← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 9941–9980 · переход к 9946.

стр. 9941

أرسلان شاه فإنه لما انهزم قصد هند وخان «١» ، واجتمع معه أصحابه، فلما عاد الملك سنجر إلى خراسان توجه إلى غزنة، ففارقها بهرام شاه إلى باميان «٢» ، وأرسل إلى الملك سنجر يعلمه الحال، فأمده بجيش، وأقام أرسلان شاه بغزنة شهرا، وسار في طلب بهرام شاه فبلغه وصول عسكر سنجر، فانهزم بغير قتال، للخوف الذى وقع فى قلوب أصحابه، ولحق بجبال أوغان «٣» ، فسار بهرام شاه في طلبه بعسكر سنجر، وضايقوا البلاد التى هو فيها وأخربوها، وتهددوا أهلها، فسلموه إليهم، فخنقه أخوه بهرام شاه، ودفنه بغزنة بتربة أبيه، وكان قتله في جمادى الآخرة سنة اثنتى عشرة وخمسمائة، وعمره سبعا وعشرين سنة، واستقر بهرام شاه في الملك، وكان بينه وبين الملوك الغورية من الوقائع ما نذكره في أخبارهم إن شاء الله تعالى. ذكر وفاة بهرام شاه كانت وفاته في شهر رجب سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فكانت ولايته ستا وثلاثين سنة، وكان عادلا حسن السيرة جميل الطريقة يحب العلماء ويكرمهم، ويبذل لهم الأموال الكثيرة، ولما مات ملك بعده ولده.

стр. 9942

ذكر ملك نظام الدين خسروشاه «١» ابن بهرام شاه بن مسعود وهو الخامس عشر من ملوك الدولة الغزنوية، ملك غزنة بعد وفاة والده في شهر رجب سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وكان عادلا حسن السيرة في رعيته محبا للخير وأهله يقرب العلماء، ويحسن إليهم ويرجع إلى أقوالهم ويقتدى بآرائهم، ولم يزل كذلك إلى أن توفى فى شهر رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وكانت مدة ملكه سبع سنين وقيل إنه عاش إلى سنة تسع وتسعين «٢» . وأن الدولة انقرضت باعتقاله، ولما مات ملك بعده ولده. ذكر ملك ملكشاه بن خسرو «٣» شاه بن مسعود ابن ابراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين وهو السادس عشر من ملوك الدولة الغزنوية، وعليه انقرضت دولتهم. ملك غزنة بعد وفاة والده في شهر رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ولما ملك نزل علاء الدين الحسين ملك الغور إلى غزنة، وكان له مع ملكشاه ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الغورية. وفي سنة خمس وخمسين «٤» وخمسمائة قصد الأتراك الغزية

стр. 9943

بلاد غزنة ونهبوا وخربوا، وقصدوا مدينة غزنه، ففارقها ملكشاه إلى لهاوور وملكها الغزية، وكان القيّم بأمرهم زنكى بن على بن خليفه الشيبانى، ثم جمع ملكشاه العساكر، وعاد إلى غزنة، ودخلها في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، وتمكن في دار ملكه إلى أن ظهر أمر الملوك الغورية «١» ، فانقرضت الدولة الغزنويه على يد الملوك الغوريه. وذكر ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل أن دولتهم انقرضت فى أيام خسروشاه بن بهرام شاه والد ملكشاه، وأن خسروشاه لما ملك الغورية غزنة سار إلى لهاوور، فحاصره شهاب الدين الغورى بها في سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وشدّد الحصار عليه، وبذل له الأمان على أن لا يطأ بساطه، وأن شهاب الدين يجعل لخسروشاه مهما اختار من الإقطاع، ويزوجه ابنته، فاستحلفه على ذلك ومكنه من لهاوور، واجتمع به، فأكرمه وعظمه، وبقى كذلك مدة شهرين، فورد رسول غياث الدين الغورى إلى أخيه شهاب الدين وهو يستدعى خسروشاه وولده إليه، فأعلمه بذلك، فامتنع، فمناه شهاب الدين، وطيب خاطره، ثم جهزه هو وابنه إلى غياث الدين، فسارا على كره، فلما وصلا إليه رفعهما إلى بعض القلاع، فكان آخر العهد بهما. وانقرضت الدولة الغزنوية. وكان ابتداؤها في سنة ست وستين وثلاثمائة، وانقرضت في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فتكون مدتها مائتى سنة وثلاثة عشر

стр. 9944

سنة تقريبا، وعدة ملوك هذه الدولة ستة عشر ملكا، وهم ناصر الدولة سبكتكين، ثم ولده يمين الدولة محمود بن سبكتكين، ثم ولده محمد ولى مرّتين، ثم أخوه مسعود بن محمود، ثم مودود بن مسعود بعد عمه محمد في السلطنة الثانية، ثم ولى ولد لمودود خمسة أيام. ثم على بن مسعود، ولم تطل مدته أيضا، ثم عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين، ثم فرخ زاد، ثم أخوه إبراهيم بن مسعود، ثم ابنه علاء الدولة أبو سعد جلال الدين بن مسعود، ثم ابنه أرسلان شاه، ثم أخوه بهرام شاه، ثم ابنه خسروشاه، ثم ابنه ملكشاه، وعليه انقرضت دولتهم، وكانت هذه الدولة من أحسن الدول وأكثرها جهادا وفتوحا، وقد ذكرنا من أخبار ملوكها ما يستدلّ به على بعد هممهم، وتمكن سلطانهم. ذكر أخبار الدولة الغورية كان ابتداء هذه الدولة ببلاد الغور «١» فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ثم أزالت ملوك الدولة الغزنوية آل «٢» سبكتكين عن غرنة، وملكوا بعض بلاد الهند، وأول من نبغ منهم وظهر اسمه الحسين بن الحسين «٣» بن الحسن. وكان قد ملك قبله بلاد الغور محمد بن الحسين، وكان قد صاهر بهرام شاه صاحب غزنة، فعظم

стр. 9945

شأنه بمصاهرته وعلت همته، فجمع جموعا كثيرة، وسار إلى غزنة ليملكها، وأظهر الخدمة والزيارة لبهرام شاه وهو يريد المكر فعلم به بهرام شاه، فقبض عليه وسجنه ثم قتله، فعظم قتله على الغورية ولم يمكنهم الأخذ بثأره لتمكن الدولة الغزنويه، ثم ملك بعد محمد أخوه سام بن الحسين، فمات بالجدرى، وملك بعده أخوه سورى ابن الحسين بلاد الغور، وقوى أمره، وتمكن في مملكته، فجمع العساكر، وسار إلى غزنة طالبا لثأر أخيه محمد، فلما وصل إليها وملكها في جمادى «١» الآخرة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، فارقها بهرام شاه إلى بلاد الهند، وجمع جموعا كثيرة، وعاد إلى غزنة، وكان عسكر غزنة الذين أقاموا مع سورى قلوبهم مع بهرام شاه، فلما التقوا انضم عسكر غزنة إلى بهرام، وسلّموا إليه سورى وذلك فى المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فصلبه بهرام شاه، وكان سورى هذا من الملوك الأجواد الكرام، حتى إنه كان يرمى الدراهم بالمقاليع ليتوصّل بذلك إلى راحة الفقراء، ثم ملك بعده أخوه الحسين ابن الحسين هذا بلاد الغور ومدينتها فيروزكوه «٢» ، فسار في سنة خمس وأربعين إلى مدينة هراة وحصرها، وكان أهلها قد كاتبوه، وطلبوه ليسلموها له هربا من ظلم الأتراك، فلما حاصرها امتنع أهلها عليه ثلاثة أيام، ثم سلموها له، فدخلها، وأظهر طاعة السلطان سنجر ابن ملكشاه السلجقى.

стр. 9946

ذكر الحرب بينه وبين السلطان سنجر وفي سنة سبع وأربعين وخمسمائة كانت الحرب بين علاء الدين الحسين صاحب الغور وبين السلطان سنجر السلجقى؛ وسبب ذلك أن علاء الدين هذا قوى أمره، وكثرت أتباعه، وتلفت وتعرّض إلى أعمال غزنة، وسار إلى بلخ، فملكها، فسار إليه السلطان سنجر فثبت له، واقتتلوا، فانهزمت الغوريّه، وأسر علاء الدين، وقتل من أصحابه خلق كثير، وأحضر بين يدى السلطان، فقال له: يا حسين لو ظفرت بى ما كنت تصنع؟ فأخرج له قيدا من الفضة، فقال له: كنت أقيّدك بهذا، وأحملك إلى مدينة فيروزكوه. فخلع السلطان عليه، ورده إلى فيروزكوه. ذكر ملكه «١» غزنة، وخروجه عنها، وقتل أخيه قال: ولما أطلقه السلطان سنجر أقام بفيروزكوه مدة حتى اجتمع له أصحابه، وأصلح ما تشعّث من حال عسكره وقصد غزنة، وملكها يوم ذاك بهرام شاه، فلم يثبت له وفارقها إلى مدينة كرمان. وهى مدينة بين غزنة والهند، وليست كرمان المشهورة بل غيرها، وملك علاء الدين غزنة، وأحسن السيرة في أهلها، واستعمل عليهم أخاه سيف الدين، وأجلسه على تخت المملكة، وخطب لنفسه ولأخيه سيف الدين بعده، ثم عاد علاء الدين إلى بلد الغور، وأمر أخاه أن

стр. 9947

يخلع على أعيان البلد خلعا نفيسة، ويصلهم بصلات سنية «١» ، ففعل ذلك وأحسن إليهم، فلما جاء الشتاء ووقع الثلج، وعلم أهل غزنة أن الطريق قد انقطع بينهم، وبين الغور كاتبوا بهرام شاه واستدعوه، فسار نحوهم في عسكره، فلما قارب البلد ثار أهلها على سيف الدين، فأخذوه بغير قتال، وانهزم من كان معه، فمنهم من نجا ومنهم من أخذ، ثم سوّدوا وجه سيف الدين، وأركبوه بقرة، وطافوا به البلد، ثم صلبوه، وهجوه بالأشعار، وغنى بها حتى النساء، ثم توفّى بهرام شاه، وملك بعده ابنه خسروشاه، فتجهز علاء الدين إلى غزنة في سنة خمسين وخمسمائة «٢» ، فسار خسروشاه إلى لهاوور وملك علاء الدين البلد، ونهبها ثلاثة أيام، وأخذ الذين أسروا أخاه، وهم من العلويين، فألقاهم من شواهق الجبال، وأخرب المحلّة التى صلب فيها أخوه، وأخذ النساء الذين تغنّين بهجو أخيه، فأدخلهن حماما، ومنعهن الخروج حتّى متن فيه، وأقام بغزنة حتى أصلحها، ثم عاد إلى فيروزكوه، ونقل معه من أهل غزنة خلقا كثيرا، وحملهم المخالى مملوءة ترابا، فبنى قلعة فيروزكوه وتلقب بالسلطان المعظم وحمل [الجتر] «٣» على عادة السجلقية.

стр. 9948

ذكر خروج غياث الدين وشهاب الدين ابنى أخى علاء الدين الحسين على عمهما وموافقته «١» قال: لما قوى أمر عمهما علاء الدين استعمل العمال والأمراء على البلاد، فكان ممن استعمل غياث الدين أبو الفتح محمد، وأخوه شهاب الدين أبو المظفّر محمد ابنا سام، على بلد من بلاد الغور، فأحسنا السيرة في أعمالها، واستمالا قلوب الناس، فانتشر ذكرهما، فسعى بهما إلى عمّهما من حسدهما، وأوهمه أنهما يريدان الوثوب به، وقتله، والاستيلاء على ملكه، فأرسل يستدعيهما فامتنعا، وكانا قد علما الخبر، فجهز إليهما عسكرا مع قائد من قوّاده، فلما النقوا انهزم عسكر عمّهما، وأسر القائد فأبقيا عليه، وأحسنا إليه، وأظهر العصيان على عمهما، وقطعا خطبة، فتوجه إليهما وسارا إليه، والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم عسكر علاء الدين، وأخذ أسيرا، فأجلساه على التخت، ووقفا في خدمته، ونادوا في عسكره بالأمان، فبكى عند ذلك، وقال: هذان صبيان قد فعلا ما لو قدرت عليه منهما لم أفعله، وأحضر القاضى، وزوج غياث الدين بنتا له، وجعله ولى عهده بعده، وبقى كذلك إلى أن مات، وكان وفاته في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين وخمسمائة.

стр. 9949

ذكر ملك سيف الدين محمد بن علاء الدين الحسين بن الحسين «١» وهو الثانى من الملوك الغورية «٢» . ملك بعد وفاة أبيه، وأطاعه الناس، وراسل الملوك وهاداهم، واستمرّ إلى أن قتل في شهر رجب سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وذلك أنّه جمع عساكره وحشد فأكثر وسار من جبال الغور يريد الغز، وهو ببلخ فاجتمعوا له وتقدّموا إليه، واتفق أنّه خرج جريدة في جماعة من خاصته، فسمع به الغز فركبوا وأوقعوا به فقتل. وكان ملكا عادلا حسن السيرة، فمن ذلك أنّه لما ملك هراه أراد عسكره نهبها، فنزل على درب المدينة، وأحضر الأموال والثياب، وفرقها في عسكره، وقال: هذا خير لكم من نهب أموال الناس، فإن الملك يبقى على الكفر ولا يبقى «٣» على الظلم. رحمه الله تعالى. ذكر ملك غياث الدين أبى الفتح محمد بن بسام ابن الحسين بن الحسن وهو الثالث من الملوك الغورية . كان استقلاله بالملك بعد وفاة ابن عمه سيف الدين في شهر رجب سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وخطب له في الغور، وغزنة، ثم ملك الغز غزنة منه، وبقيت بأيديهم خمسة عشر سنة يصبون على أهلها العذاب، ويتابعون الظلم، هذا

стр. 9950

وغياث الدين يحسن السيرة في رعيته، والناس يشكون إليه حالهم، وهو يدبر ملكه إلى أن قوى أمره، وكثرت أتباعه، واشتد بأسه. ذكر ملك غياث الدين غزنة قال: ولما قوى أمر غياث الدين، وتمكن في ملكه، وزاد طغيان الغز، وأذاهم للناس، جهز جيشا كثيفا مع أخيه شهاب الدين إلى غزنة، وفيه أصناف الغورية، والخراسانية، والخلج، فساروا إليها، فلقيهم الغزو اقتتلوا، فانهزمت الغورية أولا، ثم كانت الدائرة على الغز، فقتل أكثرهم، ودخل شهاب الدين غزنة، وتسلمها وأحسن السيرة في أهلها، وأفاض العدل، وسار منها إلى كرمان، وسوران «١» ، فملكها، ثم تعدى بعد ذلك إلى السند، وقصد العبور، إلى بلد، وملك لهاوور، وملكها يومئذ خسروشاه بن بهرام شاه، فسار فيمن معه إلى ماء السند، فمنعه من العبور فرجع عنه، وقصد خرشابور، فملكها، وما يليها من جبال الهند، وأعمال [الأفغان] «٢» ورجع.. ذكر ملك شهاب الدين لهاوور وانقراض الدولة الغزنوية وفي سنة تسع وخمسين «٣» وخمسمائة سار شهاب الدين إلى لهاوور في جمع عظيم، وحشد كبير، فحصرها، وتهدد أهلها إن

стр. 9951

منعوه، وبذل لخسروشاه الأمان على أن يطأ بساطه، ويخطب لأخيه فامتنع، فلما طال الحصار خذله أهل البلد، فطلب الأمان، فأمنه شهاب الدين، وحلف له، ودخل الغورية البلد، وبقى كذلك شهرين، ثم جهز خسروشاه هو وولده إلى أخيه غياث الدين كما ذكرناه في أخبار الدولة الغزنوية. قال: ولما كثرت جموع غياث الدين، واتسعت مملكته كتب لأخيه شهاب الدين يأمره بإقامة الخطبة له، وأن يذكر بالسلطنة، ويلقبه بألقاب السلاطين، وكان لقبه أولا شمس الدين، ثم تلقب غياث الدين، ولقب الآن غياث الدنيا والدين معين الإسلام قسيم «١» أمير المؤمنين، ولقب أخاه عز الدين. قال: ولما استقر أمر «لهاوور» ، سار شهاب الدين إلى أخيه غياث الدين، واتفقا على المسير إلى خراسان، فقصد مدينة هراة، فملكها واستناب بها، وملك عدة من بلاد خراسان، ورجع غياث الدين إلى مدينة فيروزكوه وشهاب الدين إلى غزنة. ذكر مسير شهاب الدين الى الهند قال وسار شهاب الدين إلى الهند، وحاصر بلدا من بلادها، وملكها، وكان قد حصرها طويلا فلم يظفر منها بطائل، فراسل زوجة الملك الهندى في أن يتزوجها، وكانت غالبة على أمر الملك، فأعادت عليه الجواب أنها لا تصلح لذلك، وأن لها ابنة جميلة تزوجه

стр. 9952

بها، فأجابها إلى ذلك، فسقت زوجها سما، فمات، وسلمت إليه البلد، فأخذ الصبيّة فأسلمت، وتزوجها، وحملها إلى غزنة، ووكل بها من علمها القرآن، وتشاعل عنها، فتوفيت والدتها، ثم توفيت بعد عشرة سنين، ولم يرها، فبنى لها مشهدا، ودفنها فيه، فأهل غزنة يزورون قبرها، ثم عاد إلى بلاد الهند، وملك كثيرا منها. ذكر ظفر الهنود بالمسلمين قال: ولما اشتدّت نكاية شهاب الدين في بلاد الهند تجمع ملوكهم من كل جهة، وتحالفوا على التعاضد، والتناصر على حربه، وجاءوا من كل فج عميق، وركبوا الصعب والذلول، وكان الحاكم على جميع الملوك امرأة من ملوكهم، فلما سمع شهاب الدين باتفاقهم وتعاضدهم، تقدم إليهم في عسكر عظيم، والتقوا، واقتتلوا، فانهزم المسلمون، وقتل منهم خلق كثير، وأصحاب شهاب الدين ضربة بطلت منها يده، وضربة على رأسه سقط منها إلى الأرض، وحجز الليل بين الفريقين، ثم حمل شهاب الدين إلى مدينة أخيه على رؤوس الرجال، فعمد إلى أمراء الغورية الذين انهزموا أن ملأ لهم مخالى خيلهم شعيرا، وحلف لئن لم يأكلوه ليضربن أعناقهم، فأكلوه.

стр. 9953

ذكر ظفر المسلمين بالهنود قال: واتصل الخبر بغياث الدين أخى شهاب الدين، فأمد المسلمين بالعساكر، فرجع شهاب الدين إلى الهنود، وجمع الهنود جموعا عظيمة، وجددوا أسلحتهم، ووفروا جموعهم، وساروا بملكتهم فى عدد كثير، فراسلها شهاب الدين، وخدعها أن يتزوّجها، فلم تجبه إلى ذلك، وقالت: إما الحرب، وإما أن تسلّم بلاد الهند، وتقتصر على ملك غزنة، فأجابها إلى العود إلى غزنة، وأن يرسل إلى أخيه في ذلك، وإنما فعل ذلك مكرا، وكان بين العسكرين نهر، وقد حفظ الهنود مخائضه، وأقاموا ينتظرون جواب غياث الدين، فجاء رجل من الهنود إلى شهاب الدين، وأعلمه بمخاضته، فاستوثق منه، وجهّز جيشا فعبروا المخاضة والهنود على غرّة، فلبسوهم، وكان مقدّم الجيش الحسين بن حرميل الغورى، وهو الذى صار بعد ذلك صاحب هراة، فوضع السيف في الهنود، فاشتغلوا به، وأغفلوا المخائض، فعبر شهاب الدين وبقيّة العسكر، ونادوا بشعار الإسلام، وأكثروا في الهنود القتل، فما سلم منهم إلا القليل، وقتلت ملكتهم، وتمكن شهاب الدين بعد ذلك من بلاد الهند، ودانت له ملوكها، وأقطع مملوكه قطب الدين أيبك مدينة «دهلى» ، وهى كرسى الممالك التى فتحها من بلاد الهند» وأرسل عسكرا مع محمد بن بختيار، فملكوا من بلاد الهند مواضع ما وصل إليها مسلم قبلهم، حتى قاربوا حدود الصين من جهة المشرق، ولعل ذلك كان فى سنة ثلاث وثمانين. وفي سنة ست وثمانين وخمسمائة كانت الحرب

стр. 9954

بين غياث الدين، وسلطان شاه أخى خوارزم شاه. وذلك أن سلطان شاه تعرض إلى بعض بلاد غياث الدين، وجمع عساكره، والتقوا، فانهزم سلطان شاه، واستعاد غياث الدين بلاده «١» ، وعاد إلى غزنة. ذكر الحرب بين شهاب الدين وملك بنارسى «٢» الهندى وفي سنة تسع «٣» وخمسين وخمسمائة كانت الحرب بين شهاب الدين، وبين ملك [بنارسى] ؛ وسبب ذلك أن قطب الدين أيبك لما أقطعه شهاب الدين مدينة دهلى أو غل في بلاد الهند، وقتل وسبى وعاد، فبلغ ذلك ملك [بنارسى] ، وهو أكبر ملوك الهند، وولايته من حدود الصين إلى بلاد ملا وطولا، ومن البحر إلى مسيرة عشرة أيام من لهاوور عرضا، فجمع جيوشه، وسار يطلب بلاد الإسلام، ومعه سبعمائة فيل، وقيل إن عسكره بلغ ألف ألف رجل، وسار شهاب الدين نحوه، فالتقى العسكران على جون «٤» ، وهو نهر كبير يقارب دجلة، فاقتتلوا، فانتصر المسلمون على الهنود، وكثر القتل فيهم والأسر، وقتل ملكهم، وغنم المسلمون منهم تسعين فيلا من جملتها فيل أبيض، وباقى الفيلة قتل بعضها، وانهزم بعضها، ودخل شهاب

стр. 9955

الدين بلاد [بنارسى] وحمل من خزائنها على ألف وأربعمائة جمل، وعاد إلى غزنه. وفي سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. سار شهاب الدين إلى الهند، وملك قلعة «١» بهنكر، وهى قلعة عظيمة منيعة ملكها بالأمان، ثم سار منها إلى قلعة كواكير، وبينهما مسيرة خمسة أيام، فأقام عليها شهرا، وصالحه أهلها على مال، فصالحهم على وسق فيل ذهبا، فقبض المال، ورحل عنها. ذكر ملك الغورية مدينة بلخ وفي سنة أربع وتسعين وخمسمائة ملك شهاب «٢» الدين سام ابن محمد بن مسعود مدينة بلخ، وسام هو ابن أخت غياث الدين، وله باميان، وكان صاحب بلخ [زاير] «٣» يحمل الخراج إلى ملك الخطا بما وراء النهر، فتوفى في هذه السنة، فسار شهاب الدين سام إلى بلخ، وملكها، وخطب فيها لخاله غياث الدين، وفيها انهزم الخطا من الغورية. ذكر ملك شهاب الدين وأخيه غياث الدين ما كان لخوارزم شاه بخراسان وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة ملكا ذلك. وسبب ذلك أن محمد بن حرميل نائب الغورية بالطالقان كان قد استولى على مرو الروذ «٤» ، فكاتبه جقر التركى نائب خوارزم شاه بمرو أن يكون في

стр. 9956

فى جملة عسكر غياث الدين، ويفارق خدمة الخوارزمية، فلما وصل الخبر إلى غياث الدين علم أنّه ما قصد الانتماء إليه إلا لضعف صاحبه، فطمع في البلاد، وجهز شهاب الدين من غزنة، وسار لذلك، فوصله كتاب جقر يستحثه على السير إليه، يسلم إليه مرو، فسار إليها، فقاتله أهلها مع العسكر الخوارزمى، ثم سألوا الأمان» فكف عنهم، وتسلم البلد، ووعده جقر الجميل، ثم حضر غياث الدين إلى مرو، وسلمها إلى هندوخان بن ملكشاه بن خوارزم شاه، وكان قد هرب من عمه إليه كما نذكره في أخبار الخوارزمية، ثم سار غياث الدين إلى مدينة سرخس، فأخذها صلحا، وسلمها للأمير زنكى بن مسعود، وهو من أولاد عمه، وأقطعه معها «نسا» ، و «أبيورد» ، ثم سار إلى طوس فامتنغ عليه أميرها، وأغلق الأبواب دونه ثلاثة أيام، فغلت الأسعار، وبلغ الخبز ثلاثة أمناء بدينار، فضجّ أهل البلد، فطلب الأمان، فأمّنه، فخرج إليه فأكرمه، وخلع عليه، وسيره إلى هراة، وملك البلد، ثم أرسل إلى على شاه «١» أخى خوارزم شاه، وهو ينوب عن أخيه بنيسابور يأمره بمفارقة البلد، ويحذره من المقام بها، فامتنع عليه، وحصّن البلد، وخرب ما بظاهره من العمارة، فسار شهاب الدين إليها، فقدمها في أول شهر رجب من السنة، وقدم العسكر للحصار، فملك البلد عنوة، ونهبه عسكره ساعة من نهار، فبلغ الخبر غياث الدين، فنادى من نهب أو آذى فدمه حلال، فأعاد الناس ما نهبوه عن آخره، وتحصن الخوارزميّون بالجامع، فأخرجهم

стр. 9957

أهل البلد، فنهب الغورية ما لهم، وأحضر على شاه بن خوارزم شاه إلى غياث الدين راجلا، فأنكر ذلك على محضره، وعظم الأمر فيه، وحضرت داية «١» كانت لعلى شاه، وقالت لغياث الدين: هكذا تفعل بأولاد الملوك، فقال: لا، بل هكذا، وأخذه بيده، وأقعده معه على السرير، وطيّب نفسه، وسيّر جماعة من الأمراء الخوارزمية إلى هراة تحت الاستظهار، وولى غياث الدين ابن عمه ضياء الدين محمد بن على حرب خراسان، وضم إليه وجوه الغورية، ورحل إلى هراة، وسلم على شاه لأخيه شهاب الدين، وأحسن إلى أهل نيسابور، وفرق فيهم مالا كثيرا. قال: ثم سّار شهاب الدين إلى ناحية قهستان، فأخرب قرية للإسماعيلة، وقتل من بها من الرجال، ونهب الأموال، وسبى الذرارى، ثم سار إلى كتابان «٢» ، وهى من مدن الإسماعيلة، فحصرها، فطلب أهلها الأمان ليخرجوا منها، فأمنهم وأخرجهم، وملك المدينة، وسلمها إلى بعض الغورية، فأقام بها شعائر الإسلام، فكتب صاحب قهستان إلى غياث الدين يقول له: إن بيننا عهدا، فما الذى أوجب محاصرة بلادى؟ فأرسل إلى أخيه شهاب الدين يأمره بالرحيل عنها، وقال له: ما لك ولرعيتى، فامتنع من الرحيل، فقال له الرسول: فإذا أفعل ما أمرنى به غياث الدين، وجبذ الرسول سيفه، وقطع أطناب سرادق شهاب الدين، فارتحل كارها، وتوجه إلى الهند، ولم يقم بغزنة غضبا على أخيه.

стр. 9958

ذكر ملك شهاب الدين أنهلوارة «١» من الهند قال: ولما سار شهاب الدين من بلاد الإسماعيلية إلى الهند، أرسل مملوكه قطب الدين أيبك إلى أنهلوارة، فوصلها في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، فقاتل عسكر الهند بها، فهزمهم، وملكها عنوة، وهرب ملكها، وجمع وحشد فعلم شهاب الدين أنّه لا يستمر له ملكها إلا بمقامه بها لأنها من أعظم البلاد، فصالح على مال في العاجل والآجل، وسلمها لصاحبها ولما توجّه شهاب الدين إلى الهند عاد خوارزم شاه إلى البلاد، واسترجعها من أيدى غياث الدين، وهرب هندوخان منه؛ وذلك في بقية سنة سبع «٢» وتسعين وخمسمائة وسنة ثمان وتسعين. ذكر وفاة غياث الدين وشىء من سيرته كانت وفاته في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فأخفيت وفاته، وكان أخوه شهاب الدين بطوس، وقد عزم على قصد خوارزم «٣» ، فأتاه الخبر بوفاة أخيه، فعاد إلى هراة، وجلس للعزاء في شهر رجب، وخلف غياث الدين من الولد ابنه محمودا،

стр. 9959

وكان غياث الدين مظفّرا منصورا في حروبه لم تنهزم له راية، وكان قليل المباشرة للحروب» وإنما كان له ذكر ومكائد، وكان جوادا، كريما، حسن الاعتقاد، كثير الصدقات، والأوقاف، بنى المساجد، والمدارس بخراسان للشافعية، وبنى الخانكاهات، وأسقط المكوس، وكان عفيفا عن أموال الناس، ومن مات في بلاده ولا وارث له تصدّق بما يخلّفه، ومن مات من التجار وله أهل بغير بلاده، سلّم ما له لرفقته من التجار، فإن تعذر ذلك سلمه للقاضى إلى أن يصل مستحقّه، وكان إذا وصل إلى بلد عمّ أهله بإحسانه، سيما الفقهاء وأهل الفضل، فإنه يخلع عليهم، ويصلهم، ويفرض لهم الأعطيات في كل سنة من خزائنه، وكان يراعى من يقصده من العلويين، ويجزل صلاتهم وكان حسن الخط، ذا فضل وبلاغة، وكان ينسخ المصاحف بخطه، ويوقفها في المدارس التى أنشأها، ولم يظهر منه تعصب لمذهب على مذهب، وكان يميل إلى الشافعية- لأنه متمذهب بمذهب الشافعى- من غير أن يطمعهم في غيرهم، ولا يعطيهم ما ليس لهم. رحمه الله تعالى. ذكر استقلال شهاب الدين بالملك وما فعله مع ورثة أخيه استقل شهاب الدين الغورى بالملك بعد وفاة أخيه غياث الدين في شهر رجب سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وولّى ابن أخيه محمودا مدينة بست، ولقبه بلقب أبيه، وجعله عن الملك بمعزل،

стр. 9960

ولم يحسن الخلافة عليه «١» بعد أبيه، ولا على غيره من أهله، فمن جملة ما فعله أن غياث الدين كان له زوجة مغنية «٢» ، فلما مات أخذها شهاب الدين، وضربها ضربا مبرّحا، وضرب ولدها ربيب غياث الدين، وزوج أختها، وأخذ أموالهم، وسيّرهم إلى بلاد الهند على أقبح صورة، وكانت قد بنت مدرسة، ودفنت فيها أباها وأخاها، فهدمها شهاب الدين، ونبش قبور الأموات، ورمى عظامهم، وفعل ما يناسب هذه الأفعال الشنيعة، وتوجه إلى الهند. ذكر حصره خوارزم، وانهزامه من الخطا وفي شهر رمضان سنة ستمائة عاد شهاب الدين من بلاد الهند، وقصد خراسان. وسبب ذلك أنّه بلغه أن خوارزم شاه حصر مدينة هراة، فعاد من الهند حنقا عليه، وقصد خوارزم «٣» ، فأرسل إليه خوارزم شاه يقول له: إما أن ترجع، وإلا حاصرت هراة، ومنها إلى غزنة، وكان خوارزم شاه بمرو، فأجابه شهاب الدين: لعلك تنهزم على عادتك أول مرّة، وخوارزم تجمعنا. فسار خوارزم شاه من مرو إلى خوارزم، فسبق شهاب الدين إليها، وحرّق العلوفات التى في الطريق، وقطع الطرق بإجراء المياه، فتعذّر على شهاب الدين سلوكها، فأقام أربعين يوما حتى أمكنه الوصول إلى خوارزم، فخرج

стр. 9961

إليه خوارزم شاه، والتقى العسكران بصوقرا «١» ، ومعناه: الماء الأسود، واقتتلوا، فأسر جماعة من الخوارزمية، وأمر شهاب الدين بقتلهم، وكان خوارزم شاه أرسل إلى ملك الخطا يستنجد، فسار من بلاده بما وراء النهر لقصد شهاب الدين، فعاد عن خوارزم، ولقى أوائل عسكر الخطا في صحراء أيدى حوى «٢» فى أول صفر سنة إحدى وستمائة، فقتل منهم وأسر، ثم دهمه الخطا في اليوم الثانى، فانهزم عسكره منهم، وبقى شهاب الدين في نفر يسير، وقتل بيده أربعة من فيلته كانت قدعيت، وأخذ الخطا فيلين، ودخل شهاب الدين إلى أيدى حوى «٣» فحصره الخطا بها، ثم صالحوه على فيل ثالث يعطيه لهم، ففعل، وخلص، وشاع الخبر في جميع بلاده أنّه عدم، ثم وصل إلى الطالقان في سبعة نفر، وقد قتل أكثر عسكره، ونهبت خزائنه، فأخرج إليه الحسن بن حرميل صاحب الطالقان خياما، وجمع «٤» ما يحتاج إليه، وسار إلى غزنة، واستصحب معه الحسن بن حرميل لأنه بلغه أنّه قصد الانضمام إلى خوارزم شاه، فجعله شهاب الدين أمير حاجب، قال: ولما وصا الخبر بقتله إلى غزنة، جمع تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين، وهو أول مملوك اشتراه أصحابه، وقصد قلعة غزنة ليصعد إليها، فمنعه مستحفظها، فعاد إلى داره، فلما وصل شهاب الدين إلى غزنة أمر بقتل الدز، فشفع

стр. 9962

فيه مماليك شهاب الدين، فأطلقه، وسار مملوك له اسمه أيبك كان قد سلم «١» من المعركة، فلحق ببلاد الهند، ودخل المولتان، وقتل نائب السلطنة بها، وملك البلد، وأخذ الأموال السلطانية، وأساء السيرة في الرعية، وأشاع قتل شهاب الدين، فلما اتصل خبره بشهاب الدين سار إلى الهند، وأرسل إليه عسكرا، فأخذوه، وقتل شرّ قتلة، وذلك في جمادى الآخرة سنة إحدى وستمائة، وأمر شهاب الدين أن ينادى في جميع بلاده بغزو الخطا. ذكر قتل شهاب الدين بنى كركر «٢» كان سبب ذلك أنه لما شاع قتل شهاب الدين خرجوا في البلاد، وأفسدوا، وقطعوا الطريق، وأخافوا «٣» السبيل، فراسلهم قطب الدين أيبك، فامتنعوا عليه، فسار شهاب الدين من غزنة، ووصل إليهم في يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستمائة، فاقتتلوا قتالا شديدا من أول النهار إلى العصر، فبينما هو كذلك، إذ أقبل أيبك نائبه بالهند، فانهزم الكركرية، ومن انضم إليهم، وقتلوا بكل مكان، وقصد من بقى منهم أجمة هناك، وأضرموا نارا، وكان أحدهم يقول لصاحبه: لا تنزل للمسلمين يقتلوك، ثم يلقى نفسه في النار، فيلقى صاحبه نفسه بعده، فعمّهم البلاء، وغنم المسلمون أموالهم وأهلهم، وهرب ابن كركر بعد قتل

стр. 9963

إخوته وأهله، وكان معهم صاحب قلعة الجودىّ، ثم سار شهاب الدين نحو لهاوور، فأقام بها إلى سادس عشر شهر رجب من السنة، وعاد إلى غزنة. ذكر مقتل شهاب الدين وشىء من سيرته كان مقتله في أول ليلة من شعبان سنة اثنتين وستمائة، وذلك أنه لما عاد من لهاوور نزل بمنزلة يقال لها: دميل. بعد صلاة العشاء، وكان بعض الكركريه لزموا عسكره، وقد عزموا على قتله لما فعله بهم من القتل والأسر، فلما كان في هذه اللّيلة تفرّق عنه أصحابه، وبقى وحده في خركاه، فثار أولئك النفر، فقتل أحدهم بعض الحرس بباب السرادق، فثار أصحابه ليبصروا ما به، فخلت مواقفهم، وكثر الزحام، فاغتنم الكركريّة غفلتهم عن التحفّظ، فدخلوا على شهاب الدين، فضربوه بالسكاكين اثنتين وعشرين ضربة، فمات، ودخل أصحابه عليه، فوجدوه قتيلا على مصلاه، وهو ساجد، فقتلوا أولئك النفر الكركريّة، وقيل إن الذى قتله الإسماعيلية لخوفهم من خروجه إلى خراسان. وكان ﵀ شجاعا مقداما، كثير الغزو إلى بلاد الهند، عادلا في رعيّته، حسن السيرة فيهما، حاكما بينهم بإحكام الشرع الشريف. حكى عنه. أنه لقى صبيا من العلويين عمره خمس سنين، فدعا له الصبى، وقال: لى خمسة أيام ما أكلت شيئا، فعاد من الركوب لوقته والصبىّ معه، فنزل في داره، وأطعمه من أطيب الطعام بحضرته، وأعطاه مالا،

стр. 9964

وسلّمه إلى أبيه، وفرق في العلويين مالا عظما، وكان شافعى المذهب رحمه الله تعالى. ذكر ما اتفق بعد وفاة شهاب الدين قال: ولما قتل شهاب الدين اجتمع الأمراء عند وزيره مؤيد الملك ابن خواجا «١» ، فتحالفوا على حفظ الخزانة والملك، وجعلوا شهاب الدين في محفة، وساروا به، فرتّب الوزير الأمور، وسكّن الناس، وجعل الشمسيّة على المحفّة، وحفّها بالحشم، وكان شهاب الدين قد جمع أموالا عظيمة من بلاد الهند في سفرته، فكانت الخزانة التى معه ألفى حمل ومائتى حمل، وأعاد الوزير من كان معه من العسكر الهندى إلى خدمة قطب الدين، فإن شهاب الدين كان قد جمع العساكر لقصد الخطا، وفرق فيهم أموالا كثيرة، وسار الوزير ومعه العسكر الغزنوى، وكان الوزير والأتراك يميلون إلى غياث الدين محمود بن غياث الدين، والأمراء الغوريّة تميل إلى بهاء الدين سام صاحب باميان، فأرسلت كل طائفة إلى من تميل إليه يعرفونه قتل شهاب الدين، ثم سار الوزير والعسكر إلى أن وصلوا إلى كرمان المدينة التى بين لهاوور وغزنة، وكان بها تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين، فلما عاين المحفّة ترجّل، وقبّل الأرض على عادته، وتقدّم وكشف عن شهاب الدين، فلما رآه قتيلا خرّق ثيابه، وصاح، وبكى، وأبكى الناس، وكان من أكبر المماليك الشهابية، فطمع في ملك غزنة، فسأل

стр. 9965

الوزير عن الأموال والسلاح والدواب، فأخبره بما خرج من ذلك وما بقى، فأنكر عليه، وأساء جوابه، وقال: إن الغوريه قد كاتبوا بهاء الدين سام صاحب باميان ليملّكوه غزنة، وقد كتب إلىّ غّياث الدين «١» ، وهو مولاى وابن مولاى، يأمرنى ألّا أترك أحدا يقرب من غزنة، وقد جعلنى نائبه فيها، وفي سائر الولاية المجاورة لها لاشتغاله بخراسان، وقد أمرنى أيضا أن أتسلم الخزانة منك، فلم يقدر الوزير على الامتناع لميل الأتراك إلى الدز، فتسلمها، وسار بالمحفة إلى غزنة، فدفن شهاب الدين بمدرسته، وكان وصولهم إليها لثمان بقين من شعبان سنة اثنتين وستمائة. ذكر مسير بهاء الدين سام صاحب باميان الى غزنة» ووفاته وبهاء الدين سام هذا هو ابن أخت غياث الدين، وشهاب الدين، وكانا قد ملكاه باميان، فأحسن السيرة، وأحبّه الأمراء الغوريه، وكاتبوه للحضور إلى غزنة، فأعاد عليهم الجواب يأمرهم بحفظ البلد، وأنه واصل إليهم، وسار عن باميان مرحلتين، فوجد في رأسه صداعا اشتدّ عليه، فنزل وقد أيقن بالموت، وأحضر ولديه: علاء الدين وجلال الدين، وعهد بالملك إلى علاء الدين، وأوصاهما بالأمراء الغورية، ومات.

стр. 9966

ذكر ملك علاء الدين بن سام مدينة غزنة، وأخذها منه قال: ولما توفى بهاء الدين سام، وعهد إلى ابنه علاء الدين، سار إلى غزنه، ومعه أخوه جلال الدين، فتلقّاهما الأمراء الغورية، وخرج الأتراك «١» معهم على كره، ونزلا دار السلطنة في مستهل شهر رمضان سنة اثنتين وستمائة، فأراد الأتراك منعهم، فنهاهم الوزير عن ذلك لقلّتهم، واشتغال غياث الدين بابن حرميل صاحب هراة، فاستقر علاء الدين، وجلال الدين بدار السلطنة بالقلعة، فراسلهما الأتراك أن يخرجا من الدار، وإلا قاتلوهما، ففرقا فيهم أموالا كثيرة واستحلفاهم «٢» ، فحلفوا، [واستبوا] «٣» غياث الدين محمود، فأنفذا خلعا إلى تاج الدين الدز، ووعداه الجميل والحكم في دولتهما، فوصله الرسول، وقد سار عن كرمان لقصد غزنة، فردّه أقبح رد، وقال: قل لهما يخرجان من غزنة، ويكتفيان بباميان، فإنى لا أقدم أحدا على ولد سيدى غياث الدين، ولم يقصد الدز بذلك حفظ البيت وإنما أراد التمهيد لنفسه، فعاد الرسول، وأبلغهما مقالته، ووصل الدز إلى غزنة، فخرج إليه الغوريه، والتقوا في خامس شهر رمضان، فانحاز إليه الأتراك، وخدموه، فهزموا الغوريه، ودخل العسكر المدينة، ونهبوا دور الأمراء الغورية «٤» ، والباميانية، وحصر الدز القلعة، فخرج جلال الدين منها إلى باميان في نحو عشرين فارسا ليجمع العساكر،

стр. 9967

وأوصى أخاه علاء الدين بحفظ الحصن، فشدد عليه الدز الحصار، وضيق عليه، فأجاب إلى مفارقة الحصن، وحلف الدز أنه لا يؤذيه، وسار علاء الدين من غزنة، فلما رآه الأتراك نهبوا ما كان معه، وألقوه عن فرسه، وأخذوا ثيابه، وتركوه عريانا بسراويل، فبلغ الدز الخبر، فأنكر عليهم، وأرسل إليه بثياب ودواب ومال، واعتذر إليه «١» ، فأخذ ما لبسه، ورد الباقى، ولما وصل إلى باميان لبس ثياب سواد، وركب حمارا، فأخرجوا له المراكب الملوكية والملابس، فلم يلبس ولم يركب، وقال: أريد أن يرانى الناس على هذه الحال، وما صنع بى أهل غزنة، حتى إذا عدت إليها وخربتها ونهبت أهلها لا يلومنى أحد، ودخل دار الإمارة، وشرع في جمع العساكر. ذكر ملك تاج الدين الدز غزنة قال: ولما توجّه علاء الدين من غزنة، أقام الدز بداره أربعة أيام يظهر طاعة غياث الدين إلا أنه لم يأمر بالخطبة له ولا لغيره، إنما: يخطب للخليفة، ويترحم على شهاب الدين فحسب، فلما كان في سادس عشر رمضان أحضر القضاة والفقهاء والقراء والمقدمين، وأحضر رسول الخليفة، وهو مجد الدين أبو على بن أبى الربيع مدرس النظامية، وكان قد حضر برسالة من دار الخلافة إلى شهاب الدين، فوجده قد قتل، وركب الدز والناس في خدمته، وعليه ثياب الحزن، وجلس في دار السلطنة في غير المجلس الذى كان

стр. 9968

يجلس فيه مولاه شهاب الدين، [فتغير] «١» الناس عليه، وتنكروا له، فإنهم أنما كانوا يطيعونه لإظهاره طاعة غياث الدين محمود، فلما استقل بالأمر خالفوه، ففرق فيهم الأموال والإقطاعات، واستعان على ذلك بالخزانة التى أخذها عند مقتل شهاب الدين، وكان عند شهاب الدين جماعة من أولاد الملوك الغورية، وغيرهم من الأكابر، فأنفوا من خدمته، واستأذنوه على اللحاق بغياث الدين، فأذن لهم، فلحق بعضهم به، وبعضهم بأصحاب باميان، وأرسل غياث الدين إلى الدز يشكره على ما فعل ويطالبه «٢» بالخطبة له، ونقش السكة باسمه، فلم يفعل، وغالط في الجواب، وطلب منه أن يخاطب بالملك، وأن يعتقه من الرق، وأن يزوج بن غياث الدين، بابنة الدز، فلم يجبه إلى ذلك: قال، ولما ملك الدز غزنة أحضر مؤيد الملك الوزير، وألزمه الوزارة، فوزر على كره منه. ذكر حال غياث الدين محمود بن غياث الدين بعد مقتل عمه شهاب الدين قال: لما قتل شهاب الدين كان غياث الدين هذا «ببست» فى إقطاعه، فبلغه الخبر، وكان شهاب الدين قد ولى الملك علاء الدين محمد بن أبى على بلاد الغور، وغيرها مما يجاورها، فلما بلغه قتل شهاب الدين، سار إلى مدينة: «فيروزكوه» ؛ خوفا أن يسبقه

стр. 9969

غياث الدين إليها «١» ، فملكها، وكان حسن السيرة من أكابر بيوت الغورية إلا أن الناس كرهوا منه أنّه كان كرّاميا، وكانوا يميلون إلى غياث الدين، فأنف الأمراء من خدمة علاء الدين مع وجود ابن سلطانهم، وكان علاء الدين هذا قد أحضر الناس، وحلفهم أنهم يساعدونه على قتال خوارزم شاه، وبهاء الدين صاحب باميان، ولم يذكر غياث الدين احتقارا له، فحلفوا له ولولده من بعده، هذا وغياث الدين بمدينة بست لم يتحرك انتظارا لما يكون من صاحب باميان لأنّهما كانا قد تعاهدا في أيام شهاب الدين أن تكون خراسان لغياث الدين، وغزنة والهند لبهاء الدين صاحب باميان، بعد موت شهاب الدين، فلما بلغه ما اتفق من وفاة بهاء الدين وإخراج أولاده من غزنة جلس على التخت، وخطب لنفسه، وتلقب بألقاب والده، وكتب إلى علاء الدين محمد بن أبى على، وهو بفيروزكوه يستدعيه، ويستعطفه ليصدر «٢» عن رأيه، ويسلم مملكته إليه، وكتب إلى الحسن بن جرميل وإلى هراة مثل ذلك، فأما علاء الدين فأغلظ له «٣» فى القول ونهدّد الأمراء الذين مع غياث الدين، فسار غياث الدين إلى «فيروزكوه» ، فأرسل علاء الدين عسكرا مع ابنه، وفرق فيهم أموالا جمة ليمنعوا غياث الدين، فلقوه بالقرب من فيروزكوه، فلما تراءى الجمعان كشف إسماعيل الخلجى المغفر «٤» عن رأسه، وقال: «الحمد

стр. 9970

لله إذ «١» الأتراك الذين لم يعرفوا أباهم لم يضيعوا حق التربية» ، وردّوا ابن ملك باميان، وأنتم مشايخ الغورية الذين أنعم عليكم والد هذا السلطان وربّاكم، كفرتم إحسانه، وجئتم لقتال ولده أهذا فعل الأحرار، فقال محمد المرغنى، وهو مقدم العسكر: لا والله وترجل عن فرسه، وألقى سلاحه، وقصد غياث الدين، وقبل الأرض بين يديه، وبكى بصوت عال، وفعل سائر الغورية مثل فعله، فانهزم خواصّ علاء الدين مع ولده، فلما بلغه الخبر خرج عن فيروزكوه هاربا نحو الغور، وهو يقول: أجاور بمكة، فأنفذ غياث الدين خلفه من العسكر من أدركه، فأخذ وحبس، وملك غياث الدين فيروزكوه، وفرح به أهل البلد، وقبض على جماعة من الكرّاميّة أصحاب علاء الدين، فقتل بعضهم، وسكن دار أبيه، وأعاد رسومه، وسلك سبيل العدل والإحسان، ثم لم تكن له همة إلا في أمر الحسن بن حرميل، وملاطفته، فتكررت المكاتبات منه إليه، وابن حرميل يغالظه «٢» فى الجواب، ويطاوله، وكان ابن حرميل «٣» قد كتب إلى خوارزم شاه بالانحياز إليه، وبذل الطاعة، وأنه يسلم إليه هراة، فكان من أمره ما نذكره في أخبار الدولة الخوارزمية من انضمام بن حرميل إلى خوارزم شاه، وملكه ما كان للغورية بخراسان، والله أعلم بالصواب.

стр. 9971

ذكر عود علاء الدين وجلال الدين ابنى بهاء الدين سام صاحب باميان الى غزنة قال: ولما فارق علاء الدين غزنة على الصّفة التى ذكرناها، والتحق بباميان، شرع في الاستعداد وجمع العساكر لقصد غزنة، وأما الدزّ، فإنه استولى على غزنة، وأحسن إلى الناس، وبسط العدل والإنصاف، ولم يخطب لنفسه ولا لغيره، وكان يعد الناس، ويقول: إن رسولى عند مولاى غياث الدين، فإذا عاد خطبت له، فتمسك «١» الناس بقوله، وإنما كان يفعل ذلك مكرا وخديعة بهم وبغياث الدين لأنه كان يضعف عن مقاومة صاحب باميان، وكانوا كذلك «٢» إلى خامس ذى القعدة سنة اثنتين وستمائة، فبينما الناس على ذلك إذ ورد عليهم الخبر أن صاحب باميان قد جمع الجيوش، وأقبل بها، وعزم على نهب غزنة، فجهز الدز جيشا كثيفا من عسكره، وسيرهم إلى طريق صاحب باميان ليمنعوه من الوصول إلى غزنة، فلم يكن لهم قبل به، فلما التقوا قتل من الأتراك جماعة، وانهزم من سلم، وتبعهم علاء الدين يقتل ويأسر، فخرج الدز من غزنة هاربا إلى كرمان، فنزل علاء الدين غزنة، واتبع الدز إلى كرمان، فملكها، وأمّن أهلها، وعزم على العود إلى غزنة، ونهبها، فراسله رسول الخليفة، وشفع في أهلها، فشفّعه فيهم بعد مراجعات، ثم وصل علاء الدين، وجلال الدين إلى غزنة، ومعهما ما بقى من الخزانة التى كان الدز

стр. 9972

قد أخذها من الوزير مؤيد الملك، فكانت تسعمائة حمل، وفيها من الثياب المنسوجة بالذهب اثنا عشر ألف ثوب، وقصد علاء الدين أن يستوزر مؤيّد الملك، فسمع جلال الدين بذلك فأحضره، وخلع عليه، واستوزره، فغضب علاء الدين من ذلك، وقبض على مؤيد الملك، وقيده وحبسه، فتغيرت نيّات الناس، واختلف علاء الدين، وجلال الدين، واقتسما ما كان في الخزانة وجرى بينهما مشاحّة «١» فى القسمة لا تجرى بين التجار، فعلم الناس أنه لا يتم لهما أمر، ولا يستقيم لهما دولة، وعاد جلال الدين ببعض العسكر إلى باميان، واستقر علاء الدين بغزنة، فأساء وزيره عماد الملك السيرة في الأجناد والرعية ونهب أموال الأتراك حتى باع أمهات الأولاد. ذكر عود تاج الدين الدز الى غزنة قال: ولما انفرد علاء الدين بغزنة، وأقام بها جمع الدز جمعا كثيرا من الأتراك، وعاد إلى كرمان، وبها عسكر لعلاء الدين مع أمير يقال له المؤيد، وكان المؤيد قد اشتغل باللهو واللعب، فلم يشعر إلا وعسكر الدز قد هجم على البلد «٢» ، وقتل من فيه من العسكر عن آخرهم في المعركة صبرا، وقتل المؤيد، فوصل الخبر إلى غزنة فى العشرين من ذى الحجة من السنة، فصلب علاء الدين الذى جاء بالخبر، فتغيمت السماء وأمطرت حتى خرب بعض غزنة، ووقع برد كبار مثل بيض الدجاج، فضج الناس إلى علاء الدين، فأنزله آخر

стр. 9973

النهار، فانكشفت الظلمة، وكتب علاء الدين إلى أخيه جلال الدين يعلمه بالخبر، ويستنجده، ووصل الدز آخر ذى القعدة إلى غزنة، وحاصر القلعة، وكان بينه وبين علاء الدين قتال شديد، وجاء جلال الدين بأربعة آلاف من عسكر باميان، فلقيه الدز بقرية [بلق «١» ] واقتتلوا، فانهزم عسكر جلال الدين، وأخذ هو أسيرا، وأسر من البامانية ألف أسير، وعاد الدز إلى غزنة، فبعث إلى علاء الدين في تسليم القلعة أو قتل الأسرى، فامتنع من التسليم فقتل منهم أربعمائة بإزاء القلعة، فراسله عند ذلك في طلب الأمان، فأمنه، فلما خرج قبض عليه ووكل به وبأخيه [من يحفظهما] «٢» وقبض على وزيره عماد الملك، وكتب إلى غياث الدين بالفتح، وأرسل إليه الأعلام، وبعض الأسرى وذلك في صفر [سنه ٦٠٣] «٣» ذكر ما اتفق لغياث الدين محمود مع تاج الدين الدز وأيبك «٤» قال: ولما عاد الدز إلى غزنة كتب إليه غياث الدين يطالبه بالخطبة له، فأجابه جواب مدافع، وكان جوابه أشد مما تقدم، فأعاد عليه الجواب يقول: إما أن تخطب لنا، وإما أن تعرفنا ما في نفسك، فلما وصل إليه الرسول خطب لنفسه بغزنة بعد الترحم على شهاب الدين، فساء الناس ذلك منه، وتنكروا له، ولم يروه أهلا

стр. 9974

أن يخدموه، ولما خطب لنفسه أرسل إلى غياث الدين يقول: بماذا تشتط «١» على هذه الخزانة، نحن جمعناها بأسيافنا، وهذا الملك قد أخذته، وأنت قد اجتمع عندك الذين هم أساس الفتنة، وأقطعتهم الإقطاعات، ووعدتنى بأمور لم تف لى بشىء منها، فإن أنت عتقتنى خطبت لك، وحضرت إلى عندك، فأجابه غياث الدين إلى العتق بعد الامتناع، وأشهد عليه بعتقه، وبعتق قطب الدين أيبك النائب ببلاد الهند. وأرسل إلى كل منهما ألف قباء، وألف قلنسوة، ومناطق الذهب، وسيوفا كثيرة، وجترين، ومائة رأس من الخيل، فقبل الدز الخلع، ورد الجتر، وقال: نحن عبيدك، والجتر له أصحاب، وسار رسول أيبك، وكان «بفرشابور «٢» » ، وقد حفظ المملكة، وضبط البلاد، فلما قرب الرسول منه تلقاه، وترجل وقبل حافر الفرس، ولبس الخلعة، وقال: أما الجتر فلا يصلح للمماليك، وأما العتق فمقبول، وسوف أجازيه بعبودية الأبد. قال: وأرسل خوارزم شاه إلى غياث الدين يطلب منه أن يتصاهرا، وأنه يسير إليه العساكر إلى غزنة، فإذا ملكها من الدز اقتسموا المال أثلاثا، ثلث له، وثلث لغياث الدين، وثلث للعسكر، فأجابه غياث الدين إلى ذلك، ولم يبق إلا الصلح، فوصل الخبر إلى خوارزم شاه بموت صاحب مازندران، فسار عن هراة إلى مرو، وسمع الدز بالصلح، فجزع لذلك جزعا عظيما، ظهر أثره عليه، وأرسل إلى غياث الدين

стр. 9975

يقول له «١» : ما حملك على هذا فأجابه: حملنى عليه عصيانك وخلافك، فسار الدز إلى [تكيناباد] «٢» فأخذها، وإلى بست وتلك الأعمال، وقطع خطبة غياث الدين عنها، وأرسل إلى صاحب سجستان يأمره بإعادة الترحم على شهاب الدين، وقطع خطبة خوارزم شاه، وأرسل إلى ابن حرميل صاحب هراة بمثل ذلك، وتهددهما بقصد بلادهما. ثم إن الدز أخرج جلال الدين صاحب باميان [من أسره] «٣» ، وسير معه خمسة آلاف فارس مع أيدكز «٤» ، لإعادته إلى ملك باميان، وكان قد ملكها عباس عم جلال الدين، وعلاء الدين لما أسرهما الدز، فاسترجعها من عمه. قال: وبلغ قطب الدين أيبك ما فعله الدز، فكتب إليه يفتح ذلك عليه، وينكر فعله، ويقول: إن لم تخطب له بغزنة، وتعود إلى طاعته، وإلا قصدت بلادك، ثم بعث أيبك إلى غياث الدين بالهدايا والتحف، وأشار عليه بإجابة خوارزم شاه إلى ما طلبه الآن، وأنه عند الفراغ من أمر غزنة يسهل أمر خوارزم شاه وغيره، قال: وخالف أيدكز على الدز، فأقام بكابل، وكتب إلى أيبك يعرفه مخالفته له، وانتصاره لغياث الدين فصوب رأيه، وأشار عليه بقصد غزنة في غيبة الدز، فإن حصلت له القلعة يقيم بها إلى أن يأتيه، وإن تعذرت عليه ينحاز إلى غياث الدين، أو يعود إلى كابل، فوصل أيدكز إلى غزنة في أول شهر رجب

стр. 9976

سنة ثلاث وستمائة، فمنعوه القلعة، فأمر أصحابه بنهب البلد فنهبوا عدة مواضع، فتوسط القاضى بينهم أن يسلم إليه من الخزانة خمسين ألف دينار ركنية «١» ، وأخذ له من التجار شيئا آخر، وخطب أيدكز بغزنة لغياث الدين محمود، وقطع خطبة الدز، ففرح الناس لذلك، واتصل الخبر بالدز، ووصل إليه رسول أيبك، فخطب لغياث الدين في تكيناباد «٢» ، وأسقط اسمه من الخطبة، ورحل إلى غزنة، فلما قاربها فارقها أيدكز إلى بلد الغور، وأقام في نمران، «٣» وكتب إلى غياث الدين [محمود] » ، يخبره بحاله، وأنفذ إليه المال الذى أخذه من الخزانة والتجار بغزنة، فأرسل إليه خلعا سنية، وأعتقه، وخاطبه بملك الأمراء، ورد عليه مال الخزانة «٥» ، وقال له: أما مال الخزانة، فقد أعدناه إليك، وأما أموال التجار وأهل البلد فقد أرسلناها إلى أربابها لئلا تقبح دولتنا بالظلم، وقد عوضتك عنها ضعفيها، وأرسل أموال الناس إلى القاضى بغزنة، وأمره بردها على أربابها، ففعل ذلك، وكثر الدعاء له، وصار الدز بين الطاعة والخلاف لغياث الدين.

стр. 9977

ذكر مقتل غياث الدين محمود، وانقراض الدولة الغورية كان مقتلة في سنة خمس وستمائة. وسبب ذلك أن خوارزم شاه سلم هراة إلى خاله أمين «١» ملك، وأمره أن يقصد غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد بن سام «٢» ، ويقبض عليه، وعلى على شاه بن خوارزم شاه، ويأخذ فيروزكوه، فسار أمين ملك إلى فيروزكوه، واتصل الخبر بغياث الدين، فبذل الطاعة، وطلب الأمان، فأمنه، فلما نزل إليه من فيروزكوه قبض عليه، وعلى على شاه أخى خوارزم شاه، فسألهما أن يحملهما إلى خوارزم شاه ليرى فيهما رأيه، فأرسل أمين «٣» ملك إلى خوارزم شاه يعرفه الخبر، فأمره بقتلهما، فقتلا في يوم واحد، واستقامت خراسان كلها لخوارزم شاه. وانقرضت الدولة الغورية بقتل غياث الدين هذا، وكانت من أحسن الدول، وأكثرها جهادا، وكان غياث الدين هذا عادلا كريما حليما، من أحسن الملوك سيرة، وأكرمهم أخلاقا، وهو آخر ملوك الدولة الغورية، وكان ابتداء هذه الدولة من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وانقراضها في سنة خمس وستمائة، فتكون مدتها ثلاثا وستين سنة تقريبا، وربما ظهرت قبل هذا التاريخ، وإنما انتشرت واشتهرت وتمكنت في سنة ثلاث وأربعين. فلذلك جعلنا ابتداءها فيها. وعدة من ملك منهم عشرة ملوك، وهم محمد بن الحسين وهو بن الحسن ملك ببلاد الغور قبل سنة ثلاث وأربعين، ولم أظفر بابتداء ملكه،

стр. 9978

فاذكره في سنته، ثم ملك بعده أخوه سام بن الحسين، ثم ملك بعده أخوه سورى بن الحسين، ثم ملك بعده أخوه الحسين، وهو أول من علا ذكره، وطار اسمه، وتمكّنت دولته، ثم ملك بعده ابنه سيف الدين محمد بن الحسين، ثم ملك بعده غياث الدين أبو الفتح محمد ابن سام بن الحسين، ثم ملك بعده شهاب الدين محمد بن سام، ثم اضطرب أمر الدولة الغورية بعده، فملك علاء الدين، وجلال الدين ابنا بهاء الدين سام صاحب باميان، ولم تطل مدّتهما. وإنما ذكرناهما في عدد الملوك الغورية؛ لأنهما استوليا على غزنة، وخطب لهما بها، وملك غياث الدين محمد، وكانت دولته في غاية الاضطراب كما ذكرنا. ذكر أخبار تاج الدين الدز، وما كان من أمره بعد مقتل غياث الدين استقبل تاج الدين الدز بملك غزنة بعد مقتل غياث الدين محمود، وأحسن السيرة في الرعية، ودام ملكه بها إلى أن ملكها السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن رتكش «١» فى سنة ثنتى عشرة وستمائة «٢» على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الخوارزمية، ولما ملكها خوارزم شاه هرب تاج الدين الدز من غزنة، وسار إلى مدينة «لهاوور» ، واستولى عليها من صاحبها ناصر الدين قباجة

стр. 9979

وهو من المماليك الشهابية بعد حرب كانت «١» بينهما انتصر فيها الدز، ثم سار من مدينة لهاوور إلى الهند ليملك ما بيد المسلمين منها، فلقيه شمس الدين الترمش مملوك قطب الدين أيبك، وكان قد ملك بعد وفاة مولاه، فاقتتلا قتالا شديدا، أجلت الحرب عن قتل تاج الدين الدز، وكان محمود السيرة في ولايته، كثير العدل والإحسان إلى رعيته، لا سيما التجار الغرباء، ومن محاسن أعماله ومكارم أخلاقه وحلمه أنه كان له أولاد، ولهم مؤدّب يعلمهم القرآن، فضرب أحدهم، فمات، فأحضره الدز، وقال له: يا مسكين ما حملك على ما فعلت، فقال: والله ما أردت إلا تأديبه، فمات. فقال له: صدقت، وأعطاه نفقة، وقال له: تغيّب، فإن أمّه لا تقدر على الصبر، وربما أهلكتك، ولا أقدر أمنعك، وهذا نهاية الحلم، ولم يشتهر الأحنف بن قيس بالحلم بأكثر من هذا، وكان القاتل ابن أخيه، وهذا أجنبى رحمه الله تعالى.

стр. 9980

الباب العاشر من القسم الخامس من الفن الخامس فى أخبار ملوك العراق، وما والاه وملوك الموصل والديار الجزيرية، والبكرية «١» والبلاد الشامية، والحلبية، والدولة الحمدانية، والديلمية البويهية، والسلجوقية، والأتابكية. ذكر أخبار الدولة الحمدانية وهذه الدوله كانت بالموصل. وديار ربيعة، وديار بكر، والثغور، وحلب، وجذ ملوكها الذين ينسبون إليه هو مكابد المحل حمدان بن الحارث بن لقمان بن راشد بن رافع بن مسعود التغلبى «٢» العدوى، وإنما سمى الأمير حمدان مكابد المحل لأن الموصل أجدبت في بعض السنين حتى عدم القوت بها، فمات الناس أجمع سنتين إلى أن أغيثوا، ففيه يقول الشاعر: مازلت في قيظ المعيشة جاهدا ... حتّى دعيت مكابد المحل
следующие страницы →