هَدَيْتَنَا﴾ [٨/٣] ، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [٥/٦١] يفسر هذا عدة أحاديث.
﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [٥٦/٣٩] ربما أدخل في هذا وهو غلط، إلا على وجه آخر. ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [٤٧/٥١] هو الأيد؛ ليس الأيدي كقوله: ﴿دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [١٧/٣٨] بخلاف قوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [٤٥/٣٨] ، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [٦٧/٣٩] وقد حققه حديث ابن مسعود وابن عمر وغيرهما وآثار كثيرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [١٠/٤٨] ، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [٢٩/٥٧] ، ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [٤٢/٦٨] كما فسره حديث أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود وغيرهم. ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [٢١/٧٦] ، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [١٠٥/٢] (١) .
[الأشعري وأئمة أصحابه يثبتون الصفات الخبرية لا يقتصرون على السبع]
قال شيخ الإسلام -قدس الله روحه-: ولما رجع الأشعري من مذهب المعتزلة سلك طريق ابن كلاب ومال في أهل السنة والحديث (٢) وانتسب إلى الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها: كالإبانة والموجز، والمقالات، وغيرها. وكان القدماء من أصحاب أحمد كأبي بكر بن عبد العزيز وأبي الحسين التميمي وأمثالهما يذكرونه في كتبهم على طريق الموافق للسنة في الجملة، ويذكرون رده على المعتزلة، وأبدى تناقضهم.
стр. 79
ثم ذكر ما بين الأشعري وقدماء أصحابه وبين الحنابلة من التآلف لا سيما بين القاضي أبي بكر بن الباقلاني وبين أبي الفضل التميمي، حتى كان ابن الباقلاني يكتب في أجوبته في المسائل: كتبه محمد بن الطيب الحنبلي، ويكتب أيضا الأشعري.
قال: وعلى العقيدة التي صنفها أبو الفضل التميمي اعتمد البيهقي في الكتاب الذي صنفه في مناقب أحمد لما ذكر عقيدة أحمد.
قال: وأما ابن حامد وابن بطة وغيرهما فإنهم مخالفون لأصل ابن كلاب.
قال: والأشعري وأئمة أصحابه كأبي الحسن الطبري وأبي عبد الله بن مجاهد والقاضي أبي بكر متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليدين وإبطال تأويلها، وليس للأشعري في ذلك قولان أصلا. ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين؛ ولكن لأتباعه قولان في ذلك. ولأبي المعالي الجويني في تأويلها قولان أولهما في الإرشاد ورجع عن التأويل في رسالته النظامية وحرمه ونقل إجماع السلف على تحريمه وأنه ليس بواجب ولا جائز (١) .
стр. 80
مفصل الاعتقاد (١)
[موت الملائكة في الأرض]
ما ذكر من نزول الملائكة إلى الأرض وأنهم يعبدون الله فيها ويموتون فيها لا أصل لذلك (٢) .
والصواب الذي عليه المحققون أن الخضر ﵇ ميت لم يدرك الإسلام (٣) .
[كفر من لم يؤمن بمحمد ومن ارتاب في كفر من لم يؤمن به]
ولا خلاف بين المسلمين أن من لم يؤمن بمحمد ﷺ بعد بلوغ رسالته إليه أنه كافر مخلد في النار، ومن ارتاب في ذلك فهو كافر يجب قتله، كما استتاب عمر وعلي ﵄ طائفة جهلت حرمة الخمر فظنت أنها تباح للصالحين دون غيرهم، واتفق الصحابة على أن هؤلاء إن أصروا قتلوا (٤) .
فصل
في الأحاديث التي سئل عنها رسول الله ﷺ عن الساعة فقال: «إن يعش هذا الغلام فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» المراد بذلك «ساعة
стр. 81
القرن» وهي موتهم؛ فإن في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه متى الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول: «إن يعش هذا الغلام لم يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم» قال هشام: يعني موتهم فهذا يبين تلك الأحاديث.
[الساعة الصغرى، والساعة الكبرى، وأدلتها، وعلاماتها، وأصناف الناس في الإقرار بها]
وقد يراد بالقيامة الموت، وأن من مات فقد قامت قيامته كما قال المغيرة بن شعبة ﵁: أيها الناس إنكم تقولون: القيامة، القيامة؛ فإن من مات قامت قيامته.
وليس واحد من هذين النوعين منافيا لما أخبر الله به من «القيامة الكبرى» التي يقوم فيها الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة بعد أن تعاد الأرواح إلى الأجساد. وإنما ينكر هذا أهل الزندقة من الفلاسفة ونحوهم ويتأولون ما في القرآن من ذلك ومن ذكر القيامة على أن المراد بها الموت؛ نحو تأويلهم قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [١/٨١] أنها العقل إذا غاب بالموت، ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [٢/٨١] ، أنها أعضاء الإنسان وحواسه. ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [٣/٨١] أنها أعضاؤه الكبار التي يحملها الحاملون إلى القبر. ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [٤/٨١] أنها ما في بدنه من الأرواح البخارية وقواها. وأمثال هذه التأويلات التي يذكرها السهرودي المقتول على الزندقة في الأرواح العمادية ويذكرها من يذكرها من المتفلسفة القرامطة الباطنية.
فإن «القيامة الكبرى» مما علم بالاضطرار من دين الإسلام. ومن تدبر القرآن وتفسيره والأحاديث المتواترة عنه ﷺ وعن أصحابه وسائر الأئمة علم ذلك، كما يعلم أن محمدا ﷺ جاء بالصلاة وبالصوم وحج البيت العتيق وتحريم الفواحش ونحو ذلك، كما في أول سورة الواقعة
стр. 82
وفي آخر السورة: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [٨٣/٥٦] فهذا تفصيل لحال الموت كما أن أول السورة لذكر القيامة. وكذلك قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [١/٧٥] .
ثم قال: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [٢، ٣/٧٥] فجمع عظامه هو في القيامة الكبرى، إلى قوله: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [٢٦، ٢٧، ٢٨/٧٥] فبين ما يقوله عند الموت، إلى قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ إلى أن قال: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [٤٠/٧٥] فاستدل سبحانه بقدرته على الخلق الأول على إحياء الموتى وذلك في القرآن كثير، يستدل بالنشأة الأولى على البعث في القيامة الكبرى.
وتارة يبين البعث ببيان قدرته على خلق الحيوان، وتارة بخلق النبات كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ، إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [٥-٧/٢٢] وقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [٩/٣٥] .
فهذا كله بيان للقيامة الكبرى.
وتارة يستدل عليها بقدرته على خلق العالم كما في قوله في سورة «ق» : ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [٦، ٩، ١١/٥٠] .
стр. 83
ثم ذكر الموت بقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [١٩/٥٠] .
وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [٨١/٣٦] .
وقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [٥٧/٤٠] .
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [٣٣/٤٦] .
وتارة يستدل بالنشأة الأولى نحو قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ الآيات [٧٨/٣٦] .
وقوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [٥٠/١٧] .
وذكر إحياء الموتى في غير موضع نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [٥٦/٢] .
وقال فيها أيضًا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [٧٣/٢] .
وقال فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [٢٤٣/٢] ، وقال فيها: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [٢٥٩/٢] وذلك أكثر من أن يحصر.
وأما «أشراط الساعة» التي ذكر الله تعالى أنه لا يعلمها إلا هو مثل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك؛ فهي من أشراط الساعة، وهي «القيامة الكبرى» التي لا يعلمها أحد إلا الله فهذه الساعة لا يعلمها أحد غيره سبحانه؛ بخلاف غيرها من موت الإنسان وانخرام القرن فإنه يعرفه من الخلق من شاء الله منهم، وجمهور الخلق يعلمون ذلك تقريبا وإن لم يعلموه تحديدا كما يعلمون أن غالب
стр. 84
الخلق لا يبقون مائة سنة ونحو ذلك مما جرت به العادة. وقد يعلم ذلك بطريق أخرى مما لا يتسع له هذا الموضوع.
فلا يقال في تلك الساعة الصغرى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [١٨٧/٧] أي خفي علمها على أهل السموات والأرض. وقال: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [٦٣/٣٣] ، وقد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [٣٤/٣١] .
والناس في المعاد على أربعة أصناف:
فالذي عليه الرسل وأتباعهم الذين لا بدعة فيهم هو الإقرار بمعاد الأبدان والأرواح.
وأكثر هؤلاء الدهرية كذبوا بالمعاد مطلقا.
وبين هذين طائفتان: طائفة من أهل الكلام أقروا بمعاد الأبدان والقيامة الكبرى، وأنكروا أمر الأرواح فلم يقروا بأنه بعد الموت نعيم أو عذاب.
ومنهم من أقر بالعذاب على البدن فقط دون الروح، وزعم أن الروح هي الحياة التي للبدن، ومنهم من يقر بمعاد الروح فقط.
وطائفة من المتفلسفة أقروا بمعاد الأنفس فقط دون الأبدان وكفروا بما جاءت به الرسل.
وقد دخل مع أولئك من متكلمي الإثبات جماعة كالقاضي أبي بكر ابن الطيب وأمثاله ممن يزعم أن الروح ليست جوهرا قائما بنفسه لكنها عرض من أعراض البدن.
стр. 85
ومنهم من جعل الروح جزءا من أجزاء البدن وهو الريح الذي يدخل البدن ويخرج منه، والبخار الذي من القلب. وهذه الأقوال فاسدة.
والذي عليه السلف أن الروح التي تقبض بالموت ليست هي البدن ولا جزء منه ولا صفة من صفاته؛ بل هي جوهر قائم بنفسه، ودلائل الكتاب والسنة على ذلك كثيرة جدا.
لكن هؤلاء مع غلطهم وضلالهم أقرب إلى الإسلام ممن قال: إن هذه الروح ليست داخل العالم ولا خارجه ولا توصف بحركة ولا سكون ولا دخول ولا خروج ولا تحول ولا انتقال، وأن المعاد ليس إلا لها وأن البدن لا يعاد، فإن إنكار معاد الأبدان كفر بين، وقد علم من دين الإسلام فساده، وأن المكذبين بالمعاد مراغمون للرسل مراغمة بينة كما قد بسط في موضعه (١) .
فصل
[الإيمان بمعاد الأرواح والأبدان، وما يحصل للروح في البرزخ من نعيم أو عذاب]
عظيم المنفعة في «أمر المعاد» وذلك أن مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها الإيمان بالقيامة العامة التي يقوم الناس فيها من قبورهم لرب العالمين، ويجزي العباد حينئذ ويحاسبهم، ويدخل فريقا الجنة وفريقا النار، كما هو مبين في الكتاب والسنة.
والإيمان مع ذلك بنعيم القبر وبعذابه، وبما يكون في البرزخ من حين الموت إلى حين القيامة من نعيم وعذاب فالإنسان منذ تفارق
стр. 86
روحه بدنه هو إما في نعيم وإما في عذاب فلا يتأخر النعيم والعذاب عن النفوس إلى حين القيامة العامة وإن كان كماله حينئذ، ولا تبقى النفوس المفارقة لأبدانها خارجة عن النعيم والعذاب ألوفا من السنين إلى أن تقوم القيامة الكبرى، ولهذا قال المغيرة بن شعبة: أيها الناس إنكم تقولون: القيامة، القيامة. وإنه من مات فقد قامت قيامته.
واسم «الساعة» في السنة قد يراد به انقراض القرن وهلاك أهله، كما ذكر ذلك البغوي وغيره، وهو مذكور في أحاديث صحيحة «حتى تقوم عليكم ساعتكم» يريد به انخرام ذلك القرن، فلهذا هو مفسر في الحديث الصحيح.
وكذلك مذهب أهل السنة والجماعة الإقرار بمعاد الأرواح والأبدان جميعا، وأن الروح باقية بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة.
وأما أهل الأهواء: فكان كثير من الجهمية والمعتزلة ونحوهم يكذب بما في البرزخ من النعيم والعذاب ولا يقر بما يكون في القبر، كما ينكرون أيضا وجود الجنة والنار، ولا يعتقدون نعيما ولا عذابا ولا ثوابا ولا عقابا إلا عند القيامة الكبرى.
ثم منهم من يقول ليست الروح شيئا ثابتا بدون البدن، وبعض هؤلاء يقر بعذاب القبر ونعيمه للجسد فقط دون روح باقية دونه، وهذا كثير في مقالات طوائف من أهل الكلام. وهم يتكلمون في إحداث العالم وإفنائه، وقد يزعمون أن العالم يفنى بجملته ثم يعاد ومنهم من يزعم أنه يفنى بعد دخول الجنة والنار، وأنهما يفنيان، كما يذكر ذلك عن الجهم بن صفوان، وزعم أبو الهذيل أن حركاتهم تفنى وأمثال هذه المقالات.
[ضلال من ينكر تغيير هذا العالم عند القيامة الكبرى]
وفي مقابلة هؤلاء طوائف من الفلاسفة المشائين وغيرهم ومن قد يتبعهم من المليين يكذبون بالقيامة العامة، وإنما يقرون بالقيامة التي هي
стр. 87
انقراض القرون والطوفانات العامة، وبأن من مات فقد قامت قيامته؛ ويقرون بمعاد الأرواح دون الأبدان. ويمتنعون ولا يقرون بتغيير هذا العالم، ولا بشق السموات وانفطارها، وتكوير الشمس والقمر، واستحالة الأجسام العلوية، كما جاءت به النصوص، بل يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولون ذلك على أنه أمثال مضروبة بحال المعاد الجزئي، وهو حال النفس عند مفارقة البدن، ولا يقرون بإحداث ولا إفناء (١) .
وسماع الميت لقرع نعالهم والسلام عليه ونحو ذلك مما ثبت أن جنس الأموات يسمعونه، ليس ذلك مخصوصا بقوم معينين.
[سماع الميت لقرع نعالهم والسلام عليه عام. معرفة الميت بحال أهله]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [٨٠/٢٧] المراد السماع المعتاد الذي يتضمن القبول والانتفاع -كما في حق الكفار- السماع النافع في قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [٢٣/٨] ، وقوله تعالى: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [١٠/٦٧] فإذا كان قد نفى عن الكافر السمع مطلقَّا وعلم أنه إنما نفى سمع القلب المتضمن للفهم والقبول لا مجرد سماع الكلام فكذلك المشبه به وهو الميت.
والحديث الذي قال النبي ﷺ فيه: «إن الميت إذا حمل قال قدموني» أو يقول: «يا ويلها» الحديث، ليس هذا هو الكلام المعتاد بتحريك اللسان؛ فإنه لو كان كذلك لسمعه كل أحد ولكن هو أمر باطن آخر وليس هو مجرد الروح، فإن الروح منفصل عن البدن فإن النائم قد يسمع ويتكلم، وذلك بروحه وبدنه الباطن بحيث يظهر أثر ذلك في بدنه، حتى إنه قد يقوم ويصيح ويمشي ويتنعم بدنه ويتعذب ومع ذلك فعيناه مغمضتان، وغالبهم أن لسانه لا يتحرك، لكن إذا قوي أمر
стр. 88
الباطن فقد ينطلق اللسان الظاهر حتى يصوت به ولو نودي من حيث الظاهر لا يسمع، فكما أن النائم حاله لا تشبه حال اليقظان -ولا أحواله مختصة بالروح فالميت أبلغ من ذلك- فإن معرفته بالأمور أكمل من النائم.
[قول الميت قدموني أمر باطن آخر]
وإدراك الإنسان بعد موته لأمور الآخرة أكمل من إدراك أهل الدنيا وإن كان قد يعرض للميت حال لا يدرك فيها كما قد يعرض ذلك النائم، وقد روي: «من مات ولم يوص لا يستطيع الكلام»
وأرواح المؤمنين وإن كانت في الجنة فلها اتصال بالبدن إذا شاء الله تعالى من غير زمن طويل، كما تنزل الملائكة في طرفة عين. قال مالك ﵀: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت ولهذا روي: «أنها على أفنية القبور» ، و «أنها في الجنة» والجميع حق.
وفي الصحاح أنها ترد إليه بعد الموت ويسأل وترد فتكون متصلة بالبدن بلا ريب والله أعلم.
وقد استفاضت الأخبار بمعرفة الميت بحال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وأنه يرى ويدري بما يفعل عنده، ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا. وروي عن عائشة ﵂ بعد أن دفن عمر ﵁: «كانت تستتر وتقول: «كان أبي وزوجي، فأما عمر فأجنبي» تعني أنه يراها.
وروي أن الموتى يسألون الميت عن حال أهليهم فيعرفهم أحوالهم وأنه ولد لفلان ولد، وتزوجت فلانة ومات فلان فما جاء؟ فيقولون راح إلى أمه الهاوية (١) .
قال شيخ الإسلام: الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود
стр. 89
الروح إلى البدن وقت السؤال. وعود البدن بلا روح قول طائفة من الناس، وأنكره الجمهور.
[عود الروح إلى البدن وقت السؤال]
وقابلهم آخرون فقالوا: السؤال للروح بلا بدن وهذا قاله مُرّة وابن حزم، وكلاهما غلط، والأحاديث الصحيحة ترده، ولو كان ذلك للروح فقط لم يكن للقبر بالروح اختصاص (١) .
قال ابن القيم ﵀: وليس نزول الروح وصعودها وقربها وبعدها من جنس ما للبدن؛ فإنها تصعد إلى ما فوق السموات ثم تهبط إلى الأرض ما بين قبضها ووضع الميت في قبره وهو زمن يسير لا يصعد البدن وينزل في مثله. وكذلك صعودها وعودها إلى البدن في النوم واليقظة وقد مثلها بعضهم بالشمس وشعاعها في الأرض.
[تمثيل حركة الروح بالشمس]
قال شيخنا: وليس هذا مثلا مطابقا فإن نفس الشمس لا تنزل من السماء والشعاع الذي على الأرض ليس هو الشمس ولا صفتها بل هو عرض حصل بسبب الشمس والجرم المقابل لها والروح نفسها تصعد وتنزل (٢) .
[قد يصف الميت للنائم دواء، أو يجيبه عن مسألة]
قال ابن القيم ﵀: وأما من حصل له الشفاء باستعمال دواء رأى من وصفه له في منامه فكثير جدا، وقد حدثني غير واحد ممن كان غير مائل إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه رآه بعد موته وسأله عن شيء كان يشكل عليه من مسائل الفرائض وغيرها فأجابه بالصواب (٣) .
قال ابن القيم ﵀ (٤) : وأما الفلاسفة المشاءون فقالوا: هو
стр. 90
اتفاق أخلاق وتشاكل محبات وتجانسها وشوق كل نفس إلى ما شاكلها وجانسها في الخلقة القديمة قبل إهباطها إلى الأجساد.
[حدوث النفس مع البدن لا قبله]
قلت: هذا مبني على قولهم الفاسد بتقدم النفوس على الأبدان، وعليه بنى ابن سينا قصيدته المشهورة:
هبطت إليك من المحل الأرفع
وسمعت شيخنا يحكي عن بعض فضلاء المغاربة -وهو جمال الدين بن الشريشي شارح المقامات- أنه كان ينكر أن تكون هذه له. قال: وهي مخالفة لما قرره في كتبه من أن حدوث النفس الناطقة مع البدن (١) .
فصل
[الاختلاف في مسمى الإنسان: هل هو الجسد أو الروح أو هما؟]
قد ذكرت في غير هذا الموضع أن الناس اختلفوا في مسمى الإنسان: هل هو الجسد؟ وهو الجملة المشاهدة كما يقوله أكثر أهل الكلام من أصحابنا وغيرهم، أو هو اسم لما وراء هذه الجملة وهو الروح كما قاله كثير من أهل الفلسفة وطائفة من أهل الكلام؟ أو هو اسم للمجموع؟ على ثلاثة أقوال. والثالث هو الصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة وجمهور الناس، وإن كان الاسم عند التقييد يتناول الجسد فقط، أو الروح فقط أو أحدهما بشرط الآخر فيكون الآخر شرطا تارة، كما كان شطرا في الأصل.
وكذلك اختلفوا في وصفه الظاهر وهو النطق المذكور في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [٢٣/٥١] هل هو
стр. 91
اسم للحروف والأصوات فقط، كما هو قول المعتزلة وطائفة من أهل السنة من أصحابنا وغيرهم، أو هو اسم لمعنى قائم بالنفس وراء الحروف والأصوات كما هو قول الكلابية والأشعرية وبعض أهل السنة. أو هو اسم لمجموع اللفظ والمعنى؟ على ثلاثة أقوال.
[وفي كلامه: هل هو الحروف والأصوات أو هو لمعاني والحروف أو المعاني]
والثالث هو الصواب الذي عليه الأئمة، وهو منصوص أحمد وغيره حيث نص على أن كل واحد من المعاني والحروف داخلة في مسمى الكلام، وهو قول جمهور الخلق، وهو مدلول الكتاب والسنة، وإن كان الكلام يقع تارة على المعنى ... (١) إما مجردا وإما بشرط الآخر، وهذا في الحروف كثير فإن إضافة الكلام والنطق والقول إلى اللسان ووضع ذلك على الحروف والأصوات كثير. وأما إضافة ذلك إلى النفس والقلب ووضع ذلك على المعاني فمثل قول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به» ومثل قول أبي الدرداء: ليحذر أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، وقوله: إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم. فأضاف اللعنة إلى القلوب واللعنة من الدعاء الذي هو أحد نوعي الكلام. ومثل قول الحسن البصري: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر، ويناطقون القلوب حتى نطقت، فإذا لها أسماع وأبصار فأوريت بالعلم ونطقت بالحكمة ومثل قول الجنيد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب (٢) .
قال ابن القيم ﵀: وقد جاء فيما ينجي من عذاب القبر
стр. 92
[تعظيم ابن تيمية لحديث نص على ما ينجي من عذاب القبر وغير ذلك]
حديث فيه الشفاء رواه أبو موسى المديني، وبين علته في كتابه في الترغيب والترهيب وجعله شرحا له، رواه من حديث الفرج بن فضالة: حدثنا هلال أبو جبلة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في صفة بالمدينة فقام علينا فقال: «إني رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاء ذكر الله فطير الشياطين عنه، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما دنا من حوض منع وطرد فجاءه صيام شهر رمضان فأسقاه وأرواه، ورأيت رجلا من أمتي ورأيت النبيين جلوسا حلقا حلقًا كلما دنا إلى حلقة طرد ومنع فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلا من أمتي من بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة عن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة وهو متحير فيه فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور، ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها فجاءته صدقته فصارت سترا بينه وبين النار وظلا على رأسه، ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المؤمنين إنه كان وصولا لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون وصافحوه وصافحهم، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة، ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله ، ورأيت رجلا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه، ورأيت رجلا من أمتي خف ميزانه فجاءه رجاؤه من الله فاستنقذه من
стр. 93
ذلك ومضى، ورأيت رجلا من أمتي قد هوى في النار فجاءته دمعته التي قد بكى من خشية الله فاستنقذته من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله فسكن روعه ومضى، ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط يحبو أحيانا ويتعلق أحيانا فجاءته صلاته عليَّ فأقامته على قدميه وأنقذته، ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة»
قال الحافظ أبو موسى المديني: حديث حسن جدا، رواه عن سعيد بن المسيب وعمرو بن ذر وعلي بن زيد بن جدعان.
ونحو هذا الحديث مما قيل فيه: إن رؤيا الأنبياء وحي فهي على ظاهرها لا كنحو ما روي عنه ﷺ أنه قال: «رأيت كأن سيفي انقطع فأولته كذا وكذا، ورأيت بقرا تنحر، ورأيت كأني في دار عقبة بن رافع» .
وقد روي في رؤياه الطويلة من حديث سمرة في الصحيح ومن حديث علي وأبي أمامة، وروايات هؤلاء الثلاثة قريب بعضها من بعض مشتملة على ذكر عقوبة جماعة من المعذبين في البرزخ فأما في هذه الرواية فذكر العقوبة وأتبعها بما ينجي صاحبها من العمل. وراوي هذا الحديث عن ابن المسيب هلال أبو جبلة مدني لا يعرف بغير هذا الحديث ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه هكذا ذكره الحاكم أبو محمد والحاكم أبو عبد الله. أبو جبلة بغير هاء. وحكياه عن مسلم. ورواه عنه الفرج بن فضالة وهو وسط في الرواية ليس بالقوي ولا المتروك. ورواه عنه بشر بن الوليد الفقيه المعروف بأبي الخطيب كان حسن المذهب جميل الطريقة.
стр. 94
وسمعت شيخ الإسلام يعظم أمر هذا الحديث، وقال: أصول السنة تشهد له وهو من أحسن الأحاديث (١) .
[حياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية، وتصوير الأعمال في البرزخ]
والأنبياء أحياء في قبورهم، وقد يصلون كما رأى محمد موسى صلوات الله وسلامه عليهما وعلى سائر الأنبياء في قبره ليلة الإسراء.
وقد جاء في أحاديث حسان أن العمل الصالح يصور لصاحبه صورة حسنة والسيِّئ صورة قبيحة ينعم بها صاحبها أو يعذب. وجاء مخصوصا ببعض الأعمال مثل: القرآن وغيره؛ وذلك في البرزخ، وفي عرصات القيامة.
وأما جزاء الأعمال بالأعمال فإن كان المعنى أن عبورهم على الصراط بحسب أعمالهم فهذا حق. وأما تصوير العمل لصاحبه على الصراط فلم يبلغني فيه شيء (٢) .
وعيسى ابن مريم ﵇ لم يمت بحيث فارقت روحه بدنه؛ بل هو حي مع كونه توفي، والتوفي الاستيفاء، وهو يصلح لتوفي النوم ولتوفي الموت الذي هو فراق الروح البدن. ولم يذكر القبض الذي هو قبض الروح والبدن جميعا (٣) .
[عيسى لم يمت وسينزل]
وينزل عيسى ابن مريم ﵇ على المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويدرك الدجال بباب اللد الشرقي فيقتله، ويأمر الله بعد قتله أن تحشر الناس إلى الطور؛ ويقال له: يا روح الله تقدم فصل بنا. فيقول: إن بعضكم على بعض أمير، فيصلي بالمسلمين بعضهم، ويتم الصلاة ولا يحدث فيها (٤) .
стр. 95
[الأحاديث في المهدي، وادعاء الدجالين، وادعاء الرافضة]
وأما الأحاديث المأثورة في «المهدي» فمنها ما هو صحيح. ومنها ما هو حسن، وقد صحح الترمذي حديث ابن مسعود وأم سلمة وغيرهما ﵃ قالوا: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما» .
وروي عن علي ﵁ أنه قال: «المهدي من ولد الحسن» .
وما يروى: «لا مهدي إلا عيسى» حديث ضعيف رواه ابن ماجه.
وقد ادعيت هذه «المهدية» لكثير من الدجالين، وكل ذلك باطل؛ مثل ادعاء الرافضة ذلك لمحمد بن الحسن الداخل في السرداب فهذا مما يعلم بطلانه عقلا. ومثل ادعاء محمد بن التومرت أنه المهدي الذي بشر به رسول الله ﷺ ، وقد اتفق أهل الدين على أنه كاذب. وطوائف ادعوا ذلك: منهم من قتل ومنهم من عزر وحبس، ومنهم من راج أمره على طائفة من الضلال، حتى انكشف ما فعله من المحال. والله المستعان (١) .
مسألة: خرج مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [٤٨/١٤] فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال «على الصراط» .
فالأرض تبدل كما ثبت في الصحيحين: «أن الناس يحشرون على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى ليس فيها علم لأحد» قال ابن مسعود
стр. 96
رضي الله عنه: هي أرض بيضاء كهيئة الفضة لم يعمل عليها خطيئة ولا سفك فيها دم حرام ويجمع الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة، غرلا، كما خلقوا فيأخذ الناس من كرب ذلك اليوم وشدته حتى يلجمهم العرق. وبعضهم يرفعه إلى النبي ﷺ وكذا عن مجاهد وغيره من السلف.
[متى تبدل الأرض وتطوى السموات، وأين الناس حينئذ؟ وتبديل الجلود]
فهذا الحديث وسائر الآثار تبين أن الناس يحشرون على الأرض المبدلة، والقرآن يوافق على ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [٤٨/١٤] وحشرهم وحسابهم يكون قبل الصراط؛ فإن الصراط عليه ينجون إلى الجنة ويسقط أهل النار فيها كما ثبت في الأحاديث.
وحديث عائشة ﵂ المتقدم يدل على أن التبديل وهم على الصراط لكن البخاري لم يورده فلعله تركه لهذه العلة وغيرها؛ فإن سنده جيد.
أو يقال: تبدل الأرض قبل الصراط وعلى الصراط تبدل السموات. وأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [١٠٤/٢١] فالطي غير التبديل، وقال تعالى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [٦٧/٣٩] ، وفي الصحيحين: «أنه يطوي السموات، ثم يأخذهن بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» ، وفي لفظ: «يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده» وهو في أحاديث كثيرة.
فطي السموات لا ينافي أن يكون الخلق في موضعهم، وليس في
стр. 97
شيء من الأحاديث أنهم يكونون عند الطي على الجسر كما روي ذلك وقد تبدل الأرض غير الأرض وإن كان في تلك الرواية ما فيها.
والذي لا ريب فيه أنه لابد من تبديلها، وطيها.
ومذهب السلف إثبات الصفات لله كما جاءت، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل.
وفي يوم القيامة تبدل الجلود في النار، كما أخبر سبحانه وبحمده. فقيل: إنه تغير الجلود في الصفات لا في الذات فكلما تغيرت الصفات صار هذا غير هذا وإن كان الأصل واحدا، وهذا كما تمد الأرض وتكون السماء كالمهل، وكما يعاد خلق الإنسان ويبقى طوله ستون ذراعا (١) .
[كل يبعث حتى البهائم]
فالإنس والجن يبعثون جميعا بالاتفاق ولم يختلفوا فيما علمت إلا فيمن لم ينفخ فيه الروح. واختار القاضي بعثه، وذكره عن أحمد.
وأما البهائم فهي مبعوثة بالكتاب والسنة قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [٣٨/٦] والحديث في قول الكافر يوم القيامة: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [٤٠/٧٨] لما رأى من جعل البهائم ترابا معروف وما أعلم فيه خلافا (٢) .
[متى ورود الحوض ؟]
ورود حوض النبي ﷺ قبل الصراط، فيرده قوم، ويذاد عنه آخرون وقد بدلوا وغيروا (٣) .
стр. 98
فصل
[وفي البرزخ والعرصة تكليف]
الدنيا دار تكليف بلا خلاف، وكذلك البرزخ وعرصة القيامة، وإنما ينقطع التكليف بدخول دار الجزاء وهي الجنة أو النار، كما صرح بذلك أصحابنا وغيرهم، والامتحان في البرزخ لمن لم يكن مكلفا ففيه القولان لأصحابنا وغيرهم. وعلى هذا لا خلاف في امتحانهم في العرصة، وغير المكلف قد يرحم؛ فإن أطفال المؤمنين مع آبائهم في الجنة (١) .
فصل
والتكليف بالأمر والنهي ثابت في الشرع والاتفاق.
وفي ثبوته بالعقل اختلاف بين العلماء من أصحابنا وغيرهم.
[وهل يعلم بالعقل ؟]
والثواب والعقاب معلوم بالسمع، وهو قول كثير من أصحابنا والأشعرية وغيرهم، وذهب طوائف إلى أنه يعلم بالعقل، والصواب أن معرفته بالسمع واجبة. وأما بالعقل فقد يعرف وقد لا يعرف، وليست معرفته بالعقل بممتنعة، ولا هي واجبة والله أعلم (٢) .
قال ابن القيم: القول الثاني: إن أطفال المشركين في النار، وهذا مذهب طائفة، وحكاه القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد. قال شيخنا: وهو غلط منه على أحمد. وسبب غلطه: أن أحمد سئل عنهم فقال: هم على الحديث. قال القاضي: أراد حديث خديجة إذ سألت النبي ﷺ
عن أولادها الذين ماتوا قبل الإسلام؟ فقال: «إن شئت أسمعتك
стр. 99
تضاغيهم في النار» .
[حديث موضوع في أطفال المشركين، أصح الأقوال فيهم]
قال شيخنا: وهذا حديث موضوع وأحمد أجل من أن يحتج بمثله؛ وإنما أراد حديث عائشة: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١) .
وأطفال المسلمين في الجنة إجماعا.
[إن في الجنة مائة درجة أرجح]
وأما أطفال المشركين فأصح الأجوبة فيهم ما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ سئل عنهم فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» فلا نحكم على معين منهم لا بجنة ولا نار. ويروى أنهم يمتحنون يوم القيامة؛ فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار. والصحيح في أطفال الكفار أنهم يمتحنون في عرصات القيامة (٢) .
قال ابن القيم ﵀: الحديث له لفظان: أحدهما: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» ، والثاني: «إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله» ، وشيخنا يرجح هذا اللفظ، وهو لا ينفي أن يكون درجة الجنة أكثر من ذلك.. (٣) .
[والأبكار يزوجن في الجنة، مريم]
وأما «الأبكار» فالله يزوجهن في الجنة.
وأما مريم فقد روي: «أنها زوجة نبينا ﷺ » وما أعلم صحة ذلك، والله أعلم (٤) .
مسألة: والله سبحانه إذا أراد أن يجمع بين أحد من أعلى الجنة
стр. 100
[وينزل الأعلى إلى الأسفل]
أنزله إلى الأسفل، وقال رجل للنبي ﷺ : «إني أحبك ما أستطيع أن أصبر عنك، وإنك في أعلا الجنة فلا أراك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [٦٩/٤] (١) .
[إبليس يعذب بالنار وقد خلق منها]
و «إبليس» لعنه الله يعذب بالنار هو وذريته، وإن كان من نار، فالإنسان مخلوق من صلصال ولو ضرب بالصلصال لقتله، والله أعلم (٢) .
واتفق سلف الأمة وأئمتها على أن من المخلوقات ما لا يعدم، وهو الجنة، والنار، والعرش، وغير ذلك. ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكتاب المبتدعين وهو قول باطل (٣) .
قال ابن القيم ﵀: وأما أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ الإسلام: فيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين (٤) .
وقال ابن القيم: الرابع قول من يقول: يخرجون منها وتبقى نارا على حالها ليس فيها أحد يعذب. حكاه شيخ الإسلام (٥) .
[ما لا يفنى من المخلوقات]
قال ابن القيم: السابع قول من يقول: بل يفنيها ربها وخالقها ﵎؛ فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها قال شيخ الإسلام: وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة.
стр. 101
[بقاء الجنة والنار] :
وأبي سعيد وغيرهم؛ وقد روى عبد بن حميد وهو من أجل أئمة الحديث في تفسيره المشهور: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن، قال: قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كمقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه، وقال: حدثنا حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب قال: لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه. ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [٢٣/٧٨] .
قال: ولا ريب أن من قال هذا القول عن عمر ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها؛ فأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه. ولفظ: «أهل النار» لا يختص بالموحدين؛ بل يختص بمن عداهم، كما قال النبي ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون» (١) .
قال ابن القيم: فأما القولان بفنائهما فهو قول قاله جهم بن صفوان إمام المعطلة الجهمية؛ وليس له فيه سلف قط من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام، ولا قال به أحد من أهل السنة. وهذا القول مما أنكره عليه وعلى أتباعه أئمة الإسلام وكفروهم به وصاحوا بهم من أقطار الأرض، كما ذكره عبد الله بن الإمام أحمد في «كتاب السنة» عن خارجة بن مصعب أنه قال: كفرت الجهمية بثلاث آيات من كتاب الله ، يقول الله : ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ
стр. 102
وَظِلُّهَا﴾ [٣٥/١٣] وهم يقولون: لا يدوم. ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [٥٤/٣٨] وهم يقولون: ينفد. ويقول الله : ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [٩٦/١٦] .
[هذا ما قاله جهم بناء على أصله]
قال شيخ الإسلام: وهذا قاله جهم لأصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث وهو عمدة أهل الكلام التي استدلوا بها على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يخل من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنع في المستقبل؛ فدوام الفعل ممتنع عنده على الرب ﵎ في المستقبل، كما هو ممتنع عليه عنده في الماضي. وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل؛ لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات لكونها متعاقبة شيئا بعد شيء، فقال بفناء حركات أهل الجنة حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة (١) .
فصل
[الشهادة لمعين بالجنة أو النار، وسبب التوقف]
وأما الشهادة لرجل بعينه بأنه من أهل النار أو الجنة فليس لأحد ذلك إلا بنص صحيح يوجب، كالعشرة الذين بشرهم الصادق ﷺ بالجنة.
ومنهم من جوز ذلك لمن استفاض في الأمة الثناء عليه كعمر بن عبد العزيز ﵁ وأمثاله.
стр. 103
وقد كان بعض السلف يمنع أن يشهد بالجنة لغير الرسول ﷺ حتى ناظر علي بن المديني أحمد في هذه المسألة، فقال: أقول: إنهم في الجنة ولا أشهد لمعين. قال أحمد: متى قلت: إنهم في الجنة، فقد شهدت أنهم في الجنة.
وأما توقف الناس في القطع بالجنة فلخوف الخاتمة.
ومع هذا فنرجو للمحسن ونخاف على المسيء.
ومن ظهر منه أفعال يحبها الله ورسوله وجب أن يعامل بما يوجبه ذلك من الموالاة والمحبة والإكرام ومن ظهر منه خلاف ذلك عومل بمقتضاه (١) .
ولا يشهد بالجنة إلا لمن شهد له النبي ﷺ أو اتفقت الأمة على الثناء عليه، وهو أحد القولين وتواطؤ الرؤيا كتواطؤ الشهادات (٢) .
[العهد بالخلافة لأبي بكر]
ولا ريب أن قوله ﷺ : «أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده» إنما كان أراد أن يكتب لأبي بكر ﵁ العهد بالخلافة بعده، كما فسر ذلك في حديث عائشة ﵂ يوم الخميس، قال لها: «ادعي لي أباك وأخاك أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف الناس بعدي» ثم أعلم أن الله يأبى ذلك والمؤمنون إلا أبا بكر. وذلك لما أنه كان قد نصب لهم من العلامة على خلافته من الصلاة بالناس إماما، وسد خوخة غيره، وإخباره بحبه أكثر من غيره، وغير ذلك من العلامات. ثم قال عمر ﵁: «نسخ الله كتابه ذلك عن الناس» وإلا فما كان النبي ﷺ يترك حكم الله ولا يبلغه لقول عمر.
وقول ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا
стр. 104
الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [٦٠/١٧] المراد به في حق من شك في خلافة أبي بكر. وصدق ابن عباس ﵄، فإنها رؤيا حق من شاء الله فتنته. وأما من أراد الله هداه فذلك خير لمزيد اجتهاده وموافقته الحق. والله يبتلي العباد بما يشاء، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (١) .
[إنزال السكينة على أبي بكر تبع]
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [٤٠/٩] قال (٢) : على أبي بكر. وكان النبي ﷺ قد أنزلت عليه السكينة: قلت: وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية -قدس الله روحه- يذهب إلى خلاف هذا ويقول: الضمير عائد إلى النبي ﷺ أصلا وإلى صاحبه تباعا، فهو الذي أنزلت عليه السكينة، وهو الذي أيده الله بالجنود وسرى ذلك إلى صاحبه (٣) .
فصل
[عمر محدث والصديق أكمل]
قال ابن القيم ﵀:
المرتبة الرابعة مرتبة التحديث، وهذه دون مرتبة الوحي الخاص، وتكون دون مرتبة الصديقين، كما كانت لعمر بن الخطاب ﵁، كما قال النبي ﷺ : «إنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة فعمر بن الخطاب» .
وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀ يقول: جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا، وعلق وجودهم في هذه الأمة بـ «إن»
стр. 105
الشرطية مع أنها أفضل الأمم؛ لاحتياج الأمم قبلنا إليهم، واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته، فلم يحوج الله الأمة بعده إلى محدث ولا ملهم، ولا صاحب كشف ولا منام، فهذا التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها.
والمحدث هو الذي يحدث في سره وقلبه بالشيء فيكون كما يحدث به.
قال شيخنا: والصديق أكمل من المحدث؛ لأنه استغنى بكمال صديقيته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف، فإنه سلم قلبه وسره وظاهرة وباطنه للرسول فاستغنى به عما منه.
قال: وكان هذا المحدث يعرض ما يحدث به على ما جاء به الرسول؛ فإن وافقه قبله وإلا رده. فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث.
[قول أصحاب الخيالات حدثني قلبي عن ربي]
قال: وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: «حدثني قلبي، عن ربي» فصحيح أن قلبه حدثه، ولكن عن من؟ عن شيطانه أو عن ربه؟ فإذا قال: حدثني قلبي عن ربي. كان مسند الحديث إلى من لم يعلم أنه حدثه به، وذلك كذب.
قال: ومحدث الأمة لم يكن يقول ذلك ولا تفوه به يوما من الدهر، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك؛ بل كتب كاتبه يوما: «هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» فقال: «لا امحه، واكتب هذا ما رأى عمر بن الخطاب، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر والله ورسوله منه بريء» وقال في الكلالة: «أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان» (١) .
стр. 106
[أفضلية أبي بكر وعمر على جميع الصحابة]
وأبو بكر وعمر (١) أفضل وأشجع وأدين وأكرم من جميع الصحابة ﵃ أجمعين. فينبغي أن تكون القدوة لكل مسلم بهما (٢) .
[أفضيلة عبد الرحمن بن عوف وأهل الشورى، وأحقيتهم بالخلافة بعدهما]
والحديث المذكور عن عبد الرحمن ﵁ (٣) ، باطل رواه أبو نعيم من طريق رجل اتفق أهل العلم على رد أخباره؛ بل هو مخالف للنصوص وإجماع السلف والأئمة؛ فإنه من أهل الشورى الذين هم أفضل الأمة بعد أبي بكر وعمر. وأهل الشورى هم: عثمان، وعلي، وعبد الرحمن والزبير وطلحة وسعد ﵃ أجمعين. فهؤلاء الستة جعل عمر ﵁ الخلافة فيهم. وأخبر أن الرسول ﷺ توفي وهو عنهم راض. ثم إن ثلاثة قدموا ثلاثة؛ قدموا عثمان وعلي، وعبد الرحمن. ثم إنهم جعلوا عبد الرحمن يختار للأمة ورضوا بذلك. فمن هو بهذه المنزلة كيف يتأخر دخوله الجنة أو يدخل حبوا؟ ولو دخلها لغناه حبوا لدخلها سائر الصحابة الأغنياء حبوا: كعثمان وطلحة والزبير، وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، بل في الأنبياء من هو غني: كإبراهيم وداود وسليمان، ويوسف صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (٤) .
وقد أجمع المسلمون على أن موسى أفضل من الخضر. فمن قال: إن الخضر أفضل فقد كفر. وسواء قيل: إن الخضر نبي، أو ولي. والجمهور على أنه ليس بنبي؛ بل أنبياء بني إسرائيل الذين اتبعوا التوراة وذكرهم الله تعالى كداود وسليمان أفضل من الخضر بل على قول الجمهور: أنه ليس بنبي فأبو بكر وعمر ﵄ أفضل منه.
стр. 107
[غاية الخضر]
وكونه يعلم مسائل لا يعلمها موسى لا يوجب أن يكون أفضل منه مطلقا كما أن الهدهد لما قال لسليمان: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [٢٢/٢٧] لم يكن أفضل من سليمان، وكما أن الذين كانوا يلقحون النخل لما كانوا أعلم بتلقيحه من النبي ﷺ لم يجب من ذلك أن يكونوا أفضل منه ﷺ وقد قال لهم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأما ما كان من أمر دينكم فإلي» وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ كانوا يتعلمون ممن هو دونهم علم الدين الذي هو عندهم وقد قال النبي ﷺ : «لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» ومعلوم (١) رتبتهم في العلم أفضل ممن حصلت له الرؤيا الصالحة. وغاية الخضر أن يكون عنده من الكشف ما هو جزء من أجزاء النبوة. كيف يكون أفضل من نبي؟ فكيف بالرسول؟ فكيف بأولي العزم (٢) .
[توضيح قول أم سلمة وحذيفة ولن أبرئ بعدك أحدا]
قال ابن القيم ﵀: وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل، عن مسروق قال: دخل عبد الرحمن على أم سلمة ﵂، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبدا» فخرج عبد الرحمن من عندها مذعورا حتى دخل على عمر ﵁ فقال له: اسمع ما تقول أمك، فقام عمر ﵁ حتى أتاها فدخل عليها فسألها ثم قال: أنشدك بالله أمنهم أنا؟ قالت: لا ولن أبرئ بعدك أحدا.
فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليها هذا الباب ولم ترد أنك وحدك البريء من ذلك دون سائر الصحابة (٣) .
стр. 108
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لحذيفة: أنشدك الله: هل سماني لك رسول الله ﷺ ؟ يعني في المنافقين. فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدا. فسمعت شيخنا ﵁ يقول: ليس مراده أني لا أبرئ غيرك من النفاق؛ بل المراد لا أفتح على نفسي هذا الباب فكل من سألني هل سماني لك رسول الله ﷺ فأزكيه (١) .
فصل
[عترة النبي ﷺ واسم الشرف والأشراف]
وأما «عترة النبي» ﷺ الأقربين التي قال الله فيها: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [٢١٤/٢٦] فقيل: إنها قريش كلها؛ لأنها لما نزلت هذه الآية عم قريش بالنذارة ثم خص الأقرب فالأقرب.
وأما اسم «الشرف» فليس هو من الأسماء التي علق الشارع بها حكما حتى يكون حده متلقى من جهة الشرع.
وأما «الشريف في اللغة» فهو خلاف الوضيع والضعيف، كما قال النبي ﷺ : «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»
ومن رأسه الناس وشرفوه كان شريفهم؛ فالشريف من له الرياسة والسلطان لكن لما كان أهل البيت أحق من أهل البيوت الأخرى بالشرف صار من كان من أهل البيت يسمى شريفا؛ فأهل العراق لا يسمون شريفا إلا من كان علويًا.
وأما أحكام الشريعة التي علقت فهي مذكورة باسم النبي ﷺ ، وباسم أهل بيته، وذوي القربى، وهذه الأسماء الثلاثة تتناول جميع بني
стр. 109
هاشم لا فرق بين ولد العباس وولد أبي طالب وغيرهم، وأعمام النبي ﷺ الذين بقيت ذريتهم: العباس، والحارث بن عبد المطلب، وأبو لهب. فمن كان من الثلاثة الأول حرمت عليهم الزكاة، واستحقوا من الخمس باتفاق.
[أفضل الخلق مطلقا وأفضل الخلق من كل صنف، وأفضل الخلق في الطبقات، وأفضل الخلق في الأشخاص]
وأما ذرية أبي لهب ففيه خلاف بين الفقهاء؛ لكن «أبي لهب» خرج عن بني هاشم لما نصروا النبي ﷺ ومنعوه ممن كان يريد أذاه من قريش، ودخل مع بني هاشم بنو المطلب؛ ولهذا جاء عثمان بن عفان وجبير بن مطعم ﵄ إلى النبي ﷺ حين أعطى من خمس خيبر لبني هاشم وبني المطلب فقالا: يا رسول الله أما إخواننا بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لأنك منهم وأما بنو المطلب فإنما هم ونحن منك بمنزلة واحدة فقال: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» .
وأفضل الخلق النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون.
وأفضل كل صنف أتقاهم كما قال ﷺ : «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى» هذا في الأصناف العامة.
وأفضل الخلق في الطبقات: القرن الذي بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
وأما في الأشخاص فأفضلهم النبي ﷺ ثم إبراهيم ﵇.
فتبين أن الشرف ليس لبني هاشم خاصة، بل يتنوع بحسب عرف المخاطبين ومقاصدهم.
وأما المسمى بهذا اللفظ فيقال: من الأحكام ما تشترك فيه قريش كلها نحو الإمامة الكبرى؛ فإن النبي ﷺ قال: «الإمامة في قريش ما بقي من الناس اثنان» وقال: «الناس تبع لقريش في هذا الأمر» .
стр. 110
وكذلك لقريش مزية كما قال: «إن الله اصطفى بني إسماعيل من ولد إبراهيم، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى
قريشا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم» .
ومن الأحكام ما يختص بني هاشم أو بني هاشم مع بني المطلب دون سائر قريش، كالاستحقاق من خمس الغنائم، وتحريم الصدقة، ودخولهم في الصلاة إذا صلي على آل محمد وثبوت المزية على غيرهم.
ومن كانت أمه قرشية دون أبيه لم يستحق الإمامة التي اختصت بها قريش، ومن أمه هاشمية فاطمية أو غير فاطمية وأبوه ليس بهاشمي ولا مطلبي فلا يستحق من الخمس كما يستحق بنو هاشم؛ وإن كان ينتسب إليهم نسبا مطلقا فله نوع امتياز لكون أمه منهم.
وأما أولاد العترة فلهم من الاختصاص بقدر ما لهم من النسب لكون أحدهم أفضل من غيرهم.
وبكل حال فهذه الخصائص لا توجب أن يكون الرجل بنفسه أفضل من غيره لأجل نسبه المجرد؛ بل التفاضل عند الله بالتقوى، كما قال ﷺ : «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين» فمن كان في الإيمان والتقوى أفضل كان عند الله أفضل ممن دونه في ذلك وأولاهم برسول الله ﷺ ، وإن كان غيره أقرب نسبا منه؛ فإنه لا شك أن الولاية الإيمانية الدينية أعظم وأوثق صلة من القرابة النسبية، والله أعلم (١) .
قال ابن القيم ﵀: ولما كمل سيد ولد آدم هذه المرتبة (٢) .