← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الأب مقدمة على الأخت من الأم، والعمة مقدمة على الخالة، كما تقدم أقارب الأب من الرجال على أقارب الأم، فالأخ للأب أولى من الأخ للأم، والعم أولى من الخال، بل قد قيل: إنه لا حضانة للرجال من أقارب الأم بحال، وأن الحضانة لا تثبت إلا لرجل من العصبة، أو لامرأة وارثة، أو مدلية بعصبة أو وارث، فإن عدموا فالحاكم. وعلى الوجه الثاني: فلا حضانة للرجال في أقارب الأم. وهذان الوجهان في مذهب الشافعي وأحمد. فلو كانت جهة الأمومة راجحة لترجح رجالها ونساؤها، فلما لم يترجح لرجالها بالاتفاق فكذلك نساؤها. وأيضا فمجموع أصول الشرع إنما تقدم أقارب الأب في الميراث والعقل والنفقة وولاية الموت والمال وغير ذلك، لم يقدم الشارع قرابة الأم في حكم من الأحكام فمن قدمهن في الحضانة فقد خالف أصول الشريعة. ولكن قدموا الأم لكونها امرأة وجنس النساء مقدمات في الحضانة على الرجال، وهذا يقتضي تقديم الجدة أم الأب على الجد، كما قدمت الأم على الأب، وتقديم أخواته على إخوته، وعماته على أعمامه، وخالاته على أخواله، هذا هو القياس والاعتبار الصحيح. وأما تقديم جنس نساء الأم على جنس نساء الأب فمخالف للأصول والمعقول. ولهذا كان من قال هذا في موضع يتناقض ولا يطرد أصله، ولهذا تجد لمن لم يضبط أصل الشرع ومقصوده في ذلك أقوالا متناقضة، حتى يوجد في الحضانة من الأقوال المتناقضة أكثر مما يوجد في غيرها من هذا الجنس -فمنهم من يقدم أم الأم على أم الأب- كأحد القولين في

стр. 1052

مذهب أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، ثم من هؤلاء من يقدم الأخت من الأب على الأخت من الأم، ثم يقدم الخالة على العمة كقول الشافعي في الجديد وطائفة من أصحاب أحمد، وبنوا قولهم على أن الخالات مقدمات على العمات لكونهن من جهة الأم، ثم قالوا في العمات والخالات والأخوات من كانت لأبوين أولى، ثم من كانت لأب، ثم من كانت لأم. وهذا الذي قالوه هنا موافق لأصول الشرع، لكن إذا ضم هذا إلى قولهم بتقديم قرائب الأم ظهر التناقض، وهم أيضا قالوا بتقديم أمهات الأب والجد على الخالات والأخوات للأم، وهذا موافق لأصول الشرع؛ لكنه يناقض هذا الأصل، ولهذا قالوا في القول الآخر، إن الخالة والأخت للأم أولى من أم الأب كقول الشافعي القديم، وهذا أطرد لأصلهم لكنه في غاية المناقضة لأصول الشرع. وطائفة أخرى طردت أصلها فقدمت من الأخوات من كانت لأم على من كانت لأب، كقول أبي حنيفة والمزني وابن سريج وبالغ بعض هؤلاء في طرد قياسه حتى قدم الخالة على الأخت من الأب كقول زفر ورواية عن أبي حنيفة، وافقهم ابن سريج، ولكن أبو يوسف استتبع ذلك (١) فقدم الأخت للأب، ورواه عن أبي حنيفة. وروي عن زفر أنه أمعن في طرد قياسه حتى قال: إن الخالة أولى من الجدة أم الأب، وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: لا تأخذوا بمقاييس زفر، فإنكم إذا أخذتم بمقاييس زفر حرمتم الحلال، وحللتم الحرام، وكان يقول في القياس: قياس زفر أقبح من البول في المسجد، وزفر كان معروفًا بالإمعان في طرد قياسه، لكن الشأن في الأصل الذي

стр. 1053

قاس عليه وفي علة الحكم في الأصل -وهو جواب- سؤال المطالبة -فمن أحكم هذا الأصل استقام قياسه، وهذا كما أن زفر اعتقد أن النكاح إلى أجل يبطل التوقيت ويصح النكاح لازمًا، وخرج بعضهم ذلك قولا في مذهب أحمد، فكان مضمون هذا القول، إن نكاح المتعة يصح لازما غير مؤقت، وهو خلاف النصوص، وخلاف إجماع السلف والأمة إذا اختلفت في مسألة على قول (١) لم يكن لمن بعدهم أحداث قول يناقض القولين ويتضمن إجماع السلف على الخطأ والعدول عن الصواب، وليس في السلف من يقول في المتعة إلا أنه باطل، أو يصح مؤجلا، فالقول بلزومه مطلقا خلاف الإجماع. وسبب هذا القول: اعتقادهم أن كل شرط فاسد في النكاح فإنه يبطل وينعقد النكاح لازما بدون حصول غرض المشترط، فألزموه مالم يلتزمه ولا ألزمه به الشارع، ولهذا صحح من قال ذلك نكاح الشغار، ونحوه مما شرط فيه نفي المهر، وصححوا نكاح التحليل لازما مع إبطال شرط التحليل، وأمثال ذلك. وقد ثبت في الصحيحين عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" فدل النص على أن الوفاء بالشروط في النكاح أولى منه بالوفاء بالشروط في البيع، فإذا كانت الشروط الفاسدة في البيع لا يلزم العقد بدونها، بل إما أن يبطل العقد وإما أن يثبت الخيار لمن فات غرضه بالاشتراط إذا بطل الشرط فكيف بالشروط في النكاح؟ وأصل عمدتهم: كون النكاح يصح بدون تقدير الصداق، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع. فقاسوا النكاح الذي شرط فيه نفي المهر على النكاح الذي ترك تقدير الصداق فيه، كما فعل أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأكثر متأخري

стр. 1054

أصحاب أحمد، ثم طرد أبو حنيفة قياسه فصحح نكاح الشغار بناء على أن لا موجب لفساده إلا إشغاره عن المهر، وهذا ليس مفسدًا. وأما الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد فتكلفوا الفرق بن الشغار وغيره بأن فيه تشريكا في البضع أو تعليقًا للعقد أو غير ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين فيه أن كل هذه فروق غير مؤثرة، وأن الصواب مذهب أهل المدينة مالك وغيره وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته وعليه أكثر قدماء أصحابه: أن العلة في إفساده هي شرط إشغار النكاح عن المهر، وأن النكاح ليس بلازم إذا شرط فيه نفي المهر أو مهر فاسد، فإن الله فرض فيه المهر، فلم يحل لغير الرسول النكاح بلا مهر، فمن تزوج بشرط أن لا يجب مهر فلم يعقد النكاح الذي أذن الله فيه فإن الله إنما أباح العقد لمن يبتغي بما له محصنا غير مسافح كما قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [٢٤/٤] فمن طلب النكاح بلا مهر فلم يفعل ما أحل الله، وهذا بخلاف من اعتقد أنه لا بد من مهر لكن لم يقدره، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآية [٢٣٦-٢٣٧/٢] فهذا نكاح المهر المعروف وهو مهر المثل. قالوا: فهذا هو الفرق بين النكاح وبين البيع، فإن البيع بثمن المثل وهو السعر أو الإجارة بثمن المثل لا يصح بخلاف النكاح. وقد سلم لهم هذا الأصل الذي قاسوا عليه الشافعي وكثير من أصحاب أحمد في البيع، وأما في الإجارة فأصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم يقولون: إنه يجب أجرة المثل فيما جرت العادة فيه، في مثل ذلك، كمن دخل حمام حمامي يدخلها الناس بالكراء، أو سكن في

стр. 1055

خان أو حجرة جرت عادتهم بذلك، أو دفع طعامه أو خبزه إلى من يطبخ أو يخبز بالأجرة، أو ثيابه إلى من يغسل بالأجرة أو ركب دابة مكاري يكاري بالأجرة، أو سفينة ملاح يركب الناس بالأجرة، فإن هذه إجارة عرفية عند جمهور العلماء، وتجب فيها أجرة المثل وإن لم يشترط ذلك، فهذه إجارة بأجرة المثل. وكذلك لو ابتاع طعاما بمثل ما ينقطع به السعر أو بسعر ما يبيع الناس أو بما اشتراه به من بلده أو برقمه، فهذا يجوز في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد نص أحمد على هذه المسائل ومثلها في غير موضع، وإن كان كثير من متأخري أصحابه لا يوجد في كتبهم إلا القول الآخر، ففساد هذا العقود كقول الشافعي وغيره، وبسط هذه المسائل في مواضع آخر. والمقصود هنا: كان مسائل الحضانة وأن الذين اعتقدوا أن الأم قدمت لتقدم قرابة الأم لما كان أصلهم ضعيفا كانت الفروع اللازمة للأصل الضعيف ضعيفة، وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم، بل الصواب بلا ريب أنها قدمت لكونها أنثى، فتكون المرأة أحق بحضانة الصغير من الرجل، فتقدم الأم على الأب والجدة على الجد، والأخت على الأخ، والخالة على الخال، والعمة على العم، وأما إذا اجتمع امرأة بعيدة ورجل قريب فهذا لبسطه موضع آخر. إذ المقصود هنا مسألة الصغير المميز، والفرق بين الصيبة والصبي فتخيير الصبي الذي وردت به السنة أولى من تعيين أحد الأبوين له، ولهذا كان تعيين الأب كما قال: مالك وأحمد في رواية والتخيير تخيير شهوة. ولهذا قالوا: إذا اختار الأب مدة، ثم اختار الأم فله ذلك حتى.

стр. 1056

قالوا: متى اختار أحدهما ثم اختار الآخر نقل إليه، وكذلك إذا اختار ابتداء. وهذا قول القائلين بالتخيير: الحسن بن صالح والشافعي وأحمد بن حنبل. وقالوا: إذا اختار الأم كان عندها ليلا، وأما بالنهار فيكون عند الأب ليعلمه ويؤدبه. هذا مذهب الشافعي وأحمد، وكذلك قال مالك، وهو يقول: يكون عندها بلا تخيير، للأب تعاهده عندها وأدبه وبعثه إلى المكتب، ولا يبيت إلا عند الأم. قال أصحاب الشافعي وأحمد: وإن اختار الأب كان عنده ليلا ونهارًا ولم يمنع من زيارة أمه، ولا تمنع الأم من تمريضه إذا اعتل. فأما البنت إذا خيرت -فكانت عند الأم تارة وعند الأب تارة- أفضى ذلك إلى كثرة بروزها وتبرجها وانتقالها من مكان إلى مكان، ولا يبقى الأب موكلا بحفظها ولا الأم موكلة بحفظها، وقد عرف بالعادة أن ما تناوب الناس على حفظه ضاع، ومن الأمثال السائرة، لا تصلح القدر بين طباختين. وأيضا فاختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر في الإحسان والصيانة فلا يبقى الأب تام الرغبة في حفظها ولا الأم تامة الرغبة في حفظها وليس الذكر كالأنثى، كما قالت امرأة عمران ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا

стр. 1057

مَرْيَمُ﴾ [٣٥-٤٤/٣] فهذه مريم احتاجت إلى من يكفلها ويحضنها حتى اقترعوا على كفالتها فكيف بمن سواها من النساء؟ وهذا أمر يعرف بالتجربة أن المرأة تحتاج من الحفظ والصيانة إلى ما لا يحتاج إليه الصبي، وكلما كان أستر لها وأصون كان أصلح لها؛ ولهذا كان لباسها المشروع لباسا لها يسترها، ولعن النبي ﷺ : «من يلبس منهن لباس الرجال» ، وقال لأم سلمة في عصابتها: "لَيَّة لا لَيَّتَيْن" رواه أبو داود وغيره، وقال في الحديث الصحيح "صنفان من أمتي لم أرهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله". وأيضا فأمرت المرأة في الصلاة أن تتجمع ولا تجافي بين أعضائها وفي الإحرام أن لا ترفع صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها، وأن لا ترقى فوق الصفا والمروة، كل ذلك لتحقيق سترها وصيانتها ونهيت أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم لحاجتها في حفظها إلى الرجال مع كبرها ومعرفتها فكيف إذا كانت صغيرة مميزة وقد بلغت سن ثوران الشهوة فيها، وهي قابلة للانخداع؟ وفي الحديث: "النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه". فهذا مما يبين أن مثل هذه الصبية المميزة من أحوج النساء إلى حفظها وصونها، وترددها بين الأبوين، مما يخل بذلك من جهة: أنها هي التي لا يجتمع قلبها على مكان معين، ولا يجتمع قلب أحد الأبوين على حفظها، ومن جهة أن تمكينها من اختيار هذا تارة وهذا تارة يخل بكمال حفظها وهو ذريعة إلى ظهورها وبروزها، فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد الأبوين مطلقًا، ولا تمكن من تخيير، كما قال ذلك جمهور

стр. 1058

المسلمين: مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم، وليس في تخييرها نص صريح ولا قياس صحيح. والفرق ظاهر بين تخييرها وتخيير الابن، لا سيما والذكر محبوب مرغوب فيه، فلو اختار أحدهما كانت محبة الآخر له تدعوه إلى مراعاته والبنت مزهود فيها فأحد الوالدين قد يزهد فيها مع رغبتها فيه فكيف مع زهدها فيه؟ فالأصلح لها لزوم أحدهما لا التردد بينهما. ثم هنا يحصل الاجتهاد في تعيين أحدهما فمن عين الأم مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، لا بد أن يراعوا مع ذلك صيانة الأم لها، ولهذا قالوا ما ذكره مالك والليث وغيرهما، إذا لم تكن الأم في موضع حرز وتحصين أو كانت غير مرضية، فللأب أخذها منها، وهذا هو الذي راعاه أحمد في الرواية التي اشتهرت عند أصحابه، حتى لم يذكر أكثرهم في ذلك نزاعا، وقد عللوا ذلك بحاجتها إلى الحفظ والتزويج والأب أقوم لذلك من الأم، فإنه إذا كان لا بد من رعاية حفظها وصيانتها، وأن للأب أن ينتزعها من الأم إذا لم تكن حافظة لها بلا ريب، فالأب أقدر على حفظها وصيانتها من الأم، وهي مميزة لا تحتاج في بدنها إلى أحد، والأب له من الهيبة والحرمة ما ليس للأم. وأحمد وأصحابه إنما يقدمون الأب إذا لم يكن عليها في ذلك ضرر، فلو قدر أن الأب عاجز عن حفظها وصيانتها أو يهمل حفظها لاشتغاله عنها أو لقلة دينه والأم قائمة بحفظها وصيانتها، فإنه تقدم الأم في هذه الحال. فكل من قدمناه من الأبوين إنما نقدمه إذا حصل به مصلحتها واندفعت به مفسدتها، فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما فالآخر أولى به بلا ريب، حتى الصغير إذا اختار أحد أبويه وقدمناه إنما نقدمه بشرط حصول مصلحته وزوال مفسدته، فلو قدرنا أن الأب أقرب لكن

стр. 1059

لا يصونه والأم تصونه لم يلتفت إلى اختيار الصبي، فإنه ضعيف العقل، قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد، ويكون الصبي قصده الفجور ومعاشرة الفجار، وترك ما ينفعه من العلم والدين والأدب والصناعة، فيختار من أبويه من يحصل له معه ما يهواه، والآخر يذوده ويصلحه، ومتى كان كذلك فلا ريب أنه لا يمكن ممن يفسد معه حاله، ولهذا قال أصحاب الشافعي وأحمد: إنه لا حضانة لفاسق، وكذلك قال الحسن بن حيي، وقال مالك: كل من له الحضانة من أب أو ذات رحم أو عصبة ليس له كفاية ولا موضعه بحرز، ولا يؤمن في نفسه فلا حضانة له، والحضانة لمن فيه ذلك وإن بعد، وينظر للولد في ذلك بالذي هو أكفأ وأحرز، فرب والد يضيع ولده، وكذلك قالوا، وهذا لفظ القاضي أبو يعلي في خلافه، إنما يكون التخيير بين أبوين مأمونين عليه يعلم أنه لا ضرر عليه من كونه عند واحد منهما، فأما من لا يقوم بأمره ويخليه للعب فلا يثبت التخيير في حقه، والنبي ﷺ قال: "مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع" فمتى كان أحد الأبوين يأمره بذلك والآخر لا يأمره كان عند الذي يأمره بذلك دون الآخر؛ لأن ذلك الآمر له هو المطيع لله ورسوله في تربيته، والآخر عاص لله ورسوله فلا يقدم من يعصي الله فيه على من يطيع الله فيه بل يجب إذا كان أحد الأبوين يفعل معه ما أمر الله به ورسوله، ويترك ما حرم الله ورسوله والآخر لا يفعل معه الواجب أو يفعل معه الحرام قدم من يفعل الواجب ولو اختار الصبي غيره، بل ذلك العاصي لا ولاية له عليه بحال. بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له، بل إما أن يرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب، فإذا كان مع حصوله عند أحد الأبوين يحصل طاعة الله ورسوله في حقه، ومع حصوله عند الآخر لا يحصل له، قدم الأول قطعًا، وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم.

стр. 1060

والنكاح والولاء، وإن كان الوارث حاضرا وعاجزا، بل هو من جنس الولاية ولاية النكاح والمال التي لا بد فيها من القدرة على الواجب وفعله بحسب الإمكان، وإذا قدر أن الأب تزوج بضرة وهو يتركها عند ضرة أمها لا تعلم مصلحتها بل تؤذيها أو تقصر في مصلحتها وأمها تعلم مصلحتها ولا تؤذيها فالحضانة هنا للأم قطعا ولو قدر أن التخيير مشروع وأنها اختارت الأم فكيف إذا لم يكن كذلك؟ ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس له نص عام على تقديم أحد الأبوين مطلقا، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا، بل مع العدوان والتفريط والفساد والضرر، لا يقدم من يكون كذلك على البر العادل المحسن القائم بالواجب (١) . وقد عللوا أيضا تقديم الأب بعلة ثانية، بأنها إذا صارت مميزة صارت ممن تخطب وتزوج واحتاجت إلى تجهيزها، فإذا كانت عند الأب كان أنظر لها وأحرص على تجهيزها وتزويجها مما إذا كانت عند الأم. وأبو حنيفة يوافق أحمد على أن الأب أحق بها من الخالة والأخت والعمة وسائر النساء؛ بخلاف ما قاله في الصبي، فإنه جعل الأب أحق به مطلقا، لكن قال: الأم والجدة أحق من الأب فكلاهما قدم الأب وغيره من العصبة على النساء، لكن أحمد طرد القياس فقدمه على جميع النساء، وأبو حنيفة فرق بين عمود النسب وغيره، والنبي ﷺ قال: "الخالة أم" فإذا قدم الأب على النساء اللائي يقدمن عليه في حال صغرها دل ذلك على أن الأب أقوم بمصلحة ابنته من النساء وتبين أن أصل هذا القول ليس من مفردات أحمد، بل هو طرد فيه قياسه.

стр. 1061

وبكل حال فهو قول قوي متوجه ليس بأضعف من غيره من الأقوال المقولة في الحضانة، وليس قول من رجح الأم مطلقًا بأقوى منه. ومما يقوي هذا القول: إن الولد مطلقًا إذا تعين أن يكون في مدينة أحد الأبوين دون الآخر، وكان الأب ساكنا في مصر والأم ساكنة في مصر آخر فالأب أحق به مطلقًا سواءً كان ذكرًا أو أنثى عند عامة العلماء كشريح القاضي وكمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، حتى قالوا: إن الأب إذا أراد سفر نقلة لغير الضرار إلى مكان بعيد فهو أحق به؛ لأن كونه مع الأب أصلح له؛ لحفظ نسبه، وكمال تربيته، وتعليمه وتأديبه، وأنه مع الأم تضيع مصلحته، ولا يخير الغلام هنا عند أحدهما لا يخرج إلى الأحق، فالأب أيضا أحق لأن كونه عند الأب أصلح له، وهذا المعنى منتف في الابن لأنه يخير، ولأن تردد الابن بينهما لا مضرة عليه فيه بخلاف البنت. واتفقوا كلهم على أن الأم لو أرادت أن تسافر بالذكر أو الأنثى من المصر الذي فيه عقد النكاح فالأب أحق به، فلم يرجح أحد منهم الأم مطلقا فدل على أن ترجيحها في حضانة الولد مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى مخالف لهذا الأصل الذي اتفقوا عليه، وعلم أنهم متفقون على ترجيح جانب الأب عند تعذر الجمع بينهما، وهذا ثابت في الولد، وإن كان طفلاً يكون في بلد أبيه بخلاف ما إذا كان الأبوان في مصر واحد فههنا هو مع الصغر للأم، لأن في ذلك جمعا بين المصلحتين. ومما يقويه أيضا: أن الغلام إذا بلغ معتوها كانت حضانته للأم كالصغير، وإن كان عاقلا كان أمره إلى نفسه يسكن حيث شاء إذا كان مأمونا على نفسه عند الأئمة الأربعة وغيرهم، فإن كان غير مأمون على نفسه فلم يجعل أحد الولاية عليه للأم، بل قالوا: للأب ضمة إليه

стр. 1062

وتأديبه، والأب يمنعه من السفلة (١) . وأما الجارية إذا بلغت فنقل عن مالك: الوالد أحق بضمها إليه حتى تزوج ويدخل بها الزوج، ثم هي أحق بنفسها وتسكن حيث شاءت إلا أن يخاف منها هوى أو ضيعة أو سوء موضع فيمنعها الأب بضمها إليه. وقد تقدم في المدونة: أن الأم أحق بها ما لم تنكح وإن بلغت أربعين سنة، وكذلك قال أبو حنيفة في البكر قال: الأب أحق بها مأمونة كانت أو غير مأمونة، والبنت هي أحق بنفسها إذا كانت مأمونة، وقال الشافعي: هي أحق بنفسها إذا كانت مأمونة: بكرًا كانت أو ثيبًا. وفي مذهب أحمد ثلاثة أقوال ذكرها في المحرر روايتين ووجهًا. أحدها: أنها تكون عند الأب حتى تتزوج ويدخل بها الزوج، وهذا هو الذي نصره القاضي وغيره في كتبهم، وقالوا: إن الجارية إذا بلغت وكانت بكرًا فعليها أن تكون مع أبيها حتى تتزوج ويدخل بها الزوج، ولم يذكروا فيه نزاعًا. والرواية الثانية: عن أحمد: تكون عند الأم، وهذه الرواية إنما أخذها الشيخ أبو البركات من الرواية المتقدمة أن حضانتها تكون للأم ما لم تتزوج، فإنه على هذه الرواية نقل عن أحمد فيها روايتين، فإن أحمد قال في تلك الرواية، الأم والجدة أحق بالجارية ما لم تتزوج، فجعلهما أحق بها ما لم تتزوج في رواية مهنا، وقال في رواية ابن منصور، يقضي بالجارية للأم والخالة، حتى إذا احتاجت إلى التزويج فالأب أحق بها، فهنا قال عند الحاجة إلى التزويج للأب، وإن كانت لم تتزوج بعد، وهذا يكون بالبلوغ.

стр. 1063

وأما القول الثالث في مذهبه: وهو أنها إذا بلغت تكون حيث شاءت كالغلام فهذا يجيء على قول من يخيرها كما يخير الغلام، فمن خير الغلام قبل بلوغه كان بعد البلوغ أمره إلى نفسه كما قال الشافعي وأحمد وغيرهما، لكن أبو البركات حكى هذه الأقوال الثلاثة في محرره في البالغة، وهي مطابقة للأقوال الثلاثة التي ذكرناها في غير البالغة، فإنه على المشهور عند أصحاب أحمد أنها إذا كانت قبل البلوغ عند الأب فهي بعد البلوغ أولى أن تكون عند الأب منها عند الأم، فإن أبا حنيفة وأحمد في رواية ومالكا يجعلونها قبل البلوغ للأم، وبعد البلوغ جعلوها عند الأب، وهذا يدل على أن الأب أحفظ لها وأصون وأنظر في مصلحتها، فإذا كان كذلك فلا فرق بين ما قبل البلوغ وما بعده في ذلك. فتبين أن هذا القول، وهو جعل البنت المميزة عند الأب، أرجح من غيره والله أعلم. فصل والتخيير جاء فيه حديثان، وأما تقديم الأم على الأب في حق الصغير فمتفق عليه، وقد جاءت فيه حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعم مني، فقال: "أنت أحق به ما لم تنكحني" رواه أحمد وأبو داود، لكن في لفظه، وأن أباه طلقني وزعم أنه ينتزعه مني. وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم، على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أن الأم أحق به ما لم تنكح، وممن حفظنا عنه ذلك: يحيى الأنصاري، والزهري، ومالك والثوري.

стр. 1064

والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وبه نقول، وقد روينا عن أبي بكر الصديق: أنه حكم على عمر به، وبصبي لعاصم لأمه أم عاصم. وقال: حجرها وريحها ومسها خير له منك حتى يشب ويختار. وأما التخيير فعن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ خير غلامًا بين أبيه وأمه» ، رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، ورواه أبو داود وقال فيه: «إن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عتبة، وقد نفعني. فقال رسول الله: استهما عليه. قال زوجها: من يحاققني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به» ، ورواه النسائي كذلك، ولم يذكر: «استهما عليه» ، ورواه أحمد أيضًا لكنه قال فيه: «جاءت امرأة قد طلقها زوجها» ، ولم يذكر فيه قولها: «قد سقاني ونفعني» . وقد روى تخيير الغلام بين أبويه عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة. فروى سعيد بن منصور، وغيره: «أن عمر بن الخطاب خير غلامًا بين أبيه وأمه» ، وعن عمارة الحريثي (١) أنه قال: خيرني عليٌّ بين عمي وأمي، وكنت ابن سبع أو ثمان، وروى نحو ذلك عن أبي هريرة، ولم يعرف لهم مخالف مع أنها في مظنة الاشتهار. وأما الحديث الثاني فرواه عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن جده: «أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فجاء بابن له صغير لم يبلغ. قال: فأجلس النبي ﷺ الأب ههنا والأم ههنا ثم خيره، وقال: اللهم اهده. فذهب إلى أبيه» ، وهكذا رواه أحمد والنسائي، ورواه أبو داود عن عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني أبي عن جدي رافع بن سنان: «أنه أسلم وأبتت امرأته أن تسلمَ فأتيت النبي ﷺ ، فقالت: ابنتي وهي فطيم

стр. 1065

أو شيبة، وقال رافع: ابنتي، فقال له رسول الله ﷺ "اقعد ناحية" وقال لها "اقعدي ناحية" واقعد الصبي بينهما ثم قال: "ادعواها" فمالت إلى أمها، فقال النبي ﷺ "اللهم اهدها" فمالت إلى أبيها فأخذها. وعبد الحميد هذا هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن رافع بن سنان الأنصاري وهذا الحديث قد ضعفه بعضهم فقال ابن المنذر في إسناده مقال، وقال غيره هذا الحديث لا يثبته أهل النقل، وقد روي على غير هذا الوجه، وقد اضطرب فيه هل كان المخبر ذكرا أم أنثى ومن روى أنه أنثى قال فيه "إنها فطيم" أي مقطوعة وفعيل بمعنى مفعول إذا كان صفة يستوي فيه الذكر والمؤنث يقال: عين كحيل، وكف خضيب، فيقال للصغير، فطيم وللصغير، فطيم. ولفظ "الفطيم" إنما يطلق على قريب العهد بالفطم فيكون له نحو ثلاث سنين، ومثل هذا لا يخير باتفاق العلماء. وأيضا: فإنه خير بين مسلم وكافر وهذا لا يجوز بين مسلم وكافر كالشافعي وأحمد. وأما القائلون بأن الكافرة لها حضانة كأبي حنيفة وابن القاسم فلا يخيرون لكن أبو ثور يقول بالتخيير فيما حكاه عنه ابن المنذر، والجمهور على أنه لا حضانة لكافر، وهو مذهب مالك والشافعي والبصريين كسوار وعبد الله بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو ثور وابن القاسم صاحب مالك: الذمية في ذلك كالمسلمة وهي أحق بولدها من أبيه المسلم، وهو قول الاصطخري من أصحاب الشافعي، وقد قيد ذلك أبو حنيفة فقال: هي أحق بولدها ما لم يعقل الأديان ويخاف أن يألف الكفر، والأب إذا كان مسلما كان الولد مسلما باتفاقهم.

стр. 1066

وكذلك إذا كانت الأم مسلمة عند الجمهور كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة فإنه يتبع عند الجمهور في الدين خيرهما دينا، وأما في النسب والولاء فهو يتبع الأب بالاتفاق، وفي الحرية أو الرق يتبع الأم بالاتفاق،. وحمل بعضهم هذا الحديث على أن النبي ﷺ علم أنها تختار الأب بدعائه، فكان ذلك خاصا في حقه. وأيضًا فهذه القصة قضية في عين، والأشبه أنها كانت في أول زمن الهجرة، فإن الأب كان من الأنصار فأسلم والأم لم تسلم، وفي آخر الأمر أسلم جميع نساء الأنصار فلم يكن فيهن إلا مسلمة حتى قال النبي ﷺ "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولنساء الأنصار". ولما قدم النبي ﷺ لم يكره أحدا على الإسلام ولا ضرب الجزية على أحد، ولكن هادن اليهود مهادنة وأما الأنصار ففشى فيهم الإسلام وكان فيهم من لم يسلم، بل كان مظهرا لكفره فلم يكونوا ملتزمين لحكم الإٍسلام، وكذلك كان عبد الله بن أبي بن سلول وغيره قبل أن يظهروا الإسلام. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسامة: أن النبي ﷺ ذهب يعود سعد بن عبادة فمر بمجلس من الأنصار الحديث، ففي هذا الحديث وغيره من الأحاديث ما يبين أنهم كانوا قبل غزوة بدر متظاهرين بالكفر من غير الإسلام ولا ذمة، فلم يكن الكفار ملتزمين لحكم النبي ﷺ إذا التزام حكمه إنما يكون بالإسلام أو بالعهد الذي التزموا فيه ذلك، ولم يكن المشركون كذلك، فلهذا لم يلزم المرأة بحكم الإسلام، بل دعا الله أن يهدي الصغير فاستجاب الله، ودعاؤه له أن يهديه: دليل على أنه كان طالبا مريدا لهداه، وهداه أن يكون عند المسلم، لا عند الكافر، لكن لم يمكنه ذلك بالحكم الظاهر، لعدم دخول الكافرة تحت حكمه، فطلبه بدعائه القبول، وهذا يدل على أنه متى أمكن أن يجعل مع المسلم لا يجعل مع الكافر.

стр. 1067

وكان هذا حكم الله ورسوله بأهل الذمة الملتزمون جريان حكم الله ورسوله عليهم يحكم بينهم بذلك، نعم لو كان النزاع بين من هو مسلم ومن هو من أهل الحرب والهدنة الذين لم يلتزموا جريان حكم الله ورسوله عليهم، فهنا لا يمكن الحكم فيهم بحكم الإسلام بدون رضاهم، فيسعى حينئذ في تغليب الإسلام بالدعاء، كما فعل النبي ﷺ ، إذ كان الاجتهاد في ظهور الإسلام دعاؤه واجبًا بحسب الإمكان. وعلى هذا: فالحديث إن كان ثابتا دليل على التخيير في الجملة، لكن قد اختلف في المخير: هل كان صبيا أو صبية؟ فلم يتبين أحدهما، فلا يبقى فيه حجة على تخيير الأنثى، لا سيما والمخيرة كانت فطيمًا، وهذه لا تخير باتفاقهم، وإنما كان تخيير هذه إن صح الحديث من جنس آخر. آخر ما وجد والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم وكتب في شهر ربيع الأول من شهور سنة أربع وستين وسبعمائة أحسن الله عاقبتها بمنة وكرمه، آمين يا رب العالمين. وكتبها أضعف العباد عبد المنعم البغدادي الحنبلي عفا الله عنه بمنه وكرمه. بلغ مقابلة بحوله ومنه، فصحح حسب الطاقة في ليلة صباحها خامس عشر شهر ربيع الأول من شهور سنة الأربع والستين وسبع مائة أحسن الله عاقبتها بمنه وكرمه (١) .

стр. 1068

كتاب الجنايات العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله بعباده، فهي صادرة عن رحمة الله بالخلق وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض (١) . وليست التوبة بعد الجرح أو بعد الرمي قبل الإصابة مانعة من وجوب القصاص (٢) وإمساك الحيات جناية محرمة (٣) . إسقاؤه سما لا يعلم به.. فإن علم آكله به وهو بالغ عاقل أو خلطه بطعام نفسه فأكله إنسان بغير إذنه فلا ضمان عليه، وقال الشيخ تقي الدين: إذا كان مميزا ففي ضمانه نظر (٤) . وقال الشيخ تقي الدين: من صور القتل عمدا، الموجب للقصاص من شهدت بينة بالردة فقتل بذلك ثم رجعوا وقالوا: عمدنا قتله، قال وفي هذا نظر؛ لأن المرتد إنما يقتل إذا لم يتب فيمكن المشهود عليه التوبة، كما يمكنه التخلص من النار إذا ألقي فيها اهـ (٥) .

стр. 1069

لو رجع الوالي والبينة ضمنه الوالي وحده على الصحيح من المذهب، وقال القاضي وأصحابه: يضمنه الوالي والبينة معا كمشترك واختار الشيخ تقي الدين: أن الوالي يلزمه القود إن تعمد وإلا الدية، وأن الآمر لا يرث (١) . شبه العمد: الثاني أن يقتل في دار الحرب من يظنه حربيا ... قال الشيخ تقي الدين: محل هذا في المسلم الذي هو بين الكفار، معذور كالأسير، والمسلم الذي لا يمكنه الهجرة والخروج من صفهم فأما الذي يقف في صف قتالهم باختياره فلا يضمن بحال (٢) . فصل قال في المحرر: لو أمر به يعني القتل سلطان عادل أو جائر ظلما من لم يعرف ظلمه فيه فقتله فالقود والدية على الآمر، قال أبو العباس: هذا بناء على وجوب طاعة السلطان في القتل المجهول: وفيه نظر بل لا يطاع حتى يعلم جواز قتله، وحينئذ فتكون الطاعة له معصية لا سيما إذا كان معروفا بالظلم فهنا الجهل بعدم الحل كالعلم بالحرمة. وقياس المذهب: أنه إذا كان المأمور ممن يطيعه غالبا في ذلك أنه يجب القتل عليهما، وهو أولى من الحاكم والشهود، فإنه سبب يقتضي غالبا بل هو أقوى من المكره (٣) . وإذا قال: أنا قاتل غلام زيد، فقياس المذهب إن كان نحويا لم يكن مقرا، وإن كان غير نحوي كان مقرا، كما لو قاله بالإضافة (٤) .

стр. 1070

باب شروط وجوب القصاص والذي ينبغي ألا يعاقب المجنون بقتل ولا قطع، لكن يضرب على فعله لينزجر، وكذا الصبي المميز يعاقب على الفاحشة، ويعزر تعزيرا بليغا (١) . ولا يقتل مسلم بذمي، إلا أن يقتله غيلة لأخذ ماله، وهو مذهب مالك (٢) . والسنة إنما جاءت «لا يقتل والد بولده» ، فإلحاق الجد بذلك وأبي الأم بعيد. ويتوجه ألا يرث القاتل دما من وارث، كما لا يرث هو المقتول وهو يشبه حد القذف المطالب به إذا كان القاذف هو الوارث أو وارث الوارث، فعلى هذا لو قتل أحد الابنين أباه، والآخر أمه وهي في زوجية الأب فكل واحد منهما يستحق قتل الآخر، فيتقاصان، لا سيما إذا قيل إنه يستحق القود بملك نقله إلى غيره، إما بطريق التوكيل بلا ريب، وإما بالتمليك وليس ببعيد (٣) . وقال الشيخ تقي الدين ﵀: ليس في العبد نصوص صريحة صحيحة تمنع قتل الحربه، وقوي أنه يقتل به، وقال: هذا أرجح وأقوى على قول الإمام أحمد ﵀ (٤) . باب استيفاء القصاص والجماعة المشتركون في استحقاق دم المقتول الواحد، إما أن

стр. 1071

يثبت لكل واحد منهم بعض الاستيفاء فيكونون كالمشتركين في عقد أو خصومة، وتعيين الإمام قوي، كما يؤجر عليهم لنيابته عن الممتنع، والقرعة إنما شرعت في الأصل إذا كان كل واحد مستحقا أو كالمستحق. ويتوجه أن يقدم الأكثر حقا أو الأفضل، لقوله ﷺ لعبد الرحمن بن سهل في قصة قتل أخيه عبد الله بن سهل الأنصاري (كبر) وكالأولياء في النكاح بإذن الباقين؛ لأن القرعة لم تسقط حقوقهم (١) . وإذا كان المقتول رضي بالاستيفاء أو بالدية فينبغي أن يتعين، كما لو عفا، وعليه تخرج قصة علي مع قاتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، إذا لم تخرج على كونه مرتدا أو مفسدا، في الأرض أو قاتل الأئمة (٢) . قال الشيخ تقي الدين: مطالبة المقتول بالقصاص توجب تحتمه فلا يمكن الورثة بعد ذلك من العفو (٣) . فصل وسألت شيخنا أبا العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن القتل بالحال، هل يوجب القصاص؟ فقال: للولي أن يقتله بالحال كما قتل به (٤) . ويحتمل أن يجوز الاستيفاء بغير حضور السلطان إذا كان القصاص، في النفس، واختاره الشيخ تقي الدين (٥) .

стр. 1072

ويفعل بالجاني على النفس مثل ما فعل بالمجني عليه ما لم يكن محرما في نفسه، أو يقتله بالسيف إن شاء وهو رواية عن أحمد، ولو كوى شخصا بمسمار كان للمجني عليه أن يكويه مثل ما كواه إن أمكن (١) وقال: هذا أشبه بالكتاب والسنة والعدل (٢) . وولاية القصاص والعفو عنه ليست عامة لجميع الورثة، بل تختص بالعصبة وهو مذهب مالك، وتخرج رواية عن أحمد (٣) . وكل من ورث المال ورث القصاص على قدر ميراثه من المال حتى الزوجين وذوي الأرحام. وعنه: يختص العصبة ذكرها ابن البناء وخرجها الشيخ تقي الدين ﵀ واختارها (٤) . باب العفو عن القصاص واختار الشيخ تقي الدين، أن العفو لا يصح في قتل الغيلة لتعذر الاحتراز كالقتل مكابرة (٥) . وقال الشيخ تقي الدين: استيفاء الإنسان حقه من الدم عدل، والعفو إحسان، والإحسان هنا أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانا إلا بعد العدل، وهو ألا يحصل بالعفو ضرر، فإذا حصل به ضرر كان ظلما من العافي إما لنفسه وإما لغيره فلا يشرع (٦) .

стр. 1073

وإن مات القاتل وجبت الدية في تركته، واختار الشيخ تقي الدين: أنها تسقط بموته وقتله وخرجه وجها، وسواء كان معسرا أو موسرا وسواء قلنا الواجب القصاص عينا أو أحد شيئين (١) . ويتوجه إذا قلنا: ليس للولي أخذ الدية إلا برضا الجاني أن يسقط حقه بموته كما لو مات العبد الجاني أو المكفول به، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي ثواب وابن القاسم وأبي طالب، ويتوجه ذلك وإن قلنا الواجب القود عينا أو أحد شيئين، لأن الدية عديل العفو فأما الدية مع الهلاك فلا (٢) . باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس ولا يستوفى القود في الطرف إلا بحضرة السلطان (٣) . وفي جراحه.. (العبد) إن لم يكن مقدرا، وعنه: أنه يضمن بما نقص مطلقا اختاره الشيخ تقي الدين (٤) . ولا يجوز أن يكذب على من كذب عليه، ولا يشهد بزور على من شهد عليه بزور، ولا يكفره بباطل كما كفره بالباطل، ولا يقذفه كذبا كما قذفه كذبا، ولا يفجر إذا خاصمه كما فجر هو. وكذلك لا يجوز أن يغرر في عقد عقده بينهما لأجل كونه غرر به، فلا يخونه كما خانه، والشارع نهى عن الخيانة لمن خانه ولم يجعل ذلك قصاصا فلا يأخذ من ماله بغير علمه بقدر ما أخذه هو، وهذا أصح قولي العلماء (٥) .

стр. 1074

وقال الشيخ تقي الدين ﵀: وقوله: الله أكبر عليك، كالدعاء عليه، شتمه بغير فرية نحو: يا كلب، فله قوله له أو تعزيره، ولو لعنه فهل له أن يلعنه؟ ينبني على جواز لعن المعين. ومن لعن نصرانيا أدب أدبا خفيفا، إلا أن يكون صدر من النصراني ما يقتضي ذلك. وقال الإمام أحمد ﵀: الدعاء قصاص، ومن دعا على ظالمه فما صبر اهـ (١) .

стр. 1075

كتاب الديات وقال الشيخ تقي الدين مثل الحية والصاعقة كل سبب يختص البقعة كالوباء وانهدم سقف عليه ونحوها (١) . المعروف أن الحر يضمن بالإتلاف، لا باليد، إلا الصغير ففيه روايتان كالروايتين في سرقته. فإذا كان الحر قد تعلق برقبته حق لغيره مثل أن يكون عليه حق قود أو في ذمته مال أو منفعة أو عنده أمانات أو غصوب تلفت بتلفه مثل أن يكون حافظا عليها وإذا تلف زال الحفظ فينبغي أنه إن أتلف فما ذهب بإتلافه من عين أو منفعة مضمونة ضمنت كالقود، فإنه مضمون، لكن هل ينتقل الحق إلى القاتل فيخير الأولياء، بين قتله والعفو عنه، أو إلى ترك الأول؟ فيه روايتان. وأما إذا تلف تحت اليد العادية فالمتوجه أن يضمن ما تلف بذلك من مال أو بدل قود، بحيث يقال: إذا كان عليه قود فحال بين أهل الحق وبين القود حتى مات ضمن لهم الدية (٢) . باب ديات الأعضاء ومنافعها ومن جنى على سنه اثنان، واختلفوا، فالقول قول المجني عليه في قدر ما أتلفه كل واحد منهما قاله أصحابنا.

стр. 1076

ويتوجه أن يقترعا على القدر المتنازع فيه، لأنه ثبت على أحدهما لا بعينه كما لو ثبت الحق لأحدهما لا بعينه (١) . وإذا بقي من لحيته ما لا جمال فيه فهل يجب القسط، أو كمال الدية، أو حكومة؟ على ثلاثة أوجه، ويتوجه أن يكون أكثر الأمرين: القسط، أو الحكومة (٢) . باب العاقلة وما تحمله ويتوجه أن يعقل ذوو الأرحام عند عدم العصبة إذا قلنا تجب النفقة عليهم. والمرتد يجب أن يعقل عنه من يرثه من المسلمين، أو أهل الدين الذي انتقل إليه (٣) . وتؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء (٤) . ومن أبرأ جانيا حرا جنايته على عاقلته إن قلنا تجب الدية على العاقلة تحملا وعليه ابتداء، أو عبدا إن قلنا جنايته في ذمته صح، مع أنه يتوجه الصحة مطلقا، وهو وجه بناء على أن مفهوم هذا اللفظ في عرف الناس العفو مطلقا، وألفاظ التصرفات تحمل موجباتها على عرف الناس، فتختلف باختلاف الاصطلاحات (٥) .

стр. 1077

باب القسامة ومن اتهم بقتيل وهناك لوث ويغلب على الظن أنه قتله لعداوة أو توعد بقتل ونحوه جاز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا دمه. وأما ضربه ليقر فلا يجوز إلا مع القرائن التي تدل على أنه قتله، فإن بعضهم جوز تقريره بالضرب في هذه الحال، ومنعه بعضهم مطلقا. وليس على أهل البقعة في العادة السلطانية، ولا في حكم الشرع شيء (١) . نقل الميموني عن الإمام أحمد أنه قال: أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ، وإذا كان سبب بين، وإذا كان ثم عداوة، وإذا كان مثل المدعى عليه يفعل هذا، فذكر الإمام أحمد أربعة أمور، اللطخ وهو التكلم في عرضه كالشهادة المردودة، والسبب البين: كالتفرق عن قتيل والعداوة: كون المطلوب من المعروفين بالقتل، وهذا هو الصواب، واختاره ابن الجوزي، فإذا كان ثم لوث يغلب على الظن أنه قتل من اتهم بقتله جاز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا دمه (٢) . وعنه: أنه ما يدل على أنه ما يغلب على الظن صحة الدعوى به، كتفرق جماعة عن قتيل، ووجود قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم، وشهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان، وعدل واحد وفسقة ونحو ذلك، واختار هذه الرواية أبو محمد الجوزي وابن رزين والشيخ تقي الدين وغيرهم (٣) .

стр. 1078

وقال في "الترغيب" في القسامة: من قضي عليه بنكوله بالدية ففي ماله كإقرار، وبه قال أبو بكر في الجامع، اختار الشيخ تقي الدين: أن المدعي يحلف ابتداء مع اللوث (١) .

стр. 1079

كتاب الحدود وقال شيخنا في تتمة كلامه السابق في آخر الصلح، فعلى الإنسان أن يكون مقصوده نفع الخلق والإحسان إليهم، وهذا هو الرحمة التي بعث الله بها محمدا ﷺ في قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ لكن للاحتياط إلى دفع الظلم شرعت العقوبات، وعلى المقيم لها أن يقصد بها النفع والإحسان، كما يقصد الولد بعقوبة الولد والطيب بدواء المريض، فلم يأمر الشرع إلا بما هو نفع للعباد، وعلى المؤمن أن يقصد ذلك (١) . تحرم إقامة حد إلا لإمام أو نائبه، واختار شيخنا، إلا لقرينة كتطلب الإمام له ليقتله (٢) . ولا يقيم الإمام الحد بعلمه، ووجه في الفروع تخريجا من كلام الشيخ تقي الدين ﵀ جواز إقامته بعلمه (٣) . ويقام الحد ولو كان من يقيمه شريكا لمن يقيمه عليه في المعصية أو عونا له، ولهذا ذكر العلماء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسقط بذلك، بل عليه أن يأمر وينهى ولا يجمع بين معصيتين (٤) .

стр. 1080

وإذا اجتمعت حدود لله ، فإن كان فيها قتل استوفي وحده، قال في المغني: لا يشرع غيره، وإلا تداخل الجنس، فظاهره لا يجوز إلا حد واحد، قال أحمد: يقام عليه الحد مرة لا الأجناس. وذكر ابن عقيل رواية: لا تداخل في السرقة، وفي "البلغة" فقطع واحد على الأصح، وفي المستوعب رواية: إن طالبوا متفرقين قطع لكل واحد، قال أبو بكر، هذه رواية صالح، والعمل على خلافها، ثم قال شيخنا: قول الفقهاء تتداخل دليل على أن الثابت أحكام وإلا فالشيء الواحد لا يعقل فيه تداخل فالصواب أنها أحكام، وعلى ذلك نص الأئمة كما قال أحمد بعض ما ذكره: هذا مثل لحم خنزير ميت، فأثبت فيه تحريمين (١) . لا تعتبر الموالاة في الحدود، قال الشيخ تقي الدين: وفيه نظر (٢) . الأشهر الحرم لا تعصم من شيء من الحدود والجنايات على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب وتردد الشيخ تقي الدين ﵀ في ذلك (٣) . وقال الشيخ تقي الدين ﵀: إن تعدى أهل مكة أو غيرهم على الركب دفع الركب كما يدفع الصائل، وللإنسان أن يدفع مع الركب بل قد يجب إن احتيج إليه (٤) . قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا *﴾ [١٥/٤] قد يستدل على أن المذنب إذا

стр. 1081

لم يعرف فيه حكم للشرع فإنه يمسك ويحبس حتى يعرف فيه الحكم الشرعي فينفذ فيه (١) . باب حد الزنا واللواط وذكر في الإرشاد أن المراهق يحصن غيره، وذكره الشيخ تقي الدين ﵀ رواية (٢) . ونقل ابن منصور: لا نفي إلا للزاني والمخنث، قال القاضي: نفيه دون سنة، واحتج به الشيخ تقي الدين، وبنفي عمر لنصر بن حجاج (٣) . ومن وطئ أمة امرأته فعليه الحد، وهل يلحقه نسبه؟ على روايتين، قال الشيخ تقي الدين: إن ظن جوازه لحقه، وإلا فروايتان فيه وفي حده (٤) . أو وطئ في نكاح مجمع على بطلانه بلا نزاع إن كان عالما، وأما إذا كان جاهلا تحريم ذلك فقال جماعة من الأصحاب، إن كان يجهله مثله فلا حد عليه، وقال الشيخ تقي الدين (٥) . لو أكرهت المرأة أو الغلام على الزنا بإلجاء أو تهديد أو منع طعام مع الاضطرار إليه ونحوه فلا حد عليهما، وعنه تحد المرأة، وعنه فيها لا حد بتهديد ونحوه ذكره الشيخ تقي الدين ﵀، وقال بناء على أنه لا يباح الفعل بالإكراه بل القول (٦) .

стр. 1082

وسحاق النساء: قياس المذهب المنصوص أنه يخرج على الخلاف في مباشرة الرجل الرجل بشهوة (١) . والرقيق إذا زنا علانية وجب على السيد إقامة الحد عليه، وإن عصى سرا فينبغي ألا يجب عليه إقامته، بل يخير بين ستره أو استتابته بحسب المصلحة في ذلك، كما يخبر الشهود على من وجب عليه الحد بين إقامتها عند الإمام وبين الستر عليه، واستتابته بحسب المصلحة في ذلك؛ فإنه يرجح أن يتوب إن ستروه، وإن كان في ترك إقامة الحد ضرر على الناس كان الراجح فعله (٢) . ولهذا لم يقل أصحابنا: إلا أن له إقامة الحد بعلمه، ولم يقولوا: إن ذلك عليه، وذلك لأنه لو وجب على من علم من رقيقه حدا أن يقيمه عليه مع إمكان استتابته لأفضى ذلك إلى وجوب هتك كل رقيق، وأنه لا يستر على أحد منهم وقد قال النبي ﷺ "من ستر مسلما ستر الله عليه في الدنيا والآخرة" (٣) . ويجب على السيد بيع الأمة إن زنت في المرة الرابعة (٤) . وإذا زنى الذمي بالمسلمة قتل، ولا يصرف عنه القتل بإسلامه، ولا يعتبر فيه أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم، بل يكفي استفاضته واشتهاره (٥) .

стр. 1083

قال ابن القيم ﵀: ويشبه هذا الاستدلال (١) استدلال بعض الزنادقة المنتسبين إلى الفقه على حل الفاحشة بمملوك الرجل بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *﴾ [٦/٢٣] ، ومعتقد ذلك كافر حلال الدم بعد قيام الحجة عليه، وإنما تسترت هذه الطائفة لهواها وشهواتها وأوهمت أنها تنظر عبرة واستدلالا، حتى آل ببعضهم الأمر إلى أن ظنوا أن نظرهم عبادة لأنهم ينظرون إلى مظاهر الجمال الإلهي ويزعمون أن الله عن قول إخوان النصارى يظهر في تلك الصورة الجميلة، ويجعلون هذا طريقا إلى الله، كما وقع فيه طوائف كثيرة ممن يدعي المعرفة والسلوك. قال شيخنا رحمه الله تعالى: وكفر هؤلاء شر من كفر قوم لوط، وشر من كفر عباد الأصنام فإن أولئك لم يقولوا: إن الله سبحانه يتجلى في تلك الصورة وعباد الأصنام غاية ما قالوه: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [٣/٢٩] وهؤلاء يقولون: نعبدهم لأن الله ظهر في صورهم. وحكى لي شيخنا: أن رجلا من هؤلاء مر به شاب جميل فجعل يتبعه ببصره، فأنكر عليه جليس له، قال: لا يصلح هذا لمثلك، فقال: إني أرى فيه صفات معبودي وهو مظهر من مظاهر جماله، فقال: لقد فعلت به وصنعت؟ قال: وإن قال شيخنا فلعن الله أمة معبودها موطوؤها. قال: وسئل أفضل متأخريهم العفيف التلمساني فقيل له: إذا كان

стр. 1084

الوجود واحدًا فما الفرق بين الأخت والبنت والأجنبية حتى تحل هذه؟ فقال: الجميع عندنا سواء، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم (١) . قال شيخنا: ومن هؤلاء من يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [٢٢١/٢] على ذلك: قال: وقد سألني بعض الناس عن هذه الآية وكان ممن يقرأ القرآن فظن أن معناها في إباحة ذكران العبيد المؤمنين. قال: ومنهم من يجعل ذلك مسألة نزاع يبيحه بعض العلماء ويحرمه بعضهم ويقول: اختلافهم شبهة، وهذا كذب وجهل؛ فإنه ليس في فرق الأمة من يبيح ذلك، بل ولا في دين من أديان الرسل، وإنما يبيحه زنادقة العالم الذين لا يؤمنون بالله ورسوله. قال: ومنهم من يقول: هو مباح للضرورة، مثل أن يبقى الرجل أربعين يوما لا يجامع إلى أمثال هذه الأمور التي خاطبني فيها وسألني عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء. قال: ومنهم من قد بلغه خلاف بعض العلماء في وجوب الحد فيه فظن أن ذلك خلاف في التحريم، ولم يعلم أن الشيء قد يكون من أعظم المحرمات كالميتة والدم ولحم الخنزير وليس فيه حد مقدر. قال شيخنا: وحكى لي من أثق به، أن بعض هؤلاء أخذ على هذه الفاحشة فحكم عليه بالحد، فقال: هو ارتضى بذلك وما أكرهته، ولا غصبته فكيف أعاقب؟ فقال: نصير المشركين، وكان حاضرا هذا حكم محمد بن عبد الله وليس لهؤلاء ذنب (٢) .

стр. 1085

باب حد القذف وهل حد القذف حق لله، أو للآدمي؟ على روايتين: إحداهما: هو حق للآدمي.. الثانية: هو حق لله. . وعلى الثانية: لا يسقط. وعليهما: لا يحد، ولا يجوز أن يعرض له إلا بطلب، وذكره الشيخ تقي الدين ﵀ إجماعًا (١) . الفائدة الثانية: يحد بقذف على وجه الغيرة بفتح الغين المعجمة على الصحيح من المذهب، قال في الفروع: ويتوجه احتمال لا يحد، وفاقا لمالك ﵀، وأنها عذر في غيبة ونحوها وتقدم كلام ابن عقيل والشيخ تقي الدين ﵀ (٢) . باب حد المسكر والصحيح في حد الخمر: إحدى الروايتين الموافقة لمذهب الشافعي وغيره: أن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإطلاق، ولامحرمة على الإطلاق، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب فيه بالجريد والنعال وأطراف الثياب بخلاف بقية الحدود، ويقتل شارب الخمر في الرابعة عند الحاجة إلى قتله إذا لم ينته الناس بدونه (٣) . وإذا شككت في المطعوم والمشروب هل يسكر أو لا؟ لم يحرم عليك بمجرد الشك، ولم يقم الحد على شاربه، ولا ينبغي إباحته للناس.

стр. 1086

إذا كان يجوز أن يكون مسكرا؛ لأن إباحة الحرام مثل تحريم الحلال، فيكشف عن هذا بشهادة من تقبل شهادته مثل: أن يكون طعمه ثم تاب منه، أو طعمه غير معتقد تحريمه، أو معتقد حله لتداو ونحوه، أو على مذهب الكوفيين في تناول يسير النبيذ، فإن شهد به جماعة ممن تناوله معتقدا تحريمه فينبغي إذا أخبر عدد كثير لا يمكن تواطؤهم على الكذب أن يحكم بذلك، فإن مثل هذا التواتر والاستفاضة كما استفاض بين الفساق والكفار الموت والنسب والنكاح والطلاق، فيكون أحد الأمرين: إما الحكم بذلك، لأن التواتر لا يشترط فيه الإسلام، والعدالة، وإما الشهادة بذلك بناء على أن الاستفاضة يحصل بها ما يحصل بالتواتر، وإما أن يمتحن بعض العدول بتناوله لوجهين. أحدهما: أنه لا يعلم تحريم ذلك قبل التأويل فيجوز الإقدام على تناوله، وكراهة الإقدام على الشبهة تعارضها مصلحة بيان الحال. الوجه الثاني: أن المحرمات قد تباح عند الضرورة، والحاجة إلى البيان موضع ضرورة فيجوز تناولها لأجل ذلك (١) . وقال الشيخ تقي الدين ﵀، رخص أكثر العلماء فيما يكره عليه من المحرمات لحق الله كأكل الميتة وشرب الخمر وهو ظاهر مذهب أحمد ﵀ (٢) . باب التعزير وإذا شتم الرجل أباه واعتدى عليه وجب أن يعاقب عقوبة بليغة تردعه وأمثاله بل وأبلغ من ذلك أنه ثبت في الصحيح "أن من الكبائر أن يسب الرجل والديه، قالوا: وكيف يسب الرجل والديه؟ " قال: "يسب

стр. 1087

أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" وقال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [٢٣/١٧] فكيف يشتمهما؟ (١) . ومن قال: الله أكبر عليك، فهو من نحو الدعاء عليه، فإن لم يكن بحق وإلا كان ظالما له، يستحق الانتصار منه لذلك، إما بمثل قوله، أو تعزيره (٢) . ومن قذف رجلا بأنه ينظر إلى حريم الناس وهو كذاب عزر على افترائه بما يزجره وأمثاله إذا طالبه المقذوف بذلك، وكذلك إذا شتمه بأنه فاسق أو أنه يشرب الخمر، وهو كاذب عليه يعزر (٣) . ومن اعتاد الكذب فصار إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، فهو منافق والمنافق شر من الكافر، فإذا قال رجل للذي يكذب النصراني خير منك، وقصد أن النصراني لا يكذب خير من هذا الكذاب مع أن دين الإسلام هو الحق فلا شيء عليه، فإن الكذب أساس النفاق، ومن لا يكذب خير ممن يكذب (٤) . ومن التعزير الذي جاءت به السنة ونص عليه أحمد والشافعي: نفي المخنث، وحلق عمر رأس نصر بن حجاج ونفاه لما افتتن به النساء فكذلك من افتتن به الرجال من المردان بل هو أولى (٥) . ولا يقدر التعزير بل بما يردع المعزر، وقد يكون بالعزل والنيل من عرضه مثل أن يقال له: يا ظالم، يا معتدي، وبإقامته من المجلس.

стр. 1088

والذين قدروا التعزير من أصحابنا إنما هو فيما إذا كان تعزيرا على ما مضى من فعل أو ترك، فإن كان تعزيرا لأجل ترك ما هو فاعل له فهو بمنزلة قتل المرتد والحربي وقتال الباغي والعادي، وهذا تعزير غير مقدر، بل قد ينتهي إلى القتل، كما في الصائل لأخذ المال يجوز أن يمنع من الأخذ ولو بالقتل، وعلى هذا فإذا كان المقصود دفع الفساد ولم يندفع إلا بالقتل قتل، وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد، ولم يرتدع بالحدود المقدرة بل استمر على ذلك الفساد هو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل فيقتل، ويمكن أن يخرج قتل الشارب في الرابعة على هذا. ويقتل الجاسوس الذي تكرر منه التجسس على المسلمين لعدوهم، وقد ذكر الحنفية والمالكية شيئا من هذا، وإليه يرجع قول ابن عقيل، وهو أصل عظيم في إصلاح الناس. وكذلك تارك الواجب، فلا يزال يعاقب حتى يفعله. ومن فر إلى بلاد العدو ولم يندفع ضرره إلا بقتله قتل. والتعزير بالمال سائغ، إتلافا وأخذا وهو جار على مذهب أحمد؛ لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها. وقول الشيخ أبي محمد المقدسي: لا يجوز أخذ ماله، يعني المعزر، فإشارة منه إلى ما يأخذه الولاة الظلمة. ومن وطئ امرأة مشركة قدح ذلك في عدالته وأدب. والتعزير يكون على فعل المحرمات وترك الواجبات. فمن ترك الواجبات: من كتم ما يجب بيانه كالبائع المدلس، والمؤجر المدلس والناكح وغيرهم من العالمين، وكذا الشاهد والمخبر والمفتي والحاكم ونحوهم، فإن كتمان الحق مشبه بالكذب. وينبغي أن يكون سببا للضمان، كما أن الكذب سبب للضمان.

стр. 1089

فإن ترك الواجبات عندنا في الضمان كفعل المحرمات، حتى قلنا: من قدر على إنجاء شخص بإطعام أو سقي فلم يفعل فمات ضمنه. فعلى هذا فلو كتم شهادة كتمانا أبطل بها حق مسلم ضمنه، مثل أن يكون عليه حق ببينة وقد أداه حقه، وله بينة بالأداء، فكتم الشهادة حتى ضمن ذلك الحق، وكما لو كانت وثائق لرجل فكتمها أو جحدها حتى فات الحق، ولو قال: أنا أعلمها ولا أؤديها فوجوب الضمان ظاهر. وظاهر نقل حنبل وابن منصور: سماع الدعوى والإعداء التحليف في الشهادة. ومن هذا الباب لو كان في القرية أو المحلة أو البلدة رجل ظالم فسأل الوالي أو الغريم عن مكانه ليأخذ منه الحق فإنه يجب على الناس دلالته عليه بخلاف ما لو كان قصده أكثر من الحق، فعلى هذا: إذا كتموا ذلك حتى تلف الحق ضمنوه. ويملك السلطان تعزير من ثبت عنده أنه كتم الخبر الواجب، كما يملك تعزير المقر إقرارًا مجهولاً، حتى يفسر؟ ومن كتم الإقرار. وقد يكون التعزير على ترك المستحب، كما يعزر العاطس الذي لم يحمد الله بترك تشميته. وقال أبو العباس في موضع آخر: والتعزير على الشيء دليل على تحريمه. ومن هذا الباب ما ذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي من قتل الداعية من أهل البدع، كما قتل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وغيلان القدري. وقتل هؤلاء له مأخذان.

стр. 1090

أحدهما: كون ذلك كفرا، كقتل المرتد ردة مجردة أو مغلظة وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد. والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم، أنهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في رد الشهادة، وترك الرواية عنه، والصلاة خلفه، وهجره، ولهذا ترك أصحاب الكتب الستة وأحمد في مسنده الرواية عن مثل عمرو بن عبيد ونحوه، ولم يتركوا الرواية عن القدرية الذين ليسوا بدعاة. وعلى هذا المأخذ: فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين، لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد. ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي قتل المحاربين لها بالرواية، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ كما قتل النبي ﷺ الذي كذب عليه في حياته، وهو حديث جيد، لما فيه من تغيير سنته. وقرر أبو العباس هذا مع نظائر له في «الصارم المسلول، على شاتم الرسول» كقتل الذي يتعرض لحرمه أو يسبه ونحو ذلك، وكما أمر النبي ﷺ بقتل المفرق بين جماعة المسلمين لما فيه من تفريق الجماعة. ومن هذا الباب قتل الجاسوس المسلم الذي يخبر العدو بعورات المسلمين. ومنه الذي يكذب بلسانه أو خطه أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان الأمة: علماؤها وأمراؤها، فيحصل بكذبه أنواع كثيرة من الفساد، فهذا متى لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله، وإن جاز أن يندفع وجاز ألا يندفع قتل أيضًا.
следующие страницы →