← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

[التوبة النصوح. إذا تاب ثم عاد. ومن ختم له بسوء] والتائب إذا كانت نيته خالصة محضة لم يشبها قصد آخر فإنه لا يعود إلى الذنب؛ فإنه إنما يعود لبقايا غش كانت في نفسه، وقد قيل: إنه قد يعود من تاب توبة نصوحا. وقد يقال: إن الأول أرجح؛ فإن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لم يسخطه أبدا والقلب إذا باشر حقيقة الإيمان لم يتركه. وهذا أصل تنازع فيه الناس، وهو: أنه من ختم له بسوء: هل يقال إنه كان في أصل عمله غش فعاد إليه، أو كان عمله الأول خالصا لا غش فيه ثم انقلب وانتكس؟ على قولين والتوبة من هذا. والاستقراء يدل على أنه إذا خلص الإيمان إلى القلب لم يرجع عنه؛ ولكن قد يحصل له اضطراب، ويلقى الشيطان في قلبه وساوس وخطرات ويوجِدُ فيه هما، وأمثال ذلك كما شكى أصحاب رسول الله ﷺ إليه فقالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: «أوقد وجدتموه» ؟ فقالوا: نعم. فقال: «ذلك صريح الإيمان» . وقال: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» والحديث في مسلم. فكراهة هذه الوساوس هي صريح الإيمان. والتائب في نفسه مع الهم والوساوس والميل مع كراهته لذلك، ويقول في قلبه ما لا يخرجه ذلك عن كونه توبة نصوحا. قال الإمام أحمد: الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار؛ وكان هم يوسف هم خطرات، فترك ما هم به لله، فكتبه الله له حسنة ولم يكتب عليه سيئة، وكان هم امرأة العزيز هم إصرار فكذبت، وأرادت، وظلمت لأجل مرادها. وقد تنازع الناس في العزم الجازم هل يؤخذ به بدون العمل؟ على قولين.

стр. 142

والصواب: أن العزم الجازم متى اقترن به القدرة والإرادة فلا بد من وجود العمل. فإذا كان العازم قادرا ولم يفعل ما عزم عليه فليس عزمه جازما، فيكون من باب الهم الذي لا يأخذ الله به، ولهذا من عزم على معصية فعل مقدماتها ولو أنه يخطو خطوة برجله أو ينظر نظرة بعينه فإذا عجز عن إتمام مقصوده بها يعاقب؛ لأنه فعل ما يقدر عليه وترك ما عجز عنه (١) . [تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر] وتصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر، إذا كان المقتضي للتوبة منه أقوى من المقتضي للتوبة من الآخر، أو كان المانع من أحدهما أشد. هذا هو المعروف عن السلف والخلف (٢) . [معنى حجز التوبة من المبتدع] قال المروذي: سئل أحمد ﵁ عما روي عن النبي ﷺ : «أن الله احتجز التوبة عن صاحب بدعة» وحجز التوبة أي شيء معناه؟ قال أحمد: لا يوفق ولا ييسر صاحب بدعة لتوبة، وقال النبي ﷺ لما قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [١٥٩/٦] فقال النبي ﷺ : «هم أهل البدع والأهواء ليست لهم توبة» . قال الشيخ تقي الدين: لأن اعتقاده لذلك يدعوه إلى ألاَّ ينظر نظرًا تاما إلى دليل خلافه فلا يعرف الحق، ولهذا قال السلف: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. وقال أيوب السختياني وغيره: إن المبتدع لا يرجع. وأيضا التوبة من الاعتقاد الذي كثر ملازمة صاحبه له ومعرفته

стр. 143

بحججه يحتاج إلى ما يقارب ذلك من المعرفة والعلم والأدلة ومن هذا قول النبي ﷺ : «اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شبابهم» قال أحمد وغيره: لأن الشيخ قد عسى في الكفر فإسلامه بعيد (١) . [هل يعود بعد التوبة إلى درجته، أو أرفع ؟] قال ابن القيم ﵀: واختلف الناس: هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها بناء على أن التوبة تمحو أثر الذنب وتجعل وجوده كعدمه فكأنه لم يكن؟ أو لا يعود بناء على أن التوبة تأثيرها في إسقاط العقوبة، وأما الدرجة التي فاتته فإنه لا يصل إليها؟ إلى أن قال: وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين الطائفتين حكما مقبولا فقال: مثل درجته ومنهم من لا يصل إلى درجته (٢) . قال الشيخ تقي الدين: التائب عمله أعظم من عمل غيره ومن لم تكن له مثل تلك السيئات، فإن كان قد عمل مكان سيئات ذلك حسنات فهذا درجاته بحسب حسناته فقد يكون أرفع من التائب إن كانت حسناته أرفع. وإن كان قد عمل سيئات ولم يتب منها فهذا ناقص. وإن كان مشغولا بما لا ثواب فيه ولا عقاب فهذا التائب الذي اجتهد في التوبة والتبديل له من العمل والمجاهدة ما ليس لذلك البطال (٣) . هل تغفر للكافر الذنوب التي فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام؟ فيه قولان معروفان. قال الشيخ تقي الدين: أحدهما: يغفر له الجميع؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [٣٨/٨]

стр. 144

أي ينتهوا عن كفرهم، ولأنه اندرج في ضمن المحرم الأكبر فسقط بسقوطه. وفيه نظر. والثاني: لا نقله البغوي عن أحمد رواه الخلال، وهو ظاهر ما اختاره ابن عقيل. [غفران الذنوب التي فعلها الكافر حال كفر فيه تفصيل] قال الشيخ تقي الدين: وهذا القول الذي تدل عليه النقول والنصوص. وقال في موضع آخر: إنه إن تاب من جميع معاصيه غفر له، وإن أصر عليها لم يغفر له، وإن كان ذاهلا عن الإصرار والإقلاع إما ناسيا أو ذاكرا غير مريد للفعل ولا للترك غفر له أيضا. والحديثان يأتلفان على هذا -يعني حديث عمرو بن العاص- قول النبي ﷺ له: «يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» رواه مسلم وغيره، وحديث ابن مسعود وهو في الصحيحين: أن ناسا قالوا لرسول الله ﷺ : أنؤخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام» . قال الشيخ تقي الدين: فالإسلام لتضمنه التوبة المطلقة يوجب المغفرة المطلقة، إلا أن يقترن به ما ينافي هذا الاقتضاء وهو الإصرار، كما أنه يوجب الإيمان المطلق ما لم يناقضه كفر متصل. فالإصرار في الذنوب كالاعتقاد في التصديق. انتهى كلامه (١) . [الاستقامة] قال ابن القيم ﵀، بعد ذكره آيات الاستقامة، وتفسير السلف لها: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة (٢) .

стр. 145

ويقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة (١) . [إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك] وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه فإن الرب تعالى شكور (٢) (٣) . [إذا بادرت النفس إلى الطاعة طواعية ... ] وإذا ارتاضت نفس العبد على الطاعة وانشرحت بها وتنعمت بها وبادرت إليها طواعية ومحبة كان أفضل ممن يجاهد نفسه على الطاعات ويكرهها عليها، وهو قول الجنيد وجماعة من أهل البصرة (٤) . [الفرح بالله، ودخول جنته في الدنيا. جنة ابن تيمية وطيب حياته ... ] قال ابن القيم ﵀: ورأيت شيخ الإسلام -قدس الله روحه- في المنام وكأني ذكرت له شيئا من أعمال القلوب. وأخذت في تعظيمه ومنفعته -لا أذكره الآن- فقال: أما أنا فطريقتي: الفرح بالله والسرور به أو نحو هذا من العبارة. وهكذا كانت حاله في الحياة يبدو ذلك على ظاهره، وينادي به عليه حاله (٥) . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.

стр. 146

وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» ما شاء الله. وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. ولما أدخل إلى القلعة وصار داخل السور نظر إليه وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [١٣/٥٧] . وعلم الله ما رأيت أحدا، أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيس وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا، وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه: فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحا، وقوة ويقينا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها (١) . قال ابن القيم ﵀: وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ﵀ قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانا إلى الصحراء يخلو عن

стр. 147

الناس لقوة ما يرد عليه، فتبعته يوما فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر، وهو لمجنون ليلى في قصيدته الطويلة: وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالسر خاليا (١) وزاد مرعي بن يوسف الكرمي: وكان يتمثل كثيرا: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير (٢) [الفخر والبغي. والفخر بالإسلام والشريعة] ولمسلم وأبي داود وغيرهما عن عياض بن حمار عن النبي ﷺ : «إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» . قال الشيخ تقي الدين في «اقتضاء الصراط المستقيم» : فجمع النبي ﷺ بين نوعي الاستطالة؛ لأن المستطيل إن استطال بحق فهو المفتخر، وإن استطال بغير حق فهو الباغي؛ فلا يحل لا هذا، ولا هذا (٣) . [الغضب] قال القاضي: ويستحب لمن غضب إن كان قائما جلس، وإذا كان جالسا اضطجع. وقال ابن عقيل: ويستحب لمن غضب أن يغير حاله فإن كان جالسا قام أو اضطجع، وإن كان قائما مشى. وقول القاضي هو الصواب. قاله الشيخ تقي الدين (٤) . قال في «الفنون» : اعتبرت الأخلاق فإذا أشدها وبالاً «الحسد» . قال ابن الجوزي: الإنسان مجبول على حب الترفع على جنسه؛ وإنما يتوجه الذم إلى من عمل بمقتضى التسخط على القدر، أو ينتصب لذم المحسود قال: وينبغي أن يكره ذلك من نفسه.

стр. 148

[الحسد ومد اليد واللسان، وإذا سمع من يذم أو يمدح] وذكر شيخنا: أن عليه أن يستعمل معه التقوى والصبر، فيكره ذلك من نفسه، ويستعمل معه التقوى والصبر، وذكر قول الحسن: لا يضرك ما لم تمد به يدا أو لسانا. قال: وكثير ممن عنده دين لا يعين من ظلمه ولا يقوم بما يجب من حقه؛ بل إذا ذمه أحد لم يوافقه ولا يذكر محامده وكذا لو مدحه أحد لسكت، وهذا مذنب في ترك المأمور لا معتد. وأما من اعتدى بقول أو فعل فذاك يعاقب. ومن اتقى وصبر نفعه الله بتقواه، كما جرى لزينب بنت جحش ﵂. وفي الحديث: «ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الحسد، والظن، والطيرة. وسأحدثكم بالمخرج من ذلك: إذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض» (١) . [الصمت] والتحقيق في الصمت: أنه إذا طال حتى يتضمن ترك الكلام الواجب صار حراما، كما قال الصديق: وكذا إن بعد بالصمت عن الكلام المستحب (٢) . [اللباس والزي الذي يتخذه بعض النساك والفقهاء شعارا] واللباس والزي الذي يتخذه بعض النساك من الفقراء والصوفية والفقهاء وغيرهم بحيث يصير شعارا فارقا، كما أمر أهل الذمة بالتميز عن المسلمين في شعورهم وملابسهم، فيه مسألتان: المسألة الأولى: هل يشرع ذلك استحبابا لتمييز الفقير والفقيه من غيره؟ فإن طائفة من المتأخرين استحبوا ذلك، وأكثر الأئمة لا يستحبون ذلك؛ بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التميز عن الأمة وبثوب الشهرة. المسألة الثانية: أن لبس المرقعات والمصبغات والصوف من العباءة وغير ذلك فالناس فيه على ثلاثة طرق:

стр. 149

منهم: من يكره ذلك مطلقا: إما لكونه بدعة، وإما لما فيه من إظهار الدين. ومنهم: من استحبه بحيث يلتزمه ويمتنع من تركه، وهو حال كثير ممن ينتسب إلى الخرقة واللبسة، وكلا القولين والفعلين خطأ. [ولبس المرقع والمصبغ والصوف. وتقطيع الثوب وترقيعه، والمغالاة في الصوف ... ] والصواب: أنه جائز كلبس غير ذلك، وأنه يستحب أن يرقع الرجل ثوبه للحاجة، كما رقع عمر ثوبه وعائشة وغيرهما من السلف، وكما لبس قوم الصوف للحاجة، ويلبس أيضا للتواضع والمسكنة مع القدرة على غيره، كما جاء في الحديث: «من ترك جيد اللباس وهو يقدر عليه تواضعا لله كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة» . فأما تقطيع الثوب الصحيح وترقيعه فهذا فساد وشهرة، وكذلك تعمد صبغ الثوب لغير فائدة، أو حك الثوب ليظهر التحتاني، أو المغالاة في الصوف الرفيع ونحو ذلك مما فيه إفساد المال ونقص قيمته، أو فيه إظهار التشبه بلباس أهل التواضع والمسكنة مع ارتفاع قيمته وسعره، فإن هذا من النفاق والتلبيس. فهذان النوعان فيهما إرادة العلو في الأرض بالفساد. والدار الآخرة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، مع ما في ذلك من النفاق. وأيضا فالتقيد بهذه اللبسة بحيث يَكرَهُ اللابس غيرها أو يُكْرِهُ أصحابه ألا يلبسوا غيرها هو أيضا منهي عنه (١) . [المحافظة على هذا الذكر سبب للقوة] حديث علي، ووصية النبي ﷺ له ولفاطمة رضي الله تعالى عنهما أن يسبحا إذا أخذا مضاجعهما للنوم ثلاثا وثلاثين ويحمدا ثلاثا وثلاثين ويكبرا أربعا وثلاثين، وقال: «هو خير لكما من خادم» .

стр. 150

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: بلغنا أنه من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل غيره (١) . [قراءة هذه الآية على الدابة إذا استعصت] قال يونس بن عبيد: ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقول في أذنها: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [٨٣/٣] إلا وقفت بإذن الله. قال شيخنا -قدس الله روحه-: وقد فعلنا ذلك فكان كذلك (٢) . قال ابن القيم: ﵀: الحادية والستون (٣) أن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه. وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في مشيته وكلامه وإقدامه وكتابته أمرًا عجيبا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة أو أكثر. وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرا عظيما إلى أن قال: [ما أعطي ابن تيمية من القوة بسبب الذكر] وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر أثرا في هذا الباب ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش قالوا: يا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قالوها حملوه (٤) . [غذاؤه ومتى يتركه] وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد هذا الغداء لسقطت قوتي. أو كلاما قريبا من هذا.

стр. 151

وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر. أو كلاما هذا معناه (١) . [التعميم في الدعاء] وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: فضل عموم الدعاء على خصوصه كفضل السماء على الأرض، وذكر في ذلك حديثا مرفوعا عن علي، أن النبي ﷺ مر به وهو يدعو، فقال: «يا علي عم، فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض» (٢) .

стр. 152

الزهد والورع والزهد ضد الرغبة، وهو كالبغض المخالف للمحبة، والكراهة المخالفة للإرادة. [الزهد المشروع، وغير المشروع] وحقيقة المشروع منه: أن يكون بغضه وحبه وزهده فيه أو عنه تابعا لحب الله وكراهته، فيحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويرضى ما يرضاه، ويسخط ما يسخطه، بحيث لا يكون تابعا لهواه؛ بل لأمر مولاه؛ فإن كثيرا من الزهاد في الدنيا أعرضوا عن فضولها ولم يقبلوا على ما يحبه الله ورسوله، وليس هذا الزهد هو الذي أمر الله به؛ ولهذا كان في المشركين زهاد، وفي أهل الكتاب زهاد وفي أهل البدع زهاد. ومن الناس من يزهد طلبا للراحة من تعب الدنيا، أو من مسألة أهلها والسلامة من أذاهم، أو لطلب الرياسة، إلى أمثال هذه الأنواع التي لم يأمر الله بها ولا رسوله ﷺ . وأما ما أمر الله به ورسوله: فهو أن يزهد فيما لا يحبه الله ورسوله، ويرغب فيما يحبه الله ورسوله؛ فيكون زهده عما لم يأمر الله به أمر إيجاب أو استحباب، سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا، ويكون مع ذلك مقبلا على ما أمر الله به، ولا يترك المكروه بدون فعل المحبوب؛ فإن (١) المقصود بالقصد الأول فهو فعل المحبوب، وترك

стр. 153

المكروه معين على ذلك، فتزكو النفس بذلك، كما يزكو الزرع إذا نقي من الدغل. وطريق الوصول إلى ذلك: هو الاجتهاد في فعل المأمور وترك المحظور، والاستعانة بالله على ذلك: فمن فعل ذلك وصل إلى حقيقة الإيمان؛ لقوله ﷺ : «احرص على ما ينفعك واستعن بالله» بعد قوله: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (١) . [ترك بعض المباحات من الزهد] وقال لي يوما شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطا في النجاة. أو نحو هذا من الكلام (٢) . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: لمت بعض الإباحية فقال ذلك (٣) ، ثم قال: والكون كله مراده، فأي شيء أبغض منه؟. [احتجاج بعض الصوفية الإباحية بالإرادة الكونية] قال الشيخ: فقلت له: إذا كان المحبوب قد أبغض أفعالا وأقوالا وأقواما وعاداهم فطردهم ولعنهم فأحببتهم تكون مواليا للمحبوب أو معاديا له؟ قال: فكأنما ألقم حجرا، وافتضح بين أصحابه، وكان مقدما فيهم مشارا إليه (٤) .

стр. 154

[المال. قد يكون تاجر أزهد من فقير] قال الشيخ تقي الدين: إذا سلم فيه القلب من الهلع واليد من العدوان كان صاحبه محمودا وإن كان معه مال عظيم، بل قد يكون مع هذا زاهدا أزهد من فقير هلوع، كما قيل للإمام أحمد. وذكر ما سبق في أول الفصل (١) وذكر الخبرين السابقين وما رواه الترمذي وحسنه وإسناده جيد عن الحسن، عن أبي سعيد مرفوعًا: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» وعن سفيان أنه قيل له: يكون الرجل زاهدا وله مال؟ قال: نعم، إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر (٢) . [لا بد في الدنيا من كدر] بينا يُرى الإنسان فيها مخبرا ... حتى يُرى خبرا من الأخبار طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذار والأكدار وكان الشيخ تقي الدين يتمثل كثيرا بهذين البيتين (٣) . [الامتناع من أكل الطيبات ... ] ومن امتنع من الطيبات بلا سبب شرعي فمبتدع مذموم. وما نقل عن الإمام أحمد أنه امتنع من أكل البطيخ لعدم علمه بكيفية أكل النبي ﷺ فكذب (٤) . فصل أولياء الله: هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [٦٢، ٦٣/١٠] وهم على درجتين:

стр. 155

إحداهما: درجة المقتصدين أصحاب اليمين، وهم الذين يؤدون الواجبات ويتركون المحرمات. والثانية: درجة السابقين المقربين، وهم الذين يؤدون الفرائض والنوافل ويتركون المحارم والمكاره. وإن كان لابد لكل عبد من توبة واستغفار يكمل بذلك مقامه. [أولياء الله. وهم على درجتين من لم يكن منهم أو كان منهم من وجه دون وجه] فمن كان عالما بما أمر الله به وما نهاه عنه، عاملا بموجب ذلك كان من أولياء الله سواء كانت لبسته في الظاهر لبسة العلماء أو الفقراء أو الجند أو التجار أو الصناع أو الفلاحين؛ لكن إن كان مع ذلك متقربا إلى الله بالنوافل كان من المقربين، وإن كان مع ذلك داعيا غيره إلى الله هاديا للخلق كان أفضل من غيره من أولياء الله، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [١١/٥٨] . قال ابن عباس: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة. وقال ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء، لأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» «وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب» رواهما أهل السنن. إذا تبين ذلك، فمن كان جاهلا بما أمر الله به وما نهاه عنه لم يكن من أولياء الله وإن كان فيه زهادة وعبادة لم يأمر الله بهما ورسوله كالزهد والعبادة التي كانت في الخوارج والرهبان ونحوهم. كما أن من كان عالما بأمر الله ونهيه ولم يكن عاملا بذلك لم يكن من أولياء الله؛ بل قد يكون فاسقا فاجرا كما قال ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظة طعمها مر ولا ريح لها» .

стр. 156

ويقال: ما اتخذ الله وليًا جاهلاً. أي جاهلاً بما أمره الله به ونهاه عنه. فأما من عرف ما أمر الله به وما نهى عنه وعمل بذلك فهو الولي لله وإن لم يقرأ القرآن كله، وإن لم يحسن أن يفتي الناس ويقضي بينهم. فأما الذي يرائي بعمله الذي ليس بمشروع، فهذا بمنزلة الفاسق الذي ينتسب إلى العلم ويكون علمه من الكلام المخالف لكتاب الله وسنة رسوله. فكل من هذين الصنفين بعيد عن ولاية الله تعالى؛ بخلاف العالم الفاجر الذي يقول ما يوافق الكتاب والسنة، والعابد الجاهل الذي يقصد بعبادته الخير؛ فإن كلا من هذين مخالف لأولياء الله من وجه دون وجه. فقد يكون في الرجل بعض خصال أولياء الله دون بعض، وقد يكون فيما ذكر معذورا بخطأ أو نسيان، وقد لا يكون معذورا. ومن قال: إن الأولياء أفضل من جميع الخلق، فقوله أظهر عند جميع أهل الملل من أن يشك في كذبه؛ بل هو معلوم بالضرورة أنه باطل؛ فإن الرسل أفضل، الأنبياء، وأولو العزم كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أفضل من سائر المسلمين، وأن محمدا ﷺ سيد ولد آدم؛ وليس يحتاج هذا أن يثبت بحديث ولا أثر، فقد رتب الله سبحانه خلقه فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [٦٩/٤] فرتبهم على أربع طبقات. وأجمع المسلمون على أن من سب نبينا فقد كفر، ومن سب أحدا من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء فإنه لا يكفر؛ إلا إذا كان سبه مخالفا لأصل من أصول الإيمان، مثل أن يتخذ ذلك السب دينا وقد علم أنه ليس بدين. وعلى هذا ينبني النزاع في تكفير الرافضة.

стр. 157

وقد اتفق المسلمون على أن أمة محمد ﷺ خير الأمم، وأن خير هذه الأمة أصحاب نبينا ﷺ وأفضلهم السابقون الأولون، وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ﵃. ومن كان رسولا فقد اجتمعت فيه ثلاثة أصناف (١) : الرسالة، والنبوة، والولاية. ومن كان نبيا فقد اجتمع فيه الصفتان. ومن كان وليا فقط لم يكن فيه إلا صفة واحدة. ومن كان لكتاب الله أتبع فهو بولاية الله أحق. وقد أجمع المسلمون على أن موسى أفضل من الخضر، فمن قال: إن الخضر أفضل فقد كفر. وسواء قيل: إن الخضر نبي أو ولي. والجمهور على أنه ليس بنبي، بل أنبياء بني إسرائيل الذين اتبعوا التوراة، وذكرهم الله تعالى كداود وسليمان أفضل من الخضر؛ بل على قول الجمهور، أنه ليس بنبي فأبو بكر وعمر ﵄ أفضل منه. وكونه يعلم مسائل لا يعلمها موسى لا يوجب أن يكون أفضل منه مطلقا كما أن الهدهد لما قال لسليمان ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [٢٧/٢٥] لم يكن أفضل من سليمان، وكما أن الذين كانوا يلقحون النخل لما كانوا أعلم بتلقيحه من النبي ﷺ لم يجب من ذلك أن يكونوا أفضل منه ﷺ ، وقد قال لهم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم، أما ما كان من أمر دينكم فإلي» . وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ كانوا يتعلمون ممن هو دونهم علم الدين الذي هو عندهم، وقد قال النبي ﷺ : «لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» ومعلوم أن ذريتهم (٢) في العلم أفضل ممن حصلت له الرؤيا الصالحة.

стр. 158

وغاية الخضر أن يكون عنده من الكشف ما هو جزء من أجزاء النبوة فكيف يكون أفضل من نبي، فكيف بالرسول؟ فكيف بأولي العزم؟ (١) (٢) .

стр. 159

أصول التفسير [أقوال التابعين في التفسير] وقال شيخنا: قول أحمد في الرجوع إلى قول التابعين عام في التفسير وغيره (١) . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الصحيح منها (٢) ما يدل عليه اللفظ بإشارته من باب قياس الأولى. قال: والصحيح في الآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [٧٩/٥٦] أن المراد به الصحف التي بأيدي الملائكة لوجوه عديدة: منها: أنه وصفه بأنه (مكنون) والمكنون هو المستور عن العيون وهذا إنما هو في الصحف التي بأيدي الملائكة. [إشارة الآية، ومثالان] ومنها: أنه قال: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ وهم الملائكة، ولو أراد المتوضئين لقال: (المتطهرين) فالملائكة مطهرون، والمؤمنون متطهرون. ومنها: أن هذا إخبار. ولو كان نهيا لقال: لا يمسسه بالجزم. والأصل في الخبر أن يكون خبرا صورة ومعنى. ومنها: أن هذا رد على من قال: إن الشيطان جاء بهذا القرآن،

стр. 160

فأخبر تعالى أنه: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [٧٨/٥٦] لا تناله الشياطين ولا وصول لها إليه، كما قال تعالى في آية الشعراء ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [٢١٠، ٢١١/٢٦] وإنما تناله الأرواح المطهرة، وهم الملائكة. ومنها: أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [١٢-١٦/٨٠] قال مالك في موطئه: أحسن ما سمعت في تفسير قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أنها مثل هذه الآية التي في سورة عبس. ومنها: أن الآية مكية من سورة مكية تتضمن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات الصانع والرد على الكفار، وهذا المعنى أليق بالمقصود من فرع عملي، وهو حكم مس المحدث المصحف. ومنها: أنه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي الناس لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير فائدة؛ إذ من المعلوم أن كل كلام فهو قابل لأن يكون في كتاب حقا أو باطلا؛ بخلاف ما إذا وقع القسم على أنه في كتاب مصون مستور عن العيون عند الله، لا يصل إليه الشيطان، ولا ينال منه، ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة الزكية. فهذا المعنى أليق وأجل وأخلق بالآية وأولى بلا شك. فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: لكن تدل الآية بإشارتها على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر؛ لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون لكرامتها على الله؛ فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر. وسمعته يقول في قول النبي ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب» إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصورة

стр. 161

عن دخول البيت فكيف تلج معرفة الله ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها؟ فهذا من إشارة اللفظ الصحيحة (١) . [من حفظه غير معرب] مسألة: ومن حفظ القرآن غير معرب فلم يمكنه أن يقرأه إلا بلسان العجم أو عجز عن حفظ إعرابه ونحوه فليقرأ كما يمكنه فهو أولى من تركه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) . [قراءته في الطرقات وكتابته بحيث يهان] قراءة القرآن في الطرقات وفي الأسواق منهي عنها؛ لأنها للتأكل بالقرآن، وفيه ابتذال القرآن، ولا يصغي إليه أحد (٣) . ولا يجوز كتابة القرآن بحيث يهان، كما لو كتب على نصيبة قبر تبول عليه الكلاب ويدوسه الناس، كما لا يجوز أن يسافر به إلى أرض العدو. فتجب إزالته وإزالة ما كتب فيه من موضع الإهانة بالاتفاق (٤) . [المزاح حال القراءة] وما كان مباحا في غير حال القراءة مثل المزاح الذي جاءت به الآثار -وهو أن يمزح ولا يقول إلا صدقا لا يكون في مزاحه كذب ولا عدوان- فهذا لا يفعل في حال قراءة القرآن؛ بل ينزه عنه مجلس القرآن. فليس كل ما يباح في حال غير القراءة يباح فيها، كما أنه ليس كل ما يباح خارج الصلاة يباح فيها، لاسيما ما يشغل القارئ والمستمع عن التدبر والفهم، مثل كونه يخايل ويضحك. فكيف واللغو والضحك حال القراءة من أعمال المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [٢٦/٤١] ،

стр. 162

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ [٩/٤٥] ، وقال: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ [٥٩، ٦٠/٥٣] . ووصف المؤمنين بأنهم يبكون ويخشعون حال القراءة. فمن كان يضحك حال القراءة فقد تشبه بالمشركين لا بالمؤمنين؛ وليس لمن أنكر عليه ذلك أن يقول للذي أنكر: أنت مراء؛ بل عليه أن يطيع الله ورسوله، ولا يكون ممن إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم (١) . [استعماله لغير ما أنزل له] وليس لأحد استعمال القرآن لغير ما أنزله الله له؛ وبذلك فسر العلماء الحديث المأثور: «لا يناظر بكتاب الله» أي لا يجعل له نظير يذكر معه، كقول القائل لمن قدم لحاجة: لقد ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [٤٠/٢٠] وقوله عند الخصومة: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [٧١/٢٧] ، أو: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [١٠٧/٩] . ثم إن خرجه مخرج الاستخفاف بالقرآن والاستهزاء به كفر صاحبه. وأما إن تلا الآية عند الحكم الذي أنزلت له أو كان ما يناسبه من الأحكام فحسن (٢) . كقوله لمن دعاه إلى ذنب تاب منه: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [١٦/٢٤] ، وقوله عند ما أهمه: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [٨٦/١٢] . (٣) [٨٦/١٢] . [مسائل تتعلق بالمصحف] وأما جعل المصحف عند القبر فهو منهي عنه.. (٤) . وأما كتابة القرآن على الدراهم والدنانير فمكروه.. (٥) .

стр. 163

وأما القيام للمصحف وتقبيله فلا نعلم فيه شيئا عن السلف (١) . فتح الفأل فيه لم ينقل عن السلف؛ وليس من الفأل الذي يحبه الرسول (٢) .

стр. 164

التفسير سورة الفاتحة قال ابن القيم ﵀: وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) [٥/١] . وكثيرا ما سمعت شيخ الإسلام -قدس الله روحه- يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء، و ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبرياء (٢) . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: في بعض الآثار الإلهية يقول الله تعالى: «إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنما أنظر إلى همته» (٣) . ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [٦/١] قال بعض الناس في جوابه: إن كل عضو من أعضاء العبد وكل حاسة ظاهرة وباطنة مفتقرة إلى هداية خاصة به، فأتى بصيغة الجمع تنزيلا لكل عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه.

стр. 165

وعرضت هذا الجواب على شيخ الإسلام ابن تيمية فاستدركه واستضعفه جدا وهو كما قال (١) . سورة البقرة ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [٥/٢] قال شيخنا: الناس في الهدى الذي بعث الله تعالى به رسوله ﷺ أربعة أقسام. قد اشتملت عليهم هذه الآيات من أول السورة إلى ههنا (٢) ، (٣) . ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [٣٤/٢] . وأما عرض السجود على إبليس عند قبر آدم فقد ذكره بعض الناس، وأما عرضه عليه في الآخرة فما علمت أن أحدا ذكره, وكلاهما باطل (٤) . وقوله (٥) : في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [١٥٠/٢] منقطع قد قاله أكثر الناس، ووجهه أن الظالم لا حجة له، فاستثناؤه مما ذكر قبله منقطع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ليس الاستثناء بمنقطع؛ بل هو متصل على بابه، وإنما أوجب لهم أن حكموا بانقطاعه حيث ظنوا أن الحجة ههنا المراد بها الحجة الصحيحة الحق. والحجة في كلام الله نوعان: أحدهما الحجة الحق الصحيحة، كقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا

стр. 166

إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [٨٣/٦] ، وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [١٤٩/٦] ويراد بها مطلق الاحتجاج بحق أو بباطل، كقوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [٢٠/٣] ، وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [٢٥/٤٥] ، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [٢٥٨/٢] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [١٦/٤٢] . وإذا كانت الحجة اسما لما يحتج به من حق وباطل (تبين) صحة استثناء حجة الظالمين من قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [١٥٠/٢] ، وهذا في غاية التحقيق. والمعنى أن الظالمين يحتجون عليك بالحجة الباطلة الداحضة ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (١) [١٥٠/٢] . ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال ابن القيم وقال لي شيخنا يوما لهذين الاسمين وهما الحي القيوم تأثير عظيم في حياة القلب وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم (٢) . سورة آل عمران وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [١٤٣/٣] لأن الإنسان يشاهد بنفسه هذه الأمور. وقد قيل: إن الموت نفسه يشاهد ويرى ظاهرا. وقيل: المرئي أسبابه (٣) .

стр. 167

سورة النساء فصل قال الله تعالى في سورة النساء بعد الآية التي أمر فيها بقواعد الشريعة: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [٣٦/٤] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [٣٦، ٣٧/٤] ، وقال في سورة الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [٢٢، ٢٣، ٢٤/٥٧] . ففي كلا الموضعين وصف المختال الفخور بأنه يبخل ويأمر الناس بالبخل وهذا-والله أعلم- موافق ما رواه أبو داود وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «من الخيلاء ما يحبها الله، ومن الخيلاء ما يبغضها الله؛ فأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل نفسه في الحرب، واختياله نفسه عند الصدقة» أو كما قال. «وأما الخيلاء التي يبغضها الله فالخيلاء في البغي والفخر» فإنه أخبر أن من الخيلاء ما يحبها الله، وهي الخيلاء في السماحة والشجاعة، ولذلك قال لأبي دجانة يوم أحد لما اختال بين الصفين فقال: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن» ، ولهذا جوزنا في أحد القولين ما رويناه عن عمر من لبس الحرير في الحرب؛ لأن الخيلاء التي فيه محبوبة في الحرب كما دل عليه الحديثان؛ وذلك -والله أعلم- لأن الاختيال من التخيل والتخيل من باب التصور الذي قد يكون تصورا للموجود، وقد يكون تصورا للمفقود. فإن كان مطابقا للموجود ومحمودا في القصد فهو تخيل حق نافع. وإن كان مخالفا للموجود مذموما في القصد فهو الباطل الضار.

стр. 168

والشجاعة والسماحة لابد فيها من قوة للنفس لا تتم إلا بتصور محبوب يحضه على الشجاعة والسماحة، وإلا ففي هذا بذل النفس وفي هذا بذل المال الذي هو مادة النفس، فإن لم تتصور النفس أمرا محبوبا تعتاض به عما تبذله من النفس والمال لم تأت الشجاعة والسماحة؛ فيحب الله تخيل المقاصد الرفيعة والمطالب العالية التي تحض على الشجاعة والسماحة؛ فإن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها، ويحب معالي الأمور. فهذا إذا كان تخيلاً مقصودًا. وأما إذا كان تخيلاً موجودًا فلأن الشجاعة التي مضمونها النصرة ودفع الباطل والضرر والسماحة التي مضمونها الرزق وإقامة الحق، والنفع، هما عظيمان في أنفسهما وإليهما ترجع صفات الكمال من جلب المنفعة ودفع المضرة، فإذا تخيل الفاعل نفسه عظيما عند صدور ذلك منه كان مطابقا فكان اعتقادا صحيحا نافعا؛ ولهذا لم يذكر أن الله يحبه إلا عند الحرب والصدقة؛ لأنه في هذا الموطن هو صحيح نافع؛ لأنه يحض على المحبوب، وما أعان على المحبوب فمحبوب. فأما بعد صدور ذلك منه فإنه فخر أو منّ والله لا يحب الفخور ولا المنان. وصار في هذه المنزلة بمنزلة شهوة الطعام عند الأكل وشهوة النكاح عند مضاجعة الرجل أهله، فإن كان ذلك نافعًا به تحصل المصلحة (١) . سورة المائدة قال ابن القيم ﵀: وقد اختلفت أقوال الناس في التوراة التي بين أيديهم هل هي مبدلة أم التبديل والتحريف وقع في التأويل لا في التنزيل؟ على ثلاثة أقوال: طرفين، ووسط. فأفرطت طائفة وزعمت أنها كلها مبدلة مغيرة. إلخ.

стр. 169

وغلا بعضهم فجوز الاستجمار بها من البول. وقابلهم طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام فقالوا: التبديل وقع في التأويل لا في التنزيل إلى أن قال: وسمعت شيخنا يقول: وقع النزاع في هذه المسألة بين بعض الفضلاء فاختار هذا المذهب ووهن غيره، فأنكر عليه فأحضر لهم خمسة عشر نقلا به؛ إلى أن قال ابن القيم: وتوسطت طائفة ثالثة، وقالوا: قد زيد فيها وغير ألفاظا يسيرة؛ ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه، وممن اختار هذا القول شيخنا في كتابه «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» قال: وهذا كما في التوراة عندهم أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇: «اذبح ولدك بكرك ووحيدك إسحاق» فإسحاق زيادة منهم في لفظ التوراة (١) . سورة الأنعام ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [٥٣/٦] سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: هم الذين يعرفون قدر نعمة الإيمان ويشكرون الله عليها (٢) . سورة الأعراف ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [٢٨-٣٣/٧] .

стр. 170

قال شيخنا: وفي هذا الوصف نصيب كبير لكثير من المنتسبين إلى القبلة: من الصوفية، والعباد، والأمراء، والأجناد، والمتفلسفة، والمتكلمين، والعامة وغيرهم، يستحلون من الفواحش ما حرم الله ورسوله ظانين أن الله أباحه أو تقليدا لأسلافهم (١) (٢) . سورة الأنفال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [٤٥/٨] وفي أثر إلهي يقول الله تعالى: «إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه» سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يستشهد به. وسمعته يقول: المحبون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال، كما قال عنترة: ولقد ذكرتك والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم وقال الآخر: ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر وقال آخر: ولقد ذكرتك والرماح شواجر ... نحوي وبيض الهند تقطر من دمي وهذا كثير في أشعارهم، وهو مما يدل على قوة المحبة، فإن ذكر

стр. 171

المحب محبوبه في تلك الحال التي لا يهم المرء فيها غير نفسه، يدل على أنه عنده بمنزلة نفسه أو أعز منها. وهذا دليل على صدق المحبة، والله أعلم (١) (٢) . سورة التوبة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [٥/٩] وليست هذه الحرم هي الحرم المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [٣٦/٩] . قال شيخنا [من قال] : هذه هي تلك فقوله خطأ وذلك أن هذه قد بينها رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح بأنها «ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» وهذه ليست متوالية فلا يقال فيها «فإذا انسلخت» فإن الثلاثة إذا انسلخت بقي رجب، فإذا انسلخ رجب بقي ثلاثة أشهر ثم يأتي الحرم، فليس جعل هذا انسلاخا بأولى من ذلك. ولا يقال لمثل هذا [انسلخ] إنما يستعمل هذا في الزمن المتصل. ثم إن جمهور الفقهاء على أن القتال في تلك الحرم مباح، فكيف يقول: فإذا انسلخ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب فاقتلوا المشركين وهو قد أباح فيها قتال المشركين (٣) . قال ابن القيم ﵀: وقد ذكر الله سبحانه «السكينة» في كتابه في ستة مواضع:

стр. 172

الأول: قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [٢٤٨/٢] . الثاني: قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٢٦/٩] . الثالث: قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [٤٠/٩] . الرابع: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [٤/٤٨] . الخامس: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [١٨/٤٨] . السادس: قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [٢٦/٤٨] . وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة وسمعته يقول في وقعة عظيمة جرت له في مرضه تعجز العقول عن حملها -من محاربة أرواح شيطانية ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة- قال: فلما اشتد عليَّ الأمر قلت لأقاربي ومن حولي: اقرءوا آيات السكينة قال: ثم أقلع عني ذلك الحال، وجلست وما بي قلبة (١) .

стр. 173

سورة يوسف قال ابن القيم ﵀: فصل وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق. قال شيخنا ﵁: وهذه الحجة ضعيفة فإن يوسف لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال: إنه اقتص منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك. نعم تخلفه عنده كان يؤذيهم من أجل تأذي أبيهم والميثاق الذي أخذه عليهم، وقد استثنى في الميثاق بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [٦٦/١٢] وقد أحيط بهم، ولم يكن قصد يوسف باحتباس أخيه الانتقام من إخوته فإنه كان أكرم من هذا وكان في ذلك من الإيذاء لأبيه أعظم مما فيه من إيذاء إخوته، وإنما هو أمر أمره الله به ليبلغ الكتاب أجله، ويتم البلاء الذي استحق به يعقوب ويوسف كمال الجزاء، وتبلغ حكمة الله التي قضاها لهم نهايتها. ولو كان [يوسف] قصد القصاص منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء؛ فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل يجوز له أن يسرق أو يخون من سرقه أو خانه مثل ما سرق منه أو خانه إياه؟ وقصة يوسف لم تكن من هذا الضرب نعم لو كان يوسف أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة، مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضا؛ فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق، وهو أن يحبس رجل بريء ويعتقل للانتقام من غيره من غير أن يكون له جرم، ولو قدر أن ذلك وقع من

стр. 174

يوسف فلا بد أن يكون بوحي من الله ابتلاء منه لذلك المعتقل، كما ابتلي إبراهيم بذبح ابنه، فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيا خاصا كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه، وتكون حكمته في حق المبتلى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه، وتكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه، وهذا معلوم من فقه القصة وسياقها ومن حال يوسف، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [٧٦/١٢] فنسب الله تعالى هذا الكيد إلى نفسه، كما نسبه إلى نفسه في قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [١٥، ١٦/٨٦] ، وفي قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [٥٠/٢٧] ، وفي قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [٣٠/٨] (١) (٢) . قال ابن القيم ﵀: ثم في إعراب هذا الكلام وجهان: أحدهما: أن قوله: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ [٧٥/١٢] جملة مستقلة قائمة من مبتدأ وخبر. وقوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ جملة ثانية مؤكدة للأولى مقررة لها. وذكر ابن القيم الفرق بين الجملتين ثم قال: والقول الثاني أن ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الأول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية ومعنى ذلك والفرق بين الجملتين: أن الأولى إخبار عن استحقاق المسروق لرقبة السارق.

стр. 175

والثانية: إخبار أن هذه جزاؤه في شرعنا وحكمنا، فالأولى إخبار عن المحكوم عليه. والثانية إخبار عن الحكم، وإن كانا متلازمين، وإن أفادت الثانية معنى الحصر فإنه لا جزاء له غيره. والقول الثاني: أن ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الأول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية، والمعنى جزاء السارق أن من وجد المسروق في رحله كان هو الجزاء كما تقول جزاء السرقة مَنْ سرق قطعت يده، وجزاء الأعمال من عمل حسنة فبعشر أو سيئة فبواحدة ونظائره. قال شيخنا ﵁: وإنما احتمل الوجهين لأن الجزاء قد يراد به نفس الحكم باستحقاق العقوبة، وقد يراد به نفس فعل العقوبة. وقد يراد به نفس الألم الواصل إلى المعاقب (١) . سورة الحجر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [٧٥/١٥] . قال ابن القيم ﵀: وقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ﵀ أمورا عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم، ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما. أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة، وأن جيوش المسلمين تكسر، وأن دمشق لا يكون بها قتل عام، ولا سبي عام، وأن كلب الجيش وحدته تكون في الأموال. وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة.

стр. 176

ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا. فيقال له: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وسمعته يقول ذلك. قال: فلما أكثروا علي قلت: لا تكثروا كتب الله في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام. قال: وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو. وكانت فراسته الجريئة (١) في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر. ولما طلب إلى الديار المصرية، وأريد قتله -بعدما أنضجت له القدور، وقلبت له الأمور- اجتمع أصحابه لوداعه، وقالوا: قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك. فقال: والله لا يصلون إلى ذلك أبدا. قالوا: أفتحبس؟ قال: نعم ويطول حبسي، ثم أخرج وأتكلم بالسنة على رءوس الناس. سمعته يقول ذلك. ولما تولى عدوه الملقب بالجاشنكير الملك أخبروه بذلك، وقالوا: الآن بلغ مراده منك؛ فسجد لله شكرا، وأطال فقيل له: ما سبب هذه السجدة؟ فقال: هذه بداية ذله ومفارقة عزه من الآن وقرب زوال أمره. فقيل: متى هذا؟ فقال: لا تربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته، فوقع الأمر مثل ما أخبر به سمعت ذلك منه. وقال مرة: يدخل عليّ أصحابي وغيرهم فأرى في وجوههم وأعينهم أمورا لا أذكرها لهم. فقلت له -أو غيري-: لو أخبرتهم؟ فقال: أتريدون أن أكون معرفا كمعرف الولاة؟. وقلت له يوما: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة، أو قال: شهرا.

стр. 177

وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه ولم ينطق به لساني وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل، ولم يعين أوقاتها. وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها. وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته والله أعلم (١) . سورة الإسراء ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ . قال شيخنا ﵁: والصحيح أن المعنى: لابتغوا إليه سبيلا بالتقرب إليه وطاعته. فكيف تعبدونهم من دونه؟ وهم لو كانوا آلهة كما يقولون لكانوا عبيدا له. قال: ويدل على هذا وجوه: منها: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [٥٧/١٧] أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم عبادي كما أنتم عبادي يرجون رحمتي ويخافون عذابي فلماذا تعبدونهم من دوني؟! الثاني: أنه سبحانه لم يقل: ﴿لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ بل قال ﴿لابتغوا إليه سبيلا﴾ ، وهذا اللفظ إنما يستعمل في التقريب، كقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ، وأما في المغالبة فإنما يستعمل بعلى كقوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [٣٤/٤] . الثالث: أنهم لم يقولوا: إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه، وهو سبحانه قد قال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ ، وهم إنما كانوا يقولون:

стр. 178

إن آلهتهم تبتغي التقرب إليه وتقربهم زلفى إليه، فقال: لو كان الأمر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدا له، فلماذا تعبدون عبيده من دونه؟ (١) . سورة الكهف وقوله سبحانه: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [٨٦/١٨] العين في الأرض ومعنى ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ﴾ أي في رأي الناظر باتفاق المفسرين؛ وليس المراد أنها تسقط من الفلك فتغرب في تلك العين؛ فإنها لا تنزل من السماء إلى الأرض، ولا تفارق فلكها. والفلك فوق الأرض من جميع أقطارها لا يكون تحت الأرض؛ لكن إذا تخيل المتخيل أن الفلك محيط بالأرض توهم أن ما يلي رأسه هو أعلاه وما يلي رجليه هو أسفله، وليس الأمر كذلك؛ بل جانب الفلك من هذا الجانب كجانبه من المشرق والمغرب، والسماء فوق الأرض بالليل والنهار، وإنما السفل هو أضيق مكان في الأرض وهو المركز الذي إليه تنتهي الأثقال. وكل ما تحرك من المركز إلى السماء من أي جانب كان فإنه يصعد من الأسفل إلى الأعلى. والله أعلم (٢) . سورة طه ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [٨٤/٢٠] ظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضى ربه، وأن رضاه هو المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها؛ ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك قال: إن رضى الرب في العجلة إلى أوامره (٣) .

стр. 179

قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [١٢٤/٢٠] الآية تشمل الكافر فله منها حق الوعيد. وتشمل المؤمن المرتكب الكبيرة فله نصيب من ضنك العيش بقدر إعراضه عن الذكر. ومذهب أهل السنة أن الشخص الواحد تجتمع فيه الحسنات والسيئات فيستحق الثواب والعقاب جميعًا (١) . سورة الأنبياء ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [١٠٤/٢١] وكذلك طي السماء قبل الأرض بأربعين سنة باطل (٢) . عن ابن عباس قال: السجل كاتب كان للنبي ﷺ قال ابن القيم ﵀: سمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يعرف لرسول الله ﷺ كاتب اسمه السجل قط (٣) . سورة النور فصل ما يعلمه الإنسان من حق وباطل فإنه يقوم بقلبه ويحل بروحه المنفوخة فيه المتصلة بالقلب الذي هو المضغة الصنوبرية الشكل. وقد قيل: إنه يقوم بجميع الجسد، وليس لبعض ذلك مكان من الجسد يتميز به عن مكان آخر باتفاق الناس؛ وإنما الروح هي التي يعبر عن محلها الأول بالقلب تارة، وتسميها الفلاسفة النفس الناطقة، وهي

стр. 180

الحاملة لجميع الاعتقادات فتنور قلوب المؤمنين وأرواحهم بالمعارف الإلهية، وتظلم قلوب الكافرين بالعقائد الفاسدة، كما ضرب الله مثل المؤمن والكافر في سورة النور. وما يحصل عند الذكر المشروع من البكاء ووجل القلب واقشعرار الجسوم فمن أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب. أما الاضطراب الشديد والغشي والصيحان فإن كان صاحبه لم يعلم ما هو عليه لم يلم، وسببه قوة الوارد مع ضعف القلب، والقوة والتمكن أفضل كما هو حال النبي ﷺ وأصحابه. وأما السكون قسوة وجفاء فهو مذموم (١) . سورة العنكبوت قال شيخ الإسلام بحر العلوم مفتى الفرق أبو العباس أحمد ابن تيمية ﵀: فصل قال الله تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ * وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ
следующие страницы →