وقال له رجل: لي جارية وأمي تسألني أن أبيعها قال: تتخوف أن تتبعها نفسك قال: نعم، قال لا تبعها، قال: إنها تقول: لا أرضى عنك أو تبيعها قال: إن خفت على نفسك فليس لها ذلك، قال الشيخ تقي الدين: لأنه إذا خاف على نفسه يبقى إمساكها واجبًا، أو لأن عليه في ذلك ضررًا، وقال أيضًا: قيده أمره ببيع السرية إذا خاف على نفسه، لأن بيع السرية ليس بمكروه ولا ضرر عليه فيه فإنه يأخذ الثمن، بخلاف الطلاق فإنه مضر في الدين والدنيا، وأيضا فإنها متهمة في الطلاق ما لا تتهم في بيع السرية (١) .
«لا طلاق ولا عتاق ولا إغلاق» ، قال شيخنا: وحقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته.
قال: والغضب على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.
الثاني: ما يكون في مبادئه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه بلا نزاع.
الثالث: أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية ولكن يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال، فهذا محل نظر (٢) .
وفي إعلام الموقعين: وقسم يشتد بصاحبه ولا يبلغ به زوال عقله؛ بل يمنعه من التثبت والتروي ويخرجه عن حال اعتداله، فهذا محل اجتهاد (٣) .
стр. 982
ويدخل في كلامهم من غضب حتى أغمي عليه أو غشي عليه، قال شيخنا، بلا ريب ذكر أنه طلق أولا (١) .
وقال الشيخ تقي الدين أيضًا: إن غيره الغضب ولم يزل عقله لم يقع الطلاق، لأنه ألجأه وحمله عليه فأوقعه وهو يكرهه ليستريح منه فلم يبق له قصد صحيح فهو كالمكره، ولهذا لا يجاب دعاؤه على نفسه وماله ولا يلزمه نذر الطاعة فيه (٢) .
ولا يقع طلاق السكران ولو بسكر محرم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر.
ونقل الميموني عن أحمد: الرجوع عما سواها، فقال: كنت أقول يقع طلاق السكران حتى تبينت فغلب عليَّ أنه لا يقع (٣) .
وقصد إزالة العقل بلا سبب شرعي محرم (٤) .
ولو ادعى الزوج أنه كان حين الطلاق زائل العقل لمرض أو غشي، قال أبو العباس: أفتيت أنه إذا كان هناك سبب يمكن معه صدقه فالقول قوله مع يمينه (٥) .
ومن شرب ما يزيل عقله لغير حاجة ففي صحة طلاقه روايتان واختار الشيخ تقي الدين أنه كالسكران (٦) .
وقال الشيخ تقي الدين: وزعم طائفة من أصحاب مالك والشافعي
стр. 983
وأحمد أن النزاع في وقوع طلاقه إنما هو في النشوان، فأما الذي تم سكره بحيث لا يفهم ما يقول فإنه لا يقع به قولا واحدا، قال: والأئمة الكبار جعلوا النزاع في الجميع (١) .
ومما يلحق بالبنج الحشيشة الخبيثة، وأبو العباس يرى أن حكمها حكم الشراب المسكر حتى في إيجاب الحد، وفرق أبو العباس بينها وبين البنج بأنها تشتهى فهي كالخمر بخلاف البنج (٢) .
وقال الشيخ تقي الدين: إن طلاق الفضولي كبيعه (٣) .
ولا يقع طلاق المكره، والإكراه يحصل: إما بالتهديد، وإما أن يغلب ظنه أنه يضره في نفسه أو ماله بلا تهديد.
وقال أبو العباس في موضع آخر: كونه يغلب على ظنه تحقق تهديده ليس بجيد؛ بل الصواب أنه لو استوى الطرفان لكان إكراها، وأما إن خاف وقوع التهديد وغلب على ظنه عدمه فهو محتمل في كلام أحمد وغيره.
ولو أراد المكره إيقاع الطلاق وتكلم به وقع، وهو رواية حكاها أبو الخطاب في الانتصار، وإن سحره ليطلق فإكراه.
قال أبو العباس: تأملت المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراها.
وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها أو مسكنها فلها أن ترجع، بناء على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء
стр. 984
عشرتها، فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها في الهبة، ولفظه في موضع آخر، لأنه أكرهها ومثل هذا لا يكون إكراها على الكفر، فإن الأسير إذا خشي من الكفار أن لا يزوجوه وأن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر.
ومثل هذا لو كان له عند رجل حق من دين أو وديعة فقال: لا أعطيك حتى تبيعني أو تهبني، فقال مالك: هو إكراه، وهو قياس قول أحمد ومنصوصه في مسألة ما إذا منعها حقها لتختلع منه، وقال القاضي تبعا للحنفية والشافعية ليس إكراها (١) .
قال شيخنا: أو ظن أنه يضره بلا تهديد في نفسه أو أهله أو ماله لم يقع (٢) .
ومن سحر فبلغ به السحر ألا يعلم ما يقول فلا طلاق له (٣) .
وإذا أكره على اليمين بغير حق مثل أن يكون باعه إلى أجل ثم بعد لزوم العقد قال له: إن لم تحلف لي أنك تعطيني حقي يوم كذا وإلا لزمك الطلاق، فإن لم تحلف أخذت السلعة منك، وذلك بعد أن أدى المشتري الكلفة السلطانية، فإن هذه اليمين لا تنعقد، ولا طلاق عليه إذا لم يعط، ولو قال: كنت استثنيت فقلت: إن شاء الله تعالى، فقال: لم تقل شيئا، فالقول قول الحالف في هذه الحال أنه استثنى لأنه مظلوم، والمظلوم له الاستثناء، وله التعريض والقول قوله في ذلك (٤) .
وعلى المذهب ليس له أن يطلق ثانية وثالثة قبل الرجعة على الصحيح من المذهب.
стр. 985
قال الشيخ تقي الدين: اختارها أكثر الأصحاب كأبي بكر والقاضي وأصحابه قال: وهو أصح (١) .
وإن أطلق ثلاثا مجموعة قبل رجعة واحدة طلقت ثلاثا وإن لم ينوها على الصحيح من المذهب، نص عليه مرارا، وعليه الأصحاب، بل الأئمة الأربعة ﵏ وأصحابهم في الجملة، وأوقع الشيخ تقي الدين من ثلاث مجموعة أو متفرقة قبل رجعة طلقة واحدة، وقال: لا نعلم أحدا فرق بين الصورتين (٢) .
وإن طلقها ثلاثا متفرقة بعد أن راجعها طلقت ثلاثا بلا نزاع في المذهب وعليه الأصحاب منهم الشيخ تقي الدين (٣) .
صريح الطلاق وكنايته
وعنه: أنت مطلقة، ليست صريحة، وطلقتك قال الشيخ تقي الدين، هذه الصيغ إنشاء من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم وبها تم، وهي إخبار لدلالتها على المعنى الذي في النفس (٤) .
أنت طالق لا رجعة لي عليك، قال الشيخ تقي الدين، هذه صريحة في الإيقاع كناية في العدد، فهي مركبة من صريح وكناية (٥) .
ولو قال رجل: امرأة فلان طالق، فقال: ثلاثا، فهذه تشبه
ما لو قال: لي عليك ألف، فقال: صحاح فيه وجهان: وهذا أصله في
стр. 986
الكلام من اثنين، فإذا أتى الثاني بالصفة ونحوها هل يكون متمما للأول؟ (١) .
وعقد النية في الطلاق على مذهب الإمام أحمد: أنها إن أسقطت شيئا من الطلاق لم تقبل، مثل قوله: أنت طالق ثلاثا، وقال: نويت إلا واحدة، فإنه لا يقبل رواية واحدة، وإن لم تسقط من الطلاق وإنما عدل به من حال إلى حال مثل أن ينوي من وثاق وعقال ودخول الدار إلى سنة ونحو ذلك، فهذا على الروايتين.
إحداهما: يقبل، كما لو قال: أنت طالق، أنت طالق، وقال: نويت بالثانية التأكيد، فإنه يقبل منه رواية واحدة.
وأنت طالق ومطلقة وما شاكل ذلك من الصيغ هي إنشاء من حيث إنها هي إثبات للحكم وشهادتهم، وهي إخبار لدلالتها على المعنى الذي في النفس (٢) .
ومن أشهد عليه بطلاق ثلاث، ثم أفتي بأنه لا شيء عليه لمن يؤاخذ بإقراره ويقبل يمينه لمعرفة أن مستنده في إقراره ذلك مما يجهله (٣) .
وإذا صرف الزوج لفظه إلى ممكن يتخرج أن يقبل قوله إذا كان عدلا، كما قاله أحمد فيمن أخبرت أنها نكحت من أصابها، وفي المخبر بالثمن إذا ادعى الغلط على رواية، ولو قيل بمثل هذه في المخبرة بحيضها إذا علق الطلاق به يتوجه، وذلك لأن المخبر إذا خالف خبره الأصل اعتبر فيه العدالة (٤) .
стр. 987
ولا يقع الطلاق بالكناية إلا بنية وإلا مع قرينة إرادة الطلاق.
فإذا قرنت الكنايات بلفظ يدل على أحكام الطلاق، مثل أن يقول: فسخت النكاح، وقطعت الزوجية، ورفعت العلاقة بيني وبين زوجتي.
وقال الغزالي في المستصفى في ضمن مسألة القياس: لا يقع الطلاق بالكناية حتى ينويه.
قال أبو العباس: هذا عندي ضعيف على المذاهب كلها، فإنهم مهدوا في كتاب الوقف أنه إذا قرن بالكناية بعض أحكامه صار كالصريح.
ويجب أن يفرق بين قول الزوج: لست لي بامرأة وما أنت لي بامرأة وبين قوله: ليس لي امرأة وبين قوله إذا قيل له: لك امرأة فقال: لا، فإن الفرق ثابت بينهما وصفا وعددا، إذ الأول نفي لنكاحها، ونفي نكاحها كإثبات طلاقها يكون إنشاء ويكون إخبارا، بخلاف نفي المنكوحات عموما فإنه لا يستعمل إلا إخبارا.
وقطع في المغني والكافي وغيرهما: أنه لو باع زوجته، لا يقع به طلاق، وقال ابن عقيل: وعندي أنه كناية: قال أبو العباس: وهذا متوجه إذا قصد الخلع، لا بيع الرقبة (١) .
قال القاضي: إن قال لها: اختاري نفسك، فذكرت أنها اختارت نفسها فأنكر الزوج فالقول قوله: لأن الاختيار مما يمكنها إقامة البينة عليه فلا يقبل قولها في اختيارها، قال أبو العباس: يتوجه أن يقبل قولها، كالوكيل على ما ذكره، أصحابنا في أن الوكيل يقبل قوله في كل تصرف وكل فيه.
стр. 988
ولو ادعى الزوج أنه رجع قبل إيقاع الوكيل الطلاق لم يقبل قوله إلا ببينة، نص عليه الإمام أحمد في رواية أبي الحارث، ذكره القاضي في المجرد (١) .
فصل
ومن حلف بالحرام ألا يخرج فلانة من بيته فخرجت فمذهب أحمد أنه لا طلاق عليه وإن نوى الطلاق؛ بل تجزئه كفارة يمين في قوله، وكفارة ظهار في آخر، وكفارة اليمين أظهر (٢) .
باب ما يختلف به عدد الطلاق
وإذا قال الزوج: يلزمني الطلاق وله أكثر من زوجة، فإن كان هناك نية أو سبب يقتضي التعميم أو التخصيص عمل به، ومع فقد النية والسبب فالتحقيق أن هذه المسألة مبنية على الروايتين في وقوع الثلاث بلفظ واحد على الزوجة الواحدة، لأن الاستغراق في الطلاق يكون تارة في نفسه، وتارة في محله، وقد فرق بينهما بأن عموم المصدر لأفراده أقوى من عمومه لمفعولاته، لأنه يدل على أفراد مسماه عقلا ولفظا، وإنما يدل على مفعولاته بواسطة فلفظ الأكل والشرب مثلا يعم الأنواع منه، والأعداد أبلغ من عموم المأكول والمشروب إذا كان عاما فلا يلزم من عمومه لأفراده وأنواعه عمومه لمفعولاته.
وقوى أبو العباس في موضع آخر وقوع الطلاق لجميع الزوجات دون وقوع الثلاث بالزوجة الواحدة، وفرق بأن وقوع الثلاث بالواحدة محرم؛ بخلاف وقوع الطلاق بالزوجات المتعددات، وإذا قلنا بالعموم
стр. 989
فلا كلام، وإن لم نقل به فهل تتعين واحدة بالقرعة، أو تخرج بتعيينه؟ على روايتني (١) .
الاستثناء في الطلاق
والفصل بين المستثنى والمستثنى منه بكلام الغير والسكوت لا يكون فصلاً مانعًا من صحة الاستثناء، والاستثناء والشرط إذا كان سؤال ساير أثر (٢) وكل هذا يؤيد الرواية الأخرى: وهو أنهما ما دام في ذلك الكلام فله أن يلحق به ما يغيره، فيكون اتصال الكلام الواحد كاتصال القبول والإيجاب، ولا يشترط في الاستثناء والشرط والعطف المغير والاستثناء بالمشيئة حيث يؤثر في ذلك، فلا بد أن يسمع نفسه إذا لفظ به (٣) .
باب الطلاق في الماضي والمستقبل
ولو قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غد وأنا من أهل الطلاق، قال أبو العباس: فإنه يقع الطلاق على ما رأيته، لأنه ما جعل هذا شرطًا يعلق وقوع الطلاق به، فهو كما لو قال: أنت طالق قبل موتي بشهر، فإنه لم يجعل موته شرطا يقع به الطلاق عليها قبل شهر، وإنما رتبه فوقع على ما رتب (٤) .
قال أبو العباس: سئلت عمن قال: الطلاق يلزمني مادام فلان في هذا البلد.
فأجبت أنه إذا قصد به الطلاق إلى حين خروجه فقد وقع ولغى
стр. 990
التوقيت، وهذا هو الوضع اللغوي، وإن قصد: أنت طالق إن دام فلان، فإن خرج قبل اليمين لم يحنث وإلا حنث، وهذا نظير أنت طالق إلى شهر (١) .
قال أبو العباس: سئلت عمن قال لامرأته، أنت طالق ثلاثًا غير اليوم.
قال: فقلت: ظاهره وقوع الطلاق في الغد؛ لكن كثيرا ما يعني به سوى هذا الزمان، وهو الذي عناه الحالف فإنه كما لو قال: أنت طالق في وقت آخر، وعلى غير هذه الحال، أو في سوى هذه المدة ونوى التأخير، فإن عين وقتًا بعينه، مثل وقت مرض أو فقر أو غلاء أو رخص أو نحو ذلك تقيد به، وإن لم ينو شيئًا فهو كما لو قال: أنت طالق في زمان متراخ عن هذا الوقت فيشبه الحين، إلا أن المغايرة قد يراد بها المغايرة الزمانية، وقد يراد بها المغايرة الحالية، والذي عناه الحالف فهو كما لو قال: أنت طالق، ليس معينا فهو مطلق، فمتى تغيرت الحال تغيرًا يناسب الطلاق وقع.
وإن قال: أنت طالق في أول شهر كذا طلقت بدخوله، وقاله أصحابنا وكذا في غرته ورأسه واستقباله.
وإذا قال: أنت طالق مع موتي أو مع موتك، فليس هذا بشيء، نقله مهنا عن الإمام أحمد، وجزم به الأصحاب.
ولكن يتوجه على قول ابن حامد؛ أن تطلق لأن صفة الطلاق والبينونة إذا وجدت في زمن واحد وقع الطلاق.
ولعل ابن حامد يفرق بأن وقوع الطلاق مع البينونة له فائدة وهو التحريم أو نقص العدد؛ بخلاف البينونة بالموت (٢) .
стр. 991
باب تعليق الطلاق بالشروط
قال أبو الحسن التميمي: سئلت عن رجل له أربع نسوة قال لواحدة منهن وهو مواجه لها: متى بدأت بطلاق منكن فعبدي حر، وقال للثانية: إن طلقتك فعبداي حران، وقال للثالثة: إن طلقتك فثلاث من عبيدي أحرار، وقال: إن طلقت الرابعة فأربعة من عبيدي أحرار، ثم طلقهن كم يعتق عليه؟ قال: فأجبت على ما حضر من الحساب أنه يعتق بطلاقهن عشرة أعبد.
قال أبو العباس: هذه المسألة لم تجتمع الصفات في عين واحدة، ولكن طلاق كل واحدة صفة على انفرادها، وهذا اللفظ إن كان طلقهن متفرقات فالمتوجه أن يعتق عشرة أعبد، كما قال الحسن، وإن طلقهن بكلمة واحدة توجه أن يعتق ثلاثة عشر عبدا.
وأصح الطرق في الاكتفاء ببعض الصفة إن كانت حضا أو منعا أو تصديقا أو تكذيبا فهي كاليمين، وإلا فهي علة محضة فلا بد من وجودها بكمالها (١) .
ولو علق الطلاق على صفات ثلاث فاجتمعن في عين واحدة، لا تطلق إلا طلقة واحدة، لأنه الأظهر في مراد الحالف، والعرف يقتضيه، إلا أن ينوي خلافه (٢) .
يصح تعليق الطلاق مع تقدم الشرط، وكذا إن تأخر، وعنه يتنجز إن تأخر الشرط.
قال الشيخ تقي الدين: وتأخر القسم كأنت طالق لأفعلن كالشرط وأولى بأن لا يلحق.
стр. 992
وعنه: يتنجز إن تأخر الشرط. وعنه صحة قوله لزوجته، من تزوجت عليك فهي طالق.
وعنه: تطلق مع تيقن وجود الشرط قبل وجوده، وخص الشيخ تقي الدين هذه الرواية بالثلاث، لأنه الذي يضره كمتعة (١) .
وإن قال: عجلت ما علقته لم يتعجل، هذا المذهب لأنه علقه فلم يملك تغييره، وعليه الأصحاب، وجزم به في الوجيز وغيره، وقيل: يتعجل إذا عجله وهو ظاهر بحث الشيخ تقي الدين فإنه قال: فيما قاله الجمهور نظر (٢) .
ومن قال: فلانة كلما تزوجتها على مذهب مالك فهي طالق، فهذا التزام مذهب بعينه فلا يلزمه، بل له أن يقلد مذهبًا غيره (٣) .
وبالواو: كأن قمت وقعدت، أو لا قمت وقعدت تطلق بوجودهما.
وعنه: أو أحدهما: كأن قمت، وإن قعدت، وكالأصح في لا قمت ولا قعدت، وذكره شيخنا في هذه اتفاقًا (٤) .
ولو قال: كلما أكلت رمانة فأنت طالق، أو كلما أكلت نصف رمانة فأنت طالق، فأكلت رمانة طلقت ثلاثا بلا نزاع، ولو جعل مكان كلما إن أكلت لم تطلق إلا اثنتين وهو المذهب وعليه الأصحاب، وقال الشيخ تقي الدين ﵀: لا تطلق إلا واحدة (٥) .
стр. 993
إذا علق الطلاق على شرط لزم وليس له إبطاله، وفي الانتصار والواضح، رواية بجواز فسخ العتق المعلق على شرط، وقال الشيخ تقي الدين ﵀، لو قال إن أعطيتني أو إذا أعطيتني أو متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق، أن الشرط ليس بلازم من جهته كالكتابة عنده، قال في الفروع ووافق الشيخ تقي الدين على شرط محض كإن قدم زيد فأنت طالق، قال الشيخ تقي الدين: التعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء إن كان معاوضة فهو معاوضة، ثم إن كانت لازمة فلازم، وإلا فلا يلزم الخلع قبل القبول ولا الكتابة، وقال: قول من قال: التعليق لازم دعوى مجردة (١) .
الحلف بالطلاق
قال ابن القيم ﵀:
قال شيخ الإسلام: والقول بأنه يمين مكفرة هو مقتضى المنقول عن الصحابة في الحلف بالعتق بل بطريق الأولى؛ فإنهم إذا أفتوا من قال: إن لم أفعل كذا فكل مملوك لي حر بأنه يمين تكفر فالحالف بالطلاق أولى.
قال: وقد علق القول به أبو ثور، فقال: إن لم تجمع الأمة على لزومه فهو يمين تكفر.
وقد بين أن الأمة لم تجمع على لزومه، وحكاه شيخ الإسلام عن جماعة من العلماء الذين سمت هممهم وشرفت نفوسهم فارتفعت عن حضيض التقليد المحض إلى أوج النظر والاستدلال، ولم يكن مع خصومه ما يردون به عليه أقوى من الشكاية إلى السلطان، فلم يكن له
стр. 994
برد هذه الحجة قبل، وأما ما سواها فقد بين فساد جميع حججهم ونقضها أبلغ نقض، وصنف في المسألة ما بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة، وبلغت الوجوه التي استدل بها عليها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس وقواعد إمامه خاصة وغيره من الأئمة زهاء أربعين دليلا، وصار إلى ربه وهو مقيم عليها، داع إليها، مباهل لمنازعيه، باذل نفسه وعرضه وأوقاته لمستفتيه فكان يفتي في الساعة الواحدة فيها بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فتيا، فتعطلت لفتاواه مصانع التحليل، وهدمت صوامعه وبيعه، وكسدت سوقه، وتقشعت سحائب اللعنة عن المحللين والمحلل لهم من المطلقين، وقامت سوق الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السلفية، وانتشرت مذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الإسلام للطالبين، وخرج من حبس تقليد المذهب المعين به من كُرمت عليه نفسه من المستبصرين، فقامت قيامة أعدائه وحساده ومن لا يتجاوز ذكر أكثرهم باب داره أو محلته، وهجنوا ما ذهب إليه بحسب المستجيبين لهم غاية التهجين، فمن استخفوه من الطعام وأشباه الأنعام قالوا: هذا رفع الطلاق بين المسلمين، وكثر أولاد الزنا في العالمين، ومن صادفوا عنده مسكة عقل ولب قالوا: هذا قد أبطل الطلاق المعلق بالشرط.
وقالوا لمن تعلقوا به من الملوك والولاة: هذا قد حل بيعة السلطان من أعناق الحالفين، ونسوا أنهم هم الذين حلوها بخلع اليمين؛ وأما هو فصرح في كتبه أن أيمان الحالفين لا تغير شرائع الدين، فلا يحل لمسلم حل بيعة السلطان بفتوى أحد من المفتين، ومن أفتى بذلك كان من الكاذبين المفترين على شريعة أحكم الحاكمين، ولعمر الله لقد مني من هذا بما مني به سلف من الأئمة المرضيين، فما أشبه الليلة بالبارحة للناظرين.
ولا يختلف عالمان متحليان بالإنصاف أن اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب، بل وشيخهما أبي
стр. 995
يعلي -فإذا كانت اختيارات هؤلاء وأمثالهم وجوهًا يفتي بها في الإسلام، ويحكم بها الحكام، فالاختيارات شيخ الإسلام أسوة بها، إن لم ترجح، عليها والله المستعان وعليه التكلان (١) .
وقوله: وهو يهودي إن فعلت كذا، والطلاق يلزمني ونحوه، يمين باتفاق العقلاء والفقهاء والأمم (٢)(٣) .
وقال الشيخ تقي الدين فيمن قال: الطلاق يلزمه لأفعل كذا وكرره لم يقع أكثر من طلقة إذ لم ينو (٤) .
تعليقه بالولادة
إذا قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق واحدة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق اثنتين، فولدت ذكرًا ثم أنثى طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به.
ونقل ابن منصور، هذا على نية الرجل إذا أراد بذلك تطليقه وإنما أراد ولادة واحدة، وأنكر قول سفيان أنه يقع عليها بالأول ما علق به وتبين بالثاني ولا تطلق به كما قاله الأصحاب، قال ابن رجب في القواعد: ورواية ابن منصور أصح، وهو المنصوص، واختاره الشيخ تقي الدين ﵀، لأن الحالف إنما حلف على حمل واحد وولادة
واحدة، والغالب أن لا يكن إلا ولدًا واحدًا، لكنه لما كان ذكرًا مرة وأخرى أنثى نوع التعليق عليه، فإذا ولدت هذا الحمل ذكرًا وأنثى لم
стр. 996
يقع به المعلق بالذكر والأنثى جميعًا، بل المعلق بأحدهما فقط؛ لأنه لم يقصد إلا إيقاع أحد الطلاقين، وإنما ردده لتردد المولود ذكرًا أو أنثى، وينبغي أن يقع أكثر الطلاقين إذا كان القصد تطليقها بهذا الوضع سواء كان ذكرًا أو أنثى لكنه أوقع بولادة أحدهما أكثر من الآخر فيقع به أكثر المعلقين اهـ (١) .
فولدت ذكرًا ثم أنثى، احترازًا مما إذا ولدتهما معا فإنها تطلق ثلاثًا والحالة هذه بلا نزاع أعلمه، غير الشيخ تقي الدين ﵀ ومن تبعه (٢) .
تعليقه بالطلاق
قال في المحرر: إذا قال: إذا طلقتك فأنت طالق أو فعبدي حر لم يحنث في يمينه إلا بتطليق ينجزه أو يعلقه بعدهما بشرط فيؤاخذ.
وقال أبو العباس: يتوجه إذا كان الطلاق المعلق قبل عقد هذه الصفة أو معها معلقًا بفعله ففعله باختياره أن يكون فعله له تعليقًا، وأن التطليق يفتقر إلى أن تكون الصفة من فعله أيضًا، فإذا علقه بفعل غيره ولم يأمره بالفعل لم يكن تطليقًا.
وإن حلف لا يطلق فجعل أمرها بيدها أو خيرها فطلقت نفسها، فالمتوجه أن تخرج على الروايتين في تنصيف الصداق.
وإن قلنا يتنصف جعلناه تطليقًا، وإن قلنا: يسقط لم نجعله تطليقا، وإنما هو تمكين من التطليق (٣) .
стр. 997
تعليقه بالحلف
قال جماعة: اليمين المطلقة إنما تنصرف إلى الحلف بالله، قال أبو يعلى الصغير: ولهذا لو حلف فعلق طلاقًا بشرط أو صفة لم يحنث، وقال شيخنا: إن قصد اليمين حنث بلا نزاع أعلمه، قال: وكذا ما علق لقصد اليمين (١) .
إذا حلف بطلاقها ثم أعاده أو علقه بشرط وفي ذلك الشرط حث أو منع والأصح أو تصديق خبر أو تكذيبه سوى تعليقه بمشيئتها أو حيض أو طهر تطلق في الحال طلقة في مرة، ومن الأصحاب من لم يستثن غير هذه الثلاثة ذكره الشيخ تقي الدين ﵀، واختار العمل بعرف المتكلم وقصده في مسمى اليمين، وأنه موجب نصوص الإمام أحمد ﵀ وأصوله (٢) .
تعليقه بالكلام
وإن حلف على غيره ليكلمن فلانًا، ينبغي أن لا يبر إلا بالكلام الطيب، كالكلام بالمعروف ونحوه، دون السب ونحوه، فإن اليمين في جانب النفي أعم من اللفظ اللغوي، وفي جانب الإثبات أخص، كما قلنا فيمن حلف ليتزوجن ونظائره فإنه لا يبر إلا بكمال المسمى.
ولو علق الطلاق على كلام زيد فهل كتابته أو رسالته الحاضرة كالإشارة فيجيء فيها الوجهان، أو يحنث بكل حال؟
تردد فيه أبو العباس، قال: وأصل ذلك الوجهان في انعقاد النكاح بكتابة القادر على النطق.
стр. 998
وإذا قال: إن عصيت أمري فأنت طالق ثم أمرها بشيء أمرًا مطلقًا فخالفت حنث، وإن تركته ناسية أو جاهلة أو عاجزة ينبغي ألا يحنث، لأن الترك ليس عصيانا.
وإذا أمرها أمرا بين أنه ندب بأن يقول: آمرك بالخروج وأبيح لك القعود، فلا حنث عليه، لحمل اليمين في الأمر المطلق على مطلق الأمر والمندوب ليس مأمورًا به أمرًا مطلقًا، وإنما هو مأمور به أمرًا مفيدًا (١) .
تعليقه بالإذن
ولو قال: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، فهو على كل مرة، لأن خرجت فعل والفعل نكرة وهي في سياق الشرط تعم نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [٨/٩٩] وكذا إذا قال: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق، يقتضي تعليق المسمى على تحقق الشرط فهو على كل مرة تعطيه ألفًا وهذا المسمى موجود في جميع أفراده فيقع الطلاق به إذا وجد فلو أعطته ما ينقص عن ألف ثم أعطته الألف وقع الطلاق، لكن العموم تارة يكون على سبيل البدل، وهو العموم المطلق وهو الذي يقال فيه تعليق الطلاق، لا يقتضي التكرار، وتارة يكون على سبيل الجمع، وهو العموم على سبيل الاستغراق، وهو يقتضي التكرار في تعليق الطلاق، هذا الجواب هو الصواب.
وقيل: إنه إذا أذن لها في الخروج انحلت يمينه بناء على القول بأن النكرة في سياق النفي لا تعم إلا إذا أكدت بـ من تحقيقًا أو تقديرًا نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ﴾ [٦٢/٣] محتجًا بقول سيبويه
أنه يجوز أن يقول: ما رأيت رجلاً بل رجلين، وهذا إنما هو فرق بين
стр. 999
الصيغتين في الجواز فقط، فإن قوله: ما رأيت من رجل، إنما هو نص في الجنس، لأن حرف من للجنس وأما نحو: ما رأيت رجلا فهو ظاهر في الجنس يقتضي العموم، ويجوز أن يراد به مع القرينة نفي الجنس الواحد، فيجوز للمتكلم أن يريد بكلامه ذلك، كما يريد به سائر الاحتمالات المرجوحة.
فإذا قال: إن خرجت إلا بإذني، ونوي خروجا واحدا نفعه ذلك، وحملت يمينه عليه، ولو كان السبب يتقضي ذلك مثل أن تطلب منه الخروج إلى لقاء الحجاج فيقول: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق فهو كما لو حلف لا يتغدى إذا دعي إلى غداء، ففيه قولان: هما وجهان في مذهب أحمد، الصواب أنه يقتصر على ذلك الغداء؛ لأن المفهوم من كلام الناس عرفًا، والفرق بينه وبين ألفاظ الشارع أن العبرة في كلام الشارع بعموم لفظه لا بخصوص سببه، ذلك لأن هناك تعارض قصد التخصيص وقصد التأسيس بالحكم فيرجح التأسيس، لأن كلام الشارع منصوب له وهو موجب اللفظ، وهنا لم يعرف أن غرض الحالف تأسيس المنع من الفعل، فسلمت دلالة التخصيص من معارض، فظهر أن قوله: إن خرجت بغير إذني، مثل قوله: إن خرجت إلا أن آذن لك، هذا خروج مقيد، وهذا خروج مطلق، كقوله: لا أتغدى أو لا أخرج، ومع ذلك فإن تطلق نكرة، وهذه الأفعال كلها للعموم عند الإطلاق، لأنها نكرة في سياق غير موجب فيحمل عليه إذا نواه، وكان مع السبب للخصوص على أصح القولين، وهذا ظاهر في قلوب الناس (١) .
وإن علق الطلاق على خروجها بغير إذن ثم أذن لها مرة فخرجت مرة أخرى بغير إذن طلقت، وهو مذهب أحمد؛ لأن خرجت فعل، والفعل نكرة، وهي في سياق الشرط تقتضي العموم.
стр. 1000
وإن أذن لها فقالت: لا أخرج، ثم خرجت الخروج المأذون لها فيه، قال أبو العباس: سئلت عن هذه المسألة؟ ويتوجه فيه ألا يحنث، لأن امتناعها من الخروج لا يخرج الإذن عن أن يكون إذنًا؛ لكن هو إذا قالت: لا أخرج فلما اطمأن إلى أنها لا تخرج ولم تشعره بالخروج فقد خرجت بلا علم، والإذن علم وإباحة.
ويقال أيضًا: إنها إذا ردت الإذن عليه فهو بمنزلة قوله: أمرك بيدك إذا أردت ذلك، وأصل هذا أن هذا الباب نوعان: توكيل وإباحة، فإذا قال له: بع هذا، فقال: لا أبيع، أن النفي يرد القبول في الوصية، والموصي إليه لم يملكه بعد، وإذا أباحه شيئا فقال: لا أقبل، فهل له أخذه بعد ذلك؟ فيه نظر.
ويتوجه أن الإنشاء كالخبر في التكرار.
وظاهر كلام أبي العباس: إذا حلف ليقضينه حقه في وقت عينه فأبرأه قبله لا يحنث، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وقول في مذهب أحمد وغيره (١) .
تعليقه بالمشيئة
قال أصحابنا: إذا قال: أنت طالق وعبدي حر إن شاء زيد لم يقع إلا بمشيئة زيد لهما إذا لم ينو غيره.
ويتوجه أن تعود المشيئة إليهما إما جميعًا وإما مطلقًا بحيث لو شاء أحدهما وقع ما شاء، وكذلك نظيرها في الخلع أنهما طلقتان.
ونظيره أن يقول: والله لا تؤمن (٢) ولا آكل إن شاء الله تعالى فتبقى
стр. 1001
على قياس قولهم أن يحنث بفعل الواحد، لأن التقدير إن شاء الله في الجميع المحلوف عليه فيحنث.
قال القاضي في الجامع: فإن قال: أنت طالق إن لم يشأ زيد، فقد علق الطلاق بصفة هي عدم المشيئة فمتى لم يشأ وقع الطلاق لوجود شرطه وهو عدم المشيئة من جهته.
قال أبو العباس: والقياس أنها لا تطلق حتى تفوت المشيئة، إلا أن تكون نية أو قرينة تقتضي الفورية.
وإذا قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله أنه لا يقع به الطلاق عند أكثر العلماء، وإن قصد أنه يقع به الطلاق وقال: إن شاء الله تثبيتا لذلك وتأكيدا لإيقاعه وقع عند أكثر العلماء، ومن العلماء من قال: لا يقع مطلقا، ومنهم من قال: يقع مطلقا، وهذا التفصيل الذي ذكرناه هو الصواب.
وتعليق الطلاق إن كان تعليقا محضا ليس فيه تحقيق خبر، ولا حض على فعل كقوله: إن طلعت الشمس، فهذا يفيد فيه الاستثناء. ويتوجه أن تخرج على قول أصحابنا، هل هذا يمين أم لا؟
ومن هذا الباب توقيته بحادث يتعلق بالطلاق معه غرض كقوله: إن مات أبوك فأنت طالق، أو: إن مات أبي هذا فأنت طالق ونحو هذا.
وقياس المذهب أن الاستثناء لا يؤثر في مثل هذا؛ فإنه لا يحلف عليه بالله، والطلاق فرع اليمين بالله.
وإن كان المحلوف عليه أو الشرط خبرا عن مستقبل لا طلبا كقوله ليقدمن الحاج أو السلطان فهو كاليمين ينفع فيه الاستثناء.
وإن كان الشرط أمرا عدميا كقوله: إن لم أفعل كذا فأنت طالق إن شاء الله تعالى فينبغي أن يكون كالثبوت كما في اليمين بالله.
стр. 1002
ويفيد الاستثناء في النذر كما في قوله: لا تصدقن إن شاء الله، لأنه يمين.
ويفيد الاستثناء في الحرام والظهار، وهو المنصوص عن أحمد فيهما.
وللعلماء في الاستثناء النافع قولان:
أحدهما: لا ينفعه حتى ينوية قبل فراغه من المستثنى منه، وهو قول الشافعي والقاضي أبي يعلى ومن تبعه.
والثاني: ينفعه وإن لم يرده إلا بعد الفراغ حتى لو قال له بعض الحاضرين، قل إن شاء الله، فقال: إن شاء الله، نفعه، وهذا هو مذهب أحمد الذي يدل عليه كلامه، وعليه متقدمو أصحابه، واختيار أبي محمد وغيره، وهو مذهب مالك، وهو الصواب.
ولا يعتبر مقارنة قصد الاستثناء، فلو سبق على لسانه عادة أو أتى به تبركا رفع حكم اليمين.
وكذلك قوله: إذا أراد الله، وقصد بالإرادة مشيئة الله، لا محبته وأمره.
ومن شك في الاستثناء وكان من عادته الاستثناء فهو كما لو علم أنه استثنى كالمستحاضة تعمل بالعادة والتمييز ولا تجلس أقل الحيض، والأصل وجوب العبادة في ذمتها (١) .
ومن حلف بالطلاق فقيل له: استثن فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه، بخلاف الذي أوقع الطلاق، وقال: إن شاء الله، فإن ذلك لا
يرفعه سواء كان نوى الاستثناء قبل فراغه من اليمين أو بعده، هذا هو
стр. 1003
الصحيح الذي دل عليه كلام الإمام أحمد وكثير من السلف وسنة رسول الله ﷺ فحلفه ﷺ وقوله: (لأغرون قريشا) ولم يغزها، وحلف سليمان ﵇ أن يطوف على نسائه، وقوله للعباس: (إلا الإذخر) واستثناء سهيل بن بيضاء وغيره تدل على أن اليمين تنحل بالاستثناء المقارن لليمين (١) .
حكي عن أبي بكر ﵀ أنه لا يصح الاستثناء في الطلاق، وقال الشيخ تقي الدين: قول أبي بكر رواية منصوصة عن الإمام أحمد ﵀ ولكن أكثر أجوبته كقول الجمهور (٢) .
قال ابن القيم ﵀: إذا استحلف على شيء فأحب أن يحلف ولا يحنث فالحيلة أن يحرك لسانه بقول: إن شاء الله، وهل يشترط أن يسمعها نفسه؟ فقيل: لا بد أن يسمع نفسه.
وقال شيخنا: هذا لا دليل عليه، بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلما وإن لم يسمع نفسه وهكذا حكم الأقوال الواجبة (٣) .
وإذا حلف على يمين وكان من عادته أن لا يحلف إلا ويستثنى فحلف يمينا وشك بعد مدة هل جري على عادته في الاستثناء أم لا؟ فالأظهر من قول العلماء إجراؤه على عادته وإلحاق الفرد بالأعم الأغلب (٤) .
وإذا حلف فقال له رجل قال: إن شاء الله، فقال: حلفت ومضى، فقال مرة ثانية: قل إن شاء الله، فقالها، ففيه نزاع مشهور في مذهب أحمد وغيره، في الصحيح، مثل هذا الاستثناء كما ثبت في حديث
стр. 1004
سليمان ﵇ أنه قال: "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كل امرأة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل، فلو قالها لقاتلوا جميعًا في سبيل الله فرسانا أجمعين، وكذلك قوله ﷺ في المدينة: "لا يختلي خلاها" فقال له العباس: إلا الإذخر، فقال: "إلا الإذخر" وقوله ﷺ : "لا ينقلبن أحد إلا بضرب عنق" فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى خفت أن الحجارة تنزل علي من السماء ثم قال: "إلا سهيل بن بيضاء" وقال ﷺ "
والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا" ثم سكت ثم قال: "إن شاء الله ثم لم يغزهم".
وفي القرآن جمل قد بين فصل أبعاضها بكلام آخر كقوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [٧٢-٧٣/٣] ففصل بين الكلام المحكي عن أهل الكتاب، وله نظائر، والله أعلم (١) .
يعتبر للاستثناء والشرط ونحوهما اتصال معتاد لفظا وحكما كانقطاعه بتنفس ونحوه، ويعتبر أيضًا نيته قبل تكميل ما ألحقه به، وقيل: يصح بعد تكميل ما ألحقه به واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: دل عليه كلام الإمام أحمد، وعليه متقدمو أصحابه، وقال: لا يضر فصل يسير بالنية وبالاستثناء اهـ (٢) .
стр. 1005
وإذا حلف بالطلاق الثلاث لا يكسن هذه الدار، وقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه إذا سكن فيها، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور من مذهبه، وقول في مذهب مالك إذا قال: إن شاء الله على الوجه المعتبر (١) .
فصل
قال أبو العباس: تأملت نصوص كلام الإمام أحمد فوجدته يأمر باعتزال الرجل زوجته في كل يمين حلف الرجل عليها بالطلاق وهو لا يدري أبار فيها أم حانث حتى يستيقن أنه بار، فإن لم يعلم أنه بار في وقت وشك في وقت اعتزالها وقت الشك، نص على فروع هذا الأصل في مواضع.
إذا قال لامرأته، إن كنت حاملا فأنت طالق، فإنه نص على أنه يعتزلها حتى يتبين أنها ليست بحامل، ولم يذكر القاضي خلافا في أنه يمنع من وطئها قبل الاستبراء إن كان قد وطئها قبل اليمين.
وتلخص من كلام القاضي: أنها إذا لم تحض ولم يظهر بها حمل فهل يحكم ببراءة الرحم بحيث يجوز وطئها، ويتبين أن الطلاق لم يقع بمضي تسعة أشهر أو ثلاثة أشهر؟ على وجهين، وهذا إنما هو في حق من تحيض أو تحمل، وأما الآيسة والصغيرة فإن الواجب أن تستبرأ بمثل الحيضة، وهو ثلاثة أشهر، أو شهر واحد على ما فيه من الخلاف.
أو يقال يجوز وطء هذه قبل الاستبراء إلا أن تكون حاملا، هذا هو الصواب.
وكل موضع يكون الشرط فيه أمرا عدميا يتبين فيما بعد مثل أن
стр. 1006
يقول: إن لم يقدم زيد أو إن لم يقدم في هذا الشهر ونحو ذلك فلا يجوز الوطء حتى يتبين.
ومنها: إذا وكل وكيلا في طلاق زوجته فإنه يعتزلها حتى يدري ما فعل، وحمله القاضي على الاستحباب، والوجوب متوجه.
ومنها: إذا قال: أنت طالق ليلة القدر، فإنه يعتزلها إذا دخل العشر الأواخر، لإمكان أن تكون ليلة القدر أول ليلة، وحمله القاضي على المنع.
ومنها: إذا قال: أنت طالق قبل موتي بشهر، فإنه يعتزلها أبدا، وحمله القاضي على الاستحباب.
ومنها: مسألة إن كان هذا الطائر غرابا فامرأتي طالق ثلاثا، وقال آخر: إن لم يكن غرابا فامرأتي طالق ثلاثا، وطار ولم يعلم ما هو، فإنهما يعتزلان نساءهما حتى يتيقنا، وحمله القاضي على الاستحباب.
وما كان من هذه الشروط مما يئسا من استبانته ففيه مع العلم بوقوعه.
ذكر القاضي في مسألة الطائر أن ظاهر كلام أحمد الحنث، وتعليل القاضي في مسألة إن شاء الله صريح في ذلك، فإنه جعل الشرط الذي لا يعلم بمنزلة عدم الاشتراط، وهذا ظاهر في قول أحمد: أنت طالق إن شاء فلان فلو لم يشأ تطلق، لأن مشيئة العباد ومشيئة الله لا تدرك، هي مغيبة عنه، فإن هذا يقتضي أن كل شرط مغيب لا يدرك يقع الطلاق المعلق به.
وعلى هذا من حلف ليدخلن الجنة يحنث، لأنه مغيب لا يدرك.
لكن كلام الإمام أحمد في أكثر المواضع إنما فيه الأمر بالاعتزال فقط، وهذا فقه حسن، فإن الحلف بالطلاق محمول على الحلف بالله.
стр. 1007
ولو حلف بالله على أمر وهو لا يعلم أنه صادق في يمينه كان آثما بذلك وإن لم يتيقن أنه كاذب فكذلك يمين الطلاق وأشد.
وقد نص على أنه إذا شك هل تطلق، أم لا؟ أنه لا يقع به الطلاق، ولم يتعرض للاعتزال، فينظر هل يؤمر بالاعتزال هنا، أم يفرق بأن هذا لم يحلف يمينا فهو بمنزلة من شك هل حلف أم لا؟.
قال في المحرر: وتمام التورع في الشك قطعه برجعة، أو عقد إن أمكن وإلا ففرقة متيقنة بأن يقول: إن لم تكن طلقت فهي طالق.
وقال القاضي: أما في الورع فإن كان يعلم من نفسه أنه متى طلق فإنما يطلق واحدة لاعتقاده أن الزيادة عليها بدعة: ألزم نفسه طلقة ثم راجعها فإن كان الطلاق قد وجد فقد راجع، وإن لم يكن قد وجد فما ضره، وإن كان يعلم من نفسه أنه متى طلق فإنما يطلق ثلاثا: ألزم نفسه ثلاثا، ومعناه أن يوقع عدد الطلقات الثلاث فتحل لغيره من الأزواج ظاهرًا وباطنًا.
قال أبو العباس: ومما يدل على أنه متى وقع الشك في وقوع الطلاق فالأولى استبقاء النكاح؛ بل يكره أو يحرم إيقاعه لأجل الشك، أن الطلاق بغيض إلى الرحمن، حبيب إلى الشيطان ويدل عليه قصة هاروت وماروت.
وأيضا: فإن النكاح دوامه آكد من ابتدائه كالصلاة، وإذا شك في الصلاة أحدث، أم لا؟ لم يستحب له أن ينصرف منها بالشك بنص الحديث، لما فيه من إبطال الصلاة بالشك، فكذلك إبطال النكاح بالشك؛ بل الصلاة إذا أبطلها أمكن ابتداؤها بخلاف النكاح (١) .
واختار شيخنا العمل بعرف المتكلم وقصده في مسمى اليمين وأنه
стр. 1008
موجب أصول أحمد ونصوصه، وأن مثله والله لا أحلف يمينا، طلقت في الحال طلقة في مرة، وإن قصد بإعادته إفهامها لم يقع، ذكره أصحابنا (١) .
باب التأويل في الحلف
وإن حلف بالطلاق كاذبا يعلم كذب نفسه لا تطلق زوجته، ولا يلزمه كفارة يمين (٢) .
ولو قيل: زنت امرأتك، أو خرجت من الدار فغضب، وقال: فهي طالق، لم تطلق وأتفى به ابن عقيل، وهو قول عطاء بن أبي
رباح.
وقريب منه ما ذكره ابن أبي موسى وخالف فيه القاضي: إذا قال لامرأته: أنت طالق أن دخلت الدار -بفتح الهمزة- أنها لا تطلق إذا لم تكن دخلت؛ لأنه إنما طلقها لعله فلا يثبت الطلاق بدونها.
ومن هذا الباب ما يسأل عنه كثير مثل أن يعتقد أن غيره أخذ ماله فيحلف ليردنه أو يقول: إن لم ترده فامرأتي طالق، ثم تبين أنه لم يأخذه أو يقول: ليحضرن زيد، ثم يتبين موته، أو لتعطيني من الدراهم الذي معك ولا دراهم معه.
ثم هذا قسمان: الأول: منه ما يتبين حصول غرضه بدون الفعل المحلوف عليه مثل ما إذا ظن أنها سرقت له مالا فيحلف ليردنه فوجدها لم تسرقه.
والثاني: فإنه وإن لم يحصل فيه غرضه لكن لا غرض له مع
стр. 1009
وجود المحلوف عليه فيصير كأنه لم يحلف عليه، وفي الأول يحصل غرضه منه فيصير كأنه بر بالفعل (١) .
واختار الشيخ تقي الدين ﵀: فيمن حلف على غيره ليفعلنه فخالفه، لم يحنث إن قصد إكرامه لا إلزامه، لأنه كالأمر، ولا يجب؛ لأمره ﷺ لأبي بكر بوقوفه في الصف ولم يقف، ولأن أبا بكر أقسم ليخبرنه بالصواب والخطأ لما فسر الرؤيا فقال: لا تقسم، لأنه علم أنه لم يقصد الإقسام عليه مع المصلحة المقتضية للكتم.
وقال أيضا: إن لم يعلم المحلوف عليه بيمينه فكالناسي (٢) .
وإذا حلف بالطلاق ليعطينه كذا فعجز عنه فلا حنث عليه إذا كانت نيته أن يعطيه مع القدرة (٣) .
ومن كانت عنده وديعة فتصرفت فيها زوجته، فطلب صاحب الوديعة وديعته، فقال لزوجته: أعطيه الوديعة، فقالت: تصرفت فيها، فحلف أنه لا بد أن يعطيه الوديعة وإلا كانت طالقا، ولا يروح إلا بوديعته وكان قد رأى الوديعة في البيت، فعجزت الزوجة عن إحضارها، وراح الرجل ولم يأخذ الوديعة، فإذا كانت الوديعة معدومة فلا حنث عليه، لأن المحلوف عليه ممتنع ولا يحنث في أصح القولين، ولأنه اعتقد وجودها فتبين ضده فلا يحنث في مثل ذلك على الصحيح.
ومن رأى معجنة طين فقال: علي الطلاق ما تكفي، فكفت، فلا يعود إلى مثل هذا اليمين فإن فيها خلافا؛ لكن الأظهر أنه لا يحنث.
стр. 1010
وإن حلف على زوجته لا تفعل شيئا ولم تعلم أنه حلف أو علمت فنسيت ففعلته، فلا حنث عليه، وله أن يصدقها إن كانت صادقة عنده (١) .
فصل
ومن حلف على زوجته بالطلاق الثلاث لا تفعل كذا ففعلت وزعمت أنها حين فعلته اعتقدت أنه غير المحلوف عليه فالصحيح في مثل ذلك أنه لا يقع طلاقه، بناء على أنه إذا فعل المحلوف عليه ناسيا ليمينه أو جاهلا لم يقع به طلاق في أحد قولي الشافعي وأحمد.
وعنه في جنس ذلك ثلاث روايات، لأن البر والإيمان بمنزلة الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، لأن الحالف يقصد بيمينه الحض لنفسه أو لغيره ممن يحلف عليه أو المنع لنفسه أو لغيره ممن يحلف عليه، فهو في الحقيقة طلب مؤكد بالقسم، فكما أن الكلام نوعان: خبر وإنشاء.
والإنشاء أمر أو نهي أو إباحة، والقسم أيضا، نوعان: خبر مؤكد، وإنشاء مؤكد بالقسم؛ ولهذا كان القسم جملتان: جملة يقسم عليها، وجملة يقسم بها، فإذا قال: والله لقد كان كذا، أو ما كان كذا، أو لأفعلن كذا، أو لا تفعل كذا، كان هذا قسما على الخبر، وإذا قال: والله لا أفعل كذا، أو لا تفعل كذا، كان هذا إنشاء مؤكدا بالقسم، لكنه طلب يتضمن الأمر والنهي، ثم لما صاروا يحلفون بالطلاق كان له صيغتان: صيغة القسم، وصيغة الشرط، فصيغة القسم قول الحالف: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، أو لا أفعله، أو لتفعلن كذا، وصيغة القسم موجب في صيغة الجزاء، والمثبت في هذه منفي في هذه.
стр. 1011
وصيغة الشرط إذا تضمنت معنى الحض والمنع كانت حلفا بالطلاق، وأما إن كان تعليقا محضا كقوله: إذا ظهرت أو طلعت الشمس ونحو ذلك، ففيه نزاع بين العلماء، والصحيح أنه ليس بحلف، بل هو إيقاع موجب بوقت معلوم أو مجهول أو معلق بشرط، وينبني على ذلك مسائل.
منها: لو حلف لا يحلف بالطلاق، أو قال: إذا حلفت به فعبدي حر، أو لم يعرف لغته، فأما إن عرفت لغته فإن يمينه تنزل عليها.
ومنها أن النبي ﷺ قال: "من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك".
وقد تنازع العلماء في الاستثناء على ثلاث درجات.
أحدها: الإيقاع المجرد، فعند أحمد ومالك أنه تقع الثانية.
وإذا علق الطلاق بشرط يقصد به الحض أو المنع، ففيه قولان: وهما روايتان عن أحمد.
إحداهما: الإيقاع، فإنه كالإيقاع، والثاني: وهو الصحيح أنه كالحض.
والدرجة الثالثة: إذا حلف بصيغة القسم، كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، فهذا ظاهر المذهب عن أحمد أنه لا يحنث، ثم من أصحابه من يجعله قولاً واحدًا ومنهم من يجعل فيه روايتين، فالصواب وقوع الاستثناء في هاتين الصورتين، وإن قيل: لا يقع في الإيقاع.
والمقصود هنا: أن الحالف على نفسه أو غيره ليفعلن أو لا يفعل، وهو طالب طلبا مؤكدا بالقسم بمنزلة الأمر والنهي، وإذا كان كذلك فقد علم أن المنهي إذا فعل ما نهى عنه ناسيًا أو مخطئًا، وقد فعل شيئا يعتقد أنه غير المنهي عنه كان المنهي عنه كأنه لم يكن، ولم يكن
стр. 1012
المنهي مخالفا للناهي عاصيا له، فكذلك من فعل المحلوف عليه ناسيا أو مخطئا في اعتقاده لم يكن مخالفا للحالف، فلم يحنث الحالف، وهذا بين لمن تأمله، والله تعالى لم يؤاخذ بالنسيان والخطأ.
وأما إذا فعلت الزوجة المحلوف عليها، عالمة بالمخالفة، فهذا فيه نزاع آخر غير النزاع المعروف.
فأصل الحلف بالطلاق هل يقع به الطلاق، أو لا يقع؟ فإن النزاع في ذلك بين السلف والخلف.
والمقصود: أن الزوج إذا حلف على زوجته فخالفته عمدا، فمذهب أشهب صاحب مالك أنه لا يقع به طلاق في هذه الصورة، وخالفه غيره من المالكية، ولعل مأخذه إما وجوب طاعته عليها وجعلها عاصية بذلك، أو لئلا يكون الطلاق بيدها من غير رضاه، فإنه لم يقصد جعله بيدها إنما قصد منعها، وظن أنها لا تعصيه، كمن حلف على معنى يظنه، كصفة، فتبين بخلافها.
ثم إذا وقع به الطلاق بفعلها، أو حصلت فرقة بفعلها بعد الدخول فهل يرجع عليها بالمهر؟ فهو مبني على أن إخراج البضع من ملك الزوج هل هو متقوم؟ فلو شهد شهود بالطلاق ثم رجعوا، هل يضمنون الصداق؟ فيه قولان مشهوران هما روايتان عن أحمد، والصحيح أنه متقوم ومنهم من فرق بين المرأة والأجنبي فيقول: متقوم على الأجنبي دون المرأة فيقولون: إن أفسدت النكاح هي لم تضمنه، بخلاف الأجنبي.
ثم مالك يقول: هو مضمون بالمسمى وهو منصوص عن أحمد، والشافعي يقول: هو مضمون بمهر المثل وهو وجه لأحمد، وكذلك لو أفسد رجل نكاح امرأة قبل الدخول بها وبعده فللمرأة قبل الدخول نصف الصداق، ولها جميعه بعده، ويرجع الزوج به على المفسد في الصورتين.
стр. 1013
عند من يقول خروج البضع متقوم، وهو المنصوص عن أحمد، وهو مقدار ما يرجع به على القولين، ومن يقول: لا يتقوم يقول: لا يرجع، وهذا القول الآخر في مذهب أحمد.
والدليل على أنه متقوم جواز الخلع عليه، وأيضا ما ذكره الله في الممتحنة حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *﴾ [١٠/٦٠] نزلت باتفاق المسلمين في قضية الصلح الذي كان بين النبي ﷺ وبين أهل مكة صلح الحديبية لما شرط عليهم أن يرد المسلمون من جاءهم مسلما، وأن لا يرد أهل مكة من ذهب إليهم مرتدا، فهاجر نسوة كأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فنسخ الله تعالى الرد في النساء، وأمر برد المهر عوضا عن رد المرأة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ فأمر أن يؤتي الأزواج الكفار ما أنفقوا على المرأة الممتحنة التي لا ترد، والذي أنفقوا هو المسمى ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ فشرع للمؤمنين أن يسألوا الكفار ما أنفقوا على النسوة اللاتي ارتددن إليهم، وأن يسأل الكفار ما أنفقوا على النساء المهاجرات، فلما حكم الله بذلك دل على أن خروج البضع متقوم، وأنه بالمهر المسمى، ودلت الآية على أن المرأة إذا أفسدت نكاحها رجع عليها زوجها بالمهر.
فإذا حلف عليها فخالفته وفعلت المحلوف عليه كانت عاصية ظالمة متلفة للبضع عليه، فيجب عليها ضمانه: إما بالمسمى على أصح قولي العلماء، وإما بمهر المثل.
يوضع ذلك ما كان من امرأة قيس بن شماس حين أبغضته.
стр. 1014
وقالت: إني أكره الكفر بعد الإيمان فأمرها رسول الله ﷺ أن ترد عليه حديقته لأن الفرقة جاءت من جهتها فتبين أنه يجوز أن يأخذ صداقها إذا كان سبب الفرقة من جهتها، إلا إذا كانت من جهته، وهذا كله يقرر أنه يجوز أن يرجع إليه الصداق، إذا فعل ما يوجب الضمان مثل: ما إذا أفسدته عليه بالهجرة، أو الردة (١) .
ومن حلف على رجل، لا بد أن يعطي فلانا كذا يعتقد أن ذلك الشيء عنده موجود بحيث لو علم أنه قد عدم لما حلف، ثم تبين أن ذلك الشيء قد عدم فلا حنث عليه لأنه حلف على مستحيل نحو: لأطيرن، أوة لأشربن ماء هذا الكوز ولا ماء فيه، وهذا لا يحنث عند جماهير العلماء.
وله مأخذ آخر وهو: أنه حلف يعتقد شيئًا فتبين بخلافه (٢) .
وإذا حلف بالطلاق الثلاث: أن أحدا من أرحام المرأة لا يطلع إلى بيته، فطلع في غيبته، فإن كان يعتقد أنه إذا حلف عليهم امتنعوا من الصعود فحلف ظنا أنهم ممن يطيعونه فتبين الأمر بخلاف ذلك، ففي حنثه نزاع بين العلماء، الأظهر أنه لا يحنث، كمن رأى امرأة يظنها أجنبية فقال: أنت طالق ثم تبين أنها امرأته ونحو ذلك من المسائل التي يتعارض فيها تعيين الظاهر والقصد؛ فإن الصحيح اعتبار القصد (٣) .
وإذا حلف على زوجته بالطلاق أنها لا تخرج إلا إلى الحمام فخرجت إلى بيت أهل الزوج وقالت لم أظن أنك أردت منعي من أهلك، فعرف صدقها في ذلك لم يقع به طلاق، وإن عرف كذبها لم
стр. 1015
يقبل قولها، وإن شك في صدقها وكذبها لم يحكم بوقوع الطلاق فإن النكاح ثابت بيقين فلا يزول بالشك (١) .
وإذا حلف على أخت زوجته لا تدخل بيته إلا بإذنه فدخلت بغير إذنه ولم تكن علمت باليمين ثم علمت فاعتقدت أن اليمين انحلت بالحنث وأنه لم يبق عليها يمين فاستمرت على الدخول فلا حنث على الحالف لأن الدخول الأول لم تكن عالمة باليمين، وبعد ذلك اعتقدت أنها انحلت وأنه لم يبق عليه يمين (٢) .
إذا علل الطلاق بعلة ثم تبين انتفاؤها، فمذهب أحمد أنه لا يقع بها الطلاق، وعند شيخنا لا يشترط ذكر التعليل بلفظه، ولا فرق عنده بين أن يطلقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة، فإذا تبين انتفاؤها لم يقع الطلاق، وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره، ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره (٣) .
وإذا حلف: لا يسكن بيت أبيه فزارهم وجلس عندهم أياما لم يحنث، لأن الزيارة ليست سكنا باتفاق الأئمة (٤) .
ومن حلف على ابن أخت زوجته أن لا يعمل عند إنسان لكونه يظلمه، ثم بلغ وخرج عن أمره واستقل بنفسه وأجر نفسه لذلك الرجل لم يحنث ذلك الحالف (٥) .
وإذا حلف لا يفعل شيئًا لسبب فزال السبب أو أكره على فعل المحلوف عليه لم يحنث، وإن كان السبب باقيًا وأراد فعل المحلوف.
стр. 1016
فخالع زوجته خلعا صحيحا ثم فعله بعد أن بانت بالخلع لم يحنث، وإن كان الخلع لأجل اليمين ففيه نزاع مشهور.
والصحيح أن خلع اليمين لا يصح، كالمحلل، لأنه ليس المقصود به الفرقة، وهل يقع بخلع اليمين طلقة رجعية أم لا يقع به شيء؟ فيه نزاع مشهور، والصحيح أنه لا يقع به شيء بحال، لكن إذا أفتاه مفت به وفعله معتقدا أن النكاح قد زال وأنه لا حنث عليه لأنه لم يقصد مخالفة يمينه فلا حنث عليه، وأكثر العلماء يقولون إن يمينه باقية منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور والشافعي في أحد قوليه.
وفي القول الآخر: أن اليمين تنحل إذا حصل بينه وبين زوجته بينونة، ويجوز للمستفتي أن يستفتي في مثل هذه المسائل من يفتيه بأن لا حنث عليه، ولا يجب على أحد أن يطيع أحدا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ وإذا أفتاه من يجوز استفتاؤه جاز أن يعمل بفتواه ولو كان ذلك القول لا يوافق المذهب الذي ينتسب هو إليه، وليس بالازم أن يلتزم قول إمام بعينه في جميع أيمانه (١) .
قال شيخنا: والاحتياط أحسن ما لم يفض بصاحبه إلا مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط (٢) .
ومن اتهمته زوجته بوطء جاريته فعرض وحلف أنه ما وطئها فله ذلك كما جرى لعبد الله بن رواحة ﵁ إذ حلف لزوجته وأقام لها الدليل على ذلك أنه ليس جنبا فأنشد لها شعرا يوهمها أنه قرآن وهو:
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرين
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين
стр. 1017
وذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك وقال: "إن امرأتك لفقيهة" فهذا قد أظهر لها أنه يقرأ القرآن، ومثل هذا لو فعله الرجل لغير عذر كان حراما بالاتفاق (١) .
باب الشك في الطلاق
لو قال: إن كان غرابا فامرأتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غرابا فامرأتي طالق، ولم يعلماه لم تطلقا، ويحرم عليهما الوطء إلا مع اعتقاد أحدهما خطأ الآخر.
واختار أبو الفرج في الإيضاح والشيخ تقي الدين وقوع الطلاق، وقال: هو ظاهر كلام أحمد ﵀ (٢) .
باب الرجعة
قال شيخنا: لا يمكن من الرجعة إلا من أراد إصلاحا وأمسك بمعروف فلو طلق إذا ففي تحريمه الروايات: وقال: القرآن يدل على أنه لا يملكه وأنه لو أوقعه لم يقع كما لو طلق البائن، ومن قال: إن الشارع ملك الإنسان ما حرمه عليه فقد تناقض (٣) .
وألزم شيخنا بإعلان الرجعة والتسريح أو الإشهاد كالنكاح والخلع عنده، لا على ابتداء الفرقة لقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ ولئلا يكتم طلاقها (٤) .
стр. 1018
قال أبو العباس: أبو حنيفة يجعل الوطء رجعة، وهو إحدى الروايات عن أحمد، والشافعي لا يجعله رجعة، وهو رواية عن أحمد، ومالك يجعله رجعة مع النية، وهو رواية أيضا عن أحمد، فيبيح وطء الرجعية إذا قصد به الرجعة وهذا أعدل الأقوال وأشبهها بالأصول، وكلام ابن أبي موسى في الإرشاد يقتضيه.
ولا تصلح الرجعة مع الكتمان بحال، وذكره أبو بكر في الشافعي، وروي عن أبي طالب قال: سألت أحمد عن رجل طلق امرأته وراجعها واستكتم الشهود حتى انقضت العدة؟ قال: يفرق بينهما ولا رجعة له عليها (١) .
فصل
قال أصحابنا: ومن غابت مطلقته المحرمة ثم ذكرت أنها تزوجت من أصابها وانقضت عدتها منه وأمكن ذلك فله نكاحها إذا غلب على ظنه صدقها وإلا فلا.
وقد تضمنت هذه المسألة، أن المرأة إذا ذكرت أنه كان لها زوج فطلقها وانقضت عدتها فإنه يجوز تزوجها وتزويجها، وإن لم يثبت أنه طلقها.
ولا يقال: إن ثبوت إقرارها بالنكاح يوجب تعلق حق الزوج بها فلا يجوز نكاحها حتى يثبت زواله.
ونص الإمام أحمد في الطلاق، إذا كتب إليها أنه طلقها لم تتزوج حتى يثبت الطلاق، وكذلك لو كان للمرأة زوج فادعت أنه طلقها لم تتزوج بمجرد ذلك باتفاق المسلمين؛ لأنا نقول، المسألة هنا فيما إذا
стр. 1019
ادعت أنه تزوجها من أصابها وطلقها ولم تعينه، فإن النكاح لم يثبت لمعين بل لمجهول، فهو كما لو قال: عندي مال لشخص وسلمته إليه فإنه لا يكون إقرارا بالاتفاق، فكذلك قولها، كان لي زوج وطلقني أو سيدي اعتقني ولو قالت: تزوجني فلان وطلقني فهو كالإقرار بالمال، وادعاء الوفاء، والمذهب لا يكون إقراره (١) .
فصل
قال أحمد في رواية ابن منصور: فإن طلقها ثلاث ثم جحد تفتدي نفسها منه بما تقدر عليه، فإن أجبرت على ذلك فلا تتزين له ولا تقربه وتهرب إن قدرت.
وقال في رواية أبي طالب: تهرب ولا تتزوج حتى يظهر طلاقها ويعلم ذلك.
فإن لم يقر بطلاقها ومات لا ترث، لأنها تأخذ ما ليس لها، وتفر منه، ولا تخرج من البلد ولكن تختفي في بلدها
قيل له: قال بعض الناس، تقتله بمنزلة من يدفع عن نفسه، فلم يعجبه ذلك.
فإن قال: استحللت، وتزوجتها، قال: يقبل منه.
قال القاضي: ألا تقتله، معناه: لا تقصد قتله، وإن قصدت دفعه فأدى ذلك إلى قتله فلا ضمان.
قال أبو العباس: كلام أحمد يدل على أنه لا يجوز لها دفعه
стр. 1020
بالقتل وهو الذي لم يعجبه لأن هذا ليس معتديا في الظاهر، والدفع بالقتل إنما يجوز لمن ظهر اعتداؤه (١) .
وقطع جمهور أصحابنا بحل المطلقة ثلاثا بوطء المراهق، والذمي إن كانت ذمية.
قال أبو العباس: النكاح الذي يبيحها له هو النكاح الذي ينبغي أن يقران عليه بعد الإسلام، والمجيء به إلينا للحكم صحيح.
فعلى هذا يحلها النكاح بلا ولي ولا شهود، وكذلك لو تزوجها على أخت ثم ماتت الأخت قبل مفارقتها.
فأما لو تزوجها في عدة أو على أخت ثم طلقها مع قيام المفسد فهنا موضع نظر، فإن هذا النكاح لا يثبت به التوارث ولا نحكم نحن فيه بشيء من أحكام النكاح، فينبغي أن لا تحل له (٢) .
يلزمها (٣) ترك حناء وزينة نهاها عنه الزوج، ذكره الشيخ تقي الدين ﵀ (٤) .