← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [٣/١١٠] وكان يتأول ذلك في ركوعه وسجوده: أي يمتثل ما أمره به ربه. فإذا كان سيد المرسلين ﷺ يستغفر ربه كيف لا يستغفر غيره ويتوب؟ وإن قيل له ذلك أبى وأخذته العزة. ولهذا ما زال سبحانه يخاطب أهل بدر وبيعة الرضوان بالأمر والنهي والوعد والوعيد ويذكر أنه يتوب عليهم كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [١١٧/٩] وقد نزلت بعد عام الحديبية بثلاث سنين. وقد كان من شأن «مسطح» الذي كان يصله أبو بكر لرحمه ما كان وهو من أهل بدر ﵃ وعده الله في قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ [١١/٢٤] ، قوله: ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [١٥/٢٤] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [٢٣/٢٤] ، وقد روي أن النبي ﷺ جلدهم. فقد وقع هذا البدري ﵁ المغفور له في هذا الإفك العظيم؛ لكن تاب منه بلا ريب. فتبين أن قوله: «قد غفرت لكم» ، لا يمنع أن يعملوا بعد ذلك ذنوبا ويتوبون منها؛ بل لا بد أن يكون لئلا يتكلوا على الأخبار فقط بل لا بد من فعل السبب من التوبة والحسنات الماحية المتقدمة، أو غير ذلك من الأسباب كالمصائب في الدنيا أو في البرزخ أو عرصات القيامة أو يرحمهم. وهذه الأسباب يشترك فيها من علم أنه قد غفر له ومن لم يعلم لكن قد علم أن الله يغفر للتائب ويدخله الجنة.

стр. 212

وأما الجاهل بحاله فلا يدري حاله عند الله فعلمه بأن الله يغفر الذنب ويأخذ به وإيمانه العظيم الذي في قلبه بذلك أفاده أنه صار عند الله ممن يغفر له لا محالة، فلا بد له من الأسباب فإنه لابد أن يدوم على الإيمان، ودوامه على الإيمان من أعظم الحسنات الماحية وأن يصلي ويتوب ويستغفر، ونحو ذلك من موجبات المغفرة. ومن كرر التوبة مرات واسترسل في الذنوب وتعلق بهذا الحديث كان مخدوعا مغرورا من وجهين: أحدها: ظنه أن الحديث عام في حق كل تائب وإنما هو حكاية حال فيدل على أن من عباد الله من هو كذلك. والثاني: أن هذا لا يقتضي أن يغفر له بدون أسباب المغفرة كما قدمنا. ومن كرر التوبة المذكورة والعود للذنب لا يجزم له أنه قد دخل في معنى هذا الحديث، وأنه قد يعمل بعد ذلك ما شاء لا يرجى له أن يكون من أهل الوعد، ولا يجزم لمعين بهذا الحكم، كما لا يجزم في حق معين بالوعيد كسائر نصوص الوعد والوعيد فإن هذا كقوله: من فعل كذا دخل الجنة ومن فعل كذا دخل النار، لا يجزم لمعين لكن يرجى للمحسن، ويخاف المسيء. ومن هذا الباب حديث البطاقة التي قدر الكف فيها التوحيد وضعت في الميزان فرجحت على تلك السجلات من السيئات. وليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المنزلة لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عظم قدره حتى صار راجحا على هذه السيئات. ومن أجل ذلك صار المد من الصحابة ﵃ أفضل من مثل جبل أحد ذهبا من غيرهم.

стр. 213

ومن ذلك حديث البغيّ التي سقت كلبا فغفر لها؛ فلا يقال في كل بغي سقت كلبا غفر لها؛ لأن هذه البغي قد حصل لها من الصدق والإخلاص والرحمة بخلق الله ما عادل إثم البغي وزاد عليه ما أوجب المغفرة والمغفرة تحصل بما يحصل في القلب من الإيمان الذي يعلم الله وحده مقداره وصفته. وهذا يفتح باب العمل، ويجتهد به العبد أن يأتي بهذه الأعمال وأمثالها من موجبات الرحمة وعزائم المغفرة ويكون مع ذلك بين الخوف والرجاء كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [٦٠/٢٣] . ولهذا استثنى ابن مسعود وغيره في الإيمان فكان يقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله فإن الإيمان المطلق الكامل يقتضي أداء الواجب، وأحدهم لا يعلم بيقين أنه أدى كل الواجب كما أمر. ولئن أدوا فهو فضل من الله ورحمة، فلهذا استثنوا فيه. واستثنوا في الصلاة وغيرها؛ لأنه لا يجزم بأنه أتى بها على وجهها، فيأتي بما أتى به من الخير وقلبه وجل. وإن كان للاستثناء وجه آخر وهو خوف الخاتمة، وأن المؤمن المطلق هو أنه من علم الله أنه يموت على الإيمان الكامل. ووجه ثالث وهو التبرك بمشيئة الله. ومثل هذا الحديث يفيد فائدتين عظيمتين. إحداهما: أن يعمل الإنسان مثل هذا العمل مجتهدا في تقوى الله تعالى حين يثيبه بمثل هذا الجزاء. الثانية: أنه إذا رأى غيره من المؤمنين له من الذنوب ما يمكن أن يكون له معها مثل هذه الحسنة التي يكون صاحبها مغفورا له لم يشهد له بالنار ولم يعامله بما يعامل به أهل الكبائر؛ بل يرجو أن يرحمه الله؛ بل قد

стр. 214

يكون من أولياء الله فإن من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا فلا يحكم على أحد معين من أهل القبلة أنه من أهل النار ولو قتل نفسه، إلا أن يكون له علم يقين كالذي شهد له النبي ﷺ أنه من أهل النار لقتله نفسه بالمشقص، وعبد الله بن أبي بن سلول، وإبليس والله أعلم (١) . «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية له ولا قصاص» . قال ابن القيم ﵀ بعد كلام سبق: وكذلك من اطلع في بيت قوم من ثقب أو شق في الباب بغير إذنهم فنظر حريمه أو عورة فلهم حذفه وطعنه في عينه، فإن انقلعت عينه فلا ضمان عليهم، وساق الأحاديث ثم قال: وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: هذا ليس من باب دفع الصائل بل من باب عقوبة المعتدي المؤذي (٢) . «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب» (٣) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة: «لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط، وأما الجنة فينشئ الله خلقا آخر» فانقلب على بعض الرواة فقال: «وأما النار فينشئ الله لها خلقا آخرين» (٤) . تم بعون الله تعالى المجلد الأول ويليه المجلد الثاني أصول الفقه

стр. 215

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّسَ الله رُوحَه المجلد الثاني أصول الفقه جمعه ورتبه محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

стр. 216

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أصول الفقه [شيخنا] : فصل معرفة «أصول الفقه» فرض كفاية. وقيل: فرض عين على من أراد الاجتهاد والحكم والفتوى. وتقديم معرفته أولى عند ابن عقيل وغيره لبناء الفروع عليها. وعند القاضي تقديم الفروع أولى؛ لأنها الثمرة المرادة من الأصول. فالفقيه حقيقة من له أهلية تامة يعرف بها الحكم إذا شاء بدليله مع معرفة جملة كثيرة من الأحكام الفرعية وحضورها عنده بأدلتها الخاصة والعامة (١) . [شيخنا] : فصل في أقسام أصول الفقه وأدلة الشرع على طريقة القاضي وهي ثلاثة أضرب: أصل، ومفهوم أصل، واستصحاب. وقيل: ضربان: أقوال، وهي النص والإجماع والاستخراج. والأول أصح؛ لأنه أعم. ولم يذكر قول الصاحب لأنه مختلف فيه.

стр. 217

فأما الأصل: فالكتاب، والسنة، والإجماع. والكتاب مجمل ومفصل. والسنة ضربان: مأخوذة عنه، ومخبر بها، والمخبر به متكلم في سنده، والسند له إما متواتر وإما آحاد. والمبين ضربان: قول، أو فعل (١) . وأما مفهوم الأصل فثلاثة أضرب: مفهوم الخطاب، ودليله، ومعناه. والاستصحاب نوعان. ومن أصول الأحكام الهاتف الذي يعلم أنه حق مثل الذي سمعوه يأمرهم بغسل النبي ﷺ في قميصه؛ لكن هذا في التعيين والأفضل وكذلك استخارة الله، كقول العباس ﵁ في اللاحد والضارح: اللهم خر لنبيك، وهو بمنزلة القرعة، وفعلهم بمنزلة فعله تكريما له. وفعل الله تعالى كرمي قوم لوط بالحجارة (٢) . وكان شيخ الإسلام يقول: من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول ﷺ (٣) . الأحكام الخمسة وقد ذكر الشيخ تقي الدين: أن السلف لم يطلقوا الحرام إلا على ما علم تحريمه قطعا. قال: وذكر القاضي: أنه هل يطلق الحرام على ما ثبت بدليل ظني روايتين (٤) . المباح: قال شيخنا: قال القاضي: هو كل فعل مأذون فيه بلا

стр. 218

ثواب ولا عقاب. وفيه احتراز من فعل الصبيان والمجانين والبهائم (١) . [شيخنا] : فصل الجائز: ما وافق الشريعة، وقد يريد به الفقهاء ما ليس بلازم (٢) . [الأعيان المنتفع بها قبل الشرع هل هي على الحظر أو الإباحة] مسألة: الأعيان المنتفع بها قبل الشرع (٣) على الحظر في قول ابن حامد والقاضي والحلواني، وبه قال ابن أبي هريرة؛ حكاه عنه القاضي أبو يعلى وأبو الطيب. وذكر أصحاب الحظر من أصحابنا وغيرهم -منهم الحلواني- أن ما تدعو إليه الحاجة من التنفس والتنقل وأكل ما يضطر إليه من الأطعمة جائز؛ وإنما المنع مما لا تدعو إليه الحاجة [فإن العقل لا يمنع هذا كما أن الشرع لا يمنعه، وأعاد ذلك مرة ثانية وقال: لا يقبح تناول هذه الأشياء عند الحاجة وخوف الضرر، والمعتزلة البغداديون والإمامية] . وقالت الحنفية فيما ذكره أبو سفيان وأهل الظاهر وابن سريج وأبو حامد المروذي الشافعيان والمعتزلة البصريون وأبو هاشم الجبائي ووالده: هي على الإباحة، وحكى ابن برهان أن هذا قول ابن أبي هريرة، من أصحابهم، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب وقد سأله عن قطع النخل فقال: لا بأس به، لم نسمع في قطع النخل شيئًا، فحكم بالإباحة حيث لم يرد سمع بحظره. قال القاضي: هو ظاهر كلام أبي الحسن التميمي لأنه نص على جواز الانتفاع قبل الإذن (٤) من الله وهذا اختيار القاضي في مقدمة المجرد، وهذا اختيار أبي الخطاب، وقال أبو الحسن (٥) الخزري من أصحابنا والأشعرية: هي على الوقف، قال أبو الخطاب: وأراه أقوى على أصل من يقول: إن العقل لا مدخل له في الحظر والإباحة وهو قول أكثر أصحابنا، وهو قول الصيرفي وأبي علي

стр. 219

الطبري الشافعيين، قال أبو الحسن صاحبنا من قال: كانت على الإباحة فقد أخطأ وذكر القاضي أن القائل بالوقف موافق للقائل بالإباحة في التحقيق؛ لأن من قال بالوقف يقول: لا يثاب على الامتناع منه ولا يأثم بفعله، وإنما هو خلاف في عبارة. وقال ابن عقيل: بل القول بالوقف أقرب إلى الحظر منه إلى الإباحة. قال شيخنا: قلت: كلام أبي الحسن الخزري يوافق قول ابن عقيل لأنه يحتج على الفتوى بالإقدام عليها كما يحتج الحاظر والمبيح. يعني بالتناول (١) . قال شيخنا: قلت: هذا على قول من فسر الوقف بالشك دون النفي، مع أن كلام ابن عقيل أنه (٢) ثابت على التفسيرين. قال والد شيخنا: وقال ابن عقيل: الأليق بمذهبه أن يقال: لا ندري ما الحكم. وقال ابن عقيل: لا حكم لها قبل السمع، وهذا هو الصحيح الذي لا يجوز على المذهب غيره، وهذا اختيار أبي محمد أيضا؛ لكن أبو محمد يفسره بنفي الحكم مطلقا (٣) وبعدم الحرج كاختيار الجد، وكذلك فسر ابن برهان مذهب الوقف فقال: هي على الوقف عندما لا يوصف بحظر ولا إباحة ولا وجوب، بل هي كأفعال البهائم (٤) ، وكذلك قال أبو الطيب: تفسير الوقف: أنه لا يقال: إنها مباحة ولا محظورة إلا بورود الشرع، فما ورد بالإذن فيه فهو مباح وما ورد بالمنع منه فهو محظور. وذكر في أثناء كلامه أنه كفعل البهيمة، وأن الواقفة يجزمون بأن لا إثم قبل الشرع، وقال أبو زيد في جماعة من

стр. 220

متأخري المعتزلة: لا حكم لها قبل السمع وبعدما ورد السمع تبينا أنها كانت مباحة، حكاه ابن برهان. وذكر أبو الطيب في آخر المسألة أكثر مما ذكره القاضي من الإشكال وجوابه، وذكر داود استدلال بعض أصحابه به. والقائلون بالحظر اختلفوا في القدر الذي لا تقوم النفس إلا به كالتنفس في الهواء وشرب الماء وأكل الطعام الذي يسد الرمق: هل هو محظور أو مباح؟ على قولين، والذي ذكره القاضي أن التنفس والانتقال في الجهات إذا كان لحاجة جاز، لأن الإذن قد دخل فيه من جهة العقل. قال: فنظيره أن يضطر إلى أكل طعام غيره فيباح، لأن العقل لا يمنع من هذا كما لا يمنع الشرع من ذلك عند الحاجة، وإن لم تكن به حاجة منعناه، وادعى ذلك مرة ثانية وذكر أيضا في «اللامع» أنه إذا كان السمع هو الحاظ والمبيح فالسمع ورد مفصلا لم يرد حاظر. ثم ورد سمع آخر مبيحا أو ورد مبيحا ثم ورد سمع آخر حاظرًا. وأجاب عن قوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [٢٩/٢] قال: معناه للاعتبار، لا للإتلاف، وأول قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [٥/٥] بأن معناه ما هو داع إلى فعل الواجب، ويجوز أن يقال: الطيبات هي الحلال؛ ثم هو معارض بقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [٤٠/٧٩] . قال شيخنا: قلت: هذا أحد الاحتمالين في الروضة وأحد قولي أصحابنا وغيرهم بأن ما قبل السمع هل يستصحب إذا قامت الأدلة السمعية على عدم الإباحة إلا ما استثناه الدليل؟ قال القاضي: واحتج الواقف بأن كونه على الحظر أو على الإباحة أنها تعلم على قولكم قبل الشرع بالعقل وما علم حكمه بدليل لا يجوز أن يرد الشرع بخلافه مثل شكر المنعم وقبح الظلم. قال: والجواب أنه كذلك فيما عرف ببدائه العقل وضرورات العقول كالتوحيد وشكر المنعم وقبح الظلم؛ فأما ما يعرف بثواني العقول استنباطا واستدلالا فلا يمنع أن يرد الشرع بخلافه،

стр. 221

لأنا قلنا على الحظر وجوزنا أن يكون على الإباحة أو على الوقف، ولكن كان هذا عندنا أظهر فصرنا إليه فإذا ورد الشرع كان أولى مما عرفناه استدلالا مع تجويز غيره. ثم أجاب بأن ورود الشرع إذن في التصرف، وورود الإذن في الثاني لا يمنع حظرا متقدما، وذكر أنه محظور لمعنى لا لعينه [فلا يمتنع ورود الشرع بخلافه] (١) . [شيخنا] : فصل اختلف جواب القاضي وغيره من أصحابنا في «مسألة الأعيان» مع قولهم بأن العقل لا يحظر ولا يبيح فقال القاضي: وأبو الخطاب والحلواني: إنما علمنا أن العقل لا يحظر ولا يبيح إلا بالشرع وخلافنا في هذه المسألة قبل ورود الشرع: إن العقل يحظر ويبيح إلى أن ورد الشرع فمنع ذلك، إذ ليس قبل ورود الشرع ما يمنع ذلك. قال الحلواني: وأجاب بعض الناس عن ذلك بأنا علمنا ذلك من طريق شرعي، وهو الإلهام من قبل الله لعباده بحظر ذلك وهذا غير ممتنع كما ألهم أبو بكر وعمر. قال شيخنا: كلا الجوابين ضعيف على هذا الأصل. وكذلك ذكر القاضي الجواب الثاني فقال: وقد قيل: إنا قد علمنا ذلك من طريق شرعي، وهو إلهام من الله لعباده بحظر ذلك وإباحته، كما ألهم أبا بكر أن قال: الذي في بطن أم عبد جارية (٢) وكما ألهم عمر أشياء ورد الشرع بموافقتها. قال القاضي: الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع اختلف الناس فيها، فذكر شيخنا ﵁ أنها على الحظر إلى أن يرد الشرع

стр. 222

بإباحتها، قال: وقد أومأ أحمد إلى معنى هذا في رواية صالح ويوسف ابن موسى: لا يخمس السلب ما سمعنا أن النبي ﷺ خمس السلب. وهذا يدل على أنه لم يبح تخميس السلب؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ شرع فيه فيبقى على أصل الحظر. قال شيخنا: قلت: لأن السلب قد استحقه القائل بالشرع فلا يخرج بعضه عن ملكه إلا بدليل، وهذا ليس من موارد النزاع. قال: وكذلك نقل الأثرم وابن بدينا في الحلي يوجد لقطة، فقال: إنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير. قال: فاستدام أحمد التحريم ومنع الملك على الأصل، لأنه لم يرد شرع في غير الدراهم. وأما قول أهل الإباحة فقال: أومأ إليه أحمد في رواية أبي طالب وقد سأله عن قطع النخل؟ فقال: لا بأس به، لم نسمع في قطع النخل شيئا. قيل له: فالنبق؟ قال: ليس فيه حديث صحيح وما يعجبني قطعه. قلت له: إذا لم يكن فيه حديث صحيح فلم لا يعجبك؟ قال: لأنه على كل حال قد جاء فيه كراهة والنخل لم يجئ فيه شيء. قال القاضي: فقد استدام أحمد للإباحة في قطع النخل لأنه لم يرد شرع يحظره. قال شيخنا: قلت: لا شك أنه أفتى بعدم البأس؛ لكن يجوز أن يكون للعمومات الشرعية ويجوز أن يكون سكوت الشرع عفوا، ويجوز أن يكون استصحابا لعدم التحريم، ويجوز أن يكون سكوت الشرع لأن الأصل إباحة عقلية مع أن هذا من الأفعال لا من الأعيان. [والأفعال قبل مجيء السمع تنقسم] : قال شيخنا: قال القاضي: ذكر أبو الحسن التميمي في جزء وقع إليّ بخطه فيما أخرجه من أصول الفقه، فقال: «الأفعال قبل مجيء السمع» تنقسم قسمين: منها حسن، ومنها قبيح. فما كان [منها] في العقل قبيحا فهو محظور لا يجوز الإقدام عليه كالكذب والظلم وكفر نعمة المنعم وما جرى مجرى ذلك؛ لأنه يكتسب بفعله الذم واللوم.

стр. 223

وأما الحسن من العقل فينقسم قسمين أيضا منها ما يجب فعله، ومنها ما لا يجب فعله. أما الذي يجب فعله فهو مثل شكر نعمة المنعم والعدل والإنصاف وما جرى مجرى ذلك مما في معناه من الحسن فإنه واجب لا يجوز الانصراف عنه. ومن الحسن ما لا يجب فعله وإن كان حسنا مثل التفضل وبر الناس وقري الضيف وإطعام الطعام ونحوه (١) . فصل [لا يرد الشرع بحظر ما كان في العقل واجبا ولا ... وقد يرد ... ] قال شيخنا: ولا يجوز أن يرد السمع بحظر ما كان في العقل واجبا نحو شكر المنعم والعدل والإنصاف ونحوه. وكذلك لا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل محظورا نحو الكذب والظلم وكفر نعمة المنعم ونحوه؛ وإنما يرد بإباحة ما كان في العقل محظورا على شرط المنفعة نحو إيلام بعض الحيوان -يعني بالذبح- لما فيه من المنفعة كما جاز إدخال الآلام علينا بالفصد والحجامة وشرب الأدوية الكريهة للمنفعة وإن لم يجز ذلك لغير منفعة، وما أعطيناه من أموالنا بغير استحقاق للفقراء أو غيرهم ممن يطلب بدفعه إليهم الثواب من الله أو الحمد من الناس والثناء الجميل؛ فإن هذا وما أشبهه يجري مجرى الآلام التي تطلب بها المنافع من الفصد والحجامة وشرب الأدوية. وقد يرد الشرع بحظر ما لم يكن له في العقل منزلة في القبح نحو الأكل والشرب والتصرف الذي لا ضرر على فاعله في فعله في ظاهر أمره. فالواجب أن تجري أحكام الأفعال على منازلها في العقل؛ فإما أن تكون قبيحا في العقل فيمتنع منه، أو يكون واجبا في العقل فيلزم أمره ويجب فعله. أو يكون حسنا ليس بواجب فيكون الإنسان مخيرا بين أن يفعله وبين أن لا يفعله من نحو اكتساب المنافع بالتجارات وما في معناها. فإذا ورد السمع فيما الإنسان فيه مخير كشف السمع عن حاله وبين

стр. 224

أمره؛ فإما أن يدخله في جملة الحسن الذي يجب فعله أو في جملة القبيح الذي لا يجوز فعله. قال القاضي: وهذا من كلام أبي الحسن يقتضي أن العقل يوجب ويقبح قال: وقد ذكرنا في الجزء الأول من «المعتمد» خلاف هذا، وحكينا خلاف المعتزلة في هذه المسألة، وبينا قول أحمد في رواية عبدوس: ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، إنما هو الاتباع، واستدل بدليلين. قال القاضي: وقال أبو الحسن: والحظر والإباحة والحلال والحرام والحسن والقبح والطاعة والمعصية وما يجب وما لا يجب كل ذلك راجع إلى أفعال الفاعلين دون المفعول فيه. فالأعيان والأجسام لا تكون محظورة ولا مباحة ولا تكون طاعة ولا معصية. قال القاضي: وهذا كما قال أبو الحسن. وقد يطلق ذلك في المفعول توسعا واستعارة فيقال: العصير حلال مباح ما لم يفسد، فإذا فسد وصار خمرا كان حراما ومحظورا. والمذكي حلال ومباح والميتة محظورة، وهي حرام، يريدون أن شرب العصير حلال ومباح ما لم يفسد، وأكل المذكي حلال ومباح، ويطلقون ذلك والمراد به أفعالهم. قال شيخنا: تقدمت هذه المسألة في العموم (١) والصحيح أنه حقيقة في الأعيان أيضا (٢) . فصل في حقيقة قول ابن عقيل الذي صوره على المذاهب في «الأعيان قبل السمع» .

стр. 225

[لا بد من الفرق بين نفي الأدلة ونفي المدلولات وبين الجواز الذهني والجواز العقلي في مسألة الأعيان وغيرها] قد كتبت قوله: «إن مقتضى أصلنا أنها لا توصف بحظر ولا إباحة؛ لأن ذلك لا يثبت عندنا إلا بالشرع، فإذا لم يكن شرع فلا حظر ولا إباحة» ثم قال: والأليق بمذهبه أن يقال: لا نعلم ما الحكم، فهذا يقيني، وهذا شك. ثم قال: فإذا كان مذهب صاحبنا أن العقل لا يوجب ولا يحظر، وأن عباد الأوثان لا يعاقبون على شيء مما اعتقدوه ولا على شيء من الأفعال، وأن لا عقوبة ولا عذاب قبل السمع فلا وجه للقول بإباحته قبل السمع أو حظره. فهذا أصل لا ينبغي أن يغفل لأنه من أصول الدين، فلا يسقط حكمه بمذهب في أصول الفقه. قال: وإذا ساغ لشيخنا ﵁ أن يأخذ له أصلا هو حظر أو إباحة من نهيه تارة فيما لم يرد فيه سمع كقطع السدر، وتارة في إباحة كتجويزه قطع النخل فلم لا يأخذ من كلامه الذي لا يحصى: لا أدري ما هذا، ما سمعت فيه شيئا، أنا أجبن أن أقول بكذا. فيؤخذ منه أحد مذهبين: إما الوقف، أو الإمساك عن الفتوى رأسا، وأن يقال فيما لم يرد فيه سمع: لا مذهب له إلا الإمساك. فافهم هذا الأصل؛ فإنه يستمر على قوله في المتشابه من الآيات وظواهر الأخبار، وأنها لا تفسر ولا تؤول، ولا وجه للقطع بالإباحة أو الحظر مع عدم السمع وعدم قضية العقل. قال شيخنا: قلت: هذا الكلام من ابن عقيل -مع ما تقدم من أن صاحب الوقف أقرب إلى الحظر لأنه يحتج على الفتوى بالإقدام كالحاظر- يقتضي أن المذهب أنه لا يقطع فيها بحظر ولا إباحة لانتقاء دليل ذلك وهو الشرع، ثم هو مع ذلك إما أن يسكت كما يسكت الرجل عن الكلام فيما لم يعلم شكا أو أن يقف فيبقى الحظر والإباحة عند نفسه أو في الخارج؛ ففرق بين أن يقال: ليست عندنا محظورة ولا مباحة، أو ليست في الخارج كذلك. وإذا نفاهما فعنده أنه لا يأذن في الإقدام لأن الإذن إباحة، وهذا تجويز منه ذهنا أن يكون في الباطن فيها

стр. 226

مفسدة راجحة، وهذا يتوجه إذا نفي حكم العقل ولم ينف صفة العقل. فيقال: ما نعلم أنه لا حكم للعقل، بل نُجَوِّز أذهاننا أن للعقل صفة وإن لم تكن للعقل صفة، إذا فرق بين نفي الدليل ونفي المدلول، وبين التجويز الذهني الذي يرجع إلى عدم العلم وبين التجويز الخارجي الذي يرجع إلى وصف الذوات. فكلام ابن عقيل مستمر إذا فسر نفي العقل بنفي دلالته، لا بنفي صفة العقل وجوز جوازا ذهنيا أن يكون للعقل صفة وإن لم يثبت جوازها في الخارج. فحينئذ يقال: لا حظر ولا إباحة لانتفاء دليله، والنقل لا يثبت ذلك، ولم يعلم أيضا انتفاء أن يكون في الفعل ضرر أو ذم من الله لم نقف عليه بعقولنا، ولم يكشف لنا سمع، فهذا شك في ثبوت صفة الأفعال، لا في علم العقل بها. وقد يقال أيضا: ما علمنا أن العقل يدرك ذلك، فنحن لم نعلم أن للعقل صفة، ولم نعلم عدم ذلك، ولو كان ثم صفة فلم نعلم أن العقل يدركها أو علمنا أنه لا يدركها فيلزم من ذلك انتفاء الحظر والإباحة والتوقف في نفي الحكم مطلقا. ومن لم يحكم الفرق بين نفي الأدلة ونفي المدلولات وبين الجواز العيني والجواز العقلي وإلا اختبط كثيرا في أمثال هذه الأشياء. ولهذا قال ابن عقيل في أثناء هذه المسألة: لا جواب لهذه المسألة على التحقيق إلا قول المسئول: لا أعلم ما كان الحكم قبل الشرع، إذ لا طريق لنا إلى العلم بالحكم. وكلامه كله يدل على أنه غير حاكم بثبوت حكم ولا نفيه ولا دليل عليه أصلا كما لا دليل على المتردد؛ بخلاف النافي فعليه الدليل فهو لا يعلم ثبوت الحكم ولا انتفاؤه. فصل [يمكن أن يرد الشرع بما لا يحيله العقل] قال شيخنا: من قال من أصحابنا: «إن للأفعال والأعيان حكما قبل الشرع» اختلفت أقوالهم فيما يجوز تغييره بالشرع وما لا يجوز، فقال أبو

стр. 227

الخطاب: ما ثبت بالعقل ينقسم قسمين؛ فما كان منه واجبا بعينه كشكر المنعم والإنصاف وقبح الظلم فلا يصح أن يرد الشرع بخلاف ذلك. وما وجب لعلة أو دليل مثل الأعيان التي فيها الخلاف فيصح أن يرتفع الدليل والعلة فيرتفع ذلك الحكم العقلي كفروع الدين المنسوخة. وقال التميمي: لا يجوز أن يرد الشرع في الأعيان بما يخالف حكم العقل إلا بشرط منفعة تزيد في العقل أيضا على ذلك الحكم كذبح الحيوان، والبط، والفصد، فعلى هذا يمنع أصل الدليل. وقال عنه في موضع آخر: لا يجوز أن يرد الشرع بحظر موجبات العقل أو إباحة محظوراته. وقيل: إن الشرع يرد بما لا يقتضيه العقل إذا كان العقل لا يحيله ذكر هذه الثلاثة أبو الخطاب. وقال الحلواني: ما يعرف ببداءة العقول وضروراتها فلا يجوز أن يرد الشرع بخلاف مقتضاه. فأما ما يعرف بتولد العقل استنباطا واستدلالا فلا يمنع أن يرد الشرع بخلافه (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [ما لا يدخل تحت الخلاف المذكور] قال القاضي في «مسألة الأعيان قبل الشرع» : وإنما يتصور هذا الاختلاف في الأحكام الشرعيات من تحريم لحم الحمر وإباحة لحم الأنعام وما يشبه ذلك مما قد كان يجوز حظره وتجوز إباحته، فأما ما لا يجوز له الحظر بحال كمعرفة الله ومعرفة وحدانيته وما لا يجوز عليه الإباحة كالكفر بالله وجحد التوحيد وغيره فلا يقع فيه خلاف؛ بل هو على صفة واحدة لا تتغير ولا تنقلب، وإنما الاختلاف فيما ذكرنا. وأما ابن عقيل فطرد خلاف الوقف في الجميع، حتى في التثنية

стр. 228

والتثليث والسجود للصنم وصرف العبادة والشكر إلى غير الواحد القديم الذي قد عرف وحدته وقدمه. قال -يعني القاضي: ويجب القول باستصحاب الحال العقلي مثل أن يدل الدليل العقلي على أن الأشياء على الحظر أو على الإباحة قبل ورود الشرع بذلك فيستصحب هذا الأصل حتى يدل دليل الشرع على خلافه. وأما استصحاب الشرع مثل أن يثبت الحكم في الشرع بإجماع ثم وقع الخلاف في استدامته كالمتيمم إذا رأى الماء في الصلاة فالقول فيه محتمل أنه غير مستصحب، ويحتمل أن يستصحب لحكم الإجماع حتى يدل الدليل على ارتفاعه. [شيخنا] : ... ... ... فصل [لا يقال أن الأشياء كلها على الإباحة] ذكر قوم أن الكلام فيها عبث، لأن بني آدم لم يخلوا من الشرع، وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية عبد الله فيما خرجه في محبسه إذ يقول: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم. فأخبر أن كل زمان لم يخل من رسول أو عالم يقتدى به. قال أبو الخطاب: وتتصور هذه المسألة في قوم لم تبلغهم الدعوة وعندهم ثمار وفي موضع آخر، وهو أن يقول: إن هذه الأشياء لو قدرنا خلو الشرع عن حكمها ما ينبغي أن يكون حكمها يعتد (١) أن كل من حرم شيئا أو أباحه قال: قد طلبت في الشرع دليلا على ذلك فلم أجد فبقيت على حكم الأصل. وكذلك قال ابن عقيل: من شروط المفتي أن يعرف ما الأصل الذي ينبني عليه استصحاب الحال: هل هو الحظر أو الإباحة أو الوقف ليكون عند عدم الأدلة متمسكا بالأصل إلى أن تقوم دلالة تخرجه عن أصله.

стр. 229

وقال القاضي: واعلم أنه لا يجوز إطلاق هذه العبارة لأن من الأشياء ما لا يجوز أن يقال: إنها على الإباحة كالكفر بالله والجحد له والقول بنفي التوحيد، وإنما يتكلم في الأشياء التي يجوز في العقول حظرها وإباحتها كتحريم لحم الخنزير وإباحة لحم الأنعام، وتتصور هذه المسألة في شخص خلقه الله في برية لا يعرف شيئا من الشرعيات، وهناك فواكه وأطعمة: هل تكون تلك الأشياء في حقه على الإباحة أو على الحظر حتى يرد شرع؟ قال شيخنا: قلت: وهذا يقتضي أن المسألة تعم الأعيان والأفعال (١) . [استصحاب براءة الذمة من الواجبات فيه نظر] مسألة: استصحاب أصل براءة الذمة من الواجبات حتى يوجد الموجب الشرعي دليل صحيح ذكره أصحابنا القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل، وله مأخذان. أحدهما: أن عدم الدليل دليل على أن الله ما أوجبه علينا، لأن الإيجاب من غير دليل محال. والثاني: البقاء على حكم العقل المقتضي لبراءة الذمة أو دليل الشرع لمن قبلنا. ومن هذا الوجه يلزم بالمناظرة. قال القاضي: استصحاب براءة الذمة من الواجب حتى يدل دليل شرعي عليه هو صحيح بإجماع أهل العلم كما في الوتر. قال شيخنا: قوله: «استصحاب في نفي الواجب» (٢) احتراز من

стр. 230

استصحاب في نفي التحريم أو الإباحة، فإن فيه خلافا مبنيا على مسألة الأعيان قبل الشرع. وأما دعوى الإجماع على نفي الواجبات بالاستصحاب ففيه نظر؛ فإن من يقول بالإيجاب العقلي من أصحابنا وغيرهم لا يقف الوجوب على دليل شرعي، اللهم إلا أن يراد به في الأحكام التي لا مجال للعقل فيها بالاتفاق كوجوب الصلاة والأضحية ونحو ذلك. قال القاضي (١) : هو صحيح إجماع أهل العلم. وقال أبو الخطاب: هو صحيح بإجماع الأمة. قال: وقد ذكره أصحاب أبي حنيفة والقاضي أبو الطيب، وذكره أبو سفيان، وقال: عدم الدليل دليل، ثم قال: وحكى أبو سفيان عن بعض الفقهاء أنه يأبى هذه الطريقة في الاستدلال، وقد ذكر ابن برهان ما يقارب ذلك، وحكاه أبو الخطاب عن قوم من المتكلمين، مع حكاية أبي سفيان عن بعض الفقهاء، وكذلك ذكر أبو الخطاب في أثناء مسألة القياس، قال: لو كانت النصوص وافية بحكم الحوادث لما افتقر أهل الظاهر في كثير من الحوادث إلى استصحاب الحال وأدلة العقل. فإن قيل: فيرجع إلى استصحاب الحال وحكم العقل. قيل: لا نسلم أن ذلك دليل في الشرع. جواب آخر: أن الحوادث في عصر الصحابة لم يرجعوا فيها إلى استصحاب الحال ولا أدلة العقل، وإنما رجعوا إلى القياس على ما بينا فدل على أن ذلك لا يجوز. هذا كلامه. قال شيخنا: جعل القاضي استصحاب الحال الذي طريقه العقل مثل أن يقال: أجمعنا على براءة الذمة فمن زعم اشتغالها بزكاة الحلي فعليه الدليل، فقال: نص أحمد على هذا في رواية صالح ويوسف ابن موسى: لا يخمس السلب؛ لأن النبي ﷺ لم يخمسه قال: فجعل

стр. 231

الأصل دلالة على إسقاط الخمس متى لم يعلم الدليل عليه، وكذلك نقل حنبل فيمن أكل أو شرب: عليه القضاء ولا كفارة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمره بالكفارة (١) . [الأخذ بأقل ما قيل فيه خلاف] مسألة: يجوز الأخذ بأقل ما قيل ونفي ما زاد؛ لأنه يرجع حاصله إلى استصحاب دليل العقل على براءة الذمة فيما لم يثبت شغلها به. وأما إن يكون الأخذ بأقل ما قيل أخذا وتمسكا بالإجماع فلا، لأن النزاع في الاقتصار عليه ولا إجماع فيه. قال بعضهم: هذا نوع من أنواع الإجماع صحيح لا شك فيه. وقال قوم: بل يؤخذ بأكثر ما قيل، ذكرهما ابن حزم. وقال بعضهم: ليس بدليل صحيح. قال شيخنا: قلت: إذا اختلفت البينتان في قيمة المتلف فهل يوجب الأقل، أو بقسطهما؟ فيه روايتان، وكذلك لو اختلف شاهدان. فهذا يبين أن في إيجاب الأقل بهذا المسلك اختلافا، وهو متوجه؛ فإن إيجاب الثلث أو الربع ونحو ذلك لا بد أن يكون له مستند، ولا مستند على هذا التقدير، وإنما وقع الاتفاق على وجوبه اتفاقا، فهو شبيه بالإجماع المركب إذا أجمعوا على مسألتين مختلفتي المأخذ، ويعود الأمر إلى جواز انعقاد الإجماع بالبحث والاتفاقات وإن كان كل من المجمعين ليس له مأخذ صحيح وأشار إليه ابن حزم (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [وإذا كان العموم أو الإطلاق أو الاستحباب منزلا على نوع دون نوع فهل] فأما إن ثبت أن العموم أو الإطلاق أو الاستصحاب نزل على نوع دون نوع، فهل يجوز الاستمساك به فيما عدا النوع المتفق على خروجه؟ هذا أقوى من الأول، وهو الاستصحاب أقوى منه في الخطاب،

стр. 232

وذلك لأن صاحب التحديد بالثلاثة مثلا لا بد له من دليل يختص به على التحديد بها، كما أن صاحب العشرة لا بد له من دليل على التحديد بالعشرة، فتكافئا في ذلك، فلم يجز لأحدهما الاستدلال بالظاهر لعدم دلالة الظاهر وحده على مذهبه. وأما النوع فالدليل المخرج له من العموم يتفاوتان فيه، فمن أراد إخراج نوع آخر فعليه دليل ثان. وحاصله: أن خروج نوع يتفقان في الدلالة عليه كما اتفقا في حكمه، وخروج ما بينهما من المقدار لا يتفقان في دليله كما لا يتفقان في حكمه وإنما هو إجماع مركب، فهو نظير القياس على أصل مركب وأضعف منه، ومثل ذلك في الفروع الاحتجاج بعموم آية السرقة في سارق ما أصله الإباحة وما يسرع فساده، ولولا ذلك لما جاز الاستمساك بعام مخصوص، وإنما يقبح ذلك إذا كثرت الأنواع المخصوصة بحيث يكون النوع المتروك أقل من الأنواع المخرجة، فهذا فيه تفصيل ونظر، وهذا قد يتعارض فيه الإضمار والتخصيص [فقيل: هما سواء. وقيل التخصيص أولى، ويتعارض فيه المجاز والتخصيص] (١) . وهذا البحث قد يقدح في الاستمساك بأقل ما قيل، لأن القائل بوجوب ثلث دية المسلم لا بد من دليل غير الإجماع وغير براءة الذمة، إذ ليس الثلث بأولى من الربع ومن الخمس. والمناظرة إنما هي مع ذلك القائل الأول لا مع الثاني والثالث. وإجماعهم على وجوب الثلث نوع من الإجماعات المركبة؛ فإن وجوبه من لوازم القول بوجوب النصف والجميع فالقائل بوجوب النصف يقول: إنما أوجبت النصف لدليل، فإن كان صحيحا وجب القول به، وإن كان ضعيفا فلست موافقا على وجوب الثلث، كما يقال مثل ذلك في حلي الصغيرة وعشر الخضروات الخراجية وإجبار بنت خمس عشرة؛ لكن القولان المركبان قد يكون كل واحد منهما أعم من

стр. 233

الآخر، كما في هذه النظائر، وقد يكون أحدهما هو العام كما في نصاب السرقة وكما في التقابض، فإن بعضهم يستعمل مثل هذا وفيه نظر، مثل أن يقال للأم مع الأخوين: اتفقوا على وجوب السدس واختلفوا فيما زاد عليه والأصل عدمه، فإن القائل بالثلث كذلك. فهذا يشبه القول بأقل ما قيل، بل هو هو. ولو قال أيضا: قد اتفقوا على توريث الجد واختلفوا في توريث الإخوة لكان ضعيفا؛ لأن القدر الذي اتفقوا عليه إنما هو ما لم يقل إنه حق الأخ، إلا أن يحتج على ميراث الجد بنص وبنفي ميراث الأخ بالأصل، فهذا نوع آخر. وقد يقال: المقتضى لتوريث الجد الجميع ثابت بالإجماع وإما المانع منه المزاحمة وهي منتفية بالأصل، فهذا قريب من التمسك بأقل ما قيل بل هو أقوى منه لأن الإجماع على استحقاق الجميع عند عدم المزاحم إجماع مفرد لا مركب. وهنا مسائل كثيرة من الظواهر السمعية والعقلية التي قد علم بالنص أو الإجماع أو العقل أن دلالتها ليست مطلقة. وغالب كلام المتنازعين في هذا النوع من الأدلة، وهو محتاج إلى تحقيق وتفصيل إذ الكلام في أنواع الأدلة، ثم في أنواع التقييدات من جهة التقدير والتنويع والقلة والكثرة وغير ذلك. والله أعلم (١) . فصل في حد القبيح والحسن والمباح قال شيخنا: قال القاضي: قد قيل: الحسن ما له فعله، والقبيح ما ليس له فعله. قال: وقيل: المباح من الحسن. وقيل: الحسن ما مدح فاعله والقبيح عكسه، وقال هذا القائل: لا يوصف المباح بأنه حسن (٢) .

стр. 234

[شيخنا] : ... ... ... فصل [الحكم الشرعي] الحكم الشرعي: إما أن يقع على نفس قول الشارع وخطابه، أو على تكليفه بالأفعال، أو على صفة للأفعال تثبت بالشرع، أو على هيئة يكون الفعل عليها بإذن الشرع. قال: بعض أصحابنا: قد نص أحمد ﵀ أن الحكم الشرعي خطاب الشرع وقوله. وقد قال كل واحد من هذه الأقوال قوم من الناس. وللاختلاف مقامان: أحدهما: «مسألة التحسين والتقبيح» . والثاني: «كسب العباد» . والله أعلى، وأعلم، وأعز، وأكرم (١) . [لا تلزم الشرائع إلا بعد العلم] ولا تلزم الشرائع إلا بعد العلم، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد. فعلى هذا لا تلزم الصلاة حربيا أسلم في دار الحرب ولا يعلم وجوبها. والوجهان في كل من ترك واجبا قبل بلوغ الشرع، كمن لم يتيمم لعدم الماء لظنه عدم الصحة، أو لم يزك، أو أكل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود لظنه ذلك، أو لم تصل مستحاضة. والأصح أن لا قضاء ولا إثم إذا لم تقصد، اتفاقا، للعفو عن الخطأ والنسيان. ومن عقد عقدا فاسدا مختلفا فيه باجتهاد أو تقليد واتصل به القبض لم يؤمر برده وإن كان مخالفا للنص. وكذلك النكاح إذا بان له خطأ الاجتهاد أو التقليد وقد انقضى المفسد لم يفارق وإن كان المفسد قائما فارقها (٢) .

стр. 235

الأحكام لا تثبت في حق العبد إلا بعد بلوغها إليه، وهو اختيار شيخنا ﵁ (١) . فصل [المغمى عليه] النائم والناسي غير مكلفين، وذكر الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [٤٣/٤] وأجاب عنها. وكذلك ذكره ابن عقيل وهو قول أكثر المتكلمين. قال شيخنا: وكذلك المغمى عليه (٢) . واختلف الفقهاء والأصوليون في المكره: هل يسمى مختارا أم لا؟ [والمكره] وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: التحقيق أنه محمول على الاختيار، فله اختيار في الفعل، وبه صح وقوع؛ فإنه لولا إرادته واختياره لما وقع الفعل؛ ولكنه محمول على أن هذه الإرادة والاختيار، ليست من قبله، فهو مختار باعتبار أن غيره حله على الاختيار ولم يكن مختارا من نفسه. هذا معنى كلامه. [الجن ومناكحتهم] وقال شيخنا: ليس الجن كالإنس في الحد والحقيقة؛ لكنهم مشاركوهم في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم بلا نزاع أعلمه بين العلماء فقد يدل ذلك على مناكحتهم وغيرها، وقد يقتضيه إطلاق أصحابنا (٣) . قال أبو العباس في رده على الرافضي: جاءت السنة بثوابه على ما فعله وعقابه على ما تركه ولو كان باطلا كعدمه لم يجبر بالنوافل.

стр. 236

[الباطل في عرف الفقهاء وفي الآية] والباطل في عرف الفقهاء ضد الصحيح في عرفهم، وهو ما أبرأ الذمة. فقولهم: بطلت صلاته وصومه لمن ترك ركنا بمعنى وجب القضاء؛ لا بمعنى أنه لا يثاب عليه بشيء في الآخرة وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [٣٣/٤٧] الإبطال هو إبطال الثواب ولا يُسَلَّم بطلانه جميعه؛ بل قد يثاب على ما فعله فلا يكون مبطلا لعمله (١) . [إذا استدل مبطل بآية أو حديث صحيح ففي ذلك ما يدل على نقيض قوله] قال لي شيخنا: أنا ألتزم أن لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [١٠٣/٦] هي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها (٢) .

стр. 237

مسائل النسخ [تعريفه] مسألة: في حد النسخ، قال القاضي: هو عبارة عن إخراج ما لم يرد باللفظ العام في الأزمان مع تراخيه عنه. وقال قوم من المتكلمين: هو إخراج ما أريد باللفظ، قال: وهذا غلط، لأنه يفضي إلى البداء. وقال شيخنا: قلت: هذا من القاضي مخالف لما قاله في النسخ قبل الوقت، فإنه ضعف قول من جعله أمرا بمقدمات الفعل أو أمرا مقيدا، وهنا أجاب بما ضعفه هناك (١) . [ما يجوز نسخه وما لا يجوز] مسألة: يجوز نسخ العبادة وإن قيد الأمر بها أولا بلفظ التأبيد، هذا قول أكثر أهل العلم، خلافا لمن قال: لا يجوز. قال القاضي: يجوز تأبيد العبادة بأن ينقطع الوحي أو يضطر إلى قصد الرسول فيه، كما اضطررنا إلى قصده في تأبيد شريعته وأنه لا نبي بعده. قال شيخنا: قلت: فلم يجعل له دليلا لفظيا (٢) . قال شيخنا: قال القاضي في «العدة» في الخبر هل يصح نسخه أم لا؟ فإن كان خبرا لا يصح أن يقع إلا على الوجه المخبر به فلا يصح نسخه، كالخبر عن الله تعالى بأنه واحد ذو صفات، والخبر بموسى

стр. 238

وعيسى وغيرهما من الأنبياء أنهم كانوا أنبياء موجودين والخبر بخروج الدجال في آخر الزمان، ونحو ذلك فهذا لا يصح نسخه، لأنه يفضي إلى الكذب. قال شيخنا: قلت: إلا أن النسخ اللغوي كما في قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [٥٢/٢٢] على قول من قال: إنه ألقي في التلاوة «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» . وإن كان مما يصح أن يتغير ويقع على غير الوجه المخبر عنه فإنه يصح نسخه، كالخبر عن زيد بأنه مؤمن أو كافر أو عدل أو فاسق فهذا يجوز نسخه، فإذا أخبر عن زيد بأنه مؤمن جاز أن يقول بعد ذلك هو كافر، وكذلك يجوز أن يقول: الصلاة على المكلف في المستقبل، ثم يقول بعده: ليس على المكلف فعل صلاة؛ لأنه يجوز أن تتغير صفته من حال إلى حال. قال ﵁: وعلى هذا يخرج نسخ قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [٢٨٤/٢] كما قد جاء عن الصحابة والتابعين خلافا لمن أنكره من أصحابنا وغيرهم كابن الجوزي. فضابط القاضي: أن الخبر إن قبل التغيير جاز النسخ وإلا فلا. وعلى هذا فيجوز نسخ الوعد والوعيد قبل الفعل كقوله: «من بنى هذا الحائط فله درهم» ثم يرفع ذلك. والفقهاء يفرقون بين التعليق وبين التخيير (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [فضيلة الناسخ على المنسوخ] لما قال المخالف القرآن كله متساو في الخبر فقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [١٠٦/٢] يدل على أنه لا ينسخ بالأثقل، فقال: ومعلوم أنه لم يرد بقوله: (بخير منها) فضيلة الناسخ على المنسوخ، لأن القرآن كله متساو

стр. 239

في الفضيلة فعلم أنه أراد الأخف، فلم يمنع القاضي ذلك، بل قال: الخير ما كان أنفع: إما بزيادة الثواب مع المشقة، وإما بكثرة انتفاع المغير به، فإنه سبب لزيادة الثواب، فالأنفع هو ما كان أكثر ثوابا وكثرة الثواب بأحد السببين. ثم في مسألة نسخ القرآن بالسنة لما قال المخالف: «التلاوة لا يكون بعضها خيرا من بعض، وإنما يكون ذلك في النفع» قال القاضي: ولا يصح هذا القول؛ لأنه قد يكون بعضها خيرا من بعض على معنى أنها أكثر ثوابا مثل سورة (طه) و (يس) وما أشبه ذلك. وقد يكون في بعضها من الإعجاز في اللفظ والنظم أكثر مما في البعض، وكانت العرب تعجب من بعض القرآن ولا تعجب من بعض. قال شيخنا: قلت: بقي القول الثالث -وهو الحق- التفاضل الحقيقي كما نطقت به النصوص الصحيحة الصريحة (١) . [شيخنا] : فصل [نسخ التلاوة ونسخ الحكم] ذكر القاضي في ضمن مسألة نسخ القرآن بالسنة أن الخلاف في نسخ تلاوته بأن يقول النبي: لا تقرءوا هذه الآية فتصير تلاوتها منسوخة بالسنة، وفي نسخ حكمه مع بقاء تلاوته، وأن المجيز يجيزهما جميعا، وجعل نسخ التلاوة أعظم من نسخ الحكم؛ فإنه منعهما جميعا. قال شيخنا: قلت: إذا قال الرسول: «هذه الآية قد رفعها الله» فهو تبليغ منه لارتفاعها كإخباره بنزولها، فلا ينبغي أن يمنع من هذا وإن منع من نسخ الحكم، فيكون الأمر على ضد ما يتوهم فيما ذكره القاضي. وقال القاضي وأبو الخطاب في مسألة قراءة الفاتحة [من الانتصار] : والثابت باليقين كان يحتمل الرفع بخبر الواحد في زمن الرسول ﷺ ؛ لأن الموجب للخير لا يوجب البقاء وإنما البقاء لعدم دلالة الرفع، والثابت

стр. 240

لعدم الأدلة يرتفع بأدنى دليل، ألا ترى أن القبلة كانت ثابتة إلى بيت المقدس ثم إن واحدا أخبر أهل قباء بالنقل إلى الكعبة فاستداروا وأقرهم الرسول. وذكر القاضي في ضمن مسألة النسخ أن نسخ القرآن بخبر الواحد والقياس يجوز عقلا، وإنما منعناه شرعا، وعد نسخ تقدم الصدقة بين يدي النجوى نسخ وجوبه إلى إباحة الفعل والترك، وجعل المنسوخ إلى الندب قسما آخر، كالمصابرة فإنه يجب مصابرة الاثنين، ويستحب مصابرة أكثر من ذلك، وجعل من المحظور إلى مباح زيادة القبور ونسخها بالإباحة بعد الحظر، ولم يذكر إلا نسخ الوجوب إلى وجوب أو ندب أو إباحة، ونسخ الحظر إلى إباحة، فلم يذكر نسخ إباحة (١) . [هل السنة تنسخ القرآن ؟] قال شيخنا: قال ابن أبي موسى: والسنة لا تنسخ القرآن عندنا، ولكنها تخص وتبين. وقد وري عنه رواية [أخرى] : أن القرآن ينسخ بالمتواتر من السنة (٢) . قال شيخنا: حكى محمد بن بركات النحوي في كتاب الناسخ والمنسوخ أن بعضهم جوز نسخ القرآن بالإجماع، وبعضهم جوزه بالقياس قال: وهذا يجوز أن يكون مناقضا (٣) . قال: واختلف في نسخ الإجماع بالإجماع والقياس بالقياس، والمشهور عن مالك وأصحابه نسخ القرآن بالإجماع ومنع نسخ الإجماع بالإجماع والقياس بالقياس، فقال: وهذا ذكره البغداديون في أصولهم. [شيخنا] : ... ... ... فصل [وهل يوجد ذلك ؟] اختلف من قال بجواز نسخ القرآن بالسنة: هل وجد ذلك [أم لا] ؟ فقال بعضهم: وجد ذلك. وقال بعضهم: لم يوجد، قال أبو الخطاب:

стр. 241

وهو الأقوى عندي. وحكى ابن عقيل في الفنون عمن قال: «إن خبر الواحد والقياس يجوز أن ينسخ حكم القرآن» . وقرر حنبلي ذلك، أظنه نفسه. وقال: خرج من هذا أن ورود حكم القرآن لا يقطع بثبوته مع ورود خبر الواحد والقياس بما يخالف ذلك الحكم ويصير كأن صاحب الشرع يقول: اقطعوا بحكم كلامي ما لم يرد خبر واحد أو شهادة اثنين أو قياس يضاد حكم كلامي، ومع وروده فلا تقطعوا بحكم كلامي، هذا هو التحقيق، وبناه على أن الحكم بهما قطعي لا ظني. وذكر الباقلاني فيما ذكر أبو حاتم في اللامع أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة [قال: ولا يجوز نسخه بأخبار الآحاد، وأما أخبار الآحاد التي قامت الحجة على ثبوتها وأخبار التواتر التي توجب العلم فقد اختلف الناس فيها] . فقال جمهور المتكلمين وأصحاب مالك وأبي حنيفة: إنه يجوز، وحكي عن أبي يوسف أنه قال: لا يجوز إلا بأخبار متواترة. واختلف هؤلاء فقال بعضهم: وجد في الشرع. وقال آخرون: يجوز وما وجد، ومنع منه الشافعي وجمهور أصحابه. ثم منهم من منع منه عقلا، قال: منع القدرية في الأصلح. ومنهم من اقتصر على منع السمع. قال شيخنا: قلت: وهذا يقتضي أن من أصله أن بعض أخبار الآحاد تجري مجرى التواتر، وأظن الأشعري قد حكي في مقالاته أن مذهب أهل السنة والحديث أنه لا ينسخ بالسنة، وقال: وإليه أذهب (١) . [شيخنا] ... ... ... فصل [نسخ القرآن بالسنة المتواترة] فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة فيجوز عقلا قاله القاضي وبعض الشافعية (٢) خلافا لبعضهم (٣) .

стр. 242

[نسخ السنة بقرآن] مسألة: يجوز نسخ السنة بالقرآن وبه قالت الحنفية، وللشافعي فيه قولان ذكرهما القاضي وابن عقيل وأبو الطيب. ويتخرج لنا المنع إذا منعنا من تخصيصها به. والأول قول عامة الفقهاء من المالكية والشافعية والمتكلمين والمعتزلة، قال ابن برهان: وشذت طائفة من أصحابنا فمنعوا من ذلك وعزوه إلى الشافعي، قال القاضي في مقدمة المجرد: ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة نص عليه، وأما نسخ السنة بالكتاب فكلامه محتمل، ففي موضع ما يقتضي أن لا تنسخ سنة إلا بسنة مثلها، وفي موضع يجوز ذلك. وقال في العدة: أومأ إليه أحمد، فقال عبد الله: سألت أبي عن رجل أسير أخذ منه الكفار عهد الله وميثاقه أن يرجع إليهم، فقال: فيه اختلاف قلت لأبي: حديث أبي جندل. قال: ذاك صالح على أن يردوا من جاءهم مسلما فرد النبي ﷺ الرجال ومنع النساء، ونزلت فيهم: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ وقال القاضي: وظاهر هذا أنه أثبت نسخ القصة بقرآن (١) . قال شيخنا: قلت: الذي منع نسخ السنة بقرآن يقول: إذا نزل القرآن فلا بد أن يسن النبي ﷺ سنة تنسخ السنة الأولى، وهذا حاصل وأما بدون ذلك فلم يقع (٢) . [الزيادة على النص هل تكون نسخا ؟] مسألة: الزيادة على النص ليست نسخا عند أصحابنا والمالكية والشافعية (٣) والجبائي وابنه أبي هاشم. وقالت الحنفية منهم الكرخي وأبو عبد الله البصري وغيرهما: هي نسخ. وقالت الأشعرية وابن نصر المالكي والباجي متابعة منهم لابن الباقلاني: إن غيرت حكم المزيد عليه كجعل الصلاة ذات الركعتين أربعا فهو نسخ وإن لم تغيره كزيادة عدد

стр. 243

الجلد وإضافة الرجم إلى الجلد فليس بنسخ، ولم يحك أبو الطيب هذا القول إلا عن أبي بكر الأشعري يعني الباقلاني. وحكى ابن برهان هذا عن عبد الجبار بن أحمد، وحكى مذهبا آخر. قال شيخنا: قلت: التحقيق في مسألة الزيادة على النص زيادة إيجاب أو تحريم أو إباحة أن الزيادة ليست نسخا إذا رفعت موجب الاستصحاب أو المفهوم الذي لم يثبت حكمه، إلا بمعنى النسخ العام الذي يدخل فيه التخصيص ومخالفة الاستصحاب ونحوهما، وذلك يجوز بخبر الواحد والقياس. وأما إن رفعت موجب الخطاب فهو نسخ [بمعنى] النسخ المشهور في عرف المتأخرين إن كان ذلك الموجب قد ثبت أنه مراد [بالخطاب. وأما إذا لم يثبت أنه مراد إما مع] تأخر المفسر عند من يجوز تأخره. أو مع جواز تأخره عند من يوجب الاقتران فإنه كتخصيص العموم، مثال الأول: ضم النفي إلى الجلد ونحو ذلك، فإنه إنما رفع الاستصحاب والمفهوم ولم يرفع موجب الخطاب المنطوق. فالزيادة على النص بمنزلة تخصيص العموم وتقييد المطلق. ومثال الثاني: لو أوجب النفي في حد القاذف، وكذا التفسيق ورد الشهادة متعلقا بهما فقد قال الغزالي وأبو محمد: إنه لا يكون نسخا؛ لأن ذلك تابع لجلد، لا مقصود، فأشبه نسخ عدة الحول إلى أربعة أشهر وعشر، فإن ذلك نسخ لوجوب العدة، لا تحريم نكاح الأزواج، وهكذا قال. والصواب أن نسخ العدة لكلا الحكمين نسخ لإيجاب الزيادة (١) ولتحريم نكاح الأزواج، فهو نسخ لبعض موجب الخطاب الذي أريد وإبقاء لبعضه وهو كتخصيص العموم الذي استقر وأبد كآية اللعان ونحوها، وكذلك على هذا إذا كانت الزيادة شرطا في صحة المزيد بحيث يكون وجود المزيد كعدمه بدون الزيادة، كزيادة ركعتين في صلاة

стр. 244

الحضر وزيادة الأركان والشروط في العبادات؛ فإن من قال: «هذا نسخ» قال: لأن الخطاب الأول اقتضى الصحة والإجزاء مع الوجوب وقد ارتفع بالزيادة الصحة والإجزاء. وقد أجاب أبو محمد عن هذا بأن النسخ رفع جميع موجب الخطاب لا رفع بعضه، إذ رفع بعضه كتخصيص العموم وترك المفهوم، وبأنه لو كان نسخا فإنما يكون إذا استقر وثبت، ومن المحتمل أن دليل الزيادة كان مقارنا. والتحقيق: أن الكلام في مقامين، أحدهما: أن الصحة والأجزاء من مدلول الخطاب فقط، أم من مدلول العقل، والثاني: أنه إذا كان من مدلول الخطاب فرفع بعضه هو كتخصيص العموم (١) يفرق فيه بين ما ثبت أنه مراد؛ فإن مسألة الزيادة على النص إذا رفعت بعض موجب الخطاب هي بمنزلة تخصيص العموم، فالزيادة على الخطاب بالتقييد كالنقص منه بالتخصيص. وهذه المسألة هي بعينها مسألة تقييد المطلق؛ فإن ذلك زيادة في اللفظ ونقص في المعنى، كالزيادة في الحد فإنها نقص في المحدود. والتخصيص زيادة خطاب تنقص الخطاب الأول. فنقول: أما «المقام الأول» : فإن الصحة حصول المقصود، والإجزاء حصول الامتثال، وهذا يستفاد من معرفة المقصود والأمر، وهو إنما يعلم بالعقل مع الاستصحاب؛ فإنه لا بد أن يقال: لم يؤمر إلا بهذا، وقد امتثل، وليس المقصود إلا هذا، وقد حصل، فالعلم بالمثبت من جهة الخطاب، وبالمنفي من جهة الاستصحاب والمفهوم، فإذا أوجب زيادة رفعت موجب الاستصحاب والمفهوم، وإذا جعلها شرطا رفعت الحكم المركب من السمع والعقل، فلم ترفع حكما سمعيا؛ بل إنما رفعت ما ثبت بالاستصحاب والمفهوم، فإنه بهما تثبت الصحة

стр. 245

والإجزاء لا بنفس الخطاب فلا يكون رفعه نسخا. هذا هو الجواب المحقق، دون ما ذكره أبو محمد. المقام الثاني: أنه لو رفع بعض موجب الخطاب فإن ثبت أنه مراد - كما لو ثبت أن الأمر للوجوب ثم نسخ إلى الندب، أو العموم ثم خص، أو لمطلق المعنى ثم قيد- فهذا نسخ، وإن لم يثبت أنه مراد لم يكن نسخا، وتراخي المخصص والمقيد لا يوجب أن يكون مرادا في ظاهر المذهب، وفي الرواية الأخرى: يوجب أن يكون مرادا. فإذا قيل: استقرار العموم والمفهوم إن عني به انفصال الصارف ففيه الروايتان. وإن عني به استقرار حكمه فهذا لا ينبغي أن يكون فيه خلاف مع أن كلام أبي محمد يقتضي خلاف ذلك. فقد تحرر أن الزيادة تارة ترفع موجب الاستصحاب. وتارة ترفع موجب المفهوم. وتارة ترفع موجب الإطلاق والعموم. وفي هذين الموضعين: تارة يكون قد ثبت أن المتكلم أراد مقتضى المفهوم أو الإطلاق والعموم. وتارة لم يثبت أنه أراده. فمتى لم يثبت أنه أراده فهو كتخصيص العموم. وأما إن ثبت أنه أراده فهو بمنزلة الاستصحاب الذي قرره السمع، رفعه يكون نسخا، لكن ذلك لا لأنه مجرد زيادة على النص لكن بمعنى آخر. فالصواب ما أطلقه الأصحاب من أن الزيادة على النص ليست نسخا بحال، والقول فيها كالقول في تخصيص العموم وتقييد المطلق سواء. وأيضا فالزيادة تارة تكون في الحكم فقط، وتارة في الفعل فالأول: مثل أنه أباح الجهاد أولا ثم أوجبه، أو يندب إلى الشيء ثم يوجبه فهنا زاد الحكم من غير أن يرفع الحكم الأول، وإنما رفع موجب الاستصحاب والمفهوم، إلا أن يكون الخطاب الأول قد نفى الوجوب. ثم الخطاب إذا دل على عدم الإيجاب وعدم التحريم فهو مثل

стр. 246

النصوص الواردة في الخمر قبل التحريم: هل هو نسخ؟ فيه خلاف، قال أبو محمد: هو نسخ. والأشبه أنه ليس بنسخ؛ لأنه لم ينف الحرج ولم يؤذن في الفعل، وإذا سكت عن التحريم أقروا على الفعل إلى حين النسخ، والإقرار المستقر حجة. وأما غير المستقر فبمنزلة الاستصحاب المرفوع. فلو فعل المسلمون شيئا مدة فلم ينهوا عنه ثم نهوا عنه لم يكن هذا نسخا، وإن كان الإقرار [على الشيء] حجة شرعية لأن الإقرار إنما يكون حجة إذا لم ينهوا عنه بحال، فمتى نهوا عنه [فيما بعد زال] شرط كونه حجة، وقد يقال: هو نسخ (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل قال القاضي: واحتج بأنكم قد جعلتم الزيادة على النص نسخا لدليل الخطاب يجب أن يكون نسخا للمزيد عليه. وبيانه أنه إذا أمر الله أن يجلد الزاني مائة واستقر ذلك ثم زاد بعد ذلك عليها زيادة كان ذلك نسخا لدليل الخطاب؛ لأن قوله: «اجلدوا مائة» دليله لا تجلدوا أكثر منها، وهذا كما قالت الصحابة والتابعون: إن قول النبي ﷺ : «الماء من الماء» منسوخ، وإنما المنسوخ حكم دليل الخطاب منه دون حكم النطق. فقال القاضي: والجواب أن الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن المزيد عليه لم يتغير حكمه، وهو بعد الزيادة كهو قبلها، وليس كذلك دليل الخطاب، فإنه قد زال، لأن تقديره: لا تزيدوا على المائة، وقد أوجب الزيادة عليها، فصار المنع من الزيادة منسوخا. قال: وربما قال قائل: إن ذلك ليس بنسخ وإنما هو جار مجرى التخصيص للعموم. قال: لأن دليل الخطاب من القرآن والسنة المتواترة يجوز تركه بالقياس وبخبر الواحد. قال القاضي: والصحيح أنه نسخ؛ لأن العموم إذا استقر بتأخر بيان التخصيص كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخا، وكذلك دليل

стр. 247

الخطاب إذا استقر كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخا، وكذلك ذكر أبو محمد أنه لو ثبت حكم المفهوم واستقر بتراخي البيان يكون نسخا. قال شيخنا: قلت: هذا ينبني على جواز تأخير البيان: إن لم نجوزه فالتراخي يقتضي الاستقرار وإن جوزناه فالتراخي لا يقتضي الاستقرار (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [إذا نسخ الأصل فهل تتبعه فروعه] إذا نسخ الأصل تبعت فروعه، مثله القاضي بمسألتين إحداهما نسخ التوضؤ بالنبيذ النيء يتبعه المطبوخ وقد أجزأ بنية من النهار فكذلك كل صوم معين مستحق ثم نسخ وجوبه وبقي حكمه في غيره. والأولى صحيحة، وفيها نظر أيضا. فإن المنسوخ عندهم تجويز شربه فتتبعه الطهورية فإنها نفس المسألة. وأما المسألة الثانية: ففيها نظر، والصحيح فيها أن ذلك لا يوجب نسخ ذلك الحكم. وأصحابنا كثيرا ما يسلكون هذه الطريقة إلى استدلالهم (٢) ، وذلك بأن المنسوخ هو وجوب صوم يوم عاشوراء فسقط أجزاؤه بنية من النهار لعدم المحل. فأما كون الواجب يجزئ بنية من النهار فلم يتعرض لنسخه. وهذا مثل احتجاجهم في القرعة بقصة يونس، وهي في الذم. ومما يشبه نسخ بعض الأصل قرعة يونس على إلقاء نفسه في اليم، فإن الاقتراع على مثل هذا لا يجوز في شرعنا، لأن المذنب نفسه لو عرفناه لم نلقه، فهل يكون نسخ القرعة في هذا الأصل نسخا لجنس القرعة؟

стр. 248

أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على القرعة. وأقرب منه قرعة زكريا، فإنهم اقترعوا على الحضانة، وهو جائز، لكن المقترعون كانوا رجالا أجانب فاقترعوا لأنهم قد كان في شرعهم له ولاية حضانة المحررة، فارتفاع الحكم في عين الأصل لا يكون رفعا له في مثل ذلك الأصل إذا وجد. ومثل ذلك نهيه لمعاذ عن الجمع بين الائتمام وإمامة قومه إذا كان للتطويل عليهم هل يكون نسخا لما دل الجمع عليه من ائتمام المفترض بالمتنفل؟ قال القاضي في مسألة «نسخ الأصل نسخ لفرعه» : احتج المخالف بأنه لو نسخ ذلك لكان نسخا بالقياس على موضع النص، وهذا لا يجوز بالإجماع. فقال: والجواب: أنه ليس بنسخ بالقياس، وإنما زال الموجب فزال ما تعلق به، كما إذا زالت العلة زال الحكم المتعلق بها. قال: وإنما النسخ بالقياس أن ينسخ حكم الفرع بعد استقراره بالقياس على أصل شرع بعد استقراره، وهذا لا يجوز بالإجماع. فأما إزالته بنسخ أصله فليس بنسخ بالقياس. قال شيخنا: قلت: بل هو في المعنى نسخ بالقياس كما هو إثبات بالقياس؛ لأن الحكم الثابت في الأصل أثبت في الفرع قياسا، ثم إذا ثبت التحريم في الأصل ثبت في الفرع قياسا، إلا أن يقول القاضي: أنا أزيل حكم الأصل عن الفرع ولا أثبت ضده فلا يمشي هذا، لأن الفرع كان قد ثبت فيه حكم الأصل فلا بد من مزيل إما خطاب وإما حكم، والخطاب لم يتناوله فثبت أنه نسخ لحكم الأصل، وهذا جائز ولهذا قال لما ذكر المسألة مفردة: وأما القياس فلا ينسخ لأنه مستنبط من أصل فلا يصح نسخه مع بقاء الأصل المستنبط منه، والأصل باق فكان القياس باقيا ببقائه، وإذا لم يصح نسخه لم ينسخ به أيضا، لأنه إنما يصح ما لم يعارضه أصل، فإن عارضه أصل سقط في نفسه فبطل أن ينسخ الأصل به.

стр. 249

قال شيخنا: قلت: ولم يتعرض لنسخه مع أصله بفرع الأصل الناسخ لأصله، وهي المسألة المتقدمة (١) . [هل يجوز نسخ القياس في عصر النبوة ؟] وقال ابن عقيل في أواخر كتابه: يجوز نسخ القياس في عصر النبي ﷺ لأن طريق النسخ حاصل، وهو الوحي، فإذا قال: حرمت المفاضلة في البرِّ لأنه مطعوم كان ذلك نصا منه على الحكم وعلى علته. وقد اختلف الناس: هل نصه على العلة إذن منه في القياس أم لا؟ على مذهبين. فإن كان هذا إذنا أو أذن في القياس نصا فقاسوا الأرز على البر، فعاد وقال بعد ذلك بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا، فقال قوم: يكون تخصيصا للعلة بالطعم في البر خاصة. قال شيخنا: قلت: هو أشبه بكلام أحمد، وكلامه في مسألة الاستحسان يدل عليه. وقال قوم: يكون نسخا للقياس. والذي لا خلاف فيه أن يصرح فيقول: لا تقيسوا الأرز على البر في تحريم التفاضل فهذا غير ممتنع؛ بل الممتنع نسخ قياس استنباطه بعد وفاته ﷺ فإنه لا وحي ينزل بعد عصره، فإن عثر على نص يخالف حكم القياس كان القياس باطلا (٢) (٣) . [نسخ القياس والنسخ به وصور ذلك] مسألة: نسخ القياس والنسخ به مسألة عظيمة. والحنفية وغيرهم يقعون فيها كثيرا فإنهم يعارضون بين قياس أحد النصين والنص الآخر، ويجعلونه ناسخا أو منسوخا، وأحمد يخالفهم في ذلك. والنكتة أنه: هل يجوز أن يكون بين الفرع والأصل فرق يصح معه الفرق في الحكم؟ فإن لم يصح فرق وإلا ثبت النسخ إلا أن يقال بالتعبد.

стр. 250

قال شيخنا: قلت: متى كان أصل القياس متقدما في الثبوت على النص المخالف له أمكن أن يكون نسخا (١) (٢) . مسألة: قال أبو الخطاب في نسخ [ما ثبت] بالقياس إن كان ثبوته بعلة منصوص عليها أو منبه عليها: مثل أن ينص على تحريم البر لعلة الكيل ويتعبد بالقياس عليه، ثم ينص بعده على إباحته في الأرز ويمنع من قياس البر عليه كان نسخا. فأما ما ثبت بقياس مستنبط فلا يصح نسخه، ومتى وجدنا نصا بخلافه، وجب المصير إليه وتبينا به فساد القياس. هذا معنى كلامه. وعندي في تقييده أولا نظر. وقال المقدسي: ما يثبت بالقياس إن كان منصوصا على علته فهو كالنص ينسخ وينسخ به، وإن لم يكن منصوصا على علته لم ينسخ ولم ينسخ به. وشذت طائفة فأجازته. والذي ذكره القاضي أن القياس لا ينسخ ولا ينسخ به. وقال الجويني: إذا ورد نص واستنبط منه قياس ثم نسخ النص تبعه القياس المستنبط. وقال أبو حنيفة: لا يبطل القياس. ثم قال الجويني: وعندي أن المعنى المستنبط من الأصل إذا نسخ بقي معنى الأصل له، فإن صح الاستدلال نظرنا فيه، وإن لم يصح أبطلناه. قال شيخنا: مسألة النسخ بالقياس لها صور: إحداها: أن ينسخ حكم الأصل فيتبعه الفرع أولا، أو يفصل بين العلة المنصوصة وغيرها. الثانية: أن يكون حكم الأصل ثابتا ويجيء نص في الفرع يخالف موجب القياس: فهل يكون ذلك نسخًا لذلك الحكم الثابت بالقياس؟
следующие страницы →