← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

إذا كان يجوز أن يكون مسكرا؛ لأن إباحة الحرام مثل تحريم الحلال، فيكشف عن هذا بشهادة من تقبل شهادته مثل: أن يكون طعمه ثم تاب منه، أو طعمه غير معتقد تحريمه، أو معتقد حله لتداو ونحوه، أو على مذهب الكوفيين في تناول يسير النبيذ، فإن شهد به جماعة ممن تناوله معتقدا تحريمه فينبغي إذا أخبر عدد كثير لا يمكن تواطؤهم على الكذب أن يحكم بذلك، فإن مثل هذا التواتر والاستفاضة كما استفاض بين الفساق والكفار الموت والنسب والنكاح والطلاق، فيكون أحد الأمرين: إما الحكم بذلك، لأن التواتر لا يشترط فيه الإسلام، والعدالة، وإما الشهادة بذلك بناء على أن الاستفاضة يحصل بها ما يحصل بالتواتر، وإما أن يمتحن بعض العدول بتناوله لوجهين. أحدهما: أنه لا يعلم تحريم ذلك قبل التأويل فيجوز الإقدام على تناوله، وكراهة الإقدام على الشبهة تعارضها مصلحة بيان الحال. الوجه الثاني: أن المحرمات قد تباح عند الضرورة، والحاجة إلى البيان موضع ضرورة فيجوز تناولها لأجل ذلك (١) . وقال الشيخ تقي الدين ﵀، رخص أكثر العلماء فيما يكره عليه من المحرمات لحق الله كأكل الميتة وشرب الخمر وهو ظاهر مذهب أحمد ﵀ (٢) . باب التعزير وإذا شتم الرجل أباه واعتدى عليه وجب أن يعاقب عقوبة بليغة تردعه وأمثاله بل وأبلغ من ذلك أنه ثبت في الصحيح "أن من الكبائر أن يسب الرجل والديه، قالوا: وكيف يسب الرجل والديه؟ " قال: "يسب

стр. 1087

أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" وقال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [٢٣/١٧] فكيف يشتمهما؟ (١) . ومن قال: الله أكبر عليك، فهو من نحو الدعاء عليه، فإن لم يكن بحق وإلا كان ظالما له، يستحق الانتصار منه لذلك، إما بمثل قوله، أو تعزيره (٢) . ومن قذف رجلا بأنه ينظر إلى حريم الناس وهو كذاب عزر على افترائه بما يزجره وأمثاله إذا طالبه المقذوف بذلك، وكذلك إذا شتمه بأنه فاسق أو أنه يشرب الخمر، وهو كاذب عليه يعزر (٣) . ومن اعتاد الكذب فصار إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، فهو منافق والمنافق شر من الكافر، فإذا قال رجل للذي يكذب النصراني خير منك، وقصد أن النصراني لا يكذب خير من هذا الكذاب مع أن دين الإسلام هو الحق فلا شيء عليه، فإن الكذب أساس النفاق، ومن لا يكذب خير ممن يكذب (٤) . ومن التعزير الذي جاءت به السنة ونص عليه أحمد والشافعي: نفي المخنث، وحلق عمر رأس نصر بن حجاج ونفاه لما افتتن به النساء فكذلك من افتتن به الرجال من المردان بل هو أولى (٥) . ولا يقدر التعزير بل بما يردع المعزر، وقد يكون بالعزل والنيل من عرضه مثل أن يقال له: يا ظالم، يا معتدي، وبإقامته من المجلس.

стр. 1088

والذين قدروا التعزير من أصحابنا إنما هو فيما إذا كان تعزيرا على ما مضى من فعل أو ترك، فإن كان تعزيرا لأجل ترك ما هو فاعل له فهو بمنزلة قتل المرتد والحربي وقتال الباغي والعادي، وهذا تعزير غير مقدر، بل قد ينتهي إلى القتل، كما في الصائل لأخذ المال يجوز أن يمنع من الأخذ ولو بالقتل، وعلى هذا فإذا كان المقصود دفع الفساد ولم يندفع إلا بالقتل قتل، وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد، ولم يرتدع بالحدود المقدرة بل استمر على ذلك الفساد هو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل فيقتل، ويمكن أن يخرج قتل الشارب في الرابعة على هذا. ويقتل الجاسوس الذي تكرر منه التجسس على المسلمين لعدوهم، وقد ذكر الحنفية والمالكية شيئا من هذا، وإليه يرجع قول ابن عقيل، وهو أصل عظيم في إصلاح الناس. وكذلك تارك الواجب، فلا يزال يعاقب حتى يفعله. ومن فر إلى بلاد العدو ولم يندفع ضرره إلا بقتله قتل. والتعزير بالمال سائغ، إتلافا وأخذا وهو جار على مذهب أحمد؛ لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها. وقول الشيخ أبي محمد المقدسي: لا يجوز أخذ ماله، يعني المعزر، فإشارة منه إلى ما يأخذه الولاة الظلمة. ومن وطئ امرأة مشركة قدح ذلك في عدالته وأدب. والتعزير يكون على فعل المحرمات وترك الواجبات. فمن ترك الواجبات: من كتم ما يجب بيانه كالبائع المدلس، والمؤجر المدلس والناكح وغيرهم من العالمين، وكذا الشاهد والمخبر والمفتي والحاكم ونحوهم، فإن كتمان الحق مشبه بالكذب. وينبغي أن يكون سببا للضمان، كما أن الكذب سبب للضمان.

стр. 1089

فإن ترك الواجبات عندنا في الضمان كفعل المحرمات، حتى قلنا: من قدر على إنجاء شخص بإطعام أو سقي فلم يفعل فمات ضمنه. فعلى هذا فلو كتم شهادة كتمانا أبطل بها حق مسلم ضمنه، مثل أن يكون عليه حق ببينة وقد أداه حقه، وله بينة بالأداء، فكتم الشهادة حتى ضمن ذلك الحق، وكما لو كانت وثائق لرجل فكتمها أو جحدها حتى فات الحق، ولو قال: أنا أعلمها ولا أؤديها فوجوب الضمان ظاهر. وظاهر نقل حنبل وابن منصور: سماع الدعوى والإعداء التحليف في الشهادة. ومن هذا الباب لو كان في القرية أو المحلة أو البلدة رجل ظالم فسأل الوالي أو الغريم عن مكانه ليأخذ منه الحق فإنه يجب على الناس دلالته عليه بخلاف ما لو كان قصده أكثر من الحق، فعلى هذا: إذا كتموا ذلك حتى تلف الحق ضمنوه. ويملك السلطان تعزير من ثبت عنده أنه كتم الخبر الواجب، كما يملك تعزير المقر إقرارًا مجهولاً، حتى يفسر؟ ومن كتم الإقرار. وقد يكون التعزير على ترك المستحب، كما يعزر العاطس الذي لم يحمد الله بترك تشميته. وقال أبو العباس في موضع آخر: والتعزير على الشيء دليل على تحريمه. ومن هذا الباب ما ذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي من قتل الداعية من أهل البدع، كما قتل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وغيلان القدري. وقتل هؤلاء له مأخذان.

стр. 1090

أحدهما: كون ذلك كفرا، كقتل المرتد ردة مجردة أو مغلظة وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد. والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم، أنهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في رد الشهادة، وترك الرواية عنه، والصلاة خلفه، وهجره، ولهذا ترك أصحاب الكتب الستة وأحمد في مسنده الرواية عن مثل عمرو بن عبيد ونحوه، ولم يتركوا الرواية عن القدرية الذين ليسوا بدعاة. وعلى هذا المأخذ: فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين، لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد. ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي قتل المحاربين لها بالرواية، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ كما قتل النبي ﷺ الذي كذب عليه في حياته، وهو حديث جيد، لما فيه من تغيير سنته. وقرر أبو العباس هذا مع نظائر له في «الصارم المسلول، على شاتم الرسول» كقتل الذي يتعرض لحرمه أو يسبه ونحو ذلك، وكما أمر النبي ﷺ بقتل المفرق بين جماعة المسلمين لما فيه من تفريق الجماعة. ومن هذا الباب قتل الجاسوس المسلم الذي يخبر العدو بعورات المسلمين. ومنه الذي يكذب بلسانه أو خطه أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان الأمة: علماؤها وأمراؤها، فيحصل بكذبه أنواع كثيرة من الفساد، فهذا متى لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله، وإن جاز أن يندفع وجاز ألا يندفع قتل أيضًا.

стр. 1091

وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [٣٢/٥] ، وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [٣٣/٥] . وأما إن اندفع الفساد الأكبر بقتله، لكن بقي فساد دون ذلك، فهو محل نظر. قال أبو العباس: وأفتيت أميرا مقدما على عسكر كبير في الحربية، إذا نهبوا أموال المسلمين ولم ينزجروا إلا بالقتل أن يقتل من يكفون بقتله ولو أنهم عشرة إذ هو من باب دفع الصائل، قال: وأمرت أميرا خرج لتسكين الفتنة الثائرة بين قيس ويمن قد قتل منهم ألفان أن يقتل من يحصل بقتله كف الفتنة، ولو أنهم مائة. قال: وأفتيت ولاة الأمور في شهر رمضان، سنة أربع وسبع مائة بقتل من أمسك في سوق المسلمين وهو سكران وقد شرب الخمر مع أهل الذمة وهو مجتاز بشقة لحم يذهب بها إلى ندمائه، وكنت أفيتهم قبل هذا: بأنه يعاقب عقوبتين عقوبة على الشرب، وعقوبة على الفطر في نهار رمضان، فقالوا: ما مقدار التعزير؟ فقلت: هذا يختلف باختلاف الذنب، وحال المذنب، وحال الناس، وتوقفت عن القتل، فكبر هذا على الأمراء والناس حتى خفت أنه إن لم يقتل ينحل نظام الإسلام لجرأة الناس على انتهاك المحارم في نهار رمضان فأفتيت بقتله فقتل، ثم ظهر فيما بعد أنه كان يهوديا وأنه أظهر الإسلام. والمطلوب له ثلاث أحوال: أحدها: براءته في الظاهر، فهل يحضره الحاكم؟ على روايتين. وذكر أبو العباس في موضع آخر: أن المدعي حيث ظهر كذبه في دعواه بما يؤذي به المدعى عليه عزر لكذبه ولأذاه وأن طريقة القاضي

стр. 1092

رد هذه الدعوى على الروايتين، بخلاف ما إذا كانت ممكنة، ونص أحمد في رواية عبد الله فيما إذا علم بالعرف المطرد أنه لا حقيقة للدعوى لا يعذبه، وفيما لم يعرف واحد من الأمرين يعذبه، كما في رواية الأثرم، وهذا التفريق حسن. والحال الثاني: احتمال الأمرين، وأنه يحضره بلا خلاف. والحال الثالث: تهمته وهو قيام سبب يوهم أن الحق عنده، فإن الاتهام افتعال من الوهم، وحبسه هنا بمنزلة حبسه بعد إقامة البينة وقبل التعزير، أو بمنزلة حبسه بعد شهادة أحد الشاهدين، فأما امتحانه بالضرب كما يجوز ضربه لامتناعه من أداء الحق الواجب دينا أو عينا، ففي المسألة حديث النعمان بن بشير في سنن أبي داود لما قال: "إن شئتم ضربته فإن ظهر الحق عنده وإلا ضربتكم وقال: هذا قضاء الله ورسوله". وهذا يشبه تحليف المدعي إذا كان معه لوث، فإن اقتران اللوث بالدعوى جعل جانبه مرجحا فلا يستبعد أن يكون اقترانه بالتهمة يبيح مثل ذلك. والمقصود أنه إذا استحق التعزير وكان متهما بما يوجب حقا واحدا مثل أن يثبت عليه هتك الحرز ودخوله ولم يقر بأخذ المال وإخراجه ويثبت عليه المحاربة لخروجه بالسلاح وشهره له، ولم يثبت عليه القتل والأخذ، فهذا يعزر لما فعله من المعاصي، وهل يجوز أن يفعل ذلك، أيضا امتحانا لا غير، فيجمع بين المصلحتين؟ هذا قوي في حقوق الآدميين. فأما حدود الله تعالى عند الحاجة إلى إقامتها فيحتمل، ويقوى ذلك إذا أنكر الجميع ثم قامت البينة ببعض ما أنكر فإنه يصير لوثًا.

стр. 1093

ونظير ذلك أن يعاقب الإمام من استحق العقوبة بقتل وتوهم العامة بأنه عاقبه على بعض الذنوب التي يريد الحذر عنها، وهذا شبيه بما كان يفعله ﷺ من أنه "إذا أراد غزوة ورى بغيرها". والذي لا ريب فيه: أن الحاكم إذا علم كتمانه الحق عاقبه حتى يقربه، كما يعاقب كاتم المال الواجب أداؤه، فأما إذا احتمل أن لا يكون كاتما فهذا كالمتهم سواء. وخبر من قال له جني بأن فلانا سرق كذا كخبر إنسي مجهول فيفيد تهمة. وإذا طلب المتهم بحق فمن عرف مكانه دل عليه. والقوادة التي تفسد النساء والرجال أقل ما يجب على الحاكم فيها الضرب البليغ وينبغي تشهيرها بذلك بحيث يستفيض هذا في النساء، والرجال وإذا أركبت دابة وضمت عليها ثيابها ونودي عليها هذا جزاء من يفعل كذا وكذا كان من أعظم ما يؤجر عليه، إذ هي بمنزلة عجوز السواء امرأة لوط وقد أهلكها الله تعالى مع قومها. ومن قال لمن لامه الناس: تقرءون تواريخ آدم؟ وظهر منه قصد معرفتهم بخطيئته عزر ولو كان صادقا، وكذا من يمسك الحية ويدخل النار ونحوه. وكذا من تنقص مسلمًا بأنه مسلماني مع حسن إسلامه. ومن غضب فقال: ما نحن مسلمون، إن أراد ذم نفسه لنقص دينه فلاحرج فيه ولا عقوبة. ومن قال لذمي: يا حاج، عزر لأن فيه تشبيه قاصد الكنائس بقاصد بيت الله، وفيه تعظيم ذلك فهو بمنزلة من يشبه أعياد الكفار.

стр. 1094

بأعياد المسلمين وكذا يعزر من يسمي من زار القبور والمشاهد حاجا، إلا أن يسميه حاجا بقيد، كحجاج الكفار والضالين، ومن سمي زيارة ذلك حجا أو جعل له مناسك فإنه ضال مضل، ليس لأحد أن يفعل في ذلك ما هو من خصائص حج البيت العتيق. وإذا اشترى اليهودي نصرانيا فجعله يهوديًّا عزر على جعله يهوديا ولا يكون مسلما. ولا يجوز للجذمى مخالطة الناس عموما، ولا مخالطة أحد معين إلا بإذنه، وعلى ولاة الأمور منعهم من مخالطة الناس لهم، بل يكونون في مكان منفرد لهم، ونحو ذلك كما جاءت به سنة رسول الله ﷺ وخلفائه، وكما ذكره العلماء، وإذا امتنع ولي الأمر من ذلك أو امتنع المجذوم أثم بذلك. وإذا أصر على ترك الواجب مع علمه به فسق. ومن دعي عليه ظلما له أن يدعو على ظالمه بمثل ما دعا به عليه نحو: أخزاك الله، أو لعنك، أو شتمه بغير فرية نحو: يا كلب، يا خنزير فله أن يقول له مثل ذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ *﴾ [٤١/٤٢] فعلم أنه لا سبيل إلا على الظالم للناس الباغي. وإذا كان له أن يستعين بالمخلوق من وكيل ووال وغيرهما فاستعانته بخالقه أولى بالجواز. ومن وجب عليه الحد بقتل أو غيره سقط عنه بالتوبة، وظاهر كلام أصحابنا لا يجب عليه التعزير، كقولهم: هو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.

стр. 1095

وذكر أبو العباس في موضع آخر: أن المرتد إذا قبلت توبته ساغ تعزيره بعد التوبة (١) . إذا كانت المعصية لا حد فيها ولا كفارة كما مثل المصنف (٢) . وفعلها فإنه يعزر، وقد يفعل معصية لا كفارة فيها ولا حد ولا تعزير أيضا كما لو شتم نفسه أو سبها قاله القاضي، ومال الشيخ تقي الدين إلى وجوب التعزير، قال الزركشي، ولا يشرع التعزير فيما فيه حد إلا على ما قاله أبو العباس ابن تيمية في شارب الخمر، يعني في جواز قتله، وفيما إذا أتى حدا في الحرم فإن بعض الأصحاب قال: يغلظ، وهو نظير تغليظ الدية بالقتل في ذلك (٣) . وقال المصنف والشارح وصاحب الفروع: ويحتمل كلام الإمام أحمد والخرقي ألا يبلغ بكل جناية حدا مشروعا من جنسها، ويجوز أن يزيد على حد من غير جنسها، فعلى هذا ما كان سببه الوطء يجوز أن يجلد مائة إلا سوطا لينقص عن حد الزنا، وما كان سببه غير الوطء لم يبلغ به أدنى الحدود وإليه ميل الشيخ تقي الدين. وقال الشيخ تقي الدين ﵀ يعزر بما يردعه كعزل متول، وقال: لا يتقدر لكن ما فيه مقدر لا يبلغه فلا يقطع بسرقة دون نصاب ولا يحد حد الشرب بمضمضة خمر ونحوه، وقال: هو رواية عن الإمام أحمد، واختيار طائفة من أصحابه، وقد يقال بقتله للحاجة، وقال: يقتل مبتدع داعية، وذكره وجها لمالك ﵀ ونقله إبراهيم

стр. 1096

ابن سعيد الأطرش عن الإمام أحمد ﵀ في الدعاة من الجهمية (١) . وقال الشيخ تقي الدين ﵀: في الخلوة بالأجنبية واتخاذ الطواف بالصخرة دينا، وفي قول الشيخ انذروا لي واستعينوا بي إن أصر ولم يتب قتل، وكذلك من تكرار منه شربه للخمر ما لم ينته بدونه للأخبار فيه (٢) . باب القطع في السرقة ونصابها ثلاثة دراهم خالصة ومغشوشة. قاله شيخنا (٣) . واللص الذي غرضه سرقة أموال الناس، ولا غرض له في شخص معين فإن قطع يده واجب، وله عفا عنه رب المال (٤) . ولا يشترط في القطع في السرقة مطالبة المسروق منه بماله، وهي رواية عن أحمد اختارها أبو بكر ومذهب مالك، كإقرار بالزنا بأمة غيره (٥) . ومن سرق ثمرًا أو كثرًا أو ماشية من غير حرز أضعفت عليه القيمة وهو مذهب أحمد، وكذا غيرها وهو رواية عنه (٦) . وأما غير الشجر والنخل والماشية إذا سرقه من غير حرز فلا يضمن عوضها إلا مرة واحدة.

стр. 1097

وعنه: أن ذلك كالثمر والماشية، اختاره أبو بكر، والشيخ تقي الدين (١) . وقال في الفروع: وقياس قول شيخنا، يعني به الشيخ تقي الدين: أن السارق كالشارب في الرابعة يقتل عنده إذا لم يتب بدونه (٢) . واختار تعزير مدع سرقة ونحوها على من تعلم براءته. واختار أن خبر من له رائي جني بأن فلانا سرق كذا كخبر إنسي مجهول فيفيد تهمة كما تقدم (٣) . باب حد قطاع الطريق وأجمع المسلمون على مقاتلة قطاع الطريق (٤) . والمحاربون في المصر والصحراء حكمهم واحد، وهو قول مالك في المشهور عنه والشافعي وأكثر أصحابنا. قال القاضي: المذهب على ما قال أبو بكر في عدم التفرقة ولا نص في الخلاف، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء والخلاء، فالمباشرة في الخراب، وهو مذهب أحمد، وكذا في السرقة والمرأة التي تحضر النساء للقتل تقتل (٥) . ويلزم الدفع عن مال الغير، وسواء كان المدفوع من أهل مكة أو غيرهم (٦) .

стр. 1098

وقال أبو العباس في جند قاتلوا عربا نهبوا أموال التجار ليردوها إليهم فهم يجاهدون في سبيل الله، ولا ضمان عليهم بقود ولا دية ولا كفارة (١) . باب الخلافة والملك نصب السلطان قد أوجب النبي ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر فهو تنبيه على أنواع الاجتماع (٢) . ومن أمر للرئاسة والمال لم يثب، ويأثم على فساد نيته كالمصلي رياء وسمعة (٣) . وقال الشيخ تقي الدين: العدل تحصيل منفعته، ودفع مضرته، وعند الاجتماع يقدم أرجحهما لتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما. وقال في موضع آخر بعد أن ذكر ما رواه أحمد عن ميمون بن مهران، قال: ثلاثة لا تبلون نفسك بهم: لا تدخلن على ذي سلطان وإن قلت آمره بطاعة الله، ولا تخلون بامرأة وإن قلت: أعلمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك لذي هوى فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه. قال الشيخ تقي الدين: فالاجتماع بالسلطان من جنس الإمارة والولاية، وفعل ذلك لأمره ونهيه بمنزلة الولاية بنية العدل وإقامة الحق.

стр. 1099

واستماع كلام المبتدع للرد عليه من جنس الجهاد، وأما الخلوة بالمرأة الأجنبية فمحرم فهذا كله من جنس واحد، وهو دخول الإنسان بنفسه من غير حاجة فيما يوجب عليه أمورا أو يحرم عليه أمورا، لا سيما إن كانت تلك الأمور مما جرت العادة بترك واجبها وفعل محظورها، ولهذا قال النبي ﷺ في الدجال: "فلا يزال ما يراه من الشبهات حتى يفتنه ذلك". من هذا الباب ما يذكر عن طوائف من السلف من امتناعهم ومنعهم من استماع كلام المبتدعة خشية الفتنة عليهم، وعلى غيرهم وأما من نهى عن ذلك للهجر أو للعقوبة على فعله فذلك نوع آخر إلى أن قال: فهذه الأمور العدل فيه ألا يطلب العبد أن يبتلى بها، وإذا ابتلي بها فليتق الله وليصبر، والاستعداد لها أن تصيبه من غير طلب الابتلاء بها، فهذه المحن والفتن إذا لم يطلبها المرء ولم يتعرض لها بل ابتلي بها ابتداء أعانه الله تعالى عليها بحسب حال ذلك العبد عنده؛ لأنه لم يكن منه في طلبها فعل ولا قصد حتى يكون ذلك ذبنا يعاقب عليه، ولا كان منه كبر واختيال مثل دعوى قوة أو ظن كفاية بنفسه حتى يخذل بترك توكله ويوكل إلى نفسه، فإن العبد يؤتى من ترك ما أمر به. وسواء كان مراده بها محرما، أو مباحا، أو مستحبا. وإرادته بها المحرم زيادة ذنب. وإن أراد بها المستحب فقد فعل ما لم يؤمر به، وهذا مما يذم عليه، كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا، "ما بعث الله من نبي إلا كان له من أمته حواريون وأنصار يستنون بسنته ويهتدون بهديه، ثم إنه يخلف من بعده خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون". والتعرض للفتنة هو من باب الذنوب فالمؤمن الصادق لا يفعل.

стр. 1100

إلا ما أمر به فإن ذلك هو عبادة، ولا يستعين إلا بالله، فإذا أوجب هو بنفسه أو حرم هو بنفسه خرج عن الأول، فإن وثق بنفسه خرج عن الثاني، فإذا أذنب بعد ذلك فقد يتوب بعد الذنب فيعينه حينئذ وقد يكون له حسنات راجحة يستحق بها الإعانة، وقد يتداركه الله برحمته فيسلم أو يخفف عليه، والتوبة بفعل المأمور وترك المحظور في كل حال بحسبه، ليست ترك ما دخل فيه، فإن ذلك قد لا يمكنه إلا بذنوب هي أعظم من ذنوبه مع مقامه، فتدبر هذا. والمبتلى من غير تعرض قد يفرط بترك المأمور وفعل المحظور حتى يخذل ولا يعان فيؤتى من ذنوبه، لا من نفس ما ابتلي به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [١٥٥/٣] ، وهذا كثير أكثر من الذي قبله، فأما المؤمنون الذين لم يكن منهم تفريط ولا عدوان فإذا ابتلوا أعينوا. قال: وقد تبين أن التعرض للفتن بالإيجاب والتحريم بالعهود والنذور وطلب الولاية وتمني لقاء العدو ونحو ذلك هو من الذنوب انتهى كلامه (١) . لا يعلم العدل والظلم إلا بالعلم، فصار الدين كله، العلم والعدل، وضد ذلك الظلم والجهل، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [٧٢/٣٣] وذلك يقع من الرعاة تارة، ومن الرعية تارة، ومن غيرهم تارة، فإن من العلم والعدل المأمور به الصبر على ظلم الأئمة وجورهم، وكما هو من أصول أهل السنة والجماعة، وكما أمر به النبي ﷺ في الأحاديث المشهورة عنه، كما قال: "إنكم

стр. 1101

ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" وقال: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه" إلى أمثال ذلك، وقال: "أدوا لهم الذي لهم واسألوا الله الذي لكم" و"نهى عن قتالهم ما صلوا" وذلك لأن معهم أصل الدين المقصود وهو توحيد الله وعبادته، ومعهم حسنات وترك لسيئات كثيرة. وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ أو غير سائغ فلا يجوز أن يزال بما فيه ظلم وجور، كما هو عادة أكثر النفوس يزيل الشر بما هـ شر منه، ويزيل العدوان بما هو أعدى منه، فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم فيصير عليه، كما يصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور المنهي في مواضع كثيرة كقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [١٧/٣١] ، وقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [٣٥/٤٦] وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [٤٨/٥٢] ، وهذا عام في ولاة الأمور وفي الرعية إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به في ذات الله كما يصبر المجاهدون على ما يصاب من أنفسهم وأموالهم، فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى، وذلك لأن مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد يندرج في ذلك ولاة الأمور فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم؛ لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك، فكما وجب على الأئمة الصبر على أذى الرعية وظلمها إذا لم تتم المصلحة إلا بذلك أو كان تركه يفضي إلى فساد أكثر منه.

стр. 1102

وكذلك يجب على الرعية الصبر على جور الأئمة وظلمهم إذا كان في ترك الصبر مفسدة راجحة. فعلى كل من الراعي والرعية حقوقا للآخر، حقوقا عليه أداؤها كما ذكرت بعضه في كتاب الجهاد والقضاء، وعليه أن يصبر على الآخر ويحلم عنه في أمور، فلا بد من السماح والصبر في كل منهما، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [١٧/٩٠] وفي الحديث "أفضل الإيمان السماحة والصبر" وفي أسماء الله "الغفور، الرحيم" فبالحلم يعفو عن سيئاتهم، وبالسماحة يوصل إليهم المنافع، فيجمع بين جلب المنفعة ودفع المضرة، فأما الإمساك عن ظلمهم والعدل عليهم فوجوب ذاك أظهر من هذا، فلا حاجة إلى بيانه (١) . باب قتل أهل البغي وهم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ (٢) . قال شيخنا: عامة الفتن التي وقعت من أعظم أسبابها قلة الصبر؛ إذ الفتنة لها سببان: إما ضعف العلم، وإما ضعف الصبر، فإن الجهل والظلم أصل الشر، وفاعل الشر إنما يفعله لجهله بأنه شر، وتكون نفسه تريده فبالعلم يزول الجهل، وبالصبر يحبس الهوى والشهوة فتزول تلك الفتنة (٣) .

стр. 1103

والأفضل ترك قتال أهل البغي حتى يبدؤه (وم) . وله قتل أهل الخوارج ابتداء أو متممة تخريجهم. ومن استحل أذى من أمره ونهاه بتأويل فكالمبتدع ونحوه يسقط بتوبته حق الله تعالى وحق العبد، واحتج أبو العباس لذلك بما أتلفه البغاة، لأنه من الجهاد الذي يجب الأجر فيه على الله تعالى (١) . وذكر الشيخ تقي الدين: أن ابن عقيل وغيره فسقوا البغاة (٢) . ... وقد ذكر ابن عبد البر في كتابه "بهجة المجالس" قال رجل لابن سيرين: إني وقعت فيك فاجعلني في حل، قال: لا أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك، وقال شيخنا إن في الآية المذكورة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [٣٩/٢٤] فائدة عظيمة وهو أن حمدهم على أنهم ينتصرون عند البغي عليهم، كما أنهم هم يعفون عند الغضب، ليسوا مثل الذي ليس له قوة الانتصار وفعله لعجزهم أو كسلهم أو وهنهم أو ذلهم أو حزنهم فإن أكثر من يترك الانتصار بالحق إنما يتركه لهذه الأمور وأشباهها، وليسوا مثل الذي إذا غضب لا يغفر ولا يعفو بل يتعدى أو ينتقم حتى يكف من خارج كما عليه أكثر الناس إذا غضبوا أو قدروا لا يقفون عند العدل، فضلا عن الإحسان. فحمدهم على أنهم هم ينتصرون وهم يعفون ولهذا قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، إلى أن ذكر الروايتين في دفع الإنسان عن نفسه، ثم قال: ويشبه ألا يجب مفسدة تقاوم مفسدة الترك أو تفضي إلى فساد أكثر، وعلى هذا تخرج قصة ابن آدم وعثمان ﵁؛ بخلاف من لم يكن في دفعه إلا إتلاف مال الغير الظالم أو حبسه أو

стр. 1104

ضربه، فهنا الوجوب أوجه وهذا معنى قوله: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ فالانتصار قد يكون مستحبا تارة، وقد يكون واجبا أخرى، كالمغفرة سواء (١) . وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رئاسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفته على الأخرى. ولكن قال الشيخ تقي الدين: إن جهل قدر ما نهبته كل طائفة من الأخرى تساوتا، كمن جهل قدر المحرم من ماله أخرج نصفه والباقي له. وقال أيضا: أوجب الأصحاب على مجموع الطائفة وإن لم يعلم عين المتلف. وقال أيضا: وإن تقاتلا تقاصا، لأن المباشر والمعين سواء عند الجمهور (٢) . باب حكم المرتد والمرتد: من أشرك بالله تعالى، أو كان مبغضا للرسول ﷺ ولما جاء به اتفاقا، أو ترك إنكار منكر بقلبه، أو توهم أن أحدا من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم قاتل مع الكفار، أو أجاز ذلك، أو أنكر مجموعا عليه إجماعا قطعيا، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم ومن شك في صفة من صفات الله تعالى ومثله لا يجهلها فمرتد وإن كان مثله يجهلها فليس بمرتد، ولهذا لم يكفر النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة الله على إعادته، لأنه لا يكون إلا بعد الرسالة (٣) .

стр. 1105

وساب الرسول ﷺ يقتل ولو أسلم (١) . قال الشيخ تقي الدين، التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية من السحر. قال: ويحرم إجماعا وأقر أولهم وآخرهم يعني المنجمين أن الله يدفع عن أهل العبادة، والدعاء ببركة ذلك (٢) ما زعموا أن الأفلاك توجبه، وأن لهم من ثواب الدارين ما لا تقوى الأفلاك على أن تجلبه (٣) . وليس كل من خالف ما علم بطريق العقل كان كافرًا، ولو قدر أنه جحد بعض صرائح العقل لم يحكم بكفره حتى يكون كفرا في الشريعة، بخلاف من خالف ما علم أن الرسول ﷺ جاء به فإنه كافر بلا نزاع، وذلك أنه ليس في الكتاب والسنة، ولا في قول أحد من الأئمة، الإخبار عن الله بأنه متحيز، أو ليس بمتحيز، ولا في الكتاب والسنة أن من قال هذا أو هذا يكفر، وهذا اللفظ مبتدع، والكفر لا يتعلق بمجرد أسماء مبتدعة لا أصل لها، بل يستفسر هذا القائل، فإن قال: أعني أنه منحاز عن المخلوقات مباين لها، فهذا حق، وكذلك قوله: ليس بمتحيز، إن أراد أن المخلوق لا يحوز الخالق فقد أصاب، وإن قال: الخالق لا يباين المخلوق، فقد أخطأ (٤) . وقال الشيخ تقي الدين: نصوصه صريحة في عدم تكفير الخوارج والقدرية والمرجئة وغيرهم وإنما كفر الجهمية لا أعيانهم قال: وطائفة تحكي عنه روايتين في تكفير أهل البدع مطلقًا حتى المرجئة والشيعة

стр. 1106

المفضلة لعلي، قال: ومذاهب الأئمة الإمام أحمد وغيره ﵏ مبنية على التفصيل بين النوع والعين (١) . قال شيخنا: قد بين الله تعالى: أنه يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة البدع (٢) . ولا يضمن المرتد ما أتلفه بدار الحرب، أو في جماعة مرتدة ممتنعة وهو رواية عن أحمد اختارها الخلال وصاحبه (٣) . لو مات أبو الطفل أو الحمل أو المميز، أو مات أحدهما في دارنا فهو مسلم، وعنه لا يحكم بإسلامه، قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة، وهو قول الجمهور وربما أدعي فيه إجماع معلوم متيقن واختاره شيخنا (٤) .

стр. 1107

كتاب الأطعمة والأصل فيها الحل لمسلم يعمل صالحًا، لأن الله تعالى إنما يبيح الطيبات لمن يستعين بها على طاعته لا على معصيته، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [٩٣/٥] الآية ولهذا لا يجوز أن يعان بالمباح على معصية، كمن يعطي اللحم والخبز لمن يشرب عليه الخمر، ويستعين به على الفواحش، ومن أكل من الطيبات، ولم يشكر فهو مذموم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ *﴾ [٨/١٠٢] أي عن الشكر عليه (١) . وأما الضبع فإنها مباحة في مذهب مالك والشافعي وأحمد، وحرام في مذهب أبي حنيفة، لأنها من ذوات الأنياب، والأولون استدلوا بقوله ﷺ "إنها صيد وأمر بأكلها" رواه أهل السنن وصححه الترمذي. قالوا: ليس لها ناب، لأن أضراسها صفيحة لا ناب فيها (٢) . وفي كلب الماء نزاع، الأولى تركه (٣) . وسنور أهلي. قال أحمد: أليس مما يشبه السباع؟ قال شيخنا:

стр. 1108

ليس في كلامه هذا إلا الكراهة، وجعله أحمد قياسا، وأنه قد يقال: يعمها اللفظ (١) . وما يأكل الجيف يعني يحرم ونقل عبد الله وغيره: يكره وجعل فيه الشيخ تقي الدين روايتي الجلالة. وقال: عامة أجوبة الإمام أحمد ﵀ ليس فيها تحريم، قال: وإذا كان ما يأكلها من الدواب السباع، ففيه نزاع أو لم يحرموه والخبر في الصحيحين (٢) فمن الطير أولى (٣) . وما يستخبث أي تستخبثه العرب، وقال الشيخ تقي الدين: وعند الإمام أحمد وقدماء أصحابه لا أثر لاستخباث العرب، وإن لم يحرمه الشرع حل (٤) . وكره أحمد الخفاش، لأنه مسخ، قال شيخنا: هل هي للتحريم؟ فيه وجهان (٥) . وأكل الشيطان لو تصور لكان أعظم المحرمات لما فيه من الخبث والبغي والعدوان، فمن قال: إن آدم سلقه وأكله فمن أقبح البهتان (٦) . ومن اضطر إلى محرم حل منه ما يسد رمقه، يعني: ويجب عليه أكل ذلك على الصحيح من المذهب نص عليه، وذكره الشيخ تقي الدين وفاقا (٧) .

стр. 1109

يجب تقديم السؤال على أكل المحرم على الصحيح من المذهب، وقال الشيخ تقي الدين: إنه يجب ولا يأثم، وأنه ظاهر المذهب (١) . والمضطر إلى طعام الغير إن كان فقيرا فلا يلزمه عوض، إذ إطعام الجائع وكسوة العاري فرض كفاية، ويصيران فرض عين على المعين إذا لم يقم به غيره. وإن لم يكن بيده إلا مال لغيره، كوقف ومال يتيم ووصية ونحو ذلك، فهل يجب أو يجوز صرفه في ذلك؟ أو يفرق بين ما يكون من جنس الجهة فيصرف وبين ما يكون من غير جنسها فلا يصرف؟ تردد نظر أبي العباس في ذلك كله. وإن كان غنيا لزمه العوض، إذ الواجب معاوضته. وإذا وجد المضطر طعاما لا يعرف مالكه وميتة فإنه يأكل الميتة إذا لم يعرف مالك الطعام وأمكن رده إليه بعينه، أما إذا تعذر رده إلى مالكه، بحيث يجب أن يصرف إلى الفقراء كالمغصوب والأمانات التي لا يعرف مالكها فإنه يقدم ذلك على الميتة. وإذا كانت الحاجة إلى عين قد بيعت ولم يتمكن المشتري من قبضها، فينبغي أن يخير المشتري بين الإمضاء والفسخ كما لو غصبها غاصب، لأنها في كلا الموضعين أخذت بغير اختياره على وجه يتمكن من أخذ عوضها، إلا أن الأخذ كان في أحد الموضعين بحق، وفي الآخر بباطل، وهذا إنما تأثيره في الأخذ لا في المأخوذ منه؛ لكن يحتاج إلى الفرق بين ذلك وبين استحقاق أخذ الشقص بالشفعة. فيقال: الفرق بينهما أن المشتري هناك يعلم أن الشريك يستحق الانتزاع، فقد رضي بهذا الاستحقاق، بخلاف المشتري لقفيز من صبرة.

стр. 1110

لغير اضطرار ثم يحدث اضطراره إليها، ولو كانت الضرورة إلى منافع مؤجرة مثل ظهر دابة وسكن دار أو نحو ذلك مما يحتاج إليه المؤجر أو المستأجر، فإن قلنا بوجوب القيمة فهي كالأعيان، وإن قلنا تؤخذ مجانا فإنها تكون من ضمان المؤجر لا المستأجر، لأنه لما استحق أخذها بغير عوض كان ذلك بمنزلة تلفها بأمر سماوي، ولو تلفت بأمر سماوي كانت من ضمان المؤجر، وحيث أوجبنا الضمان فالواجب المعروف عادة كالزوجية والقريب الرقيق (١) . والضيافة كفايته، وأدم، وفي الواضح، ولفرسه لا شعير، ويتوجه فيه وجه: كأدمه، وأوجب شيخنا المعروف عادة قال: كزوجة وقريب ورقيق (٢) . قال الشيخ عبد القادر والشيخ تقي الدين أيضا: يأكل الضيف على ملك صاحب الطعام على وجه الإباحة وليس ذلك بتمليك اهـ (٣) . وما نقل عن الإمام أحمد: أنه امتنع من البطيخ لعدم علمه بكيفية أكل النبي ﷺ كذب ذكره شيخنا (٤) . ويكره ذبح الفرس الذي ينتفع به في الجهاد بلا نزاع (٥) . باب الذكاة وأما من أحد أبويه غير كتابي فظاهر كلام المصنف أنه قدم إباحة ذبحه، وهو إحدى الروايتين.

стр. 1111

قال ابن منجا في شرحه: هذا المذهب وقدمه الناظم، كالمصنف، واختاره الشيخ تقي الدين وابن القيم رحمهما الله تعالى (١) . ويكره نكاح الحرائر الكتابيات مع وجود الحرائر المسلمات، قاله القاضي وأكثر العلماء. كما يكره أن يجعل أهل الكتاب ذباحين، مع كثرة ذباحين مسلمين، ولكن لا يحرم (٢) . ويحرم ما ذبحه الكتابي لعيده أو ليتقرب به إلى شيء يعظمه، وهو رواية عن أحمد (٣) . وإذا لم يقصد المذكي الأكل بل قصد مجرد حل يمينه لم تبح الذبيحة (٤) . وقال النبي ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" ففي هذا دليل على أن الإحسان واجب على كل حال حتى حال إزهاق النفس: ناطقها وبهيمها فعلى الإنسان أن يحسن القتلة للآدميين، والذبحة للبهائم (٥) . فيما يشترط قطعه من الحيوان عند الذبح أقوال: أحدها: أن الواجب قطع الحلقوم والمريء خاصة، كقول الشافعي، ورواية عن أحمد. وعلى هذا لو قطع الودجين والمريء لكان أولى بالإباحة من قطع الودجين، بل قطع أحد الودجين والحلقوم أولى بالإباحة من قطع الحلقوم والمريء.

стр. 1112

والقول الثاني: أن الواجب قطع الأربعة، كالرواية الأخرى عن أحمد، ويروى عن مالك. والثالث: أن الواجب قطع ثلاثة، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ومالك فيما نقله أصحابه، وهو قول في مذهب أحمد؛ لكن مالك يعتبر قطع الحلقوم والودجين دون المريء. وأبو حنيفة مع صاحبه مع قولين: أحدهما: يعتبر قطع ثلاثة من الأربعة سواء كان فيها الحلقوم أو لم يكن، وهو القول المشهور في مذهب أحمد، فإذا قطع ودجيه وبلعومه جرح أو لم يقطع الحلقوم، يجيء فيه نزاع على ما تقدم، والأظهر حله (١) . ويقطع الحلقوم والمريء والودجان والأقوى إن قطع ثلاثة من الأربع يبيح سواء كان فيها الحلقوم أو لم يكن فإن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم، وأبلغ في إنهار الدم (٢) . باب الصيد والصيد للحاجة فإنه جائز. وأما الصيد الذي هو للهو واللعب فمكروه، فإن كان فيه تعد على زرع الناس، وأموالهم فهو حرام (٣) . وقد روي عن عثمان ﵁: أنه نهى عن الرمي بالجلاهق، وهي البندق.

стр. 1113

والمقتول بالبندق حرام باتفاق المسلمين، وأن أدرك حيا وذكى فحلال (١) . وإذا جرح الصيد فغاب وليس فيه إلا سهمه فإنه يحل له على الصحيح من أقوالهم وبه أفتى رسول الله ﷺ لما سأله عدي بن حاتم: "إن نرمي الصيد فنقتفي أثره اليومين والثلاثة، ثم نجده ميتا وفيه سهمه؟ فقال: إن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل" وفي حديث أبي ثعلبة الخشني: "إذا رميت بسهمك فغاب ثلاثة أيام وأدركته فكل ما لم ينتن" فهذان الحديثان الصحيحان، الأول في البخاري والثاني في مسلم عليهما اعتمد العلماء، فإن كلاهما أفتى به النبي ﷺ ، ومن أفتى بغير ذلك فلم يبلغه الحديث، وأما إذا أنتن فيكره أكله (٢) . والتحقيق أن المرجع في تعليم الفهد إلى أهل الخبرة، فإن قالوا: إنه من جنس تعليم الصقر بالأكل ألحق به، وإن قالوا: إنه تعلم بترك الأكل كالكلب ألحق به. وإذا أكل الكلب بعد تعلمه لم يحرم ما تقدم من صيده، ولم يبح ما أكل منه (٣) . وما أكل منه الكلب لا يؤكل في أصح قولي العلماء، ولا يحرم على ما تقدم في أصح قولي العلماء أيضًا (٤) .

стр. 1114

كتاب الأيمان قال شيخنا: الأحكام تتعلق بما أراده الناس بالألفاظ الملحونة، كقوله: حلفت بالله رفعا ونصبا، والله باصوم، أو باصلي ونحوه، وكقول الكافر: أشهد أن محمدا رسول الله برفع الأول ونصب الثاني، وأوصيت لزيدٍ بمائة وأعتقت سالم، ونحو ذلك، وأن من رام جعل الناس كلهم في لفظ واحد بحسب عادة قوم بعينهم فقد رام ما لا يمكن عقلا ولا يصلح شرعا (١) . الحالف لا بد له من شيئين: من كراهة الشرط وكراهة الجزاء عند الشرط، ومن لم يكن كذلك لم يكن حالفا، سواء كان قصده الحظ والمنع، أو لم يكن (٢) . قال أصحابنا: فإن حلف باسم من أسماء الله تعالى التي قد يسمى بها غيره وإطلاقه ينصرف إلى الله تعالى فهو يمين إن نوى به الله أو أطلق، وإن نوى غيره فليس بيمين. قال أبو العباس: هذا من التأويل: لأنه نوى خلاف الظاهر، فإذا كان ظالما لم تنفعه وتنفع المظلوم. وفي غيرهما وجهان: إذ الكلام المحلوف به كالمحلوف عليه.

стр. 1115

وأظن أن كلام أحمد في المحلوف به أيضا (١) . قال في المحرر: فإن قال: اسم الله مرفوعا، مع الواو أو عدمه أو منصوبا مع الواو، ويعني في القسم باسم، فهو يمين، إلا أن يكون من أهل العربية ولا يريد اليمين. قال أبو العباس: يتوجه فيمن يعرف العربية إذا أطلق وجهان، كما جاء في الحاسب والنحوي في الطلاق، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة في اثنين. ويتوجه أن هذا يمين بكل حال، لأن ربطه جملة القسم بالقسم يوجب في اللغة أن يكون يمينا، لأنه لحن لحنا لا يحيل المعنى: بخلاف مسألة الطلاق (٢) . ويحرم الحلف بغير الله تعالى، وهو ظاهر المذهب، وعن ابن مسعود وغيره، لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا، قال أبو العباس: لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك (٣) . ولو حلف لا يغدر فغدر، كفر للقسم لا لغدره مع أن الكفارة لا ترفع إثمه (٤) . واختلف كلام أبي العباس في الحلف بالطلاق، فاختار في موضع التحريم وتعزيره وهو قول مالك ووجه لنا، واختار في موضع آخر، أنه لا يكره وأنه قول غير واحد من أصحابنا، لأنه لم يحلف بمخلوق، ولم يلتزم لغير الله شيئا، وإنما التزم لله كما يلتزم بالنذر، والالتزام لله.

стр. 1116

أبلغ من الالتزام به، بدليل النذر له، واليمين به، ولهذا لم تنكر الصحابة على من حلف بذلك كما أنكروا على من حلف بالكعبة (١) . ولو قال: علي لأفعلن، فيمين، لأن هذه لام القسم، فلا تذكر إلا معه مظهرا أو مقدرا (٢) . قال في المحرر: وإن عقدها يظن صدق نفسه فبان بخلافة فهو كمن حلف على عدم فعل شيء في المستقبل ففعله ناسيا، قال أبو العباس: وهذا ذهول، لأن أبا حنيفة ومالكا يحنثان الناسي ولا يحنثان هذا، لأن تلك اليمين انعقدت بلا شك، وهذه لم تنعقد، ولم يقل أحد: إن اليمين على شيء تغيره عن صفته بحيث توجب إيجابا أو تحرم حريما لا ترفعه الكفارة (٣) . ولو حلف ليتزوجن على امرأته، المنصوص عن أحمد: لا يبر حتى يتزوج ويدخل بها ولا يشترط مما ثلتها (٤) . واختار شيخنا فيمن حلف بعتق أو طلاق وحنث يخير بين أن يوقعه أو يكفر كحلفه بالله ليوقعنه، وذكر أن الطلاق يلزمني ونحوه، حلف باتفاق العقلاء والأمم والفقهاء، وخرجه على نصوص لأحمد (٥) . قال في المحرر: وإن قال: أيمان البيعة لازمة لي، أو لم تلزم لي إن فعلت كذا، فهذه يمين رتبها الحجاج الثقفي تتضمن اليمين بالله تعالى وبالطلاق وبالعتاق وصدقة المال، فإن عرفها الحالف ونواها انعقدت يمينه بما فيها وإلا فلا.

стр. 1117

وقيل: تنعقد إذا نواها ولم يعرفها. وقيل: لا تنعقد الأيمان بالله إلا بشرط النية. قال أبو العباس: قياس أيمان المسلمين تلزمني: أنه إذا عرف أيمان البيعة انعقدت بلا نية، ويتوجه أيضا أنها تلزمه بكل حال وإن لم يعرفها وهو مقتضى قول الخرقي وابن بطة. ثم قال صاحب المحرر: ولو قال: أيمان المسلمين تلزمني إن فعلت كذا لزمه يمين الظهار والطلاق والعتاق، والنذر واليمين بالله، نوى ذلك أو لم ينو ذكره القاضي. وقيل: لا يتناول اليمين بالله تعالى، قال أبو العباس: قياس أيمان البيعة تلزمني ألا تنعقد أيمان المسلمين تلزمني إلا بالنية، وجمع المسلمين كما ذكر صاحب المحرر كأنه من طريقين (١) . وأيمان المسلمين: يلزمه عتق وطلاق وظهار ويمين بالله بنية ذلك، ففي اليمين بالله وجهان، ويتوجه في جاهل ما تقدم، وألزم القاضي الحالف بالكل ولو لم ينو، ومن حلف بأحدها فقال آخر يميني في يمينك أو عليها أو مثلها ينوي التزام مثلها لزمه، نص عليه في طلاق، وفي المكفرة الوجهان، قال شيخنا: وكذا أنا معك ينوي في يمينه (٢) . ولو قال: أنا بريء من رسول الله ﷺ إن كلمته، فحنث، فعليه كفارة يمين (٣) . ولا يلزمه إبرار قسم في الأصح، كإجابة سؤال بالله، وقال شيخنا: إنما يجب على معين، فلا تجب إجابة سائل يقسم على الناس (٤) .

стр. 1118

ولا يجوز التعريض لغير ظالم، وهو قول بعض العلماء، كما لظالم بلا حاجة، ولأنه تدليس كالتدليس في المبيع، وقد كره أحمد التدليس، وقال: لا يعجبني ونصه: لا يجوز التعريض مع اليمين (١) . شمل قوله: (وإن لم يكن ظالما فله تأويله) أنه لو لم يكن ظالما ولا مظلوما ينفعه تأويله. وقيل: لا ينفعه تأويله والحالة هذه حكاه الشيخ تقي الدين وقال: ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ المنع من اليمين به (٢) . ومن كرر أيمانا قبل التكفير فروايات ثالثها وهو الصحيح إن كانت على فعل فكفارة وإلا فكفارتان، ومثل ذلك الحلف بنذور مكفرة وطلاق مكفر (٣) . ... وجه تكفير العبد بالمال مع القول بانتفاء ملكه له مأخذان أحدهما: أن تكفيره بالمال إنما هو تبرع له من السيد وإباحة.. والثاني: أن العبد ثبت له ملك قاصر بحسب حاجته إليه، وإن لم يثبت له الملك المطلق التام، فيجوز أن يثبت له في المال المكفر به ملك يبيح له التكفير بالمال دون بيعه وهبته، كما أثبتنا له في الأمة ملكا قاصرا أبيح له به التسري بها دون بيعها وهبتها، وهذا اختيارا الشيخ تقي الدين (٤) . باب النذور النذر مكروه، وقال الناظم: ليس بسنة ولا محرم، وتوقف الشيخ

стр. 1119

تقي الدين في تحريمه (١) . توقف أبو العباس في تحريمه: وحرمه طائفة من أهل الحديث (٢) . والعهود والعقود متقاربة المعنى أو متفقة، فإذا قال: أعاهد الله أني أحج العام، فهو نذر وعهد ويمين. وإن قال: لا أكلم زيدا فيمين وعهد، لا نذر، فالأيمان إن تضمنت معنى النذر وهو أن يلتزم لله قربة لزمه الوفاء بها، فهي عقد وعهد ومعاهدة لله، لأنه التزم لله ما يطلبه الله منه، وإن تضمنت معنى العقود التي بين الناس وهو أن يلتزم كل من المتعاقدين للآخر ما اتفقا عليه فمعاقدة ومعاهدة يلزم الوفاء بها إن كان العقد لازما، وإن لم يكن لازما خير، وهذه أيمان بنص القرآن ولم يعرض لها ما يحل عقدتها إجماعا (٣) . ومن نذر صوم الدهر أو صوم يوم الخميس والاثنين فله صوم يوم وإفطار يوم كالمكان (٤) . وأما صوم رجب وشعبان: ففيه نزاع في مذهب أحمد وغيره، قيل: هو مشروع فيجب الوفاء به، وقيل: بل يكره فيفطر بعض رجب (٥) . قال: ونذره لغير الله تعالى كنذره لشخص معين حي للاستعانة وقضاء الحاجة منه كحلفه بغيره، وقال غيره: هو نذر معصية وقاله شيخنا أيضا (٦) .

стр. 1120

ومن أسرج بئرا أو مقبرة أو جبلا أو شجرة أو نذر لها أو لسكانها أو العاكفين عند ذلك المكان لم يجز، ولا يجوز الوفاء به إجماعا، ويصرف في المصالح ما لم يعلم ربه، ومن الجائز صرفه في نظيره من المشروع، وفي لزوم الكفارة خلاف. ومن نذر قنديلا يوقد للنبي ﷺ صرفت قيمته لجيرانه الساكنين بمدينته ﵊ وهو أفضل من الختمة (١) . ولو قال: إن فعلت كذا فعلي ذبح ولدي أو معصية غير ذلك أو نحوه وقصد اليمين فيمين، وإلا فنذر معصية، فيذبح في مسألة الذبح كبشا، ولو فعل المعصية لم تسقط عنه الكفارة ولو في اليمين (٢) . قوله: إلا إذا نذر ذبح ولده، ففيه روايتان، وعنه إن قال: إن فعلته فعلي كذا أو نحوه قصد اليمين فيمين وإلا فنذر معصية فيذبح في مسألة الذبح كبشا اختاره الشيخ تقي الدين، قال: وعليه أكثر نصوصه قال: وهو مبني على الفرق بين النذر واليمين، قال: ولو نذر طاعة حالفا بها أجزأ كفارة يمين بلا خلاف عن الإمام أحمد، فكيف لا يجزئه إذا نذر معصية حالفا بها (٣) . قال أصحابنا: إذا نذر صوم يوم يقدم فلان، فقدم ليلة لم يلزمه شيء، قال أبو العباس: ولو قيل: يلزمه كفارة يمين كما لو نذر صوم الليل وأيام الحيض أو القضاء مع ذلك أو بدونه لتوجه (٤) . ولو نذر الصلاة في وقت النهي أو صوم أيام التشريق لم يجز، وإن كان يفعل فيها الوجه الشرعي، بل الواجب عليه فعل الصلاة في

стр. 1121

وقتها وفعل الصوم في أيام العشر، فإن لم يفعل قضاه على سبيل البدل للضرورة، وما وجب للضرورة لا يجوز أن يجب مثله بالنذر (١) . ولو نذر الصلاة في وقت النهي ففي صحتها لكونه يفعل فيهما الوجهان، في مذهب الشافعي وأحمد، والصواب أنه لا يصح (٢) . وأما إن نذر للمسلمين ولم يعرف صاحبه فإنه يصرف في مصالح المسلمين (٣) . ومن نذر أن يهب فلانا شيئا لم يحصل الوفاء إلا بقبض الهبة، فإن قبلها فلا كلام، وإن لم يقبلها فلا شيء على الواهب، كما لو حلف ليهبن فلانا فلم يقبل، فإن أصحابنا وغيرهم قالوا: إذا حلف لا يهب ولا يتصدق ففعل ولم يقبل الموهوب له لم يحنث، فهذا في النفي، وأما في الإثبات فإذا حلف لا يهب، فإما أن يجري مجرى الإثبات، أو يقال: يحمل على الإجمال، كما يفرق في لفظ النكاح وغيره بين النفي والإثبات، وقد قالوا في الطلاق، إذا وهب امرأته أهلها فلم يقبلوها لم يقع شيء، وفيه نظر، وكما لو نذر عتق عبد معين فمات؛ لأن مستحق النذر إذا كان ميتا لم يستحقه غيره (٤) . ومن نذر صوما معينا فله الانتقال إلى زمن أفضل منه (٥) . واستحب أحمد لمن نذر الحج مفردا أو قارنا أن يتمتع لأنه أفضل، لأمر النبي أصحابه بذلك في حجة الوداع (٦) .

стр. 1122

ومن نذر صوما مشروعا وعجز لكبر أو مرض لا يرجى برؤه كان له أن يفطر ويكفر كفارة يمين، أو يطعم عن كل يوم مسكينا، أو يجمع بين الأمرين على ثلاثة أقوال لأحمد وغيره، أحوطها الثالث. وإن كان عجزه لمرض يجرى برؤه فإنه يفطر ويقضي بدل ما أفطر، وهل عليه كفارة يمين؟ فيه نزاع لأحمد وغيره، وإن كان يمكنه الصوم لكن يضعفه عن واجب مثل الكسب الواجب فله أن يفطر، ثم إذا أمكنه القضاء قضى وإلا فهو كالشيخ الكبير (١) . ومن نذر صوم يوم معين أبدا ثم جهله، أفتى بعض العلماء بصيام الأسبوع. قال أبو العباس: بل يصوم يوما من الأيام مطلقا أي يوم كان، وهل عليه كفارة يمين لفوات التعيين؟ يخرج على روايتين بخلاف الصلوات الخمس فإنها لا تجزئ إلا بتعيين النية على المشهور، والتعيين يسقط بالعذر إلى كفارة أو على غير كفارة، كالتعيين في رمضان، والواجبات غير الصلوات أيضا (٢) . قال في المحرر: ومن نذر صوم سنة بعينها لم يتناول شهر رمضان ولا أيام النهي عن صوم الفرض فيها، وعنه: يتناولها فيقضيها وفي الكفارة وجهان، وعنه: يتناول أيام النهي دون أيام رمضان، قال أبو العباس: الصواب أنه يتناول رمضان ولا قضاء عليه إذا صامها لأنه نذر صوما واجبا وغير واجب، بخلاف أيام النهي، وهذا القول غير الثلاثة المذكورة، وإنما تجيء الرواية الثالثة على قول من لا يصحح نذر الواجب استغناء بإيجاب الشارع، وأما قضاؤها مع صومها فبعيد، لأن النذر لم يقتض صوما آخر كمسألة قدوم زيد (٣) .

стр. 1123

وقول القائل: لئن ابتلاني الله لأصبرن، ولئن لقيت عدوا لأجاهدن، ولو علمت أعمل أحب إلى الله لعملته، فهو نذر معلق بشرط كقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [٧٥/٩] الآية (١) . ولو نذر الطواف على أربع: طاف طوافين وهو المنصوص عن أحمد، ونقل عن ابن عباس (٢) قال شيخنا: هذا بدل واجب (٣) . قال أصحابنا: ومن نذر المشي إلى بيت الله تعالى أو موضع من الحرم لزمه أن يمشي في حج وعمرة، فإن ترك المشي وركب لعذر أو غيره يلزمه كفارة يمين، وعنه: دم قال أبو العباس: أما لغير عذر فالمتوجه لزوم الإعادة كما لو قطع التتابع في الصوم المشروط فيه التتابع أو يتخرج لزوم الكفارة، والأقوى في جميع ما تقدم أنه لا يلزمه مع البدل عن عين الفعل كفارة، لأن البدل قائم مقام المبدل (٤) . ومن نذر من يستحب له الصدقة بماله بقصد القربة نص عليه أجزأه ثلثه، وعنه كله. قال في الروضة: ليس لنا في نذر الطاعة ما يفي ببعضه إلا هذا الموضع، وعلله غير واحد بأنه تكره الصدقة بكله، واحتجوا للثانية بالخبر: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" وعنه يشمل النقد فقط، ويتوجه على اختيار شيخنا كل بحسب عزمه، ونص عليه أحمد (٥) . فنقل الأثرم فيمن نذر ماله في المساكين أيكون الثلث من

стр. 1124

الصامت أو من جميع ما يملك؟ قال: إنما يكون هذا على قدر ما نوى، أو على قدر مخرج يمينه، والأمور تختلف عندي (١) . والصواب على أصلنا أن يقال مثل هذا في جميع العبادات والكفارات بل وسائر الواجبات التي هي من جنس الجائز: أنه يجوز تقديمها إذا وجد سبب الوجوب ولا يتقدم على سببه. فعلى هذا إذا قال: إن شفى الله مريضي فله علي صوم شهر، فله تعجيل الصوم قبل الشفاء لوجود النذر (٢) . ويلزم الوفاء بالوعد، وهو وجه في مذهب أحمد، ويخرج رواية عنه من تعجيل العارية والصلح على عوض المتلف بمؤجل (٣) . وإن نذر أن يهب بر بالإيجاب ليمينه، وقد يحمل على الكمال (٤) .

стр. 1125

الإفتاء (١) قال ابن القيم ﵀: حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك، وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: "يا معلم إبراهيم علمني" ويكثر الاستعانة بذلك اقتداء بمعاذ بن جبل ﵁ حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته وقد رآه يبكي، فقال: والله ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال معاذ بن جبل ﵁: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما. اطلب العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذكر الرابع، فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز، فعليك بمعلم إبراهيم (٢) . قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخنا ﵀ يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنيفة فقال: أستشيرك في أمرك، قلت: ما هو؟ قال:
следующие страницы →