[أفضلية أبي بكر وعمر على جميع الصحابة]
وأبو بكر وعمر (١) أفضل وأشجع وأدين وأكرم من جميع الصحابة ﵃ أجمعين. فينبغي أن تكون القدوة لكل مسلم بهما (٢) .
[أفضيلة عبد الرحمن بن عوف وأهل الشورى، وأحقيتهم بالخلافة بعدهما]
والحديث المذكور عن عبد الرحمن ﵁ (٣) ، باطل رواه أبو نعيم من طريق رجل اتفق أهل العلم على رد أخباره؛ بل هو مخالف للنصوص وإجماع السلف والأئمة؛ فإنه من أهل الشورى الذين هم أفضل الأمة بعد أبي بكر وعمر. وأهل الشورى هم: عثمان، وعلي، وعبد الرحمن والزبير وطلحة وسعد ﵃ أجمعين. فهؤلاء الستة جعل عمر ﵁ الخلافة فيهم. وأخبر أن الرسول ﷺ توفي وهو عنهم راض. ثم إن ثلاثة قدموا ثلاثة؛ قدموا عثمان وعلي، وعبد الرحمن. ثم إنهم جعلوا عبد الرحمن يختار للأمة ورضوا بذلك. فمن هو بهذه المنزلة كيف يتأخر دخوله الجنة أو يدخل حبوا؟ ولو دخلها لغناه حبوا لدخلها سائر الصحابة الأغنياء حبوا: كعثمان وطلحة والزبير، وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، بل في الأنبياء من هو غني: كإبراهيم وداود وسليمان، ويوسف صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (٤) .
وقد أجمع المسلمون على أن موسى أفضل من الخضر. فمن قال: إن الخضر أفضل فقد كفر. وسواء قيل: إن الخضر نبي، أو ولي. والجمهور على أنه ليس بنبي؛ بل أنبياء بني إسرائيل الذين اتبعوا التوراة وذكرهم الله تعالى كداود وسليمان أفضل من الخضر بل على قول الجمهور: أنه ليس بنبي فأبو بكر وعمر ﵄ أفضل منه.
стр. 107
[غاية الخضر]
وكونه يعلم مسائل لا يعلمها موسى لا يوجب أن يكون أفضل منه مطلقا كما أن الهدهد لما قال لسليمان: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [٢٢/٢٧] لم يكن أفضل من سليمان، وكما أن الذين كانوا يلقحون النخل لما كانوا أعلم بتلقيحه من النبي ﷺ لم يجب من ذلك أن يكونوا أفضل منه ﷺ وقد قال لهم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأما ما كان من أمر دينكم فإلي» وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ كانوا يتعلمون ممن هو دونهم علم الدين الذي هو عندهم وقد قال النبي ﷺ : «لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» ومعلوم (١) رتبتهم في العلم أفضل ممن حصلت له الرؤيا الصالحة. وغاية الخضر أن يكون عنده من الكشف ما هو جزء من أجزاء النبوة. كيف يكون أفضل من نبي؟ فكيف بالرسول؟ فكيف بأولي العزم (٢) .
[توضيح قول أم سلمة وحذيفة ولن أبرئ بعدك أحدا]
قال ابن القيم ﵀: وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل، عن مسروق قال: دخل عبد الرحمن على أم سلمة ﵂، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبدا» فخرج عبد الرحمن من عندها مذعورا حتى دخل على عمر ﵁ فقال له: اسمع ما تقول أمك، فقام عمر ﵁ حتى أتاها فدخل عليها فسألها ثم قال: أنشدك بالله أمنهم أنا؟ قالت: لا ولن أبرئ بعدك أحدا.
فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليها هذا الباب ولم ترد أنك وحدك البريء من ذلك دون سائر الصحابة (٣) .
стр. 108
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لحذيفة: أنشدك الله: هل سماني لك رسول الله ﷺ ؟ يعني في المنافقين. فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدا. فسمعت شيخنا ﵁ يقول: ليس مراده أني لا أبرئ غيرك من النفاق؛ بل المراد لا أفتح على نفسي هذا الباب فكل من سألني هل سماني لك رسول الله ﷺ فأزكيه (١) .
فصل
[عترة النبي ﷺ واسم الشرف والأشراف]
وأما «عترة النبي» ﷺ الأقربين التي قال الله فيها: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [٢١٤/٢٦] فقيل: إنها قريش كلها؛ لأنها لما نزلت هذه الآية عم قريش بالنذارة ثم خص الأقرب فالأقرب.
وأما اسم «الشرف» فليس هو من الأسماء التي علق الشارع بها حكما حتى يكون حده متلقى من جهة الشرع.
وأما «الشريف في اللغة» فهو خلاف الوضيع والضعيف، كما قال النبي ﷺ : «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»
ومن رأسه الناس وشرفوه كان شريفهم؛ فالشريف من له الرياسة والسلطان لكن لما كان أهل البيت أحق من أهل البيوت الأخرى بالشرف صار من كان من أهل البيت يسمى شريفا؛ فأهل العراق لا يسمون شريفا إلا من كان علويًا.
وأما أحكام الشريعة التي علقت فهي مذكورة باسم النبي ﷺ ، وباسم أهل بيته، وذوي القربى، وهذه الأسماء الثلاثة تتناول جميع بني
стр. 109
هاشم لا فرق بين ولد العباس وولد أبي طالب وغيرهم، وأعمام النبي ﷺ الذين بقيت ذريتهم: العباس، والحارث بن عبد المطلب، وأبو لهب. فمن كان من الثلاثة الأول حرمت عليهم الزكاة، واستحقوا من الخمس باتفاق.
[أفضل الخلق مطلقا وأفضل الخلق من كل صنف، وأفضل الخلق في الطبقات، وأفضل الخلق في الأشخاص]
وأما ذرية أبي لهب ففيه خلاف بين الفقهاء؛ لكن «أبي لهب» خرج عن بني هاشم لما نصروا النبي ﷺ ومنعوه ممن كان يريد أذاه من قريش، ودخل مع بني هاشم بنو المطلب؛ ولهذا جاء عثمان بن عفان وجبير بن مطعم ﵄ إلى النبي ﷺ حين أعطى من خمس خيبر لبني هاشم وبني المطلب فقالا: يا رسول الله أما إخواننا بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لأنك منهم وأما بنو المطلب فإنما هم ونحن منك بمنزلة واحدة فقال: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» .
وأفضل الخلق النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون.
وأفضل كل صنف أتقاهم كما قال ﷺ : «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى» هذا في الأصناف العامة.
وأفضل الخلق في الطبقات: القرن الذي بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
وأما في الأشخاص فأفضلهم النبي ﷺ ثم إبراهيم ﵇.
فتبين أن الشرف ليس لبني هاشم خاصة، بل يتنوع بحسب عرف المخاطبين ومقاصدهم.
وأما المسمى بهذا اللفظ فيقال: من الأحكام ما تشترك فيه قريش كلها نحو الإمامة الكبرى؛ فإن النبي ﷺ قال: «الإمامة في قريش ما بقي من الناس اثنان» وقال: «الناس تبع لقريش في هذا الأمر» .
стр. 110
وكذلك لقريش مزية كما قال: «إن الله اصطفى بني إسماعيل من ولد إبراهيم، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى
قريشا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم» .
ومن الأحكام ما يختص بني هاشم أو بني هاشم مع بني المطلب دون سائر قريش، كالاستحقاق من خمس الغنائم، وتحريم الصدقة، ودخولهم في الصلاة إذا صلي على آل محمد وثبوت المزية على غيرهم.
ومن كانت أمه قرشية دون أبيه لم يستحق الإمامة التي اختصت بها قريش، ومن أمه هاشمية فاطمية أو غير فاطمية وأبوه ليس بهاشمي ولا مطلبي فلا يستحق من الخمس كما يستحق بنو هاشم؛ وإن كان ينتسب إليهم نسبا مطلقا فله نوع امتياز لكون أمه منهم.
وأما أولاد العترة فلهم من الاختصاص بقدر ما لهم من النسب لكون أحدهم أفضل من غيرهم.
وبكل حال فهذه الخصائص لا توجب أن يكون الرجل بنفسه أفضل من غيره لأجل نسبه المجرد؛ بل التفاضل عند الله بالتقوى، كما قال ﷺ : «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين» فمن كان في الإيمان والتقوى أفضل كان عند الله أفضل ممن دونه في ذلك وأولاهم برسول الله ﷺ ، وإن كان غيره أقرب نسبا منه؛ فإنه لا شك أن الولاية الإيمانية الدينية أعظم وأوثق صلة من القرابة النسبية، والله أعلم (١) .
قال ابن القيم ﵀: ولما كمل سيد ولد آدم هذه المرتبة (٢) .
стр. 111
[لما كّمَّلّ النبي مرتبة التعبد كملت له المغفرة واستحق التقديم على الخلائق] :
وصفه الله بها في أشرف مقاماته -مقام الإسراء- كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [١/١٧] ومقام الدعوة كقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [١٩/٧٢] ، ومقام التحدي كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [٢٣/٢] وبذلك استحق التقديم على الخلائق في الدنيا والآخرة. وكذلك يقول المسيح ﵇ لهم إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء ﵈: «اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» .
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية (قدس الله روحه) يقول: فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى وكمال مغفرة الله له (١) .
[لواء الحمد بيده صورة ومعنى] :
لواء الحمد الذي بيد النبي ﷺ يوم القيامة صورة ومعنى، إشارة إلى سيادته لجميع الخلائق فيكون الخلق تحت لوائه، كما يكون الأجناد تحت ألوية الملوك، وحامله المقدم الذي يكون خطيب الأنبياء إذا وفدوا وإمامهم إذا اجتمعوا، وهو الذي يتقدم للشفاعة فيحمد ربه بمحامد لا يحمده بها غيره. وهو محمد، وأحمد، وأمته الحمادون الذين يحمدون على السراء والضراء، وهو أول من يدعى إلى الجنة فلا تفتح لأحد قبل صاحب لواء الحمد ﷺ (٢) .
[هل هو أفضل من جملة الرسل؟ كما أن صديقه رجح بجميع الأمة] :
ومحمد ﷺ أفضل الرسل باتفاق المسلمين، لكن وقع نزاع هل هو أفضل من جملتهم؟ قطع جماعة بأنه أفضل كما أن صديقه أبا بكر وزن إيمانه بإيمان جميع الأمة فرجح (٣) .
ومريم ابنة عمران وآسية زوجة فرعون من أفضل النساء
стр. 112
[فواضل رجال هذه الأمة ونسائها أفضل من فواضل غيرهم حتى آسية ومريم وهل هي من زوجات نبينا ؟]
والفواضل من هذه الأمة كخديجة وعائشة وفاطمة ﵅ أفضل منهما.
كما أن المفضلين من رجال هذه الأمة أفضل من فضلاء رجال غيرها.
فإن الصواب الذي عليه عامة المسلمين وحكى الإجماع عليه غير واحد أنهما ليستا بنبيتين، وإنما غايتهما الصديقية، كما دل عليه القرآن.
وأما أزواجهما في الآخرة فقد روي في مريم أنها زوجة رسول الله ﷺ قال أبو العباس: ولا أعلم ما يقطع به (١) .
وصديقو هذه الأمة رجالها ونساؤها أفضل من صديقي غيرها (٢) .
[صديقو هذه الأمة وشر الناس]
قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: كما أن خير الناس الأنبياء فشر الناس من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم فخير الناس بعدهم: العلماء والشهداء والصديقون، والمخلصون. وشر الناس من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم (٣) .
[حكم ساب الأنبياء أو الصحابة خير الأمم وخير هذه الأمة ... ]
وأجمع المسلمون على أن من سب نبيا فقد كفر. ومن سب أحدا من الأولياء الذي ليسوا بأنبياء فإنه لا يكفر؛ إلا إذا كان سبه مخالفا لأصل الإيمان مثل أن يتخذ ذلك السب دينا وقد علم أنه ليس بدين. وعلى هذا ينبني النزاع في تكفير الرافضة.
وقد اتفق المسلمون على أن أمة محمد ﷺ خير الأمم، وأن خير هذه الأمة أصحاب نبينا ﷺ وأفضلهم السابقون الأولون، وأفضلهم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ﵃.
стр. 113
[هل حب آل محمد نصب ؟]
ومن كان رسولا فقد اجتمعت فيه ثلاثة أوصاف: الرسالة، والنبوة، والولاية. ومن كان نبيا فقد اجتمع فيه الصفتان. ومن كان وليا فقط لم يكن فيه إلا صفة واحدة.
ومن كان لكتاب الله أتبع فهو بولاية الله أحق (١) .
وقدس الله روح القائل وهو شيخ الإسلام إذ يقول:
إن كان نصبا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني ناصبي (٢)
وكرامات الأولياء حق باتفاق أئمة الإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن في غير موضوع، والأحاديث الصحيحة والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم؛ وإنما أنكرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم.
[كرامات الأولياء وخوارق الكفرة والسحرة والدجال وما توجبه الولاية إذا صحت]
لكن كثيرا ممن يدعيها أو تدعى له يكون كذابا أو ملبوسا عليه.
وأيضا فإنها لا تدل على عصمة صاحبها، ولا على وجوب اتباعه في كل ما يقوله؛ بل قد تصدر بعض الخوارق من الكشف وغيره عن الكفار والسحرة بمواخاتهم للشياطين، كما ثبت عن الدجال أنه يقول للسماء: أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت وأنه يقتل واحدا ثم يحييه وأنه يخرج خلفه كنوز الذهب والفضة.
ولهذا اتفق أئمة الدين على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يثبت له ولاية بل ولا إسلام حتى ينظر وقوفه عند الأمر والنهي الذي بعث الله به رسوله ﷺ (٣) .
وقال الشيخ تقي الدين: وهذا القول الجامع للمغفرة لكل ذنب
стр. 114
للتائب منه كما دل عليه القرآن والحديث هو الصواب عند جماهير أهل العلم.
[قبول توبة الداعية إلى البدع] :
وإن كان من الناس من استثنى بعض الذنوب كقول بعضهم: إن توبة الداعية إلى البدع لا تقبل باطنا؛ للحديث الإسرائيلي الذي فيه: «وكيف من أضللت» وهذا غلظ؛ فإن الله تعالى قد بين في كتابه وسنة رسوله ﷺ أنه يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة البدع. انتهى كلامه (١) .
قال ابن القيم ﵀:
قال (٢) : الدرجة الثانية: أن تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجني عليك سماحة لا كظما ومودة لا مصابرة إلى أن قال: ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ مع الناس يجدها هذه بعينها، ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة.
[من أخلاق ابن تيمية]
وما رأيت أحدا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا الكلام فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه. فرحمه الله ورضي عنه (٣) .
стр. 115
الإيمان
فصل
[عقيدة أهل السنة في أهل الكبائر. مخالفة أهل البدع. الجمع بين نصوص الوعد والوعيد. أمثلة وتعاريف]
الذي عليه أهل السنة: أن الله لا يخلد في النار أحدا من أهل الإيمان.
وخالف في ذلك قوم من أهل البدع: الخوارج والحرورية والمعتزلة، فقالوا: إن أهل الكبائر يخلدون فيها، ومن دخلها لم يخرج منها بشفاعة محمد ﷺ ولا غيره، وكذبوا.
وعارض هؤلاء قوم من المرجئة: زعموا أن الإيمان حاصل من الخلق جميعهم وأن إيمان الملائكة والأنبياء والصديقين كإيمان أهل الكبائر وكذبوا.
وغلاتهم تزعم أنه لا يدخل في النار أحد، ويحرفون الكلم عن مواضعه، وكل هؤلاء ضالون.
فالطائفة الأولى: نظروا إلى نصوص الوعيد.
والثانية: نظروا إلى نصوص الوعد.
وأما أهل السنة: فآمنوا بكل ما جاء من عند الله ولم يضربوا بعض ذلك ببعض ونظروا في الكتاب والسنة فوجدوا أن أهل الكبائر
стр. 116
من الموحدين الذين توعدهم الله بالعقاب بين أن عقابهم يزول عنهم بأسباب:
أحدها: التوبة، فإن الله يغفر بالتوبة النصوح الذنوب جميعا.
السبب الثاني: الحسنات الماحية، كما قال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ الآية [٨/٧] .
السبب الثالث: مصائب الدنيا والبرزخ.
السبب الرابع: الدعاء والشفاعة، مثل الصدقة عليه بعد موته، والدعاء له، والاستغفار.
السبب الخامس: الأعمال الصالحة التي يهديها له غيره من عتاقة وصدقة.
السبب السادس: رحمة ربه.
فكل حديث فيه عن مؤمن أنه يدخل النار أو أنه لا يدخل الجنة فقد فسره الكتاب والسنة أنه عند انتفاء هذه الموانع.
وكذلك «نصوص الوعد» مشروطة بعدم الأسباب المانعة من دخول الجنة، وأعظمها أن يموت كافرا.
ومنها: أن تكثر ذنوبه وظلمه فيؤخذ من حسناته حتى تذهب، ثم توضع عليه سيئات من ظلمهم.
ومنها: أن يعقب العمل ما يبطله: كالمن، والأذى، وترك صلاة العصر قيل: تحبط عمل ذلك اليوم. وقيل: العمل كله، وكما قال
النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» .
فانتفى هذا الدخول المطلق وهو دخول الجنة بلا عذاب فمن أتى بالكبائر لم يستحق هذا الدخول المطلق الذي لا عذاب قبله.
стр. 117
ومثل هذا قوله ﵊: «من غشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» فإن الاسم المطلق للنبي ﷺ والذين آمنوا معه هو الإيمان الكامل المطلق الذي يستحقون به الثواب، ويدفع الله به عنهم العقاب؛ فمن غشهم لم يكن من هؤلاء؛ بل معه أصل الإيمان الذي يفارق به الكفار، ويخرجه من النار.
وإذا جاء «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة و، إن زنا وإن شرب الخمر» ونحوه فهذا يعطي أن صاحب الإيمان مستحق للجنة وأن الذنوب لا تمنعه ذلك لكن قد يحصل له قبل الدخول نوع من العذاب؛ إما في الدنيا وإما في البرزخ وإما في العرصة وإما في النار.
وكذلك «نصوص الوعيد» كقوله ﷺ : «لا يدخل الجنة قاطع رحم» وكقوله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم: ملك كذاب، وشيخ زاني، وعائل مستكبر» ، و «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» ، و «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة» و «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» و «المستكبر والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» وثلاثة أخر: «رجل على فضل ماء يمنعه من ابن السبيل فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا، ورجل حلف على سلعة بعد العصر كاذبا لقد أعطي أكثر مما أعطي» و «لا يدخل الجنة بخيل، ولا منان، ولا سيئ الملكة» فإن البخل من الكبائر وهو منع الواجبات: من الزكاة وصلة الرحم، وقرى الضيف، وترك الإعطاء في النوائب، وترك الإنفاق في سبيل الله. وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات والتولي يوم الزحف، والسحر، وأكل الربا كل ذلك من الكبائر.
стр. 118
بل كل ذنب فيه حد لله في الدنيا أو وعيد في الآخرة مثل غضب الله ولعنته والنار فهو من الكبائر.
وهذا باب يطول وصفه؛ لكن ذكرنا الأصل الجامع لذلك.
ومن تاب من ذنب فيما بينه وبين الله تعالى نرجو أن الله يتوب عليه.
وإن كان من مظالم العباد مثل: ظلم أبويه، فعليه أن يفعل معهم الحسنات بقدر ما فعل معهم من السيئات حتى يقوم هذا بهذا (١) .
فصل
[لا يحبط جميع الأعمال إلا الكفر]
المشهور عند «أهل السنة» القائلين بعدم تخليد الفاسق ورجاء الشفاعة له والرحمة أنه لا يحبط العمل إلا الكفر؛ فإن نصوص القرآن تقتضي حبوط العمل بالكفر في مثل البقرة والمائدة والأنعام والزمر و (ق) وغير ذلك، وهذا لأن ما سوى الكفر من المعاصي يثبت معه أصل الإيمان، ولا بد أن يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان وأما الكفر فينتفي معه الإيمان الذي لا يقبل العمل إلا به، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [١٢٤/٤] ، ﴿مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [١٩/١٧] إلى نصوص متعددة يصف فيها بطلان عمل الكافر وتحريم الجنة عليه.
وأما «المعتزلة» فإنهم يقولون بتخليد الفاسق الملي، وأنه لا ينعم أبدا، وأن من استحق العقاب لا يستحق ثوابا بحال، ومن استحق الثواب
стр. 119
لا يستحق العقاب؛ فالتزموا لذلك أن تحبط جميع الأعمال الصالحة بالفسق، كما تحبط الأعمال بالكفر. ثم أكثرهم يفسقون بالكبيرة ومنهم من لا يفسق إلا برجحان السيئات وهي التي تحبط الأعمال. وهذا أقرب.
[حبوط بعضها بالفسق أو الرياء]
قلت: الذي ينفي من الإحباط على أصول أهل السنة هو حبوط جميع الأعمال فإنه لا يحبط جميعها إلا بالكفر، وأما الفسق فلا يحبط جميعها؛ سواء فسر بالكبيرة، أو برجحان السيئات؛ لأنه لا بد أن يثاب على إيمانه فلم يحبط.
وأما حبوط بعضها وبطلانه إما بما يفسده بعد فراغه وإما لسيئات يقوم عقابها بثوابه، فهذا حق دل عليه الكتاب والسنة كقوله:
﴿لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [٢٦٤/٢] فأخبر أن المن والأذى يبطل الصدقة، كما أن الرياء المقترن بها يبطلها وإن كان كل منهما لا يبطل الإيمان؛ بل يبطله ورود الكفر عليه أو اقتران النفاق به.
وقوله في الحديث الصحيح: «إن الذي تفوته صلاة العصر فقط حبط عمله» وقول.. (١) : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» وقول النبي ﷺ : «من كانت عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال فليأته فليستحل منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار، وإنما فيه الحسنات والسيئات» وقوله: «ما تعدون المفلس
فيكم» ؟ قالوا: المفلس من ليس له درهم ولا دينار، قال: «ليس ذلك بالمفلس وإنما المفلس الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا فيعطى هذا
من حسناته وهذا من حسناته فإذا لم يبق له حسنة أخذ من سيئاتهم
стр. 120
فطرحت عليه ثم طرح في النار» (١) .
[قد تعظم الحسنة ويكثر ثوابها]
وذكر الشيخ تقي الدين ﵁: أن الحسنة تعظم ويكثر ثوابها بزيادة الإيمان والإخلاص حتى تقابل جميع الذنوب، وذكر حديث: «فثقلت البطاقة وطاشت السجلات» وحديث: «البغي التي سقت الكلب فشكر الله لها ذلك فغفر لها» وحديث: «الذي نحى غصن شوك عن الطريق فشكر الله له ذلك فغفر له» رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة (٢) .
فصل
[كل مؤمن مسلم ولا عكس]
الذي عليه جمهور سلف المسلمين: أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا.
فالمؤمن أفضل من المسلم قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [١٤/٤٩] .
ومن كان عالما بما أمر الله تعالى به وما نهى عنه فهو عالم بالشريعة ومن لم يكن عالما بذلك فهو جاهل من أجهل الناس (٣) .
قاعدة
الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة أن النار لا يخلد فيها أحد من
стр. 121
أهل الإيمان والتوحيد كما ثبت ذلك في الأحاديث: «أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان» ونحوه.
ولكن لابد أن يدخل النار عصاة أهل التوحيد بذنوبهم (١) ويعاقبون على مقدار ذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة النبي ﷺ وغيره.
[الإيمان المطلق والإيمان المقيد والدخول المطلق والدخول المقيد]
وأما أهل البدع فلهم أقوال مضطربة باطلة.
فجمهور «المعتزلة» و «الخوارج» يقولون: من دخل النار خلد فيها وآخرون من المرجئة يقولون: إنا لا نقطع لمعين.
فأولئك اعتقدوا أن الإيمان متى ذهب بعضه ذهب جميعه قالوا والفاسق قد نقص إيمانه.
والحق ما عليه السلف.
وقول النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» الحديث.
إنما سلبه كمال الإيمان الواجب وحقيقته التي يستحق الجنة والنجاة من النار وكذلك قوله: «من غشنا فليس منا» وشبهه.
وما ورد من «نصوص الوعيد المطلقة» كقوله: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [٣٠/٤] فهو مبين ومفسر بما في الكتاب والسنة من النصوص المبينة لذلك المقيدة له. وكذلك ما ورد من «نصوص الوعد المطلقة» .
وكذلك بين أن الحسنات تمحو السيئات، والخطايا تكفر بالمصائب وغيرها من العمل الصالح وغيره: كالدعاء له، والصدقة عنه، والصيام والحج عنه.
فقوله: «لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان» نفى به
стр. 122
الدخول المطلق الذي توعد به في القرآن توعدا مطلقا، وهو دخول الخلود فيها؛ وأنه لا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها، مثل قوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [١٥/٩٢] ، وقوله: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [٦٠/٤٠] .
فيقال: إن من في قلبه مثقال ذرة من إيمان يمنع من هذا الدخول المعروف، لا أنه لا يصيبه شيء من عذاب النار؛ لأنه ﷺ قال: «وأما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا حمما أذن في الشفاعة فخرجوا ضبائر ضبائر فينبتون على نهر الجنة» .
وكذلك قوله: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» نفى الدخول المطلق المعروف وهو دخول المؤمنين الذين أعدت لهم الجنة كقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [٧٣/٣٩] الآية. وقوله: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [٢٦، ٢٧/٣٦] وأمثال ذلك مما يطلق فيه الدخول والمراد الدخول ابتداء من غير سبق عذاب في النار بحيث لا يفهم من ذلك أنهم يعذبون فهذا الدخول لا يناله من في قلبه مثقال ذرة من كبر.
وأيضا فهذه الأحاديث مبين فيها سبب دخول الجنة من العمل الصالح، وسبب دخول النار كالكبر.
فإن وجد في العبد أحد السببين فقط فهو من أهله، وإن وجدا فيه معا استحق الجنة والنار، فالذي معه كبر وإيمان يستحق النار فيعذب فيها حتى يزول الكبر من قلبه وحينئذ يدخل الجنة ولم يبق في قلبه كبر ولا مثقال ذرة منه، كما أنه [إذا] تاب منه لم يكن من أهله وكذا إذا عذب في الدنيا أو في الآخرة لم يكن حينئذ من أهله.
стр. 123
فقوله ﷺ : «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة» حق إذا أريد به الدخول المطلق الكامل أريد بـ «المؤمن» الكامل المطلق وإذا أريد بالدخول مطلق الدخول فقد يتناول الدخول بعد العذاب، فإنه يراد به مطلق المؤمن، حتى يتناول الفاسق الذي في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ فإن هذا يدخل في مطلق المؤمن كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [٩٢/٤] ولا يدخل في المؤمن المطلق كقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية [٢/٨] .
ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة ينتفي الاسم عن المسمى تارة لنفي حقيقته وكماله، ويثبت له تارة لوجود أصله وبعضه؛ حتى يقال للعالم القاصر، والصانع القاصر: هذا عالم وهذا صانع بالنسبة إلى من لا يعلم وإلى من لا يصنع. ويقال: هذا ليس بعالم ولا صانع لوجود نقصه وتقصيره. ويقال للكامل: هو العالم والصانع، وهذا هو الشجاع، وأمثاله كثيرة من الأسماء والصفات: كالمؤمن، والكافر، والفاسق، والمنافق. والله أعلم (١) .
قال ابن القيم ﵀: وأيضا فإنه يعفى للمحب ولصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، ويسامح بما لا يسامح به غيره.
[يعفى لصاحب المقامات العظيمة ويسامح ... ]
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: انظر إلى «موسى» صلوات الله وسلامه عليه رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها، وجر بلحية نبي مثله وهو هارون، ولطم عين ملك الموت ففقأها وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد ﷺ ورَفْعِهِ عليه، وربه
стр. 124
تعالى يحتمل له ذلك كله، ويحبه، ويكرمه، ويُدَلِّلُه، لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له، وصدع بأمره، وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر (١) .
وانظر إلى «يونس بن متى» حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى غاضب ربه مرة فأخذه وسجنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى (٢) .
وقال ابن القيم أيضا: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: وكذلك لطم موسى عين مالك الموت ففقأها ولم يعتب عليه ربه؛ وفي ليلة الإسراء عاتب ربه في النبي ﷺ إذ رفعه فوقه، ورفع صوته بذلك، ولم يعتبه الله على ذلك.
قال: لأن موسى ﵇ قام تلك المقامات العظيمة التي أوجبت له هذا الدلال؛ فإنه قاوم فرعون أكبر أعداء الله تعالى، وتصدى له ولقومه، وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة، وجاهد في الله أعداء الله أشد الجهاد، وكان شديد الغضب لربه فاحتمل له ما لم يحتمله لغيره.
وذو النون لما لم يكن في هذا المقام سجنه في بطن الحوت من غضبه. وقد جعل الله لكل شيء قدرا (٣) .
[الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات ولكن قد ... ]
قال الشيخ تقي الدين: الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات؛ ولكن قد تحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة (٤) . واختاره أيضًا في
стр. 125
مكان آخر، قال: كما دلت عليه النصوص، واحتج بإبطال الصدقة بالمن والأذى (١) .
[كفارة الشرك]
وقال: كفارة الشرك التوحيد، والحسنات يذهبن السيئات (٢) .
قال الشيخ تقي الدين: ولعن تارك الصلاة على وجه العموم جائز. وأما لعنة المعين فالأولى تركها؛ لأنه يمكن أن يتوب.
وقال في موضع آخر: قيل لأحمد بن حنبل: أيؤخذ الحديث عن يزيد؟ فقال: لا ولا كرامة أو ليس هو فعل بأهل المدينة ما فعل؟ وقيل له: إن أقواما يقولون: إنا نحب يزيد فقال: وهل يحب يزيد من يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقيل له: أفلا تلعنه؟ فقال: متى رأيت أباك يلعن أحدا؟
[الخلاف في لعن المعين من الكفار والفساق. أما على سبيل العموم فجائز]
وقال الشيخ تقي الدين في موضع آخر في لعن المعين من الكفار من أهل القبلة وغيرهم من الفساق بالاعتقاد أو بالعمل: لأصحابنا فيها أقوال:
أحدها: لا يجوز بحال، وهو قول أبي بكر عبد العزيز.
والثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق.
والثالث: يجوز مطلقا.
وقال عبد الله بن ًأحمد الحنبلي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: على الجهمية لعنة الله. وكان الحسن يلعن الحجاج، وأحمد يقول: الحجاج رجل سوء.
стр. 126
قال الشيخ تقي الدين: ليس في هذا عن أحمد لعنة معين. لكن قول الحسن نعم.
قال الشيخ تقي الدين: لم أره (١) نقل لعنة معينة إلا لعنة نوع أو دعاء على معين بالعذاب أو سبا له. لكن قال (٢) : القاضي لم يفرق بين المطلق والمعين، وكذلك جدنا أبو البركات (٣) .
قال الشيخ تقي الدين: المنصوص عن أحمد الذي قرره الخلال اللعن المطلق، لا المعين. كما قلنا في نصوص الوعيد والوعد، وكما نقول في الشهادة بالجنة والنار؛ فإنا نشهد بأن المؤمنين في الجنة وأن الكافرين في النار، ونشهد بالجنة والنار لمن شهد له الكتاب والسنة، ولا نشهد بذلك لمعين إلا من شهد له النص أو شهد له الاستفاضة على قول. فالشهادة في الخبر كاللعن في الطلب، والخبر والطلب نوعا الكلام؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «إن الطعانين واللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة» فالشفاعة ضد اللعن، كما أن الشهادة ضد اللعن.
وكلام الخلال يقتضي أنه لا يلعن المعينين من الكفار فإنه ذكر قاتل عمر وكان كافرا ويقتضي أنه لا يلعن المعين من أهل الأهواء، فإنه ذكر قاتل علي وكان خارجيا، ثم استدل القاضي للمنع بما جاء من ذم اللعن، وأن هؤلاء ترجى لهم المغفرة، لا تجوز لعنتهم؛ لأن اللعن يقتضي الطرد والإبعاد بخلاف من حكم بكفره من المتأولين فإنهم مبعدون من الرحمة كغيرهم من الكفار. واستدل على جواز ذلك وإطلاقه بالنصوص التي جاءت باللعن، وجميعها مطلقة كالراشي والمرتشي وآكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبيه.
стр. 127
قال الشيخ تقي الدين: فصار للأصحاب في الفساق ثلاثة أقوال: أحدهما: المنع عموما وتعيينا إلا براوية النص. والثاني: إجازتها. والثالث: التفريق، وهو المنصوص؛ لكن المنع من المعين: هل هو منع كراهة، أو تحريم؟
ثم قال في الرد على الرافضي: لا يجوز، واحتج بنهيه ﵇ عن لعنة الرجل الذي يدعي حمارا، وقال هنا: ظاهر كلامه الكراهية، وبذلك فسره القاضي فيما بعد لما ذكر قول أحمد: لا تعجبني لعنة الحجاج ونحوه، لو عم فقال: لعنة الله على الظالمين (١) .
وقال في مكان آخر: وقد نقل عن أحمد لعنة أقوام معينين من دعاة أهل البدع؛ ولهذا فرق من فرق من الأصحاب بين لعنة الفاسق بالفعل وبين دعاة أهل الضلال؛ إما بناء على تكفيرهم، وإما بناء على أن ضررهم أشد. ومن جوز لعنة المبتدع المكفر عينا فإنه يجوز لعنة الكافر المعين بطريق الأولى. ومن لم يجوز أن يلعن إلا من ثبت لعنه بالنص فإنه لا يجوز لعنة الكافر المعين. فمن لم يجوز إلا لعن المنصوص يرى أن لا يجوز ذلك لا على وجه الانتصار ولا على وجه الجهاد وإقامة الحدود كالهجرة والتعزير والتحذير. وهذا مقتضى حديث أبي هريرة ﵁ الذي في الصحيح: أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو على أحد قنت بعد الركوع وقال فيه: «اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى نزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية [١٢٨/٣] » .
قال: وكذلك من لم يلعن المعين من أهل السنة أو من أهل القبلة أو مطلقا.
وأما من جوز لعنة الفاسق المعين على وجه البغض في الله والبراءة منه والتعزير فقد يجوز ذلك على وجه الانتصار أيضًا.
стр. 128
ومن يرجح المنع من لعن المعين فقد يجيب عما فعله النبي ﷺ بأحد أجوبة ثلاثة: إما بأن ذلك منسوخ كلعن من لعن في القنوت على ما قاله أبو هريرة. وإما أن ذلك مما دخل في قوله: «اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مسلم سببته أو لعنته وليس كذلك فاجعل ذلك له صلاة وزكاة ورحمة تقربه بها إليك يوم القيامة» . لكن قد يقال: هذا الحديث لا يدل على تحريم اللعنة وإنما يدل على أنه يفعلها باجتهاده بالتعزير، فجعل هذا الدعاء دافعا عمن ليس لها بأهل. وإما أن يقال: اللعن من النبي ﷺ ثابت بالنص فقد يكون اطلع على عاقبة الملعون. وقد يقال: الأصل مشاركته في الفعل، ولو كان لا يلعن إلا من علم أنه من أهل النار لما قال: «إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مسلم سببته أو شتمته أو لعنته فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة» . فهذا يقتضي أنه كان يخالف أن يكون لعنه بما يحتاج أن يستدرك بما يقابله من الحسنات فإنه معصوم، والاستدراك بهذا الدعاء يدفع ما يخاف من إصابة دعائه لمن لا يستحقه وإن كان باجتهاد؛ إذ هو باجتهاده الشرعي معصوم لأجل التأسي به.
وقد يقال: نصوص الفعل تدل على الجواز للظالم، كما يقتضي ذلك القياس؛ فإن اللعنة هي البعد عن رحمة الله، ومعلوم أنه يجوز أن يدعى عليه من العذاب بما يكون مبعدا عن رحمة الله في بعض المواضع كما تقدم، فاللعنة أولى أن تجوز والنبي ﷺ إنما نهى عن لعن من علم أنه يحب الله ورسوله، فمن علم أنه مؤمن في الباطن يحب الله ورسوله لا يلعن لأن هذا مرحوم، بخلاف من لا يكون كذلك انتهى كلامه (١) .
стр. 129
القدر
[سبق الماء]
قال ابن القيم ﵀: وله (١) أيضا من حديث أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: «كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك» الحديث بطوله، إلى أن قال: جئت أسألك عن الولد؟ فقال: «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل منى المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بإذن الله»
وسمعت شيخنا ﵀ يقول: في صحة هذا اللفظ نظر (٢) .
[الدعاء بطول العمر]
ويكره الدعاء بالبقاء لكل أحد؛ لأنه شيء قد فرغ منه. ونص عليه (٣) .
وليس لأحد اطلاع على اللوح سوى الله.
وما يوجد في كلام بعض الشيوخ والمتكلمين من الاطلاع عليه فمبني على ما اعتقدوه من أن اللوح هو العقل الفعال، وأن نفوس البشر تتصل به، كما يذكر ذلك أصحاب رسائل إخوان الصفا.
стр. 130
[لا يطلع على اللوح المحفوظ إلا الله، ما يعني الغزالي ورسائل إخوان الصفا باللوح والقلم والملائكة والشياطين وكلام الله]
وقد يوجد في كلام أبي حامد الغزالي في مثل جواهر القرآن والإحياء، ويظن من لا يعرف حقيقة هؤلاء ولا حقيقة دين الإسلام أن هذا من كلام أولياء الله المكاشفين، ولا يعلم هذا الجاهل أن الفلاسفة الصوفيين تقوله في العقل الفعال، وأن العالم السفلي يفيض عنه، وأنه في الحقيقة ربه ومدبره.
وكذلك ما يقولونه في «العقول العشرة» من كون كل عقل يفيض عنه ما تحته، وهو كفر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى.
وهؤلاء يأخذون لب الصابئة ويكسونه لحى الإسلام. وهم من جنس الملاحدة المنافقين يلبسون على المسلمين، وإن كان منهم من قد تاب أو تلبس عليه، مع أن أصل الإيمان معه، وأخطأ في ذلك أخطاء قد يغفرها الله له.
ويزعمون أنه لم يسجد لآدم شيء من الملائكة، وأن الشياطين امتنعوا عن السجود له لأنهم يفسرون الملائكة والشياطين بقوى النفس: قوى الخير، والشر.
ويجعلون كلام الله للأنبياء ما يفيض عليهم من نفوس الأنبياء وغيرهم وملائكته ما يكون في نفوسهم من الأشكال النورانية.
[هل مكتوب على كل فرج ناكحه ؟]
والمقصود أنه يوجد في عبارات هؤلاء إطلاق اللوح والقلم والملائكة ونحو ذلك من عبارات المسلمين ولكن المراد بها عندهم ما هو من دين الصابئة، وليس من دين المسلمين (١) .
وأما ما روي: «أنه مكتوب على كل فرج ناكحه» فليس صحيحًا أيضا (٢) . وليس هو من جنس كلام النبي ﷺ لكن لا ريب أن الله
стр. 131
تعالى كتب كل ما يفعله العباد قبل أن يفعلوه، فلذلك عنده. وقد ثبت أن الله يأمر الملك فيكتب على العبد كل ما يفعله قبل أن ينفخ فيه الروح (١) .
فصل
[قول القدرية من المعتزلة ونحوهم كفر وضلال. وتكفير المعين من هؤلاء ومن منكري بعض الصفات يتوقف على تحقق شروط وانتفاء موانع]
«القدرية» : من المعتزلة وغيرهم من الذين لا يقرون بأن الله خالق كل شيء، ولا أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فإذا أطلق عليهم أنهم خارجون عن التوحيد بمعنى أنهم كذبوا بالقدر، فهذا فيه نزاع حتى في مذهب مالك والشافعي وأحمد.
و «مسألة التكفير» بإنكار بعض الصفات وإثباته (٢) قد كثر فيها الاضطراب.
وتحقيق الأمر فيها: أن الشخص المعين الذي ثبت إيمانه لا يحكم بكفره إن لم تقم عليه حجة يكفر بمخالفتها، وإن كان القول كفرا في نفس الأمر بحيث يكفر بجحوده إذا علم أن الرسول ﷺ قاله. فقد أنكر طائفة من السلف بعض حروف القرآن؛ لعدم علمهم أنها منه فلم يكفروا. وعلى هذا حمل المحققون حديث الذي قال لأهله: «إذا أنا مت فأحرقوني» فإنه كان جاهلا بقدرة الله إذا فعل ذلك.
وليس كل جهل بعض ما أخبر به الرسول ﷺ يكفر؛ ولهذا قال السلف من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر. ولا يكفرون المعين الذي يقول ذلك؛ لأن ثبوت حكم التكفير في حقه متوقف على تحقق شروط وانتفاء موانع؛
стр. 132
فلا يحكم بكفر شخص بعينه إلا أن يعلم أنه منافق بأن قامت عليه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها ولم يقبلها.
لكن قول هؤلاء المعتزلة وأشباههم هو بلا شك من الكفر والضلال (١) .
[الأسباب لا تنكر، لكن هنا ثلاثة أمور ... ]
ومع علم المؤمن أن الله رب كل شيء ومليكه فلا ينكر ما خلقه الله من الأسباب فينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:
أحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب؛ بل لا بد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع.
الثاني: لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب لا يعلم، فمن أثبت سببا بلا علم أو بخلاف الشرع كان مبطلا كمن يظن أن النذر سبب في رفع البلاء.
الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببا للدنيا، إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادة مبناها على الإذن من الشارع، فلا يجوز أن يشرك بالله فيدعو غيره وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه.
وكذلك لا يعبد الله بالبدع وإن ظن في ذلك ثوابا؛ فإن الشيطان قد يعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك وقد يحصل له بالكفر والفسق والعصيان بعض أغراضه فلا يجوز له ذلك (٢) .
وقد تنازع الناس في الدعاء مطلقا.
стр. 133
[الدعاء من أعظم الأسباب. غلط من قال: لا فائدة فيه، أو عبادة محضة، أو علامة على حصول المطلوب]
فقالت طائفة: لا فائدة فيه، وهم المتفلسفة والمتصوفة وتبعهم طائفة من المؤمنين بالشرائع قالوا: إنه عبادة محضة.
وقال آخرون: بل هو أمارة وعلامة على حصول المطلوب وكل هذا باطل.
بل الحق أنه من أعظم الأسباب التي جعلها الله سببا.
والصواب أن الله جعل في الأجسام القوى التي هي الطبائع فإن من أهل الإثبات من أنكرها، وقال: إن الله جعل الآثار عندها لا بها، فيخلق الشبع عند الأكل؛ لا به. وهذا خلاف الكتاب والسنة؛ فإن الله تعالى قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [٥٧/٧] وفي القرآن من هذا كثير.
فهو سبحانه وإن جعل في الأجسام قوى مهيئة فكذلك الدعاء من جملة الأسباب التي خلقها، والسبب لا يستقل بالحكم ولا يوجبه، بل قد يتخلف عنه الحكم لمانع. فإذا كان متوقفا على وجود أسباب أخر وانتفاء موانع فليس في الوجود ما يستقل بالتأثير إلا الله الذي هو خالق كل شيء وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [٤٩/٥١] فتعلمون أن خالق الأزواج واحد.
[لا يستقل بالتأثير إلا الله]
وقد بسطنا الكلام في بطلان ما قاله المتفلسفون في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وما ذكروه من الترتيب الذي وضعوه لخيالاتهم الفاسدة في غير هذا الموضع (١) .
стр. 134
المنطق
قال ابن القيم ﵀: وزعم أرسطو وأتباعه أن المنطق ميزان المعاني كما أن العروض ميزان الشعر.
وقد بين نظار الإسلام فساد هذا الميزان، وعوجه، وتعويجه للعقول، وتخبيطه للأذهان، وصنفوا في رده وتهافته كثيرا.
وآخر من صنف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ألف في رده وإبطاله كتابين -كبيرا وصغيرا- بين فيه تناقضه، وتهافته، وفساد كثير من أوضاعه (١) .
стр. 135
السلوك، أو التصوف
كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لابد للسالك إلى الله من همة تسيره وترقيه، وعلم يبصره ويهديه (١) .
وقال العارف: يسير إلى الله بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس (٢) .
[ما لابد للسالك والعارف منه]
قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: العارف لا يرى له على أحد حقا، ولا يشهد له على غيره فضلا؛ ولذلك لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب.
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره. وكان يقول كثيرا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء. وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت.
أنا المكدي وابن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدي
وكان إذا أثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاما جيدا.
стр. 136
[المؤلف يستقل علمه وعمله، ظهور ذله وانكساره وافتقاره واعتماده على ربه]
وبعث إليَّ في آخر عمره «قاعدة» في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه.
أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المسكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ... ولا عن النفس لي دفع المضراتي
وليس لي دونه مولى يدبرني ... ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي
إلا بإذن من الرحمن خالقنا ... إلى الشفيع كما قد جاء في الآياتي
ولست أملك شيئا دونه أبدا ... ولا شريك أنا في بعض ذراتي
ولا ظهير له كي يستعين به ... كما يكون لأرباب الولاياتي
والفقر لي وصف ذات لازم أبدا ... كما الغنى أبدا وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم ... وكلهم عنده عبد له آتي
فمن بغى مطلبا من غير خالقه ... فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
والحمد لله ملأ الكون أجمعه ... ما كان منه وما من بعد قد ياتي (١)
[الصبر. صبر يوسف عن مطاوعتها أعظم من صبره على ما فعله به إخوته]
وسمعت شيخ الإسلام -قدس الله روحه- يقول: كان صبر يوسف ﵇ عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضى ومحاربة للنفس، ولاسيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة فإنه كان شابا وداعية الشباب إليها قوية. وعزبا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته. وغريبا والغريب لا يستحيي في بلد غربته مما يستحيي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله. ومملوكا، والمملوك أيضا ليس وازعه كوازع
стр. 137
الحر. والمرأة جميلة وذات منصب وهي سيدته وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها، والحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصغار ومع هذه الدواعي كلها صبر اختيارا وإيثارا لما عند الله. وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه؟!
[الصبر على أداء الطاعة ... الصبر واليقين ..]
وكان يقول: الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل؛ فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية (١) .
وكان يقول بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين (٢) .
[كيف تواجه العوارض والمحن ؟]
قال لي شيخ الإسلام ﵀ مرة: العوارض والمحن هي كالحر والبرد؛ فإذا علم العبد أنه لا بد منهما لم يغب لورودهما، ولم يغتم لذلك، ولم يحزن (٣) .
[التوبة العامة، والتوبة المجملة]
قال الشيخ تقي الدين: فمن تاب توبة عامة كانت هذه التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها؛ إلا أن يعارض هذا العام معارض يوجب التخصيص؛ مثل أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب منه لقوة إرادته إياه، أو لاعتقاده أنه حسن. وتصح من بعض ذنوبه في الأصح (٤) .
وذكر الشيخ تقي الدين أن التوبة المجملة لا توجب دخول كل فرد
стр. 138
من أفراد الذنوب فيها، ولا تمنع دخوله، كاللفظ المطلق بخلاف العام (١) .
قال ابن عقيل: وعن أحمد أن التوبة لا تصح إلا من جميع الذنوب، قال في رجل قال: لو ضربت ما زنيت، ولكن لا أترك النظر. فقال أحمد ﵁: ما ينفعه ذلك، وذكر ابن عقيل هذه الرواية ولفظها: أي توبة هذه؟!
وقد قال أحمد في تعاليق إبراهيم الحربي: لو كان في الرجل مائة خصلة من خصال الخير وكان يشرب النبيذ لمحتها كلها ... وقال الشيخ تقي الدين: إنما أراد -يعني أحمد- أن هذه ليست توبة عامة، لم يرد أن ذنب هذا كذنب المصر على الكبائر؛ فإن نصوصه المتواترة تنافي ذلك، وحمل كلامه على ما يصدق بعضه بعضا أولى. لا سيما إذا كان القول الآخر مبتدعا لم يعرف عن أحد من السلف. انتهى كلامه (٢) .
[الجمع بين الرضا والرحمة أكمل]
قال ابن القيم ﵀: وقد ذكر في مناقب «الفضيل بن عياض» أنه ضحك يوم موت ابنه علي، فسئل عن ذلك فقال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه. وهدي رسول الله ﷺ أكمل وأفضل، فإنه جمع بين الرضا بقضاء الله تعالى وبين رحمة الطفل؛ فإنه لما قال له سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» .
والفضيل ضاق عن الجمع بين الأمرين فلم يتسع للرضا بقضاء الرب وبقاء الرحمة للولد. هذا جواب شيخنا سمعته منه (٣) .
стр. 139
ويستحب البكاء على الميت رحمة له، وهو أكمل من الفرح لقوله ﷺ : «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده» متفق عليه (١) .
[الخوف والرجا لا يغلب أحدهما، والرجا بالنظر إلى سبق الرحمة يجب.. والخوف بالنظر إلى تفريطه]
وينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدا، فأيهما غلب هلك صاحبه، ونص عليه الإمام أحمد؛ لأن من غلب خوفه وقع في نوع من اليأس. ومن غلب رجاؤه وقع في نوع من الأمن من مكر الله (٢) .
وفي «النصحية» : يغلب الخوف لحمله على العمل وفاقا للشافعية. وقال الفضيل بن عياض وغيره ونصه: ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه واحدا. وفي رواية: فأيهما غلب صاحبه هلك.
قال شيخنا: وهذا هو العدل؛ ولهذا من غلب عليه حال الخوف أوقعه في نوع من اليأس والقنوط: إما في نفسه، وإما في أمور الناس. ومن غلب عليه حال الرجا بلا خوف أوقعه في نوع من الأمن لمكر الله: إما في نفسه وإما في أمور الناس. والرجا بحسب رحمة الله التي سبقت غضبه يجب ترجيحه، كما قال تعالى: «أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي خيرا» . وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريط العبد وتعديه؛ فإن الله عدل لا يأخذ إلا بالذنب (٣) .
[الخوف المحمود]
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله (٤) .
[توبة مملوك هارب]
ولقد سئل شيخنا أبو العباس ابن تيمية -قدس الله روحه- سأله شخص فقال: هربت من أستاذي وأنا صغير، إلى الآن لم أطلع له
стр. 140
على خبر، وأنا مملوك، وقد خفت من الله ، وأريد براءة ذمتي من حق أستاذي من رقبتي. وقد سألت جماعة من المفتين، فقالوا لي: اذهب فاقعد في المستودع؛ فضحك شيخنا، وقال: تصدق بقيمتك أعلى ما كانت عن سيدك، ولا حاجة لك بالمستودع تقعد فيه عبثا في غير مصلحة، وإضرارا بك، وتعطيلا لمصالحك؛ ولا مصلحة لأستاذك في هذا ولا لك، ولا للمسلمين. أو نحو هذا من الكلام. والله أعلم (١) .
[توبة من عاوض معاوضة محرمة وقبض ... ]
المسألة الثانية: إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض كالزانية والمغني وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم، ثم تاب والعوض بيده.
فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح.
وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به، ولا يدفعه إلى من أخذه منه. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) .
فصل
وأما التوبة النصوح فقد قال عمر بن الخطاب وغيره من السلف: هو أن يتوب ثم لا يعود. ومن تاب ثم عاد فعليه أن يتوب مرة ثانية، ثم إن عاد فعليه أن يتوب، وكذلك كلما أذنب ولا ييأس من روح الله. وإن لم تكن التوبة نصوحا فلعله إذا عاد إلى التوبة مرة بعد مرة مَنَّ الله عليه في آخر الأمر بتوبة نصوح.
стр. 141
[التوبة النصوح. إذا تاب ثم عاد. ومن ختم له بسوء]
والتائب إذا كانت نيته خالصة محضة لم يشبها قصد آخر فإنه لا يعود إلى الذنب؛ فإنه إنما يعود لبقايا غش كانت في نفسه، وقد قيل: إنه قد يعود من تاب توبة نصوحا. وقد يقال: إن الأول أرجح؛ فإن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لم يسخطه أبدا والقلب إذا باشر حقيقة الإيمان لم يتركه.
وهذا أصل تنازع فيه الناس، وهو: أنه من ختم له بسوء: هل يقال إنه كان في أصل عمله غش فعاد إليه، أو كان عمله الأول خالصا لا غش فيه ثم انقلب وانتكس؟ على قولين والتوبة من هذا.
والاستقراء يدل على أنه إذا خلص الإيمان إلى القلب لم يرجع عنه؛ ولكن قد يحصل له اضطراب، ويلقى الشيطان في قلبه وساوس وخطرات ويوجِدُ فيه هما، وأمثال ذلك كما شكى أصحاب رسول الله ﷺ إليه فقالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: «أوقد وجدتموه» ؟ فقالوا: نعم. فقال: «ذلك صريح الإيمان» . وقال: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» والحديث في مسلم. فكراهة هذه الوساوس هي صريح الإيمان.
والتائب في نفسه مع الهم والوساوس والميل مع كراهته لذلك، ويقول في قلبه ما لا يخرجه ذلك عن كونه توبة نصوحا. قال الإمام أحمد: الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار؛ وكان هم يوسف هم خطرات، فترك ما هم به لله، فكتبه الله له حسنة ولم يكتب عليه سيئة، وكان هم امرأة العزيز هم إصرار فكذبت، وأرادت، وظلمت لأجل مرادها.
وقد تنازع الناس في العزم الجازم هل يؤخذ به بدون العمل؟ على قولين.
стр. 142
والصواب: أن العزم الجازم متى اقترن به القدرة والإرادة فلا بد من وجود العمل. فإذا كان العازم قادرا ولم يفعل ما عزم عليه فليس عزمه جازما، فيكون من باب الهم الذي لا يأخذ الله به، ولهذا من عزم على معصية فعل مقدماتها ولو أنه يخطو خطوة برجله أو ينظر نظرة بعينه فإذا عجز عن إتمام مقصوده بها يعاقب؛ لأنه فعل ما يقدر عليه وترك ما عجز عنه (١) .
[تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر]
وتصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر، إذا كان المقتضي للتوبة منه أقوى من المقتضي للتوبة من الآخر، أو كان المانع من أحدهما أشد. هذا هو المعروف عن السلف والخلف (٢) .
[معنى حجز التوبة من المبتدع]
قال المروذي: سئل أحمد ﵁ عما روي عن النبي ﷺ : «أن الله احتجز التوبة عن صاحب بدعة» وحجز التوبة أي شيء معناه؟ قال أحمد: لا يوفق ولا ييسر صاحب بدعة لتوبة، وقال النبي ﷺ لما قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [١٥٩/٦] فقال النبي ﷺ : «هم أهل البدع والأهواء ليست لهم توبة» .
قال الشيخ تقي الدين: لأن اعتقاده لذلك يدعوه إلى ألاَّ ينظر نظرًا تاما إلى دليل خلافه فلا يعرف الحق، ولهذا قال السلف: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. وقال أيوب السختياني وغيره: إن المبتدع لا يرجع.
وأيضا التوبة من الاعتقاد الذي كثر ملازمة صاحبه له ومعرفته
стр. 143
بحججه يحتاج إلى ما يقارب ذلك من المعرفة والعلم والأدلة ومن هذا قول النبي ﷺ : «اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شبابهم» قال أحمد وغيره: لأن الشيخ قد عسى في الكفر فإسلامه بعيد (١) .
[هل يعود بعد التوبة إلى درجته، أو أرفع ؟]
قال ابن القيم ﵀: واختلف الناس: هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها بناء على أن التوبة تمحو أثر الذنب وتجعل وجوده كعدمه فكأنه لم يكن؟ أو لا يعود بناء على أن التوبة تأثيرها في إسقاط العقوبة، وأما الدرجة التي فاتته فإنه لا يصل إليها؟ إلى أن قال:
وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين الطائفتين حكما مقبولا فقال: مثل درجته ومنهم من لا يصل إلى درجته (٢) .
قال الشيخ تقي الدين: التائب عمله أعظم من عمل غيره ومن لم تكن له مثل تلك السيئات، فإن كان قد عمل مكان سيئات ذلك حسنات فهذا درجاته بحسب حسناته فقد يكون أرفع من التائب إن كانت حسناته أرفع. وإن كان قد عمل سيئات ولم يتب منها فهذا ناقص. وإن كان مشغولا بما لا ثواب فيه ولا عقاب فهذا التائب الذي اجتهد في التوبة والتبديل له من العمل والمجاهدة ما ليس لذلك البطال (٣) .
هل تغفر للكافر الذنوب التي فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام؟ فيه قولان معروفان.
قال الشيخ تقي الدين: أحدهما: يغفر له الجميع؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [٣٨/٨]
стр. 144
أي ينتهوا عن كفرهم، ولأنه اندرج في ضمن المحرم الأكبر فسقط بسقوطه. وفيه نظر.
والثاني: لا نقله البغوي عن أحمد رواه الخلال، وهو ظاهر ما اختاره ابن عقيل.
[غفران الذنوب التي فعلها الكافر حال كفر فيه تفصيل]
قال الشيخ تقي الدين: وهذا القول الذي تدل عليه النقول والنصوص.
وقال في موضع آخر: إنه إن تاب من جميع معاصيه غفر له، وإن أصر عليها لم يغفر له، وإن كان ذاهلا عن الإصرار والإقلاع إما ناسيا أو ذاكرا غير مريد للفعل ولا للترك غفر له أيضا. والحديثان يأتلفان على هذا -يعني حديث عمرو بن العاص- قول النبي ﷺ له: «يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» رواه مسلم وغيره، وحديث ابن مسعود وهو في الصحيحين: أن ناسا قالوا لرسول الله ﷺ : أنؤخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام» .
قال الشيخ تقي الدين: فالإسلام لتضمنه التوبة المطلقة يوجب المغفرة المطلقة، إلا أن يقترن به ما ينافي هذا الاقتضاء وهو الإصرار، كما أنه يوجب الإيمان المطلق ما لم يناقضه كفر متصل. فالإصرار في الذنوب كالاعتقاد في التصديق. انتهى كلامه (١) .
[الاستقامة]
قال ابن القيم ﵀، بعد ذكره آيات الاستقامة، وتفسير السلف لها: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة (٢) .
стр. 145
ويقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة (١) .
[إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك]
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه فإن الرب تعالى شكور (٢)(٣) .
[إذا بادرت النفس إلى الطاعة طواعية ... ]
وإذا ارتاضت نفس العبد على الطاعة وانشرحت بها وتنعمت بها وبادرت إليها طواعية ومحبة كان أفضل ممن يجاهد نفسه على الطاعات ويكرهها عليها، وهو قول الجنيد وجماعة من أهل البصرة (٤) .
[الفرح بالله، ودخول جنته في الدنيا. جنة ابن تيمية وطيب حياته ... ]
قال ابن القيم ﵀: ورأيت شيخ الإسلام -قدس الله روحه- في المنام وكأني ذكرت له شيئا من أعمال القلوب. وأخذت في تعظيمه ومنفعته -لا أذكره الآن- فقال: أما أنا فطريقتي: الفرح بالله والسرور به أو نحو هذا من العبارة.
وهكذا كانت حاله في الحياة يبدو ذلك على ظاهره، وينادي به عليه حاله (٥) .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.