← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الاعتداد بخلاف الواحد والاثنين، [وذكره أبو الحسن البستي من الحنفية في كتاب اللباب، فقال: وتقدم رواية الفقيه على القياس ولا يجوز ذلك لغير الفقيه؛ بل يقدم القياس على روايته] وفي كتاب اللامع لابن حاتم صاحب ابن الباقلاني، قال: قال عيسى بن أبان: إن كان راوي الخبر متيقظا ترك القياس لأجله؛ وإن لم يكن كذلك وجب الاجتهاد في الترجيح. ومن الناس من قال: القياس أولى بالمصير إليه، وإليه صار جماعة من أصحاب مالك. وأما الشافعي وأكثر أصحابه فيترك عندهم الخبر للقياس الجلي، ويترك الخفي للخبر، قال: وكل هذه الأقوال عندنا باطلة. قال الأثرم في كتاب معاني الحديث: الذي يذهب إليه أحمد بن حنبل أنه إذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد برئ منها وبرئت منه، وقال: إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ بإسناد صحيح فيه حكم أو فرض عملت بالحكم والفرض ودنت الله تعالى به، ولا أشهد أن النبي ﷺ قال ذلك. قال شيخنا: نقلته من خط القاضي على ظهر المجلد الثاني من العدة، وذكر أنه نقله من كتاب بخط أبي حفص العكبري رواية أبي حفص عمر بن زيد (١) . وقال أيضا: قال أحمد بن حنبل: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة ولم يصب منه فليأكل، وإن كان قد تناول وأقيمت الصلاة فليقوموا فليصلوا، وفيه أيضا في حديث ابن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة» . فقال أبو عبد الله: أدفع هذا الحديث بأنه قد روي عن ابن عباس خلافه من عشرة وجوه أنه كان يرى طلاق الثلاث ثلاثا. قال شيخنا: قلت: أبو عبد الله يشهد للعشرة بالجنة والخبر فيه

стр. 282

[الشهادة والخبر واحد] خبر واحد، وبنى ذلك على أن الشهادة والخبر واحد. ولفظ القاضي في العدة: خبر الواحد لا يوجب العلم الضروري، وقد رأيت في كتاب معاني الحديث للأثرم بخط أبي حفص العكبري، وساق الرواية كما تقدم، قال: فقد صرح القول بأنه لا يقطع به، ورأيت في كتاب الرسالة لأبي العباس أحمد بن جعفر الفارسي فقال: ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء نصدقه ونعلم أنه كما جاء ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة لصالح عمله ولا لخير أتاه إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء نصدقه على ما روي ولا ننص، قال القاضي: وقوله: «ولا ننص الشهادة» معناه عندي -والله أعلم- لا نقطع على ذلك. قال شيخنا: قلت: لفظ «ننص» هو المشهور، ومعناه لا نشهد على المعين، وإلا فقد قال: نعلم أنه كما جاء، وهذا يقتضي أنه يفيد العلم. وأيضا فإن من أصله أن يشهد للعشرة بالجنة للخبر الوارد، وهو خبر واحد، وقال: أشهد وأعلم واحد. وهذا دليل على أنه يشهد بموجب خبر الواحد، وقد خالفه ابن المديني وغيره. قال القاضي: وقد نقل أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: ههنا إنسان يقول: إن الخبر يوجب عملا ولا يوجب علما، فعابه، وقال: ما أدري ما هذا. وظاهر أنه سوى فيه بين العمل والعلم. قال شيخنا: قلت: قد يكون من هذا قوله: ذو اليدين أخبر بخلاف نفسه ونحن ليس عندنا علم برده، وإنما هو علم يأتينا به. قال القاضي: وقال في رواية حنبل في أحاديث الرؤية: نؤمن بها ونعلم أنها حق نقطع على العلم بها. قال: وذهب إلى ظاهر هذا الكلام جماعة من أصحابنا، وقالوا: خبر الواحد إن كان شرعيا أوجب العلم.

стр. 283

قال: وهذا عندي محمول على وجه صحيح من كلام أحمد، وأنه يوجب العلم من طريق الاستدلال، لا من جهة الضرورة، والاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه: أحدها: أن تتلقاه الأمة بالقبول، فيدل ذلك على أنه حق، لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ ولأن قبول الأمة له يدل على أن الحجة قد قامت عندهم بصحته، لأن العادة أن خبر الواحد الذي لم تقم الحجة به لا تجتمع الأمة على قبوله، وإنما يقبله قوم ويرده قوم. والثاني: خبر النبي ﷺ وهو واحد فنقطع بصدقه؛ لأن الدليل قد دل على عصمته وصدق لهجته. الثالث: أن يخبر الواحد ويدعي على النبي ﷺ أنه سمعه منه فلا ينكره فيدل على أنه حق، لأن النبي ﷺ لا يقر على الكذب. الرابع: أن يخبر الواحد ويدعي على عدد كثير أنهم سمعوه معه فلا ينكر منهم أحد، فيدل على أنه صدق، لأنه لو كان كذبا لم تتفق دواعيهم على السكوت عن تكذيبه، والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب؛ لأنه واقع عن نظر واستدلال، وقال إبراهيم النظام: خبر الواحد يجوز أن يوجب العلم الضروري إذا قارنته أمارة. [لا تنحصر أخبار الآحاد الموجبة للعلم في أربعة أقسام] قال شيخنا: قلت: حصره لأخبار الآحاد الموجبة للعلم في أربعة أقسام ليس بجامع؛ لأن مما يوجب العلم أيضا ما تلقاه الرسول ﷺ بالقبول كإخباره عن تميم الداري بما أخبر به، ومنه إخبار شخصين عن قضية يعلم أنهما لم يتواطآ عليها ويتعذر في العادة الاتفاق على الكذب فيها أو الخطأ، ومنه غير ذلك. ثم أفرد ابن برهان فصلين في آخر كتاب الأخبار، أحدهما: فيما إذا أجمع الناس على العمل بخبر الواحد: هل يصير كالمتواتر؟ واختار أنه لا يصير. والثاني: إذا ادعى الواحد على جماعة بحضرتهم صدقه

стр. 284

فسكتوا، فقال قوم: يصير كالمتواتر، واختار هو أن ذلك لا يتصور، لأن الدواعي في مثل ذلك لا تنفك عن تصديق أو تكذيب ولو من البعض (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل يتعلق بمسألة خبر الواحد المقبول في الشرع [ليس خبر كل واحد يفيد العلم] هل يفيد العلم؟ فإن أحدا من العقلاء لم يقل أن خبر كل واحد يفيد العلم، وبحث كثير من الناس إنما هو في رد هذا القول. قال ابن عبد البر: اختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد العدل: هل يوجب العلم والعمل جميعا، أم يوجب العمل دون العلم؟ قال: والذي عليه أكثر أهل الحذق منهم أنه يوجب العمل دون العلم، وهو قول الشافعي وجمهور أهل الأثر وبعض أهل النظر، ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به الله وقطع العذر لمجيئه مجيئا لا اختلاف فيه، قال: وقال قوم كثير من أهل الأثر وبعض أهل النظر أنه يوجب العلم والعمل جميعا، منهم الحسين الكرابيسي وغيره؛ وذكر ابن خويز منداد أن هذا القول يخرج على مذهب مالك (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [أخبار الآحاد تصلح لإثبات الديانات] مذهب أصحابنا أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات. قال القاضي في مقدمة المجرد: وخبر الواحد يوجب العلم إذا صح ولم تختلف الرواة فيه وتلقته الأمة بالقبول وأصحابنا يطلقون القول

стр. 285

به، وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه بالقبول، والمذهب على ما حكيت لا غير (١) (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [نقد قول ابن عقيل بأن أخبار الفات وتوهم التنبيه فيجب تأويل بعضها] قال ابن عقيل: أخبار الآحاد إذا جاءت بما ظاهره التشبيه وللتأويل فيها مجال. لكن يبعد عن اللغة حتى يكون كأنه لغز: هل يجب ردها رأسا، أم يجب قبولها ويكلف العلماء تأويلها؟ اختلف الأصوليون في ذلك على ثلاثة مذاهب؛ فقوم قالوا بظاهرها. وضعفه بأن ظاهرها يعطي الأعضاء والانتقالات وحمل الأعراض. والمذهب الثاني: رد الأخبار صفحا، واتهموا رواتها إما بالوضع أو بعدم الضبط. والمذهب الثالث قال: يجب قبولها حيث تلقاها أصحاب الحديث بالقبول، ويجب تأويلنا لبعضها على ما يدفعها عن ظاهرها، وإن كان من بعيد اللغة ونادرها، قال: وهذا هو اعتقادنا، قال: ولا يختلف العلماء أنه إذا كان طريق ذلك قطعيا كآي القرآن وأخبار التواتر أنه لا يرد؛ بل يبقى على مذهبين: إما التأويل، أو الحمل على الظاهر. قال شيخنا: قلت: هذا خلاف ما قرره في انتصاره لأصحاب الحديث، وإن كان كلامه في هذا الباب الاختلاف، وخلاف ما عليه عامة أهل السنة المتقدمين من السلف. وناقشه ابن غنيمة فقال: قد فرض الكلام في الأخبار التي ظاهرها التشبيه، وحملها على ظاهرها يوجب التشبيه، فلم يبق إلا التأويل، أو حملها على ما جاءت لا على الظاهر. ومن متأخري أصحابنا وغيرهم كابن الجوزي من يجوز التأويل ولا يوجبه فهذا قول آخر. والمقالات فيها تبلغ سبعة أو أزيد (٣) .

стр. 286

[المرسل ومتى يكون حجة] وقال شيخنا: ذكر القاضي عن الشافعي أنه قال: إن كان الظاهر من حال المرسل الثقة من التابعين أن ما يرسله مسند عند غيره قبل منه. وقال أيضا: المرسل مقبول ممن وجد لأكثر مراسيله أصول في المسانيد. وقال: المرسل يقبل إذا عمل به بعض الصحابة. وقال مرة: المرسل يعمل به إذا أفتى به عوام العلماء. وقال: مراسيل ابن المسيب مقبولة لأنه وجد مراسيله مسانيد، فقيل: إن الشافعي أراد به قوته من الترجيح لا إثبات حكم به. وقيل: إن الترجيح لا يجوز بما لا يثبت به حكم ذكره القاضي. قال شيخنا: وليس بجيد. وذكر الباجي أن المرسل عندهم إنما يكون حجة إذا كان عادته أنه لا يرسل إلا عن ثقة؛ لأنه قال: وربما كان المنقطع أقوى إسنادا من المتصل ولم يفرق (١) . فصل [وإذا أريد بالمرسل ما بعد عصر التابعين] قال شيخنا: قلت: ما ذكره القاضي وابن عقيل أن مرسل أهل عصرنا مقبول كغيره ليس مذهب أحمد، فإنا نجزم أنه لم يكن يحتج بمراسيل محدثي وقته وعلمائهم، بل يطالبهم بالإسناد. نعم المجتهدون في الحديث الذين يعرفون صحيحه وضعيفه إذا قال أحدهم: ثبت هذا أو صح هذا، أو قال أحدهم قال رسول الله ﷺ كذا واحتج بذلك فهذا نعم، كتعليق البخاري المجزوم به. وبحث القاضي يدل على أنه أراد بالمرسل من أهل عصرنا ما أرسله عن واحد، فهذا قريب، بخلاف ما أرسله عن النبي ﷺ فإن سقوط واحد أو اثنين ليس كسقوط عشرة، وحجته لا تتناول إلا ما سقط منه واحد؛ فإنه قال: المرسل إذا كان ثقة. فظاهره أن الذي أرسل عنه

стр. 287

عدل، وهذا المعنى موجود في أهل الأعصار (١) . [إذا كان في الإسناد رجل مجهول وإذا روى عنه العدل أو كان يأخذ عن الثقات] مسألة: وإذا كان في الإسناد رجل مجهول الحال، فهو على الخلاف المذكور في المرسل، كذا ذكر القاضي وابن عقيل في ضمن مسألة الإرسال، وذكرا في موضع آخر المسألة مستقلة أنه لا يقبل خبر مستور الحال، وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد، وذكر الخلال في الفتن من العلل. منها: قلت لأحمد: حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا أبو عقيل يحيى بن المتوكل عن عمر بن هارون الأنصاري عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أشراط الساعة سوء الجوار وقطيعة الأرحام وأن يعطل السير عن الجهاد وأن تختل الدنيا بالدين» . فقال: ليس بصحيح. قلت: لم قال: من عمر بن هارون. قلت: لا يعرف. قال القاضي: هذه الرواية تدل على أن رواية العدل عن غيره ليس بتعديل، وتدل على أن الجهالة بعين الراوي تمنع من صحة الحديث. منها: سألت أحمد عن حاتم بن زيد (٢) الهمداني ثقة هو؟ قال: كان يزيد بن هارون يحدث عنه. قلت: ثقة هو؟ قال: لا أدري وكرهه. قال: وهذه الرواية تمنع أيضا أن تكون رواية العدل تعديلا. وقال أبو حنيفة: يقبل خبره إذا عرف إسلامه. وعدم القبول مذهب الشافعي. وذكر المقدسي في قبول رواية مجهول العدالة روايتين (٣) ؛ إحداهما: لا تقبل. والثانية: يقبل مجهول العدالة خاصة دون بقية الشروط، وكذلك ذكرها أبو الخطاب كشيخه. واختار الجويني الوقف فيه بتفسير ذكره (٤) . والد شيخنا: وذكر القاضي في الكفاية: أنه تقبل رواية من عرف

стр. 288

إسلامه وجهلت عدالته في الزمن الذي لم تكثر فيه الجنايات، فأما مع كثرة الجنايات فلا بد من معرفة العدالة. شيخنا: وقال القاضي في ضمن مسألة ما لا نفس له سائلة لما احتج بحديث سلمان، فطعن فيه المخالف بأن «بقية» ضعيف فقال القاضي: قولك ضعيف لا يوجب رد الخبر، لأنك لم تبين وجه ضعفه. فقال المخالف: فيجب أن تتوقفوا عنه حتى يتبين سبب ضعفه، كالبينة إذا طعن فيها المشهود عليه وجب على الحاكم أن يتوقف عن الحكم حتى يبين وجه الطعن. فقال القاضي: حكم الخبر أوسع من الشهادة ألا ترى أنه يسمع ممن ظاهره العدالة ولا تسمع الشهادة ممن ظاهرة العدالة. والد شيخنا: الفرق بين رواية المستور (١) وقبول الحديث إذا كان في إسناده مستور على طريقة القاضي وغيره ثابت، وليس تناقضا، لأنه يقول: إذا روى العدل عمن لا نعرفه نحن كان تعديلا له، فتكون عدالته ثابتة برواية المحدث عنه، بخلاف المستور إذا كان هو الذي شافهنا بالرواية، فإنه ليس هنا ما يوجب عدالته، كالشاهد المستور عند القاضي [هذا معنى كلام القاضي وغيره] وهو مبني على أن الرواية تعديل [وقد صرح بذلك في ضمن مسألة المرسل] والصحيح في هذه المسألة الذي يوجبه كلام الإمام أن من عرف من حاله الأخذ من الثقات، كمالك وعبد الرحمن بن مهدي كان تعديلا دون غيره، ويمكن تثبيت رواية المستور في وسط الإسناد على هذا القول بأنه إذا سمي المحدث فقد أزال العذر، بخلاف ما إذا قال: «رجل من بني فلان» فإنه لولا اعتقاده عدالته كانت روايته ضياعا.

стр. 289

شيخنا: ثم رأيت القاضي قد صرح بهذا الفرق في مسألة المستور. وأما في مقدمة المجرد فقال: الخبر المرسل أن يروي عن رجل ولا يذكر اسمه، أو عمن لم يلقه، ثم قال: ولا يقبل خبر من لم تعرف عدالته وإن عرف مجرد إسلامه على نصوص أحمد فلأن يعرف فيجعل ذلك حجة في رد حديثه، فالأول فيمن لم يعرف اسمه، وهنا قد عرف (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [فالمرسل طبقات] قد ذكر القاضي أن من صور المرسل أن يروي عن مجهول لم يعرف عينه كقوله: «رجل من بني فلان» فاحتج مخالفه بأن الجهل بعين الراوي أكبر من الجهل بصفته، لأن من جهلت عينه جهلت عينه وصفته، ثم ثبت أنه لو كان معروف العين مجهول الصفة مثل أن يقول: «أخبرني به فلان ولا أعرف أثقة هو أم غير ثقة» لم يقبل خبره، فبأن لا يقبل خبره إذا لم يذكره أصلا أولى. فقال القاضي: والجواب أنا لا نسلم أن صفته مجهولة؛ لأن رواية العدل عن رجل تعديل له، لا يجوز في حقه أن يروي عن فاسق. وقد قيل: إذا كان فلان معروفا بالإسلام فإنه يقبل خبره، لأن ظاهر أمره العدالة وترك مواقعة المحظور، وجواز أن يكون فعل ما يوجب جرحا في شهادته غير معلوم فلم يكن في معرفة عدالته أكثر من عدم العلم بجرحه. فإن قيل: فيجب أن تقبل شهادته وإن لم يبحث عن عدالته للمعنى الذي ذكرته. قيل: تقبل شهادته في إحدى الروايتين. فعلى هذا لا فرق. ولا نقبلها في الأخرى احتياطا للشهادة كما احتطنا لها من الوجوه التي ذكرناها. قال شيخنا: قلت: فقد ذكر أنه تقبل رواية المستور وإن لم تقبل

стр. 290

شهادته، وجعل المجهول العين أجود، إذ الرواية عنه تعديل، بخلاف المعين الذي صرح بعدم العلم بعدالته، فيكون المرسل طبقات: أحدها: أن يجزم بأن النبي ﷺ قاله. الثاني: أن يقول: حدثني رجل، أو فلان. ألا ترى أن شهود الفرع لو شهدوا بما سمعوه من شهود الأصل جاز وكانت شهادة استفاضة. ومتى قالوا: أشهدنا فلان أو شاهد فلان فلا بد من البحث عن الأصول. الثالث: أن يقول: ولا أعلم حاله. وأما إذا قال: حدثني الثقة ففي كونه مرسلا وجهان: أصحهما أنه ليس بمرسل. ولو قال: حدثني فلان وهو ثقة لم يكن مرسلا بالاتفاق. ثم ذكر القاضي مسألة مستقلة: أنه لا يقبل خبر من لم تعرف عدالته وإن عرف إسلامه، وقد قال أحمد في رواية الفضل بن زياد وقد سأله عن ابن حميد يروي عن مشايخ لا نعرفهم وأهل البلد يثنون عليهم، فقال: إذا أثنوا عليهم قبل ذلك منهم، هم أعرف بهم. قال: وظاهر هذا أنه لا يقبل خبره إذا لم تعرف عدالته لأنه اعتبر تعديل أهل البلد لهم. قال شيخنا: قلت: هذا في كلام أحمد كثير جدا. قال: وحكي عن أبي حنيفة أنه يقبل خبر من لم تعرف عدالته إذا عرف إسلامه. واحتج القاضي بأن كل خبر لم يقبل من فاسق كان من شروطه معرفة عدالة المخبر كالشهادة. قال: ولا يلزم عليه الخبر المرسل؛ لأن رواية العدل عنه تعديل. قال: وخبر الأعرابي الشاهد بالهلال يحتمل أن يكون النبي ﷺ عرف من حال الشاهد أنه عدل ثقة فلذلك حكم بشهادته. قال: وليس من شرطه معرفة العدالة الباطنة؛ لأن اعتبارها يشق، ويفارق

стр. 291

الشهادة لأن اعتبارها لا يشق لأن لها معتبرا وهو الحاكم، والاعتبار إليه، وليس كل من سمع الحديث حاكما. قال شيخنا: فقد رتبهم أربع مراتب: مسلم، وعدل الظاهر، وباطن، وفاسق. وكأنه يعني بالعدالة الباطنة ما يثبت عند الحاكم، وبالظاهرة ما ثبت عند الناس بلا حاكم (١) واعتبار هذا في شهادة النكاح قول حسن. [والد شيخنا] : ... ... فصل [إذا تحمل صغيرا وروى كبيرا] فإن تحمل صغيرا وروى كبيرا أو تحمل كافرا أو فاسقا وروى مسلما عدلا قبلت روايته. قال والد شيخنا: ويغلب على ظني أن فيه خلافا في مذهبنا (٢) . قال شيخنا: وكذلك هو، ذكره ابن الباقلاني. وذكر القاضي أنه إذا تحمل وهو مميز ورواه بعد البلوغ جاز؛ لإجماع السلف على عملهم بخبر ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة، وقياسا على الشهادة. قال أحمد في رواية أبي الحارث والمروذي وحنبل: يصح سماع الصغير إذا عقل وضبط وذكر القاضي حديث محمود بن الربيع في المحبة. قال: وهذا يدل على أن ابن خمس يعقل فيصح سماعه (٣) . مسألة: ولا تختلف الرواية في قبول مرسل الصحابة ورواية المجهول منهم وهو قول الجمهور، وذكره أبو الطيب، ولم يحك خلافا لهم.

стр. 292

[مرسل الصحابي مقبول، وما يراد به وبمرسل التابعي] وقال بعض الشافعية: لا يقبل وإن قبلنا مرسل سعيد بن المسيب؛ لأن ذلك قد علم كونه مسندا بالتتبع، كما قال الشافعي. وكل معنى منع من قبول مرسل التابعين فهو موجود في الصحابة، وقد ثبت أن الصحابي أو التابعي لو قال: أخبرني بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال كذا كان بمنزلة المسند، كذلك إذا قال التابعي قال رسول الله ﷺ يجب أن يكون مثله. وقد قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ فالحديث صحيح؟ قال: نعم. وقال أيضا: لو قال نفسان من التابعين: أشهدنا نفسان من الصحابة على شهادتهما لم تجز حتى يعيناهما وفي الخبر يجوز عند الجميع. قال شيخنا: قلت: كأن مرسل الصاحب عنده ما أرسله الصاحب أو روى عن صاحب مجهول، كما أن مرسل التابعين عنده يشمل ما أرسل التابع وروى عن تابعي مجهول. قال: فإن قيل: الصحابي معلوم العدالة بأن الله عدله وزكاه وأخبر عن إيمانه ورضي عنه وأرضاه وجعل الجنة مأواه. قيل: قد شهد النبي ﷺ للتابعين كما شهد للصحابة فقال: «خير القرون قرني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» وليس من شرط قبول الخبر أن يكون ممن يقطع على عدالته، وإنما نعتبر عدالته في الظاهر، وهذا المعنى موجود في التابعين ومن بعدهم، فيجب أن يتساووا في النقل (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل زعم القاضي الصيمري الحنفي أن الصحابي إذا قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ فهو مرسل حتى يقول: حدثني بما فيه؛ لأن قوله: «هذا

стр. 293

[إذا قال الصحابي: هذا كتاب رسول الله فهو متصل] كتاب رسول الله» يحتمل هذا كتابه دفعه إلي وقال: اعمل بما فيه أو أده عني، وهذا مرسل، لا يختلف أهل الأصول في ذلك، فهو مثل المحدث إذا دفع الكتاب إلى غيره وقال: اروه، فإنه يكون مناولة أو يكون إجازة لا سماعا، ذكره في كتاب الصدقة لأبي بكر ﵁. قال شيخنا: قلت: هذا خطأ من وجوه: أحدها: أنه جعل المناولة من قسم المرسل، وليس كذلك، فإنه متصل. الثاني: أنه جعل كتاب رسول الله ﷺ وحده ليس بخطاب [لمن دفعه إليه] وهذا يبطل كتبه كلها، والإجماع بخلاف هذا. الثالث: أن مرسل الصحابة حجة (١) . [المعنعن فيه تفصيل] مسألة: المسند بلفظ [العنعنة] إذا لم يتحقق فيه إرسال صحيح محتج به، نص عليه، وبه قالت الشافعية وعامة المحدثين. وقال بعضهم: ليس بصحيح، لا مكان الإرسال فيه من بعض أهل الحديث. لفظ القاضي: فإن روى حديثا عن معين فقال: حدثني فلان عن فلان حمل على أنه سمع ذلك منه من غير واسطة ويكون خبرا متصلا، وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث وعبد الله: ما رواه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي ﷺ فهو ثابت، وما رواه الزهري عن سالم عن أبيه وداود عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله عن النبي ﷺ ثابت. قال شيخنا: قلت: نص أحمد إنما هو في أسانيد مخصوصة، ولم يفرق القاضي بين من عرف بالإرسال أو لم يعرف، وبين أن يعلم إمكان

стр. 294

اللقاء أو لا يعلم، وفي المسألة خلاف (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [رواية المبتدع] ذكر القاضي أنه لا تقبل رواية المبتدع الداعي إلى بدعته، قال: لأنه إذا دعا لا يؤمن أن يضع لما يدعو إليه حديثا يوافقه، وكذلك أبو الخطاب لم يذكر في الداعي خلافا، وذكر في غيره ثلاث روايات (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [من فعل محرما بتأويل] فأما من فعل محرما بتأويل فلا ترد روايته في ظاهر المذهب، قال أبو حاتم: حادثت أحمد بن حنبل فيمن شرب النبيذ من محدثي أهل الكوفة وسميت له عددا منهم. فقال: هذه زلات [لهم] لا تسقط بزلاتهم عدالتهم (٣) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [ومن يبيع بالعينة وأخذ الأجرة على الرواية] قال الشيخ الإمام أبو الوفاء ابن عقيل: ومنع -يعني الإمام أحمد- من رواية الحديث عمن يعامل ويبيع بالعينة، وهو محمول على النسيئة التي هي ربا، وكل بيع فيه ربا، قال في رواية سندي الخواتيمي: لا يعجبني أن يكتب الحديث عن معين. قال في الواضح: يعني بيع هذه العينة. وقال في رواية حبيش وسلمة بن شبيب: لا نكتب عن هؤلاء الذين يأخذون الدراهم على الحديث ويحدثون ولا كرامة. قال القاضي: هذا على طريق الورع؛ لأن بيع العينة وأخذ الأجرة على رواية الحديث مما يسوغ فيه الاجتهاد، وما ساغ فيه الاجتهاد لم يفسق فاعله (٤) .

стр. 295

[شيخنا] : ... ... ... فصل [الأسباب الموهمة لا يرد لأجلها خبر الواحد] قال القاضي: فأما الأسباب الموهمة التي لا يرد لأجلها خبر الواحد، فمنها أن تلحقه غفلة في وقت، فإن خبره لا يرد، لأن أحدا لا ينفك عن أن تلحقه غفلة في وقت؛ بل إن روى خبرا في حال غفلته لم يثبت خبره. قال عبد الله: قلت لأبي: إن بشر بن عمر زعم أنه سأل مالكا عن صالح مولى التوأمة، فقال: ليس بثقة. قال أبي: مالك أدرك صالحا وقد اختلط وهو كبير، ما أعلم به بأسا، من سمع منه قديما، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة. ومنها: أن يضطرب بعض حديثه فلا يرد حديثه؛ لأن كل أحد لا يقدر على ضبط ما سمعه كله. ومنها: أن ينفرد بنقل حديث واحد لا يروى غيره، فلا يرد حديثه لجواز أن ينفرد به من كل أحد، حديث له حادث (١) فسأل رسول الله ﷺ فأجابه عنها. ومنها: أن لا تعرف له مجالسة مع النبي ﷺ ، لأنه قد يجالسه فلا يعرف ذلك منه، وقد يأخذ الحديث عنه من غير مجالسة. ومنها: أن يروي حديثًا يخالفه فيه أكثر الصحابة. ومنها: أن يكون معروفا باللقب، وقد اختلف في اسمه. ومنها: أن ينسى بعض حديثه فذكر فعاد إليه، فلا يرد حديثه لذلك؛ بل إن روى حديثا لا أصل له وقال: نقلته على بصيرة مني بذلك فهو مردود الحديث، فإن قال: سهوت أو أخطأت قبل خبره، وقد نص

стр. 296

أحمد على هذا في رواية حرب في الرجل إذا سها في الإسناد فأخطأ فيه ولا يتعمد ذلك أرجو أن لا يكون به بأس (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [الأمور التي يرد الخبر من أجلها] ذكر القاضي أن الخبر يرد من جهة المخبر بخمسة أشياء. إما أن يخالف موجبات العقول. وإما أن يخالف الكتاب والسنة المتواترة. وإما أن يخالف الإجماع، فقد يكون دليلا على نسخه قال: الرابع: أن يروي ما يجب على الكافة علمه، مثل أن يروي أن النبي ﷺ عهد إلى أبي بكر أو إلى عمر أو إلى عثمان أو علي، فإذا انفرد الواحد بنقل مثل هذا كان مردودا. قال: فإن قيل: أليس ما تعم به البلوى يفتقر إليه كل واحد ويثبت بخبر الواحد؟ قيل: كل واحد مفتقر إلى العمل، لا إلى علمه؛ فهذا يثبت بخبر الواحد، وليس كذلك ثبوت الخلافة والعهد إلى واحد؛ لأن على كل واحد أن يعرفه ويعلمه قطعا، فلهذا لم يثبت بخبر الواحد. قال: الخامس: أن ينفرد بما جرت العادة بنقله بالتواتر (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل في الجندي [الرواية عن الجندي. ولبس السواد] قال في رواية المروذي: وقد سأله: يكتب عن الرجل إذا كان جنديا؟ فقال: أما نحن فلا نكتب عنهم، وكذلك قال في رواية إبراهيم بن الحارث: إذا كان الرجل في الجند لم أكتب عنه. قال القاضي: وهذا محمول على طريق الورع، لأن الجندي لا يتجنب المحرمات في الغالب.

стр. 297

قال شيخنا: قلت: خص نفسه بالامتناع، لأنه مظنة الظلم والاعتداء، ولهذا كره لبس السواد لما فيه من التشبه بهم، ويدل عليه قوله: «خذ العطاء ما كان عطاء فإذا كان عوضا عن دين أحدكم فلا يأخذه» والملوك المتأخرون إنما يرزقون على طاعتهم وإن كانت معصية، لا على طاعة الله ورسوله (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [إذا عمل العدل بخبر غيره] فإن عمل العدل بخبر غيره كان تعديلا له، كما لو عدله بقوله. ذكره القاضي في ضمن مسألة من غير خلاف، أي في مسألة العدل عن غيره. وكذلك ذكره الباجي (٢) . مسألة: لا يقبل الجرح إلا مفسرا مبين السبب، وبه قال الشافعي. وعنه أنه يقبل كالتعديل، وذهب إليه جماعة. وقال ابن الباقلاني: يقبل الجرح المطلق ولا يقبل التعديل المطلق، فصارت المذاهب في المسألتين أربعة (٣) . وقال الجويني: هذا يختلف بالمعدل والجارح، فإن كان إماما في ذلك من أهل صناعته قبل منه إطلاقه وإلا فلا. وكذلك قال المقدسي في الجرح. [الجرح والتعديل والتفصيل فيه] قال القاضي: ولا يقبل الجرح إلا مفسرا، وليس قول أصحاب الحديث «فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء» مما يوجب جرحه ورد خبره. قال: وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي؛ لأنه قال له: إن يحيى بن معين سألته عن الصائم يحتجم؟ فقال: لا شيء عليه، ليس يثبت فيها خبر، فقال أبو عبد الله: هذا كلام مجازفة. قال: فلم يقبل مجرد الجرح من يحيى.

стр. 298

قال شيخنا: قلت: لأن أحمد قد علم عدة أخبار فيها، فكيف يقبل نفي ما أثبته؟ ولهذا لما أطلق يحيى الكلام نسبه إلى المجازفة. قال: وكذلك نقل مهنا عنه قلت لأحمد: حديث خديجة كان أبوها يرغب أن يزوجه، فقال أحمد: الحديث معروف، سمعته من غير واحد. قلت: إن الناس ينكرون هذا، قال: ليس هو بمنكر، قال: فلم يقبل مجرد إنكارهم. قال شيخنا: قلت: لأنه قد علم خلاف ذلك، والطعن في حديث قد علم ثبوته لا يقبل. قال: ونقل عنه المروذي ما يدل على أنه يقبل، فقال: قرئ على أبي عبد الله حديث عائشة كانت تلبي: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك» فقال أبو عبد الله: كان فيه «والملك لا شريك لك» فتركته لأن الناس خالفوه. وقوله: «تركته» معناه: ترك روايته لأجل ترك الناس له وإن لم تظهر العلة. قال شيخنا: قلت: قد ذكر الخلال تضعيف المشايخ لعاصم بن عبيد الله، وهو ظاهر في أن الجرح المطلق يقبل، وهو مكتوب في المسودات، وهذا إنما يقتضي أن الزيادة التي تركها الجمهور لا تقبل. قال شيخنا: هذا الباب يفرق فيه بين جرح الرجل وتزكيته، وبين جرح الحديث وتثبيته. ويفرق فيه بين الأئمة الذي هم في الحديث بمنزلة القضاة في الشهود وبين من هو شاهد محض. فإن جرح المحدث يكون بزيادة علم. وأما جرح الحديث فتارة يكون لطلاع له على علة، وتارة لعدم علمه بالطريق الأخرى، أو بحال المحدث به (١) . مسألة: يقبل جرح الواحد وتعديله عندنا، وبه قال المحققون،

стр. 299

[هل يقبل جرح الواحد وتعديله] ذكره الجويني، وقد نص عليه في التعديل؛ لأن العدد ليس بشرط في قبول الخبر ههنا، بخلاف الشهادة. وهذا أحد الوجهين للشافعية. والآخر لا يقبل الجرح إلا من اثنين كما في الشهادة حكاها (١) أبو الطيب وحكى الثاني الجويني عن بعض المحدثين. قال القاضي: فإن صرح عدلان بما يوجب الجرح ثبت الجرح، وإن صرح أحدهما بما يوجب الجرح ثبت أيضا. وهذا قياس قوله في التعديل أنه يثبت بقول الواحد؛ فإن العدد ليس بشرط في قبول الخبر، فلم يكن شرطا في جرح الراوي؛ بخلاف الشهادة. فأما تعديل الواحد فيقبل كما يقبل جرحه، قال في رواية الأثرم: إذا روى الحديث عبد الرحمن بن مهدي عن رجل فهو حجة. قال: وهذا يدل على أن رواية العدل عن غيره تعديل له، ويدل أيضا على أن تعديل الواحد مقبول. وكذلك نقل أبو زرعة، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة. قال: وقد نقل مهنا عنه ما يدل على أن رواية العدل لا تكون تعديلا، ويجب السؤال عنه، فقال: سألت أحمد عن رباح بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، فقال: هكذا روى عنه عبد الرزاق، قلت: كيف هو؟ قال: ضعيف: قال: وظاهر هذا أنه لم يجعل رواية العدل عن غيره تعديلا له. قال شيخنا: قلت: مذهبه التفصيل بين بعض الأشخاص وبعض. وقوله في صالح مولى التوأمة يقتضي أن الكثرة معتبرة، ونقل إسماعيل بن سعيد قلت لأحمد: تعديل الرجل الواحد إذا كان مشهورا بالصلاح؟ قال: يقبل ذلك. قال القاضي: وظاهر هذا أن تعديل الواحد للشاهد مقبول (٢) .

стр. 300

[شيخنا] : ... ... ... فصل [خبر الواحد إذا طعن فيه السلف] خبر الواحد إذا طعن فيه السلف لم يجز الاحتجاج به عند الحنفية، وقد روي ما يشبه قولهم عن علقمة في إنكاره على الشعبي حديث فاطمة لما طعن فيه عمر وغيره (١) . فصل [الأخذ بالحديث الضعيف والمرسل إذا لم يخالفه ما هو أثبت منه أو للاعتبار به الضعيف في اصطلاحهم] ذكر القاضي كلام أحمد في الحديث الضعيف والأخذ به، ونقل الأثرم قال: رأيت أبا عبد الله إن كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء يأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجئ خلافه، وتكلم عليه ابن عقيل. وقال النوفلي: سمعت أحمد يقول: إذا روينا عن رسول الله ﷺ في الحلال والحرام والسنن والأحكام شددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال وما لا يرفع حكما فلا نصعب. قال القاضي: قد أطلق أحمد القول بالأخذ بالحديث الضعيف، فقال مهنا: قال أحمد: الناس كلهم أكفاء إلا الحائك والحجام والكساح. فقيل له: تأخذ بحديث: «كل الناس أكفاء إلا حائكا أو حجاما» وأنت تضعفه؟! فقال: إنما نضعف إسناده، ولكن العمل عليه وكذلك قال في رواية ابن مشيش وقد سأله عمن تحل له الصدقة، وإلى أي شيء تذهب في هذا؟ فقال: إلى حديث حكيم بن جبير. فقلت: وحكيم بن جبير ثابت عندك [في الحديث] قال: ليس هو عندي ثبتا في الحديث. وكذلك قال مهنا: سألت أحمد عن حديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة. قال: ليس بصحيح والعمل عليه، كان عبد الرزاق يقول: معمر عن الزهري مرسلا. قال القاضي: معنى قول أحمد

стр. 301

«ضعيف» على طريقة أصحاب الحديث؛ لأنهم يضعفون بما لا يوجب التضعيف عند الفقهاء كالإرسال والتدليس والتفرد بزيادة في حديث لم يروها الجماعة، وهذا موجود في كتبهم: تفرد به فلان وحده. فقوله: «هو ضعيف» على هذا الوجه. وقوله: «والعمل عليه» معناه على طريقة الفقهاء. قال: وقد ذكر أحمد جماعة ممن يروي عنه مع ضعفه، فقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: قد يحتاج أن يحدث الرجل عن الضعيف مثل عمرو بن مرزوق وعمرو بن حكام ومحمد بن معاوية وعلي بن الجعد وإسحاق بن أبي إسرائيل ولا يعجبني أن يحدث عن بعضهم. وقال في رواية ابن القاسم في ابن لهيعة: ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، أنا قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد. وقال في رواية المروذي: كنت لا أكتب حديثه -يعني جابرا الجعفي- ثم كتبته اعتبر به. وقال له مهنا: لم تكتب عن أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف؟ قال: أعرفه. قال القاضي: والوجه في الرواية عن الضعيف أن فيه فائدة، وهو أن يكون الحديث قد روي من طريق صحيح فتكون رواية الضعيف ترجيحا (١) ، أو ينفرد الضعيف بالرواية فيعلم ضعفه، لأنه لم يرو إلا من طريقه، فلا يقبل. قال شيخنا: قوله: «كأني أستدل به مع حديث غيره؛ لا أنه حجة إذا انفرد» يفيد شيئين؛ أحدهما: أنه جزء حجة، لا حجة، فإذا انضم إليه الحديث الآخر صار حجة؛ وإن لم يكن واحد منهما حجة فضعيفان قد يقومان مقام قوي (٢) . الثاني: أنه لا يحتج بمثل هذا منفردا، وهذا يقتضي أنه لا يحتج بالضعيف المنفرد، فإما أن يريد به نفي الاحتجاج

стр. 302

مطلقا، أو إذا لو يوجد أثبت منه. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في حديث ربعي بن خراش؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رواد؟ قلت: نعم. قال: لا، الأحاديث بخلافه، وقد رواه الحفاظ عن ربعي عن رجل لم يسموه. قال: قلت: فقد ذكرته في المسند؟ قال: قصدت في المسند المشهور وتركت الناس تحت ستر الله ولو أردت أن أفصل ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث، لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه. [ذكره القاضي في مسألة الوضوء بالنبيذ] . قال شيخنا: قلت: مراده بالحديث الذي رواه ربعي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: «قدم أعرابيان فشهدا» أو حديث: «لا تقدموا الشهر» أو غيرهما. قال شيخنا: قلت: وعلى هذه الطريقة التي ذكرها أحمد بنى عليه أبو داود «كتاب السنن» لمن تأمله، ولعله أخذ ذلك عن أحمد، فقد بين أن مثل عبد العزيز بن أبي رواد ومثل الذي فيه رجل لم يسم يعمل به إذا لم يخالفه ما هو أثبت منه. وقال أحمد في رواية أبي طالب: ليس في السدر حديث صحيح، وما يعجبني قطعه، لأنه على حال قد جاء فيه كراهة. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا كان في المسألة عن النبي ﷺ حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ولا من بعدهم خلافه، وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله ﷺ قول مختلف نختار من أقاويلهم ولم نخرج عن أقاويلهم إلى قول من بعدهم، وإذا لم يكن فيها عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة قول نختار من أقوال التابعين، وربما كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما

стр. 303

أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه أثبت منه (١) . فصل [التدليس يكره ولا يوجب رد الخبر] شيخنا: قال القاضي: فأما التدليس فإنه يكره، ولكن لا يمنع من قبول الخبر. وصورته أن ينقل عمن لم يسمع منه لكنه سمع عن رجل عنه فأتى بلفظ يوهم أنه قد سمع منه [مثل: أن يكون قد عاصر الزهري ولم يسمع منه، لكن سمع عن رجل عنه، فأتى بلفظ يوهم أنه قد سمعه من الزهري بلا واسطة] فيقول: روى الزهري، أو قال الزهري، أو عن الزهري، فكل من سمع هذا يذهب إلى أنه سمع من الزهري بلا واسطة، وكذلك إذا سمع الخبر من رجل معروف بعلامة مشهورة فعدل عنها إلى غيرها من أسمائه مثل: إن كان مشهورا بكنيته فروى عنه باسمه، أو كان مشهورا باسمه فروى عنه بكنيته، حتى لا يعرف من الرجل، فكل هذا مكروه، نص عليه في رواية حرب، فقال: أكره التدليس، وأقل شيء فيه أنه يتزين للناس، أو يتزيد -شك حرب- وكذلك نقل عنه المروذي: لا يعجبني التدليس، هو من الزينة، وكذلك نقل مهنا عنه: التدليس عيب. قال شيخنا: قلت: هذه الكراهة تنزيه أو تحريم؟ يخرج على القولين في معاريض من ليس بظالم ولا مظلوم، والأشبه أنه محرم، فإن تدليس الرواية والحديث أعظم من تدليس المبيع، لكن من فعله متأول فيه، فلم يفسق. قال القاضي: إذا ثبت أنه مكروه فإنه لا يمنع من قبول الخبر، نص عليه في رواية مهنا، وقيل له: كان شعبة يقول: التدليس كذب فقال أحمد: لا، قد دلس قوم ونحن نروي عنهم.

стр. 304

وذهب قوم من أهل الحديث إلى أنه لا يقبل خبره، لأنه روى عمن لم يسمع منه. قال القاضي: وهذا غلط لأنه ما كذب فيما نقل، بل كان ما قاله صدقا في الباطن، إلا أنه أوهم في خبره، ومن أوهم في خبره لم يرد خبره بذلك، كمن قيل له: حججت؟ فقال: لا مرة ولا مرتين، يوهم أنه حج أكثر، وحقيقته أنه ما حج أصلا. قال شيخنا: قلت: لكن ما هو صادق في الحقيقة العرفية، ولا مبين لما ينبغي بيانه (١) . [إذا روى العدل عن العدل خبرًا ثم أنكره المروي عنه أو نسيه] مسألة: إذا روى العدل عن العدل خبرا، ثم نسيه المروي عنه فأنكره لم يقدح ذلك فيه، في إحدى الروايتين، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يضعف الحديث عندك أن يحدث الرجل النفر بالحديث عن الرجل فيسأل عنه فينكره، أو لا يعرفه؟ فقال: لا، ما يضعف عندي بهذا، ولفظه في العدة: فينكره ولا يعرفه فقال: لا، ما يضعف عندي بهذا. فقلت: مثل حديث الولي، ومثل حديث اليمين مع الشاهد، فقال: قد كان معمر يروي عن أبيه عن ثقة عن عبيد الله بن عمر- لفظ القاضي: إذا روى العدل عن العدل خبرا ثم نسي المروي عنه الخبر فأنكره لم يجب اطراح الخبر، ووجب العمل به في إحدى الروايتين، وفيه رواية أخرى يرد الخبر، ولا يجوز العمل به، وقد نص على الروايتين في إنكار الزهري روايته حديث عائشة في الولي، فقال في رواية الأثرم وذكره، وكذلك نقل الميموني عنه لما ذكر له حديث الزهري وما قاله، فقال: كان ابن عيينة يحدث بأشياء، ثم قال: ليس من حديثي ولا أعرفه، قد يحدث الرجل ثم ينسى، وكذلك نقل عنه أبو طالب: يجوز أن يكون الزهري حدث به ثم نسيه، فقد نص على قبوله.

стр. 305

ونقل عنه خلاف هذا، فقال أبو الحارث: قلت لأبي عبد الله: حديث عائشة أيما امرأة تزوجت [بغير ولي] فقال: لا أحسبه صحيحا؛ لأن إسماعيل قال: قال ابن جريج: لقيت الزهري فسألته عنه، فقال: لا أعرفه وكذلك نقل حرب عنه أنه سئل عن حديث الولي، فقال: لا يصح؛ لأن الزهري سئل عنه فأنكره. فال شيخنا: قلت: وضع المسألة يقتضي أنه لا يشمل إذا جحد المروي عنه، وعموم كلامه يقتضي العموم لهذه الصورة؛ لأن الإنكار يشمل القسمين، وقول ابن عيينة: ليس من حديثي نفي، وعلله القاضي بأن المروي عنه غير عالم ببطلان روايته، والراوي عنه ثقة، فالمروي عنه كسائر الناس. قال شيخنا: قلت: وهذا القيد قد اعتبره أصحابنا فيما إذا سبح به إنسان. ويعتبر أيضا في الحاكم، وبهذه الرواية قال الشافعي وأصحابه (١) . [الرواية على الخط والكتاب] استدل القاضي في «مسألة الرواية على خطه» بأن الأخبار مبناها على حسن الظن والمسامحة ومراعاة الظاهر من غير تحرج، ألا ترى أنه لا يشترط فيها العدالة في الباطن، ويقبل فيها قول العبيد والنساء وحديث العنعنة، والظاهر من حال السماع الموجود الصحة فجاز العمل عليه، واحتج برجوع الصحابة ﵃ إلى كتب النبي ﷺ والعمل عليها فإنه من أدل الدليل على الرجوع إلى الخط والكتاب. قال شيخنا: قلت: هذا رجوع إلى خط غيره، والعمدة فيه خبر الحامل، واحتج برواية الضرير، والسماع من وراء حجاب فإنه سلمها في الرواية من منعها في الشهادة (٢) .

стр. 306

[شيخنا] : ... ... ... فصل [إذا أبدل كلمة الرسول بالنبي أو بالعكس] إذا سمع من الراوي «أن رسول الله ﷺ » أو «قال رسول الله ﷺ » أو «عن رسول الله ﷺ » أو «سمعت رسول الله ﷺ » جاز أن يبدل مكان الرسول النبي [نص عليه فيما رواه عمر المغازلي. وكذا مكان النبي رسول الله] وقال صالح: قلت لأبي [عبد الله] يكون في الحديث: «قال رسول الله ﷺ » فيجعله الإنسان «قال النبي ﷺ » قال: أرجو أن لا يكون به بأس (١) . [إذا قرئ على المحدث وسكت هل هو إقرار ومتى يجوز أن يقول حدثني أو أخبرني] مسألة: وإذا قرئ على المحدث وهو يسمع فسكت، فالظاهر أنه إقرار، قاله القاضي أبو يعلى وأبو الطيب، قالا: والأحوط أن يستنطقه الإقرار به، وقيد هذه المسألة القاضي في كتاب القولين بما إذا لم يقر به الشيخ لفظا، فقال: مسألة: إذا قرئ عليه وهو ساكت يسمع، ولم يقل له: هو كما قرأت عليك، فيقول: نعم، أو يقول له ابتداء: أقرأ عليك؟ فيقول: أقرأ، فإذا لم يقل له شيئا من هذا فهل يجوز أن يقول حدثني فلان، أو أخبرني؟ على روايتين، إحداهما: لا يجوز؛ لأنه ما حدثه ولا أخبره؛ بل يسوغ له إذا كان ثقة أن يعمل بما قرأ عليه ويرويه، فيقول: قرأت على فلان فلم ينكره؛ لأن سكوته على ذلك رضا به، وقد نص على هذا في رواية حنبل وقيل له: سأل ابن عون الحسن، فقال: أقرأ عليك فأقول: حدثنا الحسن؟ قال: نعم، قال حنبل: سألت أحمد عن ذلك فقال: لا، ولكن يقول: قرأت, والرواية الثانية يجوز أن يقول: حدثني وأخبرني، لأن سكوته مع سماع القراءة عليه رضا بما قرأه وإمضاء له، فجاز أن يقول: حدثني وأخبرني، كما لو قال له: اروه عني، ولأنه لما حصل سكوته دلالة على جواز الرواية جاز أن يجعله في جواز ذلك في مسألتنا، وقد نص على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سأله وهو يقرأ عليه شيئا من الأحاديث، أقول: حدثني أحمد؟

стр. 307

فقال: إن قال فما أرى به بأسا، ولكن يقول: «قرأت عليه» أحب إلي لمن يريد الصدق. قال: فقد نص على جوازه، واختار أن يقول: «قرأت عليه» ليحكي الحال، فإذا قال له: هو كما قرأت عليك؟ فقال: نعم، فهل يقول: «أخبرنا» و «حدثنا» أم يجوز أن يقول أخبرنا فقط؟ على روايتين، إحداهما: يجوز أن يقول: أخبرنا، وحدثنا، لا فرق بينهما، نص عليه فيما حدثنا به الخلال أن عبد الجبار بن أحمد قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أخبرنا وحدثنا واحد، ونقل حنبل إذا قال الشيخ حدثنا قلت: حدثنا، يتقفى لفظ الشيخ، إنما هو دين، ولا يقول لأخبرنا حدثنا، ولا لحدثنا أخبرنا، على لفظ الشيخ. قال أبو بكر الخلال: قد سهل أبو عبد الله في هذا المعنى على جواز رواية الحديث على المعنى، قال: والأول أشبه. فإن كان في سماعه «عن فلان» فهل يجوز أن يقال: «قال فلان» أم لا؟ نقل الحسن بن محمد بن الحارث السجستاني عن أحمد: إذا كان «عن فلان» في الكتاب، قال: فلا يغيره. قال الخلال: هذا وهم من الحسن بن محمد؛ لأن هذا عند أحمد شديد، وقد ذكره في كتاب العلل وإنكاره على أهل المدينة. قال شيخنا: قلت: فعلى هذه الطريقة فما أقر به يقول: «أخبرني» قولا واحدا، وفي «حدثني» روايتان، وفيما لم يقر به لفظا بل حالا هل يقول أخبرني وحدثني؟ على روايتين. وعلى الأولى في جوازهما جميعا روايتان في المسألتين، صرح بهما في العدة، فقال: ولا فرق بين أن يقول: هو كما قرأته عليك فيقر به وبين أن يقول: أرويه عنك فيقول له: اروه عني، وأنه على الخلاف الذي حكينا. ولفظ أحمد الذي في العدة هو الذي في كتاب الروايتين، وهو رواية إسحاق ورواية حنبل، وإنما هما في لفظ [حدثني وأما لفظ] أخبرني فقد يؤخذ من قوله: «ولكن يقول قرأت» ولم يقل تقول أخبرني، وكذلك قوله في رواية سلمة

стр. 308

ابن شبيب: «حدثنا وأخبرنا واحد» قاله غير مرة، فيقتضي استواؤهما في المنع والإذن. ثم قال في العدة: إذا قرئ عليه وهو ساكت لم يقر به فالظاهر أنه إقرار. قال شيخنا: وهنا طريقة ثالثة أن يكون في المسألة ثلاث روايات، الثالثة: الفرق بين أخبرنا وحدثنا، فإنه في رواية أبي داود قد جعل التحديث أسهل من الإخبار، وكذلك قوله: «حدثنا وأخبرنا واحد فيما كان سماعا من الشيخ» يقتضي الفرق بينهما فيما لم يكن سماعا. ويتلخص في المسألتين مع اللفظين عدة أقوال: جوازهما فيهما، ومنعهما فيهما، الثالث جواز الإخبار دون التحديث فيهما، والرابع جوازهما فيما أقر به لفظا دون ما أقر به حالا، الخامس جواز الإخبار فيما أقر به دون التحديث فيما لم يقر به (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [العرض على مراتب] الكلام في العرض على مراتب: إحداها: هل تجوز الرواية والعمل به، أم لا؟ فيه خلاف قديم عن بعض العراقيين، ومذهب أهل الحجاز وأهل الحديث كأحمد وغيره جوازه كعرض الحاكم والشاهد على المقر. الثانية: أنه قد يكون بصيغة الاستفهام، وقد يكون بصيغة الخبر وهو الغالب، وكلاهما جائز في الشهادة والرواية. الثالثة: أنه قد يتكلم بالجواب بالموافقة كقولهم: نعم، وهو ظاهر، وقد يقول: أرويه عنك؟ فيقول: نعم، فهذا إذن، والأول خبر، قال القاضي: إذا ثبت في أحد الموضعين، أنه خبر وليس بأمر ثبت في الآخر، لأن أحمد ما فرق بينهما (٢) .

стр. 309

الرابعة: السكوت، قال القاضي: فإن قرئ عليه وهو ساكت لم يقر به فالظاهر أنه إقرار، لأن سكوته مع سماع القراءة عليه رضاء منه بما قرأه وإمضاء له، فجاز أن يقول: أخبرني، وحدثني، كما لو أقر به، والأحوط أن يقول له: هو كما قرأته أو قرئ عليك، فإذا قال: «نعم» حدث به عنه. قال شيخنا: قلت: الجواب بنعم عندنا صريح، ولهذا ينعقد به النكاح، فصح أن يقول: حدثني، وأما على وجه لنا أنه كناية كقول الشافعي فقد يتوجه المنع من قول حدثني وأخبرني (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [إذا روى بالإجازة ... ] إذا روى بالإجازة أن يقول: أجاز لي، أو حدثني أو أخبرني إجازة، ولا يجوز أن يقول: حدثني أو أخبرني، مطلقًا. ذكره ابن عقيل (٢) . فصل ويقول في الإجازة: حدثني أو أخبرني إجازة، فإن لم يقل: «إجازة» لم يجز، وجوزه قوم. قال شيخنا: قلت: كان يفعله أبو نعيم الأصبهاني (٣) . [شيخنا] : ... ... ... فصل في رواية صالح: قلت: الشيخ يدغم الحرف يعرف أنه كذا أو كذا ولا يفهم عنه، ترى أن يروي ذلك عنه؟ قال: أرجو أن لا يضيق هذا، قلت: الكتاب قد طال على الإنسان عهده لا يعرف بعض حروفه فيخبره

стр. 310

به بعض أصحابه، ما ترى في ذلك؟ قال: إن كان يعلم أنه كما في الكتاب فليس به بأس. [إذا كان يدغم الحرف أو لا يعرف بعض حروف كتابه] أبو داود: سأل رجل أحمد بن حنبل [فقال] : أجد في كتابي «جريج» وأنا أعلم أنه «عن ابن جريج» فقال: أصلحه ورووه على الصحة. عبد الله بن أحمد: كان أبي إذا تم الحديث (١) وكان بجانبه من يبصر النحو يقول له كذا فيصلحه أو نحو هذا الكلام (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [إذا لم يحفظ ما قرأه المحدث أو قرئ عليه ... ] إذا لم يحفظ ما قرأه المحدث أو قرئ عليه فينبغي أن يكون ناظرا في كتاب فيه ما يقرأه المحدث من حفظه أو من كتاب ليضبط ما قرأه المحدث، نص عليه في مواضع، وإن كان المحدث يقرأ في كتاب فيجوز أن يرفع بصره، وإذا حدث من حفظه فهو أبعد من ضبطهم إذا لم يحفظوه ولم يكتبوه (٣) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [معارضة الكتاب] يجوز أن يعارض الكتاب الذي سمعه بنسخة أخرى مع غيره، نص عليه، وبه قال الجمهور، وقالت طائفة: لا يعارضه إلا مع نفسه، ينظر في الأصل مرة وفي النسخة مرة أخرى (٤) .

стр. 311

[شيخنا] : ... ... ... فصل في سماع الصبي [سماع الصبي والضرير] قال عبد الله: سألت أبي: متى يجوز سماع الصبي في الحديث؟ قال: إذا عقل وضبط، قلت: فإنه بلغني عن رجل فسميته أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة لأن النبي ﷺ رد البراء وابن عمر واستصغرهما يوم بدر، فأنكر قوله، وقال: بئس القول هذا، يجوز سماعه إذا عقل فكيف يصنع بسفيان بن عيينة ووكيع؟ وذكر أيضا قوما، وسألت أبي مرة: ما يقول في سماع الضرير؟ قال: إذا كان يحفظ الحديث فلا بأس، وإذا لم يكن يحفظ فلا، وقال: قد كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بشيء يرى أنه لم يحفظه يقول: في كتابنا أو في كتابي عن أبي إسحاق الشيباني ولا يقول حدثنا ولا سمعت. قلت لأبي: والأصم؟ قال: هو كذلك بهذه المنزلة إلا ما حفظ من المحدث يعني -والله أعلم- أنه لا بد من سماعه ولا يكتفى بوجوده في كتابه. وزعم قوم أنه يجب أن يكون وقت التحميل بالغا (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [من المحدثين من لا يكون حجة إذا انفرد وكذلك الحديث] من المحدثين من لا يكون حجة إذا انفرد، فإذا وافقه مثله صار حجة، وكذلك الحديث يروى من وجهين فيصير بذلك حجة. وهذا باب واسع يجب اعتباره، قال أحمد بن القاسم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن لهيعة، فقال: ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، قال: أنا قد أكتب حديث الرجل على هذا المعنى كأني أستدل به مع حديث غيره بشده، لا أنه حجة إذا انفرد، قلت: فإذا كان الرجل على هذا ليس حديثه بحجة في شيء، قال: إذا انفرد بالحديث فنعم، ولكن إذا كان حديث عنه وعن غيره كان في هذا تقوية.

стр. 312

وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ما حديث ابن لهيعة بحجة، إلا أني كنت كثيرا ما أكتب حديث الرجل لا أعرفه ويقوي بعضه بعضا. وسأله المروذي عن جابر الجعفي، فقال: قد كنت لا أكتب حديثه ثم كتبته أعتبر به. وقال له مهنا: لم تكتب حديث ابن أبي مريم وهو ضعيف؟ قال: أعرفه. وقال سمعته يقول لرجل عنده في حديث رجل متروك، قال له الرجل: قد رميت بحديثه ما أدري أين هو، قال له أبو عبد الله: ولم؟ كيف لم تدعها حتى تنظر فيها وتعتبر بها (١) . [إذا قال الصحابي أو التابعي من السنة كذا أو أمرنا بكذا ونهينا عن كذا] مسألة: إذا قال الصحابي: «من السنة كذا وكذا» اقتضى سنة النبي ﷺ عند أصحابنا وعامة الشافعية وجماعة من الحنفية منهم أبو عبد الله البصري. وقال أبو بكر الرازي والكرخي والصيرفي: لا يقتضي ذلك، واختاره الجويني. قال القاضي: إذا قال الصحابي: «من السنة كذا» كقول علي: «من السنة ألا يقتل حر بعبد» اقتضى سنة النبي ﷺ ، وكذلك إذا قال التابعي: «من السنة كذا» كان بمنزلة المرسل، فيكون حجة على الصحيح من الروايتين، كما قال سعيد بن المسيب: «من السنة إذا أعسر الرجل بنفقة امرأته أن يفرق بينهما الحاكم» وكذا إذا قال الصحابي: «أمرنا بكذا ونهينا عن كذا» فإنه يرجع إلى أمر النبي ﷺ ونهيه، وكذلك إذا قال: «رخص لنا في كذا» وقد نقل أبو النظر العجلي عن أحمد في جراحات النساء مثل جراحات الرجال حتى تبلغ الثلث، فإذا زاد فهو على النصف من جراحات الرجال، قال: وهو قول زيد بن ثابت، وقول علي كله على النصف. قيل له: كيف لم تذهب إلى قول علي؟ قال: لأن هذا يعني قول زيد ليس بقياس، قال: قال سعيد بن المسيب: «هو السنة» .

стр. 313

قال القاضي: وهذا يقتضي أن قول التابعي: «من السنة» أنها سنة النبي ﷺ لأنه قدم قول زيد على قول علي، لأنه وافق قول سعيد: «إنما هي السنة» وبين أنه ليس بقياس. قال: وقد رأيت هذا لبعض أصحابنا ويغلب على ظني أنه أبو حفص البرمكي ذكره في مسائل البرزاطي لما روى الحديث عن ابن عمر أنه قال: «مضت السنة أن ما أدركت الصفقة حبا مجموعا فهو من مال المبتاع» فقال بعد هذا: صار هذا الحديث مرفوعا بقوله: «مضت السنة» ويدخل في المسند. حرر ابنه عبد الله أن هذا القائل هو ابن بطة. قال شيخنا ﵁: قلت: ويغلب على ظني أن هذا الضرب لم يذكره أحمد في الحديث المسند، فلا يكون عنده مرفوعا (١) . مسألة: فإن قال التابعي ذلك فكذلك، إلا أنه يكون بمنزلة المرسل، وقد أومأ أحمد إلى ذلك. والد شيخنا: قال المقدسي: وقول التابعي والصحابي في ذلك سواء، إلا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر وذكر قول التابعي في هذه وفي التي بعدها. قال أبو الخطاب: في ذلك وجهان، بناء على المرسل. قال شيخنا ﵁: الخلاف في «أمرنا» و «نهينا» إنما يتوجه عند الإطلاق، وأما عند الاقتران -بأن الأمر كان على عهد رسول الله ﷺ أو زمنه- فلا يتوجه، كقول أنس في الأذان: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» في السياق المعروف، وكقول عائشة: «كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» وقول زيد بن أرقم: «كان الرجل منا يحدث أخاه وهو في الصلاة حتى نزل قوله ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [٢٣٨/٢] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» وقول سهل بن سعيد: «كان الناس يؤمرون أن يضعوا أيمانهم على شمائلهم» .

стр. 314

وقول أنس في الصف بين السواري: «كنا نطرد عن هذا على عهد رسول الله ﷺ » كذا ذكر الغزالي وأبو محمد قوله: «وقت لنا» (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [كنا نفعل كذا على عهد الرسول حجة من وجهين] قول الصحابي: «كنا نفعل كذا على عهد النبي ﷺ » يحتج به من وجهين. من جهة: أن فعلهم حجة كقولهم، ومن جهة: إقرار رسول الله ﷺ . فالأول كقول أبي سعيد (٢) : «كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن» فهذا لا يحتاج إلى أن يبلغ النبي ﷺ لكن هذا المأخذ قد ذكره أبو سعيد (٣) ولم أر الأصوليين تعرضوا له. وأما الثاني: فيحتاج إلى بلوغ النبي ﷺ ، وفيه الأقوال الثلاثة: أحدها: قول أبي الخطاب وأبي محمد أنه حجة مطلقا؛ لأن ذكره ذلك في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه النبي ﷺ فسكت عنه ليكون دليلا. والثاني: ليس بحجة كالوجه الذي ذكره القاضي، وهو قول الحنفية. وأما إذا كانت العادة تقتضي أنه بلغه فذاك دليل على البلوغ. وأصل هذا أن الأصل قول الله تعالى وفعله وتركه القول وتركه الفعل، وقول رسول الله ﷺ وفعله وتركه القول وتركه العمل. وإن كانت قد جرت عادة عامة الأصوليين أنهم لا يذكرون من جهة الله إلا قوله الذي هو كتابه، ومن جهة رسول الله ﷺ قد يقولون بما يقول أصحابنا قوله، وفعله، وإقراره. وقد يقولون: «وإمساكه» وهذا أجود؛ فإن إقراره ترك النهي فإنه يدل على العفو عن تحريم. وأما الإمساك فإنه يعم ترك الأمر أيضا الذي يفيد العفو عن الإيجاب كترك الأمر بصدقة

стр. 315

خضروات المدينة فإن ترك الأمر مع الحاجة إلى البيان يدل على عدم الإيجاب، كترك النهي، وأما ترك الفعل فإنه يدل على عدم الاستحباب وعدم الإيجاب كثيرا؛ فإن ترك الفعل مع قيام المقتضي له يدل على عدم كونه مشروعا كترك النهي مع الحاجة إلى البيان. وأما «فعل الله» كعذابه للمنذرين فإنه دليل على تحريم ما فعلوه ووجوب ما أمروا به، وكما استدل أصحابنا وغيرهم من السلف بفعل الله تعالى ورجم قوم لوط على رجمهم. وأما ترك القول فكما يستدل بعدم أمره على عدم الإيجاب وبعدم نهيه على عدم التحريم، كقوله: «وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» وهو الدليل الثاني للاستدلال على عدم الحكم بعدم الدليل، وكما استدل أبو سعيد بعدم النهي عن الفعل على عدم تحريمه. وأما ترك الفعل فكإنجائه للمؤمنين دون المنذرين (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [قول الصحابي نزلت في كذا] قول الصاحب: «نزلت هذه الآية في كذا» هل هو من باب الرواية أو الاجتهاد؟ طريقة البخاري في صحيحه تقتضي أنه من باب المرفوع وأحمد في المسند لم يذكر مثل هذا (٢) . [إذا تفرد العدل بزيادة لا تنافي المزيد عليه] مسألة: إذا انفرد العدل عن سائر الثقات بزيادة لا تنافي المزيد عليه قبلت، نص عليه، وهو قول جماعة الفقهاء والمتكلمين وقول الشافعي. وقال جماعة من أهل الحديث: لا تقبل. وعن المالكية وجهان. وعن أحمد قول كقولهم فيما إذا خالف ظاهر المزيد عليه، وعنه ترد مطلقا إذا تركها الجمهور، وكذلك حكى ابن برهان هذا المذهب الثاني عن أبي حنيفة [وحكاه الجويني عن أبي حنيفة] [ولفظ ترجمته: إذا روى طائفة من الأثبات قصة وانفرد واحد منهم بزيادة فيها] .

стр. 316

قال شيخنا: قلت: لعل مأخذه أن الزيادة تخالف المزيد عليه، لأنها تقيده، والتقييد نسخ عنده، وذكر أبو الخطاب قبولها إذا تعدد المجلس، وإن اتحدوا كأن كان الذي ترك الزيادة جماعة لا يجوز عليهم الوهم سقطت، وإن كان ناقل الزيادة جماعة كثيرة قبلت. قال شيخنا: قال القاضي: إذا روى جماعة من الثقات حديثا وانفرد أحدهم بزيادة لا تخالف المزيد عليه، مثل أن ينقلوا أن النبي ﷺ دخل البيت وانفرد أحدهم بقوله دخل وصلى تثبت تلك الزيادة بقوله، كالمنفرد بحديث عنهم، وهكذا لو أرسلوه كلهم ورفعه واحد منهم إلى النبي ﷺ ثبت عنه مسندا بروايته، وهكذا لو وقفوه كلهم على صحابي ورفعه واحد إلى النبي ﷺ ثبت هذا المرفوع، ولم يرد قال وقد نص أحمد على الأخذ بالزائد في مواضع فقال أحمد بن القاسم: سألت أبا عبد الله عن مسألة في فوات الحج، فقال: فيها روايتان، إحداهما فيها زيادة دم، قال أبو عبد الله: والزائد أولى أن يؤخذ به، قال: وهذا مذهبنا في الأحاديث: إذا كانت الزيادة في أحدهما أخذنا بالزيادة [وهذا النص يدخل في الأخبار، وفي المطلق والمقيد] قال: ونقل الميموني عنه أنه قال: نقل أن النبي ﷺ دخل الكعبة ولم يصل، ونقل أنه صلى فهذا يشهد أنه صلى. وابن عمر يقول: لم يقنت في الفجر، وغيره يقول: قنت، فهذه شهادة عليه بأنه قد قنت، وحديث أنس: بأن رسول الله ﷺ لم يخضب، وقوم يقولون قد خضب، فالذي شهد على الشيء [فهو] أوكد. وذهب جماعة إلى أن ما انفرد به الواحد كان مردودا، وقد روي عن أحمد نحو هذا في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث والمروذي إذا تبايعا فخير أحدهما صاحبه بعد البيع هل يجب البيع؟ فقال: هكذا في حديث ابن عمر. قيل له: تذهب إليه؟ قال: لا أنا أذهب إلى الأحاديث النافية، الخيار لهما ما لم يتفرقا، ليس فيها شيء من هذا.

стр. 317

قال القاضي: قد صرح في رواية ابن عمر بزيادتها، لأن الجماعة ما نقلوها، وإنما تفرد بها ابن عمر، وقد قال في رواية أبي طالب: كان الحجاج بن أرطاة من الحفاظ، قيل له: هو عند الناس ليس بذاك، قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس [لا يكاد يوجد له حديث إلا وفيه زيادة] . قال شيخنا: قلت: أخرج منه تركه للزيادة في حديث عائشة: «والملك لا شريك له» قال: لأن الناس خالفوه، قال المروذي: قرئ على أبي عبد الله حديث عائشة: «كانت تلبي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك» فقال أبو عبد الله: كان فيه: «والملك لا شريك لك» فتركه لأن الناس خالفوه (١) . [شيخنا] : ... ... فصل [مسألة الزيادة ذات شعب واشتباه. إيضاح ذلك] هذه المسألة ذات شعب واشتباه بغيرها، وذلك أن الكلام في ثبوتها أوردها غير اتباعها عملا؛ فإنه قد يروى حديثان منفصلان في قصة، وفي أحدهما زيادة، فهنا لا ريب في قبولها إذا رواها ثقة، كما لو روى حديثا مفردا متضمنا حكما آخر، لكن قد يوجب ذلك تقييد الرواية الأخرى أو تخصيصها فتبقى من باب الخطابين المطلق والمقيد، وهنا قد خالفت إطلاق الرواية الأخرى، كما في حديث ابن عمر في البيعين، فكلام أحمد في رواية ابن القاسم إشارة إلى هذا القسم، وكذلك في حديث ابن عمر؛ لكن إذا كان راوي المطلق عدد أو راوي المقيد واحدا وهو تقييد يرفع موجب ذلك الخبر صار كالنسخ، عنده، وتعارضا، فلا يرفع الأقوى الأضعف؛ ولهذا يتوقف في النسخ بمثل هذه الرواية عنه في التفريق، وكنسخ القيام للجنازة ونحو ذلك، فإن نسخ خبر العدل بالواحد يتوقف فيه. وأما الخبر الواحد فإما أن ترد إحدى الروايتين عن المنشئ

стр. 318

للكلام، أو عن المخبر به. فأما الأول فهي المسألة المذكورة هنا، وهي زيادة أحد الصاحبين ما لم يروه الآخر، وهي ترجع إلى القسم الأول إن تعدد المجلس، وأما إن اتحد ولم يعلم واحد منهما فهي هي. وأما إن كانت الزيادة عن المخبر عنه فهنا الزيادة في حديث واحد قطعا؛ لأن تعدد مجالس الأخبار لا يوجب تعدد المخبر عنه؛ لكن قد يرويه المحدث بكماله وقد يختصره. فسبب عدم قبول الزيادة إما تعدد المتكلم وإما حفظ الزائد دون غيره. وإما أن يكون تركهم لروايتها لا لعدم علمهم بها بل للاختصار وترك روايتها يبتني على جواز نقل بعض الحديث دون بعض إن كان الترك موهما ولهذا قرنوا إحدى المسألتين بالأخرى. وأيضا فزيادة بعض الرواة بعض الحديث يستمد من قاعدة، وهي: أن التفرد بالرواية قد يقدح تارة ولا يقدح أخرى، فإذا كان المقتضي للاشتراك قائما ولم يقدح قدح وإلا فلا، ومنه رواية ما تعم به البلوى وغير ذلك، وذلك لأنها إذا كانت ثابتة فالمحدث إما أن يكون قد ذكرها للبقية أو لم يذكرها. وإذا ذكرها فإما أنهم لم يسمعوها، أو سمعوها وما حفظوها، أو حفظوها وما حدثوا بها، ليس هنا سبب رابع. فإن كان المقتضي لذكرها وسمعها وحفظها والتحديث بها موجودا صارت مثل المثبت والنافي سواء. وأما الاختلاف في الإسناد والإرسال والرفع والوقف ففيه تفصيل أيضا. وكلام أحمد وغيره في هذه الأبواب مبني على التفصيل، وأهل الحديث أعلم من غيرهم (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [وإذا كانت تخالف المزيد] ذكر القاضي في ضمن المسألة أن المنفرد بزيادة لا تخالف المزيد

стр. 319

كالمنفرد بحديث، فأورد عليه ترك أحمد لزيادة ابن أبي عروبة الاستسعاء، قال في رواية الميموني: حديث أبي هريرة في الاستسعاء يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة وهمام وهشام الدستوائي فلم يذكروه ولا أذهب إلى الاستسعاء. فقال القاضي: هذا باب آخر، وهو أن هذه الزيادة تخالف المزيد عليه فيكون كأنه تفرد بضد ما نقلته الجماعة، فيقدم ما كثرت روايته على ما قلت، وكذلك فيما نقل عن النبي ﷺ «في زكاة الفطر نصف صاع من بر» وروي «صاع من بر» فهذه الزيادة تخالف المزيد عليه، فيقدم أحدهما بكثرة الرواة (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [التعارض الحقيقي لا يوجد في الأخبار] لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به. ذكره أبو بكر الخلال، وهذا قول القاضي (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [المضطرب] يقدم حديث من لم يضطرب لفظه على ما اضطرب لفظه قاله القاضي (٣) . [الترجيح] [شيخنا] مسألة: يجوز ترجيح أحد الدليلين الظنيين على الآخر عند عامة العلماء، واختلف النقل فيه عن البصري (٤) . [شيخنا] مسألة: لا ترجيح في المذاهب الخالية عن دليل، وحكى عبد الجبار بن أحمد عن أصحابه جواز ذلك (٥) .

стр. 320

مسألة: فأما ترجيح أحد الدليلين على الآخر بقلة احتماله للخطأ أو كثرة احتمال الآخر فنفاه القاضي، وفرق بين ما يوجب صحة الشيء وبيانه فإنه يقوى بكثرة وجوه الإثبات لكثرة الرواة في الخبر وكثرة الاشتباه في القياس، وبين ما يوجب فساد الشيء فإنه لا يعتبر فيه بالقلة والكثرة، كما لو كان الراوي مغفلا فإن ذلك يمنع قبول خبره، ولا يختلف بوجود الفسق معها وعدمه. قال شيخنا ﵁: قلت: هذا ضعيف ولو صح لكان الفرق بين ما يوجب الفساد وبين ما يحتمل الفساد ظاهرا، ومسألته من القسم الثاني (١) . [إذا تعارض المرسل وحديث عن الصحابة] مسألة: [شيخنا] إذا تعارض خبر مرسل عن النبي ﷺ وحديث عن الصحابة أو التابعين فالذي عن الصحابة أولى من المرسل نص عليه، ولفظه: قال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأبي عبد الله: حديث عن النبي ﷺ مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة أو التابعين متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبد الله: عن الصحابة أعجب إلي (٢) . [تقديم رواية المثبت على النافي] مسألة: [شيخنا] في تقديم رواية المثبت على النافي، نص عليه أحمد، قال إسماعيل: إذا كان النفي مستندا إلى علم بالعدم -بأن كانت جهات الإثبات معلومة- لا إلى عدم علم بأن النفي والإثبات في جهة هذه الصورة يتقابلان من غير ترجيح (٣) . مسألة: رواية من تقدم إسلامه ومن تأخر سواء، قاله القاضي وغيره. وقال بعض الشافعية: تقدم رواية المتأخر إسلامه. قال شيخنا: ذكر ابن عقيل ما يشبه هذا فلينظر في أوائل الثاني
следующие страницы →