النصوص الواردة في الخمر قبل التحريم: هل هو نسخ؟ فيه خلاف، قال أبو محمد: هو نسخ. والأشبه أنه ليس بنسخ؛ لأنه لم ينف الحرج ولم يؤذن في الفعل، وإذا سكت عن التحريم أقروا على الفعل إلى حين النسخ، والإقرار المستقر حجة. وأما غير المستقر فبمنزلة الاستصحاب المرفوع. فلو فعل المسلمون شيئا مدة فلم ينهوا عنه ثم نهوا عنه لم يكن هذا نسخا، وإن كان الإقرار [على الشيء] حجة شرعية لأن الإقرار إنما يكون حجة إذا لم ينهوا عنه بحال، فمتى نهوا عنه [فيما بعد زال] شرط كونه حجة، وقد يقال: هو نسخ (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قال القاضي: واحتج بأنكم قد جعلتم الزيادة على النص نسخا لدليل الخطاب يجب أن يكون نسخا للمزيد عليه. وبيانه أنه إذا أمر الله أن يجلد الزاني مائة واستقر ذلك ثم زاد بعد ذلك عليها زيادة كان ذلك نسخا لدليل الخطاب؛ لأن قوله: «اجلدوا مائة» دليله لا تجلدوا أكثر منها، وهذا كما قالت الصحابة والتابعون: إن قول النبي ﷺ : «الماء من الماء» منسوخ، وإنما المنسوخ حكم دليل الخطاب منه دون حكم النطق. فقال القاضي: والجواب أن الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن المزيد عليه لم يتغير حكمه، وهو بعد الزيادة كهو قبلها، وليس كذلك دليل الخطاب، فإنه قد زال، لأن تقديره: لا تزيدوا على المائة، وقد أوجب الزيادة عليها، فصار المنع من الزيادة منسوخا. قال: وربما قال قائل: إن ذلك ليس بنسخ وإنما هو جار مجرى التخصيص للعموم. قال: لأن دليل الخطاب من القرآن والسنة المتواترة يجوز تركه بالقياس وبخبر الواحد. قال القاضي: والصحيح أنه نسخ؛ لأن العموم إذا استقر بتأخر بيان التخصيص كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخا، وكذلك دليل
стр. 247
الخطاب إذا استقر كان ما يرد بعده مما يوجب تركه نسخا، وكذلك ذكر أبو محمد أنه لو ثبت حكم المفهوم واستقر بتراخي البيان يكون نسخا.
قال شيخنا: قلت: هذا ينبني على جواز تأخير البيان: إن لم نجوزه فالتراخي يقتضي الاستقرار وإن جوزناه فالتراخي لا يقتضي الاستقرار (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا نسخ الأصل فهل تتبعه فروعه]
إذا نسخ الأصل تبعت فروعه، مثله القاضي بمسألتين إحداهما نسخ التوضؤ بالنبيذ النيء يتبعه المطبوخ وقد أجزأ بنية من النهار فكذلك كل صوم معين مستحق ثم نسخ وجوبه وبقي حكمه في غيره. والأولى صحيحة، وفيها نظر أيضا. فإن المنسوخ عندهم تجويز شربه فتتبعه الطهورية فإنها نفس المسألة.
وأما المسألة الثانية: ففيها نظر، والصحيح فيها أن ذلك لا يوجب نسخ ذلك الحكم. وأصحابنا كثيرا ما يسلكون هذه الطريقة إلى استدلالهم (٢) ، وذلك بأن المنسوخ هو وجوب صوم يوم عاشوراء فسقط أجزاؤه بنية من النهار لعدم المحل. فأما كون الواجب يجزئ بنية من النهار فلم يتعرض لنسخه.
وهذا مثل احتجاجهم في القرعة بقصة يونس، وهي في الذم. ومما يشبه نسخ بعض الأصل قرعة يونس على إلقاء نفسه في اليم، فإن الاقتراع على مثل هذا لا يجوز في شرعنا، لأن المذنب نفسه لو عرفناه لم نلقه، فهل يكون نسخ القرعة في هذا الأصل نسخا لجنس القرعة؟
стр. 248
أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على القرعة. وأقرب منه قرعة زكريا، فإنهم اقترعوا على الحضانة، وهو جائز، لكن المقترعون كانوا رجالا أجانب فاقترعوا لأنهم قد كان في شرعهم له ولاية حضانة المحررة، فارتفاع الحكم في عين الأصل لا يكون رفعا له في مثل ذلك الأصل إذا وجد.
ومثل ذلك نهيه لمعاذ عن الجمع بين الائتمام وإمامة قومه إذا كان للتطويل عليهم هل يكون نسخا لما دل الجمع عليه من ائتمام المفترض بالمتنفل؟ قال القاضي في مسألة «نسخ الأصل نسخ لفرعه» : احتج المخالف بأنه لو نسخ ذلك لكان نسخا بالقياس على موضع النص، وهذا لا يجوز بالإجماع. فقال: والجواب: أنه ليس بنسخ بالقياس، وإنما زال الموجب فزال ما تعلق به، كما إذا زالت العلة زال الحكم المتعلق بها. قال: وإنما النسخ بالقياس أن ينسخ حكم الفرع بعد استقراره بالقياس على أصل شرع بعد استقراره، وهذا لا يجوز بالإجماع. فأما إزالته بنسخ أصله فليس بنسخ بالقياس.
قال شيخنا: قلت: بل هو في المعنى نسخ بالقياس كما هو إثبات بالقياس؛ لأن الحكم الثابت في الأصل أثبت في الفرع قياسا، ثم إذا ثبت التحريم في الأصل ثبت في الفرع قياسا، إلا أن يقول القاضي: أنا أزيل حكم الأصل عن الفرع ولا أثبت ضده فلا يمشي هذا، لأن الفرع كان قد ثبت فيه حكم الأصل فلا بد من مزيل إما خطاب وإما حكم، والخطاب لم يتناوله فثبت أنه نسخ لحكم الأصل، وهذا جائز ولهذا قال لما ذكر المسألة مفردة: وأما القياس فلا ينسخ لأنه مستنبط من أصل فلا يصح نسخه مع بقاء الأصل المستنبط منه، والأصل باق فكان القياس باقيا ببقائه، وإذا لم يصح نسخه لم ينسخ به أيضا، لأنه إنما يصح ما لم يعارضه أصل، فإن عارضه أصل سقط في نفسه فبطل أن ينسخ الأصل به.
стр. 249
قال شيخنا: قلت: ولم يتعرض لنسخه مع أصله بفرع الأصل الناسخ لأصله، وهي المسألة المتقدمة (١) .
[هل يجوز نسخ القياس في عصر النبوة ؟]
وقال ابن عقيل في أواخر كتابه: يجوز نسخ القياس في عصر النبي ﷺ لأن طريق النسخ حاصل، وهو الوحي، فإذا قال: حرمت المفاضلة في البرِّ لأنه مطعوم كان ذلك نصا منه على الحكم وعلى علته. وقد اختلف الناس: هل نصه على العلة إذن منه في القياس أم لا؟ على مذهبين. فإن كان هذا إذنا أو أذن في القياس نصا فقاسوا الأرز على البر، فعاد وقال بعد ذلك بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا، فقال قوم: يكون تخصيصا للعلة بالطعم في البر خاصة.
قال شيخنا: قلت: هو أشبه بكلام أحمد، وكلامه في مسألة الاستحسان يدل عليه.
وقال قوم: يكون نسخا للقياس. والذي لا خلاف فيه أن يصرح فيقول: لا تقيسوا الأرز على البر في تحريم التفاضل فهذا غير ممتنع؛ بل الممتنع نسخ قياس استنباطه بعد وفاته ﷺ فإنه لا وحي ينزل بعد عصره، فإن عثر على نص يخالف حكم القياس كان القياس باطلا (٢)(٣) .
[نسخ القياس والنسخ به وصور ذلك]
مسألة: نسخ القياس والنسخ به مسألة عظيمة. والحنفية وغيرهم يقعون فيها كثيرا فإنهم يعارضون بين قياس أحد النصين والنص الآخر، ويجعلونه ناسخا أو منسوخا، وأحمد يخالفهم في ذلك. والنكتة أنه: هل يجوز أن يكون بين الفرع والأصل فرق يصح معه الفرق في الحكم؟ فإن لم يصح فرق وإلا ثبت النسخ إلا أن يقال بالتعبد.
стр. 250
قال شيخنا: قلت: متى كان أصل القياس متقدما في الثبوت على النص المخالف له أمكن أن يكون نسخا (١)(٢) .
مسألة: قال أبو الخطاب في نسخ [ما ثبت] بالقياس إن كان ثبوته بعلة منصوص عليها أو منبه عليها: مثل أن ينص على تحريم البر لعلة الكيل ويتعبد بالقياس عليه، ثم ينص بعده على إباحته في الأرز ويمنع من قياس البر عليه كان نسخا. فأما ما ثبت بقياس مستنبط فلا يصح نسخه، ومتى وجدنا نصا بخلافه، وجب المصير إليه وتبينا به فساد القياس. هذا معنى كلامه. وعندي في تقييده أولا نظر.
وقال المقدسي: ما يثبت بالقياس إن كان منصوصا على علته فهو كالنص ينسخ وينسخ به، وإن لم يكن منصوصا على علته لم ينسخ ولم ينسخ به.
وشذت طائفة فأجازته. والذي ذكره القاضي أن القياس لا ينسخ ولا ينسخ به.
وقال الجويني: إذا ورد نص واستنبط منه قياس ثم نسخ النص تبعه القياس المستنبط. وقال أبو حنيفة: لا يبطل القياس. ثم قال الجويني: وعندي أن المعنى المستنبط من الأصل إذا نسخ بقي معنى الأصل له، فإن صح الاستدلال نظرنا فيه، وإن لم يصح أبطلناه.
قال شيخنا: مسألة النسخ بالقياس لها صور:
إحداها: أن ينسخ حكم الأصل فيتبعه الفرع أولا، أو يفصل بين العلة المنصوصة وغيرها.
الثانية: أن يكون حكم الأصل ثابتا ويجيء نص في الفرع يخالف موجب القياس: فهل يكون ذلك نسخًا لذلك الحكم الثابت بالقياس؟
стр. 251
طريقة القاضي أن هذا لا يقع؛ لأنه يقول: ما دام حكم الأصل باقيا وجب بقاء حكم الفرع ولا يزول الفرع إلا بزوال أصله. وقال غيره: بل وجود النص يبين أن القياس فاسد؛ لأن جواز استعماله موقوف على فقد النص، فتكون العلة مخصوصة. وقال أبو الخطاب وغيره: إن كانت علة الأصل منصوصة كان نسخا.
الثالثة: أن يرد نص، ثم يجيء بعده نص حكم فرعه يخالف الأول: فهل ينسخ الأول بهذا القياس؟ قال القاضي وابن عقيل وغيرهما: لا ينسخ به؛ بل يكون فاسدا، وفي ضمن تعليله النص على العلة المنصوصة. وقيل: ينسخ بالقياس المنصوص على علته. فالخلاف في العلة المنصوصة: عند القاضي وابن عقيل لا ينسخ ولا ينسخ به. وعند أبي الخطاب: ينسخ ولا ينسخ به. وهل يشترط في النسخ به أن يمنع من القياس على الناسخ؟ عند أبي الخطاب يشترط وعند صاحب المغني ينسخ وينسخ به.
قال شيخنا: هذا الذي فهمته من النقل فليراجع. وتعليل القاضي وغيره في مسألة نسخ المفهوم وغيرها يقتضي إجراءه مجرى المنصوص على علته، كما قال صاحب المغني.
وتحقيق الأمر في نسخ القياس: إنه إن استقر حكم ثم جاء بعده نص يعارضه كان نسخا للقياس فقط، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة. وإن لم يستقر حكمها كان مجيء النص دليلا على فساد القياس. وهكذا القول في نسخ العموم والمفهوم وكل دليل ظني بقطعي أو بظني أرجح منه؛ فإنه عند التعارض إما أن يرفع الحكم أو دلالة الدليل عليه. فالأول هو النسخ الخاص. والثاني من باب فوات الشرط أو وجود المانع. ونسخ القياس المنصوص على علته يبني على تخصيص العلة: إن جوزنا تخصيصها فهي كنسخ اللفظ العام، فيكون نسخ الفرع
стр. 252
تخصيصا، وإن لم نجوز تخصيصها فهو نسخ. والذي ذكره أصحابنا والشافعية والمالكية عن الحنفية أنهم احتجوا بحديث الوضوء بالنبيذ، فقيل لهم: ذلك كان نيئا وعندكم لا يجوز الوضوء بالنَّيِّئ. فقالوا: إذا ثبت الوضوء بالنَّيِّئ في ذلك الوقت ثبت الوضوء بالمطبوخ، لأن أحدا لا يفرق بينهما في ذلك الوقت، ثم نسخ النيئ وبقي المطبوخ. فقال أصحابنا وموافقوهم: إذا كان ثبوته بثبوته كان زواله بزواله.
قال شيخنا: قلت: الذي ذكره الحنفية جيد، لو فرض أنه لم يحرم من الأنبذة إلا النيئ، وذلك أنه على هذا التقرير جاز التوضؤ بهما إذ ذاك ثم صار الأصل حراما دون الفرع، فالمعنى الناسخ اختص به الأصل دون الفرع، وكذلك قولهم في مسألة التبييت في صوم عاشوراء، فإنه إذا ثبت أن صوما واجبا يجزئ بغير تبييت كان حكم سائر الصوم الواجب كذلك ثم نسخ الحكم في الأصل وإنما هو لزوال وجوبه.
والتحقيق أن هذا ليس من باب نسخ الحكم في الأصل وإنما هو من باب نسخ الأصل نفسه؛ فإن الشارع تارة ينسخ الحكم مع بقاء الأصل فهنا لا يقع ريب أن الفرع يتبعه. وتارة يرفع الأصل فلا يلزم رفع الحكم بتقدير وجود الأصل.
والمسألة محتملة، إذ لقائل أن يقول: لو بقي الأصل فقد كان يبقى حكمه وقد لا يبقى. ومن هذا الباب حديث معاذا إذا قيل: إن النبي ﷺ نهاه عن الإمامة بهم (١) .
[شيخنا] : فصل
بيان الغاية المجهولة مثل التي في قوله: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [١٥/٤] نسخ عند القاضي وغيره، وقال: الناسخ قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [٢/٢٤] ، قال: لأن هذه الغاية مشروطة في
стр. 253
[بيان الغاية المجهولة نسخ]
حكم مطلق؛ لأن غاية كل حكم إلى موت المكلف أو إلى النسخ، وكذلك ذكر في نسخ الأخف بالأثقل: إن حد الزنا في أول الإسلام كان الحبس، ثم نسخ وجعل حد البكر الجلد والتغريب، والثيب الجلد والرجم. وكذلك قال القاضي: لما احتج اليهود بما حكوه عن موسى أنه قال: شريعتي مؤبدة ما دامت السموات والأرض. فأجاب بالتكذيب. وبجواب آخر وهو أنه لو ثبت لكان معناه إلا أن يدعو صادق إلى تركها، وهو من ظهرت المعجزة على يده وثبتت نبوته بمثل ما ثبتت به نبوة موسى؛ والخبر يجوز تخصيصه كما يجوز تخصيص الأمر والنهي.
[وشريعتنا ناسخة للشرائع قبلها]
قال شيخنا ﵁: قلت: وعلى هذا يستقيم أن شريعتنا ناسخة، وهذا قول أبي الحسن وغيره. ثم ذكر القاضي [في مسألة نسخ القرآن بالسنة] أن الحبس من الآية لم ينسخ؛ لأن النسخ أن يرد لفظ عام يتوهم دوامه ثم يرد ما يرفع بعضه. والآية لم ترد بالحبس على التأبيد، وإنما ورد به إلى غاية هو أن يجعل الله لهن سبيلا، فأثبت الغاية، فوجب الحد بعد الآية بالخبر. ذكر ذلك في جواب من زعم أن بعض القرآن نسخ بالسنة كآية الوصية بقوله: «لا وصية لوارث» وآية حد الزنا من الحبس والأذى بقوله: «خذوا عني» ، وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [١٩١/٢] بقتل ابن خطل. فقال القاضي: الوصية منسوخة بآية المواريث. وأجاب عن حد الزنا بما تقدم ذكره. قال: وقد قيل: إنه في البكر منسوخ بقول: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [٢/٢٤] وفي الثيب بآية الرجم التي نسخ رسمها وبقي حكمها، وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [١٩١/٢] منسوخ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [٥/٩] (١) .
стр. 254
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا نسخ النطق فهل ينسخ المفهوم والعلة ؟]
إذا نسخ النطق فقال أبو محمد: ينسخ أيضا ما ثبت بعلة النص أو بمفهومه أو بدليله خلافا لبعض الحنفية.
قال شيخنا: قلت: قد خالفه ابن عقيل وغيره في انتساخ المفهوم الذي هو الفحوى، وكذلك خالفه الجد في العلة المنصوصة. وأما دليل الخطاب فهو كمفهوم الموافقة وأولى. ففي هذه المسائل وجهان. وجماع هذا: أن معقول الأصل الذي هو القياس والتنبيه والدليل إما أن تنسخ مفردة، أو تنسخ مع أصلها. وعلى التقديرين فالناسخ لها إما نص أو هي، فيجيء اثنا عشر قسما أو أربعة وعشرون (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[والحكم المبتدأ أيضا]
كلام القاضي يقتضي أن هذا لا يختص بمسألة النسخ؛ بل يشمل الحكم المبتدأ؛ فإنه قال: إذا كان الناسخ مع جبريل ولم يصل إلى النبي ﷺ فإنه ليس بنسخ، وإن وصل إلى النبي ﷺ فهل يكون نسخا؟ ظاهر كلام أصحابنا أنه ليس بنسخ إلا عمن بلغه ذلك وعلم، لأنه أخذ بقصة أهل قباء، واحتج بها على إثبات خبر الواحد في رواية أبي الحارث والفضل بن زياد. ثم قال في الدليل: ولأن الخطاب لا يتوجه إلى من لا علم له به. كما لا يخاطب النائم والمجنون لعدم علمهما وتمييزهما، ولأنه لا خلاف أنه مأمور بالأمر الأول، ومتى تركه مع جهله بالناسخ كان عاصيا، فدل على أن الخطاب باق عليه. قال: واحتج المخالف بأنه لا يمتنع أن يسقط حكم الخطاب بما لم يعلم كالموكل إذا عزل وكيله وانعزل قبل العلم فلا يصح بيعه. فأجاب بأن في تلك المسألة روايتين إحداهما: لا ينعزل ويحكم بصحة بيعه، وكذلك لو مات الموكل فباع
стр. 255
صح بيعه وعلى هذا قال أصحابنا: إذا حلف على زوجته فقال: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، فأذن لها وهي لا تعلم وخرجت وقع الطلاق ولم يكن لذلك الإذن حكم. وفيه رواية أخرى: ينعزل الوكيل وإن لم يعلم. فعلى هذا الفرق بينهما أن أوامر الله ونواهيه مقرونة بالثواب والعقاب فاعتبر فيها العلم بالمأمور به والمنهي عنه وليس كذلك الإذن في التصرف والرجوع فيه؛ فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب. وقد ذكرت هذه المسألة في موضع آخر، وبينت أن فيها ثلاثة أقوال لنا (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
يتعلق بمسألة النسخ بالقياس
[قاعدة أحمد فيما إذا تعارض حديثان في قضيتين ..]
قاعدة أحمد التي ذكرها في كلامه [ودلت عليها تصرفاته] : أنه إذا تعارض حديثان في قضيتين متشابهتين داخلتين تحت جنس واحد لم يدفع أحد النصين بقياس النص الآخر؛ بل يستعمل كل واحد من النصين في موضعه، ويجعل النوعين حكمين مختلفين، والمسكوت عنه يلحقه بأحدهما، مثل ما عمل في السجود قبل السلام وبعده، ومثل ما عمل في صلاة الفذ خلف رجلا كان أو امرأة، ومثل ما عمل فيمن باع عبدا وله مال مع حديث القلادة الخيبرية، وفي مسألة مد عجوة، ومثل ما عمل في حديث هند: «خذي ما يكفيك وولدك» مع قوله: «أد الأمانة إلى من ائتمنك» وهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يظهر بين النوعين المنصوصين فرق، فهذا ظاهر.
والثاني: أن يعلم انتفاء الفرق، فهذا ظاهر أيضا. وأحمد وغيره يقولون بالتعارض، مثل أن يكون أحد النصين في حق زيد والآخر في حق عمرو، ونحو ذلك.
стр. 256
والثالث: أن تكون التسوية ممكنة، والفرق ممكنا، فهنا هو مضطرب الفقهاء، فمن غلب على رأيه التسوية قال بالتعارض والنسخ، مثلا، ومن جوز أن يكون هناك فرق لم يقدم على رفع أحد النصين بقياس النص الآخر، وقد يعم كلام أحمد هذا القسم فينظر ويقول: هذا من جنس خبر الواحد المخالف لقياس الأصول. وأهل الرأي كثيرا ما يعارضون النصوص الخاصة بقياس نصوص أخرى، أو بعمومها، وفي كلام أحمد إنكار على من يفعل ذلك (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في النسخ بالعموم والقياس
[النسخ بالعموم والقياس]
الحنفية يقولون بهذا كثيرا، وأصحابنا والشافعية وغيرهم يدفعونه كثيرا. والحاجة إلى معرفته ماسة، فإنه كثيرا ما وقعت أحكام الأفعال في وقت لم يكن نظائر تلك الأفعال محرمة ثم حرمت تلك الأفعال بلفظ يخصها أو بلفظ يعمها والفعل الآخر. فالواجب فيه أن ينظر، فإن كان ذلك العموم مما قد عرف دخول تلك الصورة فيه كان نسخا (٢) ، وكذلك إذا لم يكن بين الصورتين فرق، وهذا مثل ما نقل عن النبي ﷺ : «أنه كان يعامل المشركين والمنافقين من العفو والصفح قبل نزول براءة» وكانت المساجد ينتابها المشركون قبل نزول براءة وكان المسلمون يلون أقاربهم المشركين في الغسل وغيره، كولاية علي أباه، قبل أن يقطع الله الموالاة بينهم.
وبالجملة: متى كان الحكم الأول قد عرفت علته وزالت بمجيء النص الناسخ أو كان معنى النص الناسخ متناولا لتلك الصورة فلا ريب
стр. 257
في ناسخ. وتختلف بعض آراء المجتهدين في بعض هذه التفاصيل وهذه القاعدة يحتاج إليها في الفقه كثيرا (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[النسخ بالتعليل نسخ للشريعة وما له إلى الانحلال ... ]
ما حكم به الشارع مطلقا أو في أعيان: فهل يجوز تعليله بعلة مختصة بذلك الوقت بحيث يزول ذلك الحكم زوالا مطلقا قد ذهب الحنفية والمالكية إلى جواز ذلك، ذكروه في مسألة التحليل، وذكره المالكية في حكمه بتضعيف الغرم على سارق الثمر المعلق والضالة المكتومة ومانع الزكاة وتحريق متاع الغال، وهو يشبه قول من يقول: إن حكم المؤلفة قد انقطع.
قال شيخنا: وهذا عندي اصطلام للدين ونسخ للشريعة بالرأي، ومآله إلى انحلال من بعد الرسول عن شرعه بالرأي؛ فإنه لا معنى للنسخ إلا اختصاص كل زمان بشريعة، فإذا جوز هذا بالرأي نسخ بالرأي. وأما أصحابنا وأصحاب الشافعي فيمنعون ذلك، ولا يرفعون الحكم المشروع بخطاب إلا بخطاب. ثم منهم من يقول: قد تزول العلة ويبقى الحكم كالرمل والاضطباع. ومنهم من يقول: النطق حكم مطلق وإن كان سببه خاصا، فقد ثبتت العلة بها مطلقا. وهذان جوابان لا يحتاج إليهما، واستمساك الصحابة بنهيه عن الادخار في العام القابل يبطل هذه الطريقة. وهذا أصل عظيم.
وهذا أقسام؛ أحدها: أن يكون الحكم ثبت بخطاب مطلق.
الثاني: أن يثبت في أعيان. الثالث: أن لا يكون خطابا وإنما يكون فعلا أو إقرارا وينبغي أن يذكر هذا في مسألة النسخ بالقياس، ويسمى النسخ بالتعليل؛ فإنه تعليل للحكم بعلة توجب رفعه وتسقط حكم الخطاب (٢) .
стр. 258
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وإذا عادت العلة، والعكس]
فإن كان الحكم مطلقا فهل يجوز تعليله بعلة قد زالت لكن إذا عادت يعود؟ فهذا أحق من الأول، وفيه نظر. وعكسه أن ينسخ الحكم بخطاب فيعلل الناسخ بعلة مختصة بذلك الزمان بحيث إذا زالت العلة زالت النسخ. والفقهاء يقعون في هذا كثيرا، وهو أيضا خطاب مطلق أو معين أو فعل أو إقرار. فأما الفعل والإقرار فيقع هذا فيه كثيرا؛ إذ لا عموم له وكذلك يقع في القضية التي في عين كثيرا، لكن وقوعه في الخطاب العام فيه نظر (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قال ابن عقيل: قال حنبلي: والنسخ لا يحصل تأريخه بالدليل العقلي، ولا مجال للعقل في علم التقديم والتأخير، ولا يحصل إلا من طريق الخبر (٢) .
[إذا قال الصحابي: هذه الآية منسوخة]
مسألة: إذا قال الصحابي: هذه الآية منسوخة فإنا لا نصير إلى قوله حتى يخبر بماذا نسخت. قال القاضي: أومأ إليه أحمد. وبه قالت الحنفية والشافعية. وفيه رواية أخرى: يقبل قوله ذكرها ابن عقيل وغيره. وهكذا كان القاضي قد قال أولا. وعندي أنه إن كان هناك نص آخر يخالفها فإنه يقبل قوله في ذلك؛ لأن الظاهر أن ذلك النص هو النسخ، ويكون حاصل قول الصحابي الإعلام بالتقدم والتأخر، وقوله يقبل في ذلك.
والد شيخنا: وذكر أبو الخطاب أنه يقبل في الخبر، ولم يفصل كالرواية التي حكاها ابن عقيل، ولم يذكر لنا خلافا.
стр. 259
شيخنا: وذكر الباجي في هذه المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا يقبل بحال حتى يبين الناسخ ليعلم أنه ناسخ، لأن هذا كفتياه، وهو قول ابن الباقلاني والسمناني، واختاره الباجي. والثاني: أنه إن ذكر الناسخ لم يقع به نسخ، وإن لم يذكره وقع. والثالث: يقع به نسخ بكل حال (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا قال الصحابي هذا الخبر منسوخ]
قال القاضي: فأما خبر الواحد إذا أخبر به صحابي وزعم أنه منسوخ فإنه على قول من يجوز للراوي نقل معنى الأخبار يجب أن يثبت به النسخ؛ لأن ظاهر كلامه أنه معنى كلام رسول الله ﷺ في النسخ؛ لامتناع أن يحمل قوله على غير حقيقته. وأما على قول من يعتبر اللفظ فلا ينسخ به؛ لجواز أن يكون ما سمعه ظن أنه ناسخ، ولو أظهره لم يكن ناسخا عندنا (٢) .
[وإذا قال الراوي كان كذا ونسخ]
مسألة: إذا قال الراوي: كان كذا ونسخ، فقال ابن برهان: قبل قوله في الإثبات دون النسخ عندنا. وقال أصحاب أبي حنيفة: قبل قوله في النسخ.
قال شيخنا: ويجب الفرق بين أن يقول: «كان كذا، ونسخ» وبين أن يقول لخبر معلوم بنقل غيره «هذا منسوخ» فإن هذا بمنزلة قوله عن الآية «هي منسوخة» (٣) .
стр. 260
الأصل الثاني السنة
مسألة: التأسي بأفعال النبي ﷺ لا يقتضيه العقل، لم يذكر ابن برهان فيه خلافا.
[التأسي بأفعال النبي هل يقتضيه العقل ويوجبه]
[والد شيخنا] : وذكره القاضي في الكفاية والعدة، وذكره الحلواني، وقال: خلافا لبعض الناس في قولهم: وجوبها بالعقل.
شيخنا: وكذلك حكى ابن عقيل عن بعض الأصوليين ورد عليه (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وأفعاله هل لها دليل وهل يفعل المكروه ... ]
قال القاضي: أفعال النبي ﷺ لها دليل، وأخذه من قول أحمد: لا يصلي على القبر بعد شهر، لحديث أم سعد، ووافقه ابن عقيل في الأخذ وخالفه في الحكم. والصحيح ضعف الأخذ والحكم.
وقال ابن عقيل: ذكر أصحابنا عن أحمد أنه جعل للفعل دليلا، وأخذه من مسألة الصلاة على القبر، وأحال هو ذلك، وجوز أن يكون المستند استصحاب الحال، وبسط القول، وسلم الدلالة إذ أكثر الفعل، وأكثر الكلام (٢) .
стр. 261
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وإذا ثبت أن أفعاله على الوجوب فإن وجوبها من جهة السمع، خلافا لمن قال: تجب بالعقل. هذا كلام القاضي، وهذا أخص من التأسي (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قال القاضي: النبي ﷺ لا يفعل المكروه ليبين الجواز، لأنه يحصل فيه التأسي، لأن الفعل يدل على الجواز، فإذا فعله استدل به على جوازه، وانتفت الكراهية، وذكر عن الحنفية أنهم يحملون توضؤه بسؤر الهر على بيان الجواز مع الكراهية (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[السهو في البلاغ ولا يقر عليه]
يجوز النسيان على رسوله الله ﷺ في أحكام الشرع عند جمهور العلماء، كما في حديث ذي اليدين وغيره، وكما دل عليه القرآن واتفقوا على أنه لا يقر عليه، بل يعلمه الله به. ثم قال الأكثرون: شرطه تنبيهه ﷺ (٣) على الفور متصلا بالحادثة، ولا يقع فيه تأخير. وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته، واختاره أبو المعالي. ومنعت طائفة السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات، كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه في الأقوال البلاغية، وإليه مال أبو إسحاق الإسفرائيني. قال القاضي عياض: واختلفوا في جواز السهو عليه ﷺ فيما لا يتعلق بالبلاغ وبيان الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه، فجوزه الجمهور. وأما السهو في الأقوال البلاغية فأجمعوا على منعه، كما أجمعوا على امتناع تعمده. وأما السهو في الأقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق
стр. 262
بالأحكام ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها ولا يضاف إلى وحي فجوزه قوم، قال عياض: والحق ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء في كل خبر من الأخبار، كما لا يجوز عليه خلف في خبر، لا تعمدا ولا سهوا، لا في صحة ولا في مرض، ولا رضا ولا غضب. وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع.
قال شيخنا: سيأتي ما يتعلق بهذه في مسألة اجتهاده ﷺ . ودعوى الإجماع في الأقوال البلاغية لا يصح، وإنما المجمع عليه عدم الإقرار فقط. وقوله: «لم أنس ولم تقصر» ، وقوله في حديث اليهودية: «إنما تفتن يهود» ثم بعد أيام أوحي إليه أنه يفتنون (١) يدل على عدم ما رجحه عياض (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[دلالة أفعاله في صفات العبادات ... على الأفضلية وفي العادات.. على الاستحباب]
في دلالة أفعال الرسول ﷺ على الأفضلية.
وهي مسألة كثيرة المنفعة، وذلك في صفات العبادات، وفي مقاديرها، وفي العادات، وكذلك دلالة تقريره، وهي حال أصحابه على عهده، وترك فعله وفعلهم، وكذلك في الأخلاق والأحوال (٣) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في دلالة أفعاله العادية على الاستحباب أصلا وصفة: كالطعام، والشراب، واللباس، والركوب، والمراكب، والملابس، والنكاح، والسكنى، والمسكن، والنوم، والفراش، والمشي، والكلام.
واعلم أن مسألة الأفعال لها ثلاثة أصول:
стр. 263
[الأفعال لها ثلاثة أحوال]
أحدها: أن حكم أمته كحكمه في الوجوب والتحريم وتوابعهما إلا أن يدل دليل يخالف ذلك، وهذا لا يختص بالأفعال، بل يدخل فيه ما عرف حكمه في حقه بخطاب من الله أو من جهته؛ ولهذا ذكرت هذه في الأوامر أعني «مسألة الخطاب» وقد ذكر عن التميمي وأبي الخطاب التوقف في ذلك، وأخذا من كلام أحمد ما يشبه رواية، والصواب عنه العكس. وعلى هذا فالفعل إذا كان تفسيرا لمجمل شملنا وإياه، أو امتثالا لأمر شملنا وإياه لم يحتج إلى هذا الأصل، وقد يكون هذا من طريق الأولى: بأن يعلم سبب التحريم في حقه وهو في حقنا أشد، وسبب الإباحة أو الوجوب.
الأصل الثاني: أن نفس فعله يدل على حكمه ﷺ : إما حكم معين، أو حكم مطلق، وأدنى الدرجات الإباحة. وعلى تعليل التميمي لتجويز الصغائر يتوقف في دلالته في حقه على حكمه. وقد اختلف أصحابنا في مذهب أحمد: هل يؤخذ من فعله؟ على وجهين. ومثل هذا تعليله بتجويز النسيان والسهو؛ لكن هذا مأخذ رديء، فإنه لا يقر على ذلك. والكلام في فعل لم يظهر عليه عتاب. فمتى ثبت أن الفعل يدل على حكم كذا وثبت أنا مساوون له في الحكم ثبت الحكم في حقنا.
الأصل الثالث: أن الفعل هل يقتضي حكما في حقنا من الوجوب مثلا وإن لم يكن واجبا عليه، كما يجب على المأموم متابعة الإمام فيما لا يجب على المأموم، وعلى الجيش متابعة الإمام فيما لا يجب على الإمام، وعلى الحجيج موافقة الإمام في المقام بالمعرف إلى إفاضة الإمام؟ هذا ممكن أيضا؛ بل من الممكن أن يكون سبب الوجوب في حقه معدوما في حقنا ويجب علينا لأجل المتابعة ونحوها، كما يجب علينا الرمل والاضطباع مع عدم السبب الموجب له في حق الأولين، أو سبب الاستحباب منتفيا في حقنا وقد نبه القرآن على هذا بقوله: ﴿مَا
стр. 264
كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [١٢٠/٩] فصار واجبا عليهم لموافقته ولو لم يكن قد تعين الغزو في ذلك الوقت إلى ذلك الوجه. وهذا الذي ذكرناه في المتابعة قد يقال في كل فعل صدر منه اتفاقا لا قصدا، كما كان ابن عمر يفعل في المشي في طريق مكة، وكما في تفضيل إخراج التمر. وهذا في الاقتداء نظير الامتثال في الأمر. فالفائدة قد تكون في نفس تهدينا بهديه وبأمره وفي نفس الفعل المفعول المأمور به والمقتدى به فيه، فهذا أحرى في الاقتداء ينبغي أن يتفطن له فإنه لطيف، وطريق أحمد تقتضيه. وهذا في الطرف الآخر من المنافاة لقول من قال: إن المأمور به قد يرتفع لارتفاع علته من غير نسخ؛ فإن أحمد تسرى لأجل المتابعة، واختفى ثلاثا لأجل المتابعة، وقال: وما بلغني حديث إلا عملت به، حتى أعطى الحجام دينارا، وكان يتحرى الموافقة لجميع الأفعال النبوية (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
احتج القائل بأن فعله لا يدل على وجوبه علينا بأن المتبوع أوكد حالا من المتبع فإذا كان ظاهر فعله لا ينبئ عن جوبه عليه فلأن لا يدل على وجوبه علينا أولى. فقال القاضي: هذا يبطل على أصل المخالف بالأمر، فإنهم يجعلونه دالا على الوجوب في حق غيره ولا يدل على وجوبه عليه لأن الآمر لا يدخل تحت الأمر عندهم. قال: وعلى أنا نقول: إن ظاهر أفعاله تدل على الوجوب في حقه كما يدل على ذلك في حق غيره، كما قلنا في أوامره: هي لازمة له وهو داخل تحتها كالمأمور سواء ولا فرق بينهما، وهذا قياس المذهب (٢) .
стр. 265
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وليس تركه موجبا علينا ترك ما تركه، استدل به المخالف، وسلمه القاضي له من غير خلاف ذكره ونقضه بالأمر فإن ترك الأمر لا يوجب ترك ما ترك الأمر به وأمره يوجب امتثال ما أمر به (١) .
قال شيخنا: قال ابن بطة فيما كتب به إلى ابن شاقلا في جوابات مسائل، وقال: والدليل على أن سنته وأوامره قد كان فيها بغير وحي وأنها كانت بآرائه واختياره أنه قد عوتب على بعضها ولو أمر بها لما عوتب عليها، من ذلك حكمه في أسارى بدر، وأخذه الفدية، وإذنه في غزوة تبوك للمتخلفين بالعذر حتى تخلف من لا عذر له، ومنه قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [١٥٩/٣] فلو كان وحيا لم يشاور فيه. قال القاضي: وقد أومأ أحمد إلى صحة ما قاله أبو عبد الله بن بطة في رواية الميموني لما قيل له: ههنا قوم يقولون: ما كان في القرآن أخذنا به. قال: ففي القرآن تحريم لحوم الحمر الأهلية؟ والنبي ﷺ يقول: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» ، وما علمهم بما أوتي.
وأما أبو حفص العكبري فإنه ذكر في باب التسعير قوله: «لا يسألني الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرني الله بها» قال: هذا يدل على أن كل سنة سنها رسول الله ﷺ لأمته فبأمر الله وبهذا نطق القرآن (٢) .
فصل
واختلف القائلون بجواز الحكم له بالاجتهاد في تطرق الخطأ عليه فيه، فقال أصحابنا وذكره أبو الخطاب في مسألة تصويب المجتهدين وأكثر الشافعية، وأهل الحديث: يجوز ذلك، لكن لا يقر عليه، وسلم ابن عقيل
стр. 266
وغيره امتناع الخطأ فيما أخبر به عن الله وفيما أجمعت الأمة عليه.
قال شيخنا: قلت: هذا في الأمة مبني على مسألة انقراض العصر. وأما في التبليغ ففي جواز ما لا يقر عليه من ذلك خلاف معروف سببه حديث السهو (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تصفيق قول القاضي]
قال المخالف: اتفاق الصدق في المستقبل لا يقع منا، كذلك اتفاق الصواب. فقال القاضي: غير ممتنع أن يقع في الأمرين معا كما تتفق أمور كثيرة على طريقة واحدة كما يقع في العلوم، وقال: يجوز أن يبعث الله رسولا ويجعل له أن يشرع الشريعة كلها فيما يمكن الوصول إليه من طريق الفكر والرأي إذا علم الله أن المصلحة فيه، كما يجوز أن يبيح له أكل ما شاء إذا علم أنه لا يختار أكل الحرام، وجوز بالنوعين ما يحكم فيه باجتهاد واستدلال وما يقوله إذا خطر بباله من غير اجتهاد إذا علم الله أنه يصيب ما هو المراد عند الله؛ لأن التعبد قد ورد بمثله في العامي أنه يخير في تقليد من شاء من العلماء ويكون ذلك حكم الله عليه من غير أن يرجع إلى أصل يستدل به، واحتج بما حرم إسرائيل على نفسه، واحتج بالمخير والمطلق، وهو ضعيف (٢) .
مما يوجب اتباع القرآن والرسول في سنته وأمره وفعله (٣) :
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [٣٨/٢] .
كتاب الأخبار
قال القاضي: للخبر صيغة تدل بمجردها على كونه خبرا كالأمر ولا يفتقر إلى قرينة يكون بها خبرا.
وقالت المعتزلة: لا صيغة له، وإنما يدل اللفظ عليه بقرينة وهو قصد المخبر إلى الإخبار به، كقولهم في الأمر وقالت الأشعرية: الخبر نوع من الكلام، وهو معنى قائم في النفس يعبر عنه بعبارة تدل تلك العبارة على الخبر لا بنفسها كما قالوا في الأمر والنهي.
قال شيخنا: وفي قوله: «للخبر صيغة» مناقشة لابن عقيل حيث يقول: للأمر والنهي والعموم صيغة (١) . وقول القاضي أجود؛ لأن الأمر والخبر والعموم هو اللفظ والمعنى جميعا، ليس هذا اللفظ فقط؛ فتقدير: لهذا المركب خبر يدل بنفسه على المركب، بخلاف ما إذا قيل: الأمر هو الصيغة فقط فإن الدليل يبقى هو المدلول عليه. ومن قال: هو المدلول أيضا لم يصب. ومن الناس من لا يحكي إلا القولين المتطرفين دون الوسط (٢) .
مسألة: اختلف الناس في الكذب: هل قبحه لنفسه أو بحسب المكان؟ فقال الأكثرون منهم ابن عقيل: قبحه بحسب مكانه، ولهذا
стр. 277
حسن عند العلماء حيث أجازه الشرع [وذهبت شرذمة إلى أن قبحه لنفسه، وعند هؤلاء هو قبيح حيث أجازه الشرع أيضا] قالوا: لكنه دفع به ما هو أقبح منه. وبعد ابن عقيل هذا، وعلى المذهبين مهما أمكن جعل المعاريض مكانه حرم.
قال شيخنا: وهذا المسألة تبنى على القول بالقبح العقلي، فمن نفاه وقال: «لا حكم إلا لله» جعله بحسب موضعه ومن أثبته وجعل الأحكام لذوات المحل قبحه لذاته (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[هل خبر الأربعة يوجب العلم والعمل]
قال القاضي أبو يعلى متابعة لأبي الطيب وقاله قبلهما ابن الباقلاني متابعة للجبائي: يجب أن يكون أكثر من أربعة؛ لأن خبر الأربعة لو جاز أن يكون موجبا للعلم لوجب أن يكون خبر كل أربعة موجبا لذلك، ولو كان هكذا الوجب إذا شهد أربعة على رجل بالزنا أن يعلم الحاكم صدقهم ضرورة، ويكون ما ورد به الشرع من السؤال عن عدالتهم باطلاً.
قال شيخنا ﵁: قلت: وقد ألحق القاضي «لا يتأتى منهم التواطؤ على الكذب إما لكثرتهم، أو لدينهم وصلاحهم» وقال في مسألة خبر الواحد: لا يفيد العلم، لو كان موجبا للعلم لأوجبه على أي صفة وجد: من المسلم والكافر والعدل والفاسق والحر والعبد والصغير والكبير، كما أن الخبر المتواتر لما أوجب العلم لم يختلف باختلاف صفات المخبرين بل استوى في ذلك الكفار والمسلمون والصغار والكبار والعدول والفساق.
قال شيخنا: قلت: هذا الكلام -مع أنه ي غاية السقوط- مناقض
стр. 278
لقوله: إما لكثرتهم وإما لدينهم وصلاحهم. وهذا الثاني أصح. ثم إنه كما تقدم فرق في وجوب العمل أو في غلبة الظن بين مخبر ومخبر فكذلك في العلم، والعلم بتأثير الصفات ضروري، وجحوده عناد، وهذا الحق (١) يمنع أن يستوي الأربعة (٢) .
ثم هذا باطل من وجوه. أحدها: أن العشرة وأكثر منها لو شهدوا بالزنا لوجب عليه أن يسأل فلا اختصاص بالأربعة. الثاني: أنه لو علم أنه زنا اضطرارا بالمشاهدة لم يرجمه إلا بالثقات، فكذلك إذا أخبره من يعلم بصدقه اضطرار؛ لأن القاضي إنما يقضي بأمر مضبوط؛ نعم لو شهد بالأمر عدد يفيد خبرهم العلم لكل أحد فهذا فيه نظر، لكنه لا يكاد يقع، لإمكان التواطؤ. وأما الشاهد نفسه يجوز أن يستند إلى التواتر، وكذلك الحاكم فيما يحكم فيه بعلمه كعدالة الشهود وفسقهم، فمناط الشهادة علم الشاهد بأي طريق حصل. ومناط الحكم طريق ظاهرة مضبوطة -وإن لم تفد العلم- لأجل العدل بين الناس (٣) .
[شيخنا] ... ... ... فصل
[لا ترد الأخبار بالاستدلال]
قال ابن عقيل: المحققون من العلماء يمنعون رد الأخبار بالاستدلال ومثله برد خبر القهقهة استدلالاً بفضل الصحابة المانع من الضحك،
وكذلك لو شهدت بينة عادلة على معروف بالخير بإتلاف أو غصب لم ترد شهادتهم بالاستبعاد ومثله برد عائشة قول ابن عباس
في حديث الرؤية بقولها: لقد قف شعري. قال: فردت خبره بالاستدلال فلم يعول أهل التحقيق على ردها، ومثله أيضا بقوله: «لأزيدن على السبعين» حيث قيل له: هذا يفيد الصحة، فقال: هذا رد للأخبار
стр. 279
بالاستدلال ولا يجوز ذلك، لأن السند يأتي بالعجائب، وهي من أكثر الدلائل لإثبات الأحكام (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[بعمل بخبر الواحد بدون سؤاله]
قال أبو الخطاب: الحكم بخبر الواحد عن الرسول لمن يمكنه سؤاله (٢) مثل الحكم باجتهاده واختياره أنه لا يجوز. والذي ذكره بقية أصحابنا القاضي وابن عقيل جواز العمل بخبر الواحد لمن أمكنه سؤاله، أو أمكنه الرجوع إلى التواتر محتجين به في المسألة بمقتضى أنه إجماع. وهذا مثل قول بعض أصحابنا: إنه لا يعمل بقول المؤذن مع إمكان العلم بالوقت. وهذا القول خلاف مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين، وخلاف ما شهدت به النصوص، وذكر في مسألة منع التقليد أن المتمكن من العلم لا يجوز له العدول إلى الظن، وجعله محل وفاق، واحتج به في المسألة (٣) .
مسألة: خبر الواحد يوجب العمل وغلبة الظن دون القطع في قول الجمهور؛ وارتضى الجويني من العبارة أن يقال: لا يفيد العلم ولكن يجب العمل عنده؛ لا به؛ بل بالأدلة القطعية على وجوب العمل بمقتضاه؛ ثم قال: هذه مناقشة في اللفظ، ونقل عن أحمد ما يدل على أنه قد يفيد القطع إذا صح واختاره جماعة من أصحابنا.
قال والد شيخنا: ونصره القاضي في الكفاية.
قال شيخنا: وهو الذي ذكره ابن أبي موسى في الإرشاد، وتأول القاضي كلامه على أن القطع قد يحصل استدلالا بأمور انضمت إليه: من تلقي الأمة له بالقبول، أو دعوى المخبر عن النبي ﷺ أنه سمعه منه في
стр. 280
حضرته فيسكت ولا ينكر عليه، أو دعواه على جماعة حاضرين السماع معه فلا ينكرونه ونحو ذلك، وحصر ذلك بأقسام أربعة هو وأبو الطيب جميعا.
ومن أطلق القول بأنه يفيد العلم فسره بعضهم بأنه العلم الظاهر دون المقطوع به؛ وسلم القاضي العلم الظاهر. وقال النظام إبراهيم: خبر الواحد يجوز أن يفيد العلم الضروري إذا قارنه أمارة، وكذلك قال بعض أهل الحديث: منه ما يوجب العلم كرواية مالك عن نافع عن ابن عمر وما أشبهه وأثبت أبو إسحاق الإسفرائيني فيما ذكره الجويني قسما بين المتواتر والآحاد سماه «المستفيض» وزعم أنه يفيد العلم نظرا. والمتواتر يفيد العلم ضرورة، وأنكر عليه الجويني ذلك، وحكي عن الأستاذ أبي بكر: أن الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول محكوم بصدقه، وأنه في بعض مصنفاته.
وقال: إن اتفقوا على العمل به لم يحكم بصدقه لجواز العمل بالظاهر، وإن قبلوه قولا وقطعا حكم به. وقال ابن الباقلاني: لا يحكم بصدقه وإن تلقوه بالقبول قولا وقطعا؛ لأن تصحيح الأئمة للخبر يجري على حكم الظاهر، فقيل له: لو رفعوا هذا الظن وباحوا بالصدق ماذا تقول؟ فقال مجيبا: لا يتصور ذلك.
والد شيخنا: والقطع بصحة الخبر الذين تلقته الأمة بالقبول أو عملت بموجبه لأجله قول عامة الفقهاء من المالكية ذكره عبد الوهاب والحنفية فيما أظن والشافعية والحنبلة. واختلف هؤلاء في إجماعهم على العمل به: هل يدل على علمهم بصحته قبل العمل به؟ على قولين، أحدهما: يشترط. والثاني: لا يشترط. وعلى الأول لا يجوز انعقاد الإجماع عن خبر الواحد وإن عمل به الجمهور. وقال عيسى بن أبان: ذلك يدل على قيام الحجة به وصحته، وخالفه الأكثرون بناء على
стр. 281
الاعتداد بخلاف الواحد والاثنين، [وذكره أبو الحسن البستي من الحنفية في كتاب اللباب، فقال: وتقدم رواية الفقيه على القياس ولا يجوز ذلك لغير الفقيه؛ بل يقدم القياس على روايته] وفي كتاب اللامع لابن حاتم صاحب ابن الباقلاني، قال: قال عيسى بن أبان: إن كان راوي الخبر متيقظا ترك القياس لأجله؛ وإن لم يكن كذلك وجب الاجتهاد في الترجيح. ومن الناس من قال: القياس أولى بالمصير إليه، وإليه صار جماعة من أصحاب مالك. وأما الشافعي وأكثر أصحابه فيترك عندهم الخبر للقياس الجلي، ويترك الخفي للخبر، قال: وكل هذه الأقوال عندنا باطلة.
قال الأثرم في كتاب معاني الحديث: الذي يذهب إليه أحمد بن حنبل أنه إذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد برئ منها وبرئت منه، وقال: إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ بإسناد صحيح فيه حكم أو فرض عملت بالحكم والفرض ودنت الله تعالى به، ولا أشهد أن النبي ﷺ قال ذلك. قال شيخنا: نقلته من خط القاضي على ظهر المجلد الثاني من العدة، وذكر أنه نقله من كتاب بخط أبي حفص العكبري رواية أبي حفص عمر بن زيد (١) .
وقال أيضا: قال أحمد بن حنبل: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة ولم يصب منه فليأكل، وإن كان قد تناول وأقيمت الصلاة فليقوموا فليصلوا، وفيه أيضا في حديث ابن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة» . فقال أبو عبد الله: أدفع هذا الحديث بأنه قد روي عن ابن عباس خلافه من عشرة وجوه أنه كان يرى طلاق الثلاث ثلاثا.
قال شيخنا: قلت: أبو عبد الله يشهد للعشرة بالجنة والخبر فيه
стр. 282
[الشهادة والخبر واحد]
خبر واحد، وبنى ذلك على أن الشهادة والخبر واحد. ولفظ القاضي في العدة: خبر الواحد لا يوجب العلم الضروري، وقد رأيت في كتاب معاني الحديث للأثرم بخط أبي حفص العكبري، وساق الرواية كما تقدم، قال: فقد صرح القول بأنه لا يقطع به، ورأيت في كتاب الرسالة لأبي العباس أحمد بن جعفر الفارسي فقال: ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء نصدقه ونعلم أنه كما جاء ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة لصالح عمله ولا لخير أتاه إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء نصدقه على ما روي ولا ننص، قال القاضي: وقوله: «ولا ننص الشهادة» معناه عندي -والله أعلم- لا نقطع على ذلك.
قال شيخنا: قلت: لفظ «ننص» هو المشهور، ومعناه لا نشهد على المعين، وإلا فقد قال: نعلم أنه كما جاء، وهذا يقتضي أنه يفيد العلم. وأيضا فإن من أصله أن يشهد للعشرة بالجنة للخبر الوارد، وهو خبر واحد، وقال: أشهد وأعلم واحد. وهذا دليل على أنه يشهد بموجب خبر الواحد، وقد خالفه ابن المديني وغيره.
قال القاضي: وقد نقل أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: ههنا إنسان يقول: إن الخبر يوجب عملا ولا يوجب علما، فعابه، وقال: ما أدري ما هذا. وظاهر أنه سوى فيه بين العمل والعلم.
قال شيخنا: قلت: قد يكون من هذا قوله: ذو اليدين أخبر بخلاف نفسه ونحن ليس عندنا علم برده، وإنما هو علم يأتينا به.
قال القاضي: وقال في رواية حنبل في أحاديث الرؤية: نؤمن بها ونعلم أنها حق نقطع على العلم بها. قال: وذهب إلى ظاهر هذا الكلام جماعة من أصحابنا، وقالوا: خبر الواحد إن كان شرعيا أوجب العلم.
стр. 283
قال: وهذا عندي محمول على وجه صحيح من كلام أحمد، وأنه يوجب العلم من طريق الاستدلال، لا من جهة الضرورة، والاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه:
أحدها: أن تتلقاه الأمة بالقبول، فيدل ذلك على أنه حق، لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ ولأن قبول الأمة له يدل على أن الحجة قد قامت عندهم بصحته، لأن العادة أن خبر الواحد الذي لم تقم الحجة به لا تجتمع الأمة على قبوله، وإنما يقبله قوم ويرده قوم.
والثاني: خبر النبي ﷺ وهو واحد فنقطع بصدقه؛ لأن الدليل قد دل على عصمته وصدق لهجته.
الثالث: أن يخبر الواحد ويدعي على النبي ﷺ أنه سمعه منه فلا ينكره فيدل على أنه حق، لأن النبي ﷺ لا يقر على الكذب.
الرابع: أن يخبر الواحد ويدعي على عدد كثير أنهم سمعوه معه فلا ينكر منهم أحد، فيدل على أنه صدق، لأنه لو كان كذبا لم تتفق دواعيهم على السكوت عن تكذيبه، والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب؛ لأنه واقع عن نظر واستدلال، وقال إبراهيم النظام: خبر الواحد يجوز أن يوجب العلم الضروري إذا قارنته أمارة.
[لا تنحصر أخبار الآحاد الموجبة للعلم في أربعة أقسام]
قال شيخنا: قلت: حصره لأخبار الآحاد الموجبة للعلم في أربعة أقسام ليس بجامع؛ لأن مما يوجب العلم أيضا ما تلقاه الرسول ﷺ بالقبول كإخباره عن تميم الداري بما أخبر به، ومنه إخبار شخصين عن قضية يعلم أنهما لم يتواطآ عليها ويتعذر في العادة الاتفاق على الكذب فيها أو الخطأ، ومنه غير ذلك.
ثم أفرد ابن برهان فصلين في آخر كتاب الأخبار، أحدهما: فيما إذا أجمع الناس على العمل بخبر الواحد: هل يصير كالمتواتر؟ واختار أنه لا يصير. والثاني: إذا ادعى الواحد على جماعة بحضرتهم صدقه
стр. 284
فسكتوا، فقال قوم: يصير كالمتواتر، واختار هو أن ذلك لا يتصور، لأن الدواعي في مثل ذلك لا تنفك عن تصديق أو تكذيب ولو من البعض (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
يتعلق بمسألة خبر الواحد المقبول في الشرع
[ليس خبر كل واحد يفيد العلم]
هل يفيد العلم؟ فإن أحدا من العقلاء لم يقل أن خبر كل واحد يفيد العلم، وبحث كثير من الناس إنما هو في رد هذا القول.
قال ابن عبد البر: اختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد العدل: هل يوجب العلم والعمل جميعا، أم يوجب العمل دون العلم؟ قال: والذي عليه أكثر أهل الحذق منهم أنه يوجب العمل دون العلم، وهو قول الشافعي وجمهور أهل الأثر وبعض أهل النظر، ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به الله وقطع العذر لمجيئه مجيئا لا اختلاف فيه، قال: وقال قوم كثير من أهل الأثر وبعض أهل النظر أنه يوجب العلم والعمل جميعا، منهم الحسين الكرابيسي وغيره؛ وذكر ابن خويز منداد أن هذا القول يخرج على مذهب مالك (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[أخبار الآحاد تصلح لإثبات الديانات]
مذهب أصحابنا أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات.
قال القاضي في مقدمة المجرد: وخبر الواحد يوجب العلم إذا صح ولم تختلف الرواة فيه وتلقته الأمة بالقبول وأصحابنا يطلقون القول
стр. 285
به، وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه بالقبول، والمذهب على ما حكيت لا غير (١)(٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[نقد قول ابن عقيل بأن أخبار الفات وتوهم التنبيه فيجب تأويل بعضها]
قال ابن عقيل: أخبار الآحاد إذا جاءت بما ظاهره التشبيه وللتأويل فيها مجال. لكن يبعد عن اللغة حتى يكون كأنه لغز: هل يجب ردها رأسا، أم يجب قبولها ويكلف العلماء تأويلها؟ اختلف الأصوليون في ذلك على ثلاثة مذاهب؛ فقوم قالوا بظاهرها. وضعفه بأن ظاهرها يعطي الأعضاء والانتقالات وحمل الأعراض. والمذهب الثاني: رد الأخبار صفحا، واتهموا رواتها إما بالوضع أو بعدم الضبط. والمذهب الثالث قال: يجب قبولها حيث تلقاها أصحاب الحديث بالقبول، ويجب تأويلنا لبعضها على ما يدفعها عن ظاهرها، وإن كان من بعيد اللغة ونادرها، قال: وهذا هو اعتقادنا، قال: ولا يختلف العلماء أنه إذا كان طريق ذلك قطعيا كآي القرآن وأخبار التواتر أنه لا يرد؛ بل يبقى على مذهبين: إما التأويل، أو الحمل على الظاهر.
قال شيخنا: قلت: هذا خلاف ما قرره في انتصاره لأصحاب الحديث، وإن كان كلامه في هذا الباب الاختلاف، وخلاف ما عليه عامة أهل السنة المتقدمين من السلف. وناقشه ابن غنيمة فقال: قد فرض الكلام في الأخبار التي ظاهرها التشبيه، وحملها على ظاهرها يوجب التشبيه، فلم يبق إلا التأويل، أو حملها على ما جاءت لا على الظاهر. ومن متأخري أصحابنا وغيرهم كابن الجوزي من يجوز التأويل ولا يوجبه فهذا قول آخر. والمقالات فيها تبلغ سبعة أو أزيد (٣) .