Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.
стр. 9871
قزوين لما في نفسه من أهلها، فأوقع بهم، وأخذ أموالهم، وقتل كثيرا منهم، وسلط الديلم عليهم، وسمع المؤذن يؤذن، فأمر بالقائه من المنارة إلى الأرض، فاستغاث الناس من شره وظلمه. وخرج أهل قزوين إلى الصحراء: والرجال، والنساء، والولدان يتضرعون إلى الله تعالى، ويدعون عليه، ويسألون الله تعالى كشف ما بهم، فبلغه ذلك، فضحك وسبهم استهزاء بهم، فقابله الله تعالى في الغد من نهار الدعاء عليه بما سنذكره.
ذكر مقتل أسفار بن شيرويه
كان سبب قتله أن مرداويج كان أكبر قواده، وكان قد أرسله إلى سلار صاحب سميران «١» الطّرم يدعوه إلى طاعته، فلما وصل إليه مرداويج تشاكيا ما الناس فيه من الجهد والبلاء، فتعاقدا، وتحالفا على قصده، والتساعد على حربه، وكان أسفار قد وصل إلى قزوين، وهو ينتظر وصول مرداويج بكتابه، فكتب مرداويج إلى جماعة من القواد يثق بهم يعرفهم ما اتفق هو وسلار عليه، فأجابوه إلى ذلك، وكان الجند قد سئموا أسفار، وسوء سيرته، وظلمه، وجوره، وكان الوزير مطرف بن محمد، ممن أجاب مرداويج، ووافقه، فسار مرداويج نحو أسفار، فبلغه الخبر، وأحس بالشر وثار الجند به، فهرب في جماعة من خاصته، وذلك عقب حادثة أهل قزوين، ودعائهم عليه.
стр. 9872
فورد الرىّ، وأراد أن يأخذ من مال من كان بها، فمنعه نائبه المقيم بها، ولم يعطه غير خمسة آلاف دينار، فتركه، وانصرف إلى خراسان وأقام بناحية بيهق. وأمّا مرداويج، فإنه وصل إلى قزوين، وسار منها إلى الرى، وكتب إلى «ماكان بن كالى» ، وهو بطبرستان يستدعيه ليتساعدا على أسفار، فسار «ماكان» إلى «أسفار» ، فسار أسفار إلى بست، وركب المفازة نحو الرى ليقصد قلعة «ألموت» التى بها أهله وأمواله، فانقطع عنه بعض أصحابه، والتحق بمرداويج وأعلمه بخبره، فخرج مرداويج من ساعته في أثره وقدم بعض قواده بين يديه، فلحقه القائد، وقد نزل ليستريح، فسلم عليه بالإمرة، فقال له أسفار: لعلكم اتصل بكم خبرى، وبعثت في طلبى قال: نعم، فضحك، ثم سأل القائد عن قواده الذين خذلوه، فأخبر أن مرداويج قتلهم، فتهلل وجهه، وقال كانت حياة هؤلاء غصة في حلقى، وقد طابت الآن نفسى، فامض لما أمرت به، وظن أنّه أمر بقتله، فقال ما أمرت فيك بسوء، وحمله إلى مرداويج، فقتله، وانصرف إلى الرىّ.
وقيل في قتله: إنه لما قصد ألموت نزل في دار «١» هناك، واتفق أن مرداويج خرج إلى الصيد فرأى خيلا يسيرة، فسيّر من يكشف خبرها، فوجد رجل أسفار، فقبض عليه، وذبحه بيده، وقيل:
بل دخل أسفار إلى رحآ، وقد نال منه الجوع، فطلب من الطحّان ما يأكله، فقدم إليه خبزا ولبنا، فبينما هو يأكل وغلام له ليس معه
стр. 9873
غيره، إذ أقبل مرداويج إلى تلك الناحية في طلبه، فأشرف على الرحآ فرأى أثر الخيل، فوصل إلى الرحآ، وأخذه وقتله. «١»
ذكر ملك مرداويج وهو الثانى من ملوك الدولة الديلمية الجيلية .
كان ابتداء ملكه عند هرب أسفار، ولما قتله عاد إلى قزوين، وأحسن إلى أهلها، ووعدهم الجميل، وتمكن ملكه، وتنقل في البلاد، وملكها مدينة بعد أخرى، وولاية بعد ولاية، فملك قزوين، والرى، وهمذان، كنكور، والدينور، وبروجرد، وقم، وقاجان، وأصفهان، وجرباذ «٢» قان، وغيرها، ثم أساء السيرة في أهل أصفهان خاصة، وأخذ الأموال، وهتك المحارم، وطغى وتجبر، وعمل سريرا من ذهب يجلس عليه، وسررا من فضة يجلس عليها أكابر القواد، وإذا جلس على السرير يقف.
عسكره صفوفا بالبعد منه، ولا يخاطبه أحد غير الحجاب الذين رتبهم لذلك، وخافه الناس خوفا عظيما.
ذكر ملك «٣» طبرستان وجرجان
قد ذكرنا أن مرداويج كان قد كاتب ما كان «٤» ، وطلب منه المعاضدة على أسفار وموافقة ما كان له، فلما ملك مرداويج،
стр. 9874
وقوى أمره طمع في طبرستان، وجرجان، وكانتا مع ما كان، فجمع عساكره، وسار نحو طبرستان، فاستظهر على ما كان، واستولى على البلد، ورتب فيها أبا القاسم بن باحين، وهو اسفهسلار «١» عسكره، وكان حازما شجاعا جيد الرأى، ثم سار مرداويج نحو جرجان، وكان بها من قبل ما كان شيرزيل «٢» ابن سلار.
وياغلى بن ترلى، فهربا من مرداويج، فملكها، ورتب فيها سرجاب «٣» نائبا عن أبى القاسم، فاجتمع لأبى القاسم جرجان، وطبرستان، وعاد مرداويج إلى أصفهان، وسار ما كان إلى الديلم، واستنجد بأبى الفضل الثائر بها، فأكرمه، وسار معه إلى طبرستان، فلقيهما نائب مرداويج، وتحاربوا، فانهزم ما كان والثائر، فعاد الثائر إلى الديلم، وقصد «ما كان» بنيسابور، ودخل في طاعة السعيد السامانى صاحب خراسان، واستنجد به، فأمّده بأبى على محمد بن المظفر، واستمد نائب جرجان مرداويج، فأمده بأكثر جيشه، فالتقوا، فانهزم أبو على وما كان، وعاد إلى نيسابور، وعاد ما كان إلى الدامغان ليملكها، فمنعه نائب مرداويج بجرجان من ذلك، فعاد إلى خراسان. وهذه الوقائع كلها ساقها ابن الأثير الجزرى في تاريخه الكامل في حوادث سنة ست عشرة وثلاثمائة، وما أظنها في هذه السنة خاصة، بل فيها وفيما بعدها، لكنه- والله أعلم- قصد أن يكون الخبر سياقة حتى لا ينقطع، وهذا كان دأبه في كثير من الوقائع، وهو حسن.
стр. 9875
ذكر الحرب بين مرداويج وبين هارون بن غريب
قال: ولما استتب لمرداويج الأمر أتاه الديلم من كل ناحية لبذله، وإحسانه إلى جنده، فعظمت جيوشه، وكثرت عساكره، وكثر الخرج عليه، فلم يكفه ما بيده، ففرق نوابه في النواحى المجاورة له، وبعث إلى همذان ابن أخت له في جيش كثيف، وكان بها أبو عبد الله محمد بن خلف في عسكر للخليفة، فتحاربوا وأعان أهل همذان عسكر الخليفة، فظفروا بالديلم، وقتل ابن أخت مرداويج، فسار إلى همذان، فلما سمع أصحاب الخليفة بمسير مرداويج انهزموا، وفارقوا همذان، ونازلها مرداويج، فتحصن أهلها منه، فقاتلهم، وظفر بهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، وأحرق. وسبى، ثم رفع السيف وأمر «١» بنفيهم، فأنفذ المقتدر هارون بن غريب في عساكر كثيرة لمحاربته، فالتقوا بنواحى همذان، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم هارون، واستولى مرداويج على بلاد الجيل جميعها، وما وراء همذان، وسير قائدا من قواده يعرف بابن عجلان القزوينى إلى الدينور، ففتحها بالسيف، وقتل كثيرا من أهلها، وبلغت عساكره، إلى نواحى حلوان فغنمت وقتلت، ونهبت، وسبت، وعادت إليه.
стр. 9876
ذكر ملكه أصفهان
قال: ثم أنفذ مرداويج طائفة أخرى إلى أصفهان، فملكوها، واستولوا عليها، وبنوا له فيها مساكن أحمد بن عبد العزيز بن أبى دلف فسار مرداويج إليها، ونزلها، وهو في أربعين ألفا، وقيل خمسين ألفا، وأرسل جمعا آخر إلى الأهواز، فاستولوا عليها وعلى خوزستان، وجبوا أموال تلك البلاد، والنواحى، فقسمها في أصحابه، وادخر منها ذخائر كثيرة، ثم أرسل إلى المقتدر رسولا يقرر على نفسه مالا على هذه البلاد، ونزل للمقتدر عن همذان، فأجابه إلى ذلك، وقرر عليه مائتى ألف دينار في كل سنة.
ذكر وصول وشمكير الى أخيه مرداويج
قال: ولما استقرّ ملك مرداويج أرسل في طلب «١» أخيه وشمكير، وهو ببلاد جيلان يستدعيه. قال الجعد «٢» : أرسلنى إليه فجئته فإذا هو في جماعة يزرعون الأرز، فلما رأونى قصدونى وهم عرايا حفاة عليهم سراويلات ملوّنة الخرق مرقعة، فسلمت على وشمكير، فأبلغته رسالة أخيه، وأعلمته ما هو فيه، وما حازه من الملك، فضرط بفيه في لحية أخيه، وقال: إنه لبس السودا، وخدم المسودة يعنى الخلفاء، فما زلت أمنيّه وأطمعه حتى خرج معى. فلما بلغنا قزوين اجتهدت
стр. 9877
به حتى لبس السواد، ورأيت من جهله أشياء أستحيي أن أذكرها.
ثم أعطته السعادة ما كان في الغيب، فجاء من أعرق الملوك بتدبير الممالك، وسياسة الرعايا، وكان وصوله إلى أخيه في سنة عشرين وثلاثمائة.
ذكر مقتل مرداويج
كان مقتله في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وسبب ذلك أنه كان كثير الإساءة إلى الأتراك، وكان يقول: إن روح سليمان بن داود حلت فيه، وإن الأتراك هم المردة والشياطين، فإن أقهرهم «١» ، وإلا أفسدوا، فثقلت وطأته عليهم، فلما كان في ليلة الميلاد من هذه السنة، أمر بأن يجمع الحطب من الجبال والنواحى، وأن يجعل على جانبى الوادي المعروف بزندره «٢» ، ويعمل مثله على الجبل المعروف «بكر ثم كوه» ، المشرف على أصفهان من أسفله إلى أعلاه بحيث إذا اشتعلت النيران يصير الجبل كله نارا، وعمل مثل ذلك بجميع الجبال والتلال التى هناك، وجمع النفط، ومن يلعب به، وجمع له أكثر من ألفى غراب وحدأة ليجعل في أرجلها النفط، وترسل لتطير في الهواء، وأمر بعمل سماط. عظيم كان فيه مائة فرس، ومائتا رأس من البقر مشوية صحاحا، وثلاثة آلاف رأس من الغنم شواء، غير
стр. 9878
المطبوخ ومن الأوز والدجاج عشرة آلاف طائر، وما يناسب ذلك من الحلوى، وركب آخر النهار بغلمانه فطاف بالسماط، ونظر إليه، وإلى تلك الأحطاب، فاستحقر الجميع لسعة البرية، ولعن وغضب وعاد فدخل خركاه «١» ، وقام، فلم يجسر أحد أن يكلّمه، واجتمع الأمراء والقواد وغيرهم، وكادت الفتنة تقوم لخوفهم منه، فأتاه وزيره العميد، وتلطف به، وعرّفه ما الناس فيه، فخرج، وجلس على السّماط، وأكل ثلاث لقم، ونهب الناس الباقى، ولم يجلس للشراب، وعاد إلى مكانه، وأقام ثلاثة أيام لا يظهر، فلما كان في اليوم الرابع أمر بإسراج الخيل ليعود إلى منزله، فاجتمع خلق كثير [وشغبت] «٢» الدواب مع الغلمان، وصهلت، ولعبت، فصار الغلمان يصيحون بها لتسكن، فاجتمع من ذلك أصوات هائلة مختلفة منكرة.
وكان مرداويج نائما، فاستيقظ، فسمع ذلك، وسأل عنه، فعرف صورة الحال، فازداد غضبا، وقال ما كفى من إخراق الحرمة ما فعلوه من نهب السماط، وما أرجفوا به حتى انتهى أمر هؤلاء الطلاب إلى هذا، وسأل عن أصحاب الخيل، فقيل: إنها للأتراك، وقد نزلوا للخدمة، فأمر أن تحط. السروج عن الدواب، وتوضع على ظهور أصحابها، ويأخذون بإرسال الدواب إلى الاصطبلات، ومن امتنع من ذلك ضربه الديلم، ففعلوا ذلك، فكانت صورة قبيحة أنفت منها نفوسهم. ثم ركب مع خاصته، وهو يتوعد الأتراك حتى صار إلى داره بعد العشاء بعد أن ضرب جماعة من أكابر الأتراك،
стр. 9879
فاجتمعوا، وقالوا ما وجه صبرنا على هذا الشيطان، وتحالفوا على الفتك به، واتفق دخوله الحمام، وكان كورتكين يحرسه في حمامه وخلواته، فأمره في ذلك اليوم أن لا يتبعه، فتأخر مغضبا، وكان هو الذى يجمع الحرس، فلم يأمر الحرس باتباعه. وكان له خادم أسود يتولى خدمته بالحمام، فاستمالوه، فمال إليهم، وهجم الأتراك على الحمام، فقام أستاذ داره «١» ، وهو خادم، ليمنعهم، فضربه بعضهم بالسيف، فقطع يده، فصاح، فعلم مرداويج، فغلق باب الحمام، وتربسه بسرير كان يجلس عليه إذا غسل رأسه، فصعدوا السطح، وكسروا الجامات «٢» ، ورموه بالنشاب، ثم كسروا باب الحمام، ودخلوا عليه، وقتلوه، وكان الذى جمع الناس على قتله توزون، وهو الذى صار أمير العساكر بالعراق، وياروق «٣» ، ومحمد ابن ينال الترجمان، وبجكم «٤» وهو الذى تولى إمرة العراق. قال:
ولما قتلوه أعلموا أصحابهم، فنهبوا قصره، وهربوا. هذا ولم يعلم بهم الديلم، فلما علموا ركبوا في آثارهم، فلم يلحقوا منهم إلا نفرا يسيرا، فقتلوهم، وعادوا، واجتمع رؤساء الديلم والجيل، وتشاوروا على من يقوم مقامه، فاجتمعوا على طاعة أخيه وشمكير.
стр. 9880
ذكر ملك وشمكير بن زيار وهو الثالث من ملوك الدولة الديلمية الجيلية .
قال: ولما قتل مرداويج كان وشمكير بالرى، فحملوا تابوت مرداويج، وساروا نحو الرى، فخرج وشمكير، ومن عنده من أصحابه، وتلقوا التابوت مشاة حفاة على أربعة فراسخ، وكان يوما مشهودا. واجتمع على وشمكير عساكر أخيه. قال: وكان ركن الدولة بن بويه في جيش مرداويج رهينة عن أخيه عماد الدولة، فإنه كان قد بذل من نفسه الطاعة لمرداويج، ورهن عنده أخاه، فلما قتل مرداويج بذل للموكلين به مالا، فأطلقوه، فهرب إلى أخيه عماد الدولة بفارس. «١»
ذكر ما فعله الأتراك بعد قتل مرداويج
قال: ولما قتلوه تفرقوا على فرقتين، ففرقة سارت إلى عما الدولة بن بويه بفارس، وفرقة سارت نحو الجبل مع بجكم، وهى أكثرها، فجبوا الأموال، وخراج الدينور وغيرها، وصاروا إلى النهروان، فكاتبوا الخليفة الراضى بالله في المسير إلى بغداد، فأذن لهم «٢» ، فدخلوا، فظن الحجريّة أن ذلك حيلة عليهم، فطلبوا رد الأتراك إلى بلد الجبل، فأمرهم ابن مقلة بذلك، وأطلق لهم مالا، فلم يرضوا به، وغضبوا فكاتبهم ابن رائق، وهو بواسط،
стр. 9881
وله البصرة، فاستدعاهم فمضوا إليه، وقدم عليهم بجكم وأمره بمكاتبة الأتراك والديلم أصحاب مرداويج، فكاتبهم، فقدم منهم عدة، فأحسن إليهم، وأمره أن يكتب إلى الناس في كتبه بجكم الرائقى، وكان من أمر بجكم ما قدمناه في أخبار الدولة العباسية.
وفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة أرسل وشمكير جيشا كثيفا من الرى إلى أصفهان، وبها ركن الدولة بن بويه، فأزالوه عنها، وخطبوا لوشمكير «١» ، وسار وشمكير إلى قلعة ألموت، واستولى عليها، ودامت أيام وشمكير إلى سنة سبع وخمسين.
ذكر وفاة وشمكير
كانت وفاته في المحرم سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وذلك أنه ركب للصيد، فعارضه خنزير قد رمى بحربة، وهى ثابتة فيه، فحمل الخنزير عليه، وهو غافل، فضرب الفرس الذى تحته فشبّ به، فألقاه إلى الأرض، فخرج الدم من أنفه وأذنيه، فمات. وكانت مدة ملكه أربعا وثلاثين سنة تقريبا، ولما مات قام بالأمر بعده ابنه بهشيتون «٢» .
стр. 9882
ذكر ملك ظهير الدولة بهشيتون بن وشمكير وهو الرابع من ملوك الدولة الديلمية الجيلية .
ملك ما كان في مملكة أبيه بعد وفاته، وذلك في المحرم سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، قال:
ولما ملك صالح ركن الدولة بن بويه، فأمدّه بالخيل، والمال، والرجال، وكان وشمكير قد قصد «١» ركن الدولة، وأتته العساكر من قبل الأمير منصور بن نوح السامانى، وكتب إلى ركن الدولة يهدده «٢» ويسبه في كتابه، ويقول: والله إن ظفرت بك لأفعلن، ولأصنعن، فلم يجسر الكاتب [أن] «٣» يقرأه على ركن الدولة، فقرأه هو، وقال للكاتب اكتب إليه: أما تهددك، فو الله لئن ظفرت بك لأعاملنك بضد ما كتبت، ولأحسنن إليك، ولأكرمنك، فلما مات استقر الصلح بين ظهير الدولة، وركن الدولة، ودامت أيام بهشيتون إلى سنة ست وستين وثلاثمائة، فتوفى بجرجان، وكانت مدة ملكه تسع سنين وشهورا، ولما مات ملك بعده أخوه.
ذكر ملك شمس المعالى قابوس بن وشمكير وهو الخامس من ملوك الدولة الديلمية الجيلية .
كان ملكه بعد وفاة أخيه بهشيتون في سنة ست وستين وثلاثمائة، وكان عند وفاته عند خاله بجبل شهريار، وخلف بهشيتون ابنا صغيرا بطبرستان مع
стр. 9883
جده لأمه، فطمع جده أن يأخذ الملك، فبادر إلى جرجان، فرأى بها جماعة من القواد قد مالوا إلى قابوس، فقبض عليهم، وبلغ قابوس الخبر، فسار إلى جرجان، فلما قاربها خرج الجيش إليه، واجتمعوا عليه، وأطاعوه، وملكوه، فهرب من كان مع ابن بهشيتون، وتركوه، فأخذه عمه قابوس وكفله، وجعله أسوة أولاده، واستولى على جرجان، وطبرستان، ودام ملكه إلى أن خلع، وقتل، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر خلع قابوس بن وشمكير وقتله وولاية ابنه ملك المعالى منوجهر [وهو السادس من ملوك الدولة الديلمية الجيلية]
وفي سنة ثلاث وأربعمائة خلع شمس المعالى قابوس بن وشمكير، فكانت مدة ملكه سبعا وثلاثين سنة، وكان سبب خلعه أنه- مع ما كان فيه من الفضائل الجمّة، وحسن السياسة- كان شديد المؤاخذة، قليل العفو، يقتل على الذنب اليسير، فضجر أصحابه منه، واستطالوا أيّامه، وأجمعوا على خلعه، والقبض عليه، وكان حينئذ غائبا عن جرجان ببعض قلاعه، فلم يشعر إلا وقد أحاط.
العسكريه، وانتهبوا أمواله ودوابّه، وقصدوا استنزاله، فمانع عن نفسه، فرجعوا إلى جرجان، واستواوا عليها وعصوا بها، وبعثوا إلى ابنه منوجهر وهو بطبرستان يعرّفونه الحال، ويستدعونه ليولّوه أمرهم، فسار عجلا خوفا من خروج الأمر عنه، فالتقوا «١» ، واتفقوا
стр. 9884
على طاعته إن هو خلع أباه، فأجابهم على كره منه، وكان شمس المعالى قد توجّه إلى بسطام «١» ، فقصدوه، فلما وصل منوجهر إلى أبيه اجتمع به، وخلا معه، وعرفه ما هو فيه، وعرض عليه أن يقاتل معه من خرج عليه، ولو كان فيه ذهاب نفسه، فرأى قابوس خلاف ذلك، وسهل عليه الأمر حيث صار إلى ابنه، وسلم له خاتم الملك، وانتقل إلى قلعته: [جناشك «٢» ] ليتفرغ للعبادة، وسار منوجهر إلى جرجان، وضبط الملك، وأخذ في مداراة الذين خرجوا على أبيه، فدخلوا عليه في بعض الأيام وحسّنوا له قتل والده، وخوفوه «٣» ، وصمموا على إعدامه، وهو لا يجيبهم بكلمة، ثم فارقوه وجاءوا إلى أبيه، وقد دخل الطهارة، وهو متخفف، فأخذوا ما كان عليه من الكسوة، وكان فصل الشتاء، فصار يستغيث ويقول: أعطونى، ولو جلّ دابة حتى مات من شدة البرد، وجلس ولده منوجهر للعزاء.
وكان قابوس غزير الأدب، وافر العلم، له رسائل، وشعر حسن.
وكان عالما بالنجوم.
قال: ولما ملك منوجهر لقبه الخليفة القادر بالله ملك «٤» المعالى، ثم راسل «٥» يمين الدولة محمود بن سبكتكين، ودخل في طاعته،
стр. 9885
وخطب له على سائر منابر بلاده، وتزوج ابنته، فقوى عضده به، وشرع منوجهر في التدبير على قتلة أبيه، فأبادهم بالقتل والتّشريد.
واستمرّ في الملك إلى سنة عشرين وأربعمائة، فتوفى فيها، فكانت مدة ملكه سبع عشرة سنة.
ولما مات ملك بعده ابنه.
ذكر ملك أنوشروان داره بن ملك المعالى منوجهر «١» ابن قابوس شمس المعالى وهو السابع من ملوك الدولة الديلمية الجيلية
ملك بعد وفاة أبيه منوجهر في سنة عشرين وأربعمائة، وقام بتدبير دولته أبو كاليجار القوهى، وتقدم على جيشه، وتزوج بأمه، ثم قبض عليه أنوشروان بعد ذلك بمساعدة أمه، فلما قبض عليه طمع فيه السلطان طغرلبك السلجقى، فسار إلى جرجان في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، ومعه مرداويج بن بسو، ونازلها، فلم يمانعه أهلها، وفتح له أبوابها، وقرر على أهلها مائة ألف دينار صلحا، وسلّمها إلى مرداويج، وقرّر عليه «٢» في كل سنة خمسين ألف دينار عن جميع الأعمال، ثم اصطلح أنوشروان ومرداويج، وتزوج بأم أنوشروان، وضمن له أنوشروان في كل سنة ثلاثين ألف دينار، وبقى أنوشروان يتصرف بأمر مرداويج لا يخالفه في شىء، وأقيمت الخطبة لطغرلبك.
стр. 9886
وانقرضت الدولة الديلمية الجيلية، وكانت مدة هذه الدولة منذ ملك أسفار بن شيرويه. في سنة ست عشرة وثلاثمائة، وإلى أن استولى طغرلبك على جرجان في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، مائة سنة وثمان عشرة سنة تقريبا «١» ، وعدة من ملك منهم سبعة ملوك، وهم: أسفار بن شيرويه، ثم مرداويج بن زيار، ثم وشمكير بن زيار، ثم ظهير الدوله هشيتون بن وشمكير، ثم شمس المعالى قابوس ابن وشمكير، ثم ملك المعالى منوجهر قابوس «٢» ، ثم ابنه أنوشروان دارا. وعليه انقرضت دولتهم. والله أعلم بالصواب.
ذكر أخبار الدولة الغزنويه
كان ابتداء هذه الدولة بغزنة في سنة ست وستين وثلاثمائة، ثم استولت على خراسان، والغور «٣» ، والهند، وغير ذلك، وأول من قام منهم سبكتكين «٤» ، ونحن نذكر أخباره، وابتداء أمره إلى أن ملك بعده من أولاده، وأولادهم، إلى حين انقراض دولتهم.
стр. 9887
ذكر أخبار ناصر الدولة سبكتكين وابتداء أمره وما كان منه الى أن ملك
كان سبكتكين من غلمان أبى إسحاق بن [البتكين] «١» صاحب جيش غزنة للسامانية، وكان مقدما عنده، وعليه مدار أمره، وقدم إلى بخارى أيام الأمير منصور بن نوح مع أبى إسحاق، فعرفه أرباب تلك الدولة بالعقل والعفة وجودة الرأي، وعاد معه إلى غزنة، ثم لم يلبث أبو إسحاق أن توفى، ولم يخلف من أهله وأقاربه من يصلح المتقدم، فأجمع أصحابه رأيهم على سبكتكين، فقدموه عليهم، وولّوه أمرهم، وحلفوا له وأطاعوه، فأحسن السيرة فيهم، وساس أمورهم، وجعل نفسه كأحدهم في الحال والمال، وكان يدخر من إقطاعه ما يعمل منه طعاما لهم في كل أسبوع مرتين. فعظم شأنه، وارتفع قدره، وحسن ذكره، وتعلقت الأطماع بالاستعانة به.
ذكر ولايته «٢» قصدار وبست
كان سبب ذلك أن طغان خان صاحب بست خرج عليه أمير يعرف ببابى تور «٣» ، فملك مدينة بست منه، وأجلاه عنها بعد حرب شديدة، فاستغاث بسبكتكين، والتزم بمال يحمله إليه في
стр. 9888
كل سنة، وطاعة يبذلها، فسار معه، ونزل على بست، وقاتل الخارج على طغان قتالا شديدا، وهزمه، وتسلم طغان البلد، فلما استقر فيه طالبه سبكتكين بما استقر عليه، فأخذ يماطله، فأغلظ.
له في القول لكثرة مطله، فحمل طغان الجهل على أن ضرب سبكتكين وحجز العسكر بينهما، وقامت الحرب بينهما على ساق، فانهزم طغان، واستولى سبكتكين على بست، وسار طغان إلى قصدار- وكان «١» يتولاها أيضا- فعصى بها، واستعصم، وظن أن ذلك يمنعه من سبكتكين، فسار إليه جريدة، فلم يشعر إلا والخيل معه، فأخذه من داره ثم منّ عليه، وأطلقه، ورده إلى ولايته، وقرر عليه مالا يحمله في كل سنة.
ذكر غزوه الهند، وما كان بينه وبينهم
قال: ولما فرغ سبكتكين من بست وقصدار غزا الهند، فافتتح قلاعا حصينة على شواهق الجبال، وعاد سالما ظافرا، فلما رأى جيبال ملك الهند ما دهاه منه حشد، وجمع، واستكثر من الفيلة، وسار حتى اتصل بولاية سبكتكين، فسار سبكتكين من غزنه بعساكره، وتبعه خلق كثير من المتطوعه، والتقوا واقتتلوا أياما كثيرة، وكانوا بالقرب من عقبة عورك، فلما طال الأمر على ملك
стр. 9889
الهند طلب الصلح، وقرر على نفسه مالا يؤديه لسبكتكين وخمسين قيلا وبلادا يسلمها، فعجل المال والفيلة، وأعطى جماعة من أهله رهائن على البلاد، وسيّر معه سبكتكين من يتسلّمها. فلما أبعد ملك الهند قبض على من معه من أصحاب سبكتكين، وجعلهم عنده عوضا عن رهائنه، فلما اتصل ذلك بسبكتكين جمع العساكر وسار نحوه، وأخرب كل ما مرّ عليه من بلاد الهند، وقصد لمغان «١» ، وهى أحصن بلادهم، فافتتحها عنوة، وهدم بيوت الأصنام، وأقام فيها شعائر الإسلام، وسار عنها يفتح البلاد، ويقتل أهلها، فلما بلغ ما أراده عاد إلى غزنة، فجمع جيبال ملك الهند العساكر «٢» ، وسار في مائة ألف مقاتل، ولقيه سبكتكين، وأمر أصحابه أن يتناوبو القتال مع الهنود، ففعلوا ذلك حتى ضجر الهند من دوام القتال.
وحملوا حملة واحدة، واشتد القتال، فانجلت «٣» الحرب عن هزيمة الهنود، وأخذهم بالسيف، وأسر منهم خلق كثير، وغنم من أموالهم، وأثقالهم، ودوابهم ما لا يحصى كثرة، فذلّ الهنود بعد هذه الوقعة.
وأطاع سبكتكين الأفغانية والخلج «٤» ودخلوا تحت أمره وطاعته.
فعظمت هيبته، واتسعت مملكته.
стр. 9890
ذكر ملك محمود بن سبكتين خراسان
قال: وفي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة كانت ولاية محمود بن سبكتكين خراسان من قبل الأمير نوح بن منصور السامانى عوضا عن أبى على بن سيمجور، ولقّبه الأمير نوح سيف الدولة، ولقّب سبكتكين ناصر الدولة، وأقام محمود بنيسابور، ثم كانت بينه وبين بن على ابن سيمجور وقعة في سنة خمس وثمانين، فانهزم محمود، ثم جمع عساكره وعساكر أبيه، فأخرجا بن سيمجور عنها في بقية السنة، واستقر ملك محمود بخراسان على ما قدمناه في أخبار الدولة السامانية.
ذكر وفاة ناصر الدولة سبكتكين وولاية ولده اسماعيل
كانت وفاته ﵀ في شعبان سنة سبع وثمانين وثلثمائه، وكان إذ ذاك ببلخ، وقد جعلها مقر ملكه، وابتنى بها دورا ومساكن، فمرض وطال مرضه، فارتاح إلى هواء غزنة، فسار عن بلخ، فمات في طريقه، ونقل إلى غزنة، فدفن بها. وكانت مدة ملكه نحوا من عشرين سنة، وكان عادلا خيّرا، كثير الجهاد، حسن الاعتقاد، فاضلا عارفا، له نظم ونثر وخطب في بعض الجمع، وكان يقول بعد الدعاء للخليفة: «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ، وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ، فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، تَوَفَّنِي مُسْلِماً، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ»
«١» .
ولما حضرته الوفاة عهد إلى ولده إسماعيل بالملك، وكان أصغر
стр. 9891
من أخيه محمود، فبايعه الجند بعد وفاة أبيه، وحلفوا له، فأطلق لهم الأموال، ثم استصغروه، فاشتطّوا في الطلب حتى فنيت الخزائن التى خلفها سبكتكين. ثم استولى محمود على الملك فكانت مدة ملك «١» [اسماعيل] «٢» سبعة أشهر.
ذكر سلطنة يمين الدولة محمود بن سبكتكين
وهو الثالث من ملوكهم. وهو أول من تلقب بالسلطان، ولم يتلقب بها أحد قبله.
قال: ولما بلغه خبر وفاة والده كان بنيسابور، فجلس للعزاء، ثم أرسل إلى أخيه إسماعيل يعزّيه، ويعرفه أن أباه إنما عهد إليه بالملك لبعده عنه، ويذكر له ما يتعيّن من تقديم الكبير، وطلب منه الوفاق، وإنفاذ ما يخصه من ميراث أبيه، فلم يفعل. وتردّدت الرسائل بينهما، فلم تستقر قاعدة، فسار محمود عن نيسابور إلى هراة عازما على قصد غزنة، واجتمع بعمه بغراجق، فساعده على إسماعيل، وسار إلى بست، وبها أخوه نصر، فتبعه، وأعانه، وسار إلى غزنة، وبلغ الخبر إسماعيل وهو ببلخ، فسار عنها مجدّا فسبق أخاه محمودا إلى غزنه، وكان الأمراء الذين مع إسماعيل قد كاتبوا أخاه محمودا يستدعونه، ووعدوه الانحياز إليه، فجد [فى] «٣» السير، والتقى هو وإسماعيل بظاهر غزنه، واقتتلا قتالا شديدا، فانهزم إسماعيل، واعتصم بقلعة غزنه، فحصره
стр. 9892
أخوه محمود، واستنزله منها بأمان، فلما نزل إليه أكرمه، وأحسن إليه، وشاركه في ملكه، وعاد إلى بلخ، واستقامت له الممالك، وعظم شأنه، وأطاعته العساكر.
ذكر استيلاء يمين الدولة محمود على خراسان وانتزاعها من السامانية
كان سبب ذلك أن فايقا وبكنوزون مدبرى دولة الأمير منصور ابن نوح قبضا عليه، وسملاه كما قدمنا ذكر ذلك في أخبار السامانية، فسار السلطان محمود نحوهما، والتقوا بمرو في جمادى الأولى «١» سنة تسبع وثمانين وثلاثمائة، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم السامانية، فلحق عبد الملك، وفايق ببخارى، وقصد بكتوزون نيسابور، ثم قصد نواحى جرجان، فأرسل محمود خلفه أرسلان الجاذب، فاتبعه حتى ألحقه بجرجان، وعاد، فاستخلفه محمود على طوس، وسار إلى هراة، فلما علم بكتوزون بمسير محمود عن نيسابور عاد إليها وملكها، فقصده محمود، فهرب منه إلى بخارى بعد أن نهب مرو على طريقه، واستقر ملك محمود بخراسان، وزال ملك السامانية منها، وخطب بها للقادر بالله، وكان يخطب بها إلى هذا التاريخ للطائع بعد خلعه، وولى محمود قيادة جيوش خراسان أخاه نصرا، وجعله بنيسابور، وسار هو إلى بلخ، وهى مستقر ملك أبيه، واتخذها دار ملك،
стр. 9893
واتفق أصحاب الأطراف بخراسان على طاعته كآل قريغون «١» أصحاب الجوزجان. وكالشار الساه «٢» صاحب غرشستان «٣» ، والشار: لقب لمن ملك غرشستان ككسرى الفرس، وقيصر الروم.
وفي سنة تسعين وثلاثمائة قتل بغراجق عم يمين الدولة؛ قتله طاهر بن خلف بن أحمد صاحب سجستان في حرب بينهما، فسار يمين الدولة نحو خلف بن أحمد أبو طاهر، فتحصن منه بحصن أصهنه «٤» ، فحاصره، وضيق عليه، فبذل «٥» الأموال، فأجابه إلى ما طلب، وأخذ رهائنه على ما تقرر من المال. والله أعلم بالصواب.
ذكر غزوة الهند
وفي المحرم سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة أحب يمين الدولة أن يغزو الهند ويجعل ذلك كفارة لقتاله مع المسلمين، فسار «٦» ونزل على مدينة برشور «٧» ، والتقى هو وجيبال ملك الهند، واقتتلوا إلى نصف
стр. 9894
النهار، فانهزم الهند، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر ملكهم جيال وجماعة كثيرة من أهله وعشيرته، وغنم المسلمون أموالهم وجواهرهم، وأخذ من عنق جيبال قلادة من الجوهر قومت بمائتى ألف دينار، وأخذ أمثالها من أعناق مقدميه «١» الأسرى، وغنم المسلمون خمسمائة ألف من الرقيق، وفتح كثيرا من بلاد الهند، ثم أحب أن يطلق جيبالا ليراه الهنود في شعار الذل، فأطلقه على مال قرره عليه، فأدى جيبال المال، ومن عادة الهنود أنه من حصل منهم في أيدى المسلمين أسيرا لم يعقد له بعدها رئاسة، فلما رأى جيبال حاله بعد خلاصه حلق رأسه، وألقى نفسه في النار، فاحترق.
ثم سار محمود نحو ويهند «٢» ، فحاصرها، وأخذها عنوة، ثم بلغه أن طائفة من الهند اجتمعوا في شعاب تلك الجبال، فجهز إليهم من عساكره من قتلهم، فلم يسلم منهم إلا الشريد، وعاد إلى غزنة مؤيدا منصورا سالما ظافرا.
ذكر ملكه سجستان
وفي سنة تسعين وثلاثمائة «٣» ملك يمين الدولة سجستان، وانتزعها من خلف ابن أحمد؛ وكان سبب ذلك أن يمين الدولة لما رحل عن خلف بعد مصالحته على المال كما قدمناه عهد خلف لولده طاهر، وسلم إليه مملكته، وانقطع للاشتغال بالعلم، وإنما فعل ذلك ليظهر ليمين الدولة
стр. 9895
تخلّية عن الملك لينقطع طمعه عن بلاده، فعفّه ولده، واستقلّ بالملك، فأخذ أبوه يلاطفه، وادعى المرض، فزاره ابنه طاهر، فقبض عليه، وسجنه إلى أن مات في سجنه، فتغير العسكر لذلك، وكاتبوا يمين الدولة في تسليم سجستان إليه، فجهّز من تسلمها، وقصد خلفا، وهو في حصن الطاق «١» ، وهذا الحصن له سبعة أسوار محكمة يحيط بها خندق عريض لا يعبر إليها إلا من جسر منه، فرفع الجسر فأمر يمين الدولة بطم الخندق بالأخشاب والتراب، فطموا منه ما يعبرون عليه إلى السور، وتقدم الفيل الكبير إلى باب السور واقتلعه بنابيه، وملك سورا بعد سور، فطلب خلف الأمان، فأمنه وحضر إليه، فأكرمه، وملك الحصن، وخير خلفا في المقام حيث شاء، فاختار أرض الجوزجان، فسيره إليها مكرما، فأقام نحو أربع سنين، ثم بلغ يمين الدولة أنه كاتب [إيلك خان] «٢» ملك ما وراء النهر يحثه على قصد يمين الدولة، فنقله إلى جردين، فكان بها إلى أن مات في شهر رجب سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، فسلم محمود جميع ما خلفه إلى ولده أبى حفص، وكان خلف هذا من العلماء، وله كتاب صنفه في تفسير القرآن العظيم من أكبر كتب التفاسير. قال: ولما ملك يمين الدولة سجستان استخلف عليها أميرا كبيرا من أمرائه يسمى قنجى الحاجب، ثم أقطعها لأخيه نصر بن سبكتكين مضافة إلى نيسابور.
والله أعلم.
стр. 9896
ذكر غزوة بهاطية، وملكها
وفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة غزا يمين الدولة بهاطيه من أعمال الهند، وهى وراء [المولتان] «١» ، وصاحبها بجراء «٢» . وهى مدينة حصينة عالية السور يحيطها خندق عميق، فامتنع صاحبها، ثم ظهر، فقاتل ثلاثة أيام، وانهزم في اليوم الرابع، وقصد المدينة، فسبقه المسلمون إلى بابها، وملكوها، فهرب بخاصته إلى رءوس الجبال، فجهز إليه يمين الدولة من يقاتله، فلما رأى الغلبة قتل نفسه بخنجر، وأقام يمين الدولة ببهاطية حتى أصلح أحوالها، وعاد عنها بعد أن ترك بها من يثق به، ومن يعلّم من أسلم شرائع الإسلام، ولقى في عوده شدة كثيرة «٣» من كثرة الأمطار، وزيادة الأنهار، وغرق من عسكره خلق كثير.
ذكر غزوة المولتان
وفي سنة ست وتسعين وثلاثمائة بلغ يمين الدولة أن أبا الفتوح والى المولتان خبث اعتقاده، ونسب إلى الإلحاد، وأنه دعا أهل ولايته إلى ذلك، فأجابوه، فرأى أن يغزوه، فسار نحوه، فرأى الأنهار
стр. 9897
التى في طريقه كثيرة الزيادة لا سيما (سيحون) فأرسل إلى آننديال «١» عظيم الهند يطلب إذنه في العبور ببلاده إلى المولتان، فلم يجب إلى ذلك، فابتدأ محمود به، وجاس خلال بلاده، وأكثر فيها النهب والقتل والإحراق، ففر آننديال بين يديه، وتبعه إلى أن وصل إلى قشمير، فلما سمع أبو الفتوح بمقدم يمين الدولة علم العجز عنه، فنقل أمواله إلى سرنديب، وأخلى المولتان، فوصل يمين الدولة إليها، وملكها عنوة، وألزم أهلها عشرين ألف «٢» درهم عقوبة لعصيانهم.
ذكر غزوة كواكير «٣»
قال: ثم سار إلى قلعة كواكير، وكان صاحبها يعرف ببيدا، وكان بها ستمائة صنم فاقتحمها، وحرق الأصنام، فهرب صاحبها إلى قلعته المعروفة «بكالنجار «٤» » ، فسار خلفه إليها، وهى حصن عظيم بسع خمسمائة ألف إنسان، وفيه خمسمائة فيل، وعشرون ألف دابة:
وفيه من الأقوات ما يكفى الجميع مدة، فلما صار منه على سبعة فراسخ رأى من الغياض «٥» ما يمنعه عن سلوك الطريق، فأمر بقطعها،
стр. 9898
فقطعت، ورأى في الطريق واديا عظيم العمق بعيد القعر، فأمر أن يطم «١» بالجلود المملوءة بالتراب فطموه، ووصلوا القلعة، فحاصرها ثلاثة وأربعين يوما، فراسله صاحبها في الصلح، فامتنع عليه، ثم بلغه عن خراسان اختلاف بسبب قصد [إيلك خان] «٢» ، فصالحه على خمسمائة فيل وثلاثة آلاف منّ من الفضة، ولبس خلعة يمين الدولة بعد أن استعفى من شد المنطقة، فلم يعفه، وشدها، وقطع خنصره، وأنفذها ليمين الدولة، توثقة فيما يعتقدونه على عادة الهنود، وعاد يمين الدولة إلى خراسان.
ذكر عبور عسكر ايلك خان الى خراسان
كان يمين الدولة لما ملك خراسان من السامانية، ومالك إيلك خان ما وراء النهر منهم تراسلا، وتوافقا، وتزوج يمين الدولة ابنة [إيلك خان] وانعقدت بينهما مصاهرة ومصالحة، فلم تزل السعاة حتى أفسدوا ذات بينهما، وكتم [إيلك خان] ما في نفسه، فلما سار يمين الدولة إلى المولتان اغتنم [إيلك خان] غيبته عن البلاد، فسيّر سباشى تكين صاحب جيشه إلى خراسان، وذلك في سنة ست وتسعين وثلاثمائة في معظم جنده، وجهز أخاه جعفر تكين إلى بلخ في عدة من الأمراء، وكان يمين الدولة قد جعل بهراة أميرا من أمرائه يقال له أرسلان: الجاذب،
стр. 9899
وأمره إذا ظهر «١» عليه مخالف ينحاز إلى غزنة، فلما عبر سباشى تكين إلى خراسان سار أرسلان إلى غزنة، وملك سباشى هراه، وأرسل إلى نيسابور من استولى عليها، فوصلت الأخبار يمين الدولة وهو بالهند، فعاد لا يلوى على شىء، فلما قارب غزنة فرق الأموال في عساكره، وقواهم، واستنفر الأتراك الخلجيه، فجاءه منهم خلق كثير، فسار بهم إلى نحو بلخ، وبها جعفر تكين أخو [إيلك خان] ، فعبر إلى تزمذو ونزل نحو «مرو» ليعبر النهر، فقاتله [التركمان] «٢» ، فهزمهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة. ثم سار نحو [أبيورد] «٣» ، فتبعه عسكر يمين الدولة، فوصل إلى جرجان، فأخرج عنها، ثم عاد إلى خراسان، فعارضة- يمين الدولة، فمنعه من قصده وأسرا «٤» أخو سباشى تكين، وجماعة من قواده، ونجا هو في بعض أصحابه، فعبر النهر، وانهزم من كان ببلخ مع جعفر تكين «٥» ، وتسلم يمين الدولة خراسان.
стр. 9900
ذكر انهزام ايلك خان من يمين الدولة
قال: ولما أخرج يمين «١» الدولة عساكر [إيلك خان] من خراسان راسل [إيلك خان] «٢» قدر خان ابن بغراخان ملك الختن «٣» لقرابة بينهما، واستعان به، فاستنفر الترك من أقاصى بلادها، وسار نحو خراسان، واجتمع هو [وإيلك خان] فعبروا النهر، واتصل خبرهم بيمين الدولة، وهو بطخارستان، فسبقهما إلى بلخ، واستعد للحرب، وجمع الترك الغزية والخلج والهند والأفغانية والغزنوية «٤» ، وخرج عن بلخ، فعسكر على فرسخين منها «٥» بمكان فسيح، وقدم [إيلك خان] ، وقدرخان فى عساكرهما، ونزلوا بإزائه، واقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل، فلما كان الغد برز بعضهم لبعض، فاقتتلوا، فاعتزل يمين الدولة على نشر مرتفع ينظر إلى الحرب، ونزل عن دابته، وعفرّ وجهه على الصعيد تواضعا لله تعالى، وسأل النصر والظفر، ثم حمل [بفيلته] «٦» على قلب عسكر [إيلك خان] ، فأزاله عن مكانه، ووقعت الهزيمة، وتبعهم
стр. 9901
أصحاب يمين الدولة يقتلون «١» ، ويأسرون، ويغنمون، إلى أن عبروا النهر. وأكثر الشعراء القول في تهنئة يمين الدولة بهذا الفتح، وذلك فى سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.
ذكر غزوه الهند وعوده
قال: ولما فرغ يمين الدولة من حرب الترك بلغه أن بعض أولاد ملوك الهند واسمه نواسد «٢» شاه، وكان قد أسلم على يد يمين الدولة، واستخلفه على بعض ما افتتحه من بلادهم ارتد عن الإسلام، وعاد إلى الكفر، فسار إليه مجدا، فحين بلغ الهندى قربه فرّ من بين يديه، واستعاد يمين الدولة البلاد، واستخلف عليها بعض أصحابه، وعاد إلى غزنة في السنة المذكورة.
ذكر غزوة بهيم نغز «٣» وما غنمه من الأموال وغيرها
وفي سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة استعد يمين الدولة لغزو الهند وسار في شهر ربيع الآخر من السنة، فانتهى إلى شاطى، [نهرويهند] «٤» ، فلاقاه هناك ابرهمن نال بن آننديال «٥» فى جيوش الهند، فاقتتلوا مليا من النهار، وكادت الهند تظفر بالمسلمين، ثم كان الظفر للمسلمين،
стр. 9902
فانهزم الهند على أعقابهم، وأخذهم السيف، وتبع يمين الدولة الملك حتى بلغ بهيم نغر، وهى على جبل عال كان الهند قد جعلوها خزانة لصنمهم الأعظم، فينقلون إليها أنواع الذخائر قرنا بعد قرن، وهم يرون ذلك تقربا لآلهتهم وعبادة، فقاتلهم عليها، وحصرها، ووالى الحصار، فلما رأى الهنود كثرة جموعه، وشدة قتاله جبنوا، وطلبوا الأمان، وفتحوا باب الحصن، فملكه المسلمون، فصعد يمين الدولة إليه في خواص أصحابه وثقاته، فأخذ من الجواهر ما لا يحدّ، ومن الدراهم تسعين ألف ألف درهم شاهية، ومن الأوانى الذهب والفضة سبعمائة ألف وأربعمائة منّ. وكان في الحصن بيت مملوء من الفضة طوله ثلاثون ذراعا وعرضه خمسة عشر ذراعا، فأخذ جميع «١» ما فيه إلى غير ذلك من الأمتعة، وعاد إلى غزنة بهذه الغنائم، ففرش الجواهر في صحن داره، وكان قد اجتمع عنده رسل الملوك، فشاهدوا ما لم يسمعوا بمثله.
وفي سنة أربعمائه. غزا «٢» يمين الدولة الهند وأحرقها، واستباحها، ونكس أصنامها، فلما رأى ملك الهند أنه لا قوة له به راسله في الصلح والهدنة على مال يؤديه إليه وخمسين فيلا، وأن يكون له في خدمة يمين الدولة ألفا فارس لا يزالون، فقبض ذلك منه، وصالحه، وعاد إلى غزنه.
стр. 9903
ذكر غزوة بلاد الغور واستيلائه عليها
وبلاد الغور تجاور غزنه، وهى جبال منيعة، ومضايق، وكان أهلها قد كثر فسادهم، وتعديهم يقطعون الطريق ويخيفون السبيل، فأنف يمين الدولة من ذلك، فسار إليهم في سنة إحدى وأربعمائة، وقاتلهم أشد قتال، ثم سار إلى عظيم الغورية المعروف بابن سورى وهو بمدينة آهنكران، فبرز من المدينة في عشرة آلاف مقاتل، فقاتلهم إلى أن انتصف النهار، فأمر يمين الدولة أن ينهزم المسلمون، فانهزموا وتبعهم ابن سورى حتى أبعدوا عن المدينة، ثم عطف المسلمون على الغوريه، ووضعوا فيهم السيف، وملك المدينة، وأسر بن سورى، فشرب سمّا كان معه، فمات، وأظهر يمين الدولة شعائر الإسلام في بلاد الغور، وجعل عندهم من يعلمهم شعائر الإسلام وشرائعهم. ثم سار إلى طائفة أخرى من الكفار، فقطع مفازة رمل، ولحق عساكره عطش عظيم حتى كادوا يهلكون بسببه، فأرسل الله تعالى عليهم مطرا سقاهم، وسهل عليهم سلوك الرمل، فوصلوا إلى الكفار ومعهم ستمائة فيل، فقاتلهم أشد قتال كان الظفر فيه للمسلمين، وانهزم الكفار، وأخذ غنائمهم وعاد سالما.
стр. 9904
ذكر ملكه قصدار
وفي سنة اثنتين وأربعمائة ملك يمين الدولة قصدار. وسبب ذلك أن ملكها كان قد صالحه على قطيعة «١» فى كل سنة يؤديها إلى يمين الدولة، ثم قطعها اغترارا بحصانة بلده، وكثرة المضايق في الطريق إليه، واحتمى [بإيلك خان] ، وكان يمين الدولة إذا قصد المسير إليه رجع عن ذلك إبقاء لمودة [إيلك خان] ، فلما فسد ما بينهما سار إليها في جمادى الأول من السنة، فسبق خبره، فلم يشعر صاحبها إلا وعسكر يمين الدولة قد أحاط به ليلا، فطلب الأمان، فأجابه إليه، وأخذ منه ما كان قد اجتمع عنده من المال، وأقره على ولايته وعاد. وفي سنة ثلاث وأربعمائة كانت وفاة [إيلك خان] ، وولاية أخيه طغان خان، وكان قد تجهز للعود إلى خراسان لقتال يمين الدولة. فلما مات طغان خان راسل يمين الدولة، وتصالحا، واتفقا أن كلا منهما يستقل «٢» بغزو من يليه من الكفار، فكان يمين الدولة يقاتل الهند، وطغان خان يقاتل الكفار.
ذكر فتح ناردين
[وفي] «٣» سنة أربع وأربعمائة سار يمين الدولة إلى الهند، فسار شهرين حتى قارب مقصده، فسمع عظيم الهند به فجمع، وبرز إلى جبل صعب
стр. 9905
المرتقى، فاحتمى به، وطاول «١» المسلمين، وكتب إلى الهنود، فاجتمع إليه كل من حمل السلاح، فلما تكاملت عدته نزل من الجبل والتقوا، واقتتلوا، واشتد القتال، فهزمهم المسلمون، وأكثروا فيهم القتل، وغنموا ما معهم من مال وفيلة وسلاح. ولما عاد إلى غزنة أرسل إلى القادر بالله يطلب منه منشورا وعهدا بولاية خراسان وما بيده من الممالك، فكتب له ولقب نظام الدين «٢» .
ذكر غزوة تانيشر «٣»
قال: وذكر ليمين الدولة أن بناحية تانيشر فيلة من جنس فيلة الصليمان الموصوفة في الحرب، وأن صاحبها غال في الكفر، فعزم على غزوه، فسار في سنة خمس وأربعمائة، فلقى في طريقه أودية بعيدة القعر وعرة المسالك، وقفارا فسيحة الأطراف قليلة المياه، فقاسى شدة، ومشقة عظيمة، فلما قارب المقصد لقى نهرا شديد الجرية صعب المخاضة، وقد وقف صاحب تلك البلاد على طرفه يمنع من عبوره ومعه عساكره وفيلته التى كان يدلّ بها، فأمر يمين الدولة شجعان عسكره بعبور النهر، ففعلوا ذلك، وشغل الهنود بالقتال عن حفظ النهر، فما كان إلا وقد عبر سائر العسكر،
стр. 9906
وقاتلوهم من جميع جهاتهم إلى آخر النهار. فانهزم الهنود، وغنم المسلمون ما معهم من الأموال والفيلة، وعاد إلى غزنة.
ذكر قتل خوارزم شاه وملك يمين الدولة خوارزم
وفي سنة سبع وأربعمائة قتل خوارزم شاه أبو العباس [مأمون] «١» بن مأمون. وسبب ذلك أنه كان قد ملك خوارزم الجرجانية «٢» ، وحضر عند يمين الدولة، وتزوج أخته، ثم بعث إليه يمين الدولة أن يخطب له على منابر بلاده، فأجابه إلى ذلك، واستشار أمراءه، فغضبوا من ذلك، وامتنعوا منه، وتهددوه بالقتل إن فعل، فعاد الرسول إلى يمين الدولة، وأخبره بما شاهده، ثم خافه الأمراء فقتلوه غيلة، ولم يعلم قاتله، وأجلسوا أحد أولاده مكانه، وتعاهدوا على قتال يمين الدولة إن قصدهم، واتصل الخبر به، فجمع العساكر، وسار نحوهم والتقوا، واشتدت الحرب، فثبت الخوارزمية إلى نصف النهار ثم انهزموا، فأخذهم السيف، ولم يبق منهم إلا القليل. وجمع من أسر منهم وسيرهم إلى أطراف بلاده بالهند، وملك يمين الدولة خوارزم، واستناب بها حاجبه التونتاش «٣» .
стр. 9907
ذكر غزوة قشمير وقنوج «١» وغيرهما من الهند
وفي سنة سبع وأربعمائة أيضا بعد فراغ يمين الدولة من خوارزم سار إلى غزنة، ثم منها إلى الهند عازما على غزو قشمير، واجتمع له من المتطوعة من بلاد ما وراء النهر وغيره نحو عشرين ألف مقاتل، وسار من غزنة إليها سيرا دائما في ثلاثة أشهر، وعبر نهر سيحون، [وجيلم] «٢» ، وهما نهران عميقان شديدا الجرية، ووطىء أرض الهند، وأتته رسل ملوكها بالطاعة، وبذل الأتاوة، فلما بلغ درب قشمير أتاه صاحبها «٣» وأسلم على يده، وسار بين يديه إلى مقصده، فبلغ [ماء جون] «٤» في العشرين من شهر رجب، وفتح ما حولها من الحصون المنيعة، حتى بلغ حصن هودب، «٥» وهو أحد ملوك الهند فنظر «هودب» من أعلى حصنه، فرأى من العساكر ما هاله، فعلم أنه لا ينجيه إلا الإسلام، فنزل في نحو عشرة آلاف ينادون بكلمة الإخلاص، فأقبل عليه يمين الدولة وأكرمه وسار عنه إلى قلعة كلجند «٦» ، وهو من أعيان الهند، وكان على طريقه غياض ملتفة لا يقدر السالك على قطعها إلا بمشقة،
стр. 9908
فسير كلجند عساكره وفيلته إلى أطراف تلك الغياض يمنعون من سلوكها، فترك يمين الدولة عليهم من يقاتلهم، وسلك طريقا مختصرا إلى الحصن، فلم يشعروا به إلا وهو معهم، فقاتلهم قتالا شديدا، فانهزموا وأخذهم السيف من ورائهم، ولقوا نهرا عميقا، فاقتحموه، فغرق أكثرهم، فكان القتلى والغرقى قريبا من خمسين ألفا. وعمد كلجند إلى زوجته، فقتلها ثم قتل نفسه. وغنم المسلمون أمواله وملكوا حصونه. ثم سار نحو بيت متعبد لهم وهو «مهرّة» «١» بالهند، وهو من أحصن الأبنية على نهر، ولهم فيه كثير من الأصنام من جملتها خمسة أصنام من الذهب الأحمر مرصعة بالجوهر زنتها ستمائة ألف وسبعون ألف وثلاثمائة مثقال، وبه من الأصنام المصوغة من الفضة نحو مائتى صنم، فأخذ يمين الدولة جميع ذلك، وأحرق الباقى، وسار نحو قنوّج وصاحبها جيبال، فوصل إليها في شعبان، فرأى صاحبها قد فارقها وعبر النهر المعروف بنهر الكنك، وهو نهر شريف معظم عندهم- وتقدّم خبره في باب الأنهار- فأخذها يمين الدولة وسائر قلاعها وأعمالها وهى على النهر المذكور، وفيها قريب من عشرة آلاف بيت «٢» صنم يذكرون أنها عملت من مائتى ألف إلى ثلاثمائة ألف سنة كذبا منهم. ولما افتتحها أباحها عسكره. ثم سار إلى قلعة البراهمة، فقاتلهم فثبتوا، واستسلموا للقتل، فقتلوا، ولم ينج منهم إلا القليل. ثم سار نحو قلعة آسى «٣» وصاحبها جندياك، فلما قاربها
стр. 9909
هرب صاحبها، فأخذها يمين الدولة بما فيها، ثم سار إلى قلعة شروه «١» وصاحبها جندارى، فلما قاربه نقل ماله وفيلته إلى جبال هناك منيعة، فنازل يمين الدولة حصنه وافتتحه، وغنم ما فيه وسار في طلب جندارى جريدة، فلحقه في آخر شعبان فقاتله، وقتل رجاله، وأسر كثيرا منهم، وغنم ما معه من مال وفيلة، ونجا جذارى في نفر يسير من أصحابه. ثم عاد يمين الدولة إلى غزنة، فبنى بها الجامع الذى لم يسمع بمثله، وأنفق ما غنم في هذه الغزوة على بنائه. والله أعلم بالصواب.
ذكر أخبار الملوك الخانية بما وراء النهر والأتراك
وفي سنة ثمان وأربعمائة خرج الترك من الصين، وسبب ذلك أن طغان خان مرض مرضا شديدا، وطال به المرض، فطمعوا في البلاد، وساروا من الصين في عدد يزيد على ثلاثمائة ألف خركاه من أجناس الترك منهم الخطا الذين ملكوا ما وراء النهر، فساروا إلى أن قربوا من بلا ساغون «٢» ، وبقى بينهم وبينها ثمانية أيام واستولوا على أطراف البلاد، فسأل طغان خان الله تعالى أن يعافيه لينتقم منهم.
ويحمى البلاد، ثم يفعل به ما يشاء. فعافاه الله تعالى، فجمع العساكر واستنفر جميع بلاد الإسلام، فاجتمع له من المتطوعة مائة ألف وعشرون ألف مقاتل، فلما بلغ الترك ذلك رجعوا، فسار خلفهم نحو ثلاثة أشهر، فأدركهم وهم آمنون، فكبسهم، وقتل منهم زيادة على مائتى ألف رجل
стр. 9910
وأسر نحو مائة ألف، وغنم من الدواب، والخركاهات، والأوانى الذهبية والفضية، ومعمول الصين ما لا عهد بمثله، وعاد إلى بلا ساغون، فعاوده المرض، فمات رحمه الله تعالى. وكان عادلا خيرّا دينا يحب العلم وأهلة، ويميل لأهل الدين، ويصلهم ويقربهم.
ولما مات ملك بعده أخوه أبو المظفر أرسلان خان، ولقبه شرف الدولة، فحالف عليه قدرخان يوسف بن بغراخان هارون بن سليمان، وكان ينوب عن طغان خان بسمرقند، وكاتب يمين الدولة يستنجده على أرسلان، فعقد يمين الدولة على نهر جيحون جسرا من السفن، وضبطه بالسلاسل وعبر عليه، ولم تكن تعرف الجسور قبل ذلك هناك، فلما عبر النهر اتفق قدرخان وأرسلان خان وتعاقدا على قصد بلاد يمين الدولة واقتسامها، فعاد يمين الدولة إلى بلاده، وسار قدرخان وأرسلان خان «١» إلى بلخ والتقوا بيمين الدولة واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر فيه ليمين الدولة عليهما، فعادا وعبرا جيحون، وكان من غرق منهم أكثر ممن نجا.
ذكر أخبار قدرخان وأولاده
كان قدرخان يوسف بن بغراخان هارون بن سليمان عادلا حسن السيرة كثير الجهاد، فمن فتوحه «ختن» ، وهى بلاد بين الصين وتركستان، كثيرة العلماء والفضلاء واستمر إلى سنة
следующие страницы →