قال: ومما قلنا فيه بذلك للإجماع: جواز سلم الدراهم والدنانير في الموزونات، وكان القياس ألا يجوز ذلك لوجود العلة وهي الوزن إلا أنهم استحسنوا فيه للإجماع.
قلت: من ذلك أن نفقة الصغير وأجرة مرضعته على أبيه أو أبي أمه بالنص والإجماع، والقياس عند من يجعل النفقة على كل وارث بفرض أو تعصيب، أو على كل ذي رحم محرم أو على عمودي النسب مطلقا -أي تكون على من لا يرث- وكذلك يقولون: جواز إجارة الظئر ثابتة بالنص والإجماع على خلاف القياس؛ بل قد يقولون بجواز الإجارة بل وجواز القرض والقراض وغير ذلك على خلاف القياس للإجماع؛ لكن إذا أبدوا معنى يقتضي التخصيص مثل الحاجة فمثل هذا يقول به جميع الأئمة؛ بل جميع علماء الملة، مثل إباحة الميتة للمضطر للنص وصلاة المريض قاعدا للحاجة ونحو ذلك، وإنما يتنازعون إذا لم يظهروا في إحدى الصورتين معنى يوجب الفرق.
ولهذا فسر غير واحد الاستحسان بتخصيص العلة، كما ذكر ذلك أبو الحسن البصري والرازي وغيرهما، وكذلك هو؛ فإن عامة الاستحسان الذي يقال فيه إنه يخالف القياس حقيقته تخصيص العلة.
والمشهور عن أصحاب الشافعي منع تخصيص العلة، وعن أصحاب أبي حنيفة القول بتخصيصها كالمشهور عنهما في منع الاستحسان وإجازته.
ولكن في مذهب الشافعي خلاف في جواز تخصيص العلة، كما في مذهب مالك وأحمد.
ومن الناس من يحكي ذلك روايتين عن أحمد.
والقاضي أبو يعلى وأكثر أتباعه كابن عقيل ينفون تخصيص العلة
стр. 352
مع قولهم بالاستحسان وكذلك أصحاب (١) .
وأما أبو الخطاب فيختار تخصيص العلة موافقة لأصحاب أبي حنيفة؛ فإن هذا هو الاستحسان كما تقدم. وهو لا يجوز أن يخصصها بمجرد دليل يدل على التخصيص وإن لم يبين اختصاص صورة النقض بفوات شرط أو وجود مانع. وهذا حقيقة ما ذكره القاضي، وهو لا ينفي الاستحسان كما ذكره من الأمثلة؛ لكن القاضي وغيره ممن يقول بالاستحسان ومنع تخصيص العلة فرقوا بينهما فقالوا: واللفظ للقاضي لا يجوز تخصيص العلة الشرعية، وتخصيصها نقضها. قال: ولذلك قال أحمد في رواية الحسن بن حيان: القياس كأن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ. قال: وهذا الكلام يمنع من تخصيصها قال: وقد ذكر أبو إسحاق -يعني ابن شاقلا- في شرح الخرقي فقال: أصحابنا على وجهين؛ منهم: من يرى تخصيص العلة، ومنهم من لا يرى ذاك. وقال: وقد ذكرها أبو الحسن الجزري في جزء فيه مسائل الأصول: لا يجوز تخصيصها. قال: وقول أحمد: القياس كان يقتضي ألا يجوز شراء أرض السواد؛ لأنه لا يجوز بيعها. ليس موجبا لتخصيص العلة بأنها من حكم خاص. وما ذكره أحمد إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول من الحكم العام. وقد يترك قياس الأصول للخبر، ولذلك أجاب من احتج على جواز تخصيصها بالاستحسان، وقد قال: كيف يشتري ممن لا يملك؟ فقال أحمد: القياس كما تقول وإنما هو استحسان، واحتج بقول الصحابة في المصاحف وقال في الجواب بمثل تخصيص العلة كالمنع من جريها في حكم خاص. وما ذكره أحمد إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول، ولأنهم يعدلون في الاستحسان
стр. 353
عن قياس وعن غير قياس، فامتنع أن يكون معناه تخصيص بدليل. وقد تابعه أبو الخطاب.
وهذا الذي ذكره القاضي فيه قد ذكره كثير من العلماء فيما إذا عارض النص قياس الأصول فقالوا: يقدم النص.
واختلفوا فيما إذا عارض خبر الواحد قياس الأصول كحديث المصراة ونحوه، وإنما الأول مثل حمل العاقلة؛ فإنهم يقولون: هو خلاف قياس الأصول، وهو ثابت بالنص والإجماع.
وهذا يذكره بعض الناس قولا ثالثا في تخصيص العلة، ويذكرون قولا رابعا وهو أنه يجوز المنصوصة دون المستنبطة. وأكثر المانعين من التخصيص من أصحاب الشافعي وأحمد كابن حامد وأبي الطيب والقاضي أبي يعلى وغيرهم يقولون: إن اختصت المنصوصة يقينا أنها بعض العلة وإلا فلا يجوز تخصيصها بحال. وهذا النزاع إنما هو في علة قام على صحتها دليل كالتأثير والمناسبة. وأما إذا اكتفى فيها بمجرد الطرد والسلامة من المفسدات فهذه تبطل بالتخصيص باتفاقهم. وأما الطرد المحض الذي يعلم خلوه عن المعاني المعتبرة فذاك لا يحتج به عند أحد من العلماء المعتبرين؛ وإنما النزاع في الطرد الشبهي كالمجوزات الشبهية التي يحتج بها كثير من الطوائف الأربعة، لا سيما قدماء أصحاب الشافعي فإنها كثيرة في حججهم أكثر من غيرهم.
والتحقيق في هذا الباب: أن العلة تقال على «العلة التامة» وهي المستلزمة لمعلولها. فهذه متى انتقضت بطلت بالاتفاق وتقال على «العلة البعضية» وتسمى الديرة، وتسمى السبب، ودليل العلة، ونحو ذلك فهذه إذا انتقضت لفرق مؤثر يفرق فيه بين صورة النقض وغيرها من الصور لم تفسد. ثم إذا كانت صورة الفرع التي هي صورة النزاع في
стр. 354
معنى صورة النقض ألحقت بها، وإن كانت في معنى صورة الأصل ألحقت بها.
فمن قال: إن العلة لا يجوز تخصيصها مطلقا لفوات شرط أو وجود مانع فهذا مخطئ قطعا، وقوله مخالف لإجماع السلف كلهم الأئمة الأربعة وغيرهم؛ فإنهم كلهم يقولون بتخصيص العلة لمعنى يوجب الفرق، وكلامهم في ذلك أكثر من أن يحصر. وهذا معنى قول من قال: تخصيصها مذهب الأئمة الأربعة. والقول بالاستحسان المخالف للقياس لا يكون إلا مع القول بتخصيص العلة. وما ذكروه من اعتراض النص على قياس الأصول فهو أحد أنواع تخصيص العلة، وهذا تسليم منهم لكون العلة تقتضي التخصيص في الجملة.
وأما من جوز تخصيص العلة بمجرد دليل لا يبين الفرق بين صورة التخصيص وغيرها فهذا مورد النزاع في الاستحسان المخالف للقياس وغيره.
ثم هذه العلة إن كانت مستنبطة وخصت بنص ولم يتبين الفرق المعنوي بين صورة التخصيص وغيرها فهذا أضعف ما يكون. وهذا هو الذي كان ينكره كثيرا الشافعي وأحمد وغيرهما على من يفعله من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. وكلام أحمد فيما تقدم أراد به هذا؛ فإن العلة السببية لم تعلم صحتها إلا بالرأي، فإذا عارضها النص كان مبطلا لها. والنص إذا عارض العلة دل على فسادها، كما أنه إذا عارض الحكم الثابت بالقياس دل على فساده بالإجماع.
وأما إذا كانت العلة منصوصة وقد جاء نص بتخصيص بعض صور العلة فهذا مما لا ينكره أحمد بل ولا الشافعي ولا غيرهما، كما إذا جاء نص في صورة وجاء نص يخالفه في صورة أخرى لكن بينهما شبه لم يقم دليل على أنه مناط الحكم فهؤلاء يقرون النصوص ولا يقيسون
стр. 355
منصوصًا على منصوص خالف حكمه، بل هذا من جنس الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [٢٧٥/٢] وهذا هو الذي قال أحمد فيه: أنا أذهب إلى كل حديث كما جاء ولا أقيس عليه. أي لا أقيس عليه صورة الحديث الآخر فأجعل الأحاديث متناقضة وأدفع بعضها ببعض بل أستعملها كلها.
والذين يدفعون بعض النصوص ببعض يقولون: الصورتان سواء لا فرق بينهما فيكون أحد النصين ناسخا للآخر.
ومثل هذا كثيرا ما يتنازع فيه فقهاء الحديث ومن ينازعهم ممن يقيس منصوصًا على منصوص ويجعل أحد النصين منسوخا لمخالفته قياس النص الآخر فيمضي هذا القياس ويبقى الأمر دائرا: هل دل الشرع على التسوية بين الصورتين حتى يجعل حكمهما سواء ويجعل الحكم الوارد في إحداهما منسوخا بالحكم المضاد له الوارد في الأخرى كما يقوله من يجعل القرعة منسوخة بآية الميسر، وأمر المأمومين بأن يتبعوا الإمام فإذا كبر كبروا وإذا ركع ركعوا وإذا صلى جالسا صلوا جلوسا أجمعين (١) قياسهم على الصلاة التي صلوا بعضها خلف إمام قائم وباقيها خلف إمام قاعد، ويجعل حديث الأضحية والهدي أحدهما منسوخا بالآخر ويجعلون قطع جاحد العارية منسوخًا بقوله: «ليس على المختلس ولا المنتهب ولا الخائن قطع» ويجعلون العقوبة المالية منسوخة بالنهي عن إضاعة المال، ويجعلون تضعيف الغرم على من درئ عنه القطع منسوخا بقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [٤٠/٤٢] ويجعل بعضهم ما شرطه النبي ﷺ بينه وبين المشركين من الهدنة منسوخا بقوله: «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل»
стр. 356
وكثيرا مما يدعونه من الناسخ لا يعلمون أنه بعد المنسوخ. فهذا ونحوه من دفع النصوص الصحيحة الصريحة بلفظ مجمل أو قياس هو مما ينكره أحمد وغيره.
وكان أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس. وقال: ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين الأصلين: المجمل والقياس، ومراده أنه لا يعارض بهما ما يثبت بنص خاص، ولا يعمل بمجردهما قبل النظر في النصوص والأدلة الخاصة المفسرة. وكلامه وكلام غيره من الأئمة كالشافعي وغيره من المجمل لا يريدون بالمجمل ما لا يفهم معناه كما يظنه بعض الناس، ولا ما لا يستقل بالدلالة؛ فإن هذا لا يجوز الاحتجاج به.
قال: وأما إذا جاء نصان بحكمين مختلفين في صورتين وثم صور مسكوت عنها فهل يقال القياس هو مقتضى أحد النصين فما سكت عنه يلحق به وإن لم يعلم المعنى الفارق بينه وبين الآخر؟ فهذا هو الاستحسان الذي تنوزع فيه. فكثير من الفقهاء يقول به كأصحاب أبي حنيفة وكثير من أصحاب أحمد وغيره، وهذا هو الذي ذكره القاضي بقوله: اعتراض النص على قياس الأصول، وهو في الحقيقة قول بتخصيص العلة، كما تقدم.
ومن لم يجوز تخصيصها في صورة التخصيص وغيره إلا بفارق يقول: لا بد أن يعلم الجامع أو الفارق، فليس إلحاق المشكوك بأحد النصين بأولى من إلحاقه بالآخر، وإذا علم المعنى من أحد النصين ولم يعلم من الآخر وجاز أن يكون المشكك فيه من معنى هذا ومعنى هذا لم يلحق بواحد منهما إلا بدليل. وإذا علم المعنى من أحد النصين ووجوده مشكوك فيه ولم يعلم المعنى من الآخر فهذا أقوى من الذي قبله؛ فإنه هنا قد علم بعض القياس الصحيح وشموله لصورة المسكوت. وأما وجود الفارق فيه فمشكوك فيه.
стр. 357
وهذا نظير أخذ أحمد بالنصوص الواردة في سجود السهو، فما كان منها قبل السلام أخذ به، وما كان بعد السلام أخذ به، وما لم يجيء فيه نص ألحقه بما قبل السلام لأنه القياس عنده.
وتحقيق هذا كما مر: أنه إما أن يعلم استواء الصورتين في الصفات المؤثرة في الشرع. وإما أن يعلم افتراقهما وإما أن لا يعلم واحد منهما.
فالأول متى ثبت الحكم في بعض الصور دون بعض علم أن العلة باطلة. وهذا مثل دعوى من يدعي أن الواجب النفقة بين الإيلاد أو بين الرحم المحرمة، أو مطلق الإرث بفرض أو تعصيب؛ ويقول: إذا اجتمع الجد والجدة كانت النفقة عليهما؛ فإنه لما ثبت بالنص والإجماع أنه إذا اجتمع الأبوان كانت النفقة على الأب علم أن العصبة في ذلك يقدم على غيره إذا كان وارثا بفرض وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وعلم أن قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [٢٣٣/٢] هو الوارث المطلق، وهو العاصب إن كان موجودا؛ لأن عمر جبر بني عم منغوس على نفقته. وهذه الآية صريحة في إلحاق نفقة الصغير على الوارث العاصب، وقال بها جمهور السلف، وليس فيما خالفها حجة أصلا؛ ولكن ادعى بعضهم أنها منسوخة، ونقل ذلك عن مالك. وبعضهم قال: عليه أن لا يضار فتركها بدون نسخ أو تأويل هو من نوع تحريف الكلم عن مواضعه لغير معارض لها أصلا مما يعلم بطلانه كل من تدبر ذلك.
وإذا كانت الأم أقرب الناس إليه لا نفقة عليها مع الأب وهي تحوز الثلث معه فأن لا يجب على الجدة مع الجد وهي تحوز السدس أولى وأحرى. والقائلون بذلك يقولون: القياس يقتضي وجوب ثلثها على الأم؛ لكن ترك ذلك للنص. فيقال: أي قياس معكم إنما يكون قياسا لو كان معهم نص يتناول هذه الصورة بلفظه أو معناه، وليس معهم ذلك،
стр. 358
ولو كان ذلك لكان مجيء هذا النص بهذا يوجب إلحاق نظائره به فيقاس على الأب مع الأم.
وكذلك إسلام النقدين في الموزونات يقدح في كون العلة الوزن، ولم يثبت ذلك بنص بين؛ بل بعلة مستنبطة قد عارضها ما هو أقوى منها؛ فانتقاض العلة يوجب بطلانها إذا لم تختص صورة النقض بفرق معنوي قطعا؛ فإن الشارع حكيم عادل لا يفرق بين المتماثلين، فلا تكون الصورتان متماثلتين ثم يخالف بين حكميهما؛ بل اختلاف الحكمين دليل على اختلاف الصورتين في نفس الأمر، فإن علم أنه فرق بينهما كان ذلك دليلا على عدم استوائهما في نفس الأمر، وإن لم يعلم مجيء الفرق لم يجز أن يجمع ويسوى إلا بدليل يقتضي ذلك. وهذا معنى قول إياس بن معاوية من القضاة: قيسوا للقضاة ما صلح الناس فإذا فسدوا فاستحسنوا. فأقر مخالفة القياس إذا تغير الأمر بحصول معاند يمنع القياس.
وأحمد قال بالاستحسان لأجل الفارق بين صورة الاستحسان وغيرها، وهذا من باب تخصيص العلة للفارق المؤثر، وهذا حق، وأنكر الاستحسان إذا خصت العلة من غير فارق مؤثر؛ ولهذا قال: يدعون القياس الذي هو حق عندهم للاستحسان.
وهذا أيضا هو الاستحسان الذي أنكره الشافعي وغيره، وهو منكر كما أنكروه؛ فإن هذا الاستحسان وما عدل عنه من القياس المخالف له يقتضي فرقا وجمعا بين الصورتين بلا دليل شرعي؛ بل بالرأي الذي لا يستند إلى بيان الله ورسوله وأمر الله ورسوله، فهو عندهم وضع شرع ابتداء وقد قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [٢١/٤٢] وذلك أنه إذا كان القياس لم ينص الشارع على علته ولا دل لفظ الشارع على عموم المعنى فيه ولكن رأي الرائي
стр. 359
ذلك لمناسبة أو لمشابهة ظنها مناط الحكم ثم خص من ذلك المعنى صورا بنص يعارضه كان معذورا في عمله بالنص؛ لكن مجيء النص بخلاف تلك العلة في بعض الصور دليل على أنها ليست علة تامة قطعا؛ فإن العلة التامة لا تقبل الانتقاض، فإن لم يعلم أن مورد النص مختص بمعنى يوجب الفرق لم يطمئن عليه إلى أن ذلك المعنى هو العلة؛ بل يجوز أن تكون العلة معنى آخر، أو أن يكون ذلك المعنى بعض العلة، وحينئذ فلا يسوى الحكم في جميع موارد ما ظنه علة.
وإن كان مورد الاستحسان هو أيضا معنى ظنه مناسبا أو مشابها فإنه محتاج حينئذ إلى أن يثبت ذلك بالأدلة الدالة على تأثير ذلك الوصف، فلا يكون قد ترك القياس إلا لقياس أقوى منه لاختصاص صورة الاستحسان بما يوجب الفرق بينها وبين غيرها، فلا يكون لنا حينئذ استحسانا يخرج عن نص أو قياس. وهذا هو الذي أنكره الشافعي وأحمد وغيرهما من الاستحسان.
وما قال به فإنما [هو] : عدول عن قياس لاختصاص تلك الصورة بما يوجب الفرق. وحينئذ فلا يكون الاستحسان الصحيح عدولا عن قياس صحيح، والقياس الصحيح لا يجوز العدول عنه بحال. وهذا هو الصواب كما بسطناه في مصنف مفرد وبينا فيه أنه ليس من الشرع شيء بخلاف القياس الصحيح أصلا.
[وهل يقاس على صور الاستحسان وتقاس على غيرها]
وعلى هذا فصور الاستحسان العدول بها عن سنن القياس يقاس عليها عند أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إذا عرف المعنى الذي لأجله ثبت الحكم فيها، وذكروا عن أصحاب أبي حنيفة أنه لا يقاس عليها، وهو من جنس تخصيص العلة؛ فإن من جوز التخصيص والاستحسان من غير فارق معنوي قال: العدول به عن سنن القياس لا يجب أن يكون لفارق معنوي فلا يقاس عليه؛ لأن من شرط القياس
стр. 360
وجود العلة ومعرفتها. ومن قاس قال: بل لا يكون إلا لفارق فإذا عرفنا قسنا.
قال القاضي وغيره: مسألة المخصوص من جملة القياس يقاس عليه.
أما القياس عليه فإن أحمد قال في رواية ابن منصور: إذا نذر أن يذبح نفسه يفدي نفسه بذبح كبش. فقاس من نذر ذبح نفسه على من نذر ذبح ولده وإن كان ذلك مخصوصًا من جملة القياس، وإنما ثبت بقول ابن عباس.
وأما قياسه على غيره فإن أحمد قال في رواية المروذي: يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها. فقيل له: كيف يشتري ممن لا يملك؟ قال: القياس كما تقول، ولكن هذا استحسان، واحتج بأن الصحابة رخصوا في شراء المصاحف دون بيعها (١) . فقد قاس مخصوصا من جملة القياس على مخصوص من جملة القياس وبهذا قال الشافعي (٢) . وقال أصحاب أبي حنيفة (٣) : لا يقاس على غيره، ولا يقاس غيره عليه إلا أن تكون علته منصوصة (٤) أو مجمعًا على جواز القياس عليه؛ فالمنصوص كقوله: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (٥) والمجمع عليه كالتحالف في الإجارة قياسا على التحالف في البيع أن قضيتهما سواء. ومثل قياس الجنازة على الصلاة في
стр. 361
الانتقاض بالقهقهة وإسقاط الكفارة في الاستقاء. الأكل والوضوء بنبيذ التمر لا يقاس عليه غيره من الأنبذة وجواز البناء على صلاته إذا أحدث لا يقاس عليه من أمنى بالاحتلام ونحوه (١) .
واحتج أصحاب الشافعي بحجج وهذا لفظ القاضي أبي يعلى، قال: وأيضا فإنا إذا قسنا على المخصوص أو قسنا المخصوص على غيره. وحملنا النبيذ على غيره من المائعات والقهقهة على الكلام ويدعى أنه استحسن تركه لما هو أولى منه. قال: وهذا غير صحيح لوجهين؛ أحدهما: أنه يلزمه أن يبين الأولى وإلا حكم القياس متوجه عليه. وهذا كما لو قال: القرآن يدل على كذا ولكن تركته للسنة فتكون حجة القرآن لازمة له ما لم يبين السنة التي هي أقوى من القرآن ولا يكفي في ذلك مجرد الدعوى.
والثاني: أن يدعي أن الاستحسان أقوى من القياس فلهذا تركه، والقياس إذا عارضه دليل أقوى منه كان القياس باطلاً ولم يكن له حكم، كما لو عارضه نص كتاب أو سنة أو إجماع ولما حكم بصحة القياس ههنا امتنع أن يكون ما عارضه أقوى منه ومانعًا.
قلت: مضمون هذا إبطال أن يكون هذا مخصوصًا من جملة القياس وقياسه على سائر الصور، وهذا إبطال للاستحسان وهذا يقتضي
стр. 362
أن الاستحسان إذا خالف القياس لزم بطلان الاستحسان إن كان القياس صحيحا أو بطلان القياس إذا كان المعارض له صحيحا. وهذا يتوجه فيمن يقول بالاستحسان وجعل معارضة الاستحسان للعلة كمعارضته لحكمها، وهذا قول نفاة الاستحسان مطلقًا.
والتحقيق في ذلك: أنه إذا تعارض القياس والاستحسان فإن لم يكن بينهما فرق وإلا لزم بطلان أحدهما وهو مسألة تخصيص العلة بعينها؛ فإن لم يكن بين المخصوصة وغيرها فرق لزم التسوية؛ وحينئذ فإما أن تكون العلة باطلة، وإما أن يكون تخصيص تلك الصورة باطلاً. وهذا هو الصواب في هذا كله، وهو الذي ينكره الشافعي وأحمد وغيرهما على القائلين بالقياس والاستحسان الذي يخالفه؛ فإنهم لا يأتون بفرق مؤثر بينهما، كما لم يأتوا بفرق مؤثر بين نبيذ التمر وغيره من المائعات، ولا بين القهقهة في الصلاة التي فيها ركوع وسجود وبين صلاة الجنازة وغيرها مما يشترطون فيه الطهارة.
وذكروا أدلة أخرى جيدة كقولهم -واللفظ للقاضي-: وأيضا فإن ما ورد به الأثر قد صار أصلا فوجب القياس عليه كسائر الأصول، وليس رد هذا الأصل لمخالفة تلك الأصول له بأولى من رد تلك الأصول لمخالفة هذا الأصل، فوجب إعمال كل واحد منهما في مقتضاه وأجراؤه على عمومه.
وأيضًا: فإن القياس يجري مجرى خبر الواحد بدليل أن كل واحد منهما يثبت بغالب الظن، ثم ثبت أنه يصح أن يرد مخالفا لقياس الأصول، كذلك القياس مثله. اهـ.
قلت: ومن هذا الباب جمع النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة لو لم يرد به نص في أسفار أخر وأن قصره الصلاة بعرفة بأهل مكة وغيرهم فليس مخالفا لعادته فإنه ما زال يقصر في السفر؛ بل هو بيان استواء السفر
стр. 363
القصير والطويل والقصر في ذلك. فأما منع قصر الكثير فهو مخالف للسنة العامة بلا ريب، وإنما خالف ذلك من عمل على هذه السنة (١) .
وأما قصر غير الكثير فلأن القصر ليس من خصائص الحج ولا متعلقا به، وإنما هو معلق بالسفر طردًا وعكسًا.
وكلامهم في هذه المسألة يقتضي أن ما قيل فيه: إنه خالف القياس من صور الاستحسان فلابد أن يكون قياسه فاسدًا، أو أن يكون تخصيصه بالاستحسان فاسدًا، إذا لم يكن هناك فرق مؤثر. وهذا هو الصواب في هذا الباب.
قالوا: واحتج المخالف بأن قياس الشيء لا يصح مع وجود ما ينافيه، فلما كان القياس مانعا مما ورد به الأثر لم يجز لنا استعمال القياس فيه، لأنه لو جاز ذلك لم يكن فرق بينه وبين سائر الأصول التي يمنع قياسها منه فكان يخرج حينئذ من كونه مخصوصًا من جملة القياس.
قالوا: والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أن ههنا ما ينافيه؛ لأن المنافاة تكون بدليل خاص، وما يذكرونه في هذه المسائل ليس بدليل خاص لما نذكر من التأويل.
والثاني: أن المنافاة إنما تحصل بقياسه على غيره في إسقاط حكم النص.
فأما قياس غيره عليه فلا ينافيه لأنه لا يسقط حكم النص عندهم فيصح القياس عليه.
стр. 364
قلت: هذا الثاني جواز قياس غيره عليه. والأول جواز قياسه على غيره ومنع لكونه مخصوصا من جملة القياس.
والتحقيق: أنه وإن كان مخصوصا من جملة القياس فهو مخصوص من قياس معين لا من كل القياس. وإنما يخص لمعنى فيه يوجب الفرق بينه وبين غيره. فإذا قيس عليه غيره بذلك المعنى لم يناف ذلك كونه مخصوصًا من ذلك القياس الأول.
وحقيقة هذا كله: أنه هل يثبت الحكم على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر؟ فمن يقول بالاستحسان من غير فارق مؤثر وتخصيص العلة من غير فارق مؤثر ويمنع القياس على المخصوص يثبت أحكاما على خلاف القياس الصحيح في نفس الأمر، وهذا هو الاستحسان الذي أنكره الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما.
وهم تارة ينكرون صحة القياس الذي خالفوه لأجل الاستحسان. وتارة ينكرون مخالفة القياس الصحيح لأجل ما يدعونه من الاستحسان الذي ليس بدليل شرعي.
وتارة ينكرون صحة الاثنين فلا يكون القياس صحيحا، ولا يكون ما خالفوه لأجله صحيحا؛ بل كلا الحجتين ضعيفة.
فصل
وقد تدبرت عامة هذه المواضع التي يدعي من يدعي فيها من الناس أنها تثبت على خلاف القياس الصحيح، أو أن العلة الشرعية الصحيحة خصت بلا فرق شرعي من فوات شرط أو وجود مانع، أو أن الاستحسان الصحيح يكون على خلاف القياس الصحيح من غير فرق شرعي فوجدت الأمر بخلاف ذلك كما قاله أكثر الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما. وإن كان الواحد من هؤلاء قد يتناقض أيضا فيخص ما يجعله علة بلا فارق مؤثر كما أنه قد يقيس بلا علة مؤثرة.
стр. 365
فالمقصود ضبط أصول الفقه الكلية المطردة المنعكسة، وبيان أن الشريعة ليس فيها ما نص أصلا، والقياس الصحيح لا يكون خلافه إلا مانعا؛ فإن القياس الصحيح هو التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين، والجمع بين الأشياء التي جمع الله ورسوله بينها فيه والتفريق بينها فيما فرق الله ورسوله بينها فيه.
والقياس: هو اعتبار المعنى الجامع المشترك الذي اعتبره الشارع وجعله مناطا للحكم، وذلك المعنى يكون لفظًا شرعيًّا عامًا أيضًا، فيكون الحكم ثابتا بعموم لفظ الشارع ومعناه.
وقد بينا في غير هذه الموضع أن الأحكام كلها ثابتة بلفظ الشارع ومعناه، فألفاظه تناولت جميع الأحكام، والأحكام كلها معللة بالمعاني المؤثرة، فمعانيه أيضا متناولة لجميع الأحكام؛ لكن قد يفهم المعنى من لم يعرف اللفظ العام، وقد يعرف اللفظ العام ودلالته من يفهم العلة العامة. وكثيرًا ما يغلط من يظنه قال لفظا ولم يقله، أو يجعله عاما أو خاصا ويكون مراد الشارع خلاف ذلك، كما يغلط من يظنه اعتبر معنى لم يعتبره أو ألغى معنى وقد اعتبره، ونحو ذلك.
وإنا نبين ما يذكره العلماء أنه استحسان على خلاف القياس.
فمن ذلك ما يذكره أحمد في إحدى الروايتين عنه إذا اعتبر الاستحسان؛ فإنه ذكر عنه روايتين كما تقدم.
والقول الثالث- وهو الذي يدل عليه أكثر نصوصه-: أن الاستحسان المخالف للقياس صحيح إذا كان بينهما فرق مؤثر قد اعتبره الشارع، وليس بصحيح إذا جمع بغير دليل شرعي دعوى بغير دليل شرعي وأنه لا يجوز ترك القياس الصحيح.
أما قوله: «أستحسن أن يتيمم لكل، صلاة؛ لكن القياس أنه بمنزلة
стр. 366
الماء حتى يجد الماء أو يحدث» فهذا القياس هو الرواية الأخرى عنه، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم، وهو الصواب كما دل عليه الكتاب والسنة.
[استحسان أن يتيمم لكل صلاة مخالف للقياس]
وقوله: «القياس» هو قياس الشرع لفظا ومعنى؛ فإن قول النبي ﷺ : «الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين» ، وقوله: «جعلت لي الأرض مسجدا أو طهورا» ونحو ذلك ألفاظ دالة على أن التراب طهور كما جعل الماء طهورا. وقول النبي ﷺ لعمرو بن العاص: «أصليت بأصحابك وأنت جنب؟» استفهام، سأله أكان ذلك أو لم يكن، وليس خبرا أنه صلى وهو جنب، فلما أخبره أنه تيمم تبين أنه لم يكن جنبا يأمره النبي ﷺ وإلا فلو كان المراد الخبر وهو قد صلى مع الجنابة صلاة جائز لم يسأله وإن كانت الجنابة مانعة من الصلاة مطلقا لم يقبل عذره وهو لم يقل «أصليت» ..
والقرآن يدل على أنه طهور بقوله لما ذكر التيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ﴾ [٦/٥] .
والذين أمروه بالتيمم لكل صلاة فيذكر إما روايات عن بعض الصحابة ضعيفة وعنهم ما يخالفها.
وقالوا: إنه لا يرفع الحدث وإنما هو مبيح فيبيح بقدر الضرورة.
قالوا: والرافع لحدث الماء لما كان إذا قدر على استعمال الماء يستعمله بحكم الحدث السابق من غير تجدد حدث. واحتجوا بقوله لعمرو بن العاص: «أصليت بأصحابك وأنت جنب؟» .
وجواب هذا أن قولهم: لا يرفع، يبيح. كلام لا حقيقة له، ولو صح لم يكن لهم فيه حجة؛ فإن الحدث ليس هو أمرا محسوسًا كطهارة
стр. 367
الخبث؛ بل هو أمر معنوي يمنع الصلاة، فمتى كانت الصلاة جائزة بل واجبة فقد امتنع أن يكون هنا مانع من الصلاة؛ بل قد ارتفع المانع قطعا. وإن قالوا: هو مانع لكنه لا يمنع مع التيمم، فالمانع الذي لا يمنع ليس مانعًا.
فإن قيل: هو منع إذا قدر على استعمال الماء. قيل: هو حينئذ وجد المانع.
فإن قالوا: كيف يعود المانع من غير حدث؟ قيل: كما عاد الحاظر من غير حدث. فالحاظر للصلاة هو المانع، والمبيح لها هو الرافع لهذا المانع.
فإن قيل: إباحتها إلى حين القدرة على استعمال الماء. قيل: وأزال المانع إلى حين القدرة. فكما يقال: أباح إباحة مؤقتة. يقال: إنه رفع رفعا مؤقتا.
وإن قالوا: نحن لا نقبل إلا ما يرفع مطلقا كالماء. قيل: ولا نقبل إلا ما يبيح مطلقا كالماء.
وأيضا فالله ورسوله قد سماه «طهورًا» وجعله النبي ﷺ «طهور المسلم ما لم يجد الماء» وجعل «تربة الأرض طهورًا» .
الطهور: ما يتطهر به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [٦/٥] والتيمم قد يطهر، ومع الطهارة لا يبقى حدث؛ فإن الطهارة مانعة للحدث: إذ غايتة أن يكون نجاسة معنوية، والطهارة تناقض النجاسة.
فقد تبين هنا: أن القياس هو الصحيح دون الاستحسان الذي يناقضه.
وتخصيص العلة وهو كون هذا بدلا طهورا مبيحا يقوم مقام الماء
стр. 368
عند تعذره في جميع أحكامه، ثم يخص بعض الأحكام من حكم البدلية والطهورية والإباحة، والبدل يقوم مقام المبدل في حكمه لا في صورته والحكم جواز الطهارة به ما لم يجد الماء أو يحدث، فذلك القول مخالف للقياس وتخصيص العلة بلا ريب. والعلة صحيحة بلا ريب.
ونحن إذا قلنا: لا يجوز تخصيص بدون فارق مؤثر أفاد شيئين:
أحدهما: أنه إذا ثبت أنها علة صحيحة لم يجز تخصيصها مثل هذا الموضع.
والثاني: أنه إذا ثبت تخصيصها علم بطلانها، وهذا معنى قولنا: لا يجتمع قياس صحيح واستحسان صحيح إلا مع الفارق المؤثر من الشرع.
[إذا اشترى المضارب غير ما أمر به صاحب المال استحسن ..]
وأما قوله في المضارب: إذا خالف فاشترى غير ما أمر به صاحب المال فالربح لصاحب المال ولهذا أجرة مثله إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب، قال: وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال، ثم استحسنت. فهذا استحسان منه رآه بفرق مؤثر، أو القياس مستنبط والاستحسان مستنبط، وهو تخصيص لعلة مستنبطة بفرق مستنبط. وأحمد لا يرد مثل هذا الاستحسان؛ لكن قد تكون العلتان أو إحداهما فاسدة، كما لا يرد تخصيص العلة المنصوصة بفرق منصوص كالمتيمم لما جاءت صلاته وليس هنا إلا الحدث مانعًا، فلو تبين مانع لم تجز الصلاة، فلم زوال المانع؟
فإن قيل: الصلاة بالتيمم، رخصة كأكل الميتة في المخمصة، والرخصة استباحة المحظور مع قيام الحاظر. ولا يجوز هنا أن يقال: إنه استباح الصلاة مع قيام الحاظر لها؛ فإن كون الحاظر حاظرا (١) لمعارض راجح وذلك أن المعنى المقتضي للحظر القائم بالميتة موجود حال
стр. 369
المخمصة كما هو موجود حال القدرة على الميتة في نفسها لم يتغير.
وأما تغير حال الإنسان كان غنيا عنها ثم صار محتاجا إليها حاجة تدفع الفساد الحاصل بأكلها فكذلك التيمم.
قيل: هذا قياس فاسد، وذلك أنه جاء ميتة وأكل والميتة لم تتغير لكن تغير حال الآكل أما ليس إلا الحدث الذي كانت الصلاة محرمة عليه ثم صارت واجبة عليه أو جائزة فالمتيمم به لم يتغير حاله (١) .
والفرق أن المضارب مأمور بجعل، بل هو شريك في الربح وعمله له ولصاحب المال جميعا؛ ولهذا كان للعلماء فيما يستحقه في المضاربة الفاسدة ونحو ذلك قولان: هل يستحق ربح مثله -قسط مثله من الربح- أو أجرة تكون أجرة مثله؟
والقول الأول هو الصواب قطعا. وهذا ينافي مذهب أحمد؛ فإن من أصله أن هذه المعاملات مشاركة لا مؤاجرة بأجرة معلومة. والقياس عنده صحتها.
وإنما يقول أجرة المثل من يجعلها من باب الإجارة ويقول القياس يقتضي فسادها وإنما جوز منها ما جوز للحاجة. وبكل حال فهو يعمل لنفسه لاستحقاق القسط أو الأجرة ويعمل لذي المال؛ فليس هو بمنزلة العامل الذي جعل عمله لصاحب المال كالمتبرع؛ فإن هذا إنما قبض المال ليعمل فيه بالعوض، فالمخالفة لا تخرج عن كون المال بيده قبضه ليعمل فيه بالعوض، ولكن عمل غير ما أمر به فيكون ضامنا لتعديه؛ ولكن ليس إذا كان ضامنا يكون وجوده كعدمه مع أنه مأذون له
في التجارة به في الجملة، ليس هو كمن لم يؤذن له في ذلك. وهو أيضًا
стр. 370
من أصل آخر، وهو أنه إذا تصرف بغير أمره كان فضوليا فتكون العقود موقوفة وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وقول أكثر العلماء، وهي التي ذكرها الخرقي في مختصره: أن بيع الفضول وشراه ليس باطلا، بل موقوفًا، فإن باع أو اشترى بعين المال فهو موقوف، وإن اشترى في الذمة فهو موقوف. فأي إجارة والمشترى له وإلا لزم المشتري.
وأما القاضي وأتباعه فاختاروا أن تصرفه مردود إلا أن اشترى في الذمة. والذي ذكره الخرقي أصح؛ لكن قرن هذه المسألة في مواضع في مختصره بالعامل إذا خالف كان متصرفا له بغير إذنه، فإذا أجازه وطلب حقه من الربح صار مجيزا له وصار العامل مأذونا له. والعامل إنما عمل لأجل قصده من الربح فيستحق نصيبه من الربح.
وقول أحمد: كنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال ثم استحسنت رجوع منه إلى هذا. وجعله الربح في جميع الصور للمالك يقتضي أنه يصحح تصرف الفضول إذا أخبر وإلا كان البيع باطلا.
وكذلك الذي يعين المال كما يقوله الشافعي ومن نصر الرواية الأخرى ويكون البيع عليه ضمان ما فوته من مال فقط، ليس للمالك غير هذا، ولا يكون للعامل أيضا ربح لأنه لم يملك شيئا. والآثار المأثورة عن الصحابة والتابعين في باب البيع والنكاح والطلاق وغير ذلك تدل على أنهم كانوا يقولون بوقف العقود، لا سيما حين يتعذر استئذان المالك؛ ولهذا أحمد يقول بوقفها هنا كما في مسألة المفقود اتباعا للصحابة في ذلك، وإنما ادعى أنها خلاف القياس من لم يتفطن لما فيها من وقف العقود، كما في اللقطة. وتكلم السلف فيمن يتجر بمال غيره في الربح دليل على صحة التصرف عندهم إذا أجازه المالك؛ ولهذا ظهر ما استحسنه أحمد ورجع إليه أخيرا؛ لأنه إذا جاز بالإجارة فالمأذون
له وهو لم يعمل إلا بجعل برضا المالك فلا يجوز منعه حقه؛ وهو إما
стр. 371
على أنه إذا تصرف ابتداء فالربح كله للمالك، وهو إحدى الروايتين في المسألة.
وقيل: يتصدقان به، وهو رواية عن أحمد.
وقيل: هو للعامل كله كقول الشافعي.
وقيل: هما شريكان فيه، وهو أصح الأقوال، وهو المأثور عن عمر؛ لأن المالك لما أذن فيه صار كالمضارب، وهو لم يعمل ليكون الربح للمالك كالمصبغ؛ فإنه لو فعل ذلك كان الربح للمالك. وأما المتجر ليكون الربح له أو بينهما والمالك قد أجاز بيعه ولم يجزه ليكون الربح كله له، فيكون النماء حاصلا بمال هذا وبيع هذا، والتصرف صحيحا مأذونا فيه فيكون الربح بينهما.
ومن قال: يتصدقان به. جعله كغير المأذون فيه، فيكون خبيثا، وهو متعد؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما، فإذا أجاز المالك التصرف جاز، وكذلك في جميع تصرفات الغاصب، لا سيما من لم يعلم أنه غاصب إذا تصرف في المغصوب فأزال اسمه كطحن الحب ونسج الثوب ونحو ذلك ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره.
قيل: كل ذلك للمالك دون الغاصب وعليه ضمان النقص كقول الشافعي.
وقيل: ملكه الغاصب وعليه بدله كقول أبي حنيفة.
وقيل: يخير المالك بينهما كقول مالك وهو أصح، بناء على ذلك النص. فإن شاء المالك أجاز تصرفه وطالبه بالنقص كما في العامل المخالف. وإن شاء طالبه بالبدل لإفساده عليه، وبأجرة ذلك لا ذاته عوضه فيجبر على المعاوضة لحق المالك.
стр. 372
وإذا رضي المالك به فهل يكون الغاصب شريكا لما في عمله؟ فيه وجهان.
والأظهر في الجميع أن أثر عمله له، وكونه كان يظهر في تضمينه له؛ لا أن يؤخذ عمله فيعطى لغيره بغير عوض، فإن هذا كله له. والواجب إزالة الظلم بالعدل لا بظلم آخر ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [٤٠/٤٢] لا زيادة عليها.
وأما قوله: فمن غصب أرضا فزرعها، الزرع لذي الأرض وعليه النفقة، وليس هذا شيئا يوافق القياس، واستحسن أن يدفع إليه نفقته.
[إذا غصب أرضا فزرعها استحسن ... ]
فهذا قاله بالنص كما تقدم، لحديث رافع بن خديج، فيجب أن يكون القياس المخالف لهذا النص فاسدا إن لم يدل نص على صحته ويظهر الفارق المؤثر، وإلا فالقياس إذا خالف النص كان فاسدا. أما فساد الحكم المخالف للنص فبالاتفاق. وفساد العلة على قول الجمهور والذي لا يرى تخصيص العلة إلا بفارق مؤثر، وهذا نص قد خالف القياس.
وقولهم: القياس أن الزرع لزارعه. ليس معهم بذلك نص، ولا نظير؛ بل القياس أن الزرع إما أن يكون بينهما كالمزارعة، أو يكون لرب الأرض؛ لأن الحمل لمالك الأنثى دون مالك الذكر؛ لكن المني لا يقوم؛ بخلاف الزرع؛ فلهذا جعل له نفقته؛ فإن الزرع من ترابها ومائها وهوائها وشمسها، كما أن الحمل في البطن غالبه من الأم، وماء الأب قليل، كما أن الحب قليل. وكذلك الشجر إذا لقح أنثاه بذكر فإن الثمر لصاحب الأنثى لا لصاحب اللقاح، والحب كاللقاح.
وقول أحمد: عليه نفقته. يقتضي مثل البذر. ويقتضي أجرة عمله وعمل بدابته.
стр. 373
فقوله: «ليس هذا شيئا يوافق القياس» كقوله في العامل المخالف.
«ثم استحسنت أن يعطيه الأجرة» فكان يناسبه على ما يراه في الغاصب أن لا يكون له أجرة عمله وعمل بدابته. فهو مخالف للقياس من هذه الجهة؛ لأنه إنما عمل ليأخذ العوض لم يعمل مجانا كالعامل في المضاربة، ولأن البذر له فليس غاصبا محضا.
وقد اختلفت الرواية عن أحمد: هل يعطى بالبذر؛ أو أجرة مثله. والنص ورد بالأول بقوله: «ليس له من الزرع شيء وله نفقته» والقياس يقتضي الثاني. فقد يكون قوله على خلاف القياس من هذا الوجه. وما ورد به النص قد يكون باثنين. وأجرة مثله فيه سواء.
[بيع المصاحف وشراؤها]
أما شري المصاحف فإنما فرق فيهما بين الشرى والبيع؛ لأن العلة موجودة في البيع دون الشرى؛ لكن المشتري راغب في المصحف معظم له باذل فيه ماله، والبائع معتاض عنه بالمال، والشرع يفرق بين هذا وهذا، كما يفرق بين إعطاء المؤلفة قلوبهم بين المعطي والآخذ وكذلك بين اقتداء الأسير وغير ذلك.
ومعلوم أنه لو أعطاه المصحف والأرض الخراجية بلا عوض جاز وقام فيه مقامه، بخلاف ما لا يجوز ملكه كالخمر وغيرها، فإذا بذل له هذا فيه العوض لم تكن مضرته إلا على البائع.
فإن قيل: فإذا لم يحصل للإنسان كلب معلم إلا بثمن فينبغي أن يجوز بذله وإن لم يجز أخذه.
قيل: إن لم يكن بينهما فرق مؤثر في الشرع فما الذي جوز أن قيل هناك يجب عليه إعطاء الكلب بلا عوض بخلاف الأرض والمصحف فهذا ندب، مع أن الثابت عن الصحابة كراهة بيع المصحف، وابن عباس كان يكرهه، وكان أيضا يجوزه ويقول: إنما هو مصور فأخذ أجرة تصويره. فدل على أنها كراهة تنزيه. وروي عن عروة: وددت أن
стр. 374
الأيدي تقطع في بيع المصاحف. وهذا تغليظ تحريم؛ ولهذا اختلفت الرواية عن أحمد: هل هو تنزيه أو تحريم.
وأما شراءه ومبادلته: فهل هو مباح أو مكروه؟ على روايتين. وعن ابن عباس: يجوز أن يبيعه ويشتري بثمنه مصحفا آخر. وليس هذا في المبادلة والشري استبدال به عوضا من الدنيا. فالأظهر جواز ذلك بلا كراهة، وأن البيع أيضا لا يحرم، بل يكره تعظيما لكتاب الله، وليس على التحريم دليل شرعي.
[استحسان شرى الأرض الخراجية دون بيعها]
وكذلك الأرض الخراجية ليس في منع بيعها دليل شرعي أصلا؛ فإن الذي منعوها من الفقهاء قالوا: إنها وقف، وبيع الوقف لا يجوز. وهذا إنما هو في الوقف الذي يبطل بيعه وهو الذي لا يورث ولا يوهب. والأرض الخراجية تورث وتوهب. والوقف الذي لا يباع لا يورث ولا يوهب. وذلك أن المتولي يقوم مقام البائع لا يبطل جنس أصل الوقف.
وأحمد في ظاهر مذهبه يجوز بيع المكاتب لهذا المعنى؛ لأن ذلك لا يبطل حقه من الكتابة؛ بل يكون عند المشتري كما هو عند البائع، وهو يورث بالاتفاق، ولكن العبد فيه سبب الحرية فليس منع بيعه أنه يباع حر كما تخيل أولئك أنه يباع وقف، وليس الأمر كما تخيلوا، بل بيع الحر هو أن يستعبد فيصر بخلاف ما كان حرا. وبيع الوقف: هو أن يجعل طلقا أو يصرف مغله إلى غير جهته، والأرض الخراجية مغلها هو مغلها لم يتغير، وهو الخراج المضروب عليها سواء كان ضريبة كخراج عمر، أو صار مقاسمة، كما فعل متأخرو الخلفاء بأرض السواد وغيرها كما فعله المنصور. فعلى التقديرين حق، كما يبقى مع الإرث والهبة.
والصحابة الذين كرهوا شراها إنما كرهوه لدخول المسلم في
خراج أهل الذمة أو إبطال حق المسلمين منه؛ فإن المشتري إذا أدى الخراج
стр. 375
وهو جزية فقد التزم الصغار، وإن لم يؤد أبطل حق المسلمين؛ فلهذا كره عمر ذلك وغيره من الصحابة، وهم نهوا عن الشرى.
وأما البيع فإنما كان يبيعها أهل الذمة؛ لأن الأرض الخراجية إنما كانت بأيدي أهل الذمة، وكان ذلك أيضا لئلا يشتغل المسلمون بالفلاحة عن الجهاد، فلما كثر المسلمون وصار أكثرهم غير مجاهدين وصار أداءهم الخراج أنفع لعموم المسلمين من كونها بأيدي أهل الذمة لم يصر في ذلك من الصغار ما يكون في أول الإسلام إلا لمن يشتغل بعمارة الأرض عن الجهاد، وهذا لا يختص بالخراجية، بل هو رأي النبي ﷺ فقال: «ما دخلت هذه دار قوم إلا دخلها الذل» رواه البخاري، مع أن الأنصار كانوا هم الفلاحين لأرضهم نهوا عن الاشتغال بعمارة الدنيا عن الجهاد وهذا لا يختص بالأرض الخراجية.
وأما ما ذكره القاضي من قبول شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر. فلا ريب أن الفرق هنا ظاهر. وهذا من الاستحسان وتخصيص العلة التي ظهر فيها الفرق. والمنع من شهادتهم على المسلمين ثبت بالنص، والإذن فيها هنا ثبت بالنص أيضا للحاجة.
[شهادة أهل الذمة على المسلمين في غير السفر]
وهل يعدى هذا إلى جميع مواضع الحاجة؟ فيه عن أحمد روايتان، بناء على أن العلة معلومة وهي موجودة في غير هذا الموضع. هذا وجه القول بالجواز. وأما وجه المنع: فإما أن نقول: لم تعلم العلة وأنها مشتركة، أو علمنا اختصاصها بهذه الصورة للضرورة العامة فيها. هذا إذا ثبت عموم المنع في غير هذه الصورة إما لفظا وإما معنى. وألفاظ القرآن لا عموم فيها بالمنع. وكذلك السنة ليس فيها لفظ عام بالمنع. لم يبق إلا القياس. وتلك المواضع أمر فيها بإشهاد المسلمين، ومعلوم أن ذاك
إنما هو عند القدرة على إشهادهما وهذا واجب في الوصية في السفر. وأما إذا تعذر إشهادهما على الدين في السفر أو على الرجعة فليس في
стр. 376
القرآن ما يدل على المنع من ذلك. وإذا لم يكن في الكتاب والسنة منع من إشهاد أهل الذمة عند تعذر إشهاد المسلمين لم يكن هنا قياس يخالف هذه الآية وقد عمل بها الصحابة وجمهور التابعين.
والذين لم يعملوا بها ليس معهم في خلافها لا نص ولا إجماع ولا قياس. وقد تأولوها بأنها حدس من غير أصل يسلم. وبعضهم قال: نقيس. وقال بعضهم: الشهادة باليمين.
والأقوال الثلاثة باطلة من وجوه كثيرة.
وقول من قال: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين بحال. ليس معهم بذلك نص ولا قياس؛ ولكن كثير من الناس يغلطون لأنهم يجعلون الخاص من الشارع عاما. والله أمر بإشهاد المسلمين على المسلمين إذا أمكن فظن من ظن أن هذا يقتضي أن لا يشهد غيرهم ولو لم يوجد مسلم. وباب الشهادات مبناها على الفرق بين حال القدرة وحال العجز؛ ولهذا قبل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال، وقد نص أحمد على شهادتين في الجراح وغيرها إذا اجتمعن ولم يكن عندهن رجال، مثل اجتماعهن في الحمامات والأعراس ونحو ذلك. وهذا هو الصواب؛ فإنه لا نص ولا إجماع ولا قياس يمنع شهادة النساء في مثل ذلك وليس في الكتاب والسنة ما منع شهادة النساء في العقوبات مطلقا.
وأما إذا نذر ذبح ولده أو نفسه فأحمد اتبع ما ثبت عن ابن عباس وهو مقتضى القياس والنص. فإن كان قادرا كان عليه كبش، وإن تلف المال فعليه كفارة يمين. وهو أصح الروايات عن أحمد، وهو الذي
صرح به في مواضع. وقيل: عليه كفارة يمين في الجميع. وقيل: لا
شيء عليه وذلك أن من نذر نذرا فعليه النذر أو بدله في الشرع، وهناك
стр. 377
تعذر النذر وانتقل إلى البدل الشرعي وهو الكبش كما في نظائره. فليس هنا ما يخالف القياس الصحيح.
وهذا الباب باب تدبر العموم والخصوص من ألفاظ الشرع ومعانيه التي هي علل الأحكام هي الأصل الذي تقرر فيه شرائع الإسلام -والله أعلم-، والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله (١) .
قال شيخنا ﵁: والذي قيست عليه الحيل الربوية وليست مثله نوعان:
[المعاريض]
أحدهما: المعاريض، وهي أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحا ويوهم غيره أنه يقصد به معنى آخر، فيكون سبب ذلك الوهم كون اللفظ مشتركا بين حقيقتين لغويتين أو عرفيتين أو شرعيتين أو لغوية مع إحداهما أو عرفية مع إحداهما أو شرعية مع إحداهما فيعني أحد معنييه ويوهم السامع له أنه إنما عنى الآخر: إما لكونه لم يعرف إلا ذلك. وإما لكون دلالة الحال تقتضيه، وإما لقرينة حالية أو مقالية يضمها إلى اللفظ أو يكون سبب التوهم كون اللفظ ظاهرا في معنى فيعني به معنى يحتمله باطنا بأن ينوي مجاز اللفظ دون حقيقته، أو ينوي بالعام الخاص أو بالمطلق المقيد، أو يكون سبب التوهم كون المخاطب إنما يفهم من اللفظ غير حقيقته لعرف خاص به، أو غفلة منه، أو جهل، أو غير ذلك من الأسباب مع كون المتكلم إنما قصد حقيقته فهذا كله إذا كان المقصود به رفع ضرر غير مستحق فهو جائز كقول الخليل: «هذه أختي» ، وقول النبي ﷺ : «نحن من ماء» وقول الصديق ﵁: هاد يهديني السبيل، ومنه قول عبد الله بن رواحة:
شهدت بأن وعد الله حق ... الأبيات
стр. 378
أوهم امرأته القرآن. وقد يكون واجبا إذا تضمن دفع ضرر يجب دفعه ولا يندفع إلا بذلك.
قال شيخنا: والضابط: أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام، لأنه كتمان وتدليس (١) .
[المجاز]
مسألة: في القرآن مجاز نص عليه بما خرجه في متشابه القرآن في قوله: «إنا» و «نعلم» و «منتقمون» هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنجري عليك رزقك، إنا سنفعل بك خيرا.
[قال شيخنا: قد يكون مقصوده يجوز في اللغة] (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
استدل القاضي على أن اللفظ الواحد يجوز أن يكون متناولا لموضع الحقيقة والمجاز بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [٩٢/٤] متناول للرقبة الحقيقية ولغيرها من الأعضاء على طريق المجاز وكذلك قوله: اشتريت كذا وكذا رأسا من الغنم، متناول للرأس الذي هو العضو المحسوس ولسائر الأعضاء.
قال شيخنا: قلت: هذا نقل اللفظ من الخصوص إلى العموم، وهو من باب الحقيقة العرفية؛ لأن الرأس أدخل في اللفظ من سائر
الأعضاء بهذا الوضع؛ لكن اجتمع فيه الوصفان فهو مدلول عليه بهما جميعًا فليس هذا من موارد النزاع: لكن تقرير كلامه: أنه إذا صار يعم
стр. 379
موضع الحقيقة وغيره حقيقة فلأن يكون ذلك مجازا أولى؛ لكن يقال: لفظه في صدر المسألة «يجوز أن يكون اللفظ الواحد متناولا لموضع الحقيقة والمجاز فيكون حقيقة من وجه مجازا من وجه آخر» ، وعلى هذا التقرير يكون مجازا فيقال: هذا في تعميم الخاص نظير البحث في تخصيص العام، إلا أنه هناك نقصت الدلالة وهنا زيدت، فكما أنه هناك يقال هو حقيقة في دلالته على الباقي مجاز أو لا حقيقة ولا مجاز في عدم دلالته على الخارج، يقال هنا: هو حقيقة في دلالته على مسماه الأول مجاز في الزيادة على ذلك. واستدل أيضا بقولهم: «عدل العمرين» عند من يقول هما: أبو بكر وعمر، والمنصوص عن أحمد خلافه، قال: هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، وكذلك قولهم: «ما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء» قاله القاضي (١) .
فصل في وجوه المجاز
منها: أن يستعمل اللفظ في غير ما هو موضوع له، «الحمار» أطلقوه على البليد واسم الأسد أطلق على الرجل الشجاع.
ومنها: المستعمل في موضعه وغير موضعه كقوله: «فتحرير رقبة» يتناول الرقبة وجميع الأعضاء، وكذلك إطلاق الشيء على ضده كإطلاقهم «السليم» على اللديغ، و «المفازة» على المهلكة.
ومنها: الحذف كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [٨٢/١٢] ، ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [٩٣/٢] .
ومنها: الصلة كقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [٣٠/٤٢] يعني بما كسبتم.
стр. 380
ومنها: أن يطلق اسم المصدر على المفعول: كضرب فلان، وخلق الله، وعلى الفاعل: كرجل عدل.
ومنها: إطلاق اسم الفاعل على المفعول: كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [٢١/٦٩] أي مرضية، وعلى المصدر كقولك: «تخشى اللائمة» يعني اللوم.
ومنها: إطلاق اسم المدلول على الدليل، يقال: سمعت علم فلان، أي عبارته عن علمه الدال عليه.
ومنها: أن يطلق اسم المسبب على السبب، كإطلاقهم اسم الرحمة على المطر.
قال: فهذه جملة وجوه للمجاز.
قال شيخنا ﵁: قلت: جماعها إما زيادة وإما نقص، وإما نقل، والنقل إما إلى النظير، وإما إلى الضد، وإما إلى الأصل، وإما إلى الفرع، وقد دخل في الأصل السبب والفاعل، وفي الفرع الدليل والمفعول والمصدر بالنسبة إلى الفاعل (١) .
فصل
لما قال المخالف: «المجاز كذب لأنه يتناول الشيء على خلاف الوضع» . قال القاضي: هذا خرق للإجماع، لأنهم استحسنوا التكلم بالمجاز مع استقباحهم الكذب، قال: وعلى أن الكذب يتناول الشيء على غير طريق المطابقة والمجاز قد يطابق الخبر من طريق العرف، وإن كان لا يطابقه من طريق اللغة.
قال شيخنا: قلت: هذا المجاز هو الحقيقة العرفية فليس هو المجاز المطلق (٢) .
стр. 381
وقال القاضي أيضا:
فصل
يصح الاحتجاج بالمجاز والدلالة عليه أن المجاز يفيد معنى من طريق الوضع [كما أن الحقيقة تفيد معنى من طريق الوضع] ألا ترى إلى قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [٤٣/٤] ، يفيد المعنى وإن كان مجازا؟ لأن الغائط هو الموضع المطمئن من الأرض استعمال في الخارج. قال: وكذلك قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [٢٢، ٢٣/٧٥] ومعلوم أنه أراد غير الوجوه ناظرة؛ لأن الوجوه لا تنظر وإنما الأعين، وقد احتج الإمام أحمد بهذه الآية في وجود النظر يوم القيامة في رواية المروذي والفضل بن زياد وأبي الحارث.
وأيضا: فإن المجاز قد يكون أسبق إلى القلب، كقول الرجل لصاحبه: «تعال» أبلغ من قوله: يمنة ويسرة، وكذلك قوله: «لزيد علي درهم» مجاز وهو أسبق إلى النفس من قوله: «يلزمني لزيد كذا درهم» وإذا كان يقع بالمجاز أكثر مما يقع بالحقيقة صح الاحتجاج به.
قال شيخنا: قلت: كلامه كأنه يشتمل على أن المجاز يصير حقيقة عرفية أو أنه يكون هو الظاهر لما اقترن به، فيكون هو الظاهر: إما لاستعمال غالب، وإما لاقتران مرجح، فإما مجردا، وإما مقرونا، وقد يكون أدل على المقصود من لفظ الحقيقة.
وقوله: «أسبق إلى القلب» يراد به أن معنى لفظ المجاز أسبق من معنى حقيقة لفظ المجاز، وأن ذلك المعنى أسبق من حقيقة ذلك
المعنى؛ فإن معنا حقيقتين: حقيقة بإزاء لفظ المجاز، وحقيقة بإزاء
معناه، تلك عدل عن معناها، وهذه عدل عن لفظها، فالمتكلم
بالمجاز لابد أن يعدل عن معنى حقيقة وعن لفظ حقيقة أخرى إلى لفظ
стр. 382
المجاز ومعناه (١) .
قال القاضي: يصح ادعاء العموم في المضمرات والمعاني. أما المضمرات نحو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [٣/٥] و: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [٩٦/٥] ومعلوم أنه لم يرد نفس العين؛ لأنها فعل الله، وإنما أراد أفعالنا فيها، فيعم تحريمها بالأكل والبيع. وكذلك قوله: «لا أحل المسجد لجنب» ليس المراد عين المسجد، وإنما المراد به أفعالنا (٢) .
واحتج المخالف أن اللفظ اقتضى تحريم العين نفسها فإذا حمل على الفعل يجب أن يصير مجازا كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [٨٢/١٢] قال: والجواب أن هذا وإن لم يتناول ذلك نطقا فهو المراد من غير دليل ويفارق هذا ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ نحوه، لأنا لم نعلم أن المراد به أهلها باللفظ لكن بدليل لأنه لا يستحيل جواب حيطانها في قدرة الله، فاحتاج إلى دليل يعرف به أنه أراد أهلها.
قال شيخنا: قلت: مضمون هذا أن القرينة العقلية إذا عرف المراد بها لم يكن اللفظ مجازا؛ بل حقيقة، فكل ما حمل اللفظ عليه بنفس اللفظ مع العقل فهو حقيقة [أو أنه يحتمل أن يكون هذا حقيقة عرفية، لكن كلامه اقتضى أن ما فهم من اللفظ من غير دليل منفصل فهو حقيقة] وإن لم يكن مدلولا عليه بالوضع، وستأتي حكايته عن أبي الحسن التميمي: أن وصف الأعيان بالحل والحظر [توسع واستعارة كما قال البصري] .
والصحيح في هذا الباب خلاف القولين: أن الأعيان توصف بالحل
стр. 383
والحظر حقيقة لغوية كما توصف بالطهارة والنجاسة والطيب والخبث، ولا حاجة إلى تكلف لا يقبله عقل ولا لغة ولا شرع، وحينئذ فيكون العموم في لفظ التحريم. وفرق بين عموم الكل لأجزائه وعموم الجميع لأفراده، ويختلف عموم لفظ التحريم وخصوصه بالاستعمال (١) .
مسألة: لا يقاس على المجاز قاله ابن عقيل وابن الزاغوني ولم يذكروا فيه مخالفا، وكذلك ذكره ابن الزاغوني وحكى الخلاف فيه عن بعض الأصحاب بناء على أن اللغة تثبت قياسا.
قال القاضي: في مسألة ثبوت الأسماء بالقياس: وأيضا فإن أهل اللغة قد استعملوا القياس في الأسماء عند وجود معنى المسمى في غيره، وأجروا على الشيء اسم الشيء إذا وجد بعض معناه فيه، الرجل البليد حمارا لوجود البلادة فيه، وسموا الرجل الشجاع سبعا لوجود الشدة فيه، ونظائر ذلك كثيرة، وعلى ذلك قول عمر: الخمر ما خامر العقل، وقول ابن عباس: كل مسكر مخمر خمر. قيل له: هذه التسمية منهم مجاز، فقال: قد ثبت عنهم أنهم فعلوا ذلك، فلا يضر أن يكون أحد الاسمين مجازا، والآخر حقيقة، على أنهم سموا «الأبله» حمارًا مجازا لوجود بعض معانيه، فلما لم يوجد كل معانيه كان مجازا. وأما النبيذ فيوجد فيه معاني الخمر كلها، وكذلك اللوط والنباش.
قال شيخنا: هذا تصريح بأن الأسماء تثبت بالقياس حقائقها ومجازاتها؛ لكن فيه قياس المجاز بالحقيقة. فأما قياس المجاز بالمجاز فمقتضى كلامه أنه إن وجد فيه معاني المجاز المقاس عليها كلها جاز، كما أن الحقيقة إذا وجد فيه معنى الحقيقة كلها جاز (٢) .
стр. 384
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[العموم والفحوى]
إذا قال: «لا تعط زيدا حبة» فهذا عند ابن عقيل وغيره في اقتضائه النهي عن إعطاء قيراط من باب فحوى الكلام، وذكر عمن قال هذا من باب اللفظ وخالفه بأن للدينار والقيراط اسما يخصه ويخرجه عن دخوله في لفظ الحبة، فيقول القائل: لم آخذ حبة لكن دينارا، وما سلمت على زيد لكن على أهل القرية، وإن كان فيهم زيد، فللتخصيص حكم غير التعميم والشمول.
قال شيخنا: حاصله: أنه يقصد نفي الواحد من الجنس، لا نفي الجنس، بخلاف ما صار يفهم منه كما قيل مثل هذا في قوله: ما رأيت رجلا، بل رجالا، وهذا قريب؛ لأن دلالة الفحوى قطعية بالعرف؛ ثم التزم أنه إذا ادعى عليه دينارا فقال: «لا يستحق علي حبة» لم يكن جوابا قائما مقام قوله: «لا يستحق علي ما ادعاه ولا شيئا منه» واعتذر بأن هذا لم يكن، لأنه ليس بمستفاد من طريق فحوى اللفظ لا المعنى، لكن لأنه ليس بنص؛ ولا يكتفي في دفع الدعوى إلا بالنص دون الظاهر، ولهذا لا يقبل في يمين المدعي: والله إني لصادق فيما ادعيته عليه. ولا يكتفي في يمين المنكر: والله إنه لكاذب فيما ادعاه علي. كل ذلك طلبا للنص الصريح دون الظاهر.
قال شيخنا: والصواب: أن هذا نكرة فيعم جميع الحبات كسائر النكرات، ولكن اقتضاؤه لما لم يندرج في لفظ «حبة» من باب الفحوى؛ إلا أن يقال: مثل هذه الكلمة قد صارت بحكم العرف حقيقة في العموم، فيكون هذا أيضا من باب الحقيقة العرفية، لا من باب الفحوى.
فهذا الباب يجب أن يميز فيه ما عم بطريق الوضع اللغوي، وما عم بطريق الوضع العرفي، وما عم بطريق الفحوى الخطابي، وما عم بطريق المعنى القياسي.
стр. 385
وذكر ابن عقيل من هذا إذا قال: لا تقل غير بعير زيد ولا تمكن القرناء من غنمك من نطح الجماء من غنمه. قال: إذا قال هذا علم ببادرة اللفظ أنه قد حسم موارد الأذى.
قال شيخنا: هذا نوع خامس، قد يكون المنطوق غير مقصود، وإنما المقصود المسكوت من غير أن يكون قد صار دلالة عرفية وإنما هو من باب اللحن.
ويظهر الفرق بين العموم العرفي والفحوى أنا في الفحوى نقول: فهم المنطوق ثم المسكوت إذ اللازم تابع. وفي العموم نقول: فهم الجميع من اللفظ كأفراد العام. فعلى هذا يكون من باب نقل الخاص إلى العام. وعلى الأول يكون من باب استعمال الخاص وإرادة العام. ولنا في قوله: «يدك طالق» وجهان؛ بخلاف الرقبة فإنه لا تردد فيها للنقل (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المطلق والمقيد]
من أمثلة «المطلق» و «المقيد» : الأمر بالغسل بالماء في حديث أسماء وأبي ثعلبة في الثياب والأواني، والأمر بالتسبيع في خبر الولوغ، فإنه نظير العتق سواء. وهنا احتمالات:
أحدها: أنه ترك التقييد فدل بالمفهوم على نفيه.
الثاني: أنه يدل بالاستصحاب.
الثالث: أنه يدل بالإمساك، فإن ترك الإيجاب والتحريم مع الحاجة إلى بيانه أو مع المقتضي له يدل على انتفائه؛ فإذا استفتي فلم يوجب ولم يحظر دل على العدم، فإذا قيد آخر وحمل هذا على هذا بالقياس
стр. 386
كان ابتداء إيجاب أو تحريم بقياس. وفي التخصيص يكون بيان عدم الإرادة؛ فالتقييد في الحقيقة زيادة حكم، والتخصيص نقص. وليس بين المطلق والمقيد تعارض كما بين الخاص والعام. ومن قال: التقييد تخصيص فإنه نظر إلى الظاهر، فإن كان المقيد بعد المطلق كان ابتداء حكم رفع ما سكت عنه أولا، ولم يكن هناك تعارض بين خطابين، وإنما هو تعارض بين خطاب وإمساك عن خطاب. وهذا وإن سمي نسخا فيجوز بخبر الواحد فإنه من النسخ العام لا الخاص. وإن كان المتقدم يبقى إمساكه عن الوجوب ثانيا: هل يرفع الوجوب المتقدم في المنصوص وقياسه كما قيل في خبر ماعز، أو يرفعه في القياس فقط، أو لا يرفعه في واحد منهما؟ وإن جهل التأريخ فحمل المقيد على المتأخر يقتضي زيادة حكم بلا تعارض، وحمله على المتقدم يقتضي النسخ أو التعارض (١) فيكون أولى كما قررته لبعض الحاضرين في مسألة العدد في غسل الجنابة. وأما زيادة الجلد على الرجم فإذا قدر أن ترك ذكرها يقتضي عدم الوجوب بقي الجواز على أحد القولين؛ كما قلنا في صلاة الصحيح خلف القاعد، فيجوز أن يقال: إن هذا إلى الإمام: إن رأى زاده وإن رأى تركه. وفي الجملة فسكوت النصوص في الدلالة على عدم الإيجاب واسع، وكذلك الاستحباب (٢) .
فصل
[شيخنا] : ذكر القاضي وغيره أن الحنفية احتجوا بقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [٤/٧٤] ولم يفرقوا بين الماء وغيره، وهو على عمومه وأجاب بأجوبة: منها: أن الآية عامة، وخبرنا خاص، والخاص يقضي على العام.
стр. 387
وكذلك احتجوا بقوله: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» ولم يفرق بين الماء وغيره، فهو على العموم فأجاب: بأنه قد روي في بعض الأخبار «فليغسله سبعا بالماء» والمقيد يقتضي على المطلق.
واحتجوا في مسألة النبيذ بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [٦/٥] وهو عام فيما يغسل به، فوجب حمله على الماء والنبيذ. وأجاب بأجوبة؛ منها: أن المراد الماء، لقوله في آخر الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ولأن الماء مراد بالإجماع، وإذا دخل فيه الماء لم يجز أن يدخل فيه النبيذ؛ لأنه لا يساوي الماء بالإجماع.
قال شيخنا: وهذا كله إدخال للمطلق في العام، وهو جائز باعتبار، ولكن ليعلم أن اللفظ لم يشمل ما هو خارج عن الحقيقة من القيود. وإنما القيود مسكوت عنها، نعم هذا يشتمل من الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ ومنه قولنا: الأمر بالماهية الكلية لا يقتضي الأمر بشيء من قيودها، واحتجاجات الحنفية وأصولهم تقتضي أن المطلق نوع من العام في غير موضع (١) .
[المجمل]
مسألة: الأمر بالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك مجمل. هذا ظاهر كلام أحمد، بل نصه. ذكره ابن عقيل والقاضي أيضا في العدة.
[والد شيخنا] : وآخر العمدة، والحلواني في الرابع.
[شيخنا] : وذكر القاضي في مسألة الأمر بعد الحظر، ومسألة تأخير البيان إنما يحمل على عرف الشرع [كأبي الخطاب] (٢) .
стр. 388
وبه قالت الحنفية [ذكره البستي منهم] (١) ، وبه قال بعض الشافعية وقال بعض الشافعية: يتناول ما يفهم منه في اللغة إلى أن يوجد البيان الشرعي. وقال ابن عقيل: [وكذا ينبغي أن يكون أصل من قال: إن الأسماء غير منقولة بل مشتركة بينهما] (٢) ، واختاره ابن برهان. والأول مذهب الشافعي ذكره أبو الطيب في: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [٥٦/٢٤] وحكى لهم الوجهين في الكل. وقال أبو الخطاب: ويقوى عندي أن تقدم الحقيقة الشرعية؛ لأن الآية غير مجملة؛ بل تحمل على الصلاة الشرعية؛ بناء على أن هذه الأسماء منقولة من اللغة إلى الشرع، وأنها في الشرع حقيقة لهذه الأفعال المخصوصة، فينصرف أمر الشرع إليها.
قال والد شيخنا: والمقدسي اختار مثل أبي الخطاب.
شيخنا: قلت: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه قبل أن يعرف الحقيقة الشرعية أو الزيادات الشرعية كيف يصرف الكلام إليها وبعدما عرف ذلك صار ذلك بيانًا، فما أخرجه عن كونه مجملا في نفسه أو غير مفهوم منه المراد الشرعي. والصحيح أنه إذا كان ذلك بعدما تقررت الزيادة الشرعية [أو المغيرة أنه ينصرف إليها لكونه هو أصل الوضع مع الزيادة] (٣) فصرفه إلى زيادة أخرى يخالف الأصل (٤) .
فصل
في حد البيان
قال [شيخنا] : قال القاضي: هو إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب مفصلا مما يلتبس به ويشتبه به.
стр. 389
وقال الصيرفي وأبو بكر عبد العزيز: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى التجلي.
وقال أبو الحسن التميمي: البيان عن الشيء يجري مجرى الدلالة، وبه قال قوم من المتكلمين.
وقال الدقاق: البيان العلم (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المبين]
ذكر القاضي في بيان الجملة قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [٧/٤] ، قال: ثم بينه بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [١١/٤] وبحديث الجدة، وبالإجماع على أن للجدتين السدس، وللجد من الأب السدس (٢) .
[تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة]
مسألة: تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فيه روايتان، إحداهما: الجواز، وهذا ظاهر كلامه في رواية صالح وعبد الله وأكثر أصحابه. ولا فرق بين بيان المجمل [أو العموم] وغيره مما أريد به خلاف ظاهره، واختاره بعض المالكية والحلواني وأبو الخطاب وابن حامد.
قال شيخنا: ذكر القاضي في كتاب القولين أن قول ابن حامد في تأخير البيان ظاهر كلام أحمد في رواية أبي عبد الرحيم الجوزجاني: ومن تأول القرآن على ظاهره من غير دلالة من الرسول ولا أحد من الصحابة فهو تأويل أهل البدع؛ لأن الآية تكون عامة قصدت لشيء بعينه
ورسول الله ﷺ المعبر عنها. قال: فظاهر هذا منه وقف الحكم بها على
стр. 390
بيان النبي ﷺ (١) . والقاضي وهو قول الأشعرية (٢) وأكثر الشافعية منه: ابن سريج، والقفال، والإصطخري، وابن أبي هريرة، والطبري، وأبو الطيب، وأبو علي بن خيزان؛ وإن لم يفصلوا وهو قول الأشعري أبي الحسن نفسه غير أن العام عنده من قبيل المجمل، لكونه لا صيغة له، وأبو سليمان الذي سماه أبو الطيب لا أدري أهو الصيرفي أو غيره.
والرواية الأخرى: لا يجوز، حكى ذلك أبو الحسن التميمي عن أحمد، وهو للمقدسي في كتاب المجمل، واختاره أبو الحسن التميمي والمقدسي في كتاب المجمل واختاره أبو الحسن التميمي والمقدسي وأبو بكر عبد العزيز وأكثر المعتزلة وداود وابنه في أهل الظاهر وبعض المالكية، وبعض الشافعية منه: أبو إسحاق المروزي، وأبو بكر الصيرفي، وكثير من الحنفية.
وقال بعض الحنفية وعبد الجبار بن أحمد وبعض الشافعية: يجوز تأخير بيان المجمل. فأما العموم وما يراد به خلاف ظاهره فلا. وهذا التفصيل -وهو جواز تأخير بيان المجمل دون العموم- ذكره أبو الطيب عن أبي الحسن الكرخي وعن القاضي ابن حامد (٣) المروزي، قال: وهو قول أبي بكر من أصحابنا. وقال بعض الشافعية بالعكس، وهذا العكس قول أبي الحسن البصري. وقال قوم من المتكلمين: يجوز ذلك في الأخبار دون الأمر والنهي. وقال قوم عكس ذلك (٤) .
قال شيخنا: اختلف قول القاضي كسائر العلماء في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [٤٤/١٦] فلما احتج بها الشافعي على أن الله جعل السنة بيانًا للقرآن فلا يجوز أن يكون القرآن