← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقتها وفعل الصوم في أيام العشر، فإن لم يفعل قضاه على سبيل البدل للضرورة، وما وجب للضرورة لا يجوز أن يجب مثله بالنذر (١) . ولو نذر الصلاة في وقت النهي ففي صحتها لكونه يفعل فيهما الوجهان، في مذهب الشافعي وأحمد، والصواب أنه لا يصح (٢) . وأما إن نذر للمسلمين ولم يعرف صاحبه فإنه يصرف في مصالح المسلمين (٣) . ومن نذر أن يهب فلانا شيئا لم يحصل الوفاء إلا بقبض الهبة، فإن قبلها فلا كلام، وإن لم يقبلها فلا شيء على الواهب، كما لو حلف ليهبن فلانا فلم يقبل، فإن أصحابنا وغيرهم قالوا: إذا حلف لا يهب ولا يتصدق ففعل ولم يقبل الموهوب له لم يحنث، فهذا في النفي، وأما في الإثبات فإذا حلف لا يهب، فإما أن يجري مجرى الإثبات، أو يقال: يحمل على الإجمال، كما يفرق في لفظ النكاح وغيره بين النفي والإثبات، وقد قالوا في الطلاق، إذا وهب امرأته أهلها فلم يقبلوها لم يقع شيء، وفيه نظر، وكما لو نذر عتق عبد معين فمات؛ لأن مستحق النذر إذا كان ميتا لم يستحقه غيره (٤) . ومن نذر صوما معينا فله الانتقال إلى زمن أفضل منه (٥) . واستحب أحمد لمن نذر الحج مفردا أو قارنا أن يتمتع لأنه أفضل، لأمر النبي أصحابه بذلك في حجة الوداع (٦) .

стр. 1122

ومن نذر صوما مشروعا وعجز لكبر أو مرض لا يرجى برؤه كان له أن يفطر ويكفر كفارة يمين، أو يطعم عن كل يوم مسكينا، أو يجمع بين الأمرين على ثلاثة أقوال لأحمد وغيره، أحوطها الثالث. وإن كان عجزه لمرض يجرى برؤه فإنه يفطر ويقضي بدل ما أفطر، وهل عليه كفارة يمين؟ فيه نزاع لأحمد وغيره، وإن كان يمكنه الصوم لكن يضعفه عن واجب مثل الكسب الواجب فله أن يفطر، ثم إذا أمكنه القضاء قضى وإلا فهو كالشيخ الكبير (١) . ومن نذر صوم يوم معين أبدا ثم جهله، أفتى بعض العلماء بصيام الأسبوع. قال أبو العباس: بل يصوم يوما من الأيام مطلقا أي يوم كان، وهل عليه كفارة يمين لفوات التعيين؟ يخرج على روايتين بخلاف الصلوات الخمس فإنها لا تجزئ إلا بتعيين النية على المشهور، والتعيين يسقط بالعذر إلى كفارة أو على غير كفارة، كالتعيين في رمضان، والواجبات غير الصلوات أيضا (٢) . قال في المحرر: ومن نذر صوم سنة بعينها لم يتناول شهر رمضان ولا أيام النهي عن صوم الفرض فيها، وعنه: يتناولها فيقضيها وفي الكفارة وجهان، وعنه: يتناول أيام النهي دون أيام رمضان، قال أبو العباس: الصواب أنه يتناول رمضان ولا قضاء عليه إذا صامها لأنه نذر صوما واجبا وغير واجب، بخلاف أيام النهي، وهذا القول غير الثلاثة المذكورة، وإنما تجيء الرواية الثالثة على قول من لا يصحح نذر الواجب استغناء بإيجاب الشارع، وأما قضاؤها مع صومها فبعيد، لأن النذر لم يقتض صوما آخر كمسألة قدوم زيد (٣) .

стр. 1123

وقول القائل: لئن ابتلاني الله لأصبرن، ولئن لقيت عدوا لأجاهدن، ولو علمت أعمل أحب إلى الله لعملته، فهو نذر معلق بشرط كقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [٧٥/٩] الآية (١) . ولو نذر الطواف على أربع: طاف طوافين وهو المنصوص عن أحمد، ونقل عن ابن عباس (٢) قال شيخنا: هذا بدل واجب (٣) . قال أصحابنا: ومن نذر المشي إلى بيت الله تعالى أو موضع من الحرم لزمه أن يمشي في حج وعمرة، فإن ترك المشي وركب لعذر أو غيره يلزمه كفارة يمين، وعنه: دم قال أبو العباس: أما لغير عذر فالمتوجه لزوم الإعادة كما لو قطع التتابع في الصوم المشروط فيه التتابع أو يتخرج لزوم الكفارة، والأقوى في جميع ما تقدم أنه لا يلزمه مع البدل عن عين الفعل كفارة، لأن البدل قائم مقام المبدل (٤) . ومن نذر من يستحب له الصدقة بماله بقصد القربة نص عليه أجزأه ثلثه، وعنه كله. قال في الروضة: ليس لنا في نذر الطاعة ما يفي ببعضه إلا هذا الموضع، وعلله غير واحد بأنه تكره الصدقة بكله، واحتجوا للثانية بالخبر: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" وعنه يشمل النقد فقط، ويتوجه على اختيار شيخنا كل بحسب عزمه، ونص عليه أحمد (٥) . فنقل الأثرم فيمن نذر ماله في المساكين أيكون الثلث من

стр. 1124

الصامت أو من جميع ما يملك؟ قال: إنما يكون هذا على قدر ما نوى، أو على قدر مخرج يمينه، والأمور تختلف عندي (١) . والصواب على أصلنا أن يقال مثل هذا في جميع العبادات والكفارات بل وسائر الواجبات التي هي من جنس الجائز: أنه يجوز تقديمها إذا وجد سبب الوجوب ولا يتقدم على سببه. فعلى هذا إذا قال: إن شفى الله مريضي فله علي صوم شهر، فله تعجيل الصوم قبل الشفاء لوجود النذر (٢) . ويلزم الوفاء بالوعد، وهو وجه في مذهب أحمد، ويخرج رواية عنه من تعجيل العارية والصلح على عوض المتلف بمؤجل (٣) . وإن نذر أن يهب بر بالإيجاب ليمينه، وقد يحمل على الكمال (٤) .

стр. 1125

الإفتاء (١) قال ابن القيم ﵀: حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك، وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: "يا معلم إبراهيم علمني" ويكثر الاستعانة بذلك اقتداء بمعاذ بن جبل ﵁ حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته وقد رآه يبكي، فقال: والله ما أبكي على دنيا كنت أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال معاذ بن جبل ﵁: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما. اطلب العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذكر الرابع، فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز، فعليك بمعلم إبراهيم (٢) . قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخنا ﵀ يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنيفة فقال: أستشيرك في أمرك، قلت: ما هو؟ قال:

стр. 1126

أريد أن انتقل عن مذهبي، قلت له: ولم؟ قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرا تخالفه، واستشرت في هذا بعض أئمة أصحاب الشافعي، فقال لي: لو رجعت عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب، ورجوعك غير مفيد، وأشار علي بعض أصحاب التصوف بالافتقار إلى الله والتضرع إليه، وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه فماذا تشير به أنت علي؟ قال: فقلت له: اجعل المذهب ثلاثة أقسام: قسم الحق فيه ظاهر بين موافق للكتاب والسنة فاقض به، وافت به طيب النفس، منشرح الصدر وقسم مرجوح ومخالفه مع الدليل، فلا تفت به، ولا تحكم به، وادفعه عنك، وقسم من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة، فإن شئت أن تفتي به، وإن شئت أن تدفعه عنك، فقال: جزاك الله خيرا، أو كما قال (١) . قال ابن القيم ﵀ في دلالة العالم للمستفتي على غيره: وهو موضع خطر جدا، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك فإنه متسبب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه، أو القول عليه بغير علم فهو معين على الإثم والعدوان، وإما معين على البر والتقوى، فلينظر الإنسان إلى من يدل عليه وليتق الله ربه. فكان شيخنا قدس الله روحه شديد التجنب لذلك، ودللت مرة بحضرته على مفت أو مذهب فانتهزني وقال: ما لك وله؟ دعه، ففهمت من كلامه أنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه (٢) . وسمعت شيخنا رحمه الله تعالى يقول: حضرت عقد مجلس عند نائب السلطان في وقف أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين فقرأ

стр. 1127

جوابه الموافق للحق، فأخرج بعض الحاضرين جوابه الأول، وقال: هذا جوابك بضد هذا، فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة؟ فوجم الحاكم، فقلت: هذا من علمه ودينه أفتى أولاً بشيء ثم تبين له الصواب فرجع إليه، كما يفتي إمامه بقول ثم يتبين له خلافه فيرجع إليه، ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه، وكذلك سائر الأئمة، فسر القاضي بذلك وسري عنه (١) . وقال شيخنا مرة: أنا مخير بين إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدين بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إلي، بخلاف من سأل عن دينه، وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ في حق من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه لا لالتزامه لدينه ﷺ من أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [٤٢/٥] فهؤلاء لما لم يلتزموا لدينه لم يلزمه الحكم بينهم والله تعالى أعلم (٢) . وسمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسا فيه القضاة وغيرهم فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر. فقلت له: ما هذه الحكومة؟ قال: هذا حكم الله فقلت له: صار قول زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة قل: هذا حكم زفر، ولا تقل: هذا حكم الله، أو نحو هذا من الكلام (٣) . قال ابن القيم ﵀: من أفتى الناس وليس بأهل الفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضا، وكان شيخنا ﵁ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي

стр. 1128

بعض هؤلاء: أجعلت محتسبا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب (١) . قال ابن القيم ﵀: وكان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى، وهو مقدم في مذهبه، وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى، فيكتب، يجوز كذا، أو يصح كذا، أو ينعقد بشرطه فأرسل إليه يقول له: تأتينا فتاوى منك فيها يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه، ونحن لا نعلم شرطه فإما أن تبين شرطه وإما ألا تكتب ذلك. وسمعت شيخنا يقول: كل أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط؛ فإن أي مسألة وردت عليه يكتب فيها، يجوز بشرطه، أو يصح بشرطه أو يقبل بشرطه، ونحو ذلك، وهذا ليس بعلم ولا يفيد فائدة أصلا سوى حيرة السائل وتنكدة (٢) (٣) . قال ابن القيم ﵀: ولا يجوز له أن يفتي نفسه بالرخصة وغيره بالمنع، ولا يجوز له إذا كان في المسألة قولان: قول بالجواز، وقول بالمنع أن يختار لنفسه قول الجواز ولغيره قول المنع. وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه: يكون عندهم في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: الجواز، والثاني: المنع، والثالث: التفصيل، فالجواز لهم، والمنع لغيرهم، وعليه العمل (٤) . وظاهر نقل عبد الله يفتي غير مجتهد، ذكره القاضي، وحمله شيخنا على الحاجة (٥) .

стр. 1129

ويقلد العامي من ظنه عالما، فإن جهل عدالته فوجهان، وميتا في الأصح، والعامي يخبر فقط، فيقول: مذهب فلان كذا، ذكره ابن عقيل وغيره، وكذا قال شيخنا: الناظر المجرد يكون حاكيا لما رآه، لا مفتيا (١) . وله رد الفتيا إذا كان بالبلد قائم مقامه، وإلا لم يجز، وإن كان معروفا عند العامة بالفتيا وهو جاهل تعين الجواب على العالم، وقال شيخنا: الأظهر لا يجب في التي قبلها (٢) . فائدة: يحرم الحكم والفتيا بالهوى إجماعًا، وبقول أو وجه من غير نظر في الترجيح إجماعًا، ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له أو عليه إجماعًا، قاله الشيخ تقي الدين ﵀ (٣) .

стр. 1130

كتاب القضاء والواجب اتخاذ ولاية القضاء دينا وقربة، فإنها من أفضل القربات، وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرئاسة والمال بها، ومن فعل ما يمكنه لم يلزمه ما يعجز عنه (١) . والولاية لها ركنان، القوة والأمانة، فالقوة في الحكم ترجع إلى العلم والعدل في تنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى (٢) . وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى وبقول أو وجه من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعا (٣) . وأما سؤال الولاية فقد ذمه النبي ﷺ ، وأما سؤال يوسف قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [٥٥/١٢] فلأنه كان طريقا إلى أن يدعوهم إلى الله، ويعدل بين الناس، ويرفع عنهم الظلم، ويفعل من الخير ما لم يكونوا يفعلوه، مع أنهم لم يكونوا يعرفون حاله، وقد علم بتأويل الرؤيا ما يئول إليه حال الناس، ففي هذه الأحوال ونحوها ما يوجب الفرق بين مثل هذه الحال وبين ما نهى عنه. وأيضا: فليست هذه إمارة محضة إنما هي أمانة، وقد يقال: هذا شرع من قبلنا.

стр. 1131

وقد تنازع العلماء في سؤال الإنسان القضاء ونحوه، فقال أكثرهم: يكره وإن كان صالحا له، وهذا مذهب مالك وأحمد وغيرهما، وقال بعضهم، ينبغي أن يسأل إذا كان متعينا له، وربما قيل: إذا كانت ولايته أفضل له، وأما الإمام فينبغي ألا يولي من سأل الولاية إذا أمكن أن يولي المستحق بغير سؤال. ونهيه لأبي ذر عن تولي الحكم وترك الولاية على مال اليتيم لما رآه ضعيفا لا أنه نهاه مطلقا (١) . ومن باشر القضاء مع عدم الأهلية المسوغة للولاية وأصر على ذلك عاملا بالجهل والظلم فهو فاسق، ولا يجوز أن يولى خطبة ولا تنفذ أحكامه ولا عقوده كما تنفذ أحكام العالم العادل؛ بل من العلماء من يردها كلها، وهو قول أكثر أصحاب الشافعي وأحمد، ومن العلماء من ينفذ ما وافق الحق لمسيس الحاجة، ولما يلحق الناس من الضرر، والحق يجب اتباعه سواء قام به البر والفاجر، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة ومالك وطائفة من أصحاب أحمد وهو الراجح (٢) . ويشترط في القاضي أن يكون ورعا. والحاكم فيه ثلاث صفات، فمن جهة الإثبات هو شاهد، ومن جهة الأمر والنهي هو مفتي، ومن جهة الإلزام بذلك هو ذو سلطان. وأقل ما يشترط فيه صفات الشاهد، لأنه لا بد أن يحكم بعدل، ولا يجوز الاستفتاء إلا ممن يفتي بعلم وعدل. وشروط القضاء تعتبر حسب الإمكان.

стр. 1132

ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولى لعدم أنفع الفاسقين وأقلهما شرا، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد، وإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قدم فيها قد يظهر حكمه ويخاف الهوى فيه الأورع، وفيما ندر حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم. ومن أكثر من سبر أهل العلم من المتوسطين (١) إذا نظر وتأمل أدلة الفريقين بقصد حسن ونظر تام: ترجح عنده أحدهما: لكن قد لا يثق بنظره يحتمل أن عنده ما لا يعرف جوابه فالواجب على مثل هذا موافقته للقول الذي ترجح عنده بلا دعوى منه للاجتهاد كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة إذا ترجح عنده أحدهما قلده، والدليل الخاص الذي يرجح به قول على قول أولى بالاتباع من دليل عام على أن أحدهما أعلم وأدين، وعلم الناس (٢) بترجيح قول على قول أيسر من علم أحدهم بأن أحدهما أعلم وأدين، لأن الحق واحد ولا بد. ويجب أن ينصب الله على الحق دليلا. وأدلة الأحكام من الكتب والسنة والإجماع وما تكلم الصحابة والعلماء به إلى اليوم بقصد حسن؛ بخلاف الإمامية. وقال أبو العباس: النبيه إذا سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الجملة عنده ما يعرف به رجحان القول. وليس لحاكم وغيره أن يبتدأ الناس بقهرهم على ترك ما يسوغ وإلزامهم برأيه واعتقاده اتفاقا، ولو جاز هذا لجاز لغيره مثله، وأفضى إلى التفرق والاختلاف (٣) .

стр. 1133

قال شيخنا: قال بعض العلماء: إذا لم يوجد إلا فاسق عالم أو جاهل دين قدم ما الحاجة إليه أكثر إذن (١) . قال في المحرر وغيره: ويشترط في القاضي عشر صفات. قال أبو العباس: إنما اشترطت هذه الصفات فيمن يولى، لا فيمن يحكمه الخصمان. وذكر القاضي: أن الأعمى لا يجوز قضاؤه، وذكر محل وفاق، قال: وعلى أنه لا يمتنع أن يقول إذا تحاكما إليه ورضيا به جاز حكمه. قال أبو العباس: هذا الوجه قياس المذهب، كما يجوز شهادة الأعمى؛ إذ لا يعوزه إلا معرفة عين الخصم، ويتوجه أن يصح مطلقا ويعرف بأعيان الشهود والخصوم، كما يعرف بمعاني كلامهم في الترجمة؛ إذ معرفة كلامه وعينه سواء، وكما يجوز أن يقضي على غائب باسمه ونسبه. وأصحابنا قاسوا شهادة الأعمى على الشهادة على الغائب والميت، وأكثر ما في الموضعين عند الرؤية والحكم لا يفتقر إلى الرؤية، بل هذا في الحاكم أوسع منه في الشاهد، بدليل الترجمة، والتعريف بالحكم دون الشهادة، وما به يحكم أوسع مما به يشهد. ولا تشترط الحرية في الحاكم، واختاره أبو الخطاب وابن عقيل. قال القاضي في التعليق: وعلى أن الحدود تدخل في ولاية القضاء فمن لا يصلح لبعض ما تضمنته الولاية لا يصلح لشيء منها، ولا تنعقد الولاية له. قال أبو العباس: وكلام أحمد في تزويج الدهقان وتزويج الوالي صاحب الحسير يخالف هذا (٢) .

стр. 1134

وولاية القضاء يجوز تبعيضها ولا يجب أن يكون عالما بما في ولايته، فإن منصب الاجتهاد ينقسم، حتى لو ولاه في المواريث لم يجب أن يعرف إلا الفرائض والوصايا وما يتعلق بذلك. وإن ولاه عقد الأنكحة وفسخها لم يجب أن يعرف إلا ذلك. وعلى هذا فقضاة الأطراف يجوز أن لا يقضوا في الأمور الكبار والدماء والقضايا المشكلة. وعلى هذا فلو قال: اقض فيما تعلم، كما يقول له، أفت فيما تعلم جاز، ويبقى ما لا يعلم خارجا عن ولايته، كما يقول في الحاكم الذي ينزل على حكمه الكفار، وفي الحكمين في جزاء الصيد (١) . وقال شيخنا: ما يستفيده بالولاية لا حد له شرعا، بل يتلقى من اللفظ والأحوال والعرف (٢) . قال في المحرر: ويجوز أن يولي قاضيين في بلد واحد، وقيل: إن ولاهما فيه عملا واحدا لم يجز. قال أبو العباس: تولية قاضيين في بلد واحد: إما أن يكون على سبيل الاجتماع بحيث ليس لأحدهما الانفراد كالوصيين والوكيلين وإما على طريق الانفراد، أما الأول فليس هو مسألة الكتاب ولا مانع منه إذا كان فوقهما من يرد مواضع تنازعهما، وأما الثاني فهو مسألة الكتاب. وتثبت ولاية القضاء بالأخبار، وقصة ولاية عمر بن عبد العزيز هكذا كانت (٣) .

стр. 1135

والوكالة يصح قبولها على الفور والتراخي بالقول والفعل، والولاية نوع منها. قال القاضي في التعليق: إذا استأذن امرأة في تزويجها وهي في غير عمله فزوجها في عمله لم يصح العقد، لأن إذنها يتعلق بالحكم، وحكمه في غير محله لا ينفذ. فإن قلت: إذا حصلت في عمله فقد أذنت له، فزوجها في عمله: صح؛ بناء على جواز تعليق الوكالة بالشرط. ومن شرط جواز العقد عليها، أن تكون في عمله حين العقد عليها، فإن كانت في غير عمله لم يصح عقده؛ لأنه حكم على من ليس في عمله. قال أبو العباس: لا فرق بين أن تقول: زوجني إذا صرت في عملك أو إذا صرت في عملك فزوجني، لأن تقييد الوكالة أحسن حالا من تعليقها، نعم لو قالت: زوجني الآن أو فهم ذلك من إذنها فهنا أذنت لغير قاض، وهذا هو مقصود القاضي (١) . ولا يجوز التقليد في معرفة الحكم اتفاقا، وقبله لا يجوز على المشهور إلا أن يضيق الوقت ففيه وجهان، فإن عجز عن معرفة الحق بتعارض الأدلة ففيه وجهان، فهذه أربع مسائل. والعجز قد يعني به العجز الحقيقي، وقد يعني به المشقة العظيمة، والصحيح الجواز في هذين الموضعين (٢) . وإذا استناب الحاكم في الحكم من غير مذهبه، إن كان لكونه أرجح فقد أحسن وإلا لم تجز الاستنابة (٣) .

стр. 1136

والقضاة ثلاثة: من يصلح، ومن لا يصلح، والمجهول. فلا يرد من أحكام من يصلح إلا ما علم أنه باطل، ولا ينفذ من أحكام من لا يصلح إلا ما علم أنه حق. واختار صاحب المغني وغيره: إن كانت توليته ابتداء. وأما المجهول فينظر فيمن ولاه، فإن كان لا يولي إلا الصالح جعل صالحا، وإن كان يولي هذا تارة وهذا تارة نفذ ما كان حقا، ورد الباطل، والباقي موقوف. وبين من يصلح ومن لا يصلح إذا للضرورة ففيه مسألتان: إحداهما: على القول بأن من لا يصلح تنقض جميع أحكامه هل ترد أحكام هذا كلها، أم يرد ما لم يكن صوابا؟ والثاني المختار، لأنها ولاية شرعية. والثانية: هل تنفذ المجتهدات من أحكامه، أم يتعقبها العالم العادل؟ هذا فيه نظر (١) . وحديث معاذ لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن الذي قال فيه: "فإذا لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: حكمت برأيي" طعن فيه جماعة، وروي في مسانيد ورواه أبو داود، واستدل به طوائف من الفقهاء، وأهل الأصول في كتبهم، وروي من طرق. وبكل حال يجوز اجتهاد الرأي للقاضي والمفتي إذا لم يجد في الحادثة نصا من الكتاب أو السنة كقول جماهير السلف وأئمة الفقهاء كمالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم، واستدلوا على ذلك بدلائل مثل كتاب عمر لأبي موسى

стр. 1137

الأشعري، وفيه اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك. وقد تكون تلك الحكومة في الكتاب والسنة على وجه خفي لم يدركه، أو تكون مركبة من مقدمتين من الكتاب والسنة لكنه لم يتفطن لذلك فيجوز له أن يجتهد برأيه حينئذ لكونه لم يجد تلك الحكومة في الكتاب ولا في السنة وإن كانت فيهما ثم قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [٤٣/٤] فقد يكون الماء تحت الأرض وهو لا يعرف، وكذلك قوله ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [٩٢/٤] وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [٢٨٦/٢] . والقياس الذي يسوغ مثل: أن يرد القضية إلى نظيرها الثابت بالكتاب والسنة. أو لم يفهم علة الحكم التي حكم الشارع لأجلها ويجدها في الصورة التي في النص، وهذا من قياس التعليل، والأول قياس التمثيل. وليس له أن يحكم بما شاء ومن جوز ذلك فهو كافر باتفاق المسلمين، وليس هذا مختصا بمعاذ (١) . ونص الإمام أحمد على أن للقاضي أن يستخلف من غير إذن الإمام فرقا بينه وبين الوكيل، وجعلا له كالوصي (٢) . قال في المحرر: وفي العزل حيث قلنا به قبل العلم، وجهان كالوكيل؛ لأن الحق في الولاية لله، وإن قلنا: هو وكيل والنسخ في حقوق الله لا يثبت قبل العلم، كما قلنا في المشهور، إن نسخ الحكم لا يثبت في حق من لم يبلغه، وفرقوا بينه وبين الوكيل بأن أكثر ما في الوكيل ثبوت الضمان، وذلك لا ينافي الجهل بخلاف الحكم فإن فيه

стр. 1138

الإثم، وذلك ينافي الجهل، كذلك الأمر والنهي، وهذا هو المنصوص عن أحمد (١) . باب آداب القاضي وأجمع المسلمون على أن الحاكم ليس له أن يقبل الرشوة، سواء حكم بحق أو بباطل، ولا يحكم لنفسه، وليس للحاكم أن يكون له وكيل يعرف أنه وكيله يتجر له في بلاد عمله، وإذا عرف أن الحاكم بهذه المثابة فإنه ينهى عن ذلك، فإن انتهى وإلا استبدل به من هو أصلح منه إن أمكن، وإذا فصل الحكومة بينه وبين غريمه حاكم نافذ الحكم في الشرع لعلمه ودينه لم يكن لغريمه أن يحاكم عند حاكم آخر (٢) . ومن ادعى أن بعض الحكام أخذ منه شيئا وكان الرجل معروفا بالصدق فله على الحاكم اليمين، وإن كان غيره من الصادقين، وقد قال مثل قوله، لم ترد أخبار الصادقين بل ينبغي عزل الحاكم. وإن كان الحاكم معروفا بالأمانة والرجل فاجرا لم يلتفت إلى قوله وعزر وإن كان كل منهما متهما فله تحليفه ولا يعزر (٣) . والأشبه ألا يكون للحاكم شراء ما يحتاجه في مظنة المحاباة والاستغلال والتبدل. قال القاضي في التعليق: قاس المخالف القاضي على المفتي في مباشرة البيع، قال القاضي: أما المفتي فإنه لا يحابى في العادة، والقاضي بخلافه، ولا يكره له البيع في مجلس فتياه، ولا يكره له قبول الهدية بخلاف القاضي.

стр. 1139

قال أبو العباس: هذا فيه نظر وتفصيل؛ فإن العالم شبيه في هديته ومعاملته بالقاضي. وفيه حكايات عن أحمد. والعالم لا يعتاض على تعليمه (١) . ولا يمضي حكم العدو على عدوه، كما لا تقبل شهادته عليه، بل يترافعان إلى حاكم آخر (٢) . وليس للحاكم منع الناس مما أباحه الله ورسوله مثل: أن يمنع أن يزوج المرأة وليها، أو يمنع الشهود أو غيرهم من كتابة مهرها، أو كتابة عقد بيع أو إجارة، أو إقرار، أو غير ذلك، وإن كان الكاتب مرتزقا بذلك، وإذا منع القاضي ذلك ليصل إليه منافع هذه الأمور كان هذا من المكس، نظير من يستأجر حانوتا في القرية على ألا يبيع غيره، وإن كان إنما يمنع الجاهل لئلا يعقد عقدا فاسدا فالطريق أن يفعل كما فعل الخلفاء الراشدون من تعزير من يعقد نكاحا فاسدا، كما فعله عمر وعثمان ﵄ فيمن تزوج بغير ولي وفيمن تزوج في العدة (٣) . ومن ادعى بحق وخرج يقيم البينة لم يجز حبس الغريم لكن هل له طلب كفيل منه إلى ثلاثة أيام أو نحوها إذا قال المدعي لي بينة حاضرة؟ فيه نزاع، هذا إذا لم تكن دعوى تهمة، فإن كانت دعوة تهمة مثل: أن ادعى أنه سرق فهنا إن كان مجهول الحال حبس حتى يكشف عنه، وأما دعوى الحقوق مثل: البيع والقرض والدين فلا يحبس بدون حجة، وإن ذكر نزاع في المدة القريبة كاليوم، فلا نزاع فيما أعلمه (٤) . وإذا حبست زوجها على الحق، فله عليها، ما كان يجب قبل الحبس

стр. 1140

من إسكانها حيث شاء ومنعها الخروج، فإذا أمكن حبسه في مكان تكون هي عنده تمنعه من الخروج فعل ذلك، فإنه ليس للغريم منع المحبوس من حوائجه إذا احتاج؛ بل يخرجه ويلازمه مثل: غسل الجنابة، نحوه، والزوج له منعها مطلقا. وأيضا فإنها قد تحبسه وتبقى هي مفلوتة تفعل الفواحش، وتقهره، وتعاشر من تختار، وتبقى هي القوامة عليه، لا سيما حيث يكثر ذلك في الأزمنة والأمكنة، وغاية ذلك (١) من أعظم المصالح التي لا يجوز إهمالها فكيف يستحل مسلم أن يحبس الرجل ويمنع زوجته من حبسها معه؟ بل يتركها تذهب حيث شاءت وهي إنما تملك بما لها عليه ملازمته، والملازمة تحصل بأن تكون هي وهو في موضع واحد؛ فإن النبي ﷺ أمر الغريم بملازمة غريمه، وإذا طلب منها الجماع في الحبس لم يكن له منعه. وإذا ظهر أنه قادر على الوفاء وامتنع ظلما عوقب بغير الحبس مثل ضربه مرة بعد مرة حتى يوفي؛ لأن مطل الغني ظلم، والظالم يستحق العقوبة. وتمكين هذا من فضول الأكل والنكاح محل اجتهاد، فإذا رأى الحاكم تعزيره بالمنع منه كان له ذلك. وإن لم يكن حبسها معه، إما لعداوة تحصل بينهما فأمكن أن يسكنها في موضع لا تخرج منه مثل رباط عند أناس مأمونين فلا بأس. وبالجملة: فلا تترك المرأة تذهب حيث شاءت باتفاق (٢) . والقضاء نوعان: إخبار: هو إظهار وإبداء، وأمر: هو إنشاء وابتداء

стр. 1141

فالخبر: ثبت عندي، ويدخل فيه خبره عن حكمه، وعن عدالة الشهود وعن الإقرار والشهادة. والآخر: هو حقيقة الحكم: أمر ونهي وإباحة، ويحصل بقوله: أعطه، ولا تكلمه أو ألزمه، وبقوله: حكمت، وألزمت. وإذا قال الحاكم: ثبت عندي بشهادتهما فهذا فيه وجهان. أحدهما: أن ذلك حكم، كما قاله ابن عقيل وغيره. وفعل الحاكم حكم في أصح الوجهين في مذهب أحمد وغيره (١) . وأخبار الحاكم «أنه ثبت عندي» بمنزلة إخباره أنه حكم به، أما إذا قال: شهد عندي فلان، أو أقر عندي، فهو بمنزلة الشاهد سواء، فإنه في الأول تضمن قوله: ثبت عندي، الدعوى والشهادة والعدالة أو الإقرار، وهذا من خصائص الحكم؛ بخلاف قوله: شهد عندي، أو أقر عندي، فإنما يقتضي الدعوى. وخبره في غير محل ولايته كخبره في غيره زمن ولايته. ونظير إخبار القاضي بعد عزله إخبار أمير الغزو أو الجهاد بعد عزله بما فعله (٢) . يجوز للحنفي الحاكم أن يستنيب شافعيا يحكم باجتهاده، وإن خالف اجتهاد مستنيبه، ولو شرط عليه أن يحكم بقول مستنيبه لم يجز هذا الشرط. وأيضا: إذا رأى المستنيب قول بعض الأئمة أرجح من بعض لم يجز له أن يحكم بالمرجوح، بل عليه أن يحكم بالراجح، فكيف لا يكون له أن يستنيب من يحكم بالراجح، وإن خالف قول إمامه؟ وليس

стр. 1142

على الخلق لا القضاة ولا غيرهم أن يطيعوا أحدا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ ومن سواه من الأئمة فإنه يؤخذ من قوله ويترك فيجوز لكل من الحكام أن يستنيب من يخالفه في مذهبه ليحكم بما أنزل الله (١) . وقال شيخنا: لا ينعزل بانعزال المستنيب وموته حتى يقوم غيره مقامه، كعقد وصي وناظر عقدا جائزا، كوكالة وشركة ومضاربة ومثله كل عقد لمصلحة المسلمين كوال ومن ينصبه لجباية مال وصرفه وأمير الجهاد ووكيل بيت المال والمحتسب ذكر شيخناه وهو ظاهر كلام غيره (٢) . قال أصحابنا: ولا ينقض الحاكم حكم نفسه ولا غيره إلا أن يخالف نصًّا أو إجماعًا. قال أبو العباس: ويفرق في هذا بين ما إذا استوفى المحكوم له الحق الذي ثبت له من المال، أو لم يستوف، فإن استوفى فلا كلام، وإن لم يستوف فالذي ينبغي نقض حكمه نفسه والإشارة على غيره بالنقض. وليس للإنسان أن يعتقد أحد القولين في مسائل النزاع فيما له، والقول الآخر فيما عليه باتفاق المسلمين كما يعتقد أنه إذا كان جارا استحق شفعة الجوار، وإذا كان مشتريا لم يجب عليه شفعة الجوار. والقضية الواحدة المشتملة على أشخاص أو أعيان فهل للحاكم أن يحكم على شخص أوله بخلاف ما حكم هو أو غيره لشخص آخر أو عليه أو في عين؟ مثل أن يدعي في مسألة الحمارية بعض ولد الأبوين فيقضي له بالتشريك ثم يدعي عنده آخر فيقضي عليه بنفي التشريك أو

стр. 1143

يكون حاكم غيره قد حكم بنفي التشريك لشخص أو عليه فيحكم هو بخلافه. فهذا ينبني على أن الحكم لأحد الشريكين أو الحكم عليه حكم عليه وله، وقد ذكر ذلك الفقهاء من أصحابنا وغيرهم. لكن هناك يتوجه أن يبقى حق الغائب فيما طريقه الثبوت لتمكنه من القدح في الشهود ومعارضته. أما إذا كان طريقه الفقه المحض فهنا لا فرق بين الخصم الحاضر والغائب. ثم لو تداعيا في عين من الميراث، فهل يقول أحد: إن الحكم باستحقاق عين معينة لا يمنع الحكم بعدم استحقاق العين الأخرى مع اتحاد حكمهما من كل وجه؟ هذا لا يقوله أحد. يوضح ذلك أن الأمة اختلفت في هذه المسألة على قولين. قائل يقول: يستحق جميع ولد الأبوين جميع التركة، وقائل يقول: لا حق لواحد منهم في شيء منها. فلو حكم حاكم في وقتين أو حاكمان باستحقاق البعض أو استحقاقهم للبعض لكان قد حكم في هذه القضية بخلاف الإجماع، وهذا قد يفعله بعض قضاة زماننا؛ لكن هو ظنين في علمه ودينه؛ بل ممن لا يجوز توليته القضاء. ويشبه هذه طبقات الواقف أو أزمنة الطبقة فإذا حكم حاكم بأن هذا الشخص مستحق لهذا المكان من الوقف ومستحق الساعة بمقتضى شرط شامل لجميع الأزمنة والأمكنة فهو كالميراث. وأما إن حكم باستحقاق تلك الطبقة فهل يكون للطبقة الثانية إذا اقتضى الشرط لها؟ وأخذ هذا فيه نظر، من حيث إن تلقي كل طبقة من الواقف في زمن حدوثها شبيه بما لو مات عتيق شخص فحكم حاكم.

стр. 1144

بميراثه المال، وذلك أن كل طبقة من أهل الوقف تستحق ما حدث لها من الوقف عند وجودها، مع أن كل عصبة تستحق ميراث المعتقين عند موتهم. والأشبه بمسألتنا ما لو حكم حاكم في عتيق بأن ميراثه للأكبر، ثم توفي ابن ذلك العتيق الذي كان محجوبا عن ميراث أبيه، فهل لحاكم آخر أن يحكم بميراثه لغير الأكبر؟ هذا يتوجه هنا وفي الوقف مما يترتب الاستحقاق فيه بخلاف الميراث ونحوه مما يقع مشتركا في الزمان (١) . وإذا رفع إليه الخصمان عقدا فاسدا عنده فقط وأقر بأن نافذ الحكم حكم بصحته فله إلزامهما بذلك ورده والحكم بمذهبه، وقال شيخنا: قد يقال: قياس المذهب أنه كالبينة ثم ذكر أنه كبينة إن عينا الحاكم (٢) . وإذا حكم أحد الخصمين على خصمه جاز لقصة ابن مسعود؛ وكذا إذا حكم مفت في مسألة اجتهادية، وهل يفتقر ذلك إلى تعيين الخصمين أو حضورهما أو يكفي وصف القصة له؟ الأشبه أنه لا يفتقر بل إذا تراضيا بقوله في قضية موصوفة مطابقة لقضيتهم فقد لزمه، فإن أراد أحدهما الامتناع فإن كان قبل الشروع فينبغي جوازه، وإن كان بعد الشروع لم يملك الامتناع لأنه إذا استشعر بالغلبة امتنع فلا يحصل المقصود (٣) . وإن حكما بينهما من يصلح للقضاء نفذ حكمه وهو كحاكم الإمام، وعنه ينفذ في قود وحد قذف ولعان ونكاح، وظاهر كلامه ينفذ في غير فرج، واختار شيخنا نفوذ حكمه بعد حكم حاكم لا إمام، وأنه إن حكم أحدهما خصمه أو حكما مفتيا في مسألة اجتهادية جاز.

стр. 1145

وأنه يكفي وصف القصة له يؤيده قول أبي طالب: نازعني ابن عمي، الأذان فتحاكمنا إلى أبي عبد الله، قال: اقترعا (١) . قال شيخنا: خصوا اللعان؛ لأن فيه دعوى وإنكار، وبقية الفسوخ كإعسار قد يتصادقان فيكون الحكم إنشاء لا ابتداء، ونظيره لو حكماه في التداعي بدين وأقربه الورثة (٢) . باب طريق الحكم وصفته وإذا طلبا حكمين أجيب من طلب الذي له الولاية على محل النزاع إذا كان الحاكمان عدلين فإن كان لهما الولاية معا أجيب من طلب الحاكم الأقرب، فإما أن يقرع بينهما، أو يجاب المدعي، فهذا القول الثالث أفتى به طائفة في زماننا، والأولان مقدمان، فهذه مسألة نزاع (٣) . قال في الإنصاف: واعلم أنه إذا ادعي على القاضي المعزول فالصحيح من المذهب أنه يعتبر تحرير الدعوى في حقه، قال الشيخ تقي الدين: تخصيص الحاكم المعزول بتحرير الدعوى في حقه لا معنى له، فإن الخليفة ونحوه في معناه، وكذلك العالم الكبير والشيخ المتبوع (٤) . لو قال لمدعي دينار: لا تستحق علي حبة، فعند ابن عقيل أن هذا ليس بجواب، وعند الشيخ تقي الدين ﵀: يعم الحبات، وما لم يندرج في لفظ حبة من باب الفحوى (٥) . ظاهر قوله: فإذا أحضرها سمعها الحاكم وحكم، أن الشهادة لا

стр. 1146

تسمع قبل الدعوى، فإن كان الحق لآدمي معين فالصحيح من المذهب أنها لا تسمع قبل الدعوى.. وسمعها القاضي في التعليق وأبو الخطاب في الانتصار والمصنف في المغني، إن لم يعلم به، قال الشيخ تقي الدين ﵀: هو غريب، وذكر الأصحاب أنها تسمع بالوكالة من غير خصم، ونقله مهنا، قال الشيخ تقي الدين ﵀: تسمع ولو كان في البلد، وبناه القاضي وغيره على جواز القضاء على الغائب. اهـ. «والوصية مثل الوكالة» ، قال الشيخ تقي الدين ﵀: الوكالة إنما تثبت استيفاء حق أو إبقاءه (١) . وتسمع البينة قبل الدعوى في كل حق لآدمي غير معين: كالوقف على الفقراء، أو على مسجد، أو رباط، أو وصية لأحدهما، قال الشيخ تقي الدين ﵀: وكذا عقوبة كذاب مفتر على الناس، والمتكلم فيهم (٢) . وقال الشيخ تقي الدين ﵀ في حفظ وقف وغيره بالثبات عن خصم مقدر: تسمع الدعوى والشهادة فيه بلا خصم، قال: وقد ذكره قوم من الفقهاء، وفعله طائفة من الفقهاء، وفعله طائفة من القضاة، ولم يسمعها طوائف من الحنفية والشافعية والحنبلية. وذكر الشيخ تقي الدين ﵀ ما ذكره القاضي من احتيال الحنفية على سماع البينة من غير وجود مدعي عليه فإن المشتري المقر بالبيع قد قبض المبيع وسلم الثمن فهو لا يدعي شيئا ولا يدعى عليه شيء، وإنما غرضه تثبيت الإقرار والعقد، والمقصود سماع القاضي البينة وحكمه بموجبها من غير وجود مدعى عليه ومن غير مدع على أحد؛ لكن خوفا من حدوث خصم مستقبل، فيكون هذا الثبوت حجة

стр. 1147

بمنزلة الشهادة، فإن لم يكن القاضي يسمع البينة بلا هذه الدعوى وإلا امتنع من سماعها مطلقًا، وعطل هذا المقصود الذي احتالوا عليه. قال الشيخ تقي الدين ﵀، وكلامه يقتضي أنه هو لا يحتاج إلى هذا الاختيال مع أن جماعات من القضاة المتأخرين من الشافعية والحنابلة دخلوا مع الحنفية في ذلك وسموه الخصم المسخر، قال: وأما على أصلنا الصحيح وأصل مالك ﵀ فإما أن نمنع الدعوى من غير خصم منازع فتثبت الحقوق بالشهادات على الشهادات كما ذكره من ذكره من أصحابنا، وأما أن نسمع الدعوى والبينة بلا خصم، كما ذكره طائفة من المالكية والشافعية وهو مقتضى كلام الإمام أحمد ﵀ وأصحابنا في مواضع؛ لأنا نسمع الدعوى والبينة على الغائب والممتنع، وكذا على الحاضر في البلد في المنصوص، فمع عدم خصم أولى. قال: وقال أصحابنا: كتاب الحاكم كشهود الفرع، قالوا: لأن المكتوب إليه يحكم بما قام مقامه غيره، لأن إعلام القاضي للقاضي قائم مقام الشاهدين، فجعلوا كل واحد من كتاب الحاكم وشهود الفرع قائما مقام غيره وهو بدل عن شهود الأصل، وجعلوا كتاب القاضي كخطابه، وإنما خصوه بالكتاب لأن العادة تباعد الحكمين، وإلا فلو كان في محل واحد كان مخاطبة أحدهما للآخر أبلغ من الكتاب، وبنوا ذلك على أن الحاكم يثبت عنده بالشهادة ما لم يحكم به وإنما يعلم به حاكما آخر ليحكم به، كما يعلم الفروع بشهادة الأصول. قال: وهذا كله إنما يصح إذا سمعت الدعوى والبينة في غير وجه خصم، وهو يفيد أن كلما ثبت بالشهادة على الشهادة يثبته القاضي بكتابه. قال: ولأن الناس بهم حاجة إلى إثبات حقوقهم بإثبات القضاة، كإثباتها بشهادة الفروع، وإثبات القضاة أنفع لكونه كفى مؤنة النظر في

стр. 1148

الشهود، وبهم حاجة إلى الحكم فيما فيه شبهة أو خلاف لرفع، وإنما يخافون من خصم حادث (١) . وقال في الفروع: وإن قال المدعي «ما لي بينة» ، أعلمه الحاكم بأن له اليمين على خصمه، قال: وله تحليفه مع علمه قدرته على حقه، نص عليه نقل ابن هانئ: إن علم عنده مالا لا يؤدي إليه حقه أرجو ألا يأثم، وظاهر رواية أبي طالب يكره، وقاله شيخنا: ونقله من حواشي تعليق القاضي، وهذا يدل على تحريم تحليف البريء، دون الظالم اهـ (٢) . قال ابن القيم ﵀: ولما كانت أفهام الصحابة ﵃ فوق أفهام جميع الأمة وعلمهم بمقاصد نبيهم ﷺ وقواعد دينه وشرعه أتم من علم كل من جاء بعدهم عدلوا عن ذلك إلى غير هذه المواضع الثلاثة (٣) ، وحكموا بالرد مع النكول في موضع، وبالنكول وحده في موضع، وهذا من كمال فهمهم وعلمهم بالجامع والفارق والحكم والمناسبات، ولم يرتضوا لأنفسهم عبارات المتأخرين واصطلاحاتهم وتكلفاتهم، فهم كانوا أعمق الأمة علما، وأقلهم تكلفا والمتأخرون عكسهم في الأمرين. فعثمان بن عفان قال لابن عمر: احلف بالله لقد بعت العبد وما به داء علمته، فأبى فحكم عليه بالنكول، ولم يرد اليمين في هذه الصورة على المدعي ويقول له: احلف أنت أنه كان عالما بالعيب، لأن هذا مما لا يمكن أن يعلمه المدعي ويمكن المدعى عليه معرفته، فإذا لم يحلف المدعى عليه لم يكلف المدعي اليمين، فإن ابن عمر قد باعه بالبراءة من العيوب، وهو إنما يبرأ إذا لم يعلم بالعيب فقال له:

стр. 1149

احلف أنك بعته وما به عيب تعلمه، وهذا مما يمكن أن يحلف عليه دون المدعي، فإنه قد تعذر عليه اليمين أنه كان عالما بالعيب وأنه كتمه مع علمه به. وأما أثر عمر بن الخطاب وقوله للمقداد: احلف أنها سبعة آلاف، فأبي أن يحلف فلم يحكم عليه بنكول عثمان فوجهه: أن المقرض إن كان عالما بصدق نفسه وصحة دعواه حلف وأخذه وإن لم يعلم ذلك لم تحل له الدعوى بما لا يعلم صحته، فإذا نكل عن اليمين لم يقض له بمجرد نكول خصمه إذا خصمه قد لا يكون عالما بصحة دعواه فإذا قال للمدعي: إن كنت عالما بصحة دعواك فاحلف وخذ، فنقد أنصفه جد الإنصاف. فلا أحسن مما قضى به الصحابة ﵃. وهذا التفصيل في المسألة هو الحق، وهو اختيار شيخنا قدس الله روحه (١) . والخط كاللفظ إذا ثبت أنه كان عنده على سبيل الوديعة، أو أنه قبضه أخذ بالخط، كما لو تلفظ بذلك، ولو أن يأخذ منه ما أخذه إذا كانت الوديعة قد تلفت بغير تفريط (٢) . مسألة: وإذا كانت عادة العمال يستأجرون بالوصولات فمات العمال فادعى بعض المستأجرين أنه قبض منه فلا يقبل إلا ببينة أو وصول فإذا قبض من له ولاية القبض لم يعد على المحتكرين بل يجب على أهل الوقف (٣) . ونص فيمن كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي بما فيها: أنهم لا يشهدون إلا أن يسمعوها منه أو تقرأ عليه فيقرها بها.

стр. 1150

فاختلف أصحابنا فمنهم من خرج في كل مسألة حكم الأخرى وجعل فيها وجهين بالنقل والتخريج. ومنهم من منع التخريج وأقر النصين وفرق بينهما. واختار شيخنا التفريق، قال: والفرق أنه إذا كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي بما فيه فإنهم لا يشهدون بجواز أن يزيد في الوصية وينقص ويغير. وأما إذا كتب وصيته ثم مات وعرف أنه خطه فإنه يشهد به لزوال المحذور (١) . ومسألة تحرير الدعوى وفروعها ضعيفة؛ لحديث الحضرمي في دعواه على الآخر أرضا غير موصوفة. وإذا قيل: لا تسمع الدعوى إلا محررة، فالواجب أن من ادعى مجملا استفصله الحاكم. وظاهر كلام أبي العباس صحة الدعوى على المبهم، كدعوى الأنصار على اليهود قتل صاحبهم ودعوى المسروق منه على بني أبيرق وغيرهم. ثم المبهم قد يكون مطلقًا، وقد ينحصر في قوم، كقولها: انكحني أحدهما، وزوجني أحدهما. والثبوت المحض يصح بلا مدعى عليه، وقد ذكره قوم من الفقهاء وفعله طائفة من القضاة. وتسمع الدعوى في الوكالة من غير حضور الخصم المدعى عليه، ونقله مهنا عن أحمد، ولو كان الخصم في البلد (٢) .

стр. 1151

وتسمع دعوى الاستيلاد، وقاله أصحابنا، وفسره القاضي بأن يدعي استيلاد أمة فتنكره. وقال أبو العباس: بل هي المدعية. ومن ادعى على خصمه أن بيده عقار استغله مدة معينة وعينه وأنه استحقه فأنكر المدعى عليه وأقام المدعي بينة باستيلائه لا باستحقاقه لزم الحاكم إثباته والشهادة به، كما يلزم البينة أن تشهد به، لأنه كفرع مع أصل، وما لزم أصل الشهادة به لزم فرعه حيث يقبل، ولو لم تلزم إعانة مدع بإثبات وشهادة ونحو ذلك إلا بعد ثبوت استحقاقه لزم الدور، بخلاف الحكم، وهو الأمر بإعطائه ما ادعاه إن أقام بينة بأنه هو المستحق أمر بإعطائه ما ادعاه، وإلا فهو كمال مجهول يصرف في المصالح. ومن بيده عقار فادعى رجل بثبوته عند الحاكم أنه كان لجده إلى موته ثم إلى ورثته ولم يثبت أنه مخلف عن مورثه ولا ينزع منه بذلك؛ لأن أصلين تعارضا، وأسباب انتقاله أكثر من الإرث ولم تجر العادة بسكوتهم المدة الطويلة، ولو فتح هذا الباب لانتزع كثير من عقار الناس بهذا الطريق. ولو شهدت له بينة بملكه إلى حين وقفه وأقام وارث بينة أن مورثه اشتراه من الواقف قبل وقفه قدمت بينة الوارث أن مورثه اشتراه من الواقف قبل وقفه، لأن معها زيادة علم كتقديم من شهد له بأنه اشتراه من أبيه على من شهد له بأنه ورثه من أبيه. قال القاضي: إذا ادعى على رجل ألفا من ثمن مبيع أو قرض أو غصب فقال: لا يستحق علي شيئًا كان جوابًا صحيحًا ويستحلف على ذلك. وإن قال: لم أبايع وطنه منه ولم أغصبه، فهل يكون جوابا يحلف معه عليه؟ على وجهين.

стр. 1152

أحدهما: هو جواب صحيح يحلف عليه، والثاني: ليس بجواب صحيح يحلف عليه، لأنه يحتمل أنه غصبه ثم رده عليه، أو أقرضه ثم رده عليه أو باعه ثم رده إليه. قال أبو العباس: إنما يتوجه الوجهان في أن الحاكم هل يلزمه بهذا الجواب أم لا؟ وأما صحته فلا ريب فيها. وقياس المذهب: أن الإجمال ليس بجواب صحيح، لأن المطلوب قد يعتقد أنه ليس عليه لجهل أو تأويل ويكون واجبًا عليه في نفس الأمر، أو في مذهب الحاكم، ويمين المدعي بمنزلة الشاهد، كما لا يشهد بتأويل أو جهل. ومن أصلنا إذا قال: كان له علي ثم أوفيته، لم يكن مقرًّا، فلا ضرر عليه في ذلك، إلا إذا قلنا بالرواية الضعيفة فقد أطلق أحمد التعديل في موضع فقال عبد الله: سألت أبي عن أبي يعفور العبدي، فقال: ثقة، قال أبو داود لأحمد الأسود بن قيس؟ فقال: ثقة. قال أبو العباس: وعلى هذه الطريقة فكل لفظ يحصل به تعديل المخبر يحصل به تعديل الشهود مثل أن يقول: لا بأس به، لا أعلم إلا خيرا، كما نقل عن شريح وسوار وغيرهما. ثم وجدت القاضي قد احتج في المسألة بأن عمر سأل رجلاً عن رجل؟ فقال: لا أعلم إلا خيرًا، فقال: حسبك إن ابن عمر كان إذا أنعم أن يمدح الرجل قال: لا نعلم إلا خيرًا، وعلى هذا فلا يعتبر لفظ الشهادة، وإن أوجبنا اثنين، لأن هذا من باب الاجتهاد، بمنزلة تقويم المقوم والقائف، لأنه من باب المسموع، ومثله المزكي والتفليس والرشد ونحوها فإن هذا كله إثبات صفة اجتهادية. ويقبل في الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة قول عدل واحد، وهو رواية عن أحمد، ويقبل الجرح والتعديل باستفاضة.

стр. 1153

ومقتضى تعليل القاضي أنه لو قال المزكي: هو عدل لكن ليس على أنه يقبل مطلقًا، مثل أن يكون عدو المعدل، وشهادة العدو لعدوه مقبولة فوجود العداوة لا يمنع التزكية وإن لم تقبل شهادته على المزكي (١) . وللمحكوم عليه أن يطالب الحاكم عليه بتسمية البينة ليتمكن من القدح فيها بالاتفاق (٢) . ويلزم الحاكم أن يكتب للمدعي عليه إذا ثبتت براءته محضرا بذلك إن تضرر بتركه (٣) . وقال الشيخ تقي الدين: التعريف يتضمن تعريف عين المشهود له والمشهود به إذا وقعت على الأسماء، وتعريف المحكوم عليه والمحكوم به، وتعريف المثبت عليه والمثبت له ونفس المثبت في كتاب القاضي إلى القاضي، والتعريف مثل الترجمة سواء، فإنه بيان مسمى هذا الاسم، كما أن الترجمة كذلك لأن التعريف قد يكون في أسماء الأعلام، والترجمة في أسماء الأجناس، وهذا التفسير لا يختص بشخص دون شخص اهـ (٤) . اختلفت الرواية عن أحمد فيما لو حكم الحاكم بما يرى المحكوم له تحريمه فهل يباح له بالحكم؟ على روايتين والتحقيق في هذا أنه ليس للرجل أن يطلب من الإمام ما يرى أنه حرام، ومن فعل هذا فقد فعل ما يعتقد تحريمه، وهذا لا يجوز لكن لو كان الطالب غيره، أو ابتدأ الإمام بحكمه أو قسمه فهنا يتوجه القول بالحل (٥) .

стр. 1154

واختار الشيخ تقي الدين جواز الأخذ (١) ولو قدر على أخذه بالحاكم في الحق الثابت بإقرار أو بينة إن كان سبب الحق ظاهرا، فأما إن كان قد غصب ماله فيجوز له الأخذ بقدر حقه ذكره الشيخ تقي الدين ﵀ وغيره (٢) . وإذا مات الشاهد فهل يحكم بخطه؟ فيه نزاع، فمذهب مالك يحكم به، وهو قول في مذهب أحمد. وإذا شهد شاهد أن فلانة أبرأت زوجها حلف الزوج وحكم له إن كان الشاهد ممن يرضى من الشهداء. وإن كان الشاهد في الرضاع عدلاً قبل قوله، وفي تحليفه نزاع. ويجوز للشافعي أن يشهد عند حاكم مالكي، أن هذا خط فلان إذا جزم به من غير شك، متبعًا لمن يجيز ذلك من الأئمة في مسألة يتوجه فيها قول الذي قلده ولم يكن متبعًا للرخصة فهذه سائغ في المشهور من مذاهب الأربعة، إذ لا يجب على أحد أن يلتزم مذهب شخص بعينه في جميع الشريعة في ظاهر مذهب الشافعي وغيره، ولكن متى ألزم نفسه التزامه فلا بد له أن يلتزمه فيما له وعليه، مثل أن يترجح عنده إثبات الشفعة للجار فيتبع ذلك له وعليه. فأما أن يقلده من يرى إثباتها إذا كان هو الطالب وإذا كان هو المطلوب يقلد من ينفيها فهذا لا يجوز بلا نزاع فيما أعلمه، وكذلك لا يجوز أن يتبع الرخص مطلقًا. والعمل بالخط مذهب قوي، بل هو قول جمهور السلف، وإذا رأى الرجل بخط أبيه حقًّا له وهو يعلم صدقه جاز له أن يدعيه ويحلف عليه.

стр. 1155

وإذا اتفقوا على أنه يجوز أن يشهد على الرجل إذا عرف صورته مع إمكان الاشتباه وتنازعوا في الشهادة على الصوت من غير رؤية المشهود عليه فجوزه الجمهور كمالك وأحمد، وجوزه الشافعي في صورة المضبطة فالشهادة على الخط دون ذلك لأنه أقوى (١) . وإذا أمكن القاضي أن يرسل إلى الغائب رسولاً، ويكتب إليه الكتاب والدعوى، ويجاب عن الدعوى بالكتاب والرسول فهذا هو الذي ينبغي كما فعل النبي ﷺ ، بمكاتبة اليهود لما ادعى الأنصار عليهم قتل صاحبهم وكاتبهم ولم يحضرهم وهكذا ينبغي أن يكون في كل غائب طلب إقراره أو إنكاره إذا لم يقم الطالب بينة، وإن أقام بينة فمن الممكن أيضًا أن يقال: إذا كان الخصم في البلد لم يجب عليه حضور مجلس الحاكم، بل يقول: أرسلوا إلي من يعلمني بما يدعي به علي. وإذا كان لا بد للقاضي من رسول إلى الخصم يبلغه الدعوى ويحضره فيجوز أن يقام مقامه رسول، فإن المقصود من حضور الخصم سماع الدعوى ورد الجواب بإقرار أو إنكار. وهذا نظير مانص عليه الإمام أحمد من أن النكاح يصح بالمراسلة مع أنه في الحضور لا يجوز تراخي القبول عن الإيجاب تراخيًا كثيرًا، فالدعوى التي يصح تراخي جوابها أولى وأحرى. وعلى هذا فالرسول في الدعوى يجوز أن يكون واحدًا، لأنه نائب الحاكم كما كان أنيس نائب النبي ﷺ في إقامة الحد بعد سماع الاعتراف وثبوت الحد، أو يخرج على المراسلة من الحاكم إلى الحاكم، وفيه روايتان، فينظر في قضيته خبيرًا. قال أبو العباس: فما وجدت فيها إلا واحدًا، ثم وجدت هذا منصوصا عن الإمام أحمد في رواية أبي طالب فإنه نص فيها على أنه إذا

стр. 1156

أقام بينة بالعين المودعة عند رجل سلمت إليه وقضى على الغائب، قال: ومن قال بغير هذا يقول: له أن ينظر بقدر ما يذهب الكتاب ويجيء، فإن جاء وإلا أخذ إعلام المودع وكلامه محتمل تخيير الحاكم بين أن يقضي على الغائب وبين أن يكاتبه في الجواب (١) . باب كتاب القاضي إلى القاضي ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص، وهو قول مالك وأبي ثور في الحدود، وقول مالك والشافعي وأبي ثور ورواية عن أحمد في القصاص. والمحكوم به إن كان عينًا في بلد الحاكم فإنه يسلمه إلى المدعي، ولا حاجة إلى كتاب، وأما إن كان دينًا أو عينًا في بلد أخرى، فهنا يقف على الكتاب. وههنا ثلاث مسائل متداخلات. مسألة: إحضار الخصم إذا كان غائبًا. ومسألة الحكم على الغائب. ومسألة كتاب القاضي إلى القاضي. ولو قيل: إنما نحكم على الغائب إذا كان المحكوم به حاضرًا، لأن فيه فائدة وهي تسليمه، وأما إذا كان المحكوم به غائبًا فينبغي أن يكاتب الحاكم بما ثبت عنده من شهادة الشهود حتى يكون الحكم في بلد التسليم لكان متوجها. وهل يقبل كتاب القاضي إلى القاضي بالثبوت أو الحكم من حاكم غير معين، مثل: أن يشهد شاهدان أن حاكمًا نافذ الحكم حكم بكذا وكذا؟

стр. 1157

القياس: أنه لا يقبل بخلاف ما إذا كان المكاتب معروفا؛ لأن مسألة مراسلة الحاكم ومكاتبته بمنزلة شهادة الأصول للفرع، وهذا لا يقبل في الحكم والشهادات، وإن قبل في الفتاوى والإخبارات (١) . وقد ذكر صاحب المحرر ما ذكره القاضي من أن الخصمين إذا أقرا بحكم الحاكم عليهما خير الثاني بين الإمضاء والاستئناف، لأن ذلك بمنزلة قول الخصم: شهد علي شاهدان ذوي عدل، فهنا قد يقال بالتخيير أيضًا. ومن عرف خطه بإقرار أو إنشاء أو عقد أو شهادة عمل به كالميت، فإن حضر وأنكر مضمونه فكاعترافه بالصوت وإنكاره مضمونة (٢) . وذكر قولا في المذهب أنه يحكم بشاهد ميت، وقال الخط كاللفظ إذا عرف أنه خطه وأنه مذهب جمهور العلماء وهو يعرف أن هذا خطه كما يعرف أن هذا صوته. واتفق العلماء على أنه يشهد على الشخص إذا عرف صوته مع إمكان الاشتباه، وجوز الجمهور كمالك وأحمد الشهادة على الصوت من غير رؤية المشهود عليه، والشهادة على الخط أضعف، لكن جوازه قوي أقوى من منعه، وكتابه في غير عمله أو بعد عزله كخبره (٣) . ويقبل فيما حكم به لينفذه وإن كان ببلد واحد، وعند شيخنا وفي حق الله تعالى. ويقبل فيما ثبت عنده ليحكم به في مسافة قصر وعنه فوق يوم، وعند شيخنا، وقال خرجته في المذهب وأقل كخبر (٤) .

стр. 1158

قال القاضي: ويقول في كتابه: شهدا عندي بكذا، ولا يكتب ثبت عندي، لأنه حكم بشهادتهما كبقية الأحكام، وقاله ابن عقيل، وغيره، قال الشيخ تقي الدين: والأول أشهر؛ لأنه خبر بالثبوت كشهود الفرع؛ لأن الحكم أمر ونهي يتضمن إلزامًا اهـ (١) . قوله: ويجوز أن يكتب إلى قاض معين وإلى من يصل إليه كتابه هذا من قضاة المسلمين وحكامهم. قال الشيخ تقي الدين: وتعيين القاضي الكاتب كشهود الأصل، وقد يخبر المكتوب إليه قال الأصحاب في شهود الأصل يعتبر تعيينهم (٢) . قال الشيخ تقي الدين في كتاب أصدره إلى السلطان في مسألة الزيارة، وقد تنازع الفقهاء في كتاب الحاكم هل يحتاج إلى شاهدين على لفظه، أم إلى واحد، أم يكتفي بالكتاب المختوم، أو يقبل الكتاب بلا ختم ولا شاهد، على أربعة أقوال معروفة في مذهب أحمد وغيره. نقله ابن خطيب السلامية في تعليقه (٣) . باب القسمة وما لا يمكن قسمة عينه إذا طلب أحد الشركاء بيعه وقسم ثمنه بيع وقسم ثمنه، وهو المذهب المنصوص عن أحمد في رواية الميموني، وذكره الأكثرون من الأصحاب. فيقال على هذا: إذا وقف قسطًا مشاعًا مما لا يمكن قسمة عينه فأنتم بين أمرين: إما بيع النصيب الموقوف وإما إبقاء شركة لازمة.

стр. 1159

وجوابه: إما الفرق، وإما الالتزام. أما الفرق فيقال: الوقف منع من نقل الملك في العين، فلا ضرر في شركة عينه. وأما الشركة في المنافع فيزول الضرر بالمهايات أو المؤاجرة عليها. والالتزام: أن يجوز مثل هذا أو جعل الوقف مفرزا تقديما لحق الشريك، كما لو طلب قسمة العين وأمكن، فإنا نقدم حق الإفراز على حق الوقف، ومن قال هذا فينبغي له أن يقول بقسم الوقف، وإن قلنا: القسمة بيع ضرورة، فقد نص أحمد على بيع أشياء تابعة في الوقف والاعتياض عنها. ومن تأمل الضرر الناشئ من الاشتراك في الأموال الموقوفة لم يخف عليه هذا. ولو طلب أحد الشريكين الإجارة أجبر الآخر عليها، ذكره الأصحاب ولو في الوقف، ولو طلب ادهم العلو لم يجب؛ بل يكرى عليهما على مذهب جماهير العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد. وإذا أوجبنا على الشريك أن يؤاجر مع صاحبه فأجر أحد الشريكين العين المؤجرة، بدون إذن شريكه مدة فينبغي أن يستحق أكثر الأمرين من أجرة المثل والأجرة المسماة؛ لأن الأجرة المسماة إذا كانت أكثر فالمستأجر رضى أن ينتفع بها. وعلى قياس ذلك كل من اكترى مال غيره بغير إذنه. ويلزم إجابة من طلب المهايأة بالزمان والمكان. وليس لأحدهما أن يفسخ حتى ينقضي الدور ويستوفي كل منهما حقه منه. ولو استوفى أحدهما نوبته ثم تلفت المنافع في مدة الإجارة فإنه

стр. 1160

يرجع على الأول ببدل حصته من تلك المدة التي استوفاها ما لم يكن قد رضي بمنفعته في الزمن المتأخر على أي حال كان، جعلاً للتالف قبل القبض كالتالف في الإجارة (١) . وإذا طلب أحد الشركاء القسمة فيما ينقسم لزم الحاكم إجابته، ولو لم يثبت عنده ملكه كبيع المرهون والجاني. وكلام أحمد في بيع ما لا ينقسم وقسم ثمنه عام فيما يثبت عنده أنه ملكه وما لا يثبت، كجميع الأموال التي تباع، وأن مثل ذلك لو جاءته امرأة فزعمت أنها خلية لا ولي لها، هل يزوجها بلا بينة؟ وقد نص أحمد في رواية حرب فيمن أقام بينة بسهم من ضيعة بيد قوم فهربوا منه تقسم عليهم ويدفع إليه حقه. فقد أمر الإمام أحمد الحاكم أن يقسم على الغائب إذا طلب الحاضر، وإن لم يثبت ملك الغائب (٢) . وقال شيخنا في قرية مشاعة قسمها فلا حوها: هل يصح؟ قال: إذا تهايئوها وزرع كل واحد منهم حصته فالزرع له ولرب الأرض نصيبه، إلا أن من ترك نصيبه مالكه فله أخذ أجرة الفضلة أو مقاسمتها (٣) . ومن بنى أو غرس فخرج مستحقًا فقلع رجع على شريكه بنصف قيمته في قسمة إجبار إن قلنا بيع كقسمة تراض، وإلا فلا، وأطلق في التبصرة رجوعه، وفيه احتمال، قال شيخنا: إذا لم يرجع حيث لا يكون بيعًا فلا يرجع بالأجرة ولا بنصف قيمة الولد في الغرور إذا اقتسما الجواري أعيانا (٤) .
следующие страницы →