← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9906–9945 · переход к 9911.

стр. 9906

وقاتلوهم من جميع جهاتهم إلى آخر النهار. فانهزم الهنود، وغنم المسلمون ما معهم من الأموال والفيلة، وعاد إلى غزنة. ذكر قتل خوارزم شاه وملك يمين الدولة خوارزم وفي سنة سبع وأربعمائة قتل خوارزم شاه أبو العباس [مأمون] «١» بن مأمون. وسبب ذلك أنه كان قد ملك خوارزم الجرجانية «٢» ، وحضر عند يمين الدولة، وتزوج أخته، ثم بعث إليه يمين الدولة أن يخطب له على منابر بلاده، فأجابه إلى ذلك، واستشار أمراءه، فغضبوا من ذلك، وامتنعوا منه، وتهددوه بالقتل إن فعل، فعاد الرسول إلى يمين الدولة، وأخبره بما شاهده، ثم خافه الأمراء فقتلوه غيلة، ولم يعلم قاتله، وأجلسوا أحد أولاده مكانه، وتعاهدوا على قتال يمين الدولة إن قصدهم، واتصل الخبر به، فجمع العساكر، وسار نحوهم والتقوا، واشتدت الحرب، فثبت الخوارزمية إلى نصف النهار ثم انهزموا، فأخذهم السيف، ولم يبق منهم إلا القليل. وجمع من أسر منهم وسيرهم إلى أطراف بلاده بالهند، وملك يمين الدولة خوارزم، واستناب بها حاجبه التونتاش «٣» .

стр. 9907

ذكر غزوة قشمير وقنوج «١» وغيرهما من الهند وفي سنة سبع وأربعمائة أيضا بعد فراغ يمين الدولة من خوارزم سار إلى غزنة، ثم منها إلى الهند عازما على غزو قشمير، واجتمع له من المتطوعة من بلاد ما وراء النهر وغيره نحو عشرين ألف مقاتل، وسار من غزنة إليها سيرا دائما في ثلاثة أشهر، وعبر نهر سيحون، [وجيلم] «٢» ، وهما نهران عميقان شديدا الجرية، ووطىء أرض الهند، وأتته رسل ملوكها بالطاعة، وبذل الأتاوة، فلما بلغ درب قشمير أتاه صاحبها «٣» وأسلم على يده، وسار بين يديه إلى مقصده، فبلغ [ماء جون] «٤» في العشرين من شهر رجب، وفتح ما حولها من الحصون المنيعة، حتى بلغ حصن هودب، «٥» وهو أحد ملوك الهند فنظر «هودب» من أعلى حصنه، فرأى من العساكر ما هاله، فعلم أنه لا ينجيه إلا الإسلام، فنزل في نحو عشرة آلاف ينادون بكلمة الإخلاص، فأقبل عليه يمين الدولة وأكرمه وسار عنه إلى قلعة كلجند «٦» ، وهو من أعيان الهند، وكان على طريقه غياض ملتفة لا يقدر السالك على قطعها إلا بمشقة،

стр. 9908

فسير كلجند عساكره وفيلته إلى أطراف تلك الغياض يمنعون من سلوكها، فترك يمين الدولة عليهم من يقاتلهم، وسلك طريقا مختصرا إلى الحصن، فلم يشعروا به إلا وهو معهم، فقاتلهم قتالا شديدا، فانهزموا وأخذهم السيف من ورائهم، ولقوا نهرا عميقا، فاقتحموه، فغرق أكثرهم، فكان القتلى والغرقى قريبا من خمسين ألفا. وعمد كلجند إلى زوجته، فقتلها ثم قتل نفسه. وغنم المسلمون أمواله وملكوا حصونه. ثم سار نحو بيت متعبد لهم وهو «مهرّة» «١» بالهند، وهو من أحصن الأبنية على نهر، ولهم فيه كثير من الأصنام من جملتها خمسة أصنام من الذهب الأحمر مرصعة بالجوهر زنتها ستمائة ألف وسبعون ألف وثلاثمائة مثقال، وبه من الأصنام المصوغة من الفضة نحو مائتى صنم، فأخذ يمين الدولة جميع ذلك، وأحرق الباقى، وسار نحو قنوّج وصاحبها جيبال، فوصل إليها في شعبان، فرأى صاحبها قد فارقها وعبر النهر المعروف بنهر الكنك، وهو نهر شريف معظم عندهم- وتقدّم خبره في باب الأنهار- فأخذها يمين الدولة وسائر قلاعها وأعمالها وهى على النهر المذكور، وفيها قريب من عشرة آلاف بيت «٢» صنم يذكرون أنها عملت من مائتى ألف إلى ثلاثمائة ألف سنة كذبا منهم. ولما افتتحها أباحها عسكره. ثم سار إلى قلعة البراهمة، فقاتلهم فثبتوا، واستسلموا للقتل، فقتلوا، ولم ينج منهم إلا القليل. ثم سار نحو قلعة آسى «٣» وصاحبها جندياك، فلما قاربها

стр. 9909

هرب صاحبها، فأخذها يمين الدولة بما فيها، ثم سار إلى قلعة شروه «١» وصاحبها جندارى، فلما قاربه نقل ماله وفيلته إلى جبال هناك منيعة، فنازل يمين الدولة حصنه وافتتحه، وغنم ما فيه وسار في طلب جندارى جريدة، فلحقه في آخر شعبان فقاتله، وقتل رجاله، وأسر كثيرا منهم، وغنم ما معه من مال وفيلة، ونجا جذارى في نفر يسير من أصحابه. ثم عاد يمين الدولة إلى غزنة، فبنى بها الجامع الذى لم يسمع بمثله، وأنفق ما غنم في هذه الغزوة على بنائه. والله أعلم بالصواب. ذكر أخبار الملوك الخانية بما وراء النهر والأتراك وفي سنة ثمان وأربعمائة خرج الترك من الصين، وسبب ذلك أن طغان خان مرض مرضا شديدا، وطال به المرض، فطمعوا في البلاد، وساروا من الصين في عدد يزيد على ثلاثمائة ألف خركاه من أجناس الترك منهم الخطا الذين ملكوا ما وراء النهر، فساروا إلى أن قربوا من بلا ساغون «٢» ، وبقى بينهم وبينها ثمانية أيام واستولوا على أطراف البلاد، فسأل طغان خان الله تعالى أن يعافيه لينتقم منهم. ويحمى البلاد، ثم يفعل به ما يشاء. فعافاه الله تعالى، فجمع العساكر واستنفر جميع بلاد الإسلام، فاجتمع له من المتطوعة مائة ألف وعشرون ألف مقاتل، فلما بلغ الترك ذلك رجعوا، فسار خلفهم نحو ثلاثة أشهر، فأدركهم وهم آمنون، فكبسهم، وقتل منهم زيادة على مائتى ألف رجل

стр. 9910

وأسر نحو مائة ألف، وغنم من الدواب، والخركاهات، والأوانى الذهبية والفضية، ومعمول الصين ما لا عهد بمثله، وعاد إلى بلا ساغون، فعاوده المرض، فمات رحمه الله تعالى. وكان عادلا خيرّا دينا يحب العلم وأهلة، ويميل لأهل الدين، ويصلهم ويقربهم. ولما مات ملك بعده أخوه أبو المظفر أرسلان خان، ولقبه شرف الدولة، فحالف عليه قدرخان يوسف بن بغراخان هارون بن سليمان، وكان ينوب عن طغان خان بسمرقند، وكاتب يمين الدولة يستنجده على أرسلان، فعقد يمين الدولة على نهر جيحون جسرا من السفن، وضبطه بالسلاسل وعبر عليه، ولم تكن تعرف الجسور قبل ذلك هناك، فلما عبر النهر اتفق قدرخان وأرسلان خان وتعاقدا على قصد بلاد يمين الدولة واقتسامها، فعاد يمين الدولة إلى بلاده، وسار قدرخان وأرسلان خان «١» إلى بلخ والتقوا بيمين الدولة واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر فيه ليمين الدولة عليهما، فعادا وعبرا جيحون، وكان من غرق منهم أكثر ممن نجا. ذكر أخبار قدرخان وأولاده كان قدرخان يوسف بن بغراخان هارون بن سليمان عادلا حسن السيرة كثير الجهاد، فمن فتوحه «ختن» ، وهى بلاد بين الصين وتركستان، كثيرة العلماء والفضلاء واستمر إلى سنة

стр. 9911

ثلاث وعشرين وأربعمائة، فتوفى. وكان يديم الصلاة في الجماعة. ولما توفى ملك أولاده بعده، واقتسموا البلاد، فملك أبو شجاع أرسلان خان، ولقبه شرف الدولة، كاشغر، وختن «١» ، وبلاساغون. وخطب له على منابرها. قيل: ولم يشرب الخمر قط. وكان ديّنا مكرما للعلماء، وأهل الدين يقصدونه من كل جهة، ويصلهم ويحسن إليهم. وملك بغراخان بن قدرخان طراز وأسبيجاب «٢» فقصد أخاه أرسلان خان وحاربه، وأسره وحبسه إلى أن مات. وملك بلاده، ثم عهد بغراخان بن قدر خان بالملك لولده الأكبر واسمه حسين جغرتكين. وكان لبغراخان امرأة له منها ولد صغير، فغاظها ذلك فسمّت بغراخان، فمات هو وعدّة من أهله. وخنقت أخاه أرسلان خان بن قدرخان، وذلك في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، وقتلت وجوه أصحابه، وملّكت ابنها واسمه إبراهيم، وسيرّته في جيش إلى مدينة برسخان «٣» ، وصاحبها ينالتكين، فظفر به ينالتكين وقتله،

стр. 9912

وانهزم عسكره إلى أمه. [واختلف] «١» أولاد بغراخان، فقصدهم طفغاج خان. ذكر ملك طفغاج خان وولده هو أبو المظفر إبراهيم بن نصر بن [إيلك] ، ويلقب عماد الدولة، كان بيده سمرقند وفرغانه، وكان أبوه زاهدا متعبدا، وهو الذى ملك سمرقند، وورثها طفغاج هذا منه، وكان طفغاج متديّنا لا يأخذ مالا حتى يستغنىّ العلماء، وورد عليه أبو شجاع العلوى الواعظ. وكان من الزهّاد، فوعظه، وقال: إنّك لا تصلح للملك، فأغلق طفغاج بابه، وعزم على ترك الملك، فاجتمع عليه أهل البلد، وقالوا: قد أخطأ الواعظ، والقيام بأمورنا متعيّن عليك، ففتح بابه، واستمر في الملك إلى سنة ستّين وأربعمائة، ففلج، ثم مات. وكان في حياته قد جعل الملك في ولده شمس الملك نصر، فقصده أخوه طغان خان بن طفغاج، وحصره بسمرقند، فاجتمع أهلها إلى شمس الملك، وقالوا له: إن طغان خان قد خرب ضياعنا «٢» وأفسدها، ولو كان غيره ساعدناك عليه. ونحن لا ندخل بينكما، فوعدهم المناجزة، وخرج من البلد نصف الليل في خمسمائة غلام، فكبس أخاه، وهو غير متحفّظ فهزمه. وكان هذا وأبوهما باق، ثم قصده هارون بن بغراخان بن قدرخان، وطغرل قراخان. وكان طفغاج خان قد استولى

стр. 9913

على ممالكهما «١» ، فقصدا سمرقند فلم يظفرا بشىء، فصالحا شمس الملك، وعادا فصارت الأعمال المتاخمه لنهر جيحون لشمس الملك، وأعمال الخافقة في أيديهما، والحد بينهما خجندة «٢» . ثم مات شمس الملك، فملك بعده أخوه خضرخان، ثم مات، فملك بعده ابنه أحمدخان، وهو الذى قبض عليه السلطان ملكشاه السلجقى، ثم أعاده إلى ولايته، وأحمد هذا هو ابن أخى تركان خاتون زوجة السلطان ملكشاه، وكان أحمدخان قبيح الصورة والفعل كثير المصادرات، فنفّر الرعية منه، وكاتبوا السلطان ملكشاه السلجقى، واستغاثوا به «٣» ، وسألوه أن يقدم عليهم ليملك بلادهم، فعبر ما وراء النهر في سنة اثنين وثمانين وأربعمائة، وملك بخارى. وما جورها، ثم سار إلى سمرقند، فملكها، وهرب أحمد خان، واختفى في بيوت بعض العامة، فغمز عليه، وحمل إلى السلطان، وفي عنقه حبل، فأكرمه السلطان. وأرسله إلى أصفهان، واستولى ملكشاه على سمرقند وبخارى، واستعمل عليها من قبله على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة السلجقية. ثم ملك محمودخان. وكان جدّه من ملوكهم. وكان أصم، فقصده طغان خان صاحب طراز، فقتله. واستولى على الملك. واستناب بسمرقند أبا المعالى محمد بن محمد ابن زيد العلوى البغدادى، فأقام ثلاث سنين وعصى على طغان خان.

стр. 9914

فحاصره، وقتله، وقتل معه خلقا كثيرا، ثم خرج طغان خان إلى ترمذ يريد خراسان، فلقيه السلطان سنجر السلجقى، فظفر به وقتله، وصار له أعمال ما وراء النهر، فاستناب بها محمد خان بن كمشتكين بن إبراهيم بن طفغاج خان، فأخذها منه عمرخان، وملك سمرقند ثم هرب من جنده، وقصد خوارزم، فظفر به السلطان سنجر، وولى محمدخان سمرقند، وولى محمد تكين بن طغان تكين بخارى. هؤلاء ملوك سمرقند وما والاها. وأما كاشغر وهى مدينة تركستان، فإنها كانت لأرسلان خان بن يوسف قدرخان، ثم صارت بعده لمحمود [بغرا] «١» خان صاحب طراز [والشاش] خمسة عشر شهرا، ثم مات، فولى بعده طغراخان بن يوسف واستولى على الملك، وملك بلاساغون، وكان ملكه ستة عشر سنة. ثم توفى، وملك ابنه طغرل تكين فأقام شهرين، ثم أتى هارون بغراخان أخو يوسف طغرل خان بن طفغاج [بغراخان] » ، وعبر كاشغر، وقبض على هارون، وأطاعه عسكره، وملك كاشغر وختن، وما يتصل بها إلى بلاساغون، وأقام في الملك عشرين «٣» سنة، وتوفى في سنة ست وتسعين وأربعمائة، فولى بعده «٤» ابنه أحمد أرسلان خان، وراسل الخليفة المستظهر بالله يطلب منه الخلع والألقاب، فأرسل إليه

стр. 9915

ما طلب ولقبه نور الدولة، ثم صار ملك ما وراء النهر لملوك الخطا، وانقرضت الدولة الخانية، وإنما ذكرناها في هذا الموضع لاتحادها وقربها من الدولة الغزنوية، ولتكون أخبارهم متوالية. نرجع إلى أخبار يمين الدولة محمود بن سبكتكين. ذكر غزوة الهند والأفغانية وفي سنة تسع وأربعمائة جمع يمين الدولة من الجموع ما لم يجمع قبله مثله، وسبب هذا الاهتمام أنه لما فتح قنّوج، وهرب صاحبها منها ويلقب [براى قنوج،] وراى «١» لقب للملك ككسرى، وقيصر، فلما عاد إلى غزنة أرسل بيدا عظيم ملوك الهند وقسم مملكته كجوراهة «٢» رسلا إلى راى قنوج واسمه راجيبال يوبخه على هربه، وتسليم بلاده للمسلمين، وطال الكلام بينهما، فآل ذلك إلى الحرب بينهما، فقتل راجيبال وأكثر جنوده، فازداد بيدا بذلك عظمة وعتوا، وقصده بعض ملوك الهند الذين ملك يمين الدولة بلادهم، وخدموه، وصاروا في جملة جنده، فوعدهم بإعادة ممالكهم إليهم، فاتصل ذلك بيمين الدّولة، فتجهّز للغزو، وقصد بيدا، وسار من غزنة، وابتدأ بالأفغانية، وهم كفّار يسكنون الجبال ويفسدون، ويقطعون الطريق، فخرّب بلادهم، وأكثر فيهم القتل والأسر، ثم استقل في السّير،

стр. 9916

وبلغ في الهند ما لم يبلغه غيره، وعبر نهر الكنك، فلما جاوزه وجد قافلة تزيد على ألف جمل، فغنمها وسار، فأتاه خبر ملك من ملوك الهند، يقال له تروجنيال «١» ، أنه قد سار من بين يديه يريد بيدا ليحتمى به، فلحقه في رابع عشر شوال «٢» ، فاقتتلوا عامّة نهارهم، فانهزم تروجنيال ومن معه، وكثر فيهم القتل والأسر، وغنم المسلمون أموالهم وأهليهم، وأخذوا منهم جواهرا كثيرة، وما يزيد على مائتى فيل، وخرج ملكهم، وأرسل يطلب الأمان، فلم يؤمنه، ولم يقع، منه بغير الإسلام، فسار ثم قتله بعض الهنود، ولما بلغ ذلك ملوك الهند تابعوا رسلهم إلى يمين الدّولة يبذلون الطاعة والإتاوة، وسار بعد الوقعة إلى بارى «٣» وهى من أحصن البلاد، فرآها قد خلت من سكانها، فأمر بهدمها، وعشرة قلاع معها، وقتل من أهلها خلقا كثيرا، وسار يطلب «بيدا» ، فلحقه، وقد نزل إلى جانب نهر، وأجرى الماء بين يديه، فصار وحلا، وترك عن يمينه وشماله طريقا يبسا يقاتل فيه إذا أراد القتال، وكان عدة من معه ستة وخمسين ألف فارس ومائة ألف وأربعة وثمانين ألف راجل وأربعين «٤» فيلا، فأرسل يمين الدولة طائفة من عسكره للقتال فأخرج إليهم بيدا مثلهم، ولم يزل كل عسكر يمدّ أصحابه حتى كثر الجمعان، واشتدت الحرب، ودام القتال حتى حجز بينهما الليل، فلما كان الغد بكر يمين الدّولة

стр. 9917

للقتال، فرآهم قد فارقوا موضعهم، وانهزموا، وركب كل فرقة منهم طريقا، ووجدوا خزائن الأموال والسلاح بحالها، فغنم المسلمون جميع ذلك، واقتفى آثار من انهزم، فأكثر فيهم انقتل والأسر، ونجا بيدا وعاد يمين الدولة إلى غزنة. ذكر فتح قلعة من بلاد الهند وفي سنة أربع عشرة وأربعمائة أو غل يمين الدّولة في بلاد الهند، فغنم وقتل حتى وصل إلى قلعة في رأس جبل منيع ليس يصعد إليه إلا من طريق واحد، وفيها خمسمائة فيل، وغلات كثيرة، ومياه، فحصرها يمين الدولة، وداوم الحصار، وضيّق عليهم، وقتل منهم كثيرا، فطلبوا الأمان، فأمّنهم، وأقرّ ملكها فيها على خراج يؤخذ منه، وأهدى له هدايا كثيرة، وقيل إن هذا الملك هو كابلى «١» ، وهو صاحب ألف فيل، وكان فيما أهداه فيلة حوامل ومراضع، وطائر على هيئة القمرى جلبابه أدكن، وعيناه ومنقاره حمر، وجناحاه مخططان بسواد، ومن خاصيّته أنه إذا حضر على رأس الخوان، وكان في الطعام سمّ دمعت عيناه، وجرى منهما ماء، ويتحجر فإذا أخذ ذلك الحجر، وحكّ وطلى به الجراحات الواسعة ألحمها، وإن كان في البدن نصل تعسّر إخراجه، قوبل به، فيجذبه حتى يمكن إخراجه، فقبل هديّته، وأقرّه على جهته، وعاد إلى غزنة مؤيّدا منصورا

стр. 9918

ذكر فتح سومنات «١» وفي سنة ست عشرة وأربعمائة فتح يمين الدولة عدة حصون ومدن من بلاد الهند، وأخذ الصنم المعروف بسومنات، وهو أعظم أصنام الهند، وكانوا يحجّون إليه كلّ ليلة خسوف، فيجتمع عنده ما ينوف على ألف «٢» إنسان، وزعم الهنود أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت «٣» إليه فينشئها فيما ينشأ، وأن المدّ والجزر إنما هو عادة للبحر ويحملون إليه كلّ علق نفيس، ويعطون سدنته الأموال الجليلة، وفيه من نفيس الجواهر ما لا تحصى قيمته، وبينه وبين نهر الكنك الذى تعظّمه الهنود نحو مائتى فرسخ يتحملون من ماء هذا النهر إلى سومنات ماء يغسل به في كل يوم، وعنده من البراهمة ألف رجل لعبادته، وتقديم الورّاد إليه، وثلاثمائة رجل تحلق رءوس زواره ولحاهم، وخمسمائة رجل، وخمسمائة امرأة يغنّون، ويرقصون على باب الصنم، ولكلّ منهم في كل يوم شىء معلوم، وكان لسومنات من الضّياع الموقوفة عليه ما يزيد على عشرة آلاف ضيعة. قال: وكان يمين الدولة كلّما فتح فتحا من بلاد الهند، وكسر أصناما، تقول الهنود: «إنا هذه الأصنام قد سخط عليها سومنات، ولو أنّه راض عنها لأهلك من تقصدها بسوء» ، فلما بلغ ذلك يمين الدولة عزم على غزوه، وإهلاكه لعل الهنود إذا فقدوه، ورأوا دعاواهم باطلة

стр. 9919

دخلوا في دين الإسلام؛ فاستخار الله تعالى، وسار من غزنة في عاشر شعبان من هذه السنة في ثلاثين ألف فارس من عساكره سوى المتطوعة، وسلك طريق الملتان فوصلها في منتصف شهر رمضان، وفي طريقه إلى الهند قفار لا تسلك، لا ماء فيها ولا ميرة، فحمل ما يحتاج إليه هو وعسكره، وزاد بعد الحاجة عشرين ألف جمل، تحمل الماء والميره، وقصد «١» أنهلوارة، فلما قطع المفازة رأى في طريقها حصونا مشحونة بالرجال فيسّر الله فتحها عليه، وامتار منها، وسار إلى أنهلوارة، فوصلها في مستهل ذى القعدة، فهرب عنها صاحبها المدعو نهيم، وقصد حصنا له يحتمى به، فاستولى يمين الدولة على المدينة وسار إلى سومنات، فلقى في طريقه عدة حصون بها كثير من الأوثان تشبه الحجّاب والنقباء لسومنات، فقاتل من بها، وفتحها وخربّها وكسر أصنامها، وسار «٢» منها إلى مفازة قفر قليلة المياه، فلقى فيها عشرين ألف مقاتل من سكانها لا يدينون لملك، فهزمهم، وغنم مالهم، وامتار من عندهم، وسار حتى بلغ دبو الواره «٣» ، وهى على مرحلتين من سومنات، وقد ثبت

стр. 9920

أهلها ظنا منهم أن سومنات «١» يمنعهم، ويدفع عنهم، فاستولى عليها، وقتل رجالها، وغنم أموالها، وسار عنها، فوصل إلى سومنات فى يوم الخميس منتصف ذى القعدة، فرأى حصنا حصينا على ساحل البحر تبلغه أمواجه، وأهله على الأسوار ينظرون المسلمين، فلما كان الغد، وهو يوم الجمعة زحف، وقاتل حتى قارب السور، فصعده المسلمون. هذا والهنود تتقدم إلى سومنات، وتعفّر وجوهها في الأرض وتسأله النصر، واستمر القتال إلى الليل، ثم بكر المسلمون إليهم، وقاتلوهم، فأكثروا في الهنود، وأزاحوهم عن المدينة، فالتجئوا إلى بيت صنمهم، فقاتلوا على بابه أشد قتال، فكان الفريق منهم بعد الفريق يفرون إلى الصنم، فيستغيثون به، ويبكون، ويتضرعون إليه، ويخرجون، فيقاتلون إلى أن يقتلوا حتى كاد الفناء يستوعبهم وبقى منهم شرذمة دخلوا البحر في مركبين لهم، فأدركهم المسلمون فقتلوا بعضهم، وغرق بعضهم. وأما البيت الذى فيه سومنات، فإنه مبنى على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص، وسومنات حجر طوله خمسة أذرع، ثلاثة مدوّرة ظاهرة، وذراعان في البناء، وليس هو بصورة مصوّرة، فكسره يمين الدولة، وأحرق بعضه، وأخذ بعضه معه إلى غزنة، فجعله عتبة لباب الجامع، وكان بيت الصنم مظلما، وإنما كان الضوء فيه من قناديل الجوهر، وكان عنده سلسلة ذهب فيها جرس وزنها مائتا منّ كلما مضت طائفة من

стр. 9921

البراهمة من عبادتهم حركوا الجرس، فتأتى طائفة أخرى، وعنده خزانة فيها عدة كثيرة من الأصنام الذهب والفضة وعليها الستور «١» المزصعة بالجوهر. كل منها منسوب إلى عظيم من عظماء الهند، وقيمة ما في البيوت يزيد على عشرين «٢» ألف دينار، فأخذ الجميع وكانت عدة القتلى تزيد على خمسين ألف قتيل، ثم ورد الخبر على يمين الدولة أن نهم صاحب أنهلوارة قصد قلعة تسمى كندهة، فى البحر بينها وبين البر من جهة سومنات أربعون فرسخا، فسار يمين الدولة من سومنات، فلما حاذى القلعة رأى صيادين، فسألهم عن خوض البحر هناك «٣» ، فقالوا إنه ممكن، ولكن إذا تحرك الهواء غرق من فيه، فاستعان بالله تعالى، وخاض هو ومن معه، فسلموا، فرأوا نهيم قد فارق القلعة، وأخلاها، فعاد عنها، وقصد المنصورة، وكان صاحبها قد ارتدّ عن الإسلام، ففارقها واحتمى [بغياض] «٤» منيعة، فأحاط يمين الدّولة بتلك الغياض؛ فقتل أكثر من بها من الهند وغرق بعضهم ولم ينج منهم إلا القليل، ثم سار إلى بهاطية فأطاعه أهلها، فرحل إلى غزنة، فوصلها في عاشر صفر سنة سبع عشره وأربعمائة، فكانت غيبته فى هذه الغزوة ستة شهور.

стр. 9922

ذكر ملكة الرى وبلد الجبل وفي سنة عشرين وأربعمائة سار يمين الدولة نحو الرىّ، فانصرف منوجهر بن قابوس صاحب جرجان وطبرستان بين يديه، وحمل إليه أربعمائة ألف دينار، وكان مجد الدّولة بن فخر الدولة ابن بويه قد كاتب يمين الدولة يشكو إليه من جنده، وكان متشاغلا بالنساء، ومطالعة الكتب «١» ، ونسخها. وكانت أمّه تدبّر المملكة، فلما ماتت طمع فيه الجند. قال: فلما وصلت كتبه إليه سير إليه جيشا، وجعل المقدّم عليهم حاجبه، وأمره بالقبض على مجد الدولة، فسار الحاجب بالعسكر، فلما وصل تلقاهم مجد الدولة، فقبض عليه الحاجب، وعلى ولده أبى دلف، فانتهى الخبر إلى يمين الدولة، فسار إلى الرىّ، ودخلها في شهر ربيع الآخر، وأخذ من الأموال ألف ألف دينار، ومن الجواهر ما قيمته خمسمائة ألف دينار، ومن الثياب ستة آلاف ثوب، ومن الآلات وغيرها ما لا يحصى قيمته، وأحضر مجد الدولة وسيّره إلى خراسان. ثم ملك قزوين، وقلاعها، ومدينة ساوة، وآوه «٢» ، وياقت «٣» ، وقبض على صاحبها، وسيره إلى خراسان.

стр. 9923

ولما ملك يمين الدولة الرىّ، كتب إلى الخليفة القادر بالله يذكر أنه وجد لمجد الدولة من النساء الحرائر ما يزيد على خمسين امرأة ولدن له نيفا وثلاثين ولدا، وأنه لما سئل عن ذلك قال: «هذه عادة سلفى» ، وصلب من أصحابه الباطنية خلقا كثيرا، ونفى المعتزلة إلى خراسان، وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال، وأخذ ما سواها من الكتب، فكانت مائة حمل، وتحصّن منوجهر بن قابوس [بن] «١» وشمكير بجبال حصينة، فلم يشعر إلا وقد أطل يمين الدولة عليه، فهرب إلى غياض ملتفّة حصينة، وبذل له خمسمائة ألف دينار، فأجابه يمين الدولة إلى ما طلب. وقبض المال وسار عنه إلى نيسابور. ثم توفّى منوجهر عقيب ذلك، وولى بعده ابنه أنوشروان، فأقره محمود على ولايته، وقرّر عليه خمسمائة ألف دينار أخرى، وخطب لمحمود في أكثر بلاد الجبل إلى حدود أرمينية. وخطب له بأصفهان، وعاد إلى خراسان، واستخلف بالرىّ ابنه مسعود، فقصد أصفهان، وملكها من علاء الدولة «٢» ، وعاد عنها واستخلف بها بعض أصحابه، فثار أهلها، فقتلوه، فعاد إليهم مسعود، فقتل منهم نحو خمسة آلاف قتيل. وسار إلى الرىّ فأقام بها. والله أعلم بالصواب

стр. 9924

ذكر ملك مسعود «١» بن يمين الدولة محمود همذان وفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة سيّر مسعود جيشا إلى همذان، فملكها من نواب علاء الدولة بن بويه، وسار هو إلى أصفهان، ففارقها علاء الدولة، فغنم مسعود ما كان له بها من دواب وسلاح وذخائر «٢» وغير ذلك، ثم عاد إلى بلاده. ذكر غزوة للمسلمين بالهند وفي هذه السنة غزا أحمد بن ينال تكين النائب عن محمود بن سبكتكين ببلاد الهند مدينة برسى «٣» ، وهى من أعظم مدن الهند، وكان معه نحو مائة ألف فارس وراجل، فشنّ الغارة على البلاد، ونهب وسبى، فلما وصل إلى المدينة، دخل من أحد جوانبها ونهب المسلمون يوما كاملا، ولم يفرغوا من سوق العطارين والجوهريين [فحسب] «٤» ، وباقى أهل البلد لم يعلموا بذلك لأن طول البلد منزلة، وعرضه منزلة من منازل الهند، فلما جاء المساء لم يجسر أحد على المبيت فيه لكثرة أهله، وبلغ من كثرة ما نهب المسلمون أنهم اقتسموا الذهب والفضة بالكيل، ولم يصل لهذه المدينة عسكر المسلمين قبله ولا بعده.

стр. 9925

ذكر وفاة يمين الدولة محمود بن سبكتكين وشىء من سيرته كانت وفاته ﵀ في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وأربعمائة ومولده يوم عاشوراء سنة ستين وثلاثمائة، فكان عمره إحدى وستين سنة وثلاثة أشهر تقريبا، ومدة سلطنته ثلاثا وثلاثين سنة وشهرين، وكان مرضه سوء مزاج وإسهال، وبقى كذلك نحو سنتين، وكان قوى النفس لم يضع جنبه في مرضه بل كان يستند إلى مخدته، وكان يجلس للناس طرفى النهار؛ ولم يزل كذلك حتى توفّى قاعدا، وكان عاقلا ديّنا خيّرا عنده علم ومعرفة، وصنّف له كثير من الكتب في فنون العلوم، وقصده العلماء من أقطار البلاد، وكان يكرمهم ويقبل عليهم ويصلهم، وكان عالى الهمة، قد ذكرنا من فتوحه وغزواته ما يستدل به على ذلك، ولم يكن فيه ما يعاب إلا طمعه في الأموال، فكان يتحيّل على أخذها بكل طريق، وهو الذى جدّد المشهد بطوس الذى فيه قبر على بن موسى الرضا، والرشيد، وكان أبوه قد أخربه. قال: وكان يمين الدولة ربعة القامة، حسن الوجه، صغير العينين، أحمر الشعر.

стр. 9926

ذكر سلطنة محمد بن محمود وهو الرابع من ملوك الدولة الغزنويه. ملك بعد وفاة أبيه في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وأربعمائة بوصية من أبيه. قال: وهو أصغر من أخيه مسعود، وكان عند وفاة أبيه ببلخ، فخطب له من أقاصى الهند إلى نيسابور، ولقّب جلال الدولة، فأرسل إليه أعيان الدولة يستدعونه، ويحثونه على الوصول إليهم، ويخوفونه من أخيه مسعود، فسارا إلى غزنة، فوصلها بعد وفاة أبيه بأربعين يوما، واجتمعت العساكر على طاعته، ففرق فيهم الأموال. ذكر خلع جلال الدولة محمد وملك أخيه مسعود بن محمود كان سبب ذلك أن يمين الدولة لما توفى كان ابنه مسعود بأصفهان، فكتب إلى أخيه محمد يقول له: إننى راض بما أوصى لى به أبى، وبما فتحته من بلاد طبرستان والجبل وأصفهان وغيرهما، وطلب منه الموافقة وأن يقدمه في الخطبة على نفسه، فأجابه بجواب غير مرضى، فسار مسعود إلى الرى وأحسن إلى أهلها «١» ، ثم سار إلى نيسابور وفعل مثل ذلك. وأما محمد فإنه استخلف عساكره، وجعل عمه يوسف على مقدمة جيشه، وسار إلى مسعود. وكان بعض عسكر محمد يميل إلى مسعود لشجاعته، وبعضهم يخشى سطوته، فلما همّ محمد

стр. 9927

بالركوب «١» من داره وقعت قلنسوته من رأسه، فتطيّر الناس من ذلك، وسار إلى أن وصل إلى [تكيناباد] «٢» فى مستهل شهر رمضان من سنة إحدى وعشرين، وأقام بها إلى أن عيّد. فلما كان ليلة الثلاثاء ثالث شوال ثار به جنده، فأخذوه وحبسوه ونادوا بشعار مسعود، وكان الذى سعى في ذلك ورتّبه خشاوند «٣» الحاجب باتفاق ومساعدة من عمه يوسف» وأرسلوا إلى مسعود فحضر، والتقته العساكر إلى هراه «٤» . وسلّموا إليه «٥» الأمر، فكان أول ما بدأ به أن قبض على الحاجب وقتله، ثم قبض بعد ذلك على عمه يوسف، ثم على جماعة من أعيان القواد في أوقات متفرقة. وكان اجتماع الملك له، واتفاق الكلمة عليه في ذى القعدة من السنة، ووصل إلى غزنة في ثانى «٦» جمادى الآخرة سنة اثنين وعشرين وأربعمائة، وأتته بها رسل الملك من سائر الأقطار، واجتمع له ملك خراسان وغزنة وبلاد الهند والسند، وسجستان وكرمان، ومكران، والرى، وأصفهان، وبلد الجبل، وغير ذلك، وعظم سلطانه، وخيف جانبه.

стр. 9928

ذكر مسيره الى الهند وما فتحه بها وفي سنة أربع وعشرين وأربعمائه بلغ السلطان مسعود أنّ أحمد نيالتكين النائب بالهند خرج عن طاعته واستولى على البلاد، فسار إلى الهند، وعاد النائب إلى الطاعة، وفتح في سفرته هذه قلعة سرستى «١» وهى من أحصن القلاع، وكان تعذّر «٢» فتحها على أبيه، ففتحها في سنة خمس وعشرين. ثم سار إلى قلعة مقسى، فوصل إليها في عاشر صفر، وحصرها ووالى الحصار، فخرجت عجوز ساحرة، فتكلمت باللسان الهندى طويلا، وأخذت مكنسة فبلتها بالماء، ورشت به إلى جهة العسكر، فمرض مسعود واشتد به المرض، فرحل عن البلد فصح وعاد إلى غزنة. ذكر مخالفة نيالتكين النائب بالهند ومقتله وفي سنة ست وعشرين وأربعمائة خالف أحمد نيالتكين النائب بالهند على السلطان مسعود، ونزع يده من الطاعة، وأظهر العصيان، فسيّر إليه مسعود جيشا كثيفا فقاتلهم، وانهزم منهم، وقصد بعض ملوك الهند «ببهاطيه» ، ومعه جمع كثير من عساكره الذين سلموا، وطلب منه سفنا ليعبر بهم «٣» السند، فأحضر إليه السفن، وأمرهم أن يلقوه في جزيرة في وسط النهر، فألقوه بها وهو يظن أنها متّصلة بالبر، فأقام بها تسعة أيام إلى أن نفدت أزوادهم، وأكلوا دوابّهم، وعجزوا عن خوض الماء لعمقه، فعبر الهندى إليهم في السفن وقتل

стр. 9929

وأسر، فعندها قتل أحمد نفسه، واستوعب أصحابه القتل والأسر. وفي سنة ثلاثين وأربعمائة. التقى الملك مسعود والسلجقية ببلاد خراسان، ووقع بينهم حروب كان الظفر فيها لمسعود، وفتح قلعة خراسان، وأخرج طغرلبك من بلاد خراسان إلى البرية، وكان آخر الحرب بينهم في سنة إحدى وثلاثين. ذكر القبض على السلطان وقتله وشىء من سيرته وفي سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة في شهر ربيع الأول جهّز السلطان ولده مودودا إلى خراسان في جيش كثيف، لردّ السلجوقية عنها، وسار مسعود بعد ذلك بسبعة أيام إلى بلاد الهند ليشتى بها على عادة والده، واستصحب معه أخاه محمدا وكان قد سمله، فلما عبر سيحون، وعبر بعض الخزائن جمع أنوشتكين البلخى الخصى الغلمان الداريّة، ونهبوا ما تخلف من الخزائن، وأقاموا أخاه محمدا، وقاتلوا مسعودا، فانهزم وتحصّن في بعض الحصون، فحصره أخوه محمد، فقالت له أمه: إن هذا المكان لا يعصمك، ولأن تخرج إليهم بعهد خير لك [من] «١» أن يأخذوك قهرا، فخرج إليهم، فقال له أخوه: وابنه؟؟؟ «٢» لا قاتلتك بفعلك، ولكن اختر لنفسك جهة تكون فيها بحريمك وأولادك، فاختار قلعة كيدى، فأنفذه إليها، وأرسل مسعود إلى أخيه محمد يطلب منه مالا ينفقه، فأعطاه خمسمائة درهم،

стр. 9930

فبكى وقال: بالأمس وحكمى على ثلاثة آلاف حمل من الخزائن، واليوم لا أملك ألف درهم، فأعطاه الرسول ألف دينار فقبلها، ثم اتفق أحمد بن السلطان محمد، وابن عمه يوسف، وابن على خشاوند على قتل مسعود (فدخلوا عليه، وقتلوه فأنكر محمد ذلك، وساءه، فكانت مدة سلطنة مسعود «١» عشر سنين وخمسة شهور تقريبا، وكان شجاعا كريما ذا فضائل كثيرة، يحب العلماء ويحسن إليهم، ويتقرب إلى خواطرهم، وصنفوا له التصانيف الكثيرة في فنون العلوم «٢» ، وكان كثير الصدقة، تصدّق مرة في شهر رمضان بألف ألف درهم، وأكثر الإدرارات والصّلات، وعمّر كثيرا من المساجد في ممالكه، وكان عفيفا عن أموال الناس، وكان يحب الشعر ويجيز الشعراء، أعطى شاعرا ألف دينار، وأجاز آخر عن كل بيت ألف درهم ذكر سلطنة جلال الدولة محمد بن محمود السلطنة الثانية وقتله ملك ثانيا عند انهزام أخيه مسعود في ثالث «٣» عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وكان أخوه قد سمله، ولما طلب للولاية امتنع من قبولها، فتهدده القواد بالقتل فأجاب، وفوّض الأمر إلى ولده أحمد، وكان فيه هوج، فقتل عمه مسعودا، وقيل: إن

стр. 9931

مسعودا لما حبس دخل عليه عبد الرحمن وعبد الرحيم أولاد محمد، فأخذ عبد الرحمن القلنسوة من على رأس عمّه مسعود، فأخذها عبد الرحيم من يده، وأنكر عليه، وقبلها ووضعها على رأس عمه مسعود، وكان ذلك سبب سلامته. قال: وكتب السلطان محمد إلى مودود بن أخيه مسعود يقول له: إن والدك قتل قصاصا، قتله أولاد أحمد نيالتكين بغير رضاى، فأجابه مودود من خراسان يقول: أطال الله بقاء الأمير، ورزق ولده المعتوه عقلا يعيش به، فقد ركب أمرا عظيما، وأقدم على إراقة دم ملك مثل والدى الذى لقبه أمير المؤمنين سيّد الملوك والسلاطين، وستعلمون فى «١» أى حتف تورّطتم وأىّ شر تأبّطتم، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون، ثم كتب شعرا: نفلّق هاما من كرام أعزّة ... علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما «٢» قال: وطمع «٣» الجند في محمد، ونقصت هيبة الملك، فمدوا أيديهم إلى أموال الرعايا ونهبوها، فخربت البلاد، فكان المملوك يباع فى بعض المدن بدينار، والخمر تباع كل منّ بدينار. قال: وسار مودود بن مسعود من خراسان إلى غزنة، وعاد عمه محمد والتقيا، فانهزم محمد وعسكره وقبض عليه وعلى ولده أحمد، فقتلهما مودود فى شعبان سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة، فكانت مدة سلطنة محمد الأولى سبعة أشهر، والثانية أربعة أشهر وأياما.

стр. 9932

ذكر سلطنة محدود بن مسعود «١» بن محمود بن سبكتكين وهو السادس من ملوك الدولة الغزنوية. كان ملكه بعد انهزام عمه جلال الدولة محمد. قال: ولما التقوا وانهزم محمد وعسكره، ثم قبض عليه وعلى أولاده وأنوشتكين البلخى الخصى وابن على خشاوند، فقتلهم مودود، ولم يترك منهم إلا عبد الرحيم ابن عمه بن محمد لإنكاره على أخيه، أخذ القلنسوة من رأس مسعود، وبنى مودود في موضع الوقعة قرية ورباطا وسمّاها «فتح أباد» ، وقتل من كان له تسبب في القبض على أبيه، ودخل غزنة في الثالث والعشرين من شعبان سنة اثنتين [وثلاثين] «٢» وأربعمائة، واستوزر أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد وزير أبيه، وأظهر العدل، وأحسن السيرة، وسلك سيرة جده محمود بن سبكتكين. ذكر مخالفة محمود بن مسعود على أخيه مودود، ووفاة محمود كان مسعود قد جهّز ابنه محمودا إلى بلاد الهند في سنة ست وعشرين وأربعمائة، فبلغه خبر وفاة أبيه، وما آل الأمر إليه من سلطنة أخيه، وكان قد فتح لهاوور «٣» ، وملتان، فأخذ الأموال، وأظهر

стр. 9933

الخلاف على أخيه مودود، فاضطرب لذلك، وجهز جيشا لمنعه، فعرض محمود العساكر، وأنفق فيهم الأموال ليأخذ البلاد من أخيه مودود وعّيد عيد الأضحى، وأقام بعده ثلاثة أيام، وأصبح ميتا «١» بلهاوور، فما عرف ما كان سبب وفاته، فعند ذلك ثبت قدم مودود فى الملك، وراسلته الملوك وخافته، وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ملك مودود عدة من حصون الهند، فراسله ملوكها وأذعنوا له بالطاعة. ذكر وفاة محمود وملك ولده، ثم أخيه على بن مسعود، ثم عبد الرشيد وفي العشرين من شهر رجب الفرد، سنة إحدى وأربعين وأربعمائة كانت وفاة «٢» مودود وعمره تسع وعشرون سنة، ومدة ملكه تسع سنين وأحد عشر شهرا، وكانت وفاته بغزنة، وعلّته القولنج، وملك بعده ولده، فبقى في الملك خمسة أيام، ثم عدل الناس عنه إلى عمّه على بن مسعود، وكان مودود لما ملك قبض على عمّه عبد الرشيد ابن محمود، واعتقله بقلعة مندين «٣» بطريق بست، فلما توفى مودود كان وزيره قد قارب القلعة بعساكر جردها مودود معه لقتال السلجقية، فنزل عبد الرشيد من القلعة إلى العسكر، ودعاهم إلى طاعته، فأجابوه، وسار بهم إلى غزنة، فهرب علىّ بن مسعود، وملك

стр. 9934

عبد الرشيد، ولقب «١» شمس الله سيف الدولة، وقيل «٢» جمال الدولة. ذكر مقتل عبد الرشيد كان مقتله في سنة أربع وأربعين وأربعمائة «٣» ؛ وسبب ذلك: أن طغرل الحاجب كان مودود قد نوه بذكره، وقدّمه وزوّجه أخته، فلما توفى مودود، وملك عبد الرشيد استمر به على ما كان عليه، وجعله حاجب حجّابه، فأشار طغرل على عبد الرشيد بقصد الغز، وإخراجهم من خراسان، فتوقف استبعادا لذلك، فلم يزل به حتى جهز معه ألف فارس، فسار نحو سجستان، وبها أبو الفضل نائبا عن بيغو «٤» ، فحاصر قلعة طاق «٥» أربعين يوما، فلم يتهيأ له أن يملكها، فسار نحو مدينة سجستان، فاتصل خبره ببيغو، فخرج فى عساكره إليه، فلما رآه بيغو استقلّ من معه، فسيّر إليه طائفة من أصحابه، فلم يعرّج طغرل عليهم، بل اقتحم هو ومن معه نهرا هناك، وحمل على بيغو، وقاتله فهزمه، ثم عطف طغرل على تلك الطائفة التى كانت خرجت لقتاله، فهزمهم، وغنم ما معهم، وانهزم بيغو إلى هراة، ودخل طغرل الحاجب سجستان، وملكها، وكتب

стр. 9935

إلى عبد الرشيد يعلمه بذلك «١» ويستمده ليسير إلى خراسان، فأمده بعدّة كثيرة من العساكر، فاشتد أمره بهم، وحدث نفسه بالاستيلاء على غزنة، فأحسن إلى من معه، واستمالهم فمالوا إليه، فاستوثق منهم ورجع بهم إلى غزنة، فلما صار على خمسة فراسخ منها كتب إلى عبد الرشيد يعلمه أن العسكر خالفه، وطلبوا الزيادة فى العطاء، وأنهم عادوا بقلوب متغيّره، فلما وقف على ذلك جمع أصحابه، واستشارهم، فحذّروه من طغرل، وقالوا: إن الأمر قد أعجل عن الاستعداد، وليس إلا الصّعود إلى القلعة، والتحصّن بها، فتحصن بقلعة غزنة، وعبر طغرل غزنة، واستولى عليها وجلس بدار الإمارة، وأرسل إلى من بالقلعة يتهددهم إن لم يسلموا إليه عبد الرشيد، فسلّموه له، فقتله، واستولى على القلعة، وتزوّج ابنة السلطان مسعود كرها، وكان في أعمال الهند أمين يسمى خزخير «٢» بعساكر كثيرة، فأرسل إليه طغرل، واستدعاه للموافقة والمساعدة على إخراج الغز من الأعمال، ووعده وبذل له الرغائب، فلم يرض خزخير فعله، وأنكر عليه وأغلظ له في الجواب، وكتب إلى زوجة طغرل ابنة السلطان مسعود، وإلى وجوه القوّاد يقبحّ «٣» عليهم موافقتهم، وصبرهم على قتل ملكهم، فعبروا على طغرل، وقتلوه.

стр. 9936

ذكر ملك فرخ «١» زاد بن مسعود بن محمود بن سبكتكين وهو العاشر من ملوك الدوله الغزنويه. ملك بعد مقتل طغرل الحاجب المستولى على ملك عبد الرشيد، وكان سبب ملكه أنه لما قتل طغرل وصل خرخير «٢» بعد مقتله بخمسه أيام إلى غزنه، وأظهر الحزن على عبد الرشيد، واستشار الأمراء فيمن يلى الأمر، فأشاروا بولايه فرّخ زاد، وكان معتقلات في بعض القلاع فأحضروه، وأجلس بدار الإمارة ودبر خرخير الأمر بين يديه، وقتل من أعان على قتل عبد الرشيد. قال: ولما بلغ داود السلجقى أخا طغرلبك صاحب خراسان قتل عبد الرشيد جميع عساكره، وسار إلى غزنه، فخرج إليه خرخير، وقاتله فانهزم داود، وغنم ما كان معه، وفي سنة خمس وأربعين وأربعمائة ثار مماليك فرخ زاد به، وقصدوا قتله وهو في الحمام، فمانع عن نفسه بسيف كان معه، فأدركه أصحابه وخلصوه وقتلوا أولئك الغلمان، واستمر ملكه إلى سنه إحدى وخمسين، وكان بعد هذه الوقعة يكثر من ذكر الموت ويحتقر الدنيا ويزدريها، فلما كان فى هذه السنه أصابه قولنج، فمات.

стр. 9937

ذكر ملك ابراهيم بن مسعود بن محمود وهو الحادى عشر من ملوكهم، ملك بعد وفاة أخيه فرّخ «١» زاد في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة فأحسن السيرة، واستعد لجهاد الهند، واستقر الصلح بينه وبين [جعرى بك] «٢» داود السلجقى صاحب خراسان على أن يكون لكل واحد منهما [ما] «٣» بيده، وترك منازعة الآخر في ملكه. ذكر غزو ابراهيم بلاد الهند وما فتحه منها وفي سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة غزا بلاد الهند، ففتح قلعة أجود، وهى على مائة وعشرين فرسخا من لهاوور، وهى حصينة تحوى عشرة آلاف مقاتل، فحصرها وداوم الزحف، فملكها في الحادى والعشرين من صفر، وفتح غيرها من الحصون في هذه السنة. فمن ذلك قلعة رومال، وموضع يقال له: «دره نوره» ، وكان به أقوام من الخراسانية جعل أجدادهم فيه فراسياب التركى، ولم يعترضهم أحد من الملوك، فدعاهم إلى الإسلام فامتنعوا عليه، وقاتلوه، فظفر بهم وأكثر فيهم القتل، وتفرق من سلم منهم في البلاد، وسبى من النساء والصبيان مائة ألف، وفي هذه القلعة حوض قطره نصف فرسخ لا يدرك

стр. 9938

قعره، يشرب منه أهل القلعة ودوابهم، ولا يظهر فيه نقص وفتح «درة «١» » وهى بين جبلين والسبيل إليها متعذر، فوصلها في جمادى الأولى، وأقام بها ثلاثة أشهر، وافتتحها وعاد إلى غزنة. ذكر وفاة ابراهيم وشىء من سيرته كانت وفاته في سنة إحدى وثمانين أربعمائة، وكانت مدة ملكه تزيد على ثلاثين سنة، وكان عادلا كريما مجاهدا، وكان ذا رأى سديد، فمن رأيه أن السلطان ملكشاه السلجقى قصد غزنة بعساكره وجنوده، فلما علم إبراهيم عجزه عنه كتب إلى جماعة من أمرائه يشكرهم، ويعدهم الجميل على تحسينهم لصاحبهم، قصد بلاده ليتم له ما اتفقوا عليه من قبضه، وأمر القاصد أن يتعرض إلى ملكشاه، فتعرض له، فأنكره ملكشاه، وقبض عليه وقرره بالضرب، فأعطاه الكتب بعد امتناع، فعاد من طريقه، وكتم ذلك عن أمرائه خوفا من الخلاف عليه. وكان يكتب بخطّه في كل سنة مصحفا، ويبعثه إلى مكة مع الصدقات والصّلات، ولما مات ملك بعده ابنه.

стр. 9939

ذكر ملك علاء الدولة أبى سعد «١» جلال الدين مسعود بن ابراهيم وهو الثانى عشر من ملوك الدولة الغزنوية. ملك غزنة وما معها بعد وفاة [إبراهيم] «٢» أبيه في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. وهو زوج ابنة السلطان ملكشاه السلجقى، واستمر ملكه إلى سنة ثمان وخمسمائة فتوفى في شوال منها بغزنة، ولم أظفر بشىء من أخباره فأورده، ولما مات ملك بعده ولده. ذكر ملك أرسلان شاه بن علاء الدولة مسعود وهو الثالث عشر من ملوك الدولة الغزنوية، وأمه سلجقيه وهى أخت السلطان ألب أرسلان ملك بعد «٣» وفاة أبيه في شوال سنة ثمان وخمسمائة ولما ملك قبض على إخوته وسجنهم، فهرب أخ له اسمه بهرام شاه إلى خراسان، فوصل إلى السلطان سنجر بن ملك شاه، فأرسل إلى أرسلان شاه في معناه، فلم يجبه، فأعد السير وقصد غزنة، ومعه بهرام شاه والتقى هو [وسنجربن] «٤» ملكشاه على فرسخ من غزنة بصحراء [شهراباذ] «٥» ، وكان أرسلان شاه في ثلاثين ألفا، ومعه مائة وستون فيلا، فكادت الهزيمة تكون على سنجر ثم كانت

стр. 9940

وخمسمائة ومعه بهرام شاه، وتسلّم قلعة البلد، وكان أرسلان شاه قد اعنقل أخاه طاهرا بالقلعة الكبيرة التى بينها وبين غزنة تسعة فراسخ، وهى عظيمة لا يطمع فيها ولا طريق عليها، واعتقل بها أيضا زوجة بهرام شاه، فلما انهزم أرسلان شاه استمال أخوه طاهرا المتحفظ. بها حتى سلم القلعة للملك سنجر، وكان قد تقرر بين السلطان سنجر وبهرام شاه أن يجلس بهرام شاه على سرير جده محمود بن سبكتكين وجده، وأن الخطبة بغزنة للخليفة، ثم للسلطان محمد بن ملكشاه، والملك سنجر، وبعدهم لبهرام شاه، فلما دخلوا غزنة كان سنجر راكبا، وبهرام شاه راجلا بين يديه حتى جاء إلى السرير، فصعد بهرام شاه إليه، وجلس ورجع سنجر، وكان يخطب له بالملك، ولبهرام شاه بالسلطان على عادة آبائه، وحصل لسنجر من الأموال ما لا يحد، وكان على حيطان دور ملوك غزنة ألواح الفضة، وسوافى المياه إلى البساتين من الفضة، فقلع أصحاب سنجر كثيرا من ذلك، فمنعهم سنجر، وصلب جماعة منهم، وأقام بغزنة أربعين يوما، وهو أول سلجقى خطب له بغزنة، وعاد إلى خراسان. ذكر ملك بهرام شاه بن مسعود «١» بن ابراهيم وهو الرابع عشر من ملوك الدولة الغزنوية. ملك غزنة عند انهزام أخيه أرسلان شاه لعشر بقين من شوال سنة عشر وخمسمائة، وأما

стр. 9941

أرسلان شاه فإنه لما انهزم قصد هند وخان «١» ، واجتمع معه أصحابه، فلما عاد الملك سنجر إلى خراسان توجه إلى غزنة، ففارقها بهرام شاه إلى باميان «٢» ، وأرسل إلى الملك سنجر يعلمه الحال، فأمده بجيش، وأقام أرسلان شاه بغزنة شهرا، وسار في طلب بهرام شاه فبلغه وصول عسكر سنجر، فانهزم بغير قتال، للخوف الذى وقع فى قلوب أصحابه، ولحق بجبال أوغان «٣» ، فسار بهرام شاه في طلبه بعسكر سنجر، وضايقوا البلاد التى هو فيها وأخربوها، وتهددوا أهلها، فسلموه إليهم، فخنقه أخوه بهرام شاه، ودفنه بغزنة بتربة أبيه، وكان قتله في جمادى الآخرة سنة اثنتى عشرة وخمسمائة، وعمره سبعا وعشرين سنة، واستقر بهرام شاه في الملك، وكان بينه وبين الملوك الغورية من الوقائع ما نذكره في أخبارهم إن شاء الله تعالى. ذكر وفاة بهرام شاه كانت وفاته في شهر رجب سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فكانت ولايته ستا وثلاثين سنة، وكان عادلا حسن السيرة جميل الطريقة يحب العلماء ويكرمهم، ويبذل لهم الأموال الكثيرة، ولما مات ملك بعده ولده.

стр. 9942

ذكر ملك نظام الدين خسروشاه «١» ابن بهرام شاه بن مسعود وهو الخامس عشر من ملوك الدولة الغزنوية، ملك غزنة بعد وفاة والده في شهر رجب سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وكان عادلا حسن السيرة في رعيته محبا للخير وأهله يقرب العلماء، ويحسن إليهم ويرجع إلى أقوالهم ويقتدى بآرائهم، ولم يزل كذلك إلى أن توفى فى شهر رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وكانت مدة ملكه سبع سنين وقيل إنه عاش إلى سنة تسع وتسعين «٢» . وأن الدولة انقرضت باعتقاله، ولما مات ملك بعده ولده. ذكر ملك ملكشاه بن خسرو «٣» شاه بن مسعود ابن ابراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين وهو السادس عشر من ملوك الدولة الغزنوية، وعليه انقرضت دولتهم. ملك غزنة بعد وفاة والده في شهر رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ولما ملك نزل علاء الدين الحسين ملك الغور إلى غزنة، وكان له مع ملكشاه ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الغورية. وفي سنة خمس وخمسين «٤» وخمسمائة قصد الأتراك الغزية

стр. 9943

بلاد غزنة ونهبوا وخربوا، وقصدوا مدينة غزنه، ففارقها ملكشاه إلى لهاوور وملكها الغزية، وكان القيّم بأمرهم زنكى بن على بن خليفه الشيبانى، ثم جمع ملكشاه العساكر، وعاد إلى غزنة، ودخلها في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، وتمكن في دار ملكه إلى أن ظهر أمر الملوك الغورية «١» ، فانقرضت الدولة الغزنويه على يد الملوك الغوريه. وذكر ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل أن دولتهم انقرضت فى أيام خسروشاه بن بهرام شاه والد ملكشاه، وأن خسروشاه لما ملك الغورية غزنة سار إلى لهاوور، فحاصره شهاب الدين الغورى بها في سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وشدّد الحصار عليه، وبذل له الأمان على أن لا يطأ بساطه، وأن شهاب الدين يجعل لخسروشاه مهما اختار من الإقطاع، ويزوجه ابنته، فاستحلفه على ذلك ومكنه من لهاوور، واجتمع به، فأكرمه وعظمه، وبقى كذلك مدة شهرين، فورد رسول غياث الدين الغورى إلى أخيه شهاب الدين وهو يستدعى خسروشاه وولده إليه، فأعلمه بذلك، فامتنع، فمناه شهاب الدين، وطيب خاطره، ثم جهزه هو وابنه إلى غياث الدين، فسارا على كره، فلما وصلا إليه رفعهما إلى بعض القلاع، فكان آخر العهد بهما. وانقرضت الدولة الغزنوية. وكان ابتداؤها في سنة ست وستين وثلاثمائة، وانقرضت في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فتكون مدتها مائتى سنة وثلاثة عشر

стр. 9944

سنة تقريبا، وعدة ملوك هذه الدولة ستة عشر ملكا، وهم ناصر الدولة سبكتكين، ثم ولده يمين الدولة محمود بن سبكتكين، ثم ولده محمد ولى مرّتين، ثم أخوه مسعود بن محمود، ثم مودود بن مسعود بعد عمه محمد في السلطنة الثانية، ثم ولى ولد لمودود خمسة أيام. ثم على بن مسعود، ولم تطل مدته أيضا، ثم عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين، ثم فرخ زاد، ثم أخوه إبراهيم بن مسعود، ثم ابنه علاء الدولة أبو سعد جلال الدين بن مسعود، ثم ابنه أرسلان شاه، ثم أخوه بهرام شاه، ثم ابنه خسروشاه، ثم ابنه ملكشاه، وعليه انقرضت دولتهم، وكانت هذه الدولة من أحسن الدول وأكثرها جهادا وفتوحا، وقد ذكرنا من أخبار ملوكها ما يستدلّ به على بعد هممهم، وتمكن سلطانهم. ذكر أخبار الدولة الغورية كان ابتداء هذه الدولة ببلاد الغور «١» فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ثم أزالت ملوك الدولة الغزنوية آل «٢» سبكتكين عن غرنة، وملكوا بعض بلاد الهند، وأول من نبغ منهم وظهر اسمه الحسين بن الحسين «٣» بن الحسن. وكان قد ملك قبله بلاد الغور محمد بن الحسين، وكان قد صاهر بهرام شاه صاحب غزنة، فعظم

стр. 9945

شأنه بمصاهرته وعلت همته، فجمع جموعا كثيرة، وسار إلى غزنة ليملكها، وأظهر الخدمة والزيارة لبهرام شاه وهو يريد المكر فعلم به بهرام شاه، فقبض عليه وسجنه ثم قتله، فعظم قتله على الغورية ولم يمكنهم الأخذ بثأره لتمكن الدولة الغزنويه، ثم ملك بعد محمد أخوه سام بن الحسين، فمات بالجدرى، وملك بعده أخوه سورى ابن الحسين بلاد الغور، وقوى أمره، وتمكن في مملكته، فجمع العساكر، وسار إلى غزنة طالبا لثأر أخيه محمد، فلما وصل إليها وملكها في جمادى «١» الآخرة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، فارقها بهرام شاه إلى بلاد الهند، وجمع جموعا كثيرة، وعاد إلى غزنة، وكان عسكر غزنة الذين أقاموا مع سورى قلوبهم مع بهرام شاه، فلما التقوا انضم عسكر غزنة إلى بهرام، وسلّموا إليه سورى وذلك فى المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فصلبه بهرام شاه، وكان سورى هذا من الملوك الأجواد الكرام، حتى إنه كان يرمى الدراهم بالمقاليع ليتوصّل بذلك إلى راحة الفقراء، ثم ملك بعده أخوه الحسين ابن الحسين هذا بلاد الغور ومدينتها فيروزكوه «٢» ، فسار في سنة خمس وأربعين إلى مدينة هراة وحصرها، وكان أهلها قد كاتبوه، وطلبوه ليسلموها له هربا من ظلم الأتراك، فلما حاصرها امتنع أهلها عليه ثلاثة أيام، ثم سلموها له، فدخلها، وأظهر طاعة السلطان سنجر ابن ملكشاه السلجقى.
следующие страницы →