← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال شيخنا: قلت: لعل مأخذه أن الزيادة تخالف المزيد عليه، لأنها تقيده، والتقييد نسخ عنده، وذكر أبو الخطاب قبولها إذا تعدد المجلس، وإن اتحدوا كأن كان الذي ترك الزيادة جماعة لا يجوز عليهم الوهم سقطت، وإن كان ناقل الزيادة جماعة كثيرة قبلت. قال شيخنا: قال القاضي: إذا روى جماعة من الثقات حديثا وانفرد أحدهم بزيادة لا تخالف المزيد عليه، مثل أن ينقلوا أن النبي ﷺ دخل البيت وانفرد أحدهم بقوله دخل وصلى تثبت تلك الزيادة بقوله، كالمنفرد بحديث عنهم، وهكذا لو أرسلوه كلهم ورفعه واحد منهم إلى النبي ﷺ ثبت عنه مسندا بروايته، وهكذا لو وقفوه كلهم على صحابي ورفعه واحد إلى النبي ﷺ ثبت هذا المرفوع، ولم يرد قال وقد نص أحمد على الأخذ بالزائد في مواضع فقال أحمد بن القاسم: سألت أبا عبد الله عن مسألة في فوات الحج، فقال: فيها روايتان، إحداهما فيها زيادة دم، قال أبو عبد الله: والزائد أولى أن يؤخذ به، قال: وهذا مذهبنا في الأحاديث: إذا كانت الزيادة في أحدهما أخذنا بالزيادة [وهذا النص يدخل في الأخبار، وفي المطلق والمقيد] قال: ونقل الميموني عنه أنه قال: نقل أن النبي ﷺ دخل الكعبة ولم يصل، ونقل أنه صلى فهذا يشهد أنه صلى. وابن عمر يقول: لم يقنت في الفجر، وغيره يقول: قنت، فهذه شهادة عليه بأنه قد قنت، وحديث أنس: بأن رسول الله ﷺ لم يخضب، وقوم يقولون قد خضب، فالذي شهد على الشيء [فهو] أوكد. وذهب جماعة إلى أن ما انفرد به الواحد كان مردودا، وقد روي عن أحمد نحو هذا في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث والمروذي إذا تبايعا فخير أحدهما صاحبه بعد البيع هل يجب البيع؟ فقال: هكذا في حديث ابن عمر. قيل له: تذهب إليه؟ قال: لا أنا أذهب إلى الأحاديث النافية، الخيار لهما ما لم يتفرقا، ليس فيها شيء من هذا.

стр. 317

قال القاضي: قد صرح في رواية ابن عمر بزيادتها، لأن الجماعة ما نقلوها، وإنما تفرد بها ابن عمر، وقد قال في رواية أبي طالب: كان الحجاج بن أرطاة من الحفاظ، قيل له: هو عند الناس ليس بذاك، قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس [لا يكاد يوجد له حديث إلا وفيه زيادة] . قال شيخنا: قلت: أخرج منه تركه للزيادة في حديث عائشة: «والملك لا شريك له» قال: لأن الناس خالفوه، قال المروذي: قرئ على أبي عبد الله حديث عائشة: «كانت تلبي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك» فقال أبو عبد الله: كان فيه: «والملك لا شريك لك» فتركه لأن الناس خالفوه (١) . [شيخنا] : ... ... فصل [مسألة الزيادة ذات شعب واشتباه. إيضاح ذلك] هذه المسألة ذات شعب واشتباه بغيرها، وذلك أن الكلام في ثبوتها أوردها غير اتباعها عملا؛ فإنه قد يروى حديثان منفصلان في قصة، وفي أحدهما زيادة، فهنا لا ريب في قبولها إذا رواها ثقة، كما لو روى حديثا مفردا متضمنا حكما آخر، لكن قد يوجب ذلك تقييد الرواية الأخرى أو تخصيصها فتبقى من باب الخطابين المطلق والمقيد، وهنا قد خالفت إطلاق الرواية الأخرى، كما في حديث ابن عمر في البيعين، فكلام أحمد في رواية ابن القاسم إشارة إلى هذا القسم، وكذلك في حديث ابن عمر؛ لكن إذا كان راوي المطلق عدد أو راوي المقيد واحدا وهو تقييد يرفع موجب ذلك الخبر صار كالنسخ، عنده، وتعارضا، فلا يرفع الأقوى الأضعف؛ ولهذا يتوقف في النسخ بمثل هذه الرواية عنه في التفريق، وكنسخ القيام للجنازة ونحو ذلك، فإن نسخ خبر العدل بالواحد يتوقف فيه. وأما الخبر الواحد فإما أن ترد إحدى الروايتين عن المنشئ

стр. 318

للكلام، أو عن المخبر به. فأما الأول فهي المسألة المذكورة هنا، وهي زيادة أحد الصاحبين ما لم يروه الآخر، وهي ترجع إلى القسم الأول إن تعدد المجلس، وأما إن اتحد ولم يعلم واحد منهما فهي هي. وأما إن كانت الزيادة عن المخبر عنه فهنا الزيادة في حديث واحد قطعا؛ لأن تعدد مجالس الأخبار لا يوجب تعدد المخبر عنه؛ لكن قد يرويه المحدث بكماله وقد يختصره. فسبب عدم قبول الزيادة إما تعدد المتكلم وإما حفظ الزائد دون غيره. وإما أن يكون تركهم لروايتها لا لعدم علمهم بها بل للاختصار وترك روايتها يبتني على جواز نقل بعض الحديث دون بعض إن كان الترك موهما ولهذا قرنوا إحدى المسألتين بالأخرى. وأيضا فزيادة بعض الرواة بعض الحديث يستمد من قاعدة، وهي: أن التفرد بالرواية قد يقدح تارة ولا يقدح أخرى، فإذا كان المقتضي للاشتراك قائما ولم يقدح قدح وإلا فلا، ومنه رواية ما تعم به البلوى وغير ذلك، وذلك لأنها إذا كانت ثابتة فالمحدث إما أن يكون قد ذكرها للبقية أو لم يذكرها. وإذا ذكرها فإما أنهم لم يسمعوها، أو سمعوها وما حفظوها، أو حفظوها وما حدثوا بها، ليس هنا سبب رابع. فإن كان المقتضي لذكرها وسمعها وحفظها والتحديث بها موجودا صارت مثل المثبت والنافي سواء. وأما الاختلاف في الإسناد والإرسال والرفع والوقف ففيه تفصيل أيضا. وكلام أحمد وغيره في هذه الأبواب مبني على التفصيل، وأهل الحديث أعلم من غيرهم (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [وإذا كانت تخالف المزيد] ذكر القاضي في ضمن المسألة أن المنفرد بزيادة لا تخالف المزيد

стр. 319

كالمنفرد بحديث، فأورد عليه ترك أحمد لزيادة ابن أبي عروبة الاستسعاء، قال في رواية الميموني: حديث أبي هريرة في الاستسعاء يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة وهمام وهشام الدستوائي فلم يذكروه ولا أذهب إلى الاستسعاء. فقال القاضي: هذا باب آخر، وهو أن هذه الزيادة تخالف المزيد عليه فيكون كأنه تفرد بضد ما نقلته الجماعة، فيقدم ما كثرت روايته على ما قلت، وكذلك فيما نقل عن النبي ﷺ «في زكاة الفطر نصف صاع من بر» وروي «صاع من بر» فهذه الزيادة تخالف المزيد عليه، فيقدم أحدهما بكثرة الرواة (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [التعارض الحقيقي لا يوجد في الأخبار] لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به. ذكره أبو بكر الخلال، وهذا قول القاضي (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [المضطرب] يقدم حديث من لم يضطرب لفظه على ما اضطرب لفظه قاله القاضي (٣) . [الترجيح] [شيخنا] مسألة: يجوز ترجيح أحد الدليلين الظنيين على الآخر عند عامة العلماء، واختلف النقل فيه عن البصري (٤) . [شيخنا] مسألة: لا ترجيح في المذاهب الخالية عن دليل، وحكى عبد الجبار بن أحمد عن أصحابه جواز ذلك (٥) .

стр. 320

مسألة: فأما ترجيح أحد الدليلين على الآخر بقلة احتماله للخطأ أو كثرة احتمال الآخر فنفاه القاضي، وفرق بين ما يوجب صحة الشيء وبيانه فإنه يقوى بكثرة وجوه الإثبات لكثرة الرواة في الخبر وكثرة الاشتباه في القياس، وبين ما يوجب فساد الشيء فإنه لا يعتبر فيه بالقلة والكثرة، كما لو كان الراوي مغفلا فإن ذلك يمنع قبول خبره، ولا يختلف بوجود الفسق معها وعدمه. قال شيخنا ﵁: قلت: هذا ضعيف ولو صح لكان الفرق بين ما يوجب الفساد وبين ما يحتمل الفساد ظاهرا، ومسألته من القسم الثاني (١) . [إذا تعارض المرسل وحديث عن الصحابة] مسألة: [شيخنا] إذا تعارض خبر مرسل عن النبي ﷺ وحديث عن الصحابة أو التابعين فالذي عن الصحابة أولى من المرسل نص عليه، ولفظه: قال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأبي عبد الله: حديث عن النبي ﷺ مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة أو التابعين متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبد الله: عن الصحابة أعجب إلي (٢) . [تقديم رواية المثبت على النافي] مسألة: [شيخنا] في تقديم رواية المثبت على النافي، نص عليه أحمد، قال إسماعيل: إذا كان النفي مستندا إلى علم بالعدم -بأن كانت جهات الإثبات معلومة- لا إلى عدم علم بأن النفي والإثبات في جهة هذه الصورة يتقابلان من غير ترجيح (٣) . مسألة: رواية من تقدم إسلامه ومن تأخر سواء، قاله القاضي وغيره. وقال بعض الشافعية: تقدم رواية المتأخر إسلامه. قال شيخنا: ذكر ابن عقيل ما يشبه هذا فلينظر في أوائل الثاني

стр. 321

بالأصل له. [هل تقدم رواية من تقدم إسلامه وهجرته ... ] وقال أبو الخطاب: تقدم رواية من قد تقدمت هجرته وكثرت صحبته، وكذا قال ابن عقيل: تقدم رواية من كثرت صحبته وقد تقدم [وقال إسماعيل: لا تقدم رواية من تقدم إسلامه على من تأخر إسلامه] (١) . فصل [سبب ذهاب ما ذهب من الدين وظهور ما ظهر من البدع] قاعدة: بعث الله محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا إلى جميع الخلق: أهل العلم والعبادة، وأهل الولاية والإمارة من الخاصة، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة ورضي لهم الإسلام دينا. فالهدى يدخل فيه العلم النافع ودين الحق يدخل فيه العمل الصالح فعاش الناس في ذلك الهدى ودين الحق. ثم ظهرت البدع والفجور، فصار من الأمة من استمسك بالهدى ودين الحق. ومنهم من عدل عن بعض ذلك فاستمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم وخاضوا كالذي خاضوا. فالمنحرف: إما المبتدع في دينه، وإما الفاجر في دنياه، كما قال الحسن البصري، وسفيان الثوري وجماعات من السلف: إن من سلم من فتنة البدعة وفتنة الدنيا فقد سلم. وإن كانت البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ففتنة البدعة في أهل العلم والدين. وفتنة الدنيا في ذوي السلطان والمال؛ ولهذا قال بعض الناس: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء. وقد قال أبو محمد الرملي عن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: بالماضين ما كان أشبهه، وعن الدنيا ما كان أصبره، أتته البدعة فنفاها، والدنيا فأباها. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ

стр. 322

كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [٣٤/٩] وقال ابن المبارك: وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأخبار سوء ورهبانها فالأمراء من الملوك وأتباعهم يقولون لما أحدثوه: «سياسة» ويقولون: «شرع وسياسة» والعلماء المتكلمون يقولون: عقليات وكلام، ويقولون: العقل والشرع. والعباد والفقراء والصوفية يقولون: «حقيقة وشريعة» . وسياسة هؤلاء وعقليات هؤلاء وحقيقة هؤلاء أعظم قدرا في صدورهم من كتاب الله وسنة رسوله حالا، أو اعتقادا. وبإزائهم قوم من الفقهاء والمحدثين والعباد والعامة ينتسبون إلى الكتاب والسنة والشرع وهم لا يعلمون من ذلك ما يحتاج إليه؛ بل فيهم من الجهل بحقائق ذلك أو التقليد لبعض رؤسائهم ما أوجب نقص الكتاب والسنة والشريعة في قلوب أولئك فتقصير هؤلاء وعدوان أولئك كان سببا لذهاب ما ذهب من الدين وظهور ما ظهر من البدع. والله أعلم (١) .

стр. 323

الأصل الثالث الإجماع [الإجماع حجة] مسألة: ولا يجوز أن تجمع الأمة على الخطأ، نص عليه، وهو قول جماعة الفقهاء والمتكلمين، وحكي عن إبراهيم النظام وطائفة من المرجئة وبعض المتكلمين أنه ليس بحجة وأنه يجوز اجتماع الكل على الخطأ، وقالت الرافضة: ليس الإجماع حجة، وإنما قول الإمام وحده حجة. والمشهور عن النظام إنكار تصوره. والأول حكاه القاضيان أبو يعلى وأبو الطيب. وأول من استدل بالآية الشافعي ﵁. [وإذا اختلف الصحابة لم يخرج عن أقاويلهم وينظر إلى أقرب القولين إلى الكتاب والسنة (١) ] قال القاضي: الإجماع حجة مقطوع عليها (٢) يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجمع الأمة على الخطأ، وقد نص أحمد على هذا في رواية عبد الله وأبي الحارث في الصحابة إذا اختلفوا لم يخرج عن أقاويلهم أرأيت إن أجمعوا له أن يخرج من أقاويلهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي لأحد أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا. قال شيخنا ﵁: قلت: قال في رواية عبد الله: الحجة على من زعم أنه إذا كان أمرا مجمعا عليه ثم افترقوا إنا نقف على ما أجمعوا عليه، إلى آخره وهي مكتوبة في مسألة انقراض العصر قال:

стр. 324

وقد أطلق القول في رواية عبد الله فقال: من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا وهذه دعوى بشر المريسي والأصم؛ ولكن يقول: «لا نعلم الناس اختلفوا» إذا لم يبلغه. وكذلك نقل المروذي عنه أنه قال: كيف يجوز للرجل أن يقول: «أجمعوا» ؟ إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم، لو قال: «إني لم أعلم مخالفا» كان ذلك، ونقل أبو طالب عنه أنه قال: هذا كذب ما أعلمه أن الناس مجمعون، ولكن يقول: «لا أعلم فيه اختلافا» فهو أحسن من قوله: «إجماع الناس» وكذلك نقل أبو الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع، لعل الناس اختلفوا. قال القاضي: فظاهر هذا الكلام أنه قد منع صحة الإجماع، وليس هذا على ظاهره، وإنما قال هذا عن طريق الورع؛ لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف؛ لأنه قد أطلق القول بصحة الإجماع في رواية عبد الله وأبي الحارث، وادعى الإجماع في رواية الحسن بن ثواب فقال: أذهب في التكبير من غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق. فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ فقال: بالإجماع عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس. [دعوى الإجماع التي أنكرها أحمد والإجماع الذي يعتبره] قال شيخنا: قلت: الذي أنكره أحمد دعوى إجماع المخالفين بعد الصحابة أو بعدهم وبعد التابعين، أو بعد القرون الثلاثة المحمودة، ولا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد عصر التابعين أو بعد القرون الثلاثة، مع أن صغار التابعين أدركوا القرن الثالث، وكلامه في إجماع كل عصر إنما هو في التابعين. ثم هذا منه نهي عن دعوى الإجماع العام النطقي، وهو كالإجماع السكوتي، أو إجماع الجمهور من غير علم بالمخالف؛ فإنه قال في القراءة خلف الإمام: ادعي الإجماع في نزول الآية وفي عدم الوجوب

стр. 325

في صلاة الجهر، وإنما فقهاء المتكلمين كالمريسي والأصم يدعون الإجماع ولا يعرفون إلا قول أبي حنيفة ومالك ونحوهما، ولا يعلمون أقوال الصحابة والتابعين، وقد ادعى الإجماع في مسائل الفقه غير واحد من مالك ومحمد بن الحسن والشافعي وأبي عبيد في مسائل وفيها خلاف لم يطلعوه وقد جاء الاعتماد على الكتاب والسنة والإجماع في كلام عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وغيرهما حيث يقول كل منهما: اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله، فإن لم يكن فبما أجمع عليه الصالحون. وفي لفظ: بما أجمع عليه الناس؛ لكن يقتضي تأخير هذا عن الأصلين، وما ذاك إلا لأن هؤلاء لا يخالفون الأصلين (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [دلالة كونه حجة] دلالة كون الإجماع حجة هو الشرع. وقيل: العقل أيضا [نثبته حجة: إما بالسمع، وإما بالعقل. والسمع إما بالكتاب، وإما بالسنة، ونثبت السنة بالتواتر المعنوي، وبأن العادة والدين يمنع من تصديق ما لم يثبت ومن معارضة القواطع ما ليس بقاطع. والعقل إما العادة الطبيعية، وإما دين السلف الشرعي المانع من القطع بما ليس بحق] (٢) (٣) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [أخبار الآحاد يدل على صحتها طرق] قال المخالف: هذه أخبار آحاد فلا يجوز الاحتجاج بها في مثل هذه المسألة، فقال القاضي: هذه مسألة شرعية طريقها مثل مسائل الفروع ليس للمخالف فيها طريق يمكنه أن يقول: إنه يوجب القطع. وجواب آخر، وهو أنه تواتر في المعنى من وجهين:

стр. 326

أحدهما: أن الألفاظ الكثيرة إذا وردت من طرق مختلفة ورواة شتى لم يجز أن يكون جميعها كذبا، ولم يكن بد أن يكون بعضها صحيحا، كما لو أخبرنا الجمع الكثير بإسلامهم وجب أن يكون فيهم صادق، ولهذا أثبتنا كثيرا من معجزات النبي ﷺ وأثبتنا وجوب العمل بخبر الواحد بما روي عن الصحابة من العمل به في قضايا مختلفة. والثاني: أن هذا الخبر تلقته الأمة بالقبول، ولم ينقل عن أحد أنه رده؛ ولهذا نقول: إن قول النبي ﷺ : «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» لما اتفقوا على العمل به دلَّ على أنه صحيح عندهم. [قال شيخنا ﵁] : قلت: وثم طريق ثالث، وهو ثبوت القدر المشترك من المعنى، وهذا غير القطع بصحة واحد من الألفاظ. قال في أدلة المسألة: وأيضا فلا خلاف أن نصب الزكاة والمقادير الواجبة فيها وأركان الصلاة مقطوع بها، ومعلوم أنه ما ثبت بها خبر متواتر، وإنما نقل فيها أخبار آحاد: ابن عمر وأنس وغيرهما، عدد معروف، فلما اتفقوا عليها وقطعوا على ثبوتها علمنا أن قبولها قطعي من حيث الإجماع، لا من حيث أخبار الآحاد؛ من ناحية أن الأمة تلقتها بالقبول فصارت الأخبار فيها كالمتواتر. واستدل ابن عقيل بأن تأخر نص عن نص يثبت بخبر الواحد، فيترتب عليه النسخ، وإن كان النسخ لا يثبت بخبر الواحد (١) . مسألة: يعتبر انقراض العصر عند القاضي والمقدسي والحلواني وابن عقيل. وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد، وذكر ابن برهان أنه مذهبهم.

стр. 327

[اعتبار انقراض العصر في صحة الإجماع] [قال شيخنا] : قلت: سر المسألة أن المدرك لا يعتبر وفاته؛ بل يعتبر عدم خلافه إذا قلنا به. وذهب المتكلمون من المعتزلة والأشعرية وأصحاب أبي حنيفة فيما ذكره أبو سفيان إلى أنه لا يعتبر. وعن الشافعية كالمذهبين، ولهم وجه ثالث: إن كان الإجماع مطلق لم يعتبر -وإن كان بشرط- وهو إن قالوا: هذا قولنا، ويجوز أن يكون الحق في غيره، فإذا وضح صرنا إليه اعتبر انقراض العصر. واختار الجويني إن أسندوه إلى الظن لم يكن إجماعا حتى يمضي زمان طويل حتى لو ماتوا عقبيه لم يستقر ولو مضت مدة طويلة قبل موتهم استقر، فلم يعتبر انقراض العصر في ذلك بل مضى زمن طويل، وتكلم في ضبطه بكلام كثير. والمذهب الثاني اختيار أبي الخطاب، وقال: هو قول عامة العلماء، وذكر أن أحمد أومأ إليه (١) أيضا. وحكى ابن عقيل قولا آخر بأنه إن كان قولا من الجميع لم يعتبر فيه انقراض العصر، وإن كان قولا من البعض وسكوتا من الباقين اشترط انقراض العصر، والذين اعتبروا انقراض العصر منهم من اعتبر موت جميع الصحابة، ومنهم من اعتبر موت الأكثر، ومنهم من اعتبر موت علمائهم. قال شيخنا: قال القاضي في مقدمة المجرد: انقراض العصر معتبر في صحة الإجماع واستقراره، فإذا أجمعت الصحابة على حكم من الأحكام ثم رجع بعضهم أو جميعهم انحل الإجماع وإن أدرك بعض التابعين عصرهم وهو من أهل الإجماع اعتد بخلافه، وقد قدم أحمد قول سعيد بن المسيب على قول ابن عباس في أن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته، وقول سعيد أيضا في أن خراج العبد مقدر من قيمة كالحر خلافا لابن عباس، ثم قال بعد هذا فيها: وإذا أدرك التابعي زمان الصحابة وهو من أهل الاجتهاد لم يعتبر قوله في إجماعهم، ولم يعتد

стр. 328

بخلافه لهم، وقد قال أحمد فيمن حكم بقول التابعين وترك قول الصحابة: نقض حكمه (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل احتج من قال: «لا يشترط انقراض العصر» بأن التابعين احتجوا بإجماع الصحابة في عصر الصحابة، فروي عن الحسن البصري أنه احتج بإجماع الصحابة وأنس بن مالك حي، فلو كان انقراض العصر شرطا لما احتج بذلك قبل انقراضه. فقال القاضي: والجواب أنا لا نعرف هذا عن التابعين، وما حكوه عن الحسن فيحتاج إلى أن ينقل لفظه حتى ينظر كيف وقع ذلك منه. [يحتج بإجماعهم في حياتهم] قال: وعلى أنه لو كان منقولا لم يكن فيه حجة؛ لأن من الناس من قال: قول الصحابي وحده حجة، وهو الصحيح من الروايتين لنا، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون الحسن احتج بقول الواحد منهم لا يإجماعهم. قال شيخنا: قلت: هذا جواب ضعيف، فإنا إذا اشترطنا انقراض العصر في المجمعين فلأن نشترطه في الواحد أولى؛ فإن قوله بعد رجوعه عنه لا يكون حجة وفاقا وإذا كان الاحتجاج بهذا الواحد في حياته مع أن رجوعه يبطل اتباعه فلأن يحتج بقول الجماعة في حياتهم أولى، وإنما المتوجه أن يحتج بقولهم في حياتهم وإن كان انقراض العصر شرطا؛ لأن الآية التي احتجوا بها في قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [١١٥/٤] ذم الله تعالى بها من خالفهم في حياتهم قبل انقراضهم وكذلك شهادتهم على الناس قبلها النبي ﷺ في حياة الشهيد.

стр. 329

وأيضا فلأنهم إذا اتفقوا وجب عليهم جميعا اتباع اتفاقهم إلى حين يحدث خلاف بينهم، وهذا كما يجب علينا طاعة الرسول فيما يأمر به وإن جاز تبدله بنسخ أو تغيير من الله تعالى، وذلك لأن الأصل عدم رجوعهم وبقاء أقوالهم ثم إذا رجعوا فأكثر ما في الباب أنهم اتفقوا على خطأ لم يقروا عليه، وهذا جائز عند هذا القائل وإنما هم معصومون عن دوام الخطأ، وهذا قريب إذا لم يطل الزمان بحيث يتبعهم الناس على ذلك الخطأ على وجه لا يمكن إزالته، فأما مع ذلك فلا يجوز كما لا يجوز في الرسالة. وكذا قال القاضي: قول النبي ﷺ قد جعلناه حجة لنا وبينا أنه يعتبر في ذلك انقراضه لأنه قد يرجع عنه ويتركه على أن قوله لا يقف العمل به على انقراضه، لأنه بالنسخ لا يتبين الخطأ بل يرجع عما كان عليه مع كونه كان صوابا في ذلك الوقت، وليس كذلك رجوع المجمعين؛ لأنه عن خطأ تبين لهم (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [واللاحقون إذا صاروا مجتهدين قبل انقضاء العصر] فإن كان الذين صاروا مجتهدين موجودين في حال إجماع الأولين فلا أثر لذلك، إذ وجودهم غير مجتهدين بمنزلة عدمهم أو وجودهم كفارا أو صبيانا، وإن صاروا مجتهدين قبل انقراض عصر الأولين لكن لم يخالفوهم حتى انقرض عصرهم فهذا الخلاف مسبوق بالإجماع المتقدم لأن المجتهد اللاحق لا يعتبر انقراض عصره في صحة الإجماع الأول بلا تردد إذا وافق أو سكت. أما إذا وافق فلا ريب، إذ لو اعتبر ذلك لما استمر إجماع. وأما إذا سكت فكذلك أيضا إذا منعناه أن يخالف. وإن سوغ له أن يخالف ولم يخالف فالإجماع قد تم بشروطه فإن المجمعين انقرض عصرهم من غير خلاف.

стр. 330

والضابط أن اللاحق إما أن يتأهل قبل الانقراض أو بعده. وعلى الأول فإما أن يوافق أو يخالف، أو يسكت. [قال شيخنا] : قلت: سر المسألة (١) أن المدرك لا يعتبر وفاته، بل يعتبر عدم خلافه إذا قلنا به، قال القاضي: انقراض العصر معتبر في صحة الإجماع واستقراره، فإذا أجمعت الصحابة على حكم من الأحكام ثم رجع بعضهم أو جميعهم انحل الإجماع. وإن أدرك بعض التابعين عصرهم وهو من أهل الاجتهاد اعتد بخلافه إذا قلنا إنه يعتد بخلافه معهم، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله، قال: الحجة على من زعم أنه إذا كان أمرا مجمعا عليه ثم افترقوا أنا نقف على ما أجمعوا عليه حتى يكون إجماعا، إن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع، ثم أعتقهن عمر وخالفه علي بعد موته فرأى أن تسترق فكان الإجماع في الأصل أنها أمة. وحد الخمر ضرب أبو بكر أربعين ثم ضرب عمر ثمانين وضرب علي في خلافة عثمان أربعين، وقال: ضرب أبو بكر أربعين وكملها عمر ثمانين، وكل سنة. فالحجة عليه في الإجماع في الضرب أربعين ثم عمر خالفه فزاد أربعين ثم ضرب علي أربعين، قال: وظاهر هذا اعتبار انقراض العصر؛ لأنه اعتد بخلاف علي بعد عمر في أم الولد، وكذا اعتد بخلاف عمر بعد أبي بكر في حد الخمر (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [إذا مات أحد الفريقين ثم أجمع من بعدهم هل يرفع الخلاف ؟] وإن مات أحد الفريقين بحيث يكون الباقي كل الفريق الآخر أو بعضهم فقد اختلف فيه من قال: «إجماع التابعين على أحد القولين يرفع الخلاف» على قولين، أحدهما -وهو الذي ذكره القاضي محل وفاق، واستدل به عليهم- أنه لا يرفع الخلاف المتقدم، وإن كان هؤلاء لو

стр. 331

أجمعوا قطعوا الخلاف الحادث (١) . قال القاضي: إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمع التابعون على أحدهما لم يرتفع الخلاف، وجاز الرجوع إلى القول الآخر والأخذ به، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية يوسف بن موسى، قال: ما اختلف فيه علي وزيد ينظر أشبهه بالكتاب والسنة. شيخنا: وكذلك نقل المروذي عنه: إذا اختلف الصحابة ينظر إلى أقرب القولين إلى الكتاب والسنة، وكذلك نقل أبو الحارث: ينظر إلى أقرب الأمور وأشبهها بالكتاب والسنة. قال: وظاهر هذا أنه رجع في ذلك إلى موافقة الدليل ولم يرجع إلى إجماع التابعين على أحد القولين (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [مما استدل به على أن إجماع التابعين لا يرفع الخلاف] قال القاضي في مسألة إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة: لا يرفع الخلاف؛ بل يجوز الرجوع إلى القول الآخر والأخذ به، لما رواه الآجري في كتابه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أصحابي مثل النجوم فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم» ، فقيل له: كيف تحتجون بهذا الحديث وقد قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عمن احتج بقول النبي ﷺ : «أصحابي بمنزلة النجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم» فقال: لا يصح هذا الحديث؟ قيل له: قد احتج أحمد به واعتمد عليه في فضائل الصحابة، فقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة: أنبأنا عبيد الله (٣) بن حنبل بن إسحاق بن حنبل، حدثني أبي، سمعت أبا عبد الله يقول: الغلو في ذكر أصحاب محمد لأن رسول الله ﷺ قال: «الله الله

стр. 332

في أصحابي لا تتخذوهم غرضا» وقال: «إنما هم بمنزلة النجوم بمن اقتديتم منهم اهتديتم» قال: فقد احتج بهذا اللفظ فدل عل صحته عنده (١) . [إذا اختلف الصحابة في مسألتين على قولين فهل يجوز لمن بعدهم القول بالتفرقة ؟] مسألة: فإن اختلف الصحابة في مسألتين على قولين؛ أحدهما بالإثبات فيهما والآخر بالنفي فيهما جاز لمن بعدهم القول بالتفرقة، وأن يقول في كل مسألة بقول طائفة منهم، في قول أكثر العلماء. وحكى ابن برهان لأصحابه في ذلك وجهين: أحدهما: كما قدمنا اختاره القاضي. وحكى أبو الخطاب عن أحمد ما يدل عليه في التي قبلها. والثاني: لا يجوز اختاره أبو الخطاب وزعم أنه ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم وأبي الحارث، وأشار إلى عموم كلامه (٢) في التي قبلها، وذكر أنه متى صرحوا بالتسوية لم تجز التفرقة ولم يذكر خلافا. ولنا وجه ثالث بالتفرقة، اختاره المقدسي، وقال قوم منهم الحلواني والمقدسي: إن صرحوا بينها بالتسوية لم تجز التفرقة، وإلا جازت، قال أبو الطيب: وهو قول أكثرهم، وقد ذكر أصحابنا في بسط كلامهم في التي قبلها ما يقتضي أن هذا من جملتها حيث ذكروا في حجة المخالف تفرقة مسروق بين زوج وأبوين وبين امرأة وأبوين (٣) وقد أجاب ابن برهان بما يوافق ما قلنا وأنه ليس النزاع في ذلك. [والد شيخنا] : وذكر القاضي أبو يعلى في الكفاية أنهم إن صرحوا بالتسوية لم يجز إحداث قول ثالث بالتفرقة وإن لم يصرحوا فوجهان.

стр. 333

قال شيخنا: أبو العباس: والظاهر أن هذا فيما إذا كان بين المسألتين نوع من الشبه، مثل قولهم في زوج وأبوين وزوجة وأبوين. وأما إذا لم يكن بينهما نوع من الشبه مثل أن يوجب أحدهم النية في الوضوء ولا يجيز بيع الأعيان الغائبة من غير صفة ولا يوجب الآخر النية في الوضوء ويجوز بيع الأعيان الغائبة من غير صفة فينبغي أن يكون القول بجواز التفرقة إجماعا ههنا فيوجب الثالث النية في الوضوء ولا يجوز بيع الغائب، أو بالعكس، ومثل القاضي هذه المسألة بأن يوجب بعض الأمة النية في الوضوء ولا يجعل الصوم من شرط الاعتكاف ولا يوجب الباقون النية في الوضوء ويجعلون الصوم من شرط الاعتكاف. قال والد شيخنا: وهذا ينافي ما ذكرناه وهو بعيد جدا، ويمكن أن يقال: بينهما نوع من الشبه. قال: ثم إني رأيت أبا الخطاب قد أشار إلى نحو ما ذكرناه فذكر أن الصحابة إذا اختلفوا في مسألتين على قولين فإن صرحوا بالتسوية لم يجز إحداث قول ثالث، وإن لم يصرحوا بالتسوية نظرت فإن كان طريق الحكم فيهما مختلفا، ثم مثل بالنية في الوضوء والصوم في الاعتكاف، وذكر أن القول بالتفرقة في مثل هذه الصورة يجوز ولم يذكر خلافا. قال: ولأنه لو لزم ذلك للزم من وافق أحمد في مسألة أن يوافقه في جميع مذهبه، والأمة مجمعة على خلاف ذلك. ثم ذكر فيما إذا كان طريق الحكم فيهما واحدا، ومثل بزوج وأبوين وزوجة وأبوين، كما ذكرنا وهذا يخالف قول شيخه ويوافق قولنا. [قال شيخنا] : وهذا التفصيل قول عبد الوهاب المالكي، وقد ذكر القاضي في خلافه في ضمن مسألة قراءة الجنب بعض آية: إن الصحابة لما اختلفت في هذه المسألة على قولين المنع مطلقا والجواز مطلقا منعنا في آية موافقة لمن منع [منهم] وجوزنا في بعض آية موافقة لمن جوز،

стр. 334

ولم نخرج عن أقاويلهم (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل في الإجماع المركب مثل حلي الصبي وعدم العشر في خضروات الأرض الخراجية ونحو ذلك (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [إذا قيل إن قول الصحابي حجة فهل يجوز أن يجمع التابعون على خلافه ؟] إذا قلنا: «هو حجة» فهل يجوز أن يجمع التابعون على خلافه؟ قال عبد الوهاب المالكي: يجوز، ويتبين بذلك أنه كان هناك قول صحابي آخر بخلافه (٣) كما يجوز الإجماع على مخالفة خبر، ويدل الإجماع على أنه منسوخ بخبر، أو بآية، أو أن المراد خلاف ظاهره، وحينئذ فيجب العمل بالإجماع. وظاهر كلام أحمد أن ذلك لا يجوز أو أنه لو وقع لم يمنع كون قول الصحابي حجة، وهذا مبني على أن إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة لا يوجب أن يكون هو الصواب، لأنهم بعض من تكلم في تلك المسألة من الأمة (٤) . مسألة: إذا قال بعض الصحابة، وانتشر في الباقي، وسكتوا ولم يظهر خلافه فهو إجماع، يجب العمل به عندنا. [إذا قال بعض الصحابة وانتشر وسكتوا عن مخالفته حتى انقضى العصر] قال شيخنا: إذا سكتوا عن مخالفته حتى انقرض العصر، هكذا قيده القاضي، قال في المجرد: هو حجة ودليل مقطوع عليه يجب اتباعه وتحرم مخالفته، وهو إجماع.

стр. 335

قال القاضي حسين في تعليقه: إذا قال الصحابي قولا ولم ينتشر فيما بينهم فإن كان معه قياس خفي فيقدم ذلك على القياس الجلي قولا واحدا، وكذلك إذا كان معه خبر مرسل مجرد. فإن كان متجردا عن القياس فهل يقدم القياس الجلي على ذلك؟ فيه قولان، الجديد يقدم القياس. وإن انتشر بين الصحابة من طريق الفتيا كان حجة مقطوعا بها. وهل يسمى إجماعا؟ فيه وجهان: أحدهما يكون إجماعا، ويشترط انقراض العصر على ذلك وجها واحدا، وإن كان على طريق القضاء قيل هو حجة قولا واحدا. وقيل: فيه قولان [قال المصنف] وهو قول المالكية وأكثر الحنفية فيما ذكره أبو سفيان والجرجاني وأكثر الشافعية، وكذلك الكرخي الحنفي وأبو الطيب الطبري. وقال بعض الحنفية: يكون حجة ولا يكون إجماعا وكذلك قال بعض الشافعية [يكون حجة ولا يكون إجماعا] لأن الشافعي قال: لا ينسب إلى ساكت قول، هذا قول أبي بكر الصيرفي، وقال: هذا هو الأشبه بمذهب الشافعي، بل هو مذهبه. وقال داود وبعض المتكلمين منهم ابن الباقلاني والجويني: ليس بحجة ولا إجماع، وحكي عن قوم من المعتزلة والأشعرية وسماهم أبو الخطاب فقال: واختلف فيه من قال: «كل مجتهد مصيب» فقال الجبائي كقولنا، وقال ابن برهان: يكون حجة ولا يكون إجماعا، وقال أبو عبد الله البصري كقول داود وابن الباقلاني (١) . مسألة: إذا قال الصحابي قولا ولم ينقل عن صحابي خلافه وهو مما يجري بمثله القياس والاجتهاد فهو حجة، نص عليه أحمد في مواضع [وقدمه على القياس] (٢) . واختاره أبو بكر في التنبيه.

стр. 336

[إذا قال صحابي قولا ولم ينقل عن صحابي خلافه وهو مما يجري بمثله القياس والاجتهاد فهو حجة. طريقة أحمد في جواباته وأعماله] قال شيخنا: قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل: ما أجبت في مسألة إلا بحديث عن رسول الله ﷺ إذا وجدت في ذلك السبيل إليه، أو عن الصحابة أو عن التابعين فإذا وجدت عن رسول الله ﷺ لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد عن رسول الله ﷺ فعن الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين فإذا لم أجد عن الخلفاء فعن أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر فالأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ فإذا لم أجد فعن التابعين وعن تابعي التابعين، وما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث يعمل له ثواب إلا عملت به رجاء ذلك الثواب ولو مرة واحدة. وقال الشافعي في «الرسالة العتيقة» بعد أن ذكر فصلا في اتباع الصحابة للسنة: ومن أدركنا ممن يرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول ﷺ فيه سنة إلى قولهم إن أجمعوا، وقول بعضهم إن تفرقوا، بهذا نقول، ولم نخرج من أقاويلهم، وإن قال واحد منهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله؛ فإنهم فوقنا في كل عام واجتهاد وورع وعدل وأمر استدرك (١) به علم أو استنبط به قياس وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من اتباعنا لأنفسنا. وروى الربيع عنه: قال المحدثات من الأمور ضربان؛ أحدهما: ما حدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا: فهذه البدعة الضلالة. وروى الربيع عنه قال: لا يكون لك أن تقيس إلا عن أصل أو قياس على أصل. والأصل: كتاب أو سنة، أو قول بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، أو إجماع الناس. وقال في رواية يونس: لا يقال للأصل: لم ولا كيف (٢) ؟ [إذا قال الصحابي قولا لا يهتدي إليه قياس فهل يعمل به وإن خالفه صحابي آخر ؟] مسألة: فإذا قال الصحابي قولا لا يهتدي إليه قياس فإنه يجب

стр. 337

العمل به، ويجعل في حكم التوقيف المرفوع، بحيث يعمل به وإن خالفه قول صحابي آخر، نص عليه في مواضع، وبه قالت الحنفية. وقالت الشافعية: لا يحمل على التوقيف، بل حكمه حكم مجتهد فيه (١) ، واختاره أبو الخطاب مع حكايته فيه وجهين، وابن عقيل، وحكى الأول عن شيخه فقط، ومثله بقول عمر في عيب الدابة وفي حمل العاقلة دية قاتل نفسه، وقول ابن عباس فيمن نذر ذبح ولده. وادعى ابن عقيل أن الظاهر عدم التوقيف معه (٢) . قال شيخنا: وقد يقال: الأمر محتمل قال شيخنا: ولم يذكر القاضي في هذه المسألة نصا عن أحمد، ولا ذكر إلا مثلها (٣) ولفظه قد تقدم (٤) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [وإذا اختلف التابعون] قال القاضي: وإذا اختلف التابعون في الحادثة جاز لغيرهم الدخول معهم في الاجتهاد، إذا كانوا من أهل الاجتهاد. وذكر شيخنا رواية أخرى: أنهم لا يدخلون معهم [في الاجتهاد] ويسقط قولهم معهم (٥) . [إذا عقد بعض الخلفاء الأربعة عقدا] مسألة: إذ عقد بعض الخلفاء الأربعة عقدا لم يجز لمن بعده من الخلفاء فسخه ولا نقضه، نحو ما عقد عمر من صلح بني تغلب، ومن خراج السواد والجزية وما جرى مجراه.

стр. 338

وقال ابن عقيل: يجوز [القول بأن لمن بعده من الخلفاء أن يغيره ويعمل فيه باجتهاده، لأن المصالح تختلف باختلاف الأزمنة. هذا معنى كلامه بعد أن حكى الأول عن أصحابنا وقرره] . قال شيخنا: قلت: هذا مثل تغيير ما ضربه من الجزية والخراج، وفيه خلاف مشهور في المذهب (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [إذا اختلف الصحابة على قولين وأحدهما فتيا والآخر حكما] قال القاضي: إذا اختلف الصحابة على قولين وكان أحدهما فتيا والآخر حكما فقد قيل: الحكم أولى؛ لأن الحكم لازم فهو أولى، وقيل: الفتيا أولى؛ لأن وقت الفتيا أوسع من وقت الحكم، ولأنه يمكن منازعته (٢) . [شيخنا] : ... ... ... فصل [إذا اختلف الصحابة بعد موت النبي وكان أحدهما أقرب من رسول الله ... ] إذا اختلف الصحابة بعد موت النبي ﷺ وكان أحدهما أقرب من رسول الله ﷺ أو أميرا له على سرية أو قاضيا أو رسولا له لم يوجب ذلك رجحان قوله، ذكره ابن عقيل محل وفاق استدل به (٣) . [هل يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد] مسألة: يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد، قال ابن عقيل: وهو قول أكثر الفقهاء، ذكرها في أواخر كتابه، قال أبو سفيان: وهو مذهب شيوخنا: قال: وقال بعض شيوخنا: لا يجوز. قال شيخنا: تكلم على ذلك ابن عقيل بكلام ذكره، فقال: هذا [على] ما يقع لي خلاف في عبارة وتحتها (٤) اتفاق، فإن خبر الواحد لا

стр. 339

يعطي علما، ولكن يفيد ظنا، ونحن إذا قلنا إنه يثبت به الإجماع فلسنا قاطعين بالإجماع ولا بحصوله بخبر الواحد، بل هو بمنزلة ثبوت قول النبي ﷺ والمنازع قال: «الإجماع دليل قطعي» وخبر الواحد دليل ظني، فلا يثبت قطعيا (١) . [نبينا لم يكن على دين قومه؛ لكن هل كان متعبدا بشيء من الشرائع قبله ؟] مسألة: نبينا محمد ﷺ لم يكن على دين قومه نص عليه، بل كان متعبدًا بما صح عنده من شريعة إبراهيم ذكره ابن عقيل، قال: وبه قال أصحاب الشافعي. وقال قوم بالوقف، وأنه يجوز ذلك ويجوز أنه لم يكن متعبدا بشيء أصلا. ورأينا اختاره الجويني وابن الباقلاني وأبو الخطاب وبه قال الحنفية فيما حكاه السرخسي أنه لم يكن متعبدا بشيء من الشرائع وإنما صار بعد البعثة شرع من قبله شرع له. قال شيخنا: قلت: وهذا مأخذ جيد. قال الجويني: وذهب قوم إلى أنه كان على شريعة نوح، وفرقة إلى أنه كان على شريعة عيسى لأنها آخر الشرائع وقال ابن الباقلاني لم يكن على شرع أصلا وقطع بذلك وقالت المعتزلة كان متعبدا بشريعة العقل بفعل محاسنه واجتناب قبائحه. قال شيخنا: وقال القاضي وغيره: كان متعبدا بشرع من قبله مطلقا، وحكاه عن أصحاب الشافعي. قال القاضي والحلواني: «مسألة» ونبينا كان قبل أن يبعث متعبدا باتباع شريعة من قبله على كلتا الروايتين. [وذكر ابن عقيل في الجزء التاسع والعاشر أحكاما كثيرة من أحكام النسخ وشروطه وما ظن منها وليس كذلك، ولعله ذكر أحكام النسخ كلها وفروعا كثيرة] (٢) ، وكان القاضي أولا قد فرع ذلك على الروايتين، فإن

стр. 340

قلنا لم يكن متعبدا به بعد البعث فكذلك قبله، وإن قلنا كان متعبدا به بعده فقبله أولى، ثم ضرب على ذلك، وذكر أنه كان متعبدا به على الروايتين جميعا (١) . قال شيخنا: أما على قولنا باستصحاب الشرع الأول فيستقيم على إحدى الروايتين؛ لكن يقال: لم يثبت عنده. وقد أفرد القاضي فصلا في أنه يجوز أن يكون النبي الثاني متعبدا بما تعبد به النبي الأول والعقل لا يمنع من ذلك فقيل له: فما الفائدة في بعثه وإظهار الأعلام على يده إذا لم يأت بشريعة مبتدأة؟ فأجاب: بأنه إنما حسن إظهار الأعلام على يديه؛ لأنه لابد أن يأتي بما لا يعرف إلا من جهته، إما أن يكون ما يأتي به شريعة مبتدأة، أو يكون ذلك مما كان الأول متعبدا به إلا أنه قد درس وصار بحيث لا يعرف إلا من جهة النبي الثاني. قال شيخنا: قلت: وهذا فيه نظر، فإنه يجوز عندنا إظهار الكرامات للأولياء فكيف للنبي المتبع؟ وتكون فائدته التقوية كأنبياء بني إسرائيل. ثم قال: «مسألة» : إذا ثبت جواز ذلك فهل كان نبينا متعبدا بشريعة من كان قبله أم لا؟ فيه روايتان، إحداهما أن كل ما لم يثبت نسخه من شرائع من كان قبل نبينا فقد صار شريعة لنبينا ويلزمه أحكامه من حيث أنه قد صار شريعة له، لا من حيث كان شريعة لمن كان قبله، وإنما يثبت كونه شرعا لهم مقطوعا عليه، إما بكتاب أو بخبر من جهة الصادق أو بنقل متواتر، فأما الرجوع إليهم وإلى كتبهم فلا، وقد أومأ أحمد إلى هذا فقال في رواية صالح فيمن حلف ينحر ولده: عليه كبش يذبحه ويتصدق بلحمه، قال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [١٠٧/٣٧] ، قال:

стр. 341

فقد أوجب أحمد الكبش في ذلك واحتج بالآية عليه، وهي شريعة إبراهيم. وقال أيضا في رواية أبي الحارث والأثرم وحنبل والفضل بن زياد وعبد الصمد، وقد سئل عن القرعة، فقال: في كتاب الله في موضعين قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [١٤١/٣٧] ، وقال: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [٤٤/٣] فقد احتج بالآيتين في إثبات القرعة، وهي في شريعة يونس ومريم. وقال أيضا في رواية أبي طالب وصالح قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [٤٥/٥] فلما قال رسول الله ﷺ : «لا يقتل مؤمن بكافر» دل على أن الآية ليست في النفس على ظاهرها، وكأنها أنزلت في بني إسرائيل بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ . قال: فقد بين أن الآية على ظاهرها شرع لنا حتى ورد البيان من النبي ﷺ فعلم أنها خاصة فيهم. وكذلك نقل أبو الحارث عنه: «لا يقتل مؤمن بكافر» قيل له: أليس قد قال الله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ قال: ليس هذا موضعه، علي بن أبي طالب يحكي ما في الصحيفة: «لا يقتل مؤمن بكافر» وعن عثمان ومعاوية: «لم يقتلوا المؤمن بالكافر» (١) . قال: وهذا يدل على أن الآية على ظاهرها في المسلمين ومن قبلهم ولكن عارضها بحديث الصحيفة ولو لم يكن كذلك لما عارضها ولقال: ذلك خاص لمن قبلنا وبهذه الرواية قال أبو الحسن التميمي في جملة مسائل خرجها في الأصول. وفيه رواية أخرى: أنه لم يكن متعبدا بشيء من الشرائع إلا ما دل الدليل على ثبوته في شرعه؛ فيكون شرعا له مبتدأ أومأ إليه في رواية أبي طالب في موضع آخر، فقال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ كتبت على

стр. 342

اليهود، قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي في التوراة ولنا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [١٧٨/٢] . قال شيخنا: قلت: فقد ذكر القاضي أنه إنما تلزمنا أحكامه في حيث صارت شريعة لنبينا لا من حيث كانت شريعة لمن كان قبله، فيكون اتباعه لأمر الله لنا على لسان محمد ﷺ بذلك، وهو الذي حكاه عن الحنفية، ولهذا قالوا: لم يكن قبل البعث متعبدا به، وعلى ما ذكره أبو محمد البغدادي في جدله وذكره القاضي في أثناء المسألة كما ذكره أبو محمد وهو أن الحكم إذا ثبت في الشرع لم يجز تركه حتى يرد دليل نسخه، وليس في نفس بعثة النبي ما يوجب نسخ الأحكام التي قبله، فإن النسخ إنما يكون عند [التنافي] ولأنه شرع مطلق فوجب أن يدخل فيه كل مكلف إذا لم ينسخ كشرع نبينا، ولأن نبينا كان قبل بعثته متعبدا فدل على أنه كان مأمورا به بشرع من قبله. قال شيخنا: قلتِ: هذه الطريقة فيها نظر، وقد تأول القاضي قوله: وكل نبي مبعوث إلى قومه المتبوع وغيره تبع له. والذي ذكره أبو محمد أنه ثابت في حقنا استصحاب الحال، لأنه شرع شرعه الله، ولم ينسخه، وعلى هذا يكون ثبوته في حقنا إما لشمول الحكم لنا لفظا، وإما بالعقل بناء على أن الأصل تساوي الأحكام وهو الاعتبار الذي ذكره الله في قصصهم. فصار لها ثلاثة مآخذ: إما الكتاب والسنة، والإجماع، وإما الكتاب الأول وإما العقل والاعتبار فيكون من باب الخاص لفظا العام حكما. والمسألة مبنية على أنه لو لم يبعث إلينا محمد ﷺ : هل كان يجوز أو يجب التعبد بتلك الشرائع؟ وهي تشبه حاله قبل البعثة. قال شيخنا: قول القاضي: «من دليل مقطوع عليه» قد أعاده في المسألة وقال: إنه متى لم يقطع على ذلك ونعلمه من جهة يقع العلم

стр. 343

بها لم يجب اتباعه. والصحيح أنه يثبت (١) بأخبار الآحاد عن نبينا ﷺ . وأما الرجوع إلى ملة أهل الكتاب ففيه الكلام (٢) .

стр. 344

الاستحسان [الاستحسان وتخصيص العلة، وموضع الاستحسان هل يقاس عليه، وما يقال إنه مخالف للقياس وليس كذلك] مسألة: «الاستحسان» كان أبو حنيفة وأصحابه يقولون به، وأنكره الشافعي عليهم، وبسط أبو الخطاب القول فيه عقيب تخصيص العلة، قال القاضي عبد الوهاب المالكي: ليس بمنصوص عن مالك، إلا أن كتب أصحابنا مملوءة من ذكره والقول به، ونص عليه أبو القاسم وأشهب وغيرهما، وفسره الحلواني بأوجه. ويحتمل عندي أن يكون الاستحسان ترك القياس الجلي وغيره الدليل نص من خبر واحد أو غيره، أو ترك القياس لقول الصحابي فيما لا يجري فيه القياس كما تقدم. وهذا ظاهر كلام أبي الخطاب في كتاب «الهداية» في مسألة العينة حيث قال: لا يجوز استحسانا فلينظر إن كان ذكر ذلك أحد. ثم إني رأيت الفخر إسماعيل في كتابه «الجدل» قد ذكر هذا الذي ذكرته بعينه في تفسير الاستحسان أعني ترك القياس للحديث المخالف للقياس، اللائق بتفسير الاستحسان ما ذكرته ثانيا من ترك القياس لمخالفة الصحابي له، أعني فيما لا يجري فيه القياس؛ فإن الحنفية وافقونا في أن الصحابي إذا قال قولا لا يهتدي إلى القياس حمل على أنه قاله توقيفا والشافعية خالفونا في ذلك، وكذا الحنفية وافقونا في الاستحسان، والشافعية خالفونا وهذا وجه حسن إن شاء الله. [قال شيخنا] : وقد أطلق أحمد القول بالاستحسان في مواضع، قال في رواية الميموني: استحسن أن يتيمم لكل صلاة، والقياس أنه

стр. 345

بمنزلة الماء يصلي به حتى يحدث أو يجد الماء. وقال في رواية بكر بن محمد فيمن غصب أرضا فزرعها: الزرع لرب الأرض، وعليه النفقة، وهذا شيء لا يوافق القياس، لكن أستحسن أن يدفع إليه النفقة. وقال في رواية المروذي: يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها فقيل له: كيف يشتري ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول، ولكن هو استحسان. وقال في رواية صالح في المضارب إذا خالف فاشترى غير ما أمره به صاحب المال: فالربح لصاحب المال، ولهذا أجرة مثله، إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب، وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال، ثم استحسنت. وبه قال أصحاب أبي حنيفة، وذكر عن إياس بن معاوية، وكتب مالك مشحونة بالاستحسان، وكذلك قال الشافعي: أستحسن في المتعة قدر ثلاثين درهما. وقد أنكر الشافعي وأصحابه القول بالاستحسان، وقال أحمد في رواية أبي طالب: أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئا خلاف القياس قالوا: نستحسن هذا وندع القياس، فيدعون ما يزعمون أنه الحق بالاستحسان، وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه. قال القاضي: هذا يدل على إبطال القول بالاستحسان. قال أبو الخطاب: وعندي أنه أنكر عليهم القول بالاستحسان من غير دليل ولهذا قال: «يتركون القياس الذي يزعمون أنه الحق بالاستحسان» فلو كان الاستحسان عن دليل ذهبوا إليه لم ينكره؛ لأنه حق، وقال: «أنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه» معناه: أني أترك القياس بالخبر، وهذا هو الاستحسان بالدليل. وفصله فصولا؛ أحدها: أن هذه التسمية صحيحة. الثاني في حده.

стр. 346

قال: والذي يقتضيه كلام أصحابنا أن يكون «حد الاستحسان» العدول عن موجب القياس إلى دليل هو أقوى منه؛ لأنه لم يرد لفظه إلا أنه ترك القياس للاستحسان، فأما في ترك دليل آخر فلم يرد. قال: وحده شيخنا بأنه ترك الحكم إلى حكم هو أولى منه. قال: وليس بشيء؛ لأن الأحكام لا يقال بعضها أولى من بعض ولا بعضها أقوى من بعض وإنما القوة للأدلة. وحده بعضهم بأنه ترك القياس إلى قياس أقوى منه، قال: وهذا باطل فإنهم إذا تركوا القياس لنص أو تنبيه كان استحسانا. وحده بعضهم بأنه ترك طريقة الحكم على طريقة أخرى أولى منها لولاها لوجب البنيان على الأولى. وحده الكرخي بأنه العدول عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم في نظائرها لوجه هو أقوى من الأول. قال: وهذا معنى الذي قبله، ويلزم عليه أن يكون العدول عن العموم إلى التخصيص استحسانا، والعدول عن العموم إلى الخصوص استحسانا (١) . [شيخنا] : ... ... ... فصل قال أبو الخطاب: ومعنى الاستحسان أن بعض الأمارات تكون أقوى من القياس فيعدل إليها عن غير أن يفسد القياس، وهذا راجع إلى تخصيص العلة. قال: وشيخنا يمنع من تخصيص العلة وينصر القول بالاستحسان، ولا أعرف لقوله وجها. وقد أورد القاضي على نفسه هذا في مسألة تخصيص العلة، وفرق بين تخصيصها وبين ترك قياس الأصول للخبر، قال: ولأنهم قد يعدلون في الاستحسان عن قياس وعن غير قياس، فامتنع أن يكون معناه تخصيصا بدليل (٢) .

стр. 347

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما. فصل في الاستحسان، وتخصيص العلة، وموضع الاستحسان هل يقاس عليه أم لا؟ وما يرد من الأحكام الثابتة بالنص والإجماع ويقال: إنها مخالفة للقياس. فإن هذه قواعد كثر اضطراب الناس فيها، والحاجة ماسة إلى تحقيقها في كثير من مسائل الشريعة أصولها وفروعها. أما الاستحسان فالمشهور من معانيه أنه مخالفة القياس لدليل قد يراد به غير ذلك. والعلماء في لفظه ومعناه المذكور على ثلاثة أقوال: منهم من ينكر هذا اللفظ مطلقا، وهم نفاة القياس كداود وأصحابه وكثير من أهل الكلام من المعتزلة والشيعة وغيرهم، فليس عندهم في أدلة الشرع لا قياس ولا استحسان. ومنهم: من يقر به بهذا المعنى ويجوز مخالفة القياس للاستحسان ويعمل بالقياس فيما عدا صورة الاستحسان، وهذا هو الصواب عن أبي حنفية وأصحابه. ومنهم: من ذم الاستحسان تارة وقال به تارة كالشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم. وفي كتب مالك وأصحابه ذكر لفظ الاستحسان في مواضع. والشافعي قال: من استحسن فقد شرع، وتكلم في إبطال الاستحسان وبسط القول في ذلك، وكان من أعظم الأئمة إنكارا له،

стр. 348

وهو الذي عليه أصحابه في أصول الفقه، ومع هذا فقد قال بلفظ الاستحسان، كما قال: أستحسن أن تكون المتعة ثلاثين درهما، ولهذا يحكي للشافعي من الاستحسان قولهم: قديم، وجديد. وكذلك أحمد بن حنبل نقل عنه أبو طالب أنه قال: أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئا خلاف القياس قالوا: نستحسن هذا وندع القياس، فيدعون الذين يزعمون أنه الحق بالاستحسان، قال: وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر هذا يقتضي إبطال القول بالاستحسان، وكيف لا يصح قياس المنصوص عليه على المنصوص عليه. قلت: مراد أحمد أني أستعمل النصوص كلها ولا أقيس على أحد النصين قياسا يعارض النص الآخر كما يفعل من ذكره حيث قاسوا على أحد النصين ثم يثبتون الاستحسان إما بالنص أو غيره، والقياس عندهم من جنس العلة الصحيحة، فينقضون العلة التي يدعون صحتها بمجمل أو قياس معارض. وهذا من أحمد يبين أنه يوجب طرد العلة الصحيحة، وأن انتقاضها بمساويها من مخالف يوجب فسادها؛ ولهذا قال: لا أقيس على أحد النصين قياسا ينقضه النص الآخر، فإن ذلك يدل على فساد القياس. وهو يستعمل مثل هذا في مواضع مثل حديث أم سلمة عن النبي ﷺ «إذا أراد أحدكم أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من بشرته شيئا» مع حديث عائشة: «كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يبعث به وهو مقيم لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم» . والناس في هذا على ثلاثة أقوال: منهم: من سوى بين الهدي والأضحية في المنع ويقول: إذا أرسل المحرم هديا لم يحل حتى ينحر كما يروى عن ابن عباس وغيره.

стр. 349

ومنهم: من سوى بينهما في الإذن ويقول: بل المضحي لا يمنع عن شيء كما لا يمنع المهدي، فيقيسون على أحد النصين ما يعارض الآخر. وفقهاء الحديث كيحيى بن سعيد والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم عملوا بالنصين ولم يقيسوا أحدهما على الآخر، كما أن الله لما أحل البيع وحرم الربا لم يقس المسلمون أحدهما على الآخر، وإنما هذا قياس المشركين، وكذلك لما أحل الله الذكي وحرم الميتة لم يقيسوا أحدهما على الآخر، بل هذا قياس المشركين، وكذلك لما جاء الكتاب والسنة بالقرعة وجاء بتحريم القمار لم يقيسوا أحدهما على الآخر، أجازوا القرعة وحرموا الميسر والاستقسام بالأزلام ولم يقل بها. وكان أحمد أكثر الفقهاء عملا بالقرعة، لما كان عنده فيها من النصوص والآثار. وكذلك عند أحمد وغيره من فقهاء الحديث لما أمر النبي ﷺ الناس إذا صلى الإمام قاعدا أن يصلوا قعودا أجمعين، ثم لما افتتحوا الصلاة قياما أتمها بهم قياما عملا بالحديثين ولم يقس على أحدهما قياسا يناقض الآخر بجعله منسوخا كما فعل طائفة من الفقهاء كالشافعي والحميدي وغيره. واستدل هو وغيره بأن الصحابة بعده لما صلوا جلوسا أمروا من خلفهم بالجلوس وقال: شهدوا صلاته في آخر عمره مثل أسيد بن الحضير وهو من أفضل السابقين الأولين من الأنصار، وقد فعل ذلك في عهد أبي بكر فإنه قتل في قتال المرتدين من بني حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب. وقد قال أحمد بالاستحسان في مواضع، كقوله في رواية صالح في المضارب إذا خالف فاشترى غير ما أمر به صاحب المال فالربح لصاحب المال، ولهذا أجرة مثله، إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب.

стр. 350

قال: وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال ثم استحسنت. وقال في رواية الميموني: أستحسن أن يتيمم لكل صلاة ولكن القياس أنه بمنزلة الماء يصلي به حتى يحدث أو يجد الماء. وقال في رواية المروذي: يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها. فقيل له: كيف يشتري ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول ولكن هو استحسان واضح؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ رخصوا في شراء المصاحف وكرهوا بيعها، وهذا شبه ذاك. وقال في رواية بكر بن محمد فيمن غصب أرضا وزرعها: الزرع لرب الأرض وعليه النفقة، وليس هذا شيئا يوافق القياس. أستحسن أن يدفع إليه نفقته. اهـ. وقد جعل القاضي أبو يعلى المسألة على روايتين، ونصر هو وأتباعه كأبي الخطاب وابن عقيل القول بالاستحسان كقول أصحاب أبي حنيفة. ونصر هؤلاء الاستحسان الذي يقولون به بأنه ترك الحكم إلى حكم هو أقل منه. وقيل: هو أولى القياسين. قالوا -وهذا لفظ القاضي- وأما الحجة التي يرجع إليها في الاستحسان فهي الكتاب تارة، والسنة أخرى، والإجماع ثالثة. وبالاستدلال يترجح شبه بعض الأصول على بعض، كما قلنا بالاستحسان لأجل الكتاب في شهادة أهل الكتاب على المسلمين في الوصية في السفر إذا لم نجد مسلما. قال: ومما قلنا فيه بالاستحسان للسنة فيمن غصب أرضا وزرعها فالزرع لذي الأرض وعلى صاحب الأرض النفقة لصاحب الزرع، لحديث رافع بن خديج عن النبي ﷺ : «من زرع في أرض قوم فالزرع لرب الأرض وله نفقته» وقال: كان القياس أن يكون الزرع لزارعه.

стр. 351

قال: ومما قلنا فيه بذلك للإجماع: جواز سلم الدراهم والدنانير في الموزونات، وكان القياس ألا يجوز ذلك لوجود العلة وهي الوزن إلا أنهم استحسنوا فيه للإجماع. قلت: من ذلك أن نفقة الصغير وأجرة مرضعته على أبيه أو أبي أمه بالنص والإجماع، والقياس عند من يجعل النفقة على كل وارث بفرض أو تعصيب، أو على كل ذي رحم محرم أو على عمودي النسب مطلقا -أي تكون على من لا يرث- وكذلك يقولون: جواز إجارة الظئر ثابتة بالنص والإجماع على خلاف القياس؛ بل قد يقولون بجواز الإجارة بل وجواز القرض والقراض وغير ذلك على خلاف القياس للإجماع؛ لكن إذا أبدوا معنى يقتضي التخصيص مثل الحاجة فمثل هذا يقول به جميع الأئمة؛ بل جميع علماء الملة، مثل إباحة الميتة للمضطر للنص وصلاة المريض قاعدا للحاجة ونحو ذلك، وإنما يتنازعون إذا لم يظهروا في إحدى الصورتين معنى يوجب الفرق. ولهذا فسر غير واحد الاستحسان بتخصيص العلة، كما ذكر ذلك أبو الحسن البصري والرازي وغيرهما، وكذلك هو؛ فإن عامة الاستحسان الذي يقال فيه إنه يخالف القياس حقيقته تخصيص العلة. والمشهور عن أصحاب الشافعي منع تخصيص العلة، وعن أصحاب أبي حنيفة القول بتخصيصها كالمشهور عنهما في منع الاستحسان وإجازته. ولكن في مذهب الشافعي خلاف في جواز تخصيص العلة، كما في مذهب مالك وأحمد. ومن الناس من يحكي ذلك روايتين عن أحمد. والقاضي أبو يعلى وأكثر أتباعه كابن عقيل ينفون تخصيص العلة

стр. 352

مع قولهم بالاستحسان وكذلك أصحاب (١) . وأما أبو الخطاب فيختار تخصيص العلة موافقة لأصحاب أبي حنيفة؛ فإن هذا هو الاستحسان كما تقدم. وهو لا يجوز أن يخصصها بمجرد دليل يدل على التخصيص وإن لم يبين اختصاص صورة النقض بفوات شرط أو وجود مانع. وهذا حقيقة ما ذكره القاضي، وهو لا ينفي الاستحسان كما ذكره من الأمثلة؛ لكن القاضي وغيره ممن يقول بالاستحسان ومنع تخصيص العلة فرقوا بينهما فقالوا: واللفظ للقاضي لا يجوز تخصيص العلة الشرعية، وتخصيصها نقضها. قال: ولذلك قال أحمد في رواية الحسن بن حيان: القياس كأن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ. قال: وهذا الكلام يمنع من تخصيصها قال: وقد ذكر أبو إسحاق -يعني ابن شاقلا- في شرح الخرقي فقال: أصحابنا على وجهين؛ منهم: من يرى تخصيص العلة، ومنهم من لا يرى ذاك. وقال: وقد ذكرها أبو الحسن الجزري في جزء فيه مسائل الأصول: لا يجوز تخصيصها. قال: وقول أحمد: القياس كان يقتضي ألا يجوز شراء أرض السواد؛ لأنه لا يجوز بيعها. ليس موجبا لتخصيص العلة بأنها من حكم خاص. وما ذكره أحمد إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول من الحكم العام. وقد يترك قياس الأصول للخبر، ولذلك أجاب من احتج على جواز تخصيصها بالاستحسان، وقد قال: كيف يشتري ممن لا يملك؟ فقال أحمد: القياس كما تقول وإنما هو استحسان، واحتج بقول الصحابة في المصاحف وقال في الجواب بمثل تخصيص العلة كالمنع من جريها في حكم خاص. وما ذكره أحمد إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول، ولأنهم يعدلون في الاستحسان

стр. 353

عن قياس وعن غير قياس، فامتنع أن يكون معناه تخصيص بدليل. وقد تابعه أبو الخطاب. وهذا الذي ذكره القاضي فيه قد ذكره كثير من العلماء فيما إذا عارض النص قياس الأصول فقالوا: يقدم النص. واختلفوا فيما إذا عارض خبر الواحد قياس الأصول كحديث المصراة ونحوه، وإنما الأول مثل حمل العاقلة؛ فإنهم يقولون: هو خلاف قياس الأصول، وهو ثابت بالنص والإجماع. وهذا يذكره بعض الناس قولا ثالثا في تخصيص العلة، ويذكرون قولا رابعا وهو أنه يجوز المنصوصة دون المستنبطة. وأكثر المانعين من التخصيص من أصحاب الشافعي وأحمد كابن حامد وأبي الطيب والقاضي أبي يعلى وغيرهم يقولون: إن اختصت المنصوصة يقينا أنها بعض العلة وإلا فلا يجوز تخصيصها بحال. وهذا النزاع إنما هو في علة قام على صحتها دليل كالتأثير والمناسبة. وأما إذا اكتفى فيها بمجرد الطرد والسلامة من المفسدات فهذه تبطل بالتخصيص باتفاقهم. وأما الطرد المحض الذي يعلم خلوه عن المعاني المعتبرة فذاك لا يحتج به عند أحد من العلماء المعتبرين؛ وإنما النزاع في الطرد الشبهي كالمجوزات الشبهية التي يحتج بها كثير من الطوائف الأربعة، لا سيما قدماء أصحاب الشافعي فإنها كثيرة في حججهم أكثر من غيرهم. والتحقيق في هذا الباب: أن العلة تقال على «العلة التامة» وهي المستلزمة لمعلولها. فهذه متى انتقضت بطلت بالاتفاق وتقال على «العلة البعضية» وتسمى الديرة، وتسمى السبب، ودليل العلة، ونحو ذلك فهذه إذا انتقضت لفرق مؤثر يفرق فيه بين صورة النقض وغيرها من الصور لم تفسد. ثم إذا كانت صورة الفرع التي هي صورة النزاع في

стр. 354

معنى صورة النقض ألحقت بها، وإن كانت في معنى صورة الأصل ألحقت بها. فمن قال: إن العلة لا يجوز تخصيصها مطلقا لفوات شرط أو وجود مانع فهذا مخطئ قطعا، وقوله مخالف لإجماع السلف كلهم الأئمة الأربعة وغيرهم؛ فإنهم كلهم يقولون بتخصيص العلة لمعنى يوجب الفرق، وكلامهم في ذلك أكثر من أن يحصر. وهذا معنى قول من قال: تخصيصها مذهب الأئمة الأربعة. والقول بالاستحسان المخالف للقياس لا يكون إلا مع القول بتخصيص العلة. وما ذكروه من اعتراض النص على قياس الأصول فهو أحد أنواع تخصيص العلة، وهذا تسليم منهم لكون العلة تقتضي التخصيص في الجملة. وأما من جوز تخصيص العلة بمجرد دليل لا يبين الفرق بين صورة التخصيص وغيرها فهذا مورد النزاع في الاستحسان المخالف للقياس وغيره. ثم هذه العلة إن كانت مستنبطة وخصت بنص ولم يتبين الفرق المعنوي بين صورة التخصيص وغيرها فهذا أضعف ما يكون. وهذا هو الذي كان ينكره كثيرا الشافعي وأحمد وغيرهما على من يفعله من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. وكلام أحمد فيما تقدم أراد به هذا؛ فإن العلة السببية لم تعلم صحتها إلا بالرأي، فإذا عارضها النص كان مبطلا لها. والنص إذا عارض العلة دل على فسادها، كما أنه إذا عارض الحكم الثابت بالقياس دل على فساده بالإجماع. وأما إذا كانت العلة منصوصة وقد جاء نص بتخصيص بعض صور العلة فهذا مما لا ينكره أحمد بل ولا الشافعي ولا غيرهما، كما إذا جاء نص في صورة وجاء نص يخالفه في صورة أخرى لكن بينهما شبه لم يقم دليل على أنه مناط الحكم فهؤلاء يقرون النصوص ولا يقيسون

стр. 355

منصوصًا على منصوص خالف حكمه، بل هذا من جنس الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [٢٧٥/٢] وهذا هو الذي قال أحمد فيه: أنا أذهب إلى كل حديث كما جاء ولا أقيس عليه. أي لا أقيس عليه صورة الحديث الآخر فأجعل الأحاديث متناقضة وأدفع بعضها ببعض بل أستعملها كلها. والذين يدفعون بعض النصوص ببعض يقولون: الصورتان سواء لا فرق بينهما فيكون أحد النصين ناسخا للآخر. ومثل هذا كثيرا ما يتنازع فيه فقهاء الحديث ومن ينازعهم ممن يقيس منصوصًا على منصوص ويجعل أحد النصين منسوخا لمخالفته قياس النص الآخر فيمضي هذا القياس ويبقى الأمر دائرا: هل دل الشرع على التسوية بين الصورتين حتى يجعل حكمهما سواء ويجعل الحكم الوارد في إحداهما منسوخا بالحكم المضاد له الوارد في الأخرى كما يقوله من يجعل القرعة منسوخة بآية الميسر، وأمر المأمومين بأن يتبعوا الإمام فإذا كبر كبروا وإذا ركع ركعوا وإذا صلى جالسا صلوا جلوسا أجمعين (١) قياسهم على الصلاة التي صلوا بعضها خلف إمام قائم وباقيها خلف إمام قاعد، ويجعل حديث الأضحية والهدي أحدهما منسوخا بالآخر ويجعلون قطع جاحد العارية منسوخًا بقوله: «ليس على المختلس ولا المنتهب ولا الخائن قطع» ويجعلون العقوبة المالية منسوخة بالنهي عن إضاعة المال، ويجعلون تضعيف الغرم على من درئ عنه القطع منسوخا بقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [٤٠/٤٢] ويجعل بعضهم ما شرطه النبي ﷺ بينه وبين المشركين من الهدنة منسوخا بقوله: «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل»
следующие страницы →