← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا. فيقال له: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وسمعته يقول ذلك. قال: فلما أكثروا علي قلت: لا تكثروا كتب الله في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام. قال: وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو. وكانت فراسته الجريئة (١) في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر. ولما طلب إلى الديار المصرية، وأريد قتله -بعدما أنضجت له القدور، وقلبت له الأمور- اجتمع أصحابه لوداعه، وقالوا: قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك. فقال: والله لا يصلون إلى ذلك أبدا. قالوا: أفتحبس؟ قال: نعم ويطول حبسي، ثم أخرج وأتكلم بالسنة على رءوس الناس. سمعته يقول ذلك. ولما تولى عدوه الملقب بالجاشنكير الملك أخبروه بذلك، وقالوا: الآن بلغ مراده منك؛ فسجد لله شكرا، وأطال فقيل له: ما سبب هذه السجدة؟ فقال: هذه بداية ذله ومفارقة عزه من الآن وقرب زوال أمره. فقيل: متى هذا؟ فقال: لا تربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته، فوقع الأمر مثل ما أخبر به سمعت ذلك منه. وقال مرة: يدخل عليّ أصحابي وغيرهم فأرى في وجوههم وأعينهم أمورا لا أذكرها لهم. فقلت له -أو غيري-: لو أخبرتهم؟ فقال: أتريدون أن أكون معرفا كمعرف الولاة؟. وقلت له يوما: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة، أو قال: شهرا.

стр. 177

وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه ولم ينطق به لساني وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل، ولم يعين أوقاتها. وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها. وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته والله أعلم (١) . سورة الإسراء ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ . قال شيخنا ﵁: والصحيح أن المعنى: لابتغوا إليه سبيلا بالتقرب إليه وطاعته. فكيف تعبدونهم من دونه؟ وهم لو كانوا آلهة كما يقولون لكانوا عبيدا له. قال: ويدل على هذا وجوه: منها: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [٥٧/١٧] أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم عبادي كما أنتم عبادي يرجون رحمتي ويخافون عذابي فلماذا تعبدونهم من دوني؟! الثاني: أنه سبحانه لم يقل: ﴿لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ بل قال ﴿لابتغوا إليه سبيلا﴾ ، وهذا اللفظ إنما يستعمل في التقريب، كقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ، وأما في المغالبة فإنما يستعمل بعلى كقوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [٣٤/٤] . الثالث: أنهم لم يقولوا: إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه، وهو سبحانه قد قال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ ، وهم إنما كانوا يقولون:

стр. 178

إن آلهتهم تبتغي التقرب إليه وتقربهم زلفى إليه، فقال: لو كان الأمر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدا له، فلماذا تعبدون عبيده من دونه؟ (١) . سورة الكهف وقوله سبحانه: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [٨٦/١٨] العين في الأرض ومعنى ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ﴾ أي في رأي الناظر باتفاق المفسرين؛ وليس المراد أنها تسقط من الفلك فتغرب في تلك العين؛ فإنها لا تنزل من السماء إلى الأرض، ولا تفارق فلكها. والفلك فوق الأرض من جميع أقطارها لا يكون تحت الأرض؛ لكن إذا تخيل المتخيل أن الفلك محيط بالأرض توهم أن ما يلي رأسه هو أعلاه وما يلي رجليه هو أسفله، وليس الأمر كذلك؛ بل جانب الفلك من هذا الجانب كجانبه من المشرق والمغرب، والسماء فوق الأرض بالليل والنهار، وإنما السفل هو أضيق مكان في الأرض وهو المركز الذي إليه تنتهي الأثقال. وكل ما تحرك من المركز إلى السماء من أي جانب كان فإنه يصعد من الأسفل إلى الأعلى. والله أعلم (٢) . سورة طه ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [٨٤/٢٠] ظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضى ربه، وأن رضاه هو المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها؛ ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل. سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك قال: إن رضى الرب في العجلة إلى أوامره (٣) .

стр. 179

قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [١٢٤/٢٠] الآية تشمل الكافر فله منها حق الوعيد. وتشمل المؤمن المرتكب الكبيرة فله نصيب من ضنك العيش بقدر إعراضه عن الذكر. ومذهب أهل السنة أن الشخص الواحد تجتمع فيه الحسنات والسيئات فيستحق الثواب والعقاب جميعًا (١) . سورة الأنبياء ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [١٠٤/٢١] وكذلك طي السماء قبل الأرض بأربعين سنة باطل (٢) . عن ابن عباس قال: السجل كاتب كان للنبي ﷺ قال ابن القيم ﵀: سمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يعرف لرسول الله ﷺ كاتب اسمه السجل قط (٣) . سورة النور فصل ما يعلمه الإنسان من حق وباطل فإنه يقوم بقلبه ويحل بروحه المنفوخة فيه المتصلة بالقلب الذي هو المضغة الصنوبرية الشكل. وقد قيل: إنه يقوم بجميع الجسد، وليس لبعض ذلك مكان من الجسد يتميز به عن مكان آخر باتفاق الناس؛ وإنما الروح هي التي يعبر عن محلها الأول بالقلب تارة، وتسميها الفلاسفة النفس الناطقة، وهي

стр. 180

الحاملة لجميع الاعتقادات فتنور قلوب المؤمنين وأرواحهم بالمعارف الإلهية، وتظلم قلوب الكافرين بالعقائد الفاسدة، كما ضرب الله مثل المؤمن والكافر في سورة النور. وما يحصل عند الذكر المشروع من البكاء ووجل القلب واقشعرار الجسوم فمن أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب. أما الاضطراب الشديد والغشي والصيحان فإن كان صاحبه لم يعلم ما هو عليه لم يلم، وسببه قوة الوارد مع ضعف القلب، والقوة والتمكن أفضل كما هو حال النبي ﷺ وأصحابه. وأما السكون قسوة وجفاء فهو مذموم (١) . سورة العنكبوت قال شيخ الإسلام بحر العلوم مفتى الفرق أبو العباس أحمد ابن تيمية ﵀: فصل قال الله تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ * وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ

стр. 181

بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [١-١١/٢٩] . وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [٢١٤/٢] . وقال الله تعالى لما ذكر المرتد والمكره بقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ [١٠٦/١٦] ، قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [١١٠/١٦] . فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما ألا يقول: آمنا؛ بل يستمر على عمل السيئات فمن قال (آمنا) امتحنه الرب وابتلاه وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب. ومن لم يقل: (آمنا) فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته، فإن أحدا لن يعجز الله تعالى. هذه سنته تعالى يرسل الرسل إلى الخلق فيكذبهم الناس ويؤذونهم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [١١٢/٦] ، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

стр. 182

مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [٥٢/٥١] ، وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [٤٣/٤١] . ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وآذوه فابتلي بما يؤلمه؛ وإن لم يؤمن بهم عوقب فحصل ما يؤلمه أعظم وأدوم، فلابد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أو كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة, والكافر تحصيل له النعمة ابتداء، ثم يصير في الألم. سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله أيهما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى؛ فإن الله ابتلى نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم. فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم ألبتة، وهذا أصل عظيم، فينبغي للعاقل أن يعرفه، وهذا يحصل لكل أحد؛ فإن الإنسان مدني بالطبع لابد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات يطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه. وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب: تارة منهم، وتارة من غيرهم. ومن اختبر حاله وأحوال الناس وجد من هذا شيئا كثيرا، كقوم يريدون الفواحش والظلم، أو لهم أقوال باطلة في الدين أو شرك، فهم مرتكبون بعض ما ذكره الله من المحرمات في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [٣٣/٧] ، وهم في مكان مشترك كدار جامعة أو خان أو قيسرية أو مدرسة أو رباط أو قرية أو درب أن مدينة فيها غيرهم، وهم لا يتمكنون مما يريدون إلا بموافقة أولئك أو بسكوتهم عن الإنكار عليهم، فيطلبون من أولئك الموافقة أو السكوت فإن وافقوهم أو سكتوا سلموا من شرهم في الابتلاء،

стр. 183

ثم قد يتسلطون هم أنفسهم على أولئك يهينونهم ويعاقبونهم أضعاف ما كان أولئك يخافونه ابتداء؛ كمن يطلب منه شهادة الزور أو الكلام في الدين بالباطل؛ إما في الخبر وإما في الأمر أو المعاونة على الفاحشة والظلم، فإن لم يجبهم آذوه وعادوه. وإن أجابهم فهم أنفسهم يتسلطون عليه فيهينونه ويؤذونه أضعاف ما كان يخافه، وإلا عذب بغيرهم. فالواجب ما في حديث عائشة الذي بعثت به إلى معاوية ويروى موقوفا ومرفوعا: «من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس» ، وفي لفظ: «﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا» وفي لفظ: «وعاد حامده من الناس ذاما» . وهذا يجري فيمن يعين الملوك والرؤساء على أغراضهم الفاسدة وفيمن يعين أهل البدع المنتسبين إلى العلم والدين على بدعهم. فمن هداه الله وأرشده امتنع عن فعل المحرم وصبر على أذاهم وعداوتهم ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما جرى للرسل وأتباعهم مع من آذاهم وعاداهم مثل المهاجرين في هذه الأمة ومن ابتلي من علمائها وعبادها وتجارها وولاتها. وقد يجوز في بعض الأمور إظهار الموافقة وإبطان المخالفة، كالمكره على الكفر كما هو مبسوط في غير هذا الموضع. إذ المقصود هنا أنه لابد من الابتلاء بما يؤذي الناس؛ لا خلاص لأحد مما يؤذيه ألبته؛ ولهذا ذكر الله تعالى في غير موضع أنه لابد أن يبتلي الناس، والابتلاء يكون بالسراء والضراء، ولا بد أن يبتلي الإنسان بما يسره وما يسوؤه فهو محتاج إلى أن يكون صابرا شكورا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [٧/١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [١٦٨/٧] ، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ

стр. 184

مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [١٢٣، ١٢٤/٢٠] ، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [١٤٢/٣] هذا في آل عمران، وقد قال قبل ذلك في البقرة؛ فإن البقرة نزل أكثرها قبل آل عمران: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [٢١٤/٢] . وذلك أن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص بالبلاء، كالذهب الذي لا يخلص جيده من رديئه حتى يفتتن في كير الامتحان، إذ كانت النفس جاهلة ظالمة وهي منشأ كل شر يحصل للعبد، فلا يحصل له شر إلا منها، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [٧٩/٤] ، وقال تعالى: ﴿أو لما أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [١٦٥/٣] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [٣٠/٤٢] ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [٥٣/٨] ، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [١١/١٣] . وقد ذكر عقوبات الأمم من آدم إلى آخر وقت. وفي كل ذلك يقول: (إنهم ظلموا أنفسهم) فهم الظالمون لا المظلومون. وأول من اعترف بذلك أبواهم: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [٢٣/٧] ، وقال لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [٨٥/٣٨] ، وإبليس إنما اتبعه الغواة منهم، كما قال:

стр. 185

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [٣٩، ٤٠/١٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [٤٢/١٥] والغي اتباع هوى النفس. وما زال السلف معترفين بذلك، كقول أبي بكر وعمر وابن مسعود: فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله رسوله بريئان منه. وفي الحديث الإلهي حديث أبي ذر الذي يرويه الرسول عن ربه : «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» ،وفي الحديث الصحيح حديث سيد الاستغفار أن يقول العبد: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة» وفي حديث أبي بكر الصديق من طريق أبي هريرة وعبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ علمه إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه: «اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء وملكيه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك» وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: «الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا» وقد قال النبي ﷺ : «أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون تهافت الفراش» شبههم بالفراش لخفة حركته، وهي

стр. 186

صغيرة النفس فإنها سريعة الحركة وفي الحديث: «مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة» وفي حديث آخر: «للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا» ومعلوم سرعة حركة الريشة والقدر مع الجهل؛ ولهذا يقال لمن أطاع من يغويه: إنه استخفه قال عن فرعون إنه استخف قومه فأطاعوه، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [٦٠/٣٠] فإن الخفيف لا يثبت بل يطيش، وصاحب اليقين ثابت. يقال: أيقن. إذا كان مستقرا واليقين: استقرار الإيمان في القلب علما وعملا فقد يكون علم العبد جيدا، لكن نفسه لا تصبر على المصائب بل تطيش. قال الحسن البصري: إذا شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته، وإذا شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته فإذا رأيت بصيرا صابرا فذاك قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [٢٤/٣٢] ؛ ولهذا تشبه النفس بالنار في سرعة حركتها وإفسادها وغضبها وشهوتها من النار، والشيطان من النار، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» . وفي الحديث الآخر: «الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم، ألا ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟» ، وهو غليان دم القلب لطلب الانتقام وفي الحديث المتفق على صحته: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» ، وفي الصحيحين أن رجلين استبا عند النبي ﷺ وقد اشتد غضب أحدهما فقال النبي ﷺ : «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وقد قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو

стр. 187

حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [٣٤-٣٦/٤١] ، وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [٩٦-٩٨/٢٣] (١) . سورة الأحزاب ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [٦/٣٣] . وفي كتاب «الزهد» للإمام أحمد: أن المسيح ﵇ قال للحواريين: «إنكم لن تلجوا ملكوت السموات حتى تولدوا مرتين» . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: «هي ولادة الأرواح والقلوب من الأبدان وخروجها من عالم الطبيعة، كما ولدت الأبدان من البدن وخرجت منه» . والولادة الأخرى هي الولادة المعروفة والله أعلم (٢) . وقال ابن القيم ﵀ بعد النقل عن شيخ الإسلام ما ذكره عن المسيح في المجلد الثالث من المدارج: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذكر ذلك، ويفسره بأن الولادة نوعان: أحدهما: هذه المعروفة. والثاني: ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس وظلمة الطبع.

стр. 188

قال: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين، وقد قرأ أبي بن كعب ﵁: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم) ، قال: وهذا معنى القراءة والآية في قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ إذ ثبوت أمومة أزواجه لهم فرع عن ثبوت أبوته. قال: فالشيخ، والمعلم، والمؤدب أبو الروح، والوالد أبو الجسم (١) . وليس للأب إلا ما يدعو به الولد له، فظهر معنى قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فهو الأب الروحاني والوالد الأب الجثماني وهو ﷺ سبب السعادة الأبدية للمؤمن في الدنيا والآخرة، والأب سبب لوجوده في الدنيا. ومعلوم أن الإنسان يجب عليه أن يطيع معلمه الذي يدعوه إلى الخير ويأمره الله، ولا يجوز له أن يطيع أباه في مخالفة هذا الداعي لأنه يدله على ما ينفعه ويقربه إلى ربه ويحصل له باتباعه السعادة الأبدية. فظهر فضل الأب الروحاني على الأب الجثماني؛ فهذا أبوه في الدين، وذاك أبوه في الطين، وأين هذا من هذا؟! وأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين في الحرمة، لا في المحرمية، ولهن من الاحترام ما ليس للأم الوالدة (٢) . سورة فاطر ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [١١/٣٥] . أما الدعاء بطول العمر فقد كرهه الأئمة، وكان أحمد إذا دعا له

стр. 189

أحد بطول العمر يكره ذلك ويقول: هذا أمر قد فرغ منه. وحديث أم حبيبة ﵂ لما طلبت إمتاعها بزوجها وأبيها وأخيها فقال لها النبي ﷺ : «سألت الله لآجال مضروبة وآثار مبلوغة، وأرزاق مقسومة» ففيه أن العمر لا يطول بهذا السبب الذي هو الدعاء فقط (١) . سورة الشورى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [٥٢/٤٢] . قال ابن القيم ﵀: وقد اختلفوا في مفسر المضمر من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ فقيل: هو الإيمان لكونه أقرب المذكورين. وقيل: هو الكتاب فإنه النور الذي هدى الله به عباده. قال شيخنا: والصواب أنه عائد على الروح المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الآية، فسمي وحيه روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح التي هي الحياة في الحقيقة، ومن عدمها فهو ميت لا حي (٢) . سورة النجم وجرت عادة القوم أن يذكروا في هذا المقام (٣) قوله تعالى عن نبيه

стр. 190

- ﷺ حين أراه ما أراه ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [١٧/٥٣] وأبو القاسم القشيري صدر «باب الآداب» بهذه الآية، وكذلك غيره. وكأنهم نظروا إلى قول من قال من أهل التفسير: إن هذا وصف لأدبه ﷺ في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبا ولا تجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب والإخلال به أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله أو يتطلع أمام المنظور. فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمام المنظور طغيان ومجاوزة، فكمال إقبال الناظر على المنظور ألا ينصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة ولا يتجاوزه هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه (١) . سورة التغابن وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [١٤/٦٤] (من) للتبعيض بالاتفاق (٢) .

стр. 191

الحديث (١) (٢) «ابتاعيها واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاء لمن أعتق» . قال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر أقوال الطوائف في هذا الحديث وهي خمسة: قال شيخنا: بل الحديث على ظاهره، ولم يأمرها النبي ﷺ باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط ولا إباحة له، ولكن عقوبة لمشترطه؛ إذ أبى أن يبيع جارية للمعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله تعالى وشرعه، فأمرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله؛ لأن الشروط الباطلة لا تغير شرعه، وأن من شرط ما يخالف دينه لم يجز أن يوفى له بشرطه، ولا يبطل البيع به، وأن من عرف فساد الشرط وشرطه ألغي اشتراطه ولم يعتبر (٣) . قوله في حديث أبي بكر ﵁: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» .

стр. 192

قال الحكيم الترمذي: هذا عبد اعترف بالظلم ثم التجأ إليه مضطرا لا يجد لذنبه ساترا غيره. ثم سأله مغفرة من عنده والأشياء كلها من عنده ولكن أراد شيئا مخصوصا ليس مما يذكر للعامة فلله رحمة قد عمت الخلق برهم وفاجرهم، سعيدهم وشقيهم، ثم له رحمة خص بها المؤمنين خاصة وهي رحمة الإيمان، ثم له رحمة خص بها المتقين وهي رحمة الطاعة لله تعالى، ولله رحمة خص بها الأولياء نالوا بها الولاية، وله رحمة خص بها الأنبياء نالوا بها النبوة، وقال الراسخون في العلم: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [٨/٣] فسألوه رحمة من عنده، فهذا صورة ما شرحه ولم يذكر صفة الظلم وأنواعه كما ذكر صفة الرحمة. وليعلم أن الدعاء الذي فيه اعتراف العبد بظلمه لنفسه ليس من خصائص الصديقين ومن دونهم بل هو من الأدعية التي يدعوا بها الأنبياء وهم أفضل الخلق، قال الله تعالى عن آدم وحواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [٢٣/٧] وقال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [١٦/٢٨] والخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [٤١/١٤] ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [٨٢/٢٦] ، وقال هو وإسماعيل ﵇: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [١٢٧، ١٢٨/٢] ، وقال يونس ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [٨٧/٢١] . وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: «ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي» ، وثبت عنه: «اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وعلانيته وسره وأوله وآخره. اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي.

стр. 193

اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت» وفي الركوع والسجود كان يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي -يتأول القرآن» . وقال له ربه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [٥٥/٤٠] وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [١٩/٤٧] وسورة النصر آخر ما نزل بعد قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [٢/٤٨] فقال له الناس: «هذا لك فما لنا» ؟ قال: فأنزل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [٤/٤٨] . وفي هذا رد على الطائفة الذين يقولون: معنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ [٢/٤٨] هو ذنب آدم ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ هو ذنب أمته؛ فإن هذا القول وإن لم يقله أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين فقد قاله طائفة من المتأخرين. ويظن بعض الجهال أنه قول شريف، وهو كذب على الله وتخريف، فإنه قد ثبت أن الناس يوم القيامة يأتون آدم فيعتذر إليهم ويذكر خطيئته. فلو كان ما تقدم هو ذنب آدم لم يكن يعتذر وقد قالت الصحابة ﵃: «هذا لك فما لنا» فلو كان ما تأخر مغفرة ذنوبهم لكان قال: هذا لكم. وأيضا فقد قال الله له: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فكيف تضاف ذنوب الفساق إليه ويجعل الزنا والسرقة وشرب الخمر ذنبا له؟ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [١٨/٣٥] وأي فرق بين ذنب آدم ونوح وإبراهيم وكلهم آباؤه؟ وقد قال في غير موضع: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى

стр. 194

الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [٥٤/٢٤] فكيف يكون ذنب أمته ذنبا له؟ هذا لا يخفى فساده على من له أدنى تدبر وإن كان قاله طائفة من المصنفين في العصمة، حتى ترى ذلك في كلام بعض من له قدم صدق من أهل السنة، لكن الغلو أوجب اتباع الجهال الضلال؛ فإن أصل ذلك من المبتدعين الضالين، وأولهم «الرافضة» فإنهم لما ادعوا العصمة في علي وغيره حتى من الخطأ احتاجوا أن يثبتوا ذلك للأنبياء بطريق الأولى. ولما نزهوا عليا ﵁ ومن دونه أن يكون له ذنب يستغفر منه كان تنزيههم للرسول أولى. وكذلك «القرامطة» لما ادعوا عصمة أئمتهم الإسماعيلية القرامطة الباطنية الفلاسفة الدهرية وعبدوهم وادعوا فيهم الإلهية كما كانت الغالية تعتقد في علي وغيره الإلهية أو النبوة وكما ألزموا الدعوة للمنتظر وأنه معصوم وقالوا: دخل في سرداب سامرا سنة ستين ومائتين وهو طفل غير مميز، وصار مثل هذا يدّعي حتى ادعى ابن التومرت المغربي صاحب «المرشدة» أنه المهدي صار طائفة من الغلاة في مشايخهم يعتقدون لهم العصمة بقلوبهم أو يقولون: إنه محفوظ والمعنى واحد. ولو أقر له بلسانه عامله بالعصمة بقلبه. فهؤلاء إذا اعتقدوا العصمة في بعض العوام كيف لا يعتقدون ذلك في الأنبياء؟ فإن كان من المسلمين من اعتقد أن الأنبياء أفضل من شيخه وإمامه وهو يعتقد عصمة شيخه فهو يعتقد عصمتهم بطريق الأولى. وإن كان من الزنادقة الذي يعتقدون أن الشيخ أفضل من النبي -كما يقوله المتفلسفة والشيعة وغلاة الصوفية الاتحادية وغيرهم- فلا بد لهؤلاء أن يقروا الغلو في الأنبياء وحتى يوافقهم الناس على الغلو في أئمتهم. وهذا كله من شعب النصرانية الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [٧٧/٥] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ

стр. 195

عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إلى قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [١٧١، ١٧٢/٤] وقد قال ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، بل قولوا عبد الله فإنما أنا عبد الله» و «إنما أضل من كان قبلكم الغلو في الدين» وقد قال ﵊: «لتركبن سنن من كان قبلكم» ومن قبلنا قصدوا تعظيم الأنبياء والصالحين فوقعوا في تكذيبهم؛ فإن المسيح قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [٣٠/١٩] فكذبوه، وقالوا: ما هو عبد الله، بل هو الله، وأشركوا به. وكذلك الغالية في علي وغيره فإنه حرق الغالية فيه، ونقل عنه من نحو ثمانين وجها: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر» . ويذكر ذلك عن ابن الحنفية كما رواه البخاري، والشيعة تكذبه فهم معه كالنصارى مع المسيح واليهود مع موسى. وكذلك اتباع المشايخ يغلون فيهم، ويتركون الطريقة التي يحبها الله ورسوله. وهذا باب دخل منه الشيطان على خلق كثير فأضلهم حتى جعل أحدهم قول الحق تنقيصا له، كما إذا قيل للنصارى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [٧٥/٥] قالوا: هذا تنقص بالمسيح وسوء أدب معه. وهكذا المنتسبون إلى هذه الأمة تجد أحدهم يغلو في قدوته حتى يكره أن يوصف بما هو فيه، ومع هذا فهو يكذبه ويقول عليه العظائم. وهذا باب يطول والمقصود التنبيه. إذا عرف ذلك فقد اتفق سلف الأمة وجميع الطوائف الذين لهم قول معتبر أن من سوى الأنبياء ليس بمعصوم لا من الخطأ ولا من

стр. 196

الذنوب سواء كان صديقا أولم يكن ولا فرق بين أن يقول: هو معصوم أو محفوظ أو ممنوع. وقد قال الأئمة: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . ولهذا اتفق الأئمة على أنه ﷺ معصوم فيما يبلغه عن دربه، وقد اتفقوا على أنه لا يقر على الخطأ في ذلك، وكذلك لا يقر على الذنوب لا صغائرها ولا كبائرها. ولكن تنازعوا: هل يقع من الأنبياء بعض الصغائر مع التوبة منها، أو لا يقع بحال؟ فقال بعض متكلمي الحديث وكثير من المتكلمين من الشيعة والمعتزلة: لا تقع منهم الصغيرة بحال، وزاد الشيعة حتى قالوا: لا يقع منهم لا خطأ ولا غير خطأ. وأما السلف وجمهور أهل الفقه والحديث والتفسير وجمهور متكلمي أهل الحديث من الأشعرية وغيرهم فلم يمنعوا وقوع الصغيرة إذا كان مع التوبة كما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة؛ فإن الله يحب التوابين. وإذا ابتلي بعض الأكابر بما يتوب منه فذاك لكمال النهاية لا لنقص البداية، كما قال بعضهم: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه، لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه. وأيضا فالحسنات تتنوع بحسب المقامات، كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين. فمن فهم ما تمحوه التوبة وما ترفع صاحبها إليه من الدرجات وما يتفاوت الناس فيه من الحسنات والسيئات زالت عنه الشبه في هذا الباب وأقر الكتاب والسنة على ما فيهما من الهدى والصواب.

стр. 197

فإن «الغلاة» يتوهمون أن الذنب إذا صدر من العبد كان نقصا في حقه لا ينجبر حتى يجعلوا من لم يسجد لصنم أفضل منه. وهذا جهل، فإن المهاجرين والأنصار الذين هم أفضل هذه الأمة هم أفضل من أولادهم وغير أولادهم ممن ولد على الإسلام، وإن كانوا في أول الأمر كفار يعبدون الأصنام، بل المنتقل من الضلال إلى الهدى يضاعف له الثواب كما قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [٧٠/٢٥] فالله سبحانه أفرح بتوبة عبده من الذي طلب راحلته في الأرض المهلكة ثم وجدها فإذا كانت التوبة بهذه المثابة كيف لا يكون صاحبها معظما؟ وقد وصف الإنسان بالظلم والجهل، وجعل الفرق بين المؤمن والكافر والمنافق أن المؤمن يتوب فيتوب الله عليه إذ لم يكن له بد من الجهل فقال تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [٧٣/٣٣] و «خير الخطائين التوابون» و «كل بني آدم خطاؤون» . وقد ذكر الله الذين وعدهم الحسنى فلم ينف عنهم الذنوب فقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [٣٣-٣٥/٣٩] فذكر المغفرة والتكفير، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [١٦/٤٦] ، وقال ﵊: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» . واعلم أن كثيرا من الناس يسبق إلى ذهنه من ذكر الذنوب الزنا والسرقة ونحو ذلك فيستعظم أن كريما يفعل ذلك، ولا يعلم هذا المسكين أن أكثر عقلاء بني آدم لا يسرقون؛ بل ولا يزنون حتى في

стр. 198

جاهليتهم وكفرهم؛ فإن أبا بكر وغيره قبل الإسلام ما كانوا يرضون أن يفعلوا مثل هذه الأعمال، ولما بايع النبي ﷺ هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية بيعة النساء على أن لا يسرقن ولا يزنين قالت: «أو تزني الحرة» ؟ فما كانوا في الجاهلية يعرفون الزنا إلا للإماء، وكذلك اللواط، فأكثر الأمم لم تعرفه ولم يكن يعرف في العرب قط. ولكن الذنوب تتنوع وهي كثيرة الشعب: كالتي هي من باب الضلال في الإيمان والبدع التي هي من جنس العلو في الأرض بالفساد، والفخر والخيلاء والحسد والكبر والرياء هي في الناس الذين هم متفقون على الفواحش. وكذلك الذنوب التي هي ترك الواجبات كالإخلاص، والتوكل على الله، ورجاء رحمته، وخوف عذابه، والصبر على بلائه، والصبر على حكمه، والتسليم لأمره، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه وتحقيق ما يجب من المعارف والأعمال يطول. وإذا علم ذلك فظلم العبد نفسه يكون بترك ما ينفعها وهي محتاجة إليه، وبفعل ما يضرها كما أن ظلم الغير كذلك: إما بمنع حقه أو التعدي. والنفس إنما تحتاج من العبد إلى فعل ما أمر الله به. وإنما يضرها فعل ما نهى الله عنه، فظلمه لا ينفك عن ترك حسنة أو فعل سيئة، وما يضطر العبد إليه حتى أكل الميتة داخل في هذا فأكلها عند الضرورة واجب في المشهور من مذهب الأئمة الأربعة. وكذلك ما يضرها من جنس العبادات مثل الصوم الذي يزيد في مرضها والاغتسال بالماء البارد الذي يقتلها هو من ظلمها فإن الله أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم وجاء القرآن بالأمر بالصلاح والنهي عن الفساد والصلاح كله طاعة، والفساد كله معصية وقد لا يعلم بعض الناس ذلك على

стр. 199

حقيقته فالمؤمن من يعلم أن الله يأمر بكل مصلحة وينهى عن كل مفسدة. ومما يجب أن يعرف: أن العبد قد يجب عليه بأسباب أمور لا تجب عليه بدون هذه الأسباب؛ فإن قام بها كان محسنا إلى نفسه، وإلا كان ظالما لنفسه، وإن لم يكن تركها ظلما في حق من لم تجتمع عنده هذه الأسباب: كمن ولي ولاية ففي المسند: «أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إماما جائر» وكذلك من لغيره عليه حقوق: كالزوجة والأولاد والجيران، فقد ذكر الله الحقوق العشرة في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [٣٦/٤] . فكلما ازدادت معرفة الإنسان بالنفوس ولوازمها وتقلب القلوب وبما عليها من الحقوق لله ولعباده، وبما حد لهم من الحدود علم أنه لا يخلو أحد من ترك بعض الحقوق وتعدى بعض الحدود ولهذا أمر الله عباده أن يسألوه أن يهديهم الصراط المستقيم في اليوم والليلة في المكتوبة وحدها سبع عشرة مرة، وهو صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن يطع الله ورسوله فهو مع هؤلاء. «فالصراط المستقيم» هو طاعة الله ورسوله وهو دين الإسلام التام وهو اتباع القرآن وهو لزوم السنة والجماعة، وهو طريق العبودية وهو طريق الخوف والرجاء. ولهذا كان النبي ﷺ يقول في خطبته: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره» لعلمه أنه لا يفعل خيرا ولا يجتنب شرا إلا بإعانة الله له وأنه لا بد أن يفعل ما يوجب الاستغفار.

стр. 200

وفي الصحيح: «سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» فقوله: «أبوء لك بنعمتك علي» يتناول نعمته عليه في إعانته على الطاعات. وقوله: «أبوء بذنبي» يبين إقراره بالذنوب التي يحتاج إلى الاستغفار منها، والله غفور رحيم شكور يغفر الكبير ويشكر اليسير. وجاء عن غير واحد: إني أصبح بين نعمة وذنب أريد أن أحدث للنعمة شكرا، وللذنب استغفارًا، وكان المشايخ يقرنون بين هذه الثلاثة: الشكر لما مضى من إحسان ربه، والاستغفار لما تقدم من إساءة العبد إلى نفسه، والاستعانة لما يستقبله العبد من أموره فلا بد لكل عبد من الثلاثة. فقوله: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره» يتناول ذلك فمن قصر في واحد منها فقد ظلم نفسه بحسب تقصيره والعبد إذا عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [٦٦/٤] وقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ . وإذا ترك العبد العمل بعلمه عاقبه الله بأن يضله عن الهدى وأن لا يعرفه الصراط المستقيم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [٥/٦١] وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [١١٠/٦] . وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [١٠/٢] وفي الحديث: «إن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإذا زاد زيد فيها حتى تغلو كل قلبه فذلك الران

стр. 201

الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ » [١٤/٨٣] رواه الترمذي وصححه. فهذه الأمور يبين الله بها أجناس ظلم العبد نفسه، لكن لكل إنسان بحسبه وبحسب درجته فلنفسه عليه أن يعفها وحدود عليها أن يحفظها ومحارم عليه أن يجتنبها. فإن أجناس الأعمال ثلاثة: مأمور به. فالواجب هو الفرائض ومنهي عنه وهو المحرم، ومباح له حد فتعديه تعد لحدود الله بل قد تكون الزيادة على بعض الواجبات والمستحبات تعديا لحدود الله. وذلك هو الإسراف كما قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [١٤٧/٣] . إذا عرف ذلك فقول القائل: ما مفهوم قول الصديق ﵁: «ظلمت نفسي ظلما كثيرا» والدعاء بين يدي الله لا يحتمل المجاز، والصديق ﵁ من أئمة التابعين، والرسول ﷺ أمره بذلك: هل كان له نازلة شبهة؟ إن قال: كان الصديق ﵁ أجل قدرا من أن يكون له ذنوب تكون ظلما كثيرا فإن ذلك ينافي الصديقية. وهذه الشبهة تزول بوجهين: أحدهما: أن الصديق ﵁ بل والنبي ﷺ إنما كملت مرتبته وانتهت درجته وتم علو منزلته في نهايته لا في بدايته، وإنما نال ذلك بفعل ما أمر الله به من الأعمال الصالحة وأفضلها التوبة وما وجد قبل التوبة فإنه لم ينقص صاحبه، ولا يتصور أن بشرا يستغني عن التوبة كما في الحديث: «يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة» ، «وإنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة» ، وكذلك قوله: «اللهم اغفر لي خطئي وجهلي وعمدي وكل ذلك عندي» فيه من الاعتراف أعظم ما في دعاء الصديق ﵁ والصديقون ﵃ تجوز عليهم جميع الذنوب باتفاق الأئمة.

стр. 202

فصل فما يلفى لأهل المكاشفات والمخاطبات من المؤمنين هو من جنس ما يكون لأهل القياس والرأي فلا بد من عرضه على الكتاب والسنة والإجماع فليس أحد من هؤلاء المشايخ ولا الصديقين معصوما، فكل من ادعى غناءه عن الرسالة بمكاشفة أو مخاطبة أو عصمة سواء ادعى ذلك لنفسه أو لشيخه فهو من أضل الناس. ومن استدل على ذلك بقصة الخضر فهو من أجهل الناس، فإن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولا كان يجب على الخضر اتباعه، بل قال لموسى: «إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه» ولما سلم عليه قال: «وأَنَّى بأرضك السلام» ؟ قال: أنا موسى. قال موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم» فالخضر ﵇ لم يعرف موسى ﵇ حتى عرفه موسى نفسه. وأما محمد ﷺ فهو الرسول إلى جميع الخلق. فمن لم يتبعه من جميع من بلغته دعوته كان كافرا ضالا ومن قال له مثل ما قال للخضر فهو كافر. وأيضا ما فعله الخضر فلم يكن خارجا عن شريعة موسى؛ إذ لما بين له الأسباب أقره على ذلك، فكان قد علم الخضر الأسباب التي أباحت له ذلك الفعل ولم يكن يعلمها موسى كما يدخل الرجل على غيره فيأكل طعامه ويأخذ ماله لعلمه بأنه مأذون له. وأيضا فإن الخضر إن كان نبيا فليس لغيره أن يتشبه به، وإن لم يكن نبيا وهو قول الجمهور فأبو بكر وعمر ﵄ أفضل منه، فإن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وأبو بكر وعمر ﵄ خيارها، وكان حالهما مع رسول الله ﷺ كما علم من الطاعة لأمره،

стр. 203

ونحن مأمورون أن نقتدي بهما؛ بل من اعتقد أنه يجوز له أن يخرج عن طاعة النبي ﷺ وتصديقه في شيء من أموره الباطنة والظاهرة فإنه يجب استتابته فإن تاب وإلا قتل كائنا من كان. وأما ما ذكره الحكيم الترمذي في أصناف الرحمة. فلا ريب أن الرحمة أصناف متنوعة كما ذكره. وليس في الحديث: «رحمة من عندك» وإنما فيه: «فاغفر لي مغفرة من عندك» ولكن مقصوده أن يشبه هذه بقوله: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [٨/٣] وقد جعل هذه المغفرة من عنده سبحانه مغفرة مخصوصة ليست مما يبذل للعامة، كما أن الرحمة المخصوصة ليست مما يبذل للعامة. وهذا الكلام في بعضه نظر. وهو كغيره من المصنفين في كلامه مردود ومقبول. فليس في قوله ﷺ : «مغفرة من عندك» (١) ، ولكن في قول الراسخين في العلم: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [٨/٣] ونحو ذلك لا يقتضي اختصاص هذا الشخص دون غيره وإلا لما ساغ لغيره أن يدعو بهذا الدعاء وهو خلاف الإجماع أو تفسير اللفظ بما لا يدل عليه. وقد قال زكريا: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ ولم تكن الذرية مختصة به ولا بالأنبياء؛ بل الله يخرج الأنبياء من الكفار إذا شاء ولكن بمشيئته والله أعلم أنه إذا قال: (من عندك) أو (من لدنك) كان مطلوبا بغير فعل العبد. فإن ما يعطيه الله العبد على وجهين: منه ما يكون بسبب فعله كالرزق الذي يرزقه الله بكسبه والسيئات التي يغفرها الله بالحسنات

стр. 204

الماحية، والولد الذي يعطيه الله بالنكاح المعتاد، والعلم الذي يناله بالتعلم. ومنه ما يعطيه للعبد ولا يحوجه إلى السبب الذي ينال به في غالب الأمور كما أعطى زكريا الولد مع أن امرأته كانت عاقرا وقد بلغ هو من الكبر عتيا، فهذا وهبه له الله من لدنه ليس بالأسباب المعتادة وكذلك الذي علمه الخضر من لدنه لم يكن بالتعلم المعهود، وكذلك الرحمة الموهوبة ولهذا قال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ . وقوله: «مغفرة من عندك» لم يقل فيه «من لدنك» بل من عندك. ومن الناس من يفرق بين «لدنك» و «عندك» كما يفرق بين التقديم والتأخير فإن لم يكن بينهما فرق فقد يكون المراد اغفر لي مغفرة من عندك لا أطلبها بأسباب؛ لا أنها من عزائم المغفرة التي يغفر لصاحبها كالحج والجهاد ونحوه؛ بل اغفر لي مغفرة توجبها لي وتجود بها علي بلا عمل يقتضي تلك المغفرة. ومن المعلوم أن الله قد يغفر الذنوب بالتوبة، وقد يغفرها بالحسنات أو بالمصائب وقد يغفرها بمجرد استغفار العبد وسؤاله أن يغفر له فهذه مغفرة من عنده. فيقال: الأشياء وجهان: منها ما جعل بسبب من العبد يوفيه عمله. ومنه ما يفعله بدون ذلك السبب فلا حاجة لسؤاله إحسانا إليه. واستعمال لفظ: «من عندك» في هذا المعنى مناسب دون تخصيص لبعض الناس دون بعض فإن قوله: «من عندك» دلالته على الأول أبين؛ ولهذا يقول الرجل لمن يطلب منه: أعطني من عندك لما يطلبه منه بغير سبب؛ بخلاف ما يطلبه من الحقوق التي عليه كالدين والنفقة الواجبة فلا يقال فيه: «من عندك» والله تعالى أعلم.

стр. 205

وإن كان الخلق لا يوجبون عليه شيئا فهو قد كتب على نفسه الرحمة، وحرم الظلم على نفسه وأوجب بوعده ما يجب لمن وعده إياه؛ فهذا قد يصير واجبا بحكم إيجاب وعده؛ بخلاف ما لم يكن كذلك. استعمال «من عندك» يراد به أن تكون مغفرة تجود بها أنت لا تحوجني فيها إلى خلقك ولا أحتاج إلى أحد يشفع في أو يستغفر لي. فاستعمال لفظ: «من عندك» في مثل هذا معروف كما في حديث كعب بن مالك ﵁ لما قال له رسول الله ﷺ : «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» فقال: من عندك أم من عند الله تعالى؟ قال: «بل من عند الله» وأخبر أنه تاب عليه من عنده. وكلا الوجهين في قول مريم عن رزقها: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فلما كان الرزق لا يأتي به بشر ولم تسع هي السعي المعتاد قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ . فهذه المعاني وما يشبهها هي التي يشهد لها استعمال هذا اللفظ. وإن قال قائل: وكذلك كلام الحكيم الترمذي أراد به مثل هذا. كان محتملا، وقد قال عمر ﵁: «احمل كلام أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه» . والله أعلم. والتوبة والاستغفار قد يكونان من ترك الأفضل والذم والوعيد لا يكونا إلا على ذنب (١) . وقول الشخص: «اللهم صل على محمد في الأولين» ليس هو مأثورا. والمراد بالأولين من قبل محمد ﷺ وبالآخرين أمته، قاله الجمهور. وقيل: الأولين والآخرين أمته. والأول أصح.

стр. 206

وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [١٣، ١٤/٥٦] . ولفظ: «الأول» إضافي فلا شخص إلا وقبله أول، وبعده آخر. وقوله: «اللهم صل على سيدنا محمد في الأولين» إن أراد بهم من قبل محمد أو من قبل المصلي فمحتمل، لكن المراد به: صل عليه في الأولين، وإن كانوا ماتوا فالمراد أزواجهم؛ فإنهن موجودات. أو صل عليه في الموجودين فهذا محمل حسن، وفي الآخرين أي فيمن يوجد من المتأخرين. وقد يكون المراد صل عليه فيمن يصلى عليهم من الأولين والآخرين والملأ الأعلى: أي صل عليه في كل طائفة صليت عليها فهو معنى صحيح (١) . وسألت شيخ الإسلام عن معنى النبي ﷺ : «اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» كيف يطهر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله في لفظ آخر: «والماء البارد» والحار أبلغ في الإنقاء. فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا فيرتخي القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه؛ فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها، ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضعفه، والماء يغسل الخبث، ويطفي النار؛ فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته، فكان أذهب لأثر الخطايا هذا معنى كلامه (٢) .

стр. 207

«إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» الحديث. قال ابن القيم ﵀: قال شيخ الإسلام: لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد، ولا تقبل النيابة بحال أفرد الشهادة بها. ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار يقبل ذلك فيستغفر الرجل لغيره ويستعين الله له ويستعيذ بالله له أتى فيها بلفظ الجمع، ولهذا يقول: اللهم أعنا، وأعذنا، واغفر لنا. قال ذلك في حديث ابن مسعود (١) . «إنما الأعمال بالنيات» قال الشيخ تقي الدين: «قاعدة عامة في الأعمال» ، وذلك أنها قد تشتبه دائما في الظاهر مع افتراقها في الحقيقة والباطن، حتى تكون صورة الخير والشر واحدة؛ وإنما المفرق بينهما الباطن، فيفضي ذلك إلى فعل ما هو شر باعتبار الباطن مع ظن الفاعل أو غيره أنه خير، وإلى ترك ما هو خير مع ظن التارك أو غيره أنه ترك شرا، إلا من عصمه الله تعالى بالهداية وحسن النية. وأكثر ما يبتلى الناس بذلك عند الشهوات والشبهات. وهذا الأصل هو مذهب أهل السنة وجماهير المسلمين أن الفعل الواحد بالنوع ينقسم إلى طاعة ومعصية، وإن اختلفوا في الواحد بالشخص هل تجتمع فيه الجهتان؟ وخالف أبو هاشم في الواحد بالنوع أيضا واتفق الناس على أن النوع الواحد من الحيوان كالآدمي ينقسم إلى مطيع وعاص. واختلفوا في الشخص الواحد هل يجتمع فيه استحقاق

стр. 208

الثواب والعقاب والمدح والذم، فذهب أهل السنة المانعون من تخليد أهل الكبائر لجواز ذلك، وأباه المخلدة. وأنا أذكر لك أمثالا يتفطن لها اللبيب حتى تتحقق النية في العمل، فإنها هي الفارقة، كما قال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» فإن هذه كلمة جامعة عظيمة القدر؛ فمن الأمثلة الظاهرة في الأعمال: أن الصلاة والصدقة والجهاد والحكم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك الصادر من المرائي الذي يريد العلو في الأرض ورياء الناس، ومن المخلص الذي يريد وجه الله والدار الآخرة. ومن الأمثلة في الترك: أن التقوى والورع الذي هو ترك المحرمات والشبهات من الكذب والظلم وفروع ذلك في الدماء والأموال والأعراض تشتبه بالجبن والبخل والكبر فقد يترك الرجل شهادة الحق الواجب إظهارها ما يظن أنه يتركه خوفا من الكذب، وإنما تركه جنبا عن الحق؛ ويترك الجهاد وإقامة الحدود ظنا أنه تركه ورعا من الظلم إذا كان المحسن إليه يخاف منه الظلم، وإنما تركه بخلا إذا لم يكن في نفس ذلك إعانة على الظلم. وقد يترك قضاء الحقوق الشرعية من الابتداء بالسلام وعيادة المريض وشهود الجنائز والتواضع في الأخلاق وتحمل الشهادة وأدائها وغير ذلك ظنا منه أنه تركه لئلا يفضي إلى مخالطة الظلمة والخونة والكذبة وإنما تركه كبرا وترأسا عليهم، كما أنه يفعل ذلك ظنا أنه فعله لأجل الحقوق الشرعية ومكارم الأخلاق وإنما فعله رغبة إليهم حرصا أو طمعا أو رهبة منهم، وقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ثم قسم الهجرة الواحدة بالنوع إلى قسمين- من أجل حديث على وجه الأرض (١) .

стр. 209

«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» . وسئل شيخنا عن هذا الخبر مرفوعا؟ قال: لا يصح؛ وإنما يذكره بعض من صنف في الرقاق، وذكره البغوي مرفوعا في قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ولابن ماجه من رواية إبراهيم بن [أبي] يحيى وهو ضعيف عن موسى بن وردان عن أبي هريرة مرفوعًا: «من مات مريضا مات شهيدا» (١) . «صارع ركانة على شاة فصرعه» . قال شيخنا: إسناده جيد (٢) . فصل في قوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي قال في آخره عن الله تعالى: «قد غفرت لعبدي فليعمل ما يشاء» هذا الحديث لم يجعله النبي ﷺ عاما في كل ذنب من كل من أذنب وتاب وعاد؛ وإنما ذكره حكاية حال عن عبد كان منه ذلك؛ فأفاد أن العبد قد يعمل من الحسنات العظيمة ما يوجب غفران ما تأخر من ذنوبه، وإن غفر له بأسباب أخر. وهذا مثل حديث حاطب بن أبي بلتعة ﵁ الذي قال فيه لعمر: «وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وما جاء أن غلام حاطب شكاه فقال: والله يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال: «كذبت، إنه شهد بدرا والحديبية» . ففي هذه الأحاديث بيان أن المؤمن قد يعمل من الحسنات ما يغفر

стр. 210

له بها ما تأخر من ذنبه، وإن غفر بأسباب غيرها. ويدل على أنه يموت مؤمنا، ويكون من أهل الجنة وإذا وقع منه ذنب يتوب الله عليه كما تاب على بعض البدريين كقدامة بن عبد الله ﵁ لما شرب الخمر متأولا واستتابه عمر ﵁ وأصحابه ﵃ وجلدوه، وطهر بالحد والتوبة، وإن كان ممن قيل لهم: «اعملوا ما شئتم» . ومغفرة الله لعبده لا تنافي أن تكون المغفرة بأسبابها، ولا تمنع أن تصدر منه توبة إذ مغفرة الله لعبده مقتضاها ألا يعذبه بعد الموت، وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه فإذا علم من العبد أنه سيتوب أو يعمل حسنات ماحية غفر له في نفس الأمر، إذ لا فرق بين من يحكم له بالمغفرة أو بدخوله الجنة. ومعلوم أن بشارته ﷺ بالجنة إنما هي لعلمه بما يموت عليه المبشر ولا يمنع أن يعمل سببها. وعلم الله بالأشياء وآثارها لا ينافي ما علقها عليه من الأسباب، كما أخبر أن: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النار» ، ومع ذلك قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ولأن من أخبره أنه ينتصر على عدوه لا يمنع أن يأخذ أسبابه ولا من أخبره أنه يكون له ولد لا يمنع أن يتزوج أو يتسرى. وكذا من أخبره بالمغفرة أو الجنة لا يمنع أن يأخذ بسبب ذلك مريدا للآخرة وساعيا لها سعيها. ومن ذلك الدعاء المذكور في آخر سورة البقرة فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «قد فعلت» ومع ذلك فمن المشروع لنا أن ندعوه. ومنه قوله تعالى لنبيه سنة ست من الهجرة: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [٢/٤٨] ومع هذا فما زال ﷺ يستغفر ربه بقية عمره؛ وأنزل عليه في آخر عمره سورة النصر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ

стр. 211

وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [٣/١١٠] وكان يتأول ذلك في ركوعه وسجوده: أي يمتثل ما أمره به ربه. فإذا كان سيد المرسلين ﷺ يستغفر ربه كيف لا يستغفر غيره ويتوب؟ وإن قيل له ذلك أبى وأخذته العزة. ولهذا ما زال سبحانه يخاطب أهل بدر وبيعة الرضوان بالأمر والنهي والوعد والوعيد ويذكر أنه يتوب عليهم كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [١١٧/٩] وقد نزلت بعد عام الحديبية بثلاث سنين. وقد كان من شأن «مسطح» الذي كان يصله أبو بكر لرحمه ما كان وهو من أهل بدر ﵃ وعده الله في قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ [١١/٢٤] ، قوله: ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [١٥/٢٤] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [٢٣/٢٤] ، وقد روي أن النبي ﷺ جلدهم. فقد وقع هذا البدري ﵁ المغفور له في هذا الإفك العظيم؛ لكن تاب منه بلا ريب. فتبين أن قوله: «قد غفرت لكم» ، لا يمنع أن يعملوا بعد ذلك ذنوبا ويتوبون منها؛ بل لا بد أن يكون لئلا يتكلوا على الأخبار فقط بل لا بد من فعل السبب من التوبة والحسنات الماحية المتقدمة، أو غير ذلك من الأسباب كالمصائب في الدنيا أو في البرزخ أو عرصات القيامة أو يرحمهم. وهذه الأسباب يشترك فيها من علم أنه قد غفر له ومن لم يعلم لكن قد علم أن الله يغفر للتائب ويدخله الجنة.

стр. 212

وأما الجاهل بحاله فلا يدري حاله عند الله فعلمه بأن الله يغفر الذنب ويأخذ به وإيمانه العظيم الذي في قلبه بذلك أفاده أنه صار عند الله ممن يغفر له لا محالة، فلا بد له من الأسباب فإنه لابد أن يدوم على الإيمان، ودوامه على الإيمان من أعظم الحسنات الماحية وأن يصلي ويتوب ويستغفر، ونحو ذلك من موجبات المغفرة. ومن كرر التوبة مرات واسترسل في الذنوب وتعلق بهذا الحديث كان مخدوعا مغرورا من وجهين: أحدها: ظنه أن الحديث عام في حق كل تائب وإنما هو حكاية حال فيدل على أن من عباد الله من هو كذلك. والثاني: أن هذا لا يقتضي أن يغفر له بدون أسباب المغفرة كما قدمنا. ومن كرر التوبة المذكورة والعود للذنب لا يجزم له أنه قد دخل في معنى هذا الحديث، وأنه قد يعمل بعد ذلك ما شاء لا يرجى له أن يكون من أهل الوعد، ولا يجزم لمعين بهذا الحكم، كما لا يجزم في حق معين بالوعيد كسائر نصوص الوعد والوعيد فإن هذا كقوله: من فعل كذا دخل الجنة ومن فعل كذا دخل النار، لا يجزم لمعين لكن يرجى للمحسن، ويخاف المسيء. ومن هذا الباب حديث البطاقة التي قدر الكف فيها التوحيد وضعت في الميزان فرجحت على تلك السجلات من السيئات. وليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المنزلة لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عظم قدره حتى صار راجحا على هذه السيئات. ومن أجل ذلك صار المد من الصحابة ﵃ أفضل من مثل جبل أحد ذهبا من غيرهم.

стр. 213

ومن ذلك حديث البغيّ التي سقت كلبا فغفر لها؛ فلا يقال في كل بغي سقت كلبا غفر لها؛ لأن هذه البغي قد حصل لها من الصدق والإخلاص والرحمة بخلق الله ما عادل إثم البغي وزاد عليه ما أوجب المغفرة والمغفرة تحصل بما يحصل في القلب من الإيمان الذي يعلم الله وحده مقداره وصفته. وهذا يفتح باب العمل، ويجتهد به العبد أن يأتي بهذه الأعمال وأمثالها من موجبات الرحمة وعزائم المغفرة ويكون مع ذلك بين الخوف والرجاء كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [٦٠/٢٣] . ولهذا استثنى ابن مسعود وغيره في الإيمان فكان يقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله فإن الإيمان المطلق الكامل يقتضي أداء الواجب، وأحدهم لا يعلم بيقين أنه أدى كل الواجب كما أمر. ولئن أدوا فهو فضل من الله ورحمة، فلهذا استثنوا فيه. واستثنوا في الصلاة وغيرها؛ لأنه لا يجزم بأنه أتى بها على وجهها، فيأتي بما أتى به من الخير وقلبه وجل. وإن كان للاستثناء وجه آخر وهو خوف الخاتمة، وأن المؤمن المطلق هو أنه من علم الله أنه يموت على الإيمان الكامل. ووجه ثالث وهو التبرك بمشيئة الله. ومثل هذا الحديث يفيد فائدتين عظيمتين. إحداهما: أن يعمل الإنسان مثل هذا العمل مجتهدا في تقوى الله تعالى حين يثيبه بمثل هذا الجزاء. الثانية: أنه إذا رأى غيره من المؤمنين له من الذنوب ما يمكن أن يكون له معها مثل هذه الحسنة التي يكون صاحبها مغفورا له لم يشهد له بالنار ولم يعامله بما يعامل به أهل الكبائر؛ بل يرجو أن يرحمه الله؛ بل قد

стр. 214

يكون من أولياء الله فإن من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا فلا يحكم على أحد معين من أهل القبلة أنه من أهل النار ولو قتل نفسه، إلا أن يكون له علم يقين كالذي شهد له النبي ﷺ أنه من أهل النار لقتله نفسه بالمشقص، وعبد الله بن أبي بن سلول، وإبليس والله أعلم (١) . «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية له ولا قصاص» . قال ابن القيم ﵀ بعد كلام سبق: وكذلك من اطلع في بيت قوم من ثقب أو شق في الباب بغير إذنهم فنظر حريمه أو عورة فلهم حذفه وطعنه في عينه، فإن انقلعت عينه فلا ضمان عليهم، وساق الأحاديث ثم قال: وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: هذا ليس من باب دفع الصائل بل من باب عقوبة المعتدي المؤذي (٢) . «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب» (٣) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة: «لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط، وأما الجنة فينشئ الله خلقا آخر» فانقلب على بعض الرواة فقال: «وأما النار فينشئ الله لها خلقا آخرين» (٤) . تم بعون الله تعالى المجلد الأول ويليه المجلد الثاني أصول الفقه

стр. 215

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّسَ الله رُوحَه المجلد الثاني أصول الفقه جمعه ورتبه محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
следующие страницы →