كان ابتداء إيجاب أو تحريم بقياس. وفي التخصيص يكون بيان عدم الإرادة؛ فالتقييد في الحقيقة زيادة حكم، والتخصيص نقص. وليس بين المطلق والمقيد تعارض كما بين الخاص والعام. ومن قال: التقييد تخصيص فإنه نظر إلى الظاهر، فإن كان المقيد بعد المطلق كان ابتداء حكم رفع ما سكت عنه أولا، ولم يكن هناك تعارض بين خطابين، وإنما هو تعارض بين خطاب وإمساك عن خطاب. وهذا وإن سمي نسخا فيجوز بخبر الواحد فإنه من النسخ العام لا الخاص. وإن كان المتقدم يبقى إمساكه عن الوجوب ثانيا: هل يرفع الوجوب المتقدم في المنصوص وقياسه كما قيل في خبر ماعز، أو يرفعه في القياس فقط، أو لا يرفعه في واحد منهما؟ وإن جهل التأريخ فحمل المقيد على المتأخر يقتضي زيادة حكم بلا تعارض، وحمله على المتقدم يقتضي النسخ أو التعارض (١) فيكون أولى كما قررته لبعض الحاضرين في مسألة العدد في غسل الجنابة. وأما زيادة الجلد على الرجم فإذا قدر أن ترك ذكرها يقتضي عدم الوجوب بقي الجواز على أحد القولين؛ كما قلنا في صلاة الصحيح خلف القاعد، فيجوز أن يقال: إن هذا إلى الإمام: إن رأى زاده وإن رأى تركه. وفي الجملة فسكوت النصوص في الدلالة على عدم الإيجاب واسع، وكذلك الاستحباب (٢) .
فصل
[شيخنا] : ذكر القاضي وغيره أن الحنفية احتجوا بقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [٤/٧٤] ولم يفرقوا بين الماء وغيره، وهو على عمومه وأجاب بأجوبة: منها: أن الآية عامة، وخبرنا خاص، والخاص يقضي على العام.
стр. 387
وكذلك احتجوا بقوله: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» ولم يفرق بين الماء وغيره، فهو على العموم فأجاب: بأنه قد روي في بعض الأخبار «فليغسله سبعا بالماء» والمقيد يقتضي على المطلق.
واحتجوا في مسألة النبيذ بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [٦/٥] وهو عام فيما يغسل به، فوجب حمله على الماء والنبيذ. وأجاب بأجوبة؛ منها: أن المراد الماء، لقوله في آخر الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ولأن الماء مراد بالإجماع، وإذا دخل فيه الماء لم يجز أن يدخل فيه النبيذ؛ لأنه لا يساوي الماء بالإجماع.
قال شيخنا: وهذا كله إدخال للمطلق في العام، وهو جائز باعتبار، ولكن ليعلم أن اللفظ لم يشمل ما هو خارج عن الحقيقة من القيود. وإنما القيود مسكوت عنها، نعم هذا يشتمل من الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ ومنه قولنا: الأمر بالماهية الكلية لا يقتضي الأمر بشيء من قيودها، واحتجاجات الحنفية وأصولهم تقتضي أن المطلق نوع من العام في غير موضع (١) .
[المجمل]
مسألة: الأمر بالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك مجمل. هذا ظاهر كلام أحمد، بل نصه. ذكره ابن عقيل والقاضي أيضا في العدة.
[والد شيخنا] : وآخر العمدة، والحلواني في الرابع.
[شيخنا] : وذكر القاضي في مسألة الأمر بعد الحظر، ومسألة تأخير البيان إنما يحمل على عرف الشرع [كأبي الخطاب] (٢) .
стр. 388
وبه قالت الحنفية [ذكره البستي منهم] (١) ، وبه قال بعض الشافعية وقال بعض الشافعية: يتناول ما يفهم منه في اللغة إلى أن يوجد البيان الشرعي. وقال ابن عقيل: [وكذا ينبغي أن يكون أصل من قال: إن الأسماء غير منقولة بل مشتركة بينهما] (٢) ، واختاره ابن برهان. والأول مذهب الشافعي ذكره أبو الطيب في: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [٥٦/٢٤] وحكى لهم الوجهين في الكل. وقال أبو الخطاب: ويقوى عندي أن تقدم الحقيقة الشرعية؛ لأن الآية غير مجملة؛ بل تحمل على الصلاة الشرعية؛ بناء على أن هذه الأسماء منقولة من اللغة إلى الشرع، وأنها في الشرع حقيقة لهذه الأفعال المخصوصة، فينصرف أمر الشرع إليها.
قال والد شيخنا: والمقدسي اختار مثل أبي الخطاب.
شيخنا: قلت: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه قبل أن يعرف الحقيقة الشرعية أو الزيادات الشرعية كيف يصرف الكلام إليها وبعدما عرف ذلك صار ذلك بيانًا، فما أخرجه عن كونه مجملا في نفسه أو غير مفهوم منه المراد الشرعي. والصحيح أنه إذا كان ذلك بعدما تقررت الزيادة الشرعية [أو المغيرة أنه ينصرف إليها لكونه هو أصل الوضع مع الزيادة] (٣) فصرفه إلى زيادة أخرى يخالف الأصل (٤) .
فصل
في حد البيان
قال [شيخنا] : قال القاضي: هو إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب مفصلا مما يلتبس به ويشتبه به.
стр. 389
وقال الصيرفي وأبو بكر عبد العزيز: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى التجلي.
وقال أبو الحسن التميمي: البيان عن الشيء يجري مجرى الدلالة، وبه قال قوم من المتكلمين.
وقال الدقاق: البيان العلم (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المبين]
ذكر القاضي في بيان الجملة قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [٧/٤] ، قال: ثم بينه بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [١١/٤] وبحديث الجدة، وبالإجماع على أن للجدتين السدس، وللجد من الأب السدس (٢) .
[تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة]
مسألة: تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فيه روايتان، إحداهما: الجواز، وهذا ظاهر كلامه في رواية صالح وعبد الله وأكثر أصحابه. ولا فرق بين بيان المجمل [أو العموم] وغيره مما أريد به خلاف ظاهره، واختاره بعض المالكية والحلواني وأبو الخطاب وابن حامد.
قال شيخنا: ذكر القاضي في كتاب القولين أن قول ابن حامد في تأخير البيان ظاهر كلام أحمد في رواية أبي عبد الرحيم الجوزجاني: ومن تأول القرآن على ظاهره من غير دلالة من الرسول ولا أحد من الصحابة فهو تأويل أهل البدع؛ لأن الآية تكون عامة قصدت لشيء بعينه
ورسول الله ﷺ المعبر عنها. قال: فظاهر هذا منه وقف الحكم بها على
стр. 390
بيان النبي ﷺ (١) . والقاضي وهو قول الأشعرية (٢) وأكثر الشافعية منه: ابن سريج، والقفال، والإصطخري، وابن أبي هريرة، والطبري، وأبو الطيب، وأبو علي بن خيزان؛ وإن لم يفصلوا وهو قول الأشعري أبي الحسن نفسه غير أن العام عنده من قبيل المجمل، لكونه لا صيغة له، وأبو سليمان الذي سماه أبو الطيب لا أدري أهو الصيرفي أو غيره.
والرواية الأخرى: لا يجوز، حكى ذلك أبو الحسن التميمي عن أحمد، وهو للمقدسي في كتاب المجمل، واختاره أبو الحسن التميمي والمقدسي في كتاب المجمل واختاره أبو الحسن التميمي والمقدسي وأبو بكر عبد العزيز وأكثر المعتزلة وداود وابنه في أهل الظاهر وبعض المالكية، وبعض الشافعية منه: أبو إسحاق المروزي، وأبو بكر الصيرفي، وكثير من الحنفية.
وقال بعض الحنفية وعبد الجبار بن أحمد وبعض الشافعية: يجوز تأخير بيان المجمل. فأما العموم وما يراد به خلاف ظاهره فلا. وهذا التفصيل -وهو جواز تأخير بيان المجمل دون العموم- ذكره أبو الطيب عن أبي الحسن الكرخي وعن القاضي ابن حامد (٣) المروزي، قال: وهو قول أبي بكر من أصحابنا. وقال بعض الشافعية بالعكس، وهذا العكس قول أبي الحسن البصري. وقال قوم من المتكلمين: يجوز ذلك في الأخبار دون الأمر والنهي. وقال قوم عكس ذلك (٤) .
قال شيخنا: اختلف قول القاضي كسائر العلماء في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [٤٤/١٦] فلما احتج بها الشافعي على أن الله جعل السنة بيانًا للقرآن فلا يجوز أن يكون القرآن
стр. 391
بيانًا للسنة. قال القاضي: المراد به التبليغ ويبين صحة ذلك أنه يجوز تخصيص السنة بالقرآن وكذلك يجوز تفسير مجمل السنة به. واحتج على تأخير البيان بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [١٩/٧٥] فقيل له: معناه: ثم إن علينا إظهاره وإعلانه؛ لأنه اشترط ذلك في جميع القرآن، وقال: حقيقة البيان هو إظهار الشيء من الخفاء إلى حالة التجلي والإظهار، وهذا إنما يكون فيما يفتقر إلى بيان فأما ما هو مبين فلا يوجد فيه. وقوله: «إنه اشترط ذلك في جميع القرآن» فلا يمتنع أن يكون المراد بعضه كما قال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ والمراد بعضه.
قال شيخنا: قلت: هذا ضعيف؛ بخلاف تفسير ابن عباس، ولا دلالة في الآية على محل النزاع (١) .
فصل
[تابع]
[شيخنا] : قولهم: «تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز» ونقل الإجماع على ذلك ينبغي أن يفهم على وجهه، فإن الحاجة قد تدعو إلى بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والأعمال لكن قد يحصل التأخير للحاجة أيضا: إما من جهة المبلِّغ أو المبلغ. أما المبلِّغ فإنه لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعا ابتداء، ولا يخاطبهم بجميع الواجبات جملة؛ بل يبلغ بحسب الطاقة والإمكان. وأما المبلغ فلا يمكنه سمع الخطاب وفهمه جميعا، بل على سبيل التدريج، وقد يقوم السبب الموجب لأمرين من اعتقادين أو عملين أو غير ذلك لكن يضيق الوقت عن بيانهما أو القيام بهما فيؤخر أحدهما للحاجة أيضا، ولا يمنع ذلك أن تكون الحاجة داعية إلى بيان الآخر. نعم هذه الحاجة لا يجب أن تستلزم حصول العقاب على الترك. ففي الحقيقة يقال: ما جاز تأخيره لم يجب فعله.
стр. 392
على الفور (١) ، لكن هذا لا يمنع قيام الحاجة التي هي سبب الوجوب، لكن يمنع حصول الوجوب لوجود المزاحم الموجب للعجز، ويصير كالدين على المعسر أو [كالجمعة] على المعذور.
وأيضا: فإنما يجب البيان على الوجه الذي يحصل المقصود فإذا كان في الإمهال والاستثناء من مصلحة البيان ما ليس في المبادرة كان ذلك هو البيان مأمور به، وكان هو الواجب أو هو المستحب مثل تأخير البيان للأعرابي المسيء في صلاته إلى ثالث مرة.
وأيضا: فإنما يجب التعجيل إذا خيف الفوت بأن يترك الواجب المؤقت حتى يخرج وقته، ونحو ذلك (٢) .
قال شيخنا: قال القاضي:
[المحكم والمتشابه]
مسألة: في «المحكم والمتشابه» : ظاهر كلام أحمد أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. والمتشابه: ما احتاج إلى بيان؛ لأنه قد قال في كتاب «السنة» : بيان ما ضلت فيه الزنادقة من المتشابه من القرآن، ثم ذكر آيات تحتاج إلى بيان. وقال في رواية ابن إبراهيم: المحكم الذي ليس فيه اختلاف [وهو المستقل بنفسه] والمتشابه: الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا. ومعناه ما ذكرنا؛ لأن قوله: المحكم الذي ليس فيه اختلاف. هو المستقل بنفسه. وقوله: المتشابه الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا. معناه: الذي يحتاج إلى بيان؛ فتارة يبين بكذا، وتارة يبين بكذا، لحصول الاختلاف في تأويله، قال: وذلك نحو قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [٢٢٨/٢] لأن القرء من الأسماء المشتركة، تارة يعبر به عن الحيض، وتارة عن الطهر،
стр. 393
ونحو قوله: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [١٤١/٦] وهذا قول عامة الفقهاء.
وكان قد كتب في العتق: ولهم عن هذا عبارات: منهم من يقول: المحكم ما خلص لفظه عن الإشكال وعري معناه عن الاشتباه. والمتشابه ما لم يخلص لفظه عن الإشكال ولا عري معناه عن الاشتباه. ومنهم من قال المحكم ما تأويله تنزيله، ولفظه دليله. والمعني متقارب. وقال قوم: المحكم هو الأمر والنهي والحلال والحرام والوعد والوعيد، والمتشابه: ما كان من ذكر القصص والأمثال؛ لأن المحكم ما استفيد الحكم منه. والمتشابه ما لا يفيد حكمًا.
ومنهم من قال: المحكم ما وصلت حروفه. والمتشابه ما فصلت حروفه. وتفصيلها: أن ينطق بكل حرف كالكلمة، كما في أوائل السور؛ لأن المحكم ما عرف معناه، والمتشابه ما لا يعقل معناه.
ومنهم من قال: المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ فإن المنسوخ لا يستفاد منه حكم.
قال شيخنا: قلت: لفظ «النسخ» فيه إجمال، كأنهم أرادوا قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ﴾ [٥٢/٢٢] ولكن القرآن كله محكم بهذا المعنى، لقوله: ﴿أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ﴾ [١/١١] . وقال أبو الحسين عن أصحابه: إن المحكم يستعمل على وجهين؛ أحدهما: أنه محكم الصيغة والفصاحة. والآخر: أنه لا يحتمل تأويلين متشابهين. والمتشابه أيضا يستعمل على وجهين؛ أحدهما: أنه متشابه في الحكم، والآخر: يحتمل تأويلين مختلفين متشابهين احتمالا شديدا.
قال شيخنا أبو العباس: قلت: التشابه الذي هو الاختلاف يعود إلى اللفظ تارة كالمشترك مثلا، وإلى المعنى أخرى بأن يكون قد أثبت تارة ونفي أخرى، كما في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [٣٥/٧٧] مع
стр. 394
قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [٤٢/٤] ونحو ذلك من المتشابه الذي تكلم عليه ابن عباس في مسائل نافع بن الأزرق وتكلم عليه أحمد وغيره؛ فالأول: كالوقف لعدم الدليل بمنزلة من ليس له ذكر ولا قيل. والثاني: كالوقف لتعارض الدليلين بمنزلة الخنثى الذي له فرجان. وما كان لعدم الدليل فتارة لأن اللفظ يراد به هذا تارة وهذا تارة كالمشترك. وتارة لأن اللفظ لا دلالة له على القدر المميز بحال، كالمتواطئ في مثل قوله: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [١٤١/٦] ، وقوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [١٩٦/٢] ونحو ذلك من المجملات؛ ففي الأول: دل اللفظ على أحدهما لا بعينه وفي الثاني: دل على المشترك بينهما من غير دلالة على أحدهما بحال.
[التأويل في الكتاب والسنة غير التأويل عند المتأخرين]
وفي كلام أحمد ومن قبله على المتشابه ببيان معناه أو إزالة التعارض والاختلاف عنه ما يدل على أن التأويل الذي اختص الله به غير بيان المعنى الذي أفهمه خلقه. فما كان مشتبهًا لتنافي الخاطبين أو الدليلين في الظاهر فلا بد من التوفيق بينهما كما فعل أحمد وغيره. وما كان مشتبها لعدم الدلالة (١) على التعيين فقد نعلم التعيين أيضا لأنه مراد بالخطاب، وما أريد بالخطاب يجوز فهمه، وما كان مشتبها لعدم الدلالة على القدر المميز كما في صفات الله تعالى فهنا دال القدر المميز ما دل الخطاب عليه، وهو تأويل الخطاب؛ لأن تأويل الخطاب لا يجب أن يكون مدلولا عليه به ولا مفهوما منه، إذ هو الحقيقة الخارجة، ومتى دل عليها ببعض أحوالها لا يجب أن يكون قد بين جميع أحوالها، فذاك هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله؛ ومنه أيضا مواقيت الوعيد؛ فإن الخطاب لم يبينها ولم يفهم منه، وهي من التأويل الذي انفرد الله بعلمه. فتدبر هذا فإنه نافع جدا في هذه المجازات. فكل ما دل عليه الخطاب يفهم
стр. 395
في الجملة، ولا يجب أن يكون المفهوم من الخطاب هو تأويله. وما لم يدل عليه قد لا يفهم في الجملة، ولا يجب أن يكون المفهوم من الخطاب هو تأويله. وما لم يدل عليه قد لا يفهم ولا يعلم وإن كان تأويلا له. وفرق بين أن يدل على معين ثم يبينه وبين ألا يدل على خصوصه بحال. مع أن المشترك والمتواطئ متقاربان في هذا الموضع. وعلى هذا سبب نزول الآية في تأويل النصارى صيغ الجمع على أن الآلهة ثلاثة، فهو تأويل في أسماء الله المضمرات، وهو نظير مذهب المشبهة، كما أن رد المشركين لاسم الرحمن إلحاد في أسمائه الظاهرة نظير مذهب الجهمية المعطلة، وتأويل اليهود في حروف المعجم أنها دالة على مقادير أزمنة الحوادث من حيث إن اللفظ فيه اشتراك ولم يبين أحد معانيه. والتأويل المذموم لا يعدو ما فعله هؤلاء في الإيمان بالله واليوم الآخر، بخلاف التأويل العملي، وبخلاف البيان الذي يفسر المراد بالخطاب من غير تعيين تأويله.
وتحرير هذا ببيان أن لفظ التأويل في الكتاب والسنة غير التأويل في ألفاظ المتأخرين، وأن بينهما عموما وخصوصا، إذ ذاك التأويل هو ما لا يدل عليه اللفظ. وهذا التأويل هو ما يدل اللفظ على خلافه. والتأويل عند الأولين غير مدلول اللفظ والعين لا تعلم بنفس الخطاب. وقد كتبت هذا في غير هذا الموضع (١) .
فصل
[الأمر المطلق وأمر الندب]
التحقيق في مسألة أمر الندب - مع قولنا: «إن الأمر المطلق يفيد الإيجاب» - أن يقال: الأمر المطلق لا يكون إلا إيجابا وأما المندوب إليه فهو مأمور به أمرا مقيدا لا مطلقا، فيدخل في مطلق الأمر، لا في
стр. 396
الأمر المطلق. يبقى أن يقال: فهل يكون حقيقة أو مجازا؟ فهذا بحث
[اصطلاحي] .
وقد أجاب عنه أبو محمد البغدادي بأنه مشكك كالوجود والبياض. وأجاب القاضي بأن الندب يقتضي الوجوب فهو كدلالة العلم على بعضه، وهو عنده ليس مجازا، وإنما المجاز دلالته على غيره.
قال شيخنا ﵁: قلت: الندب الذي هو [الطلب] غير الجازم [جزء من] الطلب [الجازم] فتكون [فيه الأقوال الثلاثة التي هي في العام] يفرق في الثالثة بين القرينة اللفظية المتصلة، كقولك: من فعل فقد أحسن وبين غيرها (١) .
فصل
قال القاضي: كون الفعل حسنا ومرادا يدل على الوجوب ما لم يدل دليل على التخيير، وفي النوافل والمباحات قد ذكر الدليل؛ فلهذا لم يقتض الوجوب.
قال: وجواب آخر: أنا لا نسلم أن الأمر يدل على حسن المأمور به وإنما يدل على طلب الفعل واستدعائه من الوجه الذي بينا، وذلك يقتضي الوجوب، وهذا هو الجواب المعول عليه.
قال شيخنا: قلت: فيه فائدتان، إحداهما: نفي الأول. والثانية: قوله: «يدل على الطلب والاستدعاء» فجعله مدلول الأمر لا غير الأمر (٢) .
[الأمر دال على اللفظ والمعنى وله صيغة]
مسألة: في أن للأمر صيغة [حقق الجويني] صحة هذه العبارة على
стр. 397
كلا المذهبين: مذهب مثبتي كلام [النفس] ومذهب نفاته. فقولنا: صيغة الأمر. عند من أثبته، فمعناه أن لهذا المعنى صيغة عبارة تشعر به. وأما من نفاه فقولهم: «صيغة الأمر» كقولك ذات الشيء ونفسه، وآيات القرآن، وأن الأشعرية القائلين بالوقف اختلفوا في تنزيل مذهبه؛ فمنهم من قال: الصيغة مشتركة وضعا. ومنهم من قال: المعنى بالوقف أنا لا ندري على أي وضع جرى قول القائل: «افعل» في اللسان فهو إذا مشكوك فيه.
ومنه ابن عقيل أن يقال للأمر والنهي صيغة، أو أن يقال: هي دالة عليه، بل الصيغة نفسها هي الأمر والنهي، والشيء لا يدل على نفسه. قال: وإنما يصح هذا على قول المعتزلة الذي يقولون: الأمر والنهي والإرادة والكراهة، والأشاعرة الذين يقولون: هما معنى قائم بالنفس، والصيغة دالة على المعنى وحكاه عنه (١) . وأما أصحابنا فإني تأملت المذهب فإذا به يحكم بأن الصيغتين أمر ونهي، قال: فقول شيخنا: الصيغة دالة بنفسها على الأمر والنهي اتباع لقول المتكلمين، وإلا فليس لنا أمر ونهي غير الصيغة؛ بل ذلك قول وصيغة، والشيء لا يدل على نفسه.
قال شيخنا أبو العباس حفيد المصنف: قلت: قول القاضي وموافقيه صحيح من وجهين؛ أحدهما: أن الأمر مجموع اللفظ والمعنى، فاللفظ دال على التركيب وليس هو عين المدلول. الثاني: أن اللفظ دال على صيغته التي هي الأمر به، كما يقال: يدل على كونه أمرا، ولم يقل: على الأمر (٢) .
стр. 398
[الفعل في حال حدوثه مأمور به]
مسألة: الفعل في حال حدوثه مأمور به. قال ابن برهان: هذا مذهبنا، خلافا للمعتزلة ليس مأمورا به. قال: والخلاف لفظي، وبسط الكلام في ذلك، وكذلك بسط الجويني قوله في ذلك وفيه الإنكار على الفريقين خصوصا أصحابه بكلام محقق.
قال شيخنا -بعد «خلافا للمعتزلة ليس مأمورا به» -: وهذا مقتضى قول ابن عقيل في مسألة الأمر بالموجوده فإنه التزم أن المؤمن ليس مأمورا بالإيمان عند وجوده، وأنه لا يصح منه فعل ما هو موجود، كالقيام لا يصح أن يفعله [القائم] لاستغنائه بوجوده عن موجود، والمؤمن لا يفعل الإيمان إلا في مستقبل الحال، وهنا خلاف المذهب (١) .
[الأسماء التي ليس بين معانيها قدر مشترك ... ]
قال ابن القيم ﵀: وحكى المتأخرون عن الشافعي ﵀ والقاضي أبي بكر أنه إذا تجرد عن القرائن وجب حمله على معنييه كالاسم العام، لأنه أحوط إذ ليس أحدهما أولى به من الآخر، ولا سبيل إلى معنى ثالث، وتعطيله غير ممكن، ويمتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة فإذا جاء وقت العمل ولم يتبين أن أحدهما هو المقصود بعينه علم أن الحقيقة غير مرادة، إذ لو أريدت لبينت فتعين المجاز، وهو مجموع المعنيين. ومن يقول: إن الحمل عليهما بالحقيقة يقول: لما لم يتبين أن المراد أحدهما على أنه أراد كليهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في هذه الحكاية عن الشافعي والقاضي نظر.
وأما القاضي فمن أصله الوقوف في صيغ العموم، وأنه لا يجوز حملها على الاستغراق إلا بدليل. فمن يقف في ألفاظ العموم كيف
يجزم في الألفاظ المشتركة بالاستغراق بغير دليل؛ وإنما الذي ذكره في
стр. 399
كتبه إحالة الاشتراك رأسا، وما يدعي فيه الاشتراك فهو عنده من قبيل التواطؤ.
وأما الشافعي ﵀ فمنصبه في العلم أجل من أن يقول مثل هذا؛ وإنما استنبط هذا من قوله: إذا أوصى لمواليه تناول المولى من فوق ومن أسفل. وهذا قد يكون قاله لاعتقاده أن المولى من الأسماء المتواطئة، وأن موضعه القدر المشترك بينهما؛ فإنه من الأسماء المتضايقة، كقوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه»
ولا يلزم من هذا أن يحكى عنه قاعدة عامة في الأسماء التي ليس من معانيها قدر مشترك أن تحمل عند الإطلاق على جميع معانيها (١) .
فصل
[هل التخصيص أولى من المجاز]
[شيخنا] : قال المخالف: لفظ الجمع موضوع للثلاثة فصاعدا، فإخراج اللفظ عن الثلاثة إخراج عن موضوع وترك لحقيقته، وهذا لا يجوز إلا بما يجوز به النسخ.
فقال القاضي: والجواب أنه يجوز عندنا ترك حقيقة اللفظ وصرفه إلى المجاز والاتساع بما يجوز التخصيص به ولا يكون بمنزلة النسخ وإنما يكون بمنزلة التخصيص، ولهذا نقول في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [٤٣/٤] ، أن المراد به موضع الصلاة، ونحمله عليه بضرب من الاستدلال.
قال شيخنا: قلت: هو وأبو الخطاب وغيرهما يجعلون التخصيص أولى من المجاز، وهذا لأن التخصيص ترك بعض اللفظ؛ بخلاف التجوز فإنه عدول عن جميع مسماه؛ ولهذا نصر القاضي أن التخصيص
стр. 400
لا يجعله مجازًا. وأيضا فظاهر اللفظ قد يكون حقيقة وقد يكون مجازا وأما على قول من يجعل ظهوره بالقرائن المتصلة فذاك أوسع. والله أعلم (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الاستثناء]
الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله لغة، قاله أصحابنا والأكثرون.
وقال قوم: يخرج ما لولاه لجاز دخوله (٢) .
فصل
[شيخنا] : قال القاضي: الاستثناء كلام ذو صيغ محصورة يدل على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول، ولا يلزم عليه القول المتصل بلفظ العموم، نحو قوله: رأيت المؤمنين وما رأيت زيدا ولم أر عمرا أو خالدا، لقولنا: كلامه ذو صيغ محصورة، وحروف الاستثناء محصورة، وليس الواو منها (٣) .
فصل
[شيخنا] : يجوز تقديم الاستثناء على المستثنى منه (٤) .
فصل
[شيخنا] : يجوز الاستثناء من الاستثناء (٥) .
стр. 401
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ما هو الاستثناء في الآيتين ؟]
قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [٤٢/١٥] ، وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [٤٠/١٥] أجاب القاضي عنه بجوابين:
أحدهما: أنه استثناء من جميع الجنس، فيجوز أن يقال فيه: إنه يجوز إخراج الأكثر من الأقل. وأما استثناء الأكثر من الأعداد المحصورة فلا. والفرق ورود اللغة في أحدهما دون الآخر، ولأن حمل جميع الجنس على العموم إنما هو من طريق الظاهر، لا من جهة القطع على جميع الجنس، بخلاف الأعداد فإن جميعها منطوق به فصار صريحا.
الجواب الثاني: أنه استثناء منقطع، أي لكن من اتبعك، كقوله: (إلا خطأ) وكقوله: (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الاستثناء من النفي إثبات]
قوله: «لا صلاة إلا بطهور» و «لا نكاح إلا بولي» ونحو ذلك لا تفيد ثبوت الصلاة والنكاح عند وجوب الطهور والولي. هذا هو المعروف عند الجماعة. واحتج القاضي في مسألة أن النكاح لا يفسد بفساد المهر بقوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» قال القاضي: فاقتضى الظاهر أنه إذا حضره الولي والشهود أنه صحيح، ولم يفرق بين أن يكون فيه مهر فاسد أو صحيح. وهذا دلالة ضعيفة؛ لكن قد يظن أنه يعكر على قولنا: إن الاستثناء من النفي إثبات (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الشرط المتعقب جملا]
فأما الشرط المتعقب جملا فقد سلم الحنفية أنه يعود إلى جميعها، وكذلك ذكر أبو محمد في الروضة: أن الشرط والصفة سلم أكثر
стр. 402
المخالفين أنهما يعودان إلى الجميع، ونقض عليهم بذلك، وكذلك القاضي، وذكر أن الشرط كقوله: «نساؤه طوالق، وعبيده أحرار، وماله صدقة إن شاء زيد» أو: «إن دخلت الدار» يعود إلى الجميع، وكذلك الاستثناء بمشيئة الله عند الحنفية.
فأما الصفات وعطف البيان والتوكيد والبدل ونحو ذلك من الأسماء المخصصة فينبغي أن تكون بمنزلة الاستثناء.
وأما الجار والمجرور مثل أن يقول: «على أنه» أو «بشرط أنه» ونحو ذلك فينبغي أن يتعلق بالجميع قولا واحدا؛ لأن هذه الأشياء متعلقة بالكلام لا بالاسم، فهي بمنزلة الشرط اللفظي؛ فإذا قال: «أكرم بين تميم وبين أسد وغطفان المجاهدين» أمكن أن يكون «المجاهدين» تماما لغطفان قط. فإذا قال: «بشرط أن يكونوا مؤمنين» أو: «على أن يكونوا مؤمنين» فإن هذا متعلق بالإكرام وهو متناول للجميع تناولا واحدا، بمنزلة قوله: «إن كانوا مؤمنين» فيجب أن يفرق بين ما يكون متعلقا بالاسم وما يكون متعلقا بالكلام، وهذا فرق بين محقق يجب اعتباره (١) .
[شيخنا] : ... ... ... ... فصل
[والاستثناء المتعقب اسما]
كثير من الناس يدخل في هذه المسألة «الاستثناء المتعقب اسما» فيريدون بقولهم: «يعقب جملة» الجملة التي تقبل الاستثناء لا يريدون بها الجملة من الكلام، وهذا موضع يحتاج إلى الفرق؛ فإنه فرق بين أن يقال: «أكرم هؤلاء وهؤلاء إلا الفساق» ، أو يقال: «أكرم هؤلاء وأكرم هؤلاء إلا الفساق» (٢) .
стр. 403
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الاستثناء إذا تعقب جملا]
موجب ما ذكره أصحابنا وغيرهم: أنه لا فرق بين العطف بالواو أو بالفاء أو بثم على عموم كلامهم، وقد ذكروا في قوله: «أنت طالق ثم طالق إن دخلت الدار» وجهين. وذكر أبو المعالي الجويني فرقا بين الحرف المرتب وغيره في الاستثناء والصفة في شروط الوقف وهو يفيد جدا.
قال القاضي في مقدمة المجرد: والاستثناء إذا تعقب جملا وصلح أن يعود إلى كل واحدة منها لو انفرد فإنه يعود إلى جميعها فيرفعه وكذلك الشرط والمشيئة مثل آية القذف، نص عليه أحمد في طاعة الرسول.
قال شيخنا أبو العباس: الوجه المذكور في الإقرار والطلاق فيما إذا قال: «أنت طالق اثنتين وواحدة إلا واحدة» هل نعيده إلى الجملة الأخيرة فيبطل أو إلى الجميع فيصح؟ فيه وجهان، فيخرج مثلهما هنا؛ إلا أن يقال هناك: لا يصح عوده إلى الأخيرة، لأن الاستثناء يرفع جميع الأخيرة ومثل هذا لا يكون عربيا فقد أتى باستثناء لا يصح عوده إلى الأخيرة. والقاضي قيد المسألة بأن يكون الاستثناء يصح عوده إلى كل واحدة منها لو انفرد، وذكر في حجتها: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة؛ لأنه لا فرق بين أن يقول: «رأيت رجلا ورجلا» وبين أن يقول: «رأيت رجلين» قال: وهذا صحيح على مذهب أحمد، لقوله في غير المدخول بها: أنه إذا قال: «أنت طالق وطالق وطالق» وقع ثلاثا كالجملة الواحدة. قال: وعلى هذا الأصل إذا قال: «أنت طالق وطالق وطالق إلا طلقة» يقع عليه طلقتان؛ لأنه يكون قد استثنى واحدة من ثلاث.
[هنا ثلاثة أقسام]
قال شيخنا: في هذه المواضع لا يصح عود الاستثناء على كل
стр. 404
جملة؛ بل هنا لم يتعقب الاستثناء جملا بحال، فليست هذه المسألة محل النزاع، وإنما تقرير كلامه: أن الآحاد المتعاقبة بمنزلة الشيء الواحد، فكذلك الجمل. فهنا ثلاثة أقسام: عطف الأسماء الواحدة بعضها على بعض، وعطف الأسماء الشاملة بعضها على بعض، وعطف الكلام المركب بعضه على بعض. ومنع القاضي أن العموم يحصل إلا بوقوع الثلاث (١) على الكلام من غير استثناء وهذا جيد وكذلك جميع المتصل المخصص فإنه مانع لا رافع لكن غايته مذهب الواقفة (٢) .
فصل
[ومن الإثبات فيه تفريق]
الاستثناء من النفي ومن الإثبات نفي، عندنا وعند الجمهور وقالت الحنفية: ليس كذلك. وقيل: هو من الإثبات نفي، وأما من النفي فليس بإثبات.
قال شيخنا: ينبغي أن يفرق بين قولنا: «ما رأيت أحدا إلا زيدا» وبين قولنا: «ما جاء القوم إلا زيد» ، وقولنا: «ما له عندي عشرة إلا واحد» فإنه قد قيل: إنه في مثل هذا يكون مقرًّا بواحد. وهذا عندي ليس بجيد وإنما مقصوده أنه ليس له عندي تسعة، وذلك أنه لو قصد الإثبات لكان قوله: «ما له عندي إلا واحد» هو كلام العرب؛ بخلاف استثناء من الصيغ العامة فيفرق بين العدد والعموم (٣) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[بين الأخفش وابن عقيل]
حكى الأخفش أن قول القائل: «ما جاءني غير زيد» لا يدل على مجيء زيد؛ بل يدل على نفي مجيء غيره. ذكره ابن عقيل في حجة التاركين للمفهوم، وقال: قول الأخفش لا يقابل قول أبي عبيد، لأن
стр. 405
الأخفش نحوي ولم يكن من المبرزين في اللغة (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ثم للترتيب مع المهملة والتراخي، ذكره ابن عقيل وكثيرون. وذكر ابن عقيل: أن الاستدلال أصحابنا على أن الإمساك لا يكون عودا في آية الظهار (٢) .
[شيخنا] ... ... ... فصل
[معنى ثم]
قال القاضي: «ثم» للفصل مع الترتيب، فإذا قال: «رأيت غلاما ثم فلانا» اقتضى أن يكون الثاني متأخرا عن الأول في الرؤية؛ ولهذا يحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أن ذلك للمهلة فيقتضي أن يكون العود العزم على الوطء (٣) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[اختلاف كلام القاضي في الاستثناء]
لا يصح الاستثناء من النكرات كما يصح من المعارف ذكره ابن عقيل محل وفاق، محتجًّا به على أن الاستثناء يخرج ما دخل لا ما صح دخوله. والقاضي ذكر في مسألة الاستثناء من غير الجنس: أن الاستثناء إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ، وفي مسألة العموم أيضًا قرر ذلك، ورد على من قال: هو إخراج ما يصلح دخوله في اللفظ. ثم في مسألة الجمع المنكر احتج المخالف: بأنه لما لم يصح دخول الاستثناء عليه فيخرج بعضه ثبت أنه من ألفاظ العموم كالجمع المعرف. فأجاب القاضي: بأن الاستثناء يخرج البعض من البعض ويخرج البعض من كل فخرج البعض من الذي هو أقل الجمع.
стр. 406
قال شيخنا: وهذا نقص ما قدمه (١) .
[شيخنا] : فصل
كثير المنفعة، متعلق بالنسخ والعموم وغيرهما.
[الحكم العام أو المطلق إذا ادعي اختصاصه]
وهو أن الحكم العام أو المطلق، هل يجوز تعليله بما يوجب تخصيصه أو تقييده، سواء كان ثابتا بخطاب أو بفعل؟ هذا فيه أقسام:
القسم الأول: ما كان عاما [للمكلفين] فيدعى تخصيصه بنفي التعليل، فمنه ما علم بالاضطرار عمومه فمخصصه [كافر] كمدعي تخصيص تحريم الخمر بمن قد سبقه، أو بغير الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وسقوط الصلاة عمن دام حضور قلبه، إلى غير ذلك من دعوى اختصاص بعض المنتسبين إلى العلم أو إلى العبادة بسقوط واجب أو فعل محرم، كما قد وقع لطوائف من المتكلمين والمتعبدين، وهذا كفر ومنه ما ليس كذلك لكن هو مثله.
القسم الثاني: ما كان عاما في الأزمنة لفظًا أو حكمًا فيدعى اختصاصه بزمانه فقط. قال شيخنا: وقد كتبته في غير هذا الموضع.
القسم الثالث: أن يدعى اختصاصه بحال من الأحوال الموجودة في زمان الشرع مما قد يجوز عودها.
القسم الرابع: أن يدعى اختصاصه بمكان الشارع كدعوى اختصاص فرضه للأصناف الخمسة في صدقة الفطر بالمدينة لكونها قوتهم الغالب، وكذلك في الدية والمصراة وغير ذلك. وهذا من جنس الذي قبله، فإنه لا يوجب انقطاع الحكم، بل اختصاصه بحال دون حال (٢) .
стр. 407
القسم الخامس: الأفعال التي فعلها في العبادات والعادات إذا ادعي اختصاصها بزمان أو مكان أو حال.
فهذه أصول عظيمة مبناها على أصلين:
أحدهما: صحة ذلك التعليل وأن الشارع إنما شرع لأجله فقط.
الأصل الثاني: ثبوت الحكم مع عدم تلك العلة لعلة أخرى؛ إذ أكثر ما في هذا دعوى ارتفاع الحكم بما يعتقد أن لا علة غيره.
وقد أجاب أصحابنا بمثل هذا في مسألة التحليل قائسين على الرمل والاضطباع. وزعم من خالفهم أن الأصل المقرر زوال الحكم لزوال علته، وإنما خولف في الرمل والاضطباع لدليل، وحديث ابن عمر في الرمل والاضطباع يخالف هذا، وإنما يزول الحكم بزوال علته في محاله وموارده. وأما زوال نفس الحكم الذي هو النسخ فلا يزول إلا بالشرع.
وفرق بين ارتفاع المحل المحكوم فيه [مع بقاء الحكم وبين زوال نفس الحكم. ومن سلك هذا المسلك أزال ما شرعه الله برأيه وأثبت ما لم يشرعه الله برأيه] وهذا هو تبديل الشرائع (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في حد الخاص:
[الخاص]
وهو اللفظ الدال على واحد بعينه، بخلاف العام والمطلق ذكره الفخر إسماعيل في جُنَّته (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا علق الحكم على صفة في جنس دل على نفيه فيما عداها]
إذا علق الحكم على صفة في جنس كقوله: «في سائمة الغنم
стр. 408
الزكاة» دل على نفيه عما عداها في ذلك الجنس دون بقية الحيوان، في قول بعض أصحابنا وبه قال بعض الشافعية. قال القاضي في مقدمة المجرد: وقوله: «في سائمة الغنم الزكاة» يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الغنم فحسب ولا يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الحيوان كله. وفيه وجه آخر، قال القاضي: وهو ظاهر كلام أحمد أنه يدل على نفيه عما عدا السائمة في سائر الحيوان، وهو قول بعض الشافعية. هذا نقل الحلواني وحكى القاضي عن القائلين بمفهوم الاسم العلم هذين القولين، وقولا ثالثا نفيها -أعني الزكاة- عن سائر الأشياء غير المذكورة قال ابن عقيل: كذلك نقول: لو لم يرد نطق يخص الإبل والبقر، فبعد النص صار يعم سقوط الزكاة في غير السائمة من كل نوع. ومعنى القول الثاني أنها تجب في سائمة الأزواج الثمانية، دون معلوفاتها. وكذلك القاضي ذكرها في العدة على قولين، وردد الكلام في القول الثالث (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا علق بها خبر فرق بين]
فإن علق بها خبرا مثل أن يقول: «زياد الطويل في الدار» فسلم القاضي في الكفاية أنه لا يدل على القصر بنفي ولا إثبات، وقد قال قبل هذا: إن تعليق الوجوب والأخبار بالألقاب يقتضي النفي.
والتحقيق أن يفرق بين أسماء الأعلام والأجناس (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الصفة قسمان]
الصفة قسمان: عارضة كالغنى والثيوبة والامتلاء، وهو الذي جعله أبو محمد مفهوم الصفة، ولازمه كالطعام، وفيها خلاف (٣) .
стр. 409
[المفهوم]
المفهوم لا عموم له عند المصنف ... والشيخ تقي الدين وغيرهم من الأصوليين، وأنه يكفي فيه صورة واحدة، كما هو مذكور في أصول الفقه (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في فحوى الخطاب
[فحوى الخطاب]
منه: ما يكون المتكلم قصد التنبيه بالأدنى على الأعلى، كآية البر، فهذا معلوم أنه قصد المتكلم بهذا الخطاب، وليس قياسا وجعله قياسا غلط فإنه هو المراد بهذا الخطاب.
ومنه: ما لم يكن قصد المتكلم إلا القسم الأدنى؛ لكن يعلم أنه يثبت مثل ذلك الحكم في الأعلى. وهذا ينقسم إلى مقطوع، ومظنون. ومثالهما ما احتج به أحمد ﵁ وقد سئل عن رهن المصحف عند أهل الذمة، فقال: لا «نهى النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو» . فهذا قاطع؛ لأنه إذا نهى عما قد يكون وسيلة إلى نيلهم إياه فهو عن إنالتهم إياه أنهى وأنهى. واحتج أن لا شفقة لذمي بقوله: «إذا لقيتموهم في طريق فألجئوهم إلى أضيقه» فإذا كان ليس لهم في الطريق حق فالشفعة أحرى ألا يكون لهم فيها حق، وهذا مظنون (٢) .
стр. 410
القياس
[شيخنا] : ... ... فصل
الكلام في «القياس» : في صحته، ودلالته، ثم في وجوب اتباعه، واعتقاد مدلوله:
فإن الكلام في كون الشيء يفيد الاعتقاد علما أو ظنا غير الكلام في الاستدلال به واعتقاد موجبه.
ثم أن يقال: كلاها ثبت بالشرع فقط، أو بالعقل أيضا، أو أحدهما بأحدهما.
فالأول قول ابن عقيل: إن صحته ووجوب العمل به إنما ثبت بالشرع فقط. وهذا قول المعممة في التصويب، إذ ليس للأدلة عندهم صفة تدل بها في الظنيات.
والثاني -وهو أ، يقال: كلاهما ثبت بالعقل- فهذا قد يقوله من يقول بالإيجاب العقلي.
وأما الثالث -وهو أن صحته ودلالته قد تعلم بالعقل ثم تعلم بالسمع أو ما ظهر به وجب اتباعه- فهذا أشبه بقول أكثر أصحابنا الذين يجعلون المصيب واحدا، ولا إيجاب إلا بالشرع، فإنا نعلم بعقولنا أن النظر في علة الأصل وما دل عليها يغلب على الظن أن الفرع عند الشارع بمنزلتها، بل بعض الأحيان يكون الظني اضطراريا، كما يكون
стр. 411
العلم اضطراريا. ثم نعلم بالسمع أن مثل هذا يعتقد به الحكم، كما أن ظهور صدق العدل المخبر والشاهدين يعلم بالعقل. ثم كون هذا التصديق موجبًا للعمل يعلم بالسمع؛ فإن العقل قد يعرف الأدلة، ويعلم بالنظر فيها حصول اعتقاده، كما قيل في معرفة الله تعالى؛ ثم وجوب النظر والاعتقاد سمعي.
ثم قد يقال هنا: قد دلت الأدلة الشرعية العامة أن ما ظهر من أحكام الله ورسوله وجب اتباعه عموما؛ فإنه إذا استفدنا بالنظر فيها اعتقادا قويا أن هذا حكم الله من غير معارض مقاوم فقد علم بالأدلة السمعية وجوب اتباع مثل ذلك.
وعلى هذا فالقول في القياس الشرعي كالقول في القياس العقلي، وحصول الاعتقاد به لا يتوقف على ما يدل من جهة الشرع على صحة القياس. وأما وجوب النظر فيه أو الاعتقاد به فبالشرع.
وعلى قول ابن عقيل فالعلل الشرعية أمارات مجعولة لمن يقيس الحكم لصفة هو عليها، وقد صرح بذلك في غير موضوع. وأما على القول الأول فإنها لصفات هي عليها.
قال القاضي في كتاب القولين: القياس الشرعي قد نص أحمد في مواضع على أنه حجة تعلق الأحكام عليه، فقال في رواية محمد بن الحكم: لا يستغني أحد عن القياس، وعلى الإمام والحاكم يرد عليه الأمر أن يجمع له الناس ويقيس. وكذلك نقل الحسين بن حسان: القياس: هو أن يقيس على أصل إذا كان مثله في كل أحواله. وكذلك نقل أحمد بن القاسم: لا يجوز بيع الحديد والرصاص متفاضلاً قياسًا على الذهب والفضة.
قال: وحكى شيخنا أبو عبد الله أن من أصحابنا من قال:
ليس بحجة قال: لأن أحمد قال في رواية الميموني: يجتنب المتكلم في
стр. 412
الفقه هاتين الخصلتين المجمل والقياس، وكذلك نقل أبو الحارث عنه وقد ذكر أهل الرأي وردهم للحديث، فقال: ما تصنع بالرأي والقياس وفي الأثر ما يغنيك عنه؟ وهذا لا يدل على أنه ليس بحجة وإنما يدل على أنه لا يجوز استعماله مع النص ولا يعارض الأخبار إذا كانت خاصة أو منصوصة وليس هذا بمذهب فيشتغل بتوجيهه (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تابع]
اتباع القياس وجب بالشرع عند القائلين به. وهل يجب بالعقل؟ قال أبو الخطاب: ثبت بالعقل أيضا، وبالنقل.
قال ابن عقيل: واختلف المحيلون لورود التعبد به من جهة العقل، في وجه إحالة ذلك وعلته.
فقال بعضهم: إنما استحال ذلك لأنه لا يمكن معرفة الأحكام من جهته لأنها مبنية على المصالح التي لا تدرك به ولا بأمارة مؤدية إلى غلبة الظن. وقال بعضهم: لأن في القول به ما يقتضي وجوب الحكم بالمضاد الممتنع. وقال بعضهم: لأنه اقتصار على أدنى البيانين مع القدرة على أعلاهما وهو النص، وذلك محال في صفته وحكمته (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الأصل في القياس]
قال أبو الخطاب: هل الأصل في القياس الشرعي النص أو حكم النص؟ وأيهما يقع الإسناد إليه؟ اختلف أهل الأصول في ذلك، فقال قوم: الأصل النص والنطق. وقال قوم: الحكم قال ابن عقيل: والذي أختاره أن الأقرب هو المستند، والأصل: هو حكم النص وعلته (٣) .
стр. 413
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[من نزلت به حادثة وضاق عليه الوقت ... ]
قال أبو الخطاب: من نزلت به حادثة، وكان فيها قاضيا أو مفتيا أو مجتهدا لنفسه، وضاق عليه الوقت، وجب عليه أن يقيس وينظر. وإذا لم يضق عليه الوقت استحب له ذلك، والواجب والمستحب من الدين (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المتردد بين أصلين]
قال القاضي: المتردد بين الأصلين يجب إلحاقه بأحد الأصلين وهو أشبههما به وأقربهما إليه، وإلحاق الوارث بالإقرار أشبه، لأنه لا يشترط فيه العدالة ولا يشترط له لفظ الشهادة، ولا مجلس الحكم، قاله جوابا للحنفية لما قالوا: إنه يشبه الشهادة من حيث حمل النسب على الأب، ويشبه الإقرار من حيث ثبتت المشاركة فيما في يده، فأعطيناه حكم الأصلين، فاشترطنا فيه العدد كالشهادة، ولم نشترط فيه الحرية كالإقرار (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[قياس علة الشبه]
قلت: من قال: «قياس علة الشبه كما فسره القاضي حجة» فلا كلام؛ لكن يرد عليه التسوية بين الشيئين في الحكم مع العلم بافتراقهما في بعض الصفات المؤثرة، وإنما فعلوه لضرورة إلحاق الفرع بأحد الأصلين، فألحقوه بالأشبه به كما تفعل القافة بالولد. ومن قال: «ليس بحجة» فقد يحكم فيه بحكم ثالث مأخوذ من الأصلين وهو طريقة الشبهيين، فيعطيه بعض حكم هذا وبعض حكم هذا، كما فعله أحمد في ملك العبد، وكذلك مالك، وهذا كثير في مذهب مالك وأحمد،
стр. 414
مثل تعلق الزكاة بالعين أو بالذمة، والوقف هل هو ملك لله تعالى أو للموقوف عليه، ونحو ذلك.
وطريقة الشبهيين ينكرها كثير من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو مقتضى من يقول بغلبة الاشتباه ويعتبر للحادثة أصلا معينا، ومن لم يقل به فقد يقول بها.
والأشبه أنه إن أمكن استعمال الشبهين وإلا ألحق بأشبههما به؛ فإن القائلين بالأشبه كالقاضي سلموا أن العلة لم توجد في الفرع وأنه حكم بغير قياس، بل بأنه أشبه بهذا الأصل من سائر الأصول كما أن في طريقة الشبهيين ليس أحدهما هو الأصل (١) .
[شيخنا] :
[العلة المناسبة والمطردة]
مسألة: العلة المناسبة مقدمة على غير المناسبة، والمطردة مقدمة على المخصوصة إذا قبلت، وكذلك تقدم المنعكسة على غير المنعكسة هذا كلام إسماعيل ابن المني (٢) .
[شيخنا]
[إذا قبلت القاصرة]
مسألة: إذا قبلت القاصرة فهي أولى من المتعدية، أو بالعكس أو هما سواء؟ على ثلاثة أقوال. والتسوية اختيار إسماعيل. ومن قال بالثاني -وهو قول القاضي وأبي الخطاب- قال: إن الأكثر فروعا أولى، وعلى ذلك ينبني ترجيح ما قل أوصافها مع أن ذات الوصف قد تكون أكثر فروعا.
وقد ذكر الفخر إسماعيل الرجحان في الأقيسة من وجوه كثيرة فلتنظر وكذلك ذكرها ابن عقيل في موضعين (٣) .
стр. 415
[شيخنا] :
[إذا كانت أكثر أوصافا]
مسألة: إذا كانت إحدى العلتين أكثر أوصافا فالقليلة الأوصاف أولى. وقال بعض الشافعية وإسماعيل: هما سواء. هذا نقل الحلواني وأبي الخطاب (١) .
[شيخنا]
[وإذا كانت إحداهما حسية أو إحداهما موجودة في الحال]
مسألة: إذا كانت إحداهما حسية والأخرى حكمية، أو إحداهما إثباتا والأخرى نفيا فلا ترجيح بذلك. وقال بعض الجدليين: ترجح المثبتة الحسية. وقال القاضي وغيره: الثابتة أولى. قال أبو الخطاب وغيره: الحكمية أولى وقال (٢) : المثبتة أولى، ولم يذكر فيه خلافا (٣) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ومنها: أن تكون إحداهما موجودة في الحال، وصفة أخرى مما يجوز وجوده في الثاني، كقولنا في ر هن المشاع: «عين يصح بيعها» هو راجح على قولهم: «قارن العقد معنى يوجب استحقاق رفع يده في الثاني» (٤) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وإذا كان أصلها أقوى]
وترجح إحدى العلتين: بكون أصلها أقوى، مثل أن يكون أصلها مجمعا عليه والأخرى أصلها مختلف فيه (٥) .
стр. 416
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وإذا كانت إحداهما ناقلة عن الأصل أو كان وصف إحداهما اسما]
ومنها: أن تكون إحداهما ناقلة عن الأصل أو فيها احتياط والأخرى مبقية، فالأولى أولى، قاله أبو الخطاب، وقاسه على الخبرين، وبأن فيه زيادة حكم واحتياط وإفادة حكم شرعي. وقال بعضهم: هما سواء، وهذا كقياسين تعارضا في إيجاب الوضوء من الملامسة (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ومن الترجيحات: أن يكون وصف إحداهما اسما ووصف الأخرى صفة. فالصفة أولى؛ لأنها مجمع عليها، هذا قول أبي الخطاب (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[العلة المنصوصة تكون تارة]
العلة المنصوصة تارة تكون علة لمورد النص وغيره، وتارة تكون خاصة. وقد ذكر ابن عقيل أمثلة العامة التي توجب الحكم في غير المحل المنصوص قبل الأمر بالقياس أن يقول: حرمت السكر لحلاوته؛ فإنه مثل أن يقول حرمته لأنه حلو. وهذا فيه نظر؛ فإن هذا مثل قوله: حرمته للحلاوة التي فيه، وهذا اللفظ يظهر فيه التعليل بالحلاوة المخصوصة، لا بمطلق الحلاوة؛ بخلاف قوله: لأنه حلو، أو لأنه من الحلو (٣) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[العلة المستنبطة لا بد لها من دليل ... ]
والعلة المستنبطة لابد من دليل يدل على صحتها وذلك الدليل هو كونها مؤثرة في الحكم، وسلامتها على الأصول من نقض أو معارضة، ويحوز أن يجعل وصف العلة الدال على الحكم وصفا نافيا.
стр. 417
ويحوز أن يجعل وصفا مثبتا، سواء في ذلك الأوصاف الذاتية والحكمية كما في قوله: «إنها ليست بنجس» تعليلا لطهارة الماء (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[هل الأصول كلها معللة]
الأصول التي ثبت حكمها بنص أو إجماع ذكر أبو الخطاب أنها كلها معللة وإنما تخفى علينا العلة في النادر منها.
ولفظ القاضي: الأصل هو تعليل الأصول، وإنما ترك تعليلها نادرا، فصار الأصل هو العام الظاهر دون غيره ومن الناس من قال الأصول منقسمة إلى معلل وغير معلل (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[قول القاضي في الدال على صحة العلة المستنبطة يخرج على وجهين]
ثم قال بعد هذا (٣) : مسألة في العلة المستنبطة كعلة الربا ونحوها، الشيء الدال على صحتها يخرج على وجهين:
أحدهما: أن يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها، وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية أحمد بن الحسين بن حسان، فقال: القياس: أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، وأقبل له وأدبر، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ. قال أبو بكر: يعني في كل أحواله في نفس الحكم، لا في عينه؛ لأنه لابد من المخالفة بينهما.
والوجه الثاني: يفتقر إلى شيئين: دلالة عليها ودلالة على صحتها،
стр. 418
وهو أن يكون الوصف مؤثرا في الحكم المعلل، فإذا عرف افتقر إلى سلامته على الأصول، وهو أن يسلم من نقض أو معارضة. فإن عارضها قياس مثلها أو أقوى منها وقفت ولم تكن علة. وجه الأول أن العلل يستمر هذا الأصل فيها بدلالة المعنى، الموجب لكون المحل اسود وجود السواد، فالشرعية أولى أن يجوز هذا فيها، وقد اتفقت الأمة على أن زنى المحصن هو المعنى الموجب للرجم، لما كان الرجم يجب بوجوده ويعدم بعدمه. قال: ووجه الثاني في أن وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها لا يدل على صحتها أننا قد جعلنا علة تحريم الخمر وجود الشدة فيه، لوجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها، فصارت هذه العلة هي العلة الموجبة لتكفير المستحل للخمر، وإن كانت الشدة توجد في النبيذ ولا يوجد تكفير مستحلة. والدلالة على أن صحتها تأثير الوصف وسلامتها هو أننا وجدنا أن التي لها أوصاف مكيل ومطعوم ومقتات ومزروع وموزون، وله مثل وأجمعنا أن العلة هو الوصف المؤثر في الحكم دون غيره (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الخلاف في العلة المستنبطة هل يقاس عليها ؟]
ذكر القاضي في كتاب الروايتين والوجهين اختلافا في المذهب في صحة العلة المستنبطة فقال: إذا ثبت معنى الحكم مقطوعا عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع رد غيره إليه إذا كان معناه فيه، وهذا لا إشكال فيه. فأما إن كان معنى الأصل عرف بالاستنباط مثل علة الربا [في الزائد] بكيل أو مطعوم فهل يجب رد غيره إليه، أم لا؟ فقال شيخنا أبو عبد الله: لا يجب رد غيره إليه، فعلى قوله يكون القول ببعض القياس دون بعض، وقد أومأ أحمد إليه في رواية مهنا، وقد سأله: هل نقيس بالرأي؟ فقال: لا، وهو أن يسمع الرجل الحديث فيقيس عليه، قال:
стр. 419
معنى قوله: «لا يقيس بالرأي» يعني ما ثبت أصله بالرأي لا نقيس عليه (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الفرع إذا قيس على أصل الوصف المؤثر المناسب والمؤثر غير المناسب، والمناسب غير المؤثر]
تلخيص هذا الباب: أن الفرع إذا قيس على أصل فإما أن يعلم تأثير ذلك الوصف في الحكم الذي في الأصل بنص كتاب أو سنة أو إجماع أو غير ذلك.
أما الأول: فلا خلاف فيه عند القياسيين، وإنما الخلاف هل هو دليل لغوي مفهوم من اللفظ أو موقوف على دليل خاص؟
وإن علم تأثير الوصف في حكم الأصل بالاستنباط، وكان الوصف مناسبا؛ فإما أن يعلم تأثيره في غير الأصل بنص أو إجماع، أو لا يعلم له تأثير في غير الأصل. فالأول: هو المناسب المؤثر والملائم. والثاني: هو الغريب ولأصحابنا في هذا الباب ثلاثة أقوال؛ أحدها: القول بالجميع كما قرره أبو محمد المقدسي وأبو محمد البغدادي. والثاني: نفي القول بالغريب، كما ذكره أبو الخطاب في موضع. الثالث: عدم بالجميع كما قاله ابن حامد. وعلى هذا يتبين لك أن أبا محمد والغزالي قبله يدخلان في قسم المستنبط المناسب المؤثر والمنصوص المناسب المؤثر، وهو غلط، فإن الأول فيه قياسان، وهذا فيه قياس واحد.
وحقيقة الأمر: أن المثبت بالقياس إن كان هو الحكم فقط فهو المنصوص، وإن كان الحكم وعلة الأصل فهو المؤثر. وأما الغريب فإثبات بمجرد المناسبة غير المؤثر.
وحقيقة الأمر في المؤثر: أنه قياس لهذا الوصف على ذلك
стр. 420
الوصف في علته، فهو إثبات للعلة بالقياس. وعلى هذا فلا يشترط في المؤثر أن يكون مناسبا، وأبو محمد جعله من قسم المناسب.
ونظير هذا تعليق الحكم بالوصف المشتق: هل يشترط فيه المناسبة؟ على وجهين، وكلام القاضي والعراقيين يقتضي أنهم لا يحتجون بالمناسب الغريب، ويحتجون بالمؤثر مناسبا كان أو غير مناسب، ولهم في الدوران خلاف، وجميع أدلتهم تقتضي هذا فصار المؤثر المناسب لم يخالف فيه إلا ابن حامد. وأما المؤثر غير المناسب أو المناسب غير المؤثر ففيهما ثلاثة أوجه. وقال ابن عقيل: الذي لا شبه له هو الذي يقول الفقهاء لا تأثير له. ويقول الخراسانيون: الإخالة له، فجعل المؤثر هو المحل (١) .
فصل
[عكس العلل وعدم التأثير]
الحكم إذا ثبت بعلة يزول بزوالها فإن بقي مع زوالها من غير أن يخلفها علة أخرى كانت عديمة التأثير، فلا تكون علة، وأما إذا خلفها علة أخرى فإنها لا يبطل كونها علة.
وهذا هو التحقيق في «مسألة عكس العلل، وعدم التأثير فيها» فإنه قد يظن أنا إذا جوزنا تعليل الحكم الواجب بالشرع بالنوع بعلتين لم تبطل العلة بعدم التأثير فيها، وهو انتفاء الحكم لانتفاء الوصف لجواز أن يخلفها علة أخرى؛ بل إذا كان الحكم ثابتا انتفى الوصف لثبوته مع ثبوته دل على أنه ليس بعلة. فالنقض وجود الوصف بلا حكم. فإن لم يكن التخلف لفوات شرط أو انتفاء مانع كان دليلا على أنه ليس بعلة، وعدم التأثير هو وجود الحكم بلا وصف. فإن لم يكن له علة أخرى كان دليلا على أن الوصف ليس بعلة.
стр. 421
فإذا عللنا الملك بالبيع أو الإرث أو الاغتنام ونحو ذلك وقلنا في صورة قد عللنا الملك فيها بالبيع: هذا باطل فلا يحصل الملك كان كاملا صحيحا وإن علمنا أن الملك يثبت بإرث وغيره، لكن التقدير أنه لا يثبت له هنا غير البيع. وإذا قلنا: هذا يملك هذه السلعة لأنه اشتراها شراء شرعيا أو لأنه ورثها كان كاملا صحيحا ولا يلزم من ذلك أن يكون الملك منتفيا في كل موضع انتفى فيه البيع أو الإرث؛ لأن الملك له أسباب متعددة. وكذلك الطهارة إذا كان لها سببان فعلل الشارع طهارة بعض الأعيان بسبب كان ذلك كاملا صحيحا، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل موضع انتفى عنه هذا السبب أن يكون الملك منتفيا في كل موضع انتفى فيه البيع، ولا كان منه أن ما انتفى عنه هذا السبب يكون نجسا.
فقوله في الهر: «إنها من الطوافين» دليل على أن الطواف سبب الطهارة فإذا انتفى ما هو سبب فيه زالت طهارته، وقد تثبت الطهارة لغيره وهو الحل كطهارة الصيد والأنعام فإنها طيبة من الطيبات التي أباحها الله تعالى فلا يحتاج إلى تعليل طهارتها بالطواف؛ فإن الطواف يدل على أن ذلك لدفع الحرج في نجاستها.
وقوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء» قد يقال فيه: أولا: قد يكون المقصود وصف الماء بكونه طهورا وبكونه لا ينجسه شيء، فيكون صفة بعد صفة، ليس المقصود جعل إحداهما علة للأخرى ووصفه بهاتين الصفتين يبين مفارقته للبدن والثوب ونحوهما من هذين الوجهين: من جهة أنه طهور، ومن جهة أنه لا ينجسه شيء.
وإذا لم يعلل نفي النجاسة بكونه طهورا لم يوجب ذلك
حصول النجاسة فيما ليس بطهور بمجرد الملاقاة فإذا
أمكن أن تكون هذه علتان لجواز استقائه من البئر لم يجب أن
يقال: إن إحداهما علة للأخرى؛ بل كان قوله: «لا ينجس» كقوله: «الماء لا ينجسه شيء» وهناك لم يعلل انتفاء النجاسة عنه بكونه
стр. 422
طهورا فكذلك هنا لم يعلل انتفاء النجاسة عنه بكونه طهورا؛ بل هناك علل جواز استعمال سؤر عائشة بأن الماء لا يجنب وهنا علل وضوءه من بئر بضاعة بأن الماء لا ينجس، وزاد مع ذلك «أن الماء طهور» وهذا بين لمن تأمله؛ بل هو ظاهر الحديث.
وبيان ذلك: أنه قد سمى التراب طهورا في نجاسة الحدث والخبث، فقال: «جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا» وقال في النعلين: «فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور» ومع هذا فإن التراب وغيره من أجزاء الأرض في النجاسة سواء لا فرق بين التراب وغيره، إذا ظهرت فيه النجاسة كان نجسا، وإذا زالت بالشمس ونحوها؛ فإما أن يقال: تزول مطلقا، أو لا تزول مطلقا، لم يفرق بين التراب والرمل وغيرهما من أجزاء الأرض كما فرق بينهما من فرق في طهارة الحدث؛ احتج من يقول بزوالها بحديث البخاري: «وكانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ ولم يكونوا يرشون من ذلك شيئا» ، والمسجد كان فيه التراب وغيره.
فإذا كان قوله: «فإن التراب لهما طهور» صريحا في التعليل ولم يخص التراب بذلك، فقوله في الماء: «إنه طهور لا ينجسه شيء» أولى أن يخص بذلك.
لكن هل يقال: إن غير الماء يشاركه في وإزالة النجاسة كما يشارك التراب ما ليس بتراب؟ هذا فيه نزاع مشهور.
وللعلماء في إزالة النجاسة بغير الماء ثلاثة أقوال:
قيل: يجوز مطلقا، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد.
وقيل: لا يجوز مطلقا، كقول الشافعي، والظاهر عن أحمد.
وقيل: يجوز عند الحاجة، وهو قول ثالث في مذهب أحمد، كما
стр. 423
قيل ذلك على أحد الوجوه في طهارة فم الهر باللعاب، وكذلك أفواه الصبيان ونحوهم من القيء.
فإن قيل: إن طهارة الماء من النجاسة يشاركه فيها غيره صار كالتراب. وإن قيل: لا يشاركه كان قوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء» تعليلا لاستبقائه كما سبق.
وبالجملة: فلم أعلم إلى ساعتي هذه لمن ينجس المائعات الكثيرة بوقوع النجاسة فيها إذا لم تتغير حجة يعتمد عليها المفتي فيما بينه وبين الله. فتحريم الحلال كتحليل الحرام. فمن كان عنده علم يرجع إليه أو يعتمد عليه فليتبع العلم، وإن لم يكن عنده إلا مجرد التقليد فالنزاع فيه مشهور، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [١١٦/١٦] (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا أفسد أحد المتناظرين علة خصمه لم يكن ....]
فأما إذا أفسد أحد المتناظرين علة خصمه لم يكن دليلا على صحة علته إذا كان من الفقهاء من يعلل بغير علتيهما كمسألة الربا؛ إلا أن ذلك يكون طريقا في إبطال مذهب خصمه، وإلزامه تصحيح علته (٢) .
[تخصيص العلة المستنبطة وتخصيص المانع والمنصوصة]
مسألة: لا يجوز تخصيص العلة المستنبطة، وتخصيصها نقض لها، نص عليه. واختلف فيه أصحابنا على وجهين، ذكرهما أبو إسحاق ابن شاقلا في شرح الخرقي، وذكرهما الخرزي وأبو حفص البرمكي، أحدهما: كالمنصوص اختاره القاضي وأبو الحسن بن الخرزي (٣) وبه قال المالكية وأكثر الشافعية وجماعة من المتكلمين وبعض الحنفية وذكر
стр. 424
القاضي كلام أحمد الدال على منع تخصيص العلة من قوله: القياس أن قياس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله - إلى آخره.
قال شيخنا: وفيه نظر، فإنه ذكر هذا أنه إحدى الروايتين في مسألة قيسا الشبه، مع أن التخصيص لا يمنع أن يكون الفرع مثل الأصل في كل أحواله إذا جبر النقص بالفرق.
ثم ذكر أن أبا إسحاق حكى فيها وجهين، قال: وقول أحمد: «القياس يقتضي ألا يجوز شراء أرض السواد لأنه لا يجوز بيعها» ليس بموجب لتخصيص العلة؛ لأن تخصيص العلة لا يمنع جريانها في حكم خاص. وما ذكره أحمد إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول في الحكم العام، وقد يترك قياس الأصول للخبر....
[قال شيخنا] : تلخيص قول أبي الخطاب في تخصيص العلة: أنه لا يجوز تخصيصها إلا بدليل شرعي يدل على موضع التخصيص، وسواء كان المخصص نصا أو غير نص. وهذا يقتضي جواز تخصيصها وإن لم يبن في صورة التخصيص مانع يقتضي استثناء تلك الصورة من مواضع العلة، فهو يخصها بعموم الأدلة لا بخصوص العلل. وقال: إن مدعي العلة يحتاج إلى تبيين ما يدل عليها في الأصل ويبين أن الموضع الذي يخص دلت عليه دلالة صحيحة منعت من تعليقه على العلة. فأما إذا لم يبين ذلك ووجدت علته مع عدم حكمها فهي منتقضة فاسدة. وكلامه في المسألة يقتضي أنها تخص، لا أن العلة مانعة؛ لكن يكفي في صحتها وجود الحكم معها في الأغلب، كما يكفي في صحة الدليل وجود مدلوله في الأغلب وجعل عمدة قوله أن العلة أمارة والأمارة لا يجب وجود حكمها معها على كل حال، وإن كان ترك الدليل والعلة لا يجوز إلا لموجب.
وهذا القول عندي خطأ، وهو قول من أبى تخصيص العلة، فأما
стр. 425
جواز تخصيص المانع فلا ينبغي أن يشك فيه، والخلاف فيه لفظي اصطلاحي، واختار أبو محمد أنه يجوز تخصيص المنصوصة بالدليل مطلقا كاللفظ. وأما المستنبطة فلا يجوز تخصيصها إلا لفوات شرط أو وجود مانع أو ما علم أنه مستثنى تعبدا، وهل على المستدل أن يحترز في الاصطلاح؟ أختار استحسان ذلك في الشرط دون المانع؛ لأن الشرط أمر وجودي. فيصير في هذا ثلاثة أقوال. واختيار أبي محمد البغدادي اشتراط الاطراد إلا في المنصوصة أو فيما استثني عن القواعد كالمصراة والعاقلة.
[قال شيخنا] : الذي يظهر في تخصيص العلة أن تخصيصها يدل على فسادها، إلا أن يكون لعلة مانعة، فإنه إذا كان لعلة مانعة فهذا في الحقيقة ليس تخصيصا وإنما عدم المانع شرط في حكمها، فإن كان التخصيص بدليل ولم يظهر بين صورة التخصيص وبين غيره فرق مؤثر: فإن كانت العلة مستنبطة بطلت وكان قيام الدليل على انتفاء الحكم عنها دليلا على فسادها وإن كانت العلة منصوصة وجب العمل بمقتضى عمومها إلا في كل موضع يعلم أنه مستثنى بمعنى النص الآخر.
وحاصله: أن التخصيص بغير علة مانع مبطل لكونها علة. وإذا تعارض نص الأصل المعلل ونص النقض وهو معلل فلا كلام. وإن لم يكن معللا بقي التردد في الفرع: هل هو في معنى الأصل أو هو في معنى النقض؟ وقد علم تبعه للأصل دون النقض.
وتلخيصه: أن العلة لا تخص إلا لعلة (١) كما أن الدليل لا يخص إلا بدليل، فإن كانت مستنبطة فلابد من بيان العلة المخصصة، وإن كانت العلة منصوصة كفى بيان دليل مخصص، فهذا لمن تأمل حقيقة الأمر.