمان وتسعين إلى سجستان وعدّة من قوّاده، واستعمل عليهم الحسين بن على المروروزى، وكان بسجستان المعدّل بن على بن الليث الصفار، وهو صاحبها، فسيّر المعدّل أخاه أبا على محمد إلى بست ليجبى أموالها، فسار الأمير أحمد إليه ببست وحاربه، وأخذه أسيرا وعاد به إلى هراة، وتوجّه الحسين إلى سجستان وحصر المعدّل، فلما بلغه أن أخاه أسر، صالح الحسين واستأمن له، واستولى الحسين على سجستان،

стр. 9794

واستعمل عليها الأمير أحمد أبا صالح منصور بن إسحاق- وهو ابن عمه- وعاد الحسين ومعه المعدّل إلى بخارى، قال: ولما استولى على سجستان سار سبكرى من فارس إليها على طريق المفازة، فسيّر إليه أحمد جيشا فأخذوه أسيرا واستولى على عسكره، وكتب الأمير أحمد بذلك إلى المقتدر بالله فشكره، وأمره أن يحمل السبكرى ومحمد ابن على بن الليث إلى بغداد، فسيّرهما فأدخلا مشهورين على فيلين. وأعاد المقتدر رسل أحمد بالتحف والهدايا. ثم «١» خالف أهل سجستان على الأمير أحمد في سنة ثلاثمائة، وسبب ذلك أن محمد بن هرمز المعروف بالمولى الصّندلىّ كان خارجىّ المذهب، وأقام ببخارى وهو من أهل سجستان وكان شيخا كبيرا، فجاء يوما إلى الحسين بن على العارض يطلب رزقه، فقال له: إن الأصلح لمثلك من الشيوخ أن يلزم رباطا. يعبد الله فيه حتى يوافيه أجله، فغاظه ذلك وانصرف إلى سجستان. فاستمال جماعة من الخوارج، وكان رئيسهم محمد بن العبّاس المعروف بابن الحفّار، ودعا لعمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث الصفّار، فقبضوا على منصور بن إسحاق وحبسوه وخطبوا لعمرو وسلّموا إليه سجستان، فلما بلغ الخبر الأمير أحمد سيّر الجيوش مع الحسين بن على فحصرها تسعة أشهر، فصعد يوما محمد بن هرمز الصّندلى إلى السور. وقال: ما حاجتكم إلى أذى شيخ كبير

стр. 9795

لا يصلح إلا للزوم رباط؟ ثم مات الصندلىّ فاستأمن عمرو بن يعقوب الصفار وابن الحفّار إلى الحسين، وأطلقوا منصور بن إسحاق، وكان الحسين يكرم ابن الحفّار ويقرّبه، فواطأ ابن الحفّار جماعة على الفتك بالحسين، فبلغ الحسين ذلك فقبض عليه وأخذه معه إلى بخارى، واستعمل الأمير أحمد على سجستان سيمجور الدّواتى، فتوجّه إلى سجستان واستصحب معه عمرو بن يعقوب وابن الحفّار، فتوفى ابن الحفّار. ذكر «١» مقتل الأمير أحمد وولاية ابنه نصر وفي سنة إحدى وثلاثمائة خرج الأمير أحمد إلى الصيد، وكان له أسد يربط على باب مبيته في كل ليلة، فلما كان في ليلة قتله أغفل الغلمان إحضار الأسد، فدخل إليه نفر من غلمانه فذبحوه على سريره وذلك في ليلة الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة، فحمل إلى بخارى فدفن بها وقتل بعض أولئك الغلمان، ولقّب بعد موته بالشهيد وكانت مدة ولايته ست سنين وأربعة أشهر وأياما. وولى بعده ابنه: أبو الحسن نصر بن أحمد وهو الرابع من الملوك السامانية. قال «٢» : ولما قتل والده كان عمره ثمانى سنين، فبايعه أصحاب والده وكان القائم ببيعته أحمد بن

стр. 9796

محمد بن الليث متولّى بخارى، فحمله على عاتقه فقال: أتريدون أن تقتلونى كما فعلتم بأبى، قالوا: لا وإنما نريد أن نضعك في موضع أبيك أميرا، فسكن روعه، وبايعوا له ولقّب بالسعيد، فاستصغره الناس وظنّوا أن أمره لا ينتظم مع وجود عم أبيه- الأمير إسحاق، وقوّته وكونه شيخ السامانيّة وصاحب سمرقند، وميل الناس بما وراء النهر إليه وإلى أولاده، فكان الأمر بخلاف ما ظنّه الناس، وطالت مدّته ونافت على ثلاثين سنة. قال: وتولى تدبير دولته أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهانى، فأمضى الأمور وضبط المملكة، واتّفق هو وحشم نصر بن أحمد على تدبير الأمر فأحكموه بالحضرة، وإنّما طمع أصحاب الأطراف في البلاد، وكان ممن خرج عن طاعته أهل سجستان، فانصرف عنها سيمجور الدواتى فولّاها المقتدر بالله بدرا الكبير. ذكر خروج اسحاق بن أحمد وابنه الياس قال «١» : ولما توفى الأمير أحمد وولى ابنه نصر خالف عليه عم أبيه الأمير إسحاق بن أحمد- وكان يلى سمرقند- وخالف ابنه إلياس، وقوى أمرهما، فسارا نحو بخارى فسار إليهم حمّويه بن على في عسكر كثيف، والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم إسحاق إلى سمرقند، وذلك في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثمائة، ثم عاد وجمع مرّة ثانية والتقوا فانهزم إسحاق ثانيا، وتبعه حمّويه إلى سمرقند فملكها قهرا،

стр. 9797

واختفى إسحاق فشدّد عليه الطلب وضيّق عليه، فاستأمن إلى حمّويه فأمّنه وحمله إلى بخارى، فأقام بها إلى أن مات. وأمّا ابنه إلياس فسار إلى فرغانة فكان بها إلى أن خرج في سنة ست عشرة. ذكر مخالفة منصور بن اسحاق وفي سنة اثنتين وثلاثمائة خالف منصور بن إسحاق بن أحمد، على الأمير نصر بن أحمد، ووافقة على ذلك الحسين بن على المروروذى ومحمد بن حيد» ، وكان سبب ذلك أن الحسين لمّا فتح سجستان في الدفعة الأولى في أيام الأمير أحمد بن إسماعيل طمع أن يتولّاها، فولّاها منصور بن إسحاق، ثم افتتحها ثانيا وظن أنّه يتولّاها، فوليها سيمجور على ما قدّمناه، فاستوحش لذلك ونفر خاطره، وتحدّث مع منصور بن إسحاق في الموافقة والتعاضد بعد موت الأمير أحمد، على أن تكون إمارة خراسان لمنصور ويكون الحسين خليفته، فلمّا قتل الأمير أحمد كان منصور بنيسابور والحسين بهراة، فأظهر الحسين العصيان وسار إلى منصور بنيسابور، يحثه على ما اتّفقا عليه فوافقه منصور، وأظهر الخلاف وخطب لمنصور بنيسابور، فتوجّه إليهما حمّويه بن على من بخارى في عسكر كثيف، فاتّفق وفاة منصور، فقيل سمّه الحسين، فلمّا قاربه حمّويه سار الحسين عن نيسابور إلى هراة وأقام بها، وكان محمد

стр. 9798

ابن «١» حيد يلى بخارى مدة طويلة، ويسير منها إلى نيسابور في شغل يقوم به، فوردها تم عاد منها بغير أمر، فكتب إليه من بخارى بالانكار فخاف على نفسه، فعدل عن الطريق إلى الحسين بهراة فقوى به، وسار إلى نيسابور واستولى عليها، واستخلف بهراة أخاه منصور ابن على، فسيّر إليه من بخارى أحمد بن سهل لقتاله، فابتدأ أحمد بهراة فحصرها وأخذها، واستأمن إليه منصور بن على، ثم سار أحمد ابن سهل منها إلى نيسابور، وكان وصوله إليها في شهر ربيع الأوّل سنة ست وثلاثمائة، فنازل الحسين إلى أن انهزم أصحابه، فأسره ابن سهل وأقام بنيسابور، وكان ابن حيد بمرو فلمّا بلغه استيلاء أحمد بن سهل على نيسابور، وأسره للحسين بن على سار إليه. فقبض عليه ابن سهل وأخذ ماله وسواده وسيّره والحسين إلى بخارى فحبس الحسين بن على ببخارى إلى أن خلّصه أبو عبد الله الجيهانى. وسيّر ابن حيد إلى خوارزم فمات بها، ثم عاد الحسين بن على بعد خلاصه إلى خدمة الأمير نصر «٢» بن أحمد. قال «٣» : ولما ظفر أحمد بن سهل بالحسين أقام بنيسابور واستولى عليها، وخالف «٤» على الأمير نصر وقطع خطبته، وسار من نيسابور إلى جرجان وبها قراتكين، فحاربه واستولى عليها وأخرجه عنها، ثم عاد إلى خراسان

стр. 9799

واستولى على مرو وبنى عليها سورا وتحصّن بها، فأرسل الأمير نصر الجيوش مع حمّويه بن على من بخارى، فوافى مرو الروذ وأقام بنواحيها فلم يخرج إليه أحمد بن سهل، فلمّا رأى حمّويه أنّه لا يخرج إليه وأنّه تحصّن بمرو شرع في اعمال الحيلة، وأمر جماعة من أصحابه بمكاتبة أحمد سرا واظهار الميل إليه، ودعوه إلى الخروج إليهم ليسلّموا حمّويه إليه، فأجابهم إلى ذلك وخرج إليه فالتقوا على مرحلة من مرو الروذ، في شهر رجب سنة سبع وثلاثمائة، فانهزم أصحاب أحمد وحارب هو حتى عجزت دابّته فنزل عنها، واستأسر «١» فأخذ أسيرا وأنفذه حمّويه إلى بخارى فمات بها في ذى الحجة من السنة في الحبس. ذكر خروج الياس بن اسحاق بن أسد ثانيا قد ذكرنا أنّه لما انهزم مع أبيه بفرغانة، فلما كان في سنة ثلاث «٢» عشرة وثلاثمائة استعان بمحمد بن الحسين بن مت، وجمع طائفة من الترك فاجتمع معه ثلاثون ألف عنان، فقصد سمرقند، فسيّر إليه الأمير السعيد أبا عمرو محمد «٣» بن أسد في ألفين وخمسمائة رجل، فكمنوا خارج سمرقند في يوم ورود إلياس «٤» إليها، فاشتغل هو ومن معه بالنزول فخرج عليهم الكمين من بين الشجر، ووضعوا فيهم السيف فانهزم إلياس وأصحابه، فوصل إلياس إلى فرغانة ووصل

стр. 9800

ابن مت إلى طراز، فقبض عليه دهقان الناحية وقتله وأنفذ رأسه إلى بخارى، ثم عاد إلياس [ف] خرج «١» مرّة ثالثة، وأعانه أبو الفضل بن أبى يوسف صاحب الشاش، فسيّر إليه السعيد، محمد بن اليسع فحاربهم، فانهزم إلياس إلى كاشغر وأسر أبو الفضل وحمل إلى بخارى فمات بها، وصار إلياس إلى دهقان كاشغر طغانتكين واستقرّ بها. ثم ولى محمد بن المظفّر فرغانة فرجع إلياس بن إسحاق إليها، فحاربه فهزمه مرة أخرى فعاد إلى كاشغر، فكاتبه محمد بن المظفّر واستماله ولطف به فحضر إلى بخارى، فأكرمه السعيد وصاهره فأقام عنده. ذكر استيلاء السعيد على الرى وفي سنة أربع عشرة وثلاثمائة كتب المقتدر بالله إلى الأمير السعيد بولاية الرى، وأمره أن يقصدها ويأخذها من غلام يوسف بن أبى الساج فسار إليها واستولى عليها وأخرج فاتك «٢» عنها في جمادى الآخرة، وأقام بها شهرين، وولّى عليها سيمجور الدوانى وعاد إلى بخارى، ثم استعمل عليها محمد بن صعلوك فوصل إليها وأقام بها إلى أوائل شعبان من السنة، فمرض فكاتب الحسن الداعى وما كان في القدوم عليه ليسلّم الرى لهما، فقدما وتسلّما الرى، وسار عنها وبلغ الدامغان.

стр. 9801

ذكر مخالفة جعفر بن أبى جعفر بن أبى داود وعوده كان جعفر «١» مقيما بالختّل واليا عليها للسامانيّة، فبدت منه أمور نسب فيها للتقصير، فكوتب أبو على أحمد بن محمد بن المظفّر بقصده، فسار إليه وحاربه وقبض عليه وحمله إلى بخارى، فحبس بها إلى أن خالف أبو زكريا على الأمير السعيد فأخرجه وصحبه، ثم استأذنه في العود إلى ولاية الختّل فأذن له، فسار إليها وتمسّك بطاعة الأمير السعيد، وذلك في سنة ثمانى عشرة وثلاثمائة. ذكر خروج أبى زكريا وأخويه ببخارى وفي سنة ثمانى عشرة وثلاثمائة خرج أبو زكريا يحيى وأبو صالح منصور وأبو إسحاق إبراهيم- أولاد أحمد بن إسماعيل السامانى، على أخيهم السعيد نصر بن أحمد، وكان سبب ذلك أن أخاهم كان قد حبسهم في القهندز ببخارى، ووكل بهم من يحفظهم فتخلّصوا منه، وسبب خلاصهم أن رجلا يعرف بأبى بكر الخبّاز الأصفهانى كان يقول- إذا جرى ذكر السعيد نصر-: إن له منى يوما طويل البلاء والعناء، فكان الناس يضحكون منه، فخرج السعيد إلى نيسابور واستخلف على بخارى أبا العباس الكوسج، وكانت وظيفة إخوته تحمل إليهم من عند هذا الخبّاز وهم في السجن، فسعى لهم مع

стр. 9802

جماعة من أهل العسكر فأجابوه إلى ذلك، فأعلمهم بما فعل، فلما سار السعيد عن بخارى تواعد هؤلاء للاجتماع بباب القهندز في يوم جمعة، وكان الرسم ألّا يفتح باب القهندز في يوم الجمعة إلا بعد العصر، فلما كان يوم الخميس دخل أبو بكر الخبّاز إلى القهندز وبات فيه، وجاء من الغد إلى الباب وأظهر الزهد للبوّاب، وسأله أن يفتح له لئلا تفوته صلاة الجمعة وأعطاه خمسة دنانير، فلما فتح الباب صاح الخبّاز بمن واعدهم، فوثبوا بالبوّاب وقبضوا عليه وخرج إخوة السعيد وجميع من في الحبس من الديلم والعلويين والعيّارين. واجتمعوا إليهم من كان قد وافقهم من العسكر، ورئيسهم شيروين الجيلى وغيره من القوّاد، فعظمت شوكتهم ونهبوا خزائن السعيد ودوره واختص يحيى بن أحمد بأبى بكر الخبّاز وقرّبه وقدّمه وجعله من قوّاده، وبلغ السعيد هذا الخبر فسار من نيسابور إلى بخارى. فوكل يحيى بالنهر أبا بكر الخبّاز ليمنع السعيد من عبوره، فظفر السعيد به وأخذه أسيرا، وعبر النهر إلى بخارى وبالغ في تعذيب الخبّاز، ثم أحرقه في التنّور الذى كان يخبز فيه، وسار يحيى من بخارى إلى سمرقند ثم خرج منها، وبقى يكرر [الدخول] إلى البلاد والسعيد في طلبه، واستمرت هذه الفتنة ثائرة إلى سنة عشرين وثلاثمائة، فأنفذ السعيد الأمان إلى أخيه يحيى فجاء إليه هو وأخوه منصور، وزالت الفتنة وسكن الشر، وأما إبراهيم فإنه هرب إلى بغداد ثم إلى الموصل.

стр. 9803

ذكر ولاية محمد بن المظفر خراسان وفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة استعمل الأمير نصر بن أحمد، أبا بكر محمد بن المظفّر بن محتاج على جيوش خراسان، ورد إليه تدبير الأمور بنواحيها جميعا، وكان سبب تقدّم محمد عنده أنّه كان يوما بين يدى السعيد- وهو يحادثه في بعض مهماته- فلسعته عقرب في إحدى رجليه عدّة دفعات، ولم يتحرّك ولا ظهر عليه أثر ذلك، فلما فرغ من حديثه وعاد إلى منزلة نزع خفّه وقتل العقرب، فاتصل الخبر بالأمير السعيد فأعجب به، وقال له: ما عجبت إلا من فراغ بالك لتدبير ما قلته لك! فهلّا قمت وأزلتها!! فقال: ما كنت لأقطع حديث الأمير بسبب عقرب، وإذا لم أصبر بين يديك على لسعة عقرب، فكيف أصبر- عند البعد منك- على حدّ سيوف أعداء دولتك، إذا دفعتهم عن مملكتك؟ فعظم محلّه عنده وأعطاه مائتى ألف درهم، ثم استعمله على خراسان فأقام واليا عليها إلى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، فاستقدمه واستعمل ابنه أبا على أحمد بن محمد، وكان سبب ذلك أن أبا بكر مرض مرضا شديدا فعزله واستعمل ابنه في شهر رمضان، فأقام بها ثلاثة أشهر وهو يتجهّز ويستعد، وسار في المحرم سنة ثمان وعشرين إلى جرجان فاستولى عليها وأخذها من ماكان ابن كالى، لأن ما كان كان قد خلع طاعة السعيد بعد أن حاصرها أبو علىّ بقية السنة، واستخلف إبراهيم بن سيمجور الدواتى، ثم استولى أبو على على الرى في سنة تسع وعشرين، ثم استولى على بلد

стр. 9804

الجبل «١» زنكان وأبهر وقزوين وقمّ وكرج وهمذان ونهاوند والدّينور إلى حدود حلوان، وذلك في سنة ثلاثين، ورتّب فيها العمال وجبى أموالها، ورحل إلى جرجان في سنة إحدى وثلاثين في جمادى الآخرة، فأتاه الخبر بوفاة السعيد فسار إلى خراسان. ذكر وفاة الأمير السعيد نصر بن أحمد وشىء من سيرته كانت وفاته في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وكانت علّته السل فأقام به ثلاثة عشر شهرا، ولم يكن قد بقى من مشايخ دولتهم أحد، وكانت ولايته ثلاثين سنة وثلاثة وثلاثين يوما، وعمره ثمانيا وثلاثين سنة. وكان عالما ذا حلم وكرم وعقل، ومن مكارمه ولين جانبه أن بعض الخدم سرق جوهرا نفيسا، وباعه على بعض التجّار بثلاثة عشر ألف درهم، فحضر التاجر عند السعيد وأعلمه أنّه اشترى جوهرا نفيسا لا يصلح إلا للسلطان، وأحضر الجوهر فحين رآه السعيد عرفه، فسأل عن ثمنه ومن أين اشتراه، فذكر الخادم والثمن فأربحه ألفى درهم، ثم سأله التاجر في دم الخادم فقال: لا بدّ من أدبه، وأما دمه فهو لك، فأحضره وأدّبه ثم أنفذه إلى التاجر، وقال: كنّا وهبنا لك دمه، وقد أنفذناه إليك. وحكى عنه أنّه لما خرج عليه أخوه أبو زكريا

стр. 9805

ونهبت خزائنه وأمواله، فلما عاد السعيد إلى ملكه قيل له عن جماعة انتهبوا أمواله فلم يتعرض إليهم؛ وأخبر أن بعض السوقة اشترى منها سكّينا نفيسا بمائتى درهم، فأرسل إليه وأعطاه الثمن فأبى أن يبيع السكّين إلا بألف درهم، فقال السعيد: ألا تعجبون من هذا الرجل! أرى عنده مالى فلم أعاتبه وأعطيه حقّه فيشتط في الطلب! ثم أمر بارضائه. ولما طال مرضه أقبل على الصلاة والعبادة، وبنى له بيتا وسمّاه بيت العبادة، فكان يلبس ثيابا نظافا ويمشى إليه حافيا ويصلّى ويدعو ويتضرّع، ولما مات دفن عند قبر «١» والده رحمهما الله. وولى بعده الأمير: نوح بن نصر بن أحمد بن اسماعيل بن أحمد وهو الخامس من الملوك السامانية قال «٢» : بويع له بعد وفاة أبيه في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة ولقب الأمير الحميد، وفوّض أمر تدبير دولته وملكه إلى أبى الفضل محمد «٣» بن أحمد الحاكم، وصدر عن رأيه، ولما هرب منه أبو الفضل بن أحمد بن حمّويه- وهو من أكابر أصحاب أبيه- فأمّنه وأعاده وأحسن إليه، وولاه سمرقند.
следующие страницы →