← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

ذكر مخالفة جعفر بن أبى جعفر بن أبى داود وعوده كان جعفر «١» مقيما بالختّل واليا عليها للسامانيّة، فبدت منه أمور نسب فيها للتقصير، فكوتب أبو على أحمد بن محمد بن المظفّر بقصده، فسار إليه وحاربه وقبض عليه وحمله إلى بخارى، فحبس بها إلى أن خالف أبو زكريا على الأمير السعيد فأخرجه وصحبه، ثم استأذنه في العود إلى ولاية الختّل فأذن له، فسار إليها وتمسّك بطاعة الأمير السعيد، وذلك في سنة ثمانى عشرة وثلاثمائة. ذكر خروج أبى زكريا وأخويه ببخارى وفي سنة ثمانى عشرة وثلاثمائة خرج أبو زكريا يحيى وأبو صالح منصور وأبو إسحاق إبراهيم- أولاد أحمد بن إسماعيل السامانى، على أخيهم السعيد نصر بن أحمد، وكان سبب ذلك أن أخاهم كان قد حبسهم في القهندز ببخارى، ووكل بهم من يحفظهم فتخلّصوا منه، وسبب خلاصهم أن رجلا يعرف بأبى بكر الخبّاز الأصفهانى كان يقول- إذا جرى ذكر السعيد نصر-: إن له منى يوما طويل البلاء والعناء، فكان الناس يضحكون منه، فخرج السعيد إلى نيسابور واستخلف على بخارى أبا العباس الكوسج، وكانت وظيفة إخوته تحمل إليهم من عند هذا الخبّاز وهم في السجن، فسعى لهم مع

стр. 9802

جماعة من أهل العسكر فأجابوه إلى ذلك، فأعلمهم بما فعل، فلما سار السعيد عن بخارى تواعد هؤلاء للاجتماع بباب القهندز في يوم جمعة، وكان الرسم ألّا يفتح باب القهندز في يوم الجمعة إلا بعد العصر، فلما كان يوم الخميس دخل أبو بكر الخبّاز إلى القهندز وبات فيه، وجاء من الغد إلى الباب وأظهر الزهد للبوّاب، وسأله أن يفتح له لئلا تفوته صلاة الجمعة وأعطاه خمسة دنانير، فلما فتح الباب صاح الخبّاز بمن واعدهم، فوثبوا بالبوّاب وقبضوا عليه وخرج إخوة السعيد وجميع من في الحبس من الديلم والعلويين والعيّارين. واجتمعوا إليهم من كان قد وافقهم من العسكر، ورئيسهم شيروين الجيلى وغيره من القوّاد، فعظمت شوكتهم ونهبوا خزائن السعيد ودوره واختص يحيى بن أحمد بأبى بكر الخبّاز وقرّبه وقدّمه وجعله من قوّاده، وبلغ السعيد هذا الخبر فسار من نيسابور إلى بخارى. فوكل يحيى بالنهر أبا بكر الخبّاز ليمنع السعيد من عبوره، فظفر السعيد به وأخذه أسيرا، وعبر النهر إلى بخارى وبالغ في تعذيب الخبّاز، ثم أحرقه في التنّور الذى كان يخبز فيه، وسار يحيى من بخارى إلى سمرقند ثم خرج منها، وبقى يكرر [الدخول] إلى البلاد والسعيد في طلبه، واستمرت هذه الفتنة ثائرة إلى سنة عشرين وثلاثمائة، فأنفذ السعيد الأمان إلى أخيه يحيى فجاء إليه هو وأخوه منصور، وزالت الفتنة وسكن الشر، وأما إبراهيم فإنه هرب إلى بغداد ثم إلى الموصل.

стр. 9803

ذكر ولاية محمد بن المظفر خراسان وفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة استعمل الأمير نصر بن أحمد، أبا بكر محمد بن المظفّر بن محتاج على جيوش خراسان، ورد إليه تدبير الأمور بنواحيها جميعا، وكان سبب تقدّم محمد عنده أنّه كان يوما بين يدى السعيد- وهو يحادثه في بعض مهماته- فلسعته عقرب في إحدى رجليه عدّة دفعات، ولم يتحرّك ولا ظهر عليه أثر ذلك، فلما فرغ من حديثه وعاد إلى منزلة نزع خفّه وقتل العقرب، فاتصل الخبر بالأمير السعيد فأعجب به، وقال له: ما عجبت إلا من فراغ بالك لتدبير ما قلته لك! فهلّا قمت وأزلتها!! فقال: ما كنت لأقطع حديث الأمير بسبب عقرب، وإذا لم أصبر بين يديك على لسعة عقرب، فكيف أصبر- عند البعد منك- على حدّ سيوف أعداء دولتك، إذا دفعتهم عن مملكتك؟ فعظم محلّه عنده وأعطاه مائتى ألف درهم، ثم استعمله على خراسان فأقام واليا عليها إلى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، فاستقدمه واستعمل ابنه أبا على أحمد بن محمد، وكان سبب ذلك أن أبا بكر مرض مرضا شديدا فعزله واستعمل ابنه في شهر رمضان، فأقام بها ثلاثة أشهر وهو يتجهّز ويستعد، وسار في المحرم سنة ثمان وعشرين إلى جرجان فاستولى عليها وأخذها من ماكان ابن كالى، لأن ما كان كان قد خلع طاعة السعيد بعد أن حاصرها أبو علىّ بقية السنة، واستخلف إبراهيم بن سيمجور الدواتى، ثم استولى أبو على على الرى في سنة تسع وعشرين، ثم استولى على بلد

стр. 9804

الجبل «١» زنكان وأبهر وقزوين وقمّ وكرج وهمذان ونهاوند والدّينور إلى حدود حلوان، وذلك في سنة ثلاثين، ورتّب فيها العمال وجبى أموالها، ورحل إلى جرجان في سنة إحدى وثلاثين في جمادى الآخرة، فأتاه الخبر بوفاة السعيد فسار إلى خراسان. ذكر وفاة الأمير السعيد نصر بن أحمد وشىء من سيرته كانت وفاته في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وكانت علّته السل فأقام به ثلاثة عشر شهرا، ولم يكن قد بقى من مشايخ دولتهم أحد، وكانت ولايته ثلاثين سنة وثلاثة وثلاثين يوما، وعمره ثمانيا وثلاثين سنة. وكان عالما ذا حلم وكرم وعقل، ومن مكارمه ولين جانبه أن بعض الخدم سرق جوهرا نفيسا، وباعه على بعض التجّار بثلاثة عشر ألف درهم، فحضر التاجر عند السعيد وأعلمه أنّه اشترى جوهرا نفيسا لا يصلح إلا للسلطان، وأحضر الجوهر فحين رآه السعيد عرفه، فسأل عن ثمنه ومن أين اشتراه، فذكر الخادم والثمن فأربحه ألفى درهم، ثم سأله التاجر في دم الخادم فقال: لا بدّ من أدبه، وأما دمه فهو لك، فأحضره وأدّبه ثم أنفذه إلى التاجر، وقال: كنّا وهبنا لك دمه، وقد أنفذناه إليك. وحكى عنه أنّه لما خرج عليه أخوه أبو زكريا

стр. 9805

ونهبت خزائنه وأمواله، فلما عاد السعيد إلى ملكه قيل له عن جماعة انتهبوا أمواله فلم يتعرض إليهم؛ وأخبر أن بعض السوقة اشترى منها سكّينا نفيسا بمائتى درهم، فأرسل إليه وأعطاه الثمن فأبى أن يبيع السكّين إلا بألف درهم، فقال السعيد: ألا تعجبون من هذا الرجل! أرى عنده مالى فلم أعاتبه وأعطيه حقّه فيشتط في الطلب! ثم أمر بارضائه. ولما طال مرضه أقبل على الصلاة والعبادة، وبنى له بيتا وسمّاه بيت العبادة، فكان يلبس ثيابا نظافا ويمشى إليه حافيا ويصلّى ويدعو ويتضرّع، ولما مات دفن عند قبر «١» والده رحمهما الله. وولى بعده الأمير: نوح بن نصر بن أحمد بن اسماعيل بن أحمد وهو الخامس من الملوك السامانية قال «٢» : بويع له بعد وفاة أبيه في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة ولقب الأمير الحميد، وفوّض أمر تدبير دولته وملكه إلى أبى الفضل محمد «٣» بن أحمد الحاكم، وصدر عن رأيه، ولما هرب منه أبو الفضل بن أحمد بن حمّويه- وهو من أكابر أصحاب أبيه- فأمّنه وأعاده وأحسن إليه، وولاه سمرقند.

стр. 9806

وفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة خالف عبد الله بن اشكام على الأمير نوح، وامتنع بخوارزم، فسار نوح من بخارى إلى مرو بسببه وسيّر إليه جيشا وجعل عليهم إبراهيم بن بارس، فمات إبراهيم في الطريق، وكاتب ابن اشكام ملك الترك واحتمى به وكان لملك الترك ولد عند نوح في اعتقاله ببخارى، فراسل نوح أباه في اطلاقه ليقبض على ابن اشكام، فأجاب ملك الترك إلى ذلك، فلما علم ابن اشكام بذلك عاد إلى الطاعة، وفارق خوارزم فعفا عنه نوح وأكرمه. ذكر مخالفة أبى على بن محتاج على الأمير الحميد وفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة خالف أبو على بن محتاج على الأمير الحميد نوح، وسبب ذلك أنّه كان قد جهّزه للمسير إلى الرى فأنفذ إليه عارضا يستعرض العسكر، فأسقط العارض جماعة منهم وأساء على أبى علىّ، فنفرت قلوب الجند وساروا وهم كذلك، وانضاف إلى ذلك أن نوحا أنفذ معه من يتولى أعمال الديوان، وجعل إليه الحل والعقد والإطلاق، بعد أن كان جميع ذلك أيام السعيد لأبى علىّ، فازدا قلبه نفورا لذلك، ثم عزله عن خراسان واستعمل عليها إبراهيم بن سيمجور، ثم إنّ المتولى أساء إلى الجند في أرزاقهم فنفروا وشكا بعضهم إلى بعض، وهم إذ ذاك بهمذان، فاتّفق رأيهم على مكاتبة الأمير إبراهيم بن أحمد، عمّ الأمير نوح، وكان كما قدّمناه في خدمة الأمير ناصر الدولة بن حمدان بالموصل، فأظهروا أبا علىّ على

стр. 9807

ذلك فنهاهم عنه، فتواعدوه بالقبض عليه إن خالفهم، فأجابهم إلى ما طلبوه وكاتبوا إبراهيم، فحضر إليهم في شهر رمضان في تسعين فارسا وساروا في شوّال نى خدمته إلى الرى، فلما وصلوا إليها اطلع أبو علىّ أن أخاه الفضل كتب إلى الأمير نوح بخبره، فقبض عليه وعلى المتولّى الذى أساء إلى الجند، وسار إلى نيسابور واستخلف نوّابه على الجبل والرى، واتصل الخبر بالأمير نوح فسار من بخارى إلى مرو، وكان الجند قد ضجروا من محمد ابن أحمد الحاكم، مدبّر دولة نوح، لسوء سيرته فيهم، فقالوا لنوح: إنّ الحاكم قد أفسد عليك الأمور بخراسان، وأحوج أبا علىّ ابن محتاج إلى العصيان، وطلبوا تسليمه إليهم وإلا ساروا إلى عمّه إبراهيم، فسلمّه إليهم فقتلوه في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. ولما وصل أبو علىّ إلى نيسابور كان بها إبراهيم بن سيمجور ومنصور بن قراتكين وغيرهما من القوّاد، واستمالهم فمالوا إليه وصاروا معه، ودخل نيسابور في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، ثم ظهر له من منصور بن قراتكين ما كرهه فقبض عليه، ثم سار أبو علىّ وإبراهيم من نيسابور في شهر ربيع الأوّل من السنة إلى مرو، وبها الأمير نوح، فهرب الفضل أخو أبى علىّ من محبسه إلى قهستان، ولمّا قارب أبو علىّ مرو انحاز إليه كثير من عسكر نوح، فسار نوح إلى بخارى واستولى أبو علىّ على مرو في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين، وأتاه أكثر أجناد نوح فسار نحو بخارى، وعبر النهر

стр. 9808

ففارقها نوح وسار إلى سمرقند. ودخلها أبو علىّ في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين «١» وخطب فيها لإبراهيم وبايع له، ثم إنّ أبا علىّ اطلع على أنّ إبراهيم أضمر له شرا، فسار إلى تركستان وبقى إبراهيم ببخارى، وفي خلال ذلك أطلق أبو علىّ، منصور بن قراتكين، فسار إلى الأمير نوح، ثم إنّ إبراهيم وافق جماعة في السرّ على أن يخلع نفسه من الأمر، ويردّه إلى ابن أخيه الأمير نوح، ويكون هو صاحب جيشه، ويتّفق معه على قصد أبى علىّ، ودعا إلى ذلك فأجابوه وخرجوا إلى أبى علىّ، وقد تفرّق عنه أصحابه، فركب إليهم وردّهم أقبح ردّ، ثم فارق إبراهيم ومن معه بخارى وخرجوا إلى سمرقند إلى خدمة الأمير نوح، وأظهروا الندم على ما كان منهم فقرّبهم وقبلهم وعذرهم، وعاد إلى بخارى في شهر رمضان، ثم قتل الأمير نوح في تلك الأيام طغان الحاجب، وسمل عمّه إبراهيم وأخويه أبا جعفر محمدا وأحمد، وعادت الجيوش والعساكر اجتمعت عليه. أما الفضل بن محمد أخو أبى علىّ فإنّه لما هرب من أخيه لحق بقوهستان وجمع جمعا كثيرا وسار نحو نيسابور، وبها محمد بن عبد الرزّاق من قبل أبى علىّ، فخرج إلى الفضل وتحاربا فانهزم الفضل ومعه فارس واحد، فلحق ببخارى فأكرمه الأمير نوح وأحسن إليه وأقام في خدمته.

стр. 9809

ذكر استعمال منصور بن قراتكين على خراسان قال «١» : ولما عاد الأمير نوح إلى بخارى كان أبو علىّ بالصغانيان، وبمرو أبو أحمد محمد بن على القزوينى، فرأى الأمير نوح أن يجعل منصور بن قراتكين على جيوش خراسان، فولاه وسيّره إلى مرو، وبها أبو أحمد وقد غوّر المناهل ما بين آمل ومرو، ووافق أبا علىّ ثم تخلى عنه، فسار منصور جريدة في ألفى فارس، فلم يشعر به إلا وقد نزل بكشماهن، على خمسة فراسخ من مرو، فاستقبله أبو أحمد القزوينى بالطاعة، فأكرمه وسيّره إلى بخارى بماله وأصحابه، فأكرمه الأمير نوح وأحسن إليه، ثم ذكر له ذنوبه وقتله. ثم كانت بعد ذلك حروب بين عسكر الأمير نوح وأبى علىّ، استمرت إلى جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، فراسل بعد ذلك في الصلح؛ وسيّر أبو علىّ ابنه عبد الله رهينة فوصل إلى بخارى، فأمر الأمير نوح باستقباله وأكرمه وأحسن إليه، وخلع عليه قلنسوة وجعله في ندمائه، فزال الخلف، واستمرّ أبو علىّ بالصغانيان إلى سنة أربعين. ذكر عود أبى على الى خراسان وفي سنة أربعين أعيد إلى قيادة الجيوش بخراسان، وذلك بعد وفاة منصور بن قراتكين، فأرسل إليه الأمير نوح الخلع واللواء، وأمره بالمسير إلى نيسابور وأقطعه الرى، فسار عن الصغانيان

стр. 9810

واستخلف مكانه ابنه أبا منصور، ثم خالف على الأمير نوح في سنة اثنتين وأربعين فعزله، فكتب إلى ركن الدولة بن بويه في المصير إليه، فأذن له في ذلك فسار إليه فأكرمه ركن الدولة، فسأله أن يكتب له عهدا من جهة الخليفة بولاية خراسان، فأرسل ركن الدولة إلى أخيه معز الدولة في ذلك، فسيّر له عهدا بما طلب وسيّر له نجدة، فسار أبو علىّ إلى خراسان واستولى على نيسابور، وخطب بها- وفيما استولى عليه من خراسان- للمطيع، ولم يخطب له بها قبل ذلك. ذكر وفاة الأمير الحميد نوح بن نصر وولاية ابنه عبد الملك كانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة. وكانت مدة ملكه إحدى عشرة سنة وثمانية أشهر، وكان رحمه الله تعالى حسن السيرة كريم الأخلاق، ولما مات ملك بعده ولده. ذكر ولاية عبد الملك بن نوح بن نصر بن أحمد بن اسماعيل ابن أحمد وهو السادس من الملوك السامانية كانت ولاية عبد الملك بما وراء النهر وخراسان بعد وفاة أبيه الأمير نوح بن نصر، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين. قال «١» : ولما استقرّ حاله في الملك وثبت أمره ابتدأ بارسال بكر ابن مالك من بخارى إلى خراسان، وولاه قيادة جيوشها، وأمره باخراج أبى علىّ بن محتاج منها وندب معه العساكر، فسار إلى

стр. 9811

نيسابور فلمّا قاربها تفرّق عن أبى علىّ أصحابه وعساكره، وبقى معه من أصحابه نحو من مائتى رجل، سوى من كان عنده نجدة من الديلم، فاضطرّ إلى الهرب فسار نحو ركن الدولة، فأنزله معه في الرى واستولى ابن مالك على خراسان، وأقام بنيسابور، وكان بين عساكره وبين بنى بويه حروب، ثم حصل بينهما الصلح والاتفاق، ودامت أيام عبد الملك إلى سنة خمسين وثلاثمائة، فركب في يوم الخميس حادى عشر شوّال منها فسقط الفرس من تحته، فوقع إلى الأرض فمات، وكانت مدة ملكه سبع سنين وستة أشهر تقريبا، ولما مات، ولى بعده أخوه. ذكر ولاية منصور بن نوح بن نصر بن أحمد وهو السابع من الملوك السامانية كانت ولايته بعد وفاة أخيه عبد الملك لإحدى عشرة ليلة خلت من شوّال سنة خمسين وثلاثمائة، وخالف عليه في سنة إحدى وخمسين الفتكين، وهو من أكابر القوّاد، وكان قد طلبه الأمير منصور فامتنع من الحضور، فأرسل إليه جيشا فهزمهم الفتكين، وأسر وجوه القوّاد وأظهر العصيان والمخالفة.

стр. 9812

ذكر الصلح بين الأمير منصور وبين بنى بويه وفي سنة إحدى وستين «١» وثلاثمائة تمّ الصلح بين الأمير منصور بن نوح وبين ركن الدولة وعضد الدولة بنى بويه، على أن يحمل ركن الدولة وعضد الدولة إليه في كل سنة مائة ألف وخمسين ألف دينار، وتزوج الأمير منصور «٢» بابنة عضد الدولة، وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لم ير مثله، وكتب بينهم كتاب صلح شهد فيه أعيان خراسان وفارس والعراق، وكان الذى سعى في الصلح وقرّره محمد بن إبراهيم بن سيمجور صاحب جيوش خراسان من جهة الأمير منصور. ذكر وفاة الامير منصور كانت وفاته ببخارى في منتصف شوّال سنة ست وستين وثلاثمائة، وكانت مدة ملكه ست عشرة «٣» سنة وأربعة أيام. ولما مات ولى بعده ابنه.

стр. 9813

ذكر ولاية المنصور أبى القاسم نوح بن منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن اسماعيل بن أحمد، وهو الثامن من الملوك السامانية ملك ما وراء النهر وخراسان بعد وفاة أبيه في منتصف شوّال سنة ست وستين وثلاثمائة ولقب بالمنصور، واستوزر أبا الحسن العتبى فقام في حفظ الدولة المقام المرضى، وعزل محمد بن إبراهيم بن سيمجور عن قيادة جيوش خراسان لأنّه كان قد استوطنها، وبقى لا يطيع إلا فيما يختار فعزله في سنة سبعين، واستعمل عوضه حسام الدولة أبا العبّاس تاش، ثم قتل الوزير في سنة اثنتين وسبعين، وسبب قتله أن أبا الحسن بن سيمجور وضع عليه جماعة من المماليك فقتلوه، فكتب الأمير المنصور نوح إلى حسام الدولة تاش يستدعيه إلى بخارى لتدبير الدولة، فسار عن نيسابور إليها وقتل من ظفر به من قتلة الوزير. وفي سنة اثنتين وسبعين سار محمد بن سيمجور نحو خراسان عند خلوّها من حسام الدولة، وكاتب فايقا وطلب موافقته على الاستيلاء على خراسان، فوافقه واجتمعا بنيسابور، واتصل الخبر بحسام الدولة فسار عن بخارى إلى مرو في جمع كبير، وتردّدت الرسائل بينهم فاصطلحوا: على أن تكون نيسابور وقيادة الجيوش لأبى العبّاس حسام الدولة تاش، وتكون بلخ لفايق، وهراة لأبى على ابن أبى الحسن بن سيمجور، وتفرّقوا على ذلك وقصد كل منهم عمله.

стр. 9814

ولمّا عاد أبو العبّاس إلى نيسابور وترك بخارى استوزر الأمير نوح، عبد الله بن عزير وكان ضدا لأبى الحسين العتبى، فلما ولى الوزارة ابتدأ بعزل حسام الدولة عن خراسان، وأعاد ابن سيمجور إليها. فكتب القوّاد بخراسان يسألونه أن يقرّ حسام الدولة عليها فلم يجبهم فكتب حسام الدولة إلى فخر الدولة بن بويه يستمدّه، فأمدّه بالأموال والعساكر، وكانت بينهم حروب انتصر فيها حسام الدولة، واستولى على خراسان وأقام بنيسابور، وانهزم ابن سيمجور ثم تراجع أصحاب ابن سيمجور إليه، وجاءته الأمداد من بخارى وعاد لقتال حسام الدولة، والتقوا واقتتلوا نهارا كاملا انتصر فيه ابن سيمجور، وانهزم حسام الدولة وأصحابه وأقام بجرجان، ولم يصل إلى خراسان إلى أن مات في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وأقام ابن سيمجور بخراسان إلى أن توفى فجأة وهو يجامع بعض خطاياه. وفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة سار بغراخان إيلك ملك الترك بعساكره إلى بخارى، فسيّر إليه الأمير نوح جيشا كثيفا فهزمهم بغراخان، فعادوا إلى بخارى وهو في آثارهم، فخرج نوح بنفسه وسائر عساكره ولقيه، فاقتتلوا قتالا شديدا كانت الهزيمة على بغراخان، فعاد إلى بلاساغون وهى كرسى ملكه.

стр. 9815

ذكر ملك الترك بخارى وشىء من أخبارهم وخروج الأمير نوح منها وعوده اليها وفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ملك شهاب الدولة هارون بن سليمان إيلك المعروف ببغراخان التركى مدينة بخارى، وكان له كاشغر وبلاساغون وختن وطراز وغير ذلك إلى حدود الصين، وله عساكر جمّة وهم مسلمون، وكان سبب إسلامهم أن جدّهم الأول شبق قراخاقان رأى في منامه كأنّ رجلا نزل من السماء، فقال له بالتركية ما معناه: اسم تسلم في الدنيا والآخرة، فأسلم في منامه، وأصبح فأظهر إسلامه، فلما مات قام مقامه ابنه موسى بن شبق، ثم انتهى ملك هذه الطائفة من الترك إلى بغراخان، وكنّا قصدنا أن نفرد هذه الدولة الخانيّة بترجمة، ونذكر من ملك منهم وما استولوا عليه من البلاد وغير ذلك، فلم نظفر يمؤرخ ذكر أخبارهم سياقة ولا متفرّقة، إذا جمعت انتظمت على سياقة، فلذلك دمجنا أخبارهم في أثناء الدول بحسب وقائعهم مع الملوك، وما أظن أخبارهم اتّسقت لمؤرخ لأن أخبار الملوك والدول إنما يعتنى بجمعها كتّاب الإنشاء والفضلاء من الناس، وهؤلاء كانوا أتراكا لا كتّاب لهم ولا اعتناء بشىء من ذلك، فلذلك انقطعت أخبارهم. ولنرجع إلى سبب ملك بغراخان بخارى. كان سبب ذلك أن أبا الحسن بن سيمجور عامل خراسان- لمّا مات- ولى ابنه أبو على بعده وكاتب الأمير الرضى نوحا أن يقرّه على ما كان بيد أبيه، فأجيب

стр. 9816

إلى ذلك، وحملت إليه الخلع وهو لا يشك أنّها له، فلما بلغ الرسول طريق هراة عدل إليها وبها فايق، فأوصل إليه العهد بولاية خراسان والخلع إليه، فعلم أبو على أنهم مكروا به، وأن هذا دليل سوء يريدونه به، فلبس فايق الخلع وسار عن هراة نحو أبى علىّ، فبلغه الخبر فسار جريدة في نخبة أصحابه، وطوى المنازل حتى سبق خبره، وأوقع بفايق بين هراة وبوشنج، فانهزم فايق وأصحابه إلى مرو الروذ، وكتب أبو على إلى الأمير نوح يجدّد طلب ولاية خراسان، فأجابه إلى ذلك وجمع له ولاية خراسان جميعها بعد أن كانت هراة لفايق، وعاد أبو على إلى نيسابور ظافرا وجبى أموال خراسان، فكتب إليه نوح يستتر له عن بعضها ليصرفه في أرزاق الجند، فاعتذر إليه ولم يفعل وخاف عاقبة المنع فكتب إلى بغراخان يدعوه إلى قصد بخارى، واستقرّ الأمر بينهما على أن يكون لبغراخان ما وراء النهر جميعه، ولأبى علىّ خراسان، فطمع بغراخان في البلاد وتجدّدت حركته إليها. وأما فايق فإنّه أقام بمرو الروذ حتى اجتمع إليه أصحابه، وسار نحو بخارى من غير إذن، فارتاب الأمير نوح به وسيّر الجيوش وأمرهم يمنعه، فقاتلوه وهزموه فعاد وقصد ترمذ، وكاتب بغراخان أيضا يطمعه في البلاد، فسار نحو بخارى واستولى على بلاد السامانيّة شيئا بعد شىء، فسيّر إليه نوح جيشا واستعمل عليهم قائدا كبيرا من قوّاده اسمه انج، فهزمهم بغراخان وأسرانج وجماعة من القوّاد، فلما ظفر بهم قوى طمعه في البلاد، وضعف نوح وأصحابه وكاتب أبا علىّ بن سيمجور يستنصره، ويأمره بالقدوم إليه بالعساكر فلم يجبه إلى ذلك ولا لبّى دعوته، وطمع في الاستيلاء على خراسان، وسار

стр. 9817

بغراخان نحو بخارى «١» فلقيه فايق واختص به وصار في جملة أصحابه، ونازلوا بخارى فاختفى الأمير نوح وملكها بغراخان ونزلها، وخرج نوح منها مستخفيا فعبر النهر إلى آمل الشط، وأقام بها ولحق به أصحابه، وتابع نوح كتبه ورسله إلى أبى علىّ يستنجده ويخضع له، فلم يصغ إلى ذلك؛ وأما فايق فإنه استأذن بغراخان في قصد بلخ والاستيلاء عليها فأمره بذلك، فسار نحوها واستولى عليها. ذكر عود نوح الى بخارى ووفاة بغراخان وقيام ايليك الخان قال «٢» : ولما نزل بغراخان ببخارى استوخمها فمرض واشتدّ مرضه، فانتقل نحو بلاد الترك، ولمّا فارق بخارى ثار أهلها بساقة عسكره، فقتلوا منهم وغنموا أموالهم، ووافقهم الأتراك الغزيّة على الفتك والنهب لعسكر بغراخان، وبادر الأمير نوح بالعود إلى بخارى فيمن معه من أصحابه، فدخلها وعاد إلى دار ملكه وتباشر أهلها به، ومات بغراخان وعاد أصحابه إلى بلادهم، وكان بغراخان ديّنا خيرا عادلا حسن السيرة محبا للعلماء وأهل الدين مكرما لهم، وكان يحب أن يكتب عنه مولى رسول الله ﷺ ، وولى بعده أمر الترك ايليك الخان شمس الدولة أبو نصر أحمد بن على.

стр. 9818

ذكر ما كان من أخبار أبى على بن سيمجور وفايق واستعمال محمود بن سبكتكين على خراسان قال: ولما عاد الأمير نوح إلى بخارى «١» أسقط في يد أبى علىّ ابن سيمجور، وندم على ما فرط منه من ترك إعانته عند الحاجة إليه؛ وأما فايق فإنه لمّا استقرّ الأمير نوح ببخارى حدّث نفسه بالمسير إليه والحكم في دولته، فسار عن بلخ إلى بخارى فسيّر الأمير نوح الجيوش لردّه، فالتقوا واقتتلوا فانهزم فايق وأصحابه، ولحق بأبى علىّ بن سيمجور ففرح به وقوى جنانه، واتّفقا على مكاشفة الأمير نوح وإظهار العصيان، فكتب الأمير نوح إلى سبكتكين وهو يومئذ بغزنة، يعرّفه الحال ويأمره بالمصير إليه لينجده وولاه خراسان وكان سبكتكين في هذه الفتن مشغولا بالغزو غير ملتفت إلى ما هم فيه، فلما أتاه الكتاب سار نحو جريدة، واجتمع به وقرّرا ما يفعلانه واتّفقا عليه، وعاد سبكتكين فجمع عسكره وحشد وسار عن غزنة، ومعه ولده محمود نحو خراسان، وسار نوح من بخارى واجتمعا وقصدا أبا علىّ وفايقا، وقد جمعا عساكرهما أيضا واستنصرا بفخر الدولة بن بويه، فسيّر إليهما عسكرا كثيرا، والتقوا بنواحى هراة واقتتلوا، فانحاز دارا بن قابوس بن وشمكير من عسكر أبى علىّ إلى عسكر نوح ومعه أصحابه، فانهزم أصحاب أبى علىّ وركبهم أصحاب سبكتكين يقتلون ويأسرون ويغنمون، وعاد أبو على وفايق إلى خراسان

стр. 9819

وأقام الأمير نوح وسبكتكين بظاهر هراة، حتى أراحوا واستراحوا وساروا نحو نيسابور، فسار أبو على وفايق نحو جرجان، واستولى نوح على نيسابور واستعمل عليها وعلى جيوش خراسان محمود بن سبكتكين، ولقّبه سيف الدولة ولقّب أباه ناصر الدولة، وعاد نوح إلى بخارى وسبكتكين إلى هراة وذلك في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. وفي سنة خمس وثمانين في شهر ربيع الأول سار أبو علىّ وفايق عن جرجان إلى نيسابور، فكتب محمود إلى أبيه بذلك وبرز إلى ظاهر نيسابور، وأقام ينتظر المدد فأعجلاه فصبر لهما، فقاتلاه وهو في قلّة من الرجال فانهزم عنهما نحو أبيه، وغنما منه شيئا كثيرا ورجع أبو علىّ إلى نيسابور، وكتب إلى الأمير نوح يستميله ويستقيل من عثرته، وكاتب سبكتكين بمثل ذلك وأحال فيما جرى على فايق، فلم يجيباه إلى ما أراد، وجمع سبكتكين العساكر وسار نحو أبى علىّ فالتقوا بطوس في جمادى الآخرة واقتتلوا عامّة يومهم، وأتاهم محمود ابن سبكتكين في عسكر ضخم من ورائهم، فانهزموا وقتل منهم خلق كثير، ونجا أبو على وفايق إلى آمل الشط، فراسلا الأمير نوح يستعطفانه، فأجاب أبا علىّ إلى ما طلب وقبل عذره، إن فارق فايقا ونزل بالجرجانية، ففعل ذلك فحذّره فايق وخوّفه مكرهم ومكيدتهم فلم يرجع إلى قوله، وفارقه وسار إلى الجرجانيّة ونزل بقرية بقرب خوارزم تسمى هزار اسب «١» ، فأرسل إليه أبو عبد الله خوارزم

стр. 9820

شاه من أقام له ضيافة، ووعده أنّه يقصده ليجتمع به فسكن إلى ذلك فلما كان الليل أرسل إليه خوارزم شاه جمعا من عسكره، فأحاطوا به وأخذوه أسيرا في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، فاعتقله في بعض دوره، وطلب أصحابه فأسر أعيانهم وتفرّق الباقون. وأما فايق فإنه سار إلى ايليك الخان فأكرمه وعظّمه ووعده أن يعيده إلى قاعدته، وكتب إلى نوح يشفع فيه ويطلب منه أن يوليه سمرقند، فأجابه إلى ذلك وأقام بها؛ وأما ما كان من أبى علىّ بن سيمجور فإنه لمّا أسره خوارزم شاه بلغ خبره إلى مأمون بن محمد والى الجرجانية، فقلق لذلك وعبر إلى كاث وهى مدينة خوارزم شاه فحصرها وفتحها عنوة، وأحضر أبا علىّ وفكّ قيده وعاد به إلى الجرجانية، واستخلف مأمون بعض أصحابه على بلد خوارزم شاه، وصارت من جملة ما بيده، وقتل خوارزم شاه بين يدي أبى علىّ بن سيمجور، وكتب مأمون إلى الأمير نوح وهو يشفع في أبى علىّ ويسأل الصفح عنه، فأجابه إلى ذلك وأمر أبو على بالمسير إلى بخارى، فسار إليها فيمن بقى معه من أهله وأصحابه، فلمّا بلغها لقيه الأمراء والعساكر ودخل على الأمير نوح فأمر بالقبض عليه وعلى من معه، واعتقله فمات في حبسه في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ذكر وفاة الامير نوح بن منصور كانت وفاته في شهر رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فكان مدة ملكه عشرين سنة وثمانية أشهر، فاختلّ بموته ملك آل ساسان وضعف أمرهم ضعفا ظاهرا، وطمع فيهم أصحاب الأطراف، وزال ملكهم

стр. 9821

بعد ذلك بمدّة يسيرة على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فكأنّه المعنى بقول القائل: وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما ذكر ولاية أبى الحارث منصور بن نوح بن منصور بن نوح ابن نصر بن أحمد بن اسماعيل بن أحمد، وهو التاسع من الملوك السامانية ملك ما وراء النهر وخراسان بعد وفاة أبيه في شهر رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وبايعه الأمراء والقوّاد وسائر الناس، وفرّق فيهم بقايا الأموال فاتّفقوا على طاعته، وقام بأمر دولته وتدبيرها بكتوزون، ولما بلغ خبر وفاة أبيه إلى ايليك الخان سار إلى سمرقند وانضم إليه فايق [و] «١» الخاصة فسيّره جريدة إلى بخارى، فلما سمع الأمير منصور بمسيره تحيّر في أمره وأعجله عن أن يتجهّز، فسار عن بخارى وقطع النهر، ودخل فايق بخارى وأظهر أنّه قصد القيام بخدمة الأمير منصور، رعاية لحق أسلافه عليه إذ هو مولاهم، وأرسل إليه مشايخ بخارى في العودة إلى بلده وملكه، وأعطاه من نفسه ما يطمئن إليه من العهود والمواثيق، فعاد إليها ودخلها وولى فايق أمره، وحكمه في دولته، وولى بكتوزون أمر الجيش بخراسان، وكان محمود ابن سبكتكين حينئذ مشغولا بمحاربة أخيه إسماعيل، فسار بكتوزون إلى خراسان ووليها واستقرت قواعده بها.

стр. 9822

ذكر القبض على الأمير منصور بن نوح وسمله وفي سنة تسع وثمانين وثلاثمائة اجتمع بكتوزون وفايق وتشاكير؟؟؟ ما هما فيه من قلة إنصاف الأمير لهما، فقبضا عليه وأمر بكتوزون من سمل عينيه، فكانت مدة ولايته سنة واحدة وسبعة أشهر. ذكر ولاية عبد الملك بن نوح بن منصور قال: ولما قبضا على الأمير منصور وسملاه أقاما أخاه عبد الملك في الملك مقامه وهو صبى صغير، فأرسل محمود بن سبكتكين إلى فايق وبكتوزون بلومهما ويقبّح فعلهما، وقويت نفسه على لقائهما، وطمع في الملك والاستقلال به، وسار لقتالهم فسارا نحوه ومعهما عبد الملك، والتقوا واقتتلوا أشدّ قتال فانهزم السامانيّة، ولحق عبد الملك وفايق ببخارى، وقصد بكتوزون نيسابور فاتبعته جيوش محمود حتى لحق بجرجان، وسار محمود إلى هراة فعاد بكتوزون إلى نيسابور وملكها، فقصده محمود فهرب إلى بخارى بعد أن نهب مرو، واستقرّ ملك محمود بن سبكتكين بخراسان وخرجت عن ملك آل سامان. ذكر انقراض الدولة السامانية كان انقراضها في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة على يد محمود بن سبكتكين بخراسان وإيليك الخان بما وراء النهر. فأما محمود فإنه ملك خراسان كما ذكرناه، وأما ايليك الخان وهو شمس الدولة

стр. 9823

أبو نصر أحمد بن على فإن عبد الملك- لما انهزم من محمود- بقى بيده ما وراء النهر، فقصد بخارى واجتمع بها هو وفايق وبكتوزون وغيرهما من الأمراء والأكابر، فقويت نفوسهم وشرعوا في جمع العساكر، وعزموا على العود إلى خراسان، فاتفقت وفاة فايق في شعبان من السنة، فلما مات ضعفت نفوسهم ووهت قوّتهم، فإنه كان هو المشار إليه من بينهم، وكان خصيا من موالى الأمير نوح ابن نصر. قال: ولمّا اتصل الخبر بايليك الخان سار في جميع الأتراك إلى بخارى، وأظهر لعبد الملك المودّة والموالاة والحميّة له، فظنّوا صدقه فلم يحترسوا منه، وخرج إليه بكتوزون وغيره من الأمراء والقوّاد، فلمّا حضروا عنده قبض عليهم، وسار حتى دخل بخارى في يوم الثلاثاء عاشر ذى القعدة، فلم يدر عبد الملك ما يصنع لقلّة من معه فاختفى، ونزل ايليك الخان في دار الإمارة وبثّ العيون على عبد الملك، وشدّد في طلبه فظفر به فأودعه بايكند «١» فمات بها، وهو آخر الملوك السامانيّة، وانقرضت دولتهم على يده وحبس معه أخاه أبا الحارث منصور بن نوح، الذى كان في الملك قبله، وأخويه أبا إبراهيم إسماعيل وأبا يعقوب، وأعمامه أبا زكريا وأبا سليمان وغيرهم من آل سامان، وأفرد كل واحد منهم في حجرة، وكانت دولتهم قد انتشرت من حدود حلوان إلى بلاد الترك بما وراء النهر، وكانت من أحسن الدول سيرة وعدلا، وعدّة من ملك منهم عشرة ملوك وهم: نصر بن أحمد بن أسد بن سامان، ثم أخوه إسماعيل بن أحمد،

стр. 9824

ثم ابنه أحمد بن إسماعيل، ثم ابنه نصر بن أحمد، ثم ابنه نوح بن نصر، ثم ابنه عبد الملك بن نوح، ثم أخوه منصور بن نوح، ثم ابنه نوح بن منصور، ثم ابنه منصور بن نوح، ثم أخوه عبد الملك بن نوح. ومدّة ملكهم منذ ولى نصر بن أحمد بن أسد وإلى أن قبض على عبد الملك مائة سنة وتسع وعشرون سنة تقريبا، ولم يقم لهم بعد ذلك دولة، وإنما ظهر إسماعيل بن نوح ولم يستقم له أمر ولا قامت له دولة، فلذلك لم نجعله في جملة ملوكهم، لأنّه كان كالخارجى، ونحن الآن نذكر ظهوره وما كان من أمره. ذكر ظهور اسماعيل بن نوح وما اتفق له بخراسان وفي سنة تسعين وثلاثمائة خرج أبو إبراهيم إسماعيل بن نوح من محبسه، وكان السبب في ظهوره أنّه كان له جارية تأتيه لخدمته ثم تنصرف، فجاءته في بعض الأيام على عادتها فلبس ما كان عليها، وخرج فظنّه الموكّلون به الجارية، ولما خرج استخفى عند عجوز من أهل بخارى، إلى أن سكن الطلب عنه، فسار من بخارى إلى خوارزم وتلقب المستنصر «١» ، واجتمع إليه بقايا القوّاد السامانية والجند فكثرت جموعه، فبعث قائدا من قوّاده إلى بخارى، فقاتل من بها من أصحاب إبليك الخان وهزمهم وتبعهم إلى حدود سمرقند، فاجتمع المنهزمون وعسكر سمرقند وقاتلوه فهزمهم أيضا عسكر المستنصر، وغنموا أثقالهم فصلحت أحوالهم وعادوا إلى بخارى،

стр. 9825

فاستبشر أهلها بعود السامانية، فجمع إيليك الخان الترك وقصد بخارى، فانحاز من بها من السامانيّة وعبروا النهر إلى آمل الشط، فضاقت عليهم فساروا هم والمستنصر نحو أبيورد، فملكوها وجبوا أموالها، وساروا نحو نيسابور وبها منصور بن سبكتكين نائبا عن أخيه محمود، فاقتتلوا فانهزم ابن سبكتكين وملك المستنصر نيسابور وكثر جمعه، فاتصل الخبر بيمين الدولة محمود فجدّ في السير إليها فسار المستنصر عنها إلى اسفرايين، فلما أزعجه الطلب سار إلى شمس المعالى قابوس بن وشمكير ملتجئا إليه، فأكرمه وحمل إليه كثيرا وأشار عليه بقصد الرى، إذ كانت ليس لها من يذبّ عنها، لاشتغال أصحابها باختلافهم، ووعده أن بنجده بعسكر مع أولاده، فسار نحو الرى ونازلها فضعف من بها عن مقاوته، إلا أنهم حفظوا البلد، وبذلوا الأموال لأصحابه ليردّوه عنها، فردّوه وحسّنوا له العود إلى خراسان فسار نحو الدامغان، وعاد عنه عسكر قابوس، ووصل المستنصر إلى نيسابور في شوّال سنة إحدى وتسعين فجبى أموالها، فأرسل إليه يمين الدولة جيشا فانهزم وسار نحو أبيورد، وقصد جرجان فردّه شمس المعالى عنها، فقصد سرخس وجبى أموالها وسكنها، فسار إليه نصر بن سبكتكين من نيسابور، والتقوا واقتتلوا فانهزم السامانى، وأسر جماعة من أعيان عسكره وحملوا إلى غزنة، وذلك في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، ثم سار السامانى تائها حتى وافى الأتراك الغزيّة، ولهم ميل إلى آل سامان فاجتمعوا معه، وسار إيليك الخان وذلك في شوّال سنة ثلاث وتسعين، فلقيهم بنواحى سمرقند فهزموه، واستولوا على أمواله

стр. 9826

وسواده وأسروا جماعة من قوّاده وعادوا، وأجمع أصحاب المستنصر على إطلاق الأسرى تقرّبا إلى إيليك الخان، فشعر بذلك فاختار من أصحابه جماعة يثق بهم، وسار بهم فعبر النهر إلى آمل الشط فلم يقبله مكان، فعاد وعبر النهر إلى بخارى واقتتل هو وواليها الذى هو من قبل إيليك الخان، فانهزم المستنصر إلى دبوسيّه وجمع بها جمعا، ثم عاودهم وهزمهم فاجتمع عليه جماعة من فتيان سمرقند وصاروا في جملة أصحابه، فجمع إيليك الخان الأتراك وسار إليه والتقوا بنواحى سمرقند، فانهزم إيليك الخان وذلك في شعبان سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، ثم عاد إيليك الخان إلى بلاد الترك فجمع وحشد وعاد إلى المستنصر، فوافق عوده تراجع الغزيّة الذين كانوا مع السامانى إلى أوطانهم، فاقتتلوا بنواحى اشروسنة فانهزم السامانى وأكثر أصحاب إيليك الخان القتل في أصحابه، وعبر النهر إلى الجوزجان فنهب أموالها، وسار يريد مرو فسيّر إليه يمين الدولة العساكر، ففارق مكانه وسار وهم في أثره، فأتى بسطام فأزعجه قابوس عنها فضاقت به المذاهب، فعبر ما وراء النهر وقد ضجر أصحابه منه وسئموا من السهر والتعب والخوف، ففارقه كثير منهم إلى بعض أصحاب إيليك الخان وأعلموهم بمكانه، فلم يشعر إلا وقد أحاطت به الخيل من كل جانب، فطاردهم ساعة وانهزم ونزل بحلّة للعرب، وكانوا في طاعة يمين الدولة محمود بن سبكتكين، فأمهلوه حتى أظلم الليل ووثبوا عليه فأخذوه وقتلوه، وكان ذلك خاتمة أمره وآخر ما اتّفق لآل سامان، ولم يقم منهم بعده أحد، والله أعلم.

стр. 9827

ذكر أخبار الدولة الصفارية وابتداء أمرها أوّل من قام منهم يعقوب بن الليث الصفّار، وكان يعقوب هذا وأخوه عمرو يعملان الصّفر بسجستان ويظهران الزهد والتقشف، وكان في أيّامهما رجل من أهل سجستان اسمه صالح بن النضر الكنانى قد تغلّب على سجستان في سنة سبع وثلاثين ومائتين في خلافة المتوكّل على الله، فصحبه يعقوب وقاتل معه وجعله صالح مقام الخليفة عنه، فاستنقذ طاهر بن عبد الله بن طاهر- أمير خراسان- سجستان من يده، ثم هلك صالح بعد ذلك فقام مقامه بأمر المتطوّعة رجل اسمه درهم بن الحسن «١» ، فغلب على سجستان وكان غير ضابط لعسكره وكان يعقوب هو قائد العسكر، فلمّا رأى أصحاب درهم ضعفه وعجزه اجتمعوا على يعقوب بن الليث، وملّكوه أمرهم لما رأوه من تدبيره وحسن سياسته وقيامه بأمرهم، فلمّا تبيّن ذلك لدرهم لم ينازعه في الأمر، وسلّمه إليه واعتزل عنه فاستبدّ يعقوب بالأمر؛ وقيل بل احتال صاحب خراسان على درهم حتى قبض عليه، وحمله إلى بغداد فحبس بها ثم أطلق وخدم الخليفة ببغداد، واستقلّ يعقوب بعده بالأمر وعظم شأنه وتولّى أمر المتطوّعة، وقام بمحاربة الشراة فظفر بهم وأكثر القتل فيهم حتى كاد يفنيهم، وخرّب قراهم، وأطاعه أصحابه طاعة لم يطيعوا أحدا قبله، فاشتدت شوكته فغلب على سجستان

стр. 9828

وأظهر التمسك بطاعة الخليفة، وكاتبه وصدر عن أمره وأظهر أنّه أمره بقتال الشراة، وملك يعقوب سجستان وضبط الطريق، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فكثر اتباعه. ذكر ملك يعقوب هراة وبوشنج قال «١» : ولما كثرا أتباعه خرج عن حدّ طلب الشراة، فصار يتناول أصحاب أمير خراسان، وسار من سجستان إلى هراة من أعمال خراسان في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وأمير خراسان يومذاك محمد بن طاهر بن عبد الله، وعامله على هراة محمد بن أوس الأنبارى فخرج منها لمحاربته، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم ابن أوس وملك يعقوب هراة وبوشنج وصارت المدينتان في يده، فعظم أمره وهابه أمير خراسان وغيره من أصحاب الأطراف، وذلك في خلافة المعتز بالله. ذكر استيلائه على كرمان وفي سنة خمس وخمسين ومائتين استولى يعقوب بن الليث على كرمان، وسبب ذلك أن علىّ بن الحسين بن سبل كان على فارس، فتباطأ بحمل الخراج منها وكتب إلى المعتز بالله يطلب منه كرمان، ويذكر عجز الطاهريّة عنها، فكتب إليه بولايتها وكتب إلى يعقوب أيضا بولايتها، وقصد بذلك إغراء كل واحد منهما بالآخر فتسقط.

стр. 9829

عنه مؤونة الهالك منهما وينفرد بالآخر، وكان كل منهما يظهر الطاعة للخليفة وهو في باطن أمره على معصيته، والمعتز يعلم بذلك منهما، فأرسل علىّ بن الحسين، طوق بن المغلّس إلى كرمان، وسار يعقوب إليها فسبقه طوق واستولى عليها، وأقبل يعقوب حتى بقى بينه وبين عسكر كرمان مرحلة، فأقام بها شهرين لا يتقدّم إلى طوق، ولا طوق يخرج إليه، فلمّا طال ذلك عليه أظهر الارتحال إلى سجستان ورجع مرحلتين، وبلغ طوقا ارتحاله فظنّ أنّه قد بدا له في حربه، فوضع آلة الحرب وقعد للشرب واللهو، واتصل ذلك بيعقوب فكرّ راجعا وطوى المرحلتين في مرحلة «١» واحدة، فلم يشعر طوق إلا بغبرة العسكر قد طلعت، فقال: ما هذا؟ فقيل غبرة المواشى، فلم يكن بأسرع من موافاة يعقوب فأحاط به وبأصحابه، فذهب أصحابه يريدون المناهضة والدفع عن أنفسهم، فقال يعقوب لأصحابه: أفرجوا لهم، فأفرجوا لهم فمروا هاربين وتركوا أموالهم وأثقالهم، وأسر يعقوب طوقا، وكان علىّ بن الحسين قد سيّر مع طوق قيودا في صناديق، ليقيّد بها من يأخذه من أصحاب يعقوب، وفي صناديق أطوقة وأساور يعطيها لأصحاب البلاء من أصحابه، فلمّا غنم يعقوب عسكرهم رأى ذلك فقال يا طوق: ما هذا؟ فأخبره، فأعطى» يعقوب الأطوقة والأساور لأصحابه، وقيّد بالقيود والأغلال أصحاب علىّ، ولما أخرج يد طوق ليجعل الغلّ فيها رآها يعقوب وعليها عصابة، فسأله عنها فقال: أصابتنى حرارة ففصدتها، فأمر

стр. 9830

يعقوب بنزع خف نفسه فتساقط منه كسر يابسة، فقال: يا طوق هذا خفّى لم أنزعه من رجلى منذ شهرين، وخبزى فيه منه آكل، وأنت جالس في الشرب، ثم دخل كرمان وملكها مع سجستان. ذكر ملكه فارس قال: ولما بلغ على بن الحسين صاحب فارس ما فعله يعقوب بطوق أيقن بمجيئه إليه وكان بشيراز، فجمع جيشه وصار إلى مضيق خارج شيراز، من أحد جانبيه جبل لا يسلك، ومن الآخر نهر لا يخاض على رأس المضيق، وهو مضيق لا يسلكه إلا واحد بعد واحد وقال: إن يعقوب لا يقدر على الجواز إلينا، وأقبل يعقوب حتى دنا من ذلك المضيق ونزل على ميل منه، وسار وحده ومعه رجل آخر فنظر إلى المضيق والعسكر فسبّه أصحاب علىّ وهو ساكت، ثم رجع إلى أصحابه، فلما كان الغد سار حتى صار إلى طريق المضيق مما يلى كرمان، وأمر أصحابه بالنزول وحطّ الأثقال ففعلوا وركبوا دوابّهم وأخذ يعقوب كلبا كان قد ألفه فألقاه في الماء، فجعل يسبح إلى جانب أصحاب علىّ، وكان علىّ وأصحابه قد ركبوا لينظروا إلى فعله ويضحكون منه، فألقى يعقوب نفسه وأصحابه في الماء على خيولهم وبأيديهم الرماح، وجعلوا يسيرون خلف الكلب، فلما رأى علىّ يعقوب وقد قطع عامّة النهر تحيّر في أمره، وانتقض عليه ما كان قد دبّره، وخرج أصحاب يعقوب فلما صار أوائلهم في البرّ هرب

стр. 9831

أصحاب علىّ إلى مدينة شيراز، فسقط «١» علىّ بن الحسين عن فرسه فأخذ أسيرا، وأتى به إلى يعقوب فقيّده واحتوى على ما كان في عسكره، ثم رحل من موضعه ودخل شيراز ليلا فلم يتحرّك أحد، فلمّا أصبح انتهب أصحابه دار علىّ ودور أصحابة، وأخذ ما في بيوت الأموال وجبى الخراج، ورجع إلى سجستان. وقيل إنه كان بينه وبين علىّ حرب بعد عبور النهر، وذلك أن عليا كان قد جمع عنده جمعا كثيرا من الموالى والأكراد وغيرهم، بلغت عدّتهم خمسة عشر ألفا من فارس وراجل، وعبأ أصحابه وأقبل يعقوب وعبر النهر فلما صاروا في أرض واحدة حمل يعقوب وعسكره حملة رجل واحد، وتابع الحملات حملة بعد أخرى فانهزم أصحاب علىّ، وتبعهم وهو يصيح بهم فلا يرجعون، وقتل الرجّالة قتلا ذريعا، وأقبل المنهزمون إلى باب شيراز وقت العصر، فازدحموا إلى الأبواب وتفرّقوا في نواحى فارس، وبلغ بعضهم إلى الأهواز فأمر يعقوب بالكف عنهم، وكانت القتلى منهم خمسة آلاف؛ قيل وأصاب على بن الحسين ثلاث جراحات ثم أخذ أسيرا. ودخل يعقوب مدينة شيراز وطاف بها، ونادى بالأمان فاطمأن الناس، وعذّب على بن الحسين بأنواع العذاب، وأخذ من أمواله ألف بدرة وقيل أربعمائة، وأخذ من السلاح والأقمشة وغير ذلك مالا يحدّ، وكتب إلى الخليفة المعتز بالله بطاعته، وأهدى له هدية جليلة: منها عشرة بزاة بيض وباز أبلق صينى ومائة منّ من المسك وغير ذلك

стр. 9832

من الطرائف، وعاد إلى سجستان ومعه علىّ وطوق، فلما فارق بلاد فارس أرسل الخليفة عماله إليها. ذكر قصد يعقوب فارس وملكه بلخ وغيرها وفي سنة سبع وخمسين ومائتين سار يعقوب إلى بلاد فارس، فأرسل إليه المعتمد على الله ينكر ذلك، وكتب إليه الموفق أخو المعتمد بولاية بلخ وطخارستان وسجستان والسّند فقبل ذلك، وعاد وسار إلى بلخ وطخارستان، فلما وصل نزل بظاهرها وخرّب نوشاد؛ وهى أبنية كان قد بناها داود بن العبّاس خارج بلخ، ثم سار إلى كابل واستولى عليها وقبض على رتبيل «١» ، وأرسل رسولا إلى الخليفة بهديّة جليلة المقدار، وفيها أصنام أخذها من كابل وتلك البلاد، وسار إلى بست فأقام بها سنة، وسبب إقامته أنّه أراد الرحيل فرأى قوّاده قد حمل بعض أثقاله، فغضب وقال: ترحلون قبلى!! ثم أقام سنة، وسار إلى بوشنج وقبض على الحسين بن طاهر بن الحسين، فأنفذ إليه محمد بن طاهر بن عبد الله يسأله في إطلاقه فلم يجب سؤله. ذكر ملكه نيسابور وفي شوال سنة تسع وخمسين ومائتين دخل يعقوب نيسابور، وكان سبب مسيره إليها أن عبد الله السّجزى كان ينازع يعقوب سجستان فلما قوى أمر يعقوب هرب منه إلى محمد بن طاهر، وطلبه يعقوب

стр. 9833

منه فلم يفعل، فسار نحوه إلى نيسابور فلما قرب منها وأراد دخولها وجّه إليه محمد بن طاهر يستأذنه في تلقّيه، فلم يأذن له فبعث بعمومته وأهل بيته فتلقوه، ودخل نيسابور وأرسل إلى الخليفة يذكر تفريط محمد بن طاهر في عمله، وأن أهل خراسان سألوه المصير إليهم، ويذكر غلبة العلويين على طبرستان وبالغ في هذا المعنى، فأنكر عليه ذلك وأمره بالاقتصار على ما أسند إليه، وألا يسلك معه مسلك المخالفين. وقيل بل كان سبب ذلك أنّه كتب إلى محمد يعلمه أنّه على قصد طبرستان، ليمضى ما أمره به الخليفة في الحسن بن زيد العلوى المتغلّب عليها، وأنّه لا يتعرض إلى شىء من عمله ولا إلى شىء من أسبابه، وكان بعض خاصّة محمد وأهله لمّا رأوا إدبار أمره مالوا إلى يعقوب، وكاتبوه واستدعوه وهوّنوا على محمد أمر يعقوب، وأعلموه أنّه لا خوف عليه منه وثبّطوه عن التحرّز منه، فركن محمد إلى قولهم حتى قرب يعقوب من نيسابور، فوجّه إليه قائدا من قوّاده بطيّب قلبه، وأمره بمنعه عن الانتزاح من نيسابور إن أراد ذلك، ثم وصل يعقوب إلى نيسابور في رابع شوّال، وأرسل أخاه عمرو بن الليث إلى محمد بن طاهر فأحضره عنده، فقبض عليه وقيّده وعنّفه على إهماله أمر عمله وعجزه عن حفظه، ثم قبض على جميع أهله، وكانوا نحوا من مائة وستين رجلا، وحملهم إلى سجستان واستولى على خراسان، ورتّب نوّابه في الأعمال، وكانت ولاية محمد بن طاهر خراسان إحدى عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام.

стр. 9834

ذكر دخوله طبرستان وفي سنة ستين ومائتين سار يعقوب إلى طبرستان وملكها، وسبب ذلك أنّه لمّا دخل نيسابور هرب منه عبد الله السّجزى إلى الحسن بن زيد بسارية، فأرسل يعقوب إلى الحسن يسأله أن يبعثه إليه ويرجع عنه، فإنّه إنما جاء لذلك لا لحربه فلم يسلّمه الحسن، فحاربه يعقوب فانهزم الحسن ودخل بلاد الديلم ودخل يعقوب سارية وآمل، وجبى من أهلها خراج سنة، ثم سار في طلب الحسن بن زيد فصار إلى بعض جبال طبرستان، فتتابعت عليه الأمطار نحوا من أربعين يوما فلم يتخلّص إلا بمشقّة شديدة، وهلك عامّة ما معه من الظهر، ثم أراد الدخول خلف الحسن فوقف على الطريق الذى يريد يسلكه، وأمر أصحابه بالتوقّف عن المسير، ثم تقدّم وحده فتأمّل الطريق ورجع إليهم، فأمرهم بالانصراف وقال: إن لم يكن طريق غير هذا فلا طريق إليه، وكان نساء تلك الناحية قلن للرجال: دعوه يدخل فإنه إن دخل كفيناكم أمره وعلينا أسره لكم، فلمّا خرج من طبرستان عرض رجاله ففقد منهم أربعين ألفا، وذهب أكثر ما معه من الخيل والإبل والأثقال. وكتب إلى الخليفة بما فعله من هزيمة الحسن، وسار إلى الرى في طلب عبد الله السجزى، فإنه كان قد سار إليها بعد هزيمة الحسن فلما قاربها يعقوب كتب إلى واليها الصلابى «١» ، يخيّره بين تسليم

стр. 9835

عبد الله إليه ويرحل عنه وبين المحاربة، فسلّمه إليه فانصرف يعقوب عنه وقتل عبد الله السجزى. ذكر عود يعقوب الى بلاد فارس والحرب بينه وبين محمد بن واصل كان سبب ذلك أن محمد بن واصل كان قد تغلّب على فارس وقتل الحارث بن سيما، فأضاف المعتمد على الله فارس والأهواز والبصرة والبحرين واليمامة إلى موسى بن بغا مع ما كان إليه، فوجّه موسى، عبد الرحمن بن مفلح إلى الأهواز، وولاه إيّاها مع فارس وأضاف إليه طاشتمر، فقاتله محمد بن واصل برام هرمز، فانهزم عبد الرحمن وأخذ أسيرا وقتل طاشتمر، وغنم ما كان في عسكرهما، فأرسل الخليفة إلى محمد بن واصل في إطلاق عبد الرحمن، فلم يفعل وقتله وأظهر أنّه مات، وسار ابن واصل من هذه الوقعة- وقد أظهر أنّه يريد واسط- لحرب موسى بن بغا، فلما رأى موسى شدّة الأمر استعفى من ولاية فارس؛ فلما بلغ ذلك يعقوب- وكان بسجستان، تجدّد طمعه في ملك بلاد فارس، وأخذ ما غنمه ابن واصل من الخزائن والسلاح من عبد الرحمن بن مفلح وطاشتمر، فسار يعقوب حتى نزل البيضا من أرض فارس، فبلغ ابن واصل خبره وهو بالأهواز، فعاد منها لا يلوى على شىء، وأرسل خاله أبا بلال مرداسا إلى يعقوب فوصل إليه وضمن له طاعة محمد بن واصل، فأرسل يعقوب إلى محمد كتبا ورسلا في المعنى فحبسهم ابن واصل، وسار يطلب يعقوب

стр. 9836

والرسل معه، وهو يريد بذلك أن يخفى خبر مسيره، وأن يصل بغتة فينال منه غرضه ويوقع به، فسار في يوم شديد الحرّ في أرض صعبة المسلك، وهو يظن أن خبره قد خفى عن يعقوب، فلما كان وقت الظهر تعبت دوابّهم، فمات من أصحاب ابن واصل أكثر الرجّالة جوعا وعطشا وتعبا، وبلغ خبرهم يعقوب فجمع أصحابه وأعلمهم الخبر، وقال لأبى بلال: إنّ ابن واصل قد غدر بنا وحسبنا الله ونعم الوكيل، وسار يعقوب إليه فلما قاربه ضعفت نفوس أصحاب ابن واصل عن مقاومته، فلما صار بينهما رميه سهم انهزم أصحاب ابن واصل من غير قتال، وتبعهم أصحاب يعقوب وأخذوا منهم جميع ما غنموه من عسكر عبد الرحمن، واستولى يعقوب على بلاد فارس ورتّب بها أصحابه وأصلح أحوالها، ومضى ابن واصل منهزما وأخذ أمواله من قلعته، وكانت أربعين ألف ألف درهم، وأوقع يعقوب بأهل زم لأنهم أعانوا ابن واصل، وحدّث نفسه أنّه يستولى على الأهواز وغيرها. ذكر الحرب بين الموفق ويعقوب وفي سنة اثنتين وستين ومائتين في المحرم سار يعقوب من فارس إلى الأهواز، فلما بلغ المعتمد على الله إقباله أرسل إليه إسماعيل بن إسحاق وبغراج، وأطلق من كان في حبسه من أصحاب يعقوب، وكان قد حبسهم لما أخذ يعقوب، محمد بن طاهر، وجاءت رسالة يعقوب إلى الخليفة فجلس أبو أحمد الموفّق وأحضر التجّار، وأخبرهم بتولية يعقوب طبرستان وخراسان وجرجان والرى وفارس والشرطة

стр. 9837

ببغداد، وذلك بمحضر من درهم حاجب يعقوب؛ وكان قد أرسله يطلب هذه الولاية، فأعاده الموفّق إلى يعقوب ومعه عمر بن سيما بما أضاف إليه من الولايات، فعادت رسل يعقوب تقول: إنه لا يرضيه ذلك دون أن يصير إلى باب المعتمد، وارتحل يعقوب وسار إليه أبو الساج وصار معه، فأكرمه. وأحسن إليه ووصله، وسار يعقوب إلى واسط فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وستين ومائتين، وارتحل المعتمد على الله من بغداد إلى الزعفرانيّة وقدّم أخاه الموفّق أمامه، وسار يعقوب من واسط إلى دير العاقول بالعساكر لمحاربته، فجعل الموفّق على ميمنته موسى بن بغا وعلى ميسرته مسرورا البلخى وقام هو في القلب، والتقوا واقتتلوا فحملت ميسرة يعقوب على ميمنة الموفّق فهزمتها، وقتل جماعة من القوّاد ثم تراجع المنهزمون، وكشف الموفّق رأسه وقال. أنا الغلام الهاشمى، وحمل وحمل معه سائر العسكر فثبت عسكر يعقوب، وتحاربوا حربا شديدا فقتل من أصحاب يعقوب جماعة، منهم حسن الدرهمىّ وأصاب يعقوب ثلاثة أسهم، ولم تزل الحرب قائمة إلى وقت العصر فانهزم أصحاب يعقوب، وثبت هو في خاصّة أصحابه ثم مضوا وفارقوا موضع الحرب، وتبعهم أصحاب الموفّق وغنموا ما في عسكره، وكان فيه الدوابّ والبغال أكثر من عشرة آلاف، ومن الأموال ما لا يحصى كثرة، ومن جرب المسك عدّة كثيرة، وخلص محمد بن طاهر وكان مثقلا بالحديد، فخلع عليه الموفّق وولاة الشرطة ببغداد، وسار يعقوب من موضع الهزيمة إلى خوزستان ونزل جنديسابور، فراسله.

стр. 9838

العلوى فقال لكاتبه اكتب إليه: (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «١» ..) إلى آخرها وسيّر الكتاب إليه، وكانت هذه الوقعة لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب، وكتب المعتمد إلى محمد بن واصل بولاية فارس فعاد إليها «٢» . ذكر استيلاء يعقوب على الأهواز وغيرها وفي سنة ثلاث وستين ومائتين أقبل يعقوب من فارس، فلمّا بلغ النّوبندجان انصرف أحمد بن الليث عن تستر، فبلغ يعقوب جنديسابور ونزلها، فارتحل عن تلك الناحية من كان بها من عسكر الخليفة، ووجّه يعقوب إلى الأهواز رجلا من أصحابه يقال له الخضر ابن العنبر، فلمّا قاربها خرج عنها على بن أبان ومن معه من الزنج ونزل نهر السّدرة، ودخل الخضر الأهواز وجعل أصحابه وأصحاب على بن أبان يغير بعضهم على بعض وينال بعضهم من بعض، إلى أن استعدّ على بن أبان وسار إلى الأهواز، فأوقع بالخضر ومن معه من أصحاب يعقوب وقعة عظيمة، قتل فيها من أصحاب الخضر خلقا كثيرا وهرب الخضر ومن معه، وأقام علىّ بالأهواز يستخرج ما كان فيها، ورجع إلى نهر السّدرة وسيّر طائفة إلى دورق فأوقعوا بمن كان هناك من أصحاب يعقوب، فأنفذ يعقوب إلى الخضر مددا، وأمره بالكف عن قتال الزنج والاقتصار على المقام بالأهواز، فلم يجب على

стр. 9839

ابن أبان إلى ذلك دون نقل طعام كان هناك، فأجابه يعقوب إلى ما طلب ونقل الطعام، وترك العلف بالأهواز وكف بعضهم عن بعض. ذكر وفاة يعقوب بن الليث وولاية أخيه عمرو كانت وفاته في تاسع عشر شوّال سنة خمس وستين ومائتين بجنديسابور من كور الأهواز، وكانت علته القولنج فأمره الأطباء بالاحتقان بالدواء، فامتنع واختار الموت على ذلك، وكان المعتمد على الله قد أنفذ إليه رسولا وكتابا يستميله ويسترضيه، وقلده أعمال فارس، فوصل الرسول ويعقوب مريض فجلس له، وجعل عنده سيفا ورغيفا من الخبز الخشكار وبصلا، وأحضر الرسول وسمع رسالته وقال له: قل للخليفة إنّنى عليل، فإن مت فقد استرحت منك واسترحت منّى، وإن عوفيت فليس بينى وبينك إلا هذا السيف حتى آخذ بثأرى أو تكسرنى وتعقرنى «١» فأعود إلى هذا الخبز والبصل وأعاد الرسول، فلم يلبث يعقوب أن مات. وكان الحسن بن زيد العلوى- صاحب طبرستان- يسمّى يعقوب السندان لثباته، وكان يعقوب قد افتتح الرّخج وقتل ملكها البتبر «٢» وكان هذا الملك يحمل على سرير من ذهب يحمله اثنا عشر رجلا، وابتنى بيتا على جبل عال سمّاه مكة، وكان يدّعى الإلهيّة فقتله

стр. 9840

يعقوب، وافتتح الخلجية «١» وزابل وغير ذلك، وكان عاقلا حازما وكان يقول: كل من عاشرته أربعين يوما فلا تعرف أخلاقه لا تعرفها في أربعين سنة. ذكر ولاية عمرو بن الليث كانت ولايته بعد وفاة أخيه يعقوب في تاسع شوّال سنة خمس وستين ومائتين، ولمّا ولى كتب إلى الخليفة بطاعته، فولا الموفّق خراسان وأصفهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد وأشهد عليه بذلك وسيّر إليه العهد والخلع، فاستخلف عمرو بن الليث، عبيد الله بن عبد الله بن طاهر على الشرطة ببغداد وسامرّا في صفر سنة ست وستين، وخلع عليه الموفّق أيضا، ولم يزل عمرو في هذه الولايات إلى أن عزله المعتمد في شهور سنة إحدى وسبعين ومائتين، وأدخل عليه حاج خراسان وأعلمهم أنّه عزل عمرو بن الليث عمّا كان قلّده، ولعنه بحضرتهم وأعلمهم أنّه قد قلّد خراسان لمحمد ابن طاهر، وأمر يلعن عمرو على المنابر فلعن. وسار صاعد «٢» بن مخلّد إلى فارس لحرب الصفّاريّة، واستخلف محمد بن طاهر على خراسان رافع بن هرثمة، ثم كانت الحرب بين عمرو بن الليث وعسكر الخليفة وعليهم أحمد بن عبد العزيز بن أبى دلف،
следующие страницы →