← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

فخالع زوجته خلعا صحيحا ثم فعله بعد أن بانت بالخلع لم يحنث، وإن كان الخلع لأجل اليمين ففيه نزاع مشهور. والصحيح أن خلع اليمين لا يصح، كالمحلل، لأنه ليس المقصود به الفرقة، وهل يقع بخلع اليمين طلقة رجعية أم لا يقع به شيء؟ فيه نزاع مشهور، والصحيح أنه لا يقع به شيء بحال، لكن إذا أفتاه مفت به وفعله معتقدا أن النكاح قد زال وأنه لا حنث عليه لأنه لم يقصد مخالفة يمينه فلا حنث عليه، وأكثر العلماء يقولون إن يمينه باقية منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور والشافعي في أحد قوليه. وفي القول الآخر: أن اليمين تنحل إذا حصل بينه وبين زوجته بينونة، ويجوز للمستفتي أن يستفتي في مثل هذه المسائل من يفتيه بأن لا حنث عليه، ولا يجب على أحد أن يطيع أحدا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ وإذا أفتاه من يجوز استفتاؤه جاز أن يعمل بفتواه ولو كان ذلك القول لا يوافق المذهب الذي ينتسب هو إليه، وليس بالازم أن يلتزم قول إمام بعينه في جميع أيمانه (١) . قال شيخنا: والاحتياط أحسن ما لم يفض بصاحبه إلا مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط (٢) . ومن اتهمته زوجته بوطء جاريته فعرض وحلف أنه ما وطئها فله ذلك كما جرى لعبد الله بن رواحة ﵁ إذ حلف لزوجته وأقام لها الدليل على ذلك أنه ليس جنبا فأنشد لها شعرا يوهمها أنه قرآن وهو: شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرين وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين

стр. 1017

وذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك وقال: "إن امرأتك لفقيهة" فهذا قد أظهر لها أنه يقرأ القرآن، ومثل هذا لو فعله الرجل لغير عذر كان حراما بالاتفاق (١) . باب الشك في الطلاق لو قال: إن كان غرابا فامرأتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غرابا فامرأتي طالق، ولم يعلماه لم تطلقا، ويحرم عليهما الوطء إلا مع اعتقاد أحدهما خطأ الآخر. واختار أبو الفرج في الإيضاح والشيخ تقي الدين وقوع الطلاق، وقال: هو ظاهر كلام أحمد ﵀ (٢) . باب الرجعة قال شيخنا: لا يمكن من الرجعة إلا من أراد إصلاحا وأمسك بمعروف فلو طلق إذا ففي تحريمه الروايات: وقال: القرآن يدل على أنه لا يملكه وأنه لو أوقعه لم يقع كما لو طلق البائن، ومن قال: إن الشارع ملك الإنسان ما حرمه عليه فقد تناقض (٣) . وألزم شيخنا بإعلان الرجعة والتسريح أو الإشهاد كالنكاح والخلع عنده، لا على ابتداء الفرقة لقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ ولئلا يكتم طلاقها (٤) .

стр. 1018

قال أبو العباس: أبو حنيفة يجعل الوطء رجعة، وهو إحدى الروايات عن أحمد، والشافعي لا يجعله رجعة، وهو رواية عن أحمد، ومالك يجعله رجعة مع النية، وهو رواية أيضا عن أحمد، فيبيح وطء الرجعية إذا قصد به الرجعة وهذا أعدل الأقوال وأشبهها بالأصول، وكلام ابن أبي موسى في الإرشاد يقتضيه. ولا تصلح الرجعة مع الكتمان بحال، وذكره أبو بكر في الشافعي، وروي عن أبي طالب قال: سألت أحمد عن رجل طلق امرأته وراجعها واستكتم الشهود حتى انقضت العدة؟ قال: يفرق بينهما ولا رجعة له عليها (١) . فصل قال أصحابنا: ومن غابت مطلقته المحرمة ثم ذكرت أنها تزوجت من أصابها وانقضت عدتها منه وأمكن ذلك فله نكاحها إذا غلب على ظنه صدقها وإلا فلا. وقد تضمنت هذه المسألة، أن المرأة إذا ذكرت أنه كان لها زوج فطلقها وانقضت عدتها فإنه يجوز تزوجها وتزويجها، وإن لم يثبت أنه طلقها. ولا يقال: إن ثبوت إقرارها بالنكاح يوجب تعلق حق الزوج بها فلا يجوز نكاحها حتى يثبت زواله. ونص الإمام أحمد في الطلاق، إذا كتب إليها أنه طلقها لم تتزوج حتى يثبت الطلاق، وكذلك لو كان للمرأة زوج فادعت أنه طلقها لم تتزوج بمجرد ذلك باتفاق المسلمين؛ لأنا نقول، المسألة هنا فيما إذا

стр. 1019

ادعت أنه تزوجها من أصابها وطلقها ولم تعينه، فإن النكاح لم يثبت لمعين بل لمجهول، فهو كما لو قال: عندي مال لشخص وسلمته إليه فإنه لا يكون إقرارا بالاتفاق، فكذلك قولها، كان لي زوج وطلقني أو سيدي اعتقني ولو قالت: تزوجني فلان وطلقني فهو كالإقرار بالمال، وادعاء الوفاء، والمذهب لا يكون إقراره (١) . فصل قال أحمد في رواية ابن منصور: فإن طلقها ثلاث ثم جحد تفتدي نفسها منه بما تقدر عليه، فإن أجبرت على ذلك فلا تتزين له ولا تقربه وتهرب إن قدرت. وقال في رواية أبي طالب: تهرب ولا تتزوج حتى يظهر طلاقها ويعلم ذلك. فإن لم يقر بطلاقها ومات لا ترث، لأنها تأخذ ما ليس لها، وتفر منه، ولا تخرج من البلد ولكن تختفي في بلدها قيل له: قال بعض الناس، تقتله بمنزلة من يدفع عن نفسه، فلم يعجبه ذلك. فإن قال: استحللت، وتزوجتها، قال: يقبل منه. قال القاضي: ألا تقتله، معناه: لا تقصد قتله، وإن قصدت دفعه فأدى ذلك إلى قتله فلا ضمان. قال أبو العباس: كلام أحمد يدل على أنه لا يجوز لها دفعه

стр. 1020

بالقتل وهو الذي لم يعجبه لأن هذا ليس معتديا في الظاهر، والدفع بالقتل إنما يجوز لمن ظهر اعتداؤه (١) . وقطع جمهور أصحابنا بحل المطلقة ثلاثا بوطء المراهق، والذمي إن كانت ذمية. قال أبو العباس: النكاح الذي يبيحها له هو النكاح الذي ينبغي أن يقران عليه بعد الإسلام، والمجيء به إلينا للحكم صحيح. فعلى هذا يحلها النكاح بلا ولي ولا شهود، وكذلك لو تزوجها على أخت ثم ماتت الأخت قبل مفارقتها. فأما لو تزوجها في عدة أو على أخت ثم طلقها مع قيام المفسد فهنا موضع نظر، فإن هذا النكاح لا يثبت به التوارث ولا نحكم نحن فيه بشيء من أحكام النكاح، فينبغي أن لا تحل له (٢) . يلزمها (٣) ترك حناء وزينة نهاها عنه الزوج، ذكره الشيخ تقي الدين ﵀ (٤) .

стр. 1021

كتاب الإيلاء وإذا حلف الرجل على ترك الوطء وغي بغاية لا يغلب على الظن خلو المدة منها فخلت منها فعلى روايتين: إحداهما: هل يشترط العلم بالغاية وقت اليمين، أو يكفي ثبوتها في نفس الأمر؟ وإذا لم يفئ وطلق بعد المدة أو طلق الحاكم عليه لم يقع إلا طلقة رجعية وهو الذي يدل عليه القرآن، ورواية عن أحمد، فإذا راجع فعليه أن يطأ عقب هذه الرجعة إذا طلبت ذلك منه، ولا يمكن من الرجعة إلا بهذا الشرط، ولأن الله إنما جعل الرجعة إذا أراد إصلاحا بقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [٢٢٨/٢] (١) . وقال ابن رجب في كتاب تزويج أمهات الأولاد: يؤخذ من كلامه أن حصول الضرر بترك الوطء مقتض للفسخ بكل حال، وسواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد، وسواء كان مع عجزه أو قدرته، وكذا ذكر الشيخ تقي الدين ﵀ في العاجز، وألحقه بمن طرأ عليه جب أو عنة (٢) .

стр. 1022

كتاب الظهار ولا ظهار من أمته، ولا أم ولده، وعليه كفارة، نقله الجماعة، ونقل أبو طالب، عليه كفارة ظهار. ويتوجه على هذا أنها تحرم عليه حتى يكفر، كأحد الوجهين فيما لو قال: أنت علي حرام وأولى (١) . وإن قال لأجنبية: أنت علي كظهر أمي لم يطأها حتى يكفر.. وقيل: لا يصح كالطلاق، وذكره الشيخ تقي الدين ﵀ رواية (٢) . ولو عزم على الوطء فأصح القولين لا تستقر الكفارة إلا بالوطء (٣) . قال في المحرر: ولو وطء في حال جنونه لزمته الكفارة، نص عليه مع أنه ذكر في الطلاق ما يقتضي أنه لا حنث عليه في ظاهر المذهب، فإن توجه فرق وإلا كان المنصوص الحنث في الجنون مطلقا، وفيه نظر (٤) . عتق ولد الزنا في الكفارة: قوله: وولد الزنا: يعني أنه يجزئ

стр. 1023

وهو المذهب، ولا أعلم فيه خلافا، قال الشيخ تقي الدين ﵀: ويحصل له أجره كاملا، خلافا لمالك ﵀؛ فإنه يشفع مع صغره لأمه لا لأبيه (١) . وما يخرج في الكفارة المطلقة غير مقيد بالشرع، بل بالعرف قدرًا أو نوعا من غير تقدير ولا تمليك، وهو قياس المذهب في الزوجة والأقارب والمملوك والضيف، والأجير المستأجربطعامه، والإدام يجب إن كان يطعم أهله بإدام، وإلا فلا. وعادة الناس تختلف في ذلك في الرخص والغلاء، واليسار والإعسار وتختلف بالشتاء والصيف. والواجبات المقدرات في الشرع على ثلاثة أنواع: تارة: تقدر الصدقة الواجبة ولا يقدر من يعطاها كالزكاة. وتارة يقدر المعطى، ولا يقدر المال كالكفارات، وتارة: يقدر هذا وهذا كفدية الأذى، وذلك لأن سبب وجوب الزكاة هو المال فقدر فيها المال الواجب. وأما الكفارات فسببها فعل بدنه كالجماع واليمين والظهار فقدر فيها المعطى كما قدر العتق والصيام، وما يتعلق بالحج ففيه بدن، ومال، فعبادته بدنية ومالية فلهذا قدر فيه هذا وهذا (٢) . وإن أخرج القيمة أو غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه، وعنه: يجزئه إذا كان قدر الواجب. واختار الشيخ تقي الدين الأجزاء ولم يعتبر القدر الواجب، وهو

стр. 1024

ظاهر نقل أبي داود وغيره، فإنه قال: أشبعهم قال: ما أطعمهم؟ قال: خبزا ولحما إن قدرت، أو من أوسط طعامكم (١) . اللعان ولو لم يقل الزوج في أيمانه: فيما رميتها به، فقياس المذهب صحته، كما إذا اقتصر الزوج في النكاح على قوله: قبلت. وإذا جوزنا إبدال لفظ الشهادة، والسخط، و"اللعن" فلأن نجوزه بغير العربية أولى (٢) . فصل فيما يلحق من النسب وإذا اعترف السيد بوطء الأمة وقبل خروجها من ملكة جاءت بولد لمدة الإمكان لحقه نسبه، وثبت في صحيح مسلم عن أبي الدرداء ﵁، أن النبي ﷺ قال في امرأة مجح على باب فسطاط والمجح هي الحامل المقرب، فقال: لعل صاحبها ألم بها؟ قالوا: نعم، قال: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، كيف يستعبده وهو لا يحل له، فنصب على أنه لا يجوز استعباده، ولا أن يجعله ميراثا عنه إذا كان قد سقاه ماءه وزاده في سمعه وبصره فصار فيه ما هو بعض له، فهي أم ولده من هذا الوجه، وقد نص على ذلك غير واحد من العلماء منهم أحمد وغيره، حتى قال تصير أم ولده، والإسلام يسري كالعتق فإذا وطئها وهي حامل عتق الولد وحكم بإسلامه، وليس له بيعة، ولا يثبت نسبه بمجرد ذلك.

стр. 1025

ومن زنت أمته وأتت بولد فأعتقه فله أجر عتق عبد كامل عند جمهور العلماء، وذهب طائفة كأبي حنيفة ومالك إلى أن عتقه ناقص (١) . وإذا ادعت جارية أن فلانا زوج سيدتها وطئها فالقول قوله: وهل يحلف؟ فيه نزاع، ولا يحل أن يجحد أنه وطئها إن كانت صادقة، والولد رقيق تبعا لأمه إن لم يقر بوطئها (٢) . ولا تصير الزوجة فراشا إلا بالدخول، وهو مأخوذ من كلام الإمام أحمد في رواية حرب (٣) . ونقل حرب فيمن طلق قبل الدخول وأتت بولد فأنكره ينتفي بلا لعان، فأخذ الشيخ تقي الدين ﵀ من هذه الرواية أن الزوجة لا تكون فراشًا إلا بالدخول، واختاره هو وغيره من المتأخرين منهم والد الشيخ تقي الدين، قاله ابن نصر الله في حواشيه (٤) . وتتبعض الأحكام لقوله ﷺ : "احتجبي يا سودة" وعليه نصوص أحمد (٥) . ومنها: أنه لا أثر لشبه مع فراش، ذكره جماعة من الأصحاب، وقدمه في الفروع، واختار الشيخ تقي الدين تبعض الأحكام بقوله ﷺ "احتجبي يا سودة" (٦) . ومن أقر بوطء أمته في الفرج فولدت لمدة إمكانه لزمه ولحقه، فلا ينتفي بلعان ولا غيره إلا أن يدعي الاستبراء، وفي يمينه وجهان ...

стр. 1026

أحدهما: يحلف، وهو الصحيح.. والوجه الثاني: لا يحلف، قال: الشيخ تقي الدين، المشهور أنه يحلف (١) . وقال شيخنا: فيما إذا ادعى البائع أنه ما باع حتى استبرأ وحلف المشتري أنه ما وطئها، فقال: إن أتت به بعد الاستبراء لأكثر من ستة أشهر فقيل: لا يقبل قوله ويلحقه النسب قاله القاضي في تعليقه، وهو ظاهر كلام أحمد، وقيل: ينتفي النسب، اختاره القاضي في المجرد وابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهم وهو مذهب (م ش) فعلى هذا هل يحتاج إلى اليمين على الاستبراء؟ فيه وجهان في مذهب مالك وأحمد، والاستحلاف قول (ش) والمشهور لا يحلف (٢) . ولو أقر بنسب أو شهدت به بينة فشهدت بينة أخرى أن هذا ليس من نوع هذا؛ بل هذا رومي وهذا فارسي فهذا من وجه يشبه تعارض القافة أو البينة، ومن وجه كبر السن، فهذا المعارض المنافي للنسب هل يقدح في المقتضي له؟ قال أبو العباس: هذه المسألة حدثت وسئلت عنها وكان الجواب: أن التغاير بينهما إن أوجب القطع بعدم النسب فهو كالسن مثل، أن يكون أحدهما حبشيا والآخر روميا ونحو ذلك، فهنا ينتفي النسب، وإن كان أمرا محتملا لم ينفه لكن إن كان المقتضي للنسب الفراش لم يلتفت إلى المعارضة، إن كان المثبت له مجرد الإقرار أو البينة فاختلاف الجنس معارض ظاهر، فإن كان النسب بنوة فثبوتها أرجح من غيرها، إذ لا بد للابن من أب غالبا وظاهرا. قال في الكافي: ولو أنكر المجنون بعد البلوغ لم يلتفت إلى إنكاره، قال أبو العباس: ويتوجه أن يقبل؛ لأنه إيجاب حق عليه بمجرد

стр. 1027

قول غيره مع منازعته، كما حكمنا للقيط بالحرية، فإذا بلغ فأقر بالرق قبلنا إقراره (١) . ولو أدخلت المرأة لزوجها أمتها؟ إن ظن جوازه لحقه الولد، وإلا فروايتان ويكون حراما على الصحيح إن ظن حلها بذلك (٢) . ومن وطئ أمة امرأته وقد أحلتها له عزر بمائة جلدة، وعنه: إلا سوطا، وعنه: بعشرة ولا يلحقه الولد في رواية نقله الجماعة، قال أبو بكر: عليه العمل، قال أحمد: لما لزمه من الجلد أو الرجم، وعنه: بلى، وقال شيخنا: إن ظن جوازه لحقه وإلا فروايتان فيه وفي حده (٣) . وإن وطئ المرتهن الأمة المرهونة بإذن الراهن وظن جواز ذلك لحقه الولد وانعقد حرا (٤) . يلحقه الولد بوطء الشبهة كعقد نص عليه، وذكره الشيخ تقي الدين إجماعا (٥) . واختار شيخنا: أنه إن استلحق ولده من زنا ولا فراش لحقه (٦) . وإن تداعيا بهيمة أو فصيلا فشهد القائف أن دابة هذا تنتجها؟ ينبغي أن يقضي بهذه الشهادة، وتقدم على اليد الحسية. ويتوجه أن يحكم بالقافة في الأموال كلها كما حكمنا بذلك في الرف المقلوع إذا كان له موضع في الجدار، وكما حكمنا في الاشتراك

стр. 1028

في اليد الحسية بما يظهر من اليد العرفية فأعطينا كل واحد من الزوجين ما يناسبه في العادة، وكل واحد من الصانعين ما يناسبه، وكما حكمنا بالوصف في اللقطة إذا تداعاها اثنان، وهذا نوع قافة أو شبيه به، وكذلك لو تنازعا غراسًا أو ثمرًا في أيديهما فشهد أهل الخبرة أنه من هذا البستان، ويرجع إلى أهل الخبرة حيث يستوي المتداعيان، كما رجع إلى أهل الخبرة بالنسب، وكذلك لو تنازع اثنان لباسا أو نعلا من لباس أحدهما دون الآخر، أو تنازعا دابة تذهب من بعيد إلى اصطبل، أحدهما دون الآخر، أو تنازعًا زوج خف أو مصراع باب مع الآخر شكله، أو كان عليه علامة لأحدهما كالزبول الذي للجند، وسواء كان المدعي في أيديهما أو في يد ثالث. وأما إن كانت اليد لأحدهما دون الآخر فالقافة المعارضة لهذا كالقافة المعارضة للفراش، فإن قلنا بتقديم القافة في صرة الرجحان فقد نقول ههنا كذلك، ومثل أن يدعي أنه ذهب من ماله شيء ويثبت ذلك فيقص القائف أثر الوطء من مكان آخر، فشهادة القائف أن المال دخل إلى هذا الموضع توجب أحد الأمرين: إما الحكم به، وإما أن يكون لوثا فيحكم به مع اليمين للمدعي وهو الأقرب، فإن هذه الأمارة ترجح جانب المدعي، واليمين مشروعة في أقوى الجانبين. ولو مات الطفل قبل أن تراه القافة قال المزي: يوقف ماله، وما قاله ضعيف، وإنما قياس المذهب القرعة، ويحتمل الشركة، ويحتمل أن يرث واحد منهما (١) .

стр. 1029

كتاب العدد قال شيخنا: والصواب أن يقال: إن عدة الوفاة هي حرم لانقضاء النكاح، ورعاية لحق الزوج، ولهذا تحد المتوفى عنها في عدة الوفاة رعاية لحق الزوج فجعلت العدة حريما لحق هذا العقد الذي له خطر وشأن فيحصل بهذه فصل بين نكاح الأول ونكاح الثاني ولا يتصل النكاحان. ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما عظم حقه حرم نساؤه بعده، وبهذا اختص الرسول لأن أزواجه في الدنيا هن أزواجه في الآخرة، بخلاف غيره فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغير زوجها تضررت المتوفى عنها، وربما كان الثاني خيرا لها من الأول، ولكن لو تأيمت على أولاد الأول لكانت محمودة على ذلك مستحبا لها في الحديث "أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة، وأومأ بالوسطى والسبابة امرأة أيمت من زوجها ذات منصب وجمال وحبست نفسها على يتامى لها حتى بانوا أو ماتوا" وإذا كان المقتضى لتحريمها قائمًا فلا أقل من مدة تتربصها، وقد كانت في الجاهلية تتربص سنة فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشر، وقيل لسعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيها ينفخ الروح فيحصل في هذه المدة براءة الرحم حيث يحتاج إليه، وقضاء حق الزوج إذا لم يحتج إلى ذلك (١) .

стр. 1030

لو قتل المرتد في عدة امرأته فإنها تستأنف عدة الوفاة، نص عليه في رواية ابن منصور. لو أسلمت امرأة كافر ثم مات قبل انقضاء العدة فإنها تنتقل إلى عدة الوفاة في قياس التي قبلها ذكره الشيخ تقي الدين ﵀ (١) . وذكر الشيخ تقي الدين: أنها إن شربت ما تحيض به فلها ذلك كمن لها غرض في قصر عدتها لارتفاع الحيض بعارض (٢) . ويتوجه في المعتق بعضها إذا كان الحر ثلثها فما دون أن لا تجب الثلاثة الأقراء فإن تكميل القرءين من الأمة إنما كان لضرورة، فيؤخذ للمعتق بعضها بحاسب الأصل ويكمل (٣) . والمطلقة البائن وإن لم تلزمه نفقتها إن شاء أسكنها في مسكنه أو غيره إن صلح لها ولا محذور تحصينا لمائه وأنفق عليها فله ذلك، وكذلك الحامل من وطء الشبهة أو النكاح الفاسد لا يجب على الواطئ نفقتها إن قلنا بالنفقة لها، إلا أن يسكنها في منزل يليق بها تحصينا لمائه فيلزمها ذلك، وتجب لها النفقة والله أعلم (٤) . ومن طلق ثلاثا وألزمها بوفاء العدة في مكانها فخرجت منه قبل أن توفي عدتها فلا نفقة لها وليس لها أن تطالب بنفقة الماضي في مثل هذه العدة في مذهب الأربعة (٥) . وعنه: عدة مختلعة حيضة، واختاره شيخنا في بقية الفسوخ (٦) .

стр. 1031

ومن ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه إن علمت عدم عوده فتعتد بالأشهر وإلا اعتدت بسنة (١) . قال ابن القيم ﵀: والصواب الذي دل عليه القرآن وسيرة النبي ﷺ في السبايا، والقياس: أن النكاح ينفسخ بسباء المرأة مطلقا، فإنها قد صارت ملكا للسابي، وزالت العصمة عن ملك الزوج لها، كما زالت عن ملكه لرقبتها ومنافعها، وهذا اختيار أبي الخطاب وشيخنا وهو مذهب الشافعي (٢) . وقال في ميت عن امرأة شهد قوما بطلاقها ثلاثا مع علمهم عادة بخلوته بها، لا يقبل؛ لأن إقرارهم يقدح فيهم (٣) . والصواب في امرأة المفقود: مذهب عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة وهو أنها تتربص أربع سنين ثم تعتد للوفاة، ويجوز لها أن تتزوج بعد ذلك، وهي زوجة الثاني ظاهرًا وباطنًا (٤) ، ثم إذا قدم زوجها الأول بعد تزوجها خير بين امرأته وبين مهرها، ولا فرق بين ما قبل الدخول وبعده، وهو ظاهر مذهب أحمد. وعلى الأصح لا يعتبر الحاكم فلو مضت المدة والعدة تزوجت بلا حكم، قال أبو العباس، وكنت أقول: إن هذه شبه اللقطة من بعض الوجوه ثم رأيت ابن عقيل قد ذكر ذلك ومثل بذلك، وهذا لأن المجهول في الشرع كالمعدوم، وإذا علم بعد ذلك كان التصرف في أهله وماله موقوفا على إذنه.

стр. 1032

ووقف التصرف في حق الغير على إذنه يجوز عند الحاجة عندنا بلا نزاع، وأما مع عدم الحاجة ففيه روايتان، كما يجوز التصرف في اللقطة بعدم العلم لصاحبها فإذا جاء المالك كان تصرف الملتقط موقوفا على إجازته، وكان تربصها أربع سنين كالحول في اللقطة. وبالجملة: فكل صورة فرق فيها بين الرجل وامرأته بسبب يوجب الفرقة ثم تبين انتفاء ذلك السبب فهو شبيه بالمفقود، والتخيير فيه بين المرأة والمهر هو أعدل الأقوال. ولو ظنت المرأة أن زوجها طلقها فتزوجت فهو كما لو ظنت موته، ولو قدر أنها كتمت الزوج فتزوجت غيره ولم يعلم الأول حتى دخل بها الثاني فهنا الزوجان مشهوران بخلاف المرأة، لكن إن اعتقدت جواز ذلك بأن تعتقد أنه عاجز عن حقها أو مفرط فيه وأنه يجوز لها الفسخ والتزوج بغيره فتشبه امرأة المفقود. وأما إذا علمت التحريم فهي زانية، لكن المتزوج بها كالمتزوج بامرأة المفقود وكأنها طلقت نفسها فأجازه (١) . والواجب أن الشبهة إن كانت شبهة نكاح فتعتد الموطوءة عدة المزوجة حرة كانت أو أمة، وإن كانت شبهة ملك فعدة الأمة المشتراه، وأما الزنا فالعبرة بالمحل. وقال أبو العباس في موضع آخر: الموطوءة بشبهة ملك تستبرأ بحيضة، وهو وجه في المذهب، وتعتد المزني بها بحيضة، وهو رواية عن أحمد، والمختلفة يكفيها الاعتداد بحيضة واحدة، وهو رواية عن أحمد ومذهب عثمان بن عفان وغيره، والمفسوخ نكاحها كذلك، وأومأ

стр. 1033

إليه أحمد في رواية صالح، والمطلقة ثلاث تطليقات عدتها حيضة واحدة (١) . قال الشيخ تقي الدين: ويحرم سفره بأخت زوجته ولو معها (٢) . باب الاستبراء وعنه: لا يلزم في مسبيه ذكره الحلواني، وفي الترغيب وجه: لا يلزم في إرث، وفي صغيرة لا يوطأ مثلها روايتان: وخالف شيخنا في بكر كبيرة وآيسة وخبر صادق لم يطأ أواستبرأ (٣) . واختار الشيخ تقي الدين جواز وطء البكر ولو كانت كبيرة والآيسة وإذا أخبره صادق أنه لم يطأها أو أنه استبرأ. وعنه: لا يلزمه الاستبراء إن ملكها من طفل أو امرأة، قلت: وهو مقتضى قواعد الشيخ تقي الدين (٤) .

стр. 1034

الرضاع والرضاع المحرم في الحولين فقط مطلقا، وقال شيخنا: قبل الفطام، وقال: أو كبير لحاجة نحو جعله محرما خمس رضعات (١) . وإن اشترك اثنان في وطء امرأة فحكم المرتضع من لبنها حكم ولدها، من هذين الرجلين وأولادهما فإن لم يلحق بأحدهما فالواجب أنه يحرم على أولادهما لأنه أخ لأحد الصنفين وقد اشتبه، أو يقال كما قيل في الطلاق، يحل لكل منهما، فإن الاشتباه في حق اثنين لا واحد (٢) .

стр. 1035

كتاب النفقات نفقة الزوجة قال في المحرر: ولو أنفقت من ماله وهو غائب فتبين موته فهل يرجع ورثته عليها بما أنفقت بعد موته؟ على روايتين. قال أبو العباس: وعلى قياسه كل من أبيح له شيء وزالت الإباحة بفعل الله أو بفعل المبيح: كالمعير إذا مات أو رجع، والمانح، وأصل الموقوف عليه، لكن لم يذكر الجد ههنا إذا طلق، فلعله يفرق بين الموت والطلاق، فإن التفريط في الطلاق منه (١) . ولو أنفق الزوج على الزوجة وكساها مدة ثم ادعى الولي عدم إذنه وأنها تحت حجره لم يسمع قوله إذا كان الزوج قد تسلمها التسليم الشرعي، وقد نص على ذلك أئمة العلماء، وخالف فيه شذاذ من الناس. وإقرار الولي لها عنده مع حاجتها إلى النفقة والكسوة إذن عرفي (٢) . ذكر أصحابنا من الصور المسقطة لنفقة الزوجة صور النذر الذي في

стр. 1036

الذمة والصوم للكفارة، وقضاء رمضان قبل ضيق وقته إذا لم يكن ذلك في إذنه. قال أبو العباس: قضاء الله والكفارة عندنا على الفور، فهو كالمتعين، وصوم القضاء يشبه الصلاة في أول الوقت. ثم ينبغي في جميع صور الصوم أن تسقط نفقة النهار فقط، فإن هذا مثل أن تنشز يوما وتجيء يومًا، فإنه لا يمكن أن يقال في هذا كما قيل في الإجارة أن منع تسليم بعض المنفعة يسقط الجميع، إذ ما مضى من النفقة لا يسقط، ولو أطاعت في المستقبل استحقت (١) . والزوجة المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولا سكنى، إلا إذا كانت حاملا فروايتان، وإذا لم تجب النفقة في التركة فإنه ينبغي أن تجب لها النفقة في مال الحمل أو في مال من تجب عليه النفقة إذا قلنا تجب للحمل كما تجب أجرة الرضاع. وقال أبو العباس في موضع آخر: النفقة والسكن تجب للمتوفى عنها في عدتها ويشترط فيها مقامها في بيت الزوج، فإن خرجت فلا جناح إذا كان أصلح لها. والمطلقة البائن الحامل تجب لها النفقة من أجل الحمل وللحمل، وهو مذهب مالك وأحد القولين في مذهب أحمد والشافعي. وإذا تزوجت المرأة ولها ولد فغضب الولد فذهبت به إلى بلد آخر فليس لها أن تطالب الأب بنفقة الولد (٢) . وإن انقضت السنة والكسوة صحيحة قال أصحابنا عليه كسوة السنة الأخرى، وذكروا احتمالا أنه لا يلزمه شيء، وهذا الاحتمال قياس

стр. 1037

المذهب لأن النفقة والكسوة غير مقدرة عندنا، فإذا كفتها الكسوة عدة سنين لم يجب غير ذلك، وإنما يتوجه ذلك على قول من يجعلها مقدرة. وكذلك على قياس هذا لو استبقت من نفقة أمس لليوم، وذلك أنها وإن وجبت معاوضة فالعوض الآخر لا يشترط الاستبقاء فيه ولا التمليك بل التمكين من الانتفاع، فكذلك عوضه، ونظير هذا الأجير بطعامه وكسوته. ويتوجه على ما قلنا أن قياس المذهب أن الزوجة، إذا اقتضت النفقة ثم تلفت أو سرقت أنه يلزم الزوج عوضها، وهو قياس قولنا في الحج عن الغير، إذا تلف ما أخذه نفقة فإنه يتلف من ضمان مالكه (١) . وإن اختلفا في نشوزها أو تسليم النفقة لها فالقول قولها مع يمينها، واختار الشيخ تقي الدين في النفقة أن القول قول من يشهد له العرف (٢) . نفقة الأقارب ويجب على القريب افتكاك قريبه من الأسر، وإن لم يجب عليه استنفاذه من الرق وهو أولى من حمل العقل. وتجب النفقة لكل وارث ولو كان مقاطعا من ذوي الأرحام وغيرهم؛ ولأنه من صلة الرحم، وهو عام كعموم الميراث في ذوي الأرحام، وهو رواية عن أحمد، والأوجه وجوبها مرتبا (٣) .

стр. 1038

وإن كان الموسر القريب ممتنعا فينبغي أن يكون كالمعسر، كما لو كان للرجل مال وحيل بينه وبينه لغصب أو بعد، لكن ينبغي أن يكون الواجب هنا القرض رجاء الاسترجاع. وعلى هذا فمتى وجبت عليه النفقة وجب عليه القرض إذا كان له وفاء. وذكر القاضي وأبو الخطاب وغيرهما في أب وابن القياس أن على الأب السدس، إلا أن الأصحاب تركوا القياس لظاهر الآية، والآية إنما هي للرضيع وليس له ابن فينبغي أن يفرق بين الصغير وغيره، فإن من له ابن يبعد أن لا تكون عليه نفقته، بل تكون على الأب فليس في القرآن ما يخالف ذلك، وهذا جيد على قول ابن عقيل حيث ذكر في التذكرة أن الولد ينفرد بنفقة والديه (١) . وإرضاع الطفل واجب على الأم بشرط أن تكون مع الزوج، وهو قول ابن أبي ليلى وغيره من السلف ولا تستحق أجرة المثل زيادة على نفقتها وكسوتها وهو اختيار القاضي في المجرد وقول الحنفية لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [٢٣٣/٢] فلم يوجب لهن إلا الكسوة والنفقة بالمعروف وهو الواجب بالزوجية وما عساه يتجرد من زيادة خاصة للمرتضع كما قال في الحامل ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [٦/٦٥] فدخلت نفقة الولد في نفقة أمه؛ لأنه يتغذى بها، وكذلك المرتضع وتكون النفقة هنا واجبة بشيئين حتى لو سقط الوجوب بأحدهما ثبت الآخر، كما لو نشزت وأرضعت ولدها فلها النفقة للإرضاع لا للزوجية، فأما إذا كانت بائنا وأرضعت له

стр. 1039

ولده فإنها تستحق أجرها بلا ريبت، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [٦/٦٥] ، وهذا الأجر هو النفقة والكسوة، وقاله طائفة منهم الضحاك وغيره. وإذا كانت المرأة قليلة اللبن وطلقها زوجها فله أن يكتري مرضعة لولده، وإذا فعل ذلك فلا فرض للمرأة بسبب الولد، ولها حضانته (١) . المماليك وقال الشيخ تقي الدين: ولو لم تلائم أخلاق العبد أخلاق سيده لزمه إخراجه عن ملكه (٢) . باب الحضانة لا حضانة إلا لرجل من العصبة أو لامرأة وارثة أو مدلية بعصبة أو بوارث، فإن عدموا فالحاكم. وقيل: إن عدموا تثبت لمن سواهم من الأقارب ثم للحاكم. ويتوجه عند العدم أن تكون لمن سبقت إله اليد كاللقيط، فإن كفال اليتامى لم يكونوا يستأذونون الحاكم. والوجه أن يتردد بين الميراث والمال (٣) . والعمة أحق من الخالة، وكذا نساء الأب أحق يقدمن على نساء الأم؛ لأن الولاية للأب وكذا أقاربه، وإنما قدمت الأم على الأب لأنه لا يقوم مقامها هنا في مصلحة الطفل.

стр. 1040

وإنما قدم الشارع ﵊ خالة بنت حمزة على عمتها صفية لأن صفية لم تطلب وجعفر طلب نائبا عن خالتها فقضى لها بها في غيبتها (١) . وضعف البصر يمنع من كمال ما يحتاج إليه المحضون من المصالح (٢) . قاعدة في حضانة الولد (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني ﵁. الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضل له، من يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا. فصل في مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء في حضانة الصغير المميز هل هو للأب؟ أو للأم؟ أو يخير بينهما؟

стр. 1041

فإن عامة كتب أصحاب أحمد إنما فيها أن الغلام إذا بلغ سبع سنين خير بين أبويه، وأما الجارية فالأب أحق بها، وأكثرهم لم يذكروا في ذلك نزاعا. وهؤلاء الذين ذكروا هذا بلغهم بعض نصوص أحمد في هذه المسألة ولم يبلغهم سائر نصوصه، فإن كلام أحمد كثير منتشر جدًّا، وقل من يضبط جميع نصوصه في كثير المسائل، لكثرة كلامه وانتشاره وكثرة من كان يأخذ عنه العلم، فأبو بكر الخلال قد طاف البلاد وجمع من نصوصه في مسائل الفقه نحو أربعين مجلدا وفاته أمور كثيرة ليست في كتبه. وأما ما جمعه من نصوصه في أصول الدين، ومثل كتاب السنة، نحو ثلاث مجلدات، ومثل أصول الفقه والحديث، ومثل كتاب العلم، الذي جمعه، ومن الكلام على علل الأحاديث، مثل كتاب العلل، الذي جمعه ومن كلامه في أعمال القلوب والأخلاق والآداب، ومن كلامه في الرجال والتأريخ، فهو مع كثرته لم يستوعب ما نقله الناس عنه. والمقصود هنا: أن النزاع عنه موجود في المسألتين كلتاهما، في مسألة البنت، وفي مسألة الابن، وفي مذهبه في المسألتين ثلاثة أقوال: هل تكون مع الأم، أو مع الأب، أو تخير؟ لكن في الابن ثلاث روايات وأما البنت فالمنقول عنه روايتان: هل هي للأم، أو للأب؟ وأما التخيير فهو وجه مخرج في مذهبه، فعنه في الابن ثلاث روايات معروفة وممن ذكرهن أبو البركات في محرره. وعنه في الجارية روايتان: وممن ذكرهما أبو عبد الله بن تيمية في كتاب التلخيص، وترغيب القاصد.

стр. 1042

والروايات موجودة بألفاظها ونقلتها وأسانيدها في عدة كتب. وممن ذكر هذه الروايات القاضي أبو يعلى في تعليقه، نقل عن أحمد في الغلام، أمه أحق به حتى يستغنى عنها، ثم الأب أحق به، قال في رواية الفضل بن زياد: إذا عقل الغلام واستغنى عن الأم فالأب أحق به، وقال في رواية أبي طالب: والأب أحق بالغلام إذا عقل واستغنى عن الأم، وهذا يشبه الذي نقله القاضي أبو يعلى والشاشي وغيرهما عن أبي حنيفة، قال: إذا أكل وحده، ولبس وحده، وتوضأ وحده، فالأب أحق به، ونقل ابن المنذر، أنه يخير حينئذ بين أبويه عن أبي حنيفة وأبي ثور، والأول هو مذهب أبي حنيفة الموجد في كتب أصحابه، وهو إحدى الروايتين عن مالك، فإنه نقل عنه ابن وهب: الأم أحق به حتى يثغر ولكن المشهور عنه أن الأم أحق به ما لم يبلغ. وهذه هي الرواية الثانية عن أحمد: والرواية الثالثة عن أحمد: أن الأم أحق بالغلام مطلقا كمذهب مالك قال في رواية حنبل: في الرجل يطلق امرأته وله منها أولاد صغار فالأم أعطف عليهم، مقدار ما يعقل الأدب، فيكون الأب أحق بهم ما لم تتزوج، فإذا تزوجت فالأب أحق بولده غلاما كان أو جارية. قال الشيخ أبو البركات: فهذه الرواية تدل على أنه إذا كبر وصار يعقل الأدب فإنه يكون مقره أيضا عند الأم، لكن في وقت الأدب، وهو النهار يكون عند الأب. وهذا مذهب مالك بعينه الذي حكيناه. فصار في المسألة ثلاث روايات. ومذهب مالك في المدونة: أن الأم أحق به ما لم يبلغ، وللأب تعاهده عندها، وأدبه، وبعثه إلى المكتب، ولا يبيت إلا عند الأم.

стр. 1043

قلت: وحنبل وأحمد بن الفرج كانا يسألان الإمام أحمد عن مسائل مالك وأهل المدينة، كما كان يسأله إسحاق بن منصور وغيره عن مسائل سفيان الثوري وغيره، وكما كان يسأله الميموني عن مسائل الأوزاعي، وكما كان يسأله إسماعيل بن سعيد الشالنجي عن مسائل أبي حنيفة وأصحابه، فإنه كان قد تفقه على مذهب أبي حنيفة، ثم اجتهد في مسائل كثيرة، ورجح فيها مذهب أهل الحديث، وسأل عن تلك المسائل أحمد وغيره، وشرحها إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني إمام دمشق، وأما الذين كانوا يسألونه مطلقا مثل: الأثرم وعبد الله وصالح وغيرهم فكثيرون. وأما حضانة البنت -إذا صارت مميزة- فوجدنا عنه روايتين منصوصتين وقد نقلهما غيرواحد من أصحابه، كأبي عبد الله بن تيمية وغيره. إحداهما: أن الأب أحق بها، كما هو موجود في الكتب المعروفة في مذهبه. والثانية: أن الأم أحق بها. قال في رواية إسحاق بن منصور، يقضي بالجارية للأم والخالة حتى إذا احتاجت إلى التزويج فالأب أحق بها، وقال في رواية مهنى بن يحيى: الأم والجدة أحق بالجارية حتى يتزوج الأب. قال أبو عبد الله في "ترغيب القاصد" وإن كانت جارية فالأب أحق بها بغير تخيير، وعنه الأم أحق بها حتى تحيض. وهذه الرواية الثانية هي نحو مذهب مالك وأبي حنيفة في ذلك. ففي المدونة: مذهب مالك أن الأم أحق بالولد ما لم يبلغ، سواء كان ذكرا أو أنثى، فإذا بلغ -وهو أنثى- نظرت فإن كانت الأم في حرز

стр. 1044

ومنعة وتحصين فهي أحق بها أبدا ما لم تنكح، وإن بلغت أربعين سنة، وإن لم تكن في موضع حرز وتحصين أو كانت غير مرضية في نفسها فللأب أخذها منها، وكذلك الأولياء، والوصي كالأب في ذلك إذا أخذ إلى أمانة وتحصين. ومذهب الليث بن سعد نحو ذلك، قال: الأم أحق بالجارية حتى تبلغ، فإذا كانت الأم غير مرضية في نفسها، وأدبها لولدها أخذت منها إذا بلغت إلا أن تكون صغيرة لا يخاف عليها. وأما أبو حنيفة فقال: الأم والجدة أحق بالجارية حتى تحيض. ومن سوى الأم والجدة أحق بها حتى تبلغ حدا تشتهى، هذا هو المشهور. ولفظ الطحاوي: حتى تستغني، كما في الغلام مطلقا، ولهذا قيل فيها كما قيل في الغلام، حتى تأكل وحدها، وتلبس وحدها، وتتوضأ وحدها، ثم تكون مع الأب. وأبو حنيفة أيضًا يجعل الأب أحق بها بعد التمييز، كما يقول مثل ذلك في الابن، لكن يستثنى الأم والجدة خاصة. وأما المشهور عن أحمد وهو تخيير الغلام بين أبويه فهو مذهب الشافعي وإسحاق بن راهوية، وموافقته للشافعي وإسحاق أكثر من موافقته لغيرهما، وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما، وكان يثني عليهما ويعظهما ويرجح أصول مذاهبهما على من ليست أصول مذاهبه كأصول مذاهبهما. وعندهم أصول فقهاء الحديث أصح من أصول غيرهم، والشافعي وإسحاق هما عنده من أجل فقهاء الحديث، وجمع بينهما في مسجد الخيف فتناظرا في مسألة رباع مكة، والقصة مشهورة، وذكر أحمد أن الشافعي علا إسحاق بالحجة في موضع، وأن إسحاق علاه بالحجة في

стр. 1045

موضع؛ فإن الشافعي كان يبيح البيع والإجارة، وإسحاق يمنع منهما، وكانت الحجة مع الشافعي في جواز بيعها، ومع إسحاق في المنع من إجارتها. وأما التخيير في الجارية فهو قول الشافعي، ولم أجده منقولا، لا عن أحمد ولا عن إسحاق، كما نقل عنهما التخيير في الغلام. ولكن نقل عن الحسن بن حيَّ: أنها تخير إذا كانت كاعبا. والتخيير في الغلام هو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وإسحاق للحديث الوارد في ذلك حيث خير النبي ﷺ غلاما بين أبويه، وهي قضية معينة، ولم يرد عنه نص عام في تخيير الولد مطلقا، والحديث الوارد في تخيير الجارية ضعيف مخالف لإجماعهم، والفرق بين تخيير الغلام والجارية أن هذا التخيير تخيير شهوة لا تخيير رأي ومصلحة كتخيير من يتصرف لغيره كالإمام والولي، فإن الإمام إذا خير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين ثم قد يصيب ذلك الأصلح للمسلمين فيكون مصيبا في اجتهاده، حاكما بحكم الله، ويكون له أجران، وقد لا يصيبه فيثاب على استفراغ وسعه ولا يأثم بعجزه عن معرفة المصلحة كالذي ينزل أهل حصن على حكمه، كما نزل بنو قريظة على حكم النبي ﷺ فلما سأله فيهم بنو عبد الأشهل قال: "ألا ترضون أن أجعل الأمر إلى سيدكم سعد بن معاذ" فرضوا بذلك وطمع من كان يحب استبقاءهم أن سعد يحابيهم، لما كان بينه وبينهم في الجاهلية من الموالاة، فلما أتى سعد حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم فقال النبي ﷺ "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات" وهذا يقتضي أنه لو حكم بغير ذلك لم يكن ذلك حكما لله في نفس الأمر، وإن كان لا بد من إنفاذه.

стр. 1046

ومثل هذا ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث بريدة المشهور قال فيه: "وإذا حاصرت أهل حصن، فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك". ولهذا قال الفقهاء: إنه إذا حاصر الإمام حصنا فنزلوا على حكم حاكم جاز إن كان رجلا مسلما حرا عدلا من أهل الاجتهاد في أمر الجهاد، ولا يحكم إلا بما فيه حظ للإسلام من قتل أو رق أو فداء، وتنازعوا فيما إذا حكم بالمن فأباه الإمام هل يلزم حكمه، أو لا يلزم، أو يفرق بين المقاتلة والذرية؟ على ثلاثة أقوال، وإنما تنازعوا في ذلك لظن المنازع أن المن لا حظ فيه للمسلمين. والمقصود أن تخيير الإمام والحاكم الذي نزلوا على حكمه هو تخيير رأي ومصلحة بطلب أي الأمرين كان أرضى لله ورسوله فعله، كما ينظر المجتهد في أدلة المسائل، فأي الدليلين كان أرجح اتبعه. ولكن معنى قولنا: يخير أنه لا يتعين فعل واحد من هذه الأمور في كل وقت، بل قد يتعين فعل هذا تارة، وفعل هذا تارة، وقول الله تعالى في القرآن ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [٤/٤٧] يقتضي فعل أحد الأمرين، وذلك لا يمنع تعين هذا في حال وهذا في حال، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [٥٢/٩] فتربص أحد الأمرين لا يمنع بعينه إذا كان الجهاد فرض عين علينا بعض الأوقات، فحينئذ يصيبهم الله بعذاب بأيدينا، كما في قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [١٤-١٥/٩] .

стр. 1047

ولهذا كان عند جميع العلماء قوله تعالى في المحاربين ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [٣٣/٥] لا يقتضي أن الإمام يخير تخيير مشيئة فيفعل أي هذه الأربعة شاء؛ بل كلهم متفقون على أنه يتعين هذا في حال وهذا في حال. ثم أكثرهم يقولون: تلك الأحوال مضبوطة بالنص، فإن قتلوا تعين قتلهم، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا تعين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، روي في ذلك حديث مرفوع، ومنهم من يقول: بل التعيين باجتهاد الإمام كقول مالك فإن رأى أن القتل هو المصلحة قتل وإن لم يكن قد قتل. ومن هذا الباب تخيير الإمام في الأرض المفتوحة عنوة بين جعلها فيئا وجعلها غنيمة، كما هو قول الأكثرين، كأبي حنيفة والثوري وأبي عبيد وأحمد في المشهور عنه. فإنهم قالوا: إن رأى المصلحة في جعلها غنيمة قسمها بين الغانمين، كما قسم النبي ﷺ خيبر، وإن رأى أن لا يقسمها جاز كما [لم] يقسم النبي ﷺ مكة مع أنه فتحها عنوة كما شهدت بذلك الأحاديث الصحيحة والسيرة المستفيضة وكما قاله جمهور العلماء، ولأن خلافاءه بعده أبا بكر وعمر وعثمان فتحوا ما فتحوا من أرض المغرب والروم وفارس كالعراق والشام ومصر وخراسان ولم يقسم أحد من الخلفاء شيئا من العقار المغنوم بين الغانمين لا السواد ولا غير السواد، بل جعلوا العقار فيئا للمسلمين داخلا في قوله ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [٧/٥٩] ، ولم يستأذنوا في ذلك الغانمين، بل طلب أكابر الغانمين قسمة العقار فلم يجيبوهم إلى ذلك، كما طلب بلال من عمر أن يقسم أرض الشام، وطلب منه الزبير

стр. 1048

أن يقسم أرض مصر فلم يجيبوهم إلى ذلك ولم يستطب أحد من الخلفاء أحدا من الغانمين في ذلك، فضلا عن أن يستطيب أنفس جميع الغانمين. وهذا مما احتج به من جعل الأرض فيئا بنفس الفتح ومن نصر مذهبه كإسماعيل بن إسحاق وغيره، وقالوا: الأرض ليست داخلة في الغنمية، فإن الله حرم على بني إسرائيل المغانم، وملكهم العقار، فعلم أنه ليس من المغانم، وهذا القول يذكر رواية عن أحمد، كما ذكر عنه رواية ثالثة كقول الشافعي، أنه يجب قسمة العقار والمنقول لأن الجميع مغنوم وقال الشافعي: إن مكة لم تفتح عنوة بل صلحا فلا يكون فيها حجة، ومن حكى عنه أنه قال: إنها فتحت عنوة -كصاحب الوسيط وفروعه- فقد غلط عليه، وقال في السواد، لا أدري ما أقول فيه إلا أني أظن فيه ظنا مقرونا بعلم وظن: أن عمر استطاب أنفس الغانمين، لما روي من قصة المثني بن حارثة، وبسط هذا له موضع آخر. وقول الجمهور أعدل الأقاويل وأشبهها بالكتاب والسنة والأصول، وهم الذين قالوا: يخير الإمام بين الأمرين تخيير رأي ومصلحة لا تخيير شهوة ومشيئة، وهكذا سائر ما يخير فيه ولاة الأمر ومن تصرف لغيره بولاية كناظر الوقف ووصي اليتيم والوكيل المطلق لا يخيرون تخيير مشيئة وشهوة، بل تخيير اجتهاد ونظر وطلب وتحري للأصلح كالرجل المبتلى بعدوين وهو مضطر إلى الابتداء بأحدهما فيبتدأ بما له نفع، وكالإمام في تولية من ولاه الحرب والحكم والمال يختار الأصلح فالأصلح، فمن ولى رجلا على عصابة وهو يجد فيهم من هو أرضى الله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين. وهذا بخلاف من خير بين شيئين وله أن يفعل أيهما شاء: كالمكفر

стр. 1049

إذا خير بين الإطعام والكسوة والعتق، فإنه وإن كان أحد الخصال أفضل فيجوز له فعل المفضول، وكذلك لابس الخف إذا خير بين المسح وبين الغسل وإن كان أحدهما أفضل، وكذلك المصلي إذا خير بين الصلاة في أول الوقت وآخره وإن كان أحدهما أفضل، وكذلك تخيير الأكل والشارب بين أنواع الأطعمة والأشربة المباحة وإن كان نفس الأكل والشرب واجبا عند الضرورة حتى إذا تعين المأكول وجب أكله وإن كان ميتة، فمن اضطر إلى أكل الميتة وجب عليه أكلها في المشهور عن الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم، وكذلك تخيير الحاج بين التمتع والإفراد والقران عند الجمهور الذين يخيرون الثلاثة، ويخير المسافر بين الفطر والصوم عند الجمهور. وأما من يقول لا يجوز أن يحج إلا متمتعا وأنه يتعين الفطر في السفر، كما يقوله طائفة من السلف والخلف من أهل السنة والشيعة فلا يجيء هذا على أصلهم، وكذلك القصر عند الجمهور الذين يقولون: ليس للمسافر أن يصلي إلا ركعتين ليس له أن يصلي أربعا؛ فإن النبي ﷺ لم يصل في السفر قط إلا ركعتين ولا أحد من أصحابه في حياته، وحديث عائشة التي تذكر فيه: «أنه -أو: أنها- صلت في حياته في السفر أربعًا» ، كذب عند حذاق أهل العلم بالحديث كما قد بسط في موضعه. إذ المقصود هنا: أن التخيير في الشرع نوعان فمن خير فيما يفعله لغيره بولايته عليه أو بوكالة مطلقة لم يبح له فيها فعل ما شاء، فعليه أن يختار الأصلح. وأما من تصرف لنفسه فتارة يأمره الشارع باختيار ما هو الأصلح بحسب اجتهاده، كما يأمر المجتهد بطلب أقوى الآراء، بل وأصلح الأحكام في نفس الأمر، وتارة يبيح له ما شاء من الأنواع التي خير بينهما كما تقدم، هذا إذا كان مكلفًا.

стр. 1050

وأما الصبي المميز: فيخير تخيير شهوة حيث كان كل من الأبوين نظير الآخر، ولم ينضبط في حقه حكم عام للأب أو الأم، فلا يمكن أن يقال: كل أب فهو أصلح للمميز من الأم، ولا كل أم فهي أصلح له من الأب، بل قد يكون بعض الآباء أصلح، وبعض الأمهات أصلح، وقد يكون الأب أصلح في حال، والأم أصلح في حال، فلم يمكن أن يعتبر (١) أحدهما في هذا، بخلاف الصغير فإن الأم أصلح له من الأب، لأن النساء أرفق بالصغير، وأخبر بتغذيته وحمله وتنويمه وتنويله، وأصبر على ذلك، وأرحم به، فهي أقدر، وأخبر، وأرحم، وأصبر في هذا الموضع فتعينت الأم في حق الطفل غير المميز بالشرع. ولكن بقي تنقيح المناط: هل عينهن الشارع لكون قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب في الحضانة، أو لكون النساء أقوم بمقصود الحضانة من الرجال؟ وهذا فيه قولان للعلماء يظهر أثرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم مثل: أم الأم، وأم الأب، والأخت من الأم، والأخت من الأب، ومثل العمة والخالة ونحو ذلك، هذا فيه قولان، هما روايتان عن أحمد، وأرجح القولين في الحجة، وتقديم نساء العصبة فتقدم الأخت من الأب على الأخت من الأم، وخالة الأب على خالة الأم، وهو الذي ذكره الخرقي في مختصره، وأبو الحسن الآمدي وغيرهما من الأصحاب. وعلل ذلك من علله -كأبي الحسن الآمدي- في مثل تقديم خالة الأب على خالة الأم؛ فإن قرابتها فيها رحم وتعصيب، بخلاف قرابة الأم فإن فيها رحما بلا تعصيب، فأم الأب مقدمة على أم الأم، والأخت من

стр. 1051

الأب مقدمة على الأخت من الأم، والعمة مقدمة على الخالة، كما تقدم أقارب الأب من الرجال على أقارب الأم، فالأخ للأب أولى من الأخ للأم، والعم أولى من الخال، بل قد قيل: إنه لا حضانة للرجال من أقارب الأم بحال، وأن الحضانة لا تثبت إلا لرجل من العصبة، أو لامرأة وارثة، أو مدلية بعصبة أو وارث، فإن عدموا فالحاكم. وعلى الوجه الثاني: فلا حضانة للرجال في أقارب الأم. وهذان الوجهان في مذهب الشافعي وأحمد. فلو كانت جهة الأمومة راجحة لترجح رجالها ونساؤها، فلما لم يترجح لرجالها بالاتفاق فكذلك نساؤها. وأيضا فمجموع أصول الشرع إنما تقدم أقارب الأب في الميراث والعقل والنفقة وولاية الموت والمال وغير ذلك، لم يقدم الشارع قرابة الأم في حكم من الأحكام فمن قدمهن في الحضانة فقد خالف أصول الشريعة. ولكن قدموا الأم لكونها امرأة وجنس النساء مقدمات في الحضانة على الرجال، وهذا يقتضي تقديم الجدة أم الأب على الجد، كما قدمت الأم على الأب، وتقديم أخواته على إخوته، وعماته على أعمامه، وخالاته على أخواله، هذا هو القياس والاعتبار الصحيح. وأما تقديم جنس نساء الأم على جنس نساء الأب فمخالف للأصول والمعقول. ولهذا كان من قال هذا في موضع يتناقض ولا يطرد أصله، ولهذا تجد لمن لم يضبط أصل الشرع ومقصوده في ذلك أقوالا متناقضة، حتى يوجد في الحضانة من الأقوال المتناقضة أكثر مما يوجد في غيرها من هذا الجنس -فمنهم من يقدم أم الأم على أم الأب- كأحد القولين في

стр. 1052

مذهب أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، ثم من هؤلاء من يقدم الأخت من الأب على الأخت من الأم، ثم يقدم الخالة على العمة كقول الشافعي في الجديد وطائفة من أصحاب أحمد، وبنوا قولهم على أن الخالات مقدمات على العمات لكونهن من جهة الأم، ثم قالوا في العمات والخالات والأخوات من كانت لأبوين أولى، ثم من كانت لأب، ثم من كانت لأم. وهذا الذي قالوه هنا موافق لأصول الشرع، لكن إذا ضم هذا إلى قولهم بتقديم قرائب الأم ظهر التناقض، وهم أيضا قالوا بتقديم أمهات الأب والجد على الخالات والأخوات للأم، وهذا موافق لأصول الشرع؛ لكنه يناقض هذا الأصل، ولهذا قالوا في القول الآخر، إن الخالة والأخت للأم أولى من أم الأب كقول الشافعي القديم، وهذا أطرد لأصلهم لكنه في غاية المناقضة لأصول الشرع. وطائفة أخرى طردت أصلها فقدمت من الأخوات من كانت لأم على من كانت لأب، كقول أبي حنيفة والمزني وابن سريج وبالغ بعض هؤلاء في طرد قياسه حتى قدم الخالة على الأخت من الأب كقول زفر ورواية عن أبي حنيفة، وافقهم ابن سريج، ولكن أبو يوسف استتبع ذلك (١) فقدم الأخت للأب، ورواه عن أبي حنيفة. وروي عن زفر أنه أمعن في طرد قياسه حتى قال: إن الخالة أولى من الجدة أم الأب، وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: لا تأخذوا بمقاييس زفر، فإنكم إذا أخذتم بمقاييس زفر حرمتم الحلال، وحللتم الحرام، وكان يقول في القياس: قياس زفر أقبح من البول في المسجد، وزفر كان معروفًا بالإمعان في طرد قياسه، لكن الشأن في الأصل الذي

стр. 1053

قاس عليه وفي علة الحكم في الأصل -وهو جواب- سؤال المطالبة -فمن أحكم هذا الأصل استقام قياسه، وهذا كما أن زفر اعتقد أن النكاح إلى أجل يبطل التوقيت ويصح النكاح لازمًا، وخرج بعضهم ذلك قولا في مذهب أحمد، فكان مضمون هذا القول، إن نكاح المتعة يصح لازما غير مؤقت، وهو خلاف النصوص، وخلاف إجماع السلف والأمة إذا اختلفت في مسألة على قول (١) لم يكن لمن بعدهم أحداث قول يناقض القولين ويتضمن إجماع السلف على الخطأ والعدول عن الصواب، وليس في السلف من يقول في المتعة إلا أنه باطل، أو يصح مؤجلا، فالقول بلزومه مطلقا خلاف الإجماع. وسبب هذا القول: اعتقادهم أن كل شرط فاسد في النكاح فإنه يبطل وينعقد النكاح لازما بدون حصول غرض المشترط، فألزموه مالم يلتزمه ولا ألزمه به الشارع، ولهذا صحح من قال ذلك نكاح الشغار، ونحوه مما شرط فيه نفي المهر، وصححوا نكاح التحليل لازما مع إبطال شرط التحليل، وأمثال ذلك. وقد ثبت في الصحيحين عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" فدل النص على أن الوفاء بالشروط في النكاح أولى منه بالوفاء بالشروط في البيع، فإذا كانت الشروط الفاسدة في البيع لا يلزم العقد بدونها، بل إما أن يبطل العقد وإما أن يثبت الخيار لمن فات غرضه بالاشتراط إذا بطل الشرط فكيف بالشروط في النكاح؟ وأصل عمدتهم: كون النكاح يصح بدون تقدير الصداق، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع. فقاسوا النكاح الذي شرط فيه نفي المهر على النكاح الذي ترك تقدير الصداق فيه، كما فعل أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأكثر متأخري

стр. 1054

أصحاب أحمد، ثم طرد أبو حنيفة قياسه فصحح نكاح الشغار بناء على أن لا موجب لفساده إلا إشغاره عن المهر، وهذا ليس مفسدًا. وأما الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد فتكلفوا الفرق بن الشغار وغيره بأن فيه تشريكا في البضع أو تعليقًا للعقد أو غير ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين فيه أن كل هذه فروق غير مؤثرة، وأن الصواب مذهب أهل المدينة مالك وغيره وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته وعليه أكثر قدماء أصحابه: أن العلة في إفساده هي شرط إشغار النكاح عن المهر، وأن النكاح ليس بلازم إذا شرط فيه نفي المهر أو مهر فاسد، فإن الله فرض فيه المهر، فلم يحل لغير الرسول النكاح بلا مهر، فمن تزوج بشرط أن لا يجب مهر فلم يعقد النكاح الذي أذن الله فيه فإن الله إنما أباح العقد لمن يبتغي بما له محصنا غير مسافح كما قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [٢٤/٤] فمن طلب النكاح بلا مهر فلم يفعل ما أحل الله، وهذا بخلاف من اعتقد أنه لا بد من مهر لكن لم يقدره، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآية [٢٣٦-٢٣٧/٢] فهذا نكاح المهر المعروف وهو مهر المثل. قالوا: فهذا هو الفرق بين النكاح وبين البيع، فإن البيع بثمن المثل وهو السعر أو الإجارة بثمن المثل لا يصح بخلاف النكاح. وقد سلم لهم هذا الأصل الذي قاسوا عليه الشافعي وكثير من أصحاب أحمد في البيع، وأما في الإجارة فأصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم يقولون: إنه يجب أجرة المثل فيما جرت العادة فيه، في مثل ذلك، كمن دخل حمام حمامي يدخلها الناس بالكراء، أو سكن في

стр. 1055

خان أو حجرة جرت عادتهم بذلك، أو دفع طعامه أو خبزه إلى من يطبخ أو يخبز بالأجرة، أو ثيابه إلى من يغسل بالأجرة أو ركب دابة مكاري يكاري بالأجرة، أو سفينة ملاح يركب الناس بالأجرة، فإن هذه إجارة عرفية عند جمهور العلماء، وتجب فيها أجرة المثل وإن لم يشترط ذلك، فهذه إجارة بأجرة المثل. وكذلك لو ابتاع طعاما بمثل ما ينقطع به السعر أو بسعر ما يبيع الناس أو بما اشتراه به من بلده أو برقمه، فهذا يجوز في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد نص أحمد على هذه المسائل ومثلها في غير موضع، وإن كان كثير من متأخري أصحابه لا يوجد في كتبهم إلا القول الآخر، ففساد هذا العقود كقول الشافعي وغيره، وبسط هذه المسائل في مواضع آخر. والمقصود هنا: كان مسائل الحضانة وأن الذين اعتقدوا أن الأم قدمت لتقدم قرابة الأم لما كان أصلهم ضعيفا كانت الفروع اللازمة للأصل الضعيف ضعيفة، وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم، بل الصواب بلا ريب أنها قدمت لكونها أنثى، فتكون المرأة أحق بحضانة الصغير من الرجل، فتقدم الأم على الأب والجدة على الجد، والأخت على الأخ، والخالة على الخال، والعمة على العم، وأما إذا اجتمع امرأة بعيدة ورجل قريب فهذا لبسطه موضع آخر. إذ المقصود هنا مسألة الصغير المميز، والفرق بين الصيبة والصبي فتخيير الصبي الذي وردت به السنة أولى من تعيين أحد الأبوين له، ولهذا كان تعيين الأب كما قال: مالك وأحمد في رواية والتخيير تخيير شهوة. ولهذا قالوا: إذا اختار الأب مدة، ثم اختار الأم فله ذلك حتى.
следующие страницы →