فإذا عللنا الملك بالبيع أو الإرث أو الاغتنام ونحو ذلك وقلنا في صورة قد عللنا الملك فيها بالبيع: هذا باطل فلا يحصل الملك كان كاملا صحيحا وإن علمنا أن الملك يثبت بإرث وغيره، لكن التقدير أنه لا يثبت له هنا غير البيع. وإذا قلنا: هذا يملك هذه السلعة لأنه اشتراها شراء شرعيا أو لأنه ورثها كان كاملا صحيحا ولا يلزم من ذلك أن يكون الملك منتفيا في كل موضع انتفى فيه البيع أو الإرث؛ لأن الملك له أسباب متعددة. وكذلك الطهارة إذا كان لها سببان فعلل الشارع طهارة بعض الأعيان بسبب كان ذلك كاملا صحيحا، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل موضع انتفى عنه هذا السبب أن يكون الملك منتفيا في كل موضع انتفى فيه البيع، ولا كان منه أن ما انتفى عنه هذا السبب يكون نجسا.
فقوله في الهر: «إنها من الطوافين» دليل على أن الطواف سبب الطهارة فإذا انتفى ما هو سبب فيه زالت طهارته، وقد تثبت الطهارة لغيره وهو الحل كطهارة الصيد والأنعام فإنها طيبة من الطيبات التي أباحها الله تعالى فلا يحتاج إلى تعليل طهارتها بالطواف؛ فإن الطواف يدل على أن ذلك لدفع الحرج في نجاستها.
وقوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء» قد يقال فيه: أولا: قد يكون المقصود وصف الماء بكونه طهورا وبكونه لا ينجسه شيء، فيكون صفة بعد صفة، ليس المقصود جعل إحداهما علة للأخرى ووصفه بهاتين الصفتين يبين مفارقته للبدن والثوب ونحوهما من هذين الوجهين: من جهة أنه طهور، ومن جهة أنه لا ينجسه شيء.
وإذا لم يعلل نفي النجاسة بكونه طهورا لم يوجب ذلك
حصول النجاسة فيما ليس بطهور بمجرد الملاقاة فإذا
أمكن أن تكون هذه علتان لجواز استقائه من البئر لم يجب أن
يقال: إن إحداهما علة للأخرى؛ بل كان قوله: «لا ينجس» كقوله: «الماء لا ينجسه شيء» وهناك لم يعلل انتفاء النجاسة عنه بكونه
стр. 422
طهورا فكذلك هنا لم يعلل انتفاء النجاسة عنه بكونه طهورا؛ بل هناك علل جواز استعمال سؤر عائشة بأن الماء لا يجنب وهنا علل وضوءه من بئر بضاعة بأن الماء لا ينجس، وزاد مع ذلك «أن الماء طهور» وهذا بين لمن تأمله؛ بل هو ظاهر الحديث.
وبيان ذلك: أنه قد سمى التراب طهورا في نجاسة الحدث والخبث، فقال: «جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا» وقال في النعلين: «فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور» ومع هذا فإن التراب وغيره من أجزاء الأرض في النجاسة سواء لا فرق بين التراب وغيره، إذا ظهرت فيه النجاسة كان نجسا، وإذا زالت بالشمس ونحوها؛ فإما أن يقال: تزول مطلقا، أو لا تزول مطلقا، لم يفرق بين التراب والرمل وغيرهما من أجزاء الأرض كما فرق بينهما من فرق في طهارة الحدث؛ احتج من يقول بزوالها بحديث البخاري: «وكانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ ولم يكونوا يرشون من ذلك شيئا» ، والمسجد كان فيه التراب وغيره.
فإذا كان قوله: «فإن التراب لهما طهور» صريحا في التعليل ولم يخص التراب بذلك، فقوله في الماء: «إنه طهور لا ينجسه شيء» أولى أن يخص بذلك.
لكن هل يقال: إن غير الماء يشاركه في وإزالة النجاسة كما يشارك التراب ما ليس بتراب؟ هذا فيه نزاع مشهور.
وللعلماء في إزالة النجاسة بغير الماء ثلاثة أقوال:
قيل: يجوز مطلقا، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد.
وقيل: لا يجوز مطلقا، كقول الشافعي، والظاهر عن أحمد.
وقيل: يجوز عند الحاجة، وهو قول ثالث في مذهب أحمد، كما
стр. 423
قيل ذلك على أحد الوجوه في طهارة فم الهر باللعاب، وكذلك أفواه الصبيان ونحوهم من القيء.
فإن قيل: إن طهارة الماء من النجاسة يشاركه فيها غيره صار كالتراب. وإن قيل: لا يشاركه كان قوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء» تعليلا لاستبقائه كما سبق.
وبالجملة: فلم أعلم إلى ساعتي هذه لمن ينجس المائعات الكثيرة بوقوع النجاسة فيها إذا لم تتغير حجة يعتمد عليها المفتي فيما بينه وبين الله. فتحريم الحلال كتحليل الحرام. فمن كان عنده علم يرجع إليه أو يعتمد عليه فليتبع العلم، وإن لم يكن عنده إلا مجرد التقليد فالنزاع فيه مشهور، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [١١٦/١٦] (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا أفسد أحد المتناظرين علة خصمه لم يكن ....]
فأما إذا أفسد أحد المتناظرين علة خصمه لم يكن دليلا على صحة علته إذا كان من الفقهاء من يعلل بغير علتيهما كمسألة الربا؛ إلا أن ذلك يكون طريقا في إبطال مذهب خصمه، وإلزامه تصحيح علته (٢) .
[تخصيص العلة المستنبطة وتخصيص المانع والمنصوصة]
مسألة: لا يجوز تخصيص العلة المستنبطة، وتخصيصها نقض لها، نص عليه. واختلف فيه أصحابنا على وجهين، ذكرهما أبو إسحاق ابن شاقلا في شرح الخرقي، وذكرهما الخرزي وأبو حفص البرمكي، أحدهما: كالمنصوص اختاره القاضي وأبو الحسن بن الخرزي (٣) وبه قال المالكية وأكثر الشافعية وجماعة من المتكلمين وبعض الحنفية وذكر
стр. 424
القاضي كلام أحمد الدال على منع تخصيص العلة من قوله: القياس أن قياس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله - إلى آخره.
قال شيخنا: وفيه نظر، فإنه ذكر هذا أنه إحدى الروايتين في مسألة قيسا الشبه، مع أن التخصيص لا يمنع أن يكون الفرع مثل الأصل في كل أحواله إذا جبر النقص بالفرق.
ثم ذكر أن أبا إسحاق حكى فيها وجهين، قال: وقول أحمد: «القياس يقتضي ألا يجوز شراء أرض السواد لأنه لا يجوز بيعها» ليس بموجب لتخصيص العلة؛ لأن تخصيص العلة لا يمنع جريانها في حكم خاص. وما ذكره أحمد إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول في الحكم العام، وقد يترك قياس الأصول للخبر....
[قال شيخنا] : تلخيص قول أبي الخطاب في تخصيص العلة: أنه لا يجوز تخصيصها إلا بدليل شرعي يدل على موضع التخصيص، وسواء كان المخصص نصا أو غير نص. وهذا يقتضي جواز تخصيصها وإن لم يبن في صورة التخصيص مانع يقتضي استثناء تلك الصورة من مواضع العلة، فهو يخصها بعموم الأدلة لا بخصوص العلل. وقال: إن مدعي العلة يحتاج إلى تبيين ما يدل عليها في الأصل ويبين أن الموضع الذي يخص دلت عليه دلالة صحيحة منعت من تعليقه على العلة. فأما إذا لم يبين ذلك ووجدت علته مع عدم حكمها فهي منتقضة فاسدة. وكلامه في المسألة يقتضي أنها تخص، لا أن العلة مانعة؛ لكن يكفي في صحتها وجود الحكم معها في الأغلب، كما يكفي في صحة الدليل وجود مدلوله في الأغلب وجعل عمدة قوله أن العلة أمارة والأمارة لا يجب وجود حكمها معها على كل حال، وإن كان ترك الدليل والعلة لا يجوز إلا لموجب.
وهذا القول عندي خطأ، وهو قول من أبى تخصيص العلة، فأما
стр. 425
جواز تخصيص المانع فلا ينبغي أن يشك فيه، والخلاف فيه لفظي اصطلاحي، واختار أبو محمد أنه يجوز تخصيص المنصوصة بالدليل مطلقا كاللفظ. وأما المستنبطة فلا يجوز تخصيصها إلا لفوات شرط أو وجود مانع أو ما علم أنه مستثنى تعبدا، وهل على المستدل أن يحترز في الاصطلاح؟ أختار استحسان ذلك في الشرط دون المانع؛ لأن الشرط أمر وجودي. فيصير في هذا ثلاثة أقوال. واختيار أبي محمد البغدادي اشتراط الاطراد إلا في المنصوصة أو فيما استثني عن القواعد كالمصراة والعاقلة.
[قال شيخنا] : الذي يظهر في تخصيص العلة أن تخصيصها يدل على فسادها، إلا أن يكون لعلة مانعة، فإنه إذا كان لعلة مانعة فهذا في الحقيقة ليس تخصيصا وإنما عدم المانع شرط في حكمها، فإن كان التخصيص بدليل ولم يظهر بين صورة التخصيص وبين غيره فرق مؤثر: فإن كانت العلة مستنبطة بطلت وكان قيام الدليل على انتفاء الحكم عنها دليلا على فسادها وإن كانت العلة منصوصة وجب العمل بمقتضى عمومها إلا في كل موضع يعلم أنه مستثنى بمعنى النص الآخر.
وحاصله: أن التخصيص بغير علة مانع مبطل لكونها علة. وإذا تعارض نص الأصل المعلل ونص النقض وهو معلل فلا كلام. وإن لم يكن معللا بقي التردد في الفرع: هل هو في معنى الأصل أو هو في معنى النقض؟ وقد علم تبعه للأصل دون النقض.
وتلخيصه: أن العلة لا تخص إلا لعلة (١) كما أن الدليل لا يخص إلا بدليل، فإن كانت مستنبطة فلابد من بيان العلة المخصصة، وإن كانت العلة منصوصة كفى بيان دليل مخصص، فهذا لمن تأمل حقيقة الأمر.
стр. 426
وأخصر منه: أن العلة المستنبطة لا يجوز تخصيصها إلا لعلة مانعة، وأما المنصوصة فيجوز تخصيصها لعلة مانعة أو دليل مخصص، وهذا في الحقيقة قول المتقدمين الذي منعوا تخصيص العلة.
وقال القاضي في كتاب القولين: هل يجوز تخصيص العلة الشرعية؟ وهو أن توجد العلة ولا حكم قال شيخنا أبو عبد الله: لا يجوز ومتى دخلها التخصيص لم تكن علة، وقد أومأ إليه أحمد في رواية الحسين بن حسان، فقال: القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فهذا خطأ.
قال: ومن أصحابنا من قال: يجوز تخصيصها فيكون دلالة على الحكم في عين دون عين، قال: وهو المذهب الصحيح (١) ، ومسائل أصحابنا تدل عليه، قال في رواية بكر بن محمد في المذي: يغسل ... ذكره، كما جاء في الأثر، ولو كان القياس لكان يغسل موضع المذي وإنما هو الاتباع. قال: فقد بين أن القياس كان يقتضي غسل نفس الموضع ولكن ترك القياس في ذلك لدليل أولى منه، وهو حديث علي وإذا كان من مذهبه جواز ترك القياس لدليل أقوى منه جاز تخصيصه في موضع لدليل، وذكر نصه في رواية أبي طالب والمروذي: في أموال الكفار، وفي أرض السواد، لثقته في قول الصحابي. قال: ومن أصحابنا من منع تخصيص العلة، فقوله يفضي إلى ترك قول أحمد في المسائل التي ترك القياس فيها (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[متى تنتقض العلة]
القائلون بتخصيص العلة بالنقض عندهم، إذا كان التخصيص
стр. 427
بدليل. فأما المانعون من تخصيصها فالنقض مفسد للعلة عندهم. ثم تارة يكون التعليل لجنس الحكم فيكون كالحد. وتارة لعين الحكم: فإن كانت لإلحاق الحكم انتقضت بأعيان المسائل. وإن كانت التعليل لإثبات حكم مجمل لم ينتقض إلا بالنفي المجمل. وإن كان التعليل لنفي مجمل انتقض بإثبات مجمل، أو مفصل. وإن كان التعليل لإثبات مفصل انتقض بالنفي المجمل. وإن كان لنفي لم ينتقض بنفي مجمل (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا كان التعليل لكل نوع أو لمطلق النوع]
إذا كان التعليل لجواز الحكم لم ينتقض بأعيان المسائل، كقولنا في مال الصبي: حر مسلم فجاز أن تجب الزكاة في ماله كالبالغ، فلا ينتقض بغير الزكوي. وإذا كان التعليل للنوع لم ينتقض بعين مسألة، كقولنا في لحم الإبل: نوع عبادة تفسد بالحدث فتفسد بالأكل كالصلاة، فلا ينتقض بالطواف فإنه يفسد بالحدث ولا يفسد بالأكل؛ لأن الطواف بعض النوع.
وعندي في هذا نظر؛ لأن التعليل إن كان لكل نوع انتقض، وإن كان لمطلق النوع لم يلزم دخول الفرع فيه، بل يكفي الأصل وحده؛ إلا أن يقال: إن مقصوده إثبات الحكم في نوع آخر (٢) .
[جواز تعليل الحكم بعلتين]
[شيخنا] : مسألة في جواز تعليل الحكم بعلل، ذكر ابن عقيل في مسألة تعليل الحكم بعلتين لما أورد عليه أنه لا يجتمع مؤثران على أثر واحد كقادرين وفاعلين فقال: وأما ما ذكرت من استقلالها بالحكم وأن ذلك يحيل مساعدة علة أخرى مستقلة بالحكم كالمقدور بين قادرين فما تنكر أن تكون عند انفرادها تستقل. ثم إذا انضم إليها غيرها صارتا
стр. 428
جميعًا في جلب الحكم كوصفين لعلة واحدة في التساعد، وهذا صحيح، فإنها مجعولة تكون علة في زمان دون زمان، وإذا كانت مجعولة لم يستبعد أن يقول: حرمت الاستمتاع بهذه المرأة الحائض لأجل الحيض والإحرام. والمقدور بين قادرين ليس هو بالجعل والوضع، بل من أحاله جعله ممتنعا لمعنى يعود إلى نفسه وذاته (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تعليل الحكم العدمي أو الثبوتي بالعدم]
أما تعليل الحكم العدمي بالعدم فذكر بعضهم أنه لا خلاف فيه، وكذلك ينبغي أن يكون، فإن الحكم ينتفي لانتفاء مقتضيه أكثر مما ينتفي لوجود منافيه. وأما تعليل الحكم الثبوتي به فالعلل ثلاثة أقسام:
أحدها: المعرف وهو: ما يعتبر فيه أن يكون دليلا على الحكم فقط فهذا لا ريب أنه يكون عدما؛ فإن العدم يدل على الوجود كثيرا وعلى هذا فيجوز في قياس الدلالة والشبه أن يكون العدم علة.
والثاني: الموجد فهذا لا يقول أحد إن العدم يوجد وجودا لكن قد اختلف: هل يكون شرطا للعلة أو جزءا منها؟ وهو مبني على العلة الكاملة والمقتضية.
وحيث أضيف الأثر (٢) إلى عدم أمر فلا يستلزمه وجود شيء؛ فإن الشيء إذا احتاج إلى أمر ولم يحصل فعدم حصول المحتاج إليه سبب لضرر المحتاج فيه.
والثالث: الداعي، فهذا محل الاختلاف، وهي العلل الشرعية ونحوها. والصواب أن العدم المخصوص يجوز أن يكون داعيا إلى أمر وجودي، كما أن عدم فعل الواجبات داع إلى العقوبة؛ فإن عدم الإيمان
стр. 429
سبب لعذاب عظيم. أما العدم المطلق فلا. ولا يقال مثل هذا في الوجود، فإن الوجود المطلق قد يكون داعيا وحينئذ فقد صح قول أصحابنا: إن العلة يصح في الجملة أن تكون وصفا عدميًّا؛ لأن هذا يصح في بعض المواضع. والمخالف إن لم يدع السلب العام فلا نزاع بيننا وإن ادعاه انتقض قوله ولو بصورة والمسألة متعلقة بشعب كثيرة وتحقيقها حسن.
وقال ابن عقيل: وكل علة حادثة فهي تغير المعلول عما كان عليه، ولذلك قيل للدلالة التي في الفقه علة؛ لأنها تغير معنى الحكم عما كان عليه؛ لأنها أظهرته بعد أن لم يكن ظاهرا، ولذلك لم يجز أن يكون المعدوم الذي لم يوجد علة؛ لأنه لم يكن شيئا قبل وجوده فيطلق عليه التغيير بوجوده؛ بل وجوده هو هو على مذهب أهل السنة (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[عدم التأثير في قياس الدلالة]
عدم التأثير في قياس الدلالة يجب أن لا يؤثر؛ لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. ذكره أبو الخطاب في مسألة «عدالة الشهود» من الانتصار و «مسألة النكاح» بلفظ الهبة، وهو معنى قول طائفة من العلماء في الجواب عن عدم التأثير: إن هذا لتقريب الفرع من الأصل وتقوية شبهه به، فإن الوصف تارة يكون لتصحيح العلة. وتارة لتقريب الشبه، إلا أن هذا قد يكون في قياس العلة: بأن يكون للحكم علتان، فهنا مسألتان، والقاضي يعتبره كثيرا في مسائل التعليق: منها
في مسألة إزالة النجاسة، لما قالت الحنفية: مائع طاهر مزيل للعين فجاز إزالة النجاسة به كالماء. فقال: قولكم: «مائع» لا تأثير له؛ لأن المائع والجامد سواء عندكم. وفي هذا أيضا اعتبار عدم التأثير على أصل
стр. 430
المخالف. وقالوا أيضا في «مسألة النية» : طهارة بالماء فلا تفتقر إلى النية كالإزالة. فقال قوله: «بالماء» لا تأثير له في الأصل؛ إذ لا فرق بين أن تكون بالماء أو بالمائع أو الجامد. وقالوا في «مسألة التسمية» : سبب يتوصل به إلى الصلاة فأشبه ستر العورة فقال: لا تأثير لهذا عنده فإنا لا نتوصل إلى الصلاة بما لا ذكر فيه كالصوم والحج والزكاة (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[عدم التأثير في الحكم]
عدم التأثير في الحكم مثل قولنا في مسألة تخليل الخمر: مائع لا يطهر بالكثرة فلا يطهر بالصنعة كالدهن واللبن. فيقول المخالف: قولك: «لا يطهر بالصنعة» لا أثر له في الأصل، فإنه لا يطهر بالصنعة ولا بغيرها.
قال القاضي: التأثير يعتبر في العلة دون الحكم. وقولنا: فلم يطهر بالصنعة حكم العلة (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[سؤال عدم التأثير]
سؤال عدم التأثير إذا كان في قياس العلة فهو مبني على تعليل الحكم بعلتين. فإن بين القائس أنه قد خلف العلة علة أخرى فالقياس صحيح بلا تردد. وإن كان الوصف الثاني عند عدمها موجودا في صورتي وجودها وعدمها أو مفارقا لها. فمن يجوز تعليل الحكم بعلتين مستنبطتين -وقد ذكروا في ذلك خلافا إذا كان للحكم علة عامة- فهل يعلل بعضه بعلة خاصة؟ ينبغي ألا يرى هذا مفسدا للعلة. وأصحابنا يقبلونه ويحوزون هذا وذاك، الله أعلم. لأن غالب الأقيسة المستعملة في خلافهم لا يلتزمون فيها تصحيح العلة، فلذلك يقبل عدم التأثير. ولا
стр. 431
ريب أنه إذا لم يقم دليل على صحة العلة فعدم التأثير دليل على فسادها، بخلاف ما لو انعكست وقد اطردت فإن ذلك دليل صحتها، فيكون هذا السؤال قادحا في علة لم تثبت إلا بالدوران، وأبو محمد البغدادي لا يقبل سؤال عدم التأثير بناء على تعليل الحكم بعلتين (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ينبغي ألا يرد على القياس النافي]
عدم التأثير ينبغي ألا يرد على القياس النافي، لأن انتفاء الحكم قد يكون لانتفاء علته أو جزئها، أو لوجود مانع أو لفوات شرط فأسباب الانتفاء متعددة؛ بخلاف سبب الثبوت.
وفي الحقيقة فأقيسة النفي ترجع إلى قياس الدلالة ولا تأثير له على الصحيح فيه. والقاضي كثيرا ما يفسد الجمع والفرق بعدم التأثير في النفي، وهو ضعيف مثل أن يقال في مسألة لبن الآدميات: الفرق بين الحية والميتة أن لبن الميتة نجس فيقول: لا تأثير لهذا، فإن لبن الرجل والصيد طاهر ولا يجوز بيعه، أو يقال: إنما لم يجز بيع الدمع والعرق لأنه لا منفعة فيه، فيقول: الوقف وأم الولد فيه منفعة ولا يجوز بيعه. فهذا كلام ضعيف فإن عدم الجواز له أسباب، وعدم التأثير إنما يصح إذا لم تخلف العلة علة أخرى (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الأقوال في تأثير العلة]
العلة إذا كانت مؤثرة في محلها ولا تأثير لها في بقية المواضع، فقد قيل: إنها عديمة التأثير، فلا بد أن تكون مؤثرة مطلقا. وقيل -وهو قول عبد الوهاب وغيره- إنه يكفي تأثيرها في محلها كقولهم في الكلب: حيوان فكان طاهرا كالشاة، تأثيره في الحيوان إذا مات ولا تأثير
стр. 432
له في الجماد فإن الحياة تؤثر في محل دون محل. وقد قيل: إنه يكفي أن تؤثر في بعض المواضع فهذه ثلاثة أقوال (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[التأثير من جهة التنبيه]
التأثير من جهة التنبيه معتبر كالتأثير من جهة المخالفة مثل قول بعضهم: شهادة على الولادة فوجب ألا تثبت بشهادة امرأة واحدة كالمطلقة البائن ادعت الولادة، وعند القائس لا فرق بين الولادة وغيرها فيكتفي بإثبات العدد في غير الولادة أوكد منه في الولادة، فإذا ثبت اعتبار العدد في الولادة ففي غيرها أولى، لأن العرب تارة تثبته باللفظ العام، وتارة باللفظ الخاص (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في تعليق الحكم على مظنة الحكمة دون حقيقتها
[تعليق الحكم على مظنة ... أو إقامة السبب مقام العلة وهو أقسام]
ويسميه بعضهم: إقامة السبب مقام العلة، وهذا منتشر في كلام الفقهاء غير منضبط؛ فإنهم يذكرون هذا في مسألة الإيلاج بلا إنزال، ومسألة النوم، ومسألة السفر، ومسِألة البلوغ. ومنهم من يذكره في مسألة مس النساء. وهو أقسام:
الأول: أن تكون الحكمة التي هي العلة خفية. فهنا لا سبيل إلى تعليق الحكم بها، فإنما يعلق بسببها وهو نوعان:
أحدهما: أن يكون دليلا عليها كالعدالة مع الصدق والأبوة في التملك، والولاية، ودرء القود، فهنا يعمل بدليل العلة ما لم يعارضه أقوى منه.
стр. 433
الثاني: أن يكون حصولها معه ممكنا، كالحدث مع النوم والكذب أو الخطأ مع تهمة القرابة أو العداوة أو الصداقة، وإقرار المريض.
القسم الثاني: أن تكون ظاهرة في الجملة لكن الحكم لا يتعلق بنوعها وإنما يتعلق بمقدار مخصوص منه، وهو غير منضبط فقدرها غير ظاهر، ويمثلون في هذا بالمشقة مع السفر، والعقل مع البلوغ فإن العقل الذي يحصل به التكليف غير منضبط لنا، وكذلك المشقة التي يحصل معها الضرر.
القسم الثالث: أن تكون ظاهرة منضبطة لكن قد تخفى مثل الإيلاج مع الإنزال واللمس مع اللذة وهذا فيه نظر وقد اختلف فيه قبولا وردا، ذكره طائفة من أصحابنا وغيرهم ورده أبو زيد واعتبرته المالكية في مس الذكر ومس النساء، ولفظه السبب يقام مقام العلة إذا كان الغالب منه ذلك وكان التعلق بالعلة يؤدي إلى حرج فأما إمساك الخمر إلى ثلاث وتحريم الخليطين والانتباذ في الأوعية فقد يقال: هو من هذا القسم وقد يقال هو من القسم الأول لخفاء مبادئ الإسكار (١) .
[قياس العكس]
مسألة: قال القاضي: الاستدلال من طريق العكس صحيح، كاستدلالنا على طهارة دم السمك بأنه يؤكل بدمه لأنه لو كان نجسا ما أكل بدمه كسائر الحيوانات النجسة دماؤها، وكقولنا في قراء السورة في الأخريين: لو كانت سنة فيهما لسن الجهر بالقراءة فيهما؛ ألا ترى أن الأوليين لما سن ذلك فيهما سن الجهر بقراءتهما ونحو ذلك وحكي عن الشافعية أن ذلك لا يصح، وكذلك ذكر أبو الخطاب في أول كتاب.
стр. 434
القياس أن ذلك لا يسمى قياسا، وقد سماه بعض الحنفية قياسا مجازا، المشهور عنهم وعن الحنفية جوازه ويسمى قياس العكس.
قال شيخنا: والاستدلال به قول المالكية فيما ذكره عبد الوهاب وحكي عن قوم من أهل العلم منعه، ومنعه قول ابن الباقلاني. وكل موضع يقاس فيه قياس العكس فإنه يمكن أن يصاغ القياس صوغ قياس الطرد؛ لكن لا يصرح بالحكم؛ بل يذكر ما يدل عليه، وهو التسوية بين المحلين: محل الحكم المطلوب إثباته، ومحل آخر كسائر الأصول، مثل أن يقال في مسألة النية: طهارة فاستوى جامدها ومائعها في النية كطهارة الخبث (١) ، لكن التسوية في الأصل هي في عدم النية وفي الفرع في ثبوتها وقد ذكر أبو الخطاب هذا وذكر أن بعضهم يقول: هذا قياس فاسد، لأن حكم الأصل ضد حكم الفرع، والمستدل يقول: قصدت التسوية بين الجامد والمائع إلى آخره (٢) .
[شيخنا] ... ... ... فصل
[إذا كان في العلة زيادة وصف لا تنتقض بإسقاطه]
فإن كان في العلة زيادة وصف لا تنتقض العلة بإسقاطه فلا تأثير له مثل أن يقال في الجمعة: صلاة مفروضة فلم تفتقر إلى إذن الإمام كسائر الصلوات؛ فإن كونها مفروضة لا أثر له. فمن الناس من قال: لا يحتاج إلى هذا الوصف، ودخوله يضر، ومن الناس من قال: هذه الزيادة لا تضر؛ فإن فيها تنبيها على أن غير الفرض أولى ألا يحتاج، ولأنه يزيد تقريب الوصف من الأصل، فالأولى ذكره وذكره بعد هذا زيادة وصف للتوكيد، وكلام أبي الخطاب يقتضي منعه (٣) .
стр. 435
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[سؤال الكسر هل هو صحيح]
اختلفوا في الكسر: هل هو سؤال صحيح؟ وهو نقض لمعنى العلة فيه قولان، اختار أبو الخطاب أنه ليس بسؤال صحيح، قال: وقد ذكر شيخنا فساد الكسر، ولم يسمه كسرا فقال: في الأسئلة الفاسدة اعتراض خاص، وهو أن يبدل لفظ العلة بغيره ثم يفسد، نحو قولنا في الصائم إذا أكره على الأكل والشرب: إن ما لا يفسد الصوم بسهوه لا يفسده إذا كان مغلوبا عليه كالقيء فيقول المعترض: ليس في كونه مغلوبا أكثر من كونه معذورا، والمعذور يفطر كالمريض، قال: وهذا فاسد لأن العذر غير الغلبة، لأن العذر بالمرض لا يسلب الاختيار بدليل من استقاء لمرض والغلبة تسلب الاختيار كمن غلبه القيء، ولأنه نقل لفظ العلة إلى لفظ آخر ثم أفسده وهذا ليس بفساد للعلة، قال أبو الخطاب: وهذا هو نفس الكسر. وذكر القاضي في ضمن جواب التسوية أن سؤال الكسر صحيح، وأن جوابه بالتسوية يصح وفاقا (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[من قال إنه صحيح لزمه ... ]
من قال: «الكسر سؤال صحيح» فإنه يلزمه أن يجيب عنه بفرق تضمنته علته نطقا أو معنى، قاله أبو الخطاب وغيره. وقال بعضهم يكفيه الفرق سواء تضمنته علته أو لم تضمنه، وهذا أقوى فيما يظهر لي، وذكر فصولا تشبه الكسر (٢) .
مسألة: قال القاضي وأبو الطيب: لا يجوز لأحد أن يلزم خصمه ما لا يقول به، إلا النقض. فأما غيره كدليل الخطاب أو القياس أو المرسل ونحو ذلك فلا، ولم يذكر خلافا وكذلك قال أبو الخطاب:
ليس للمعترض أن يلزم المعلل ما لا يقول به إلا النقض والكسر على
стр. 436
قوله من التزمهما، فأما بقية الأدلة مثل المرسل ودليل الخطاب [والقياس] وقول الصحابي فلا يجوز أن يلزمه ذلك وهو يعتقد فساده.
[الاستدلال على فساد قول المنازع لا يستلزم صحة قول المستدل]
قال شيخنا: وتحقيق الأمر: إذا نقض المعترض على المستدل بمذهب المستدل وحده فقد اتفقا على انتقاض العلة أو الدليل، هذا ينقضها بمحل النزاع، وهذا بصورة النقض؛ لكن اتفاقهما على انتقاضها اتفاق على فسادها فهو بمنزلة اتفاقهما على حكم الأصل، وهذا دليل جدلي لا علمي؛ لأن موافقة أحدهما للآخر على صحة المقدمة أو فسادها لا يوجب له أن يكون عالما بها، فعلى كل منهما في نفس الأمر أن يكون له مستند في صحة المقدمة أو فسادها وإلا فالعلة إذا قام دليل صحتها من نص أو إجماع أو إيماء أو تأثير ونحو ذلك فهو دليل شرعي يجب على كل منهما طردها فهي حجة على هذا في صورة الاستدلال وعلى هذا في صورة النقض، فترك أحدهما لإثباته ليس مبيحًا للآخر الترك إذا قام موجبه كما أن موافقة أحدهما للآخر على ما لا يعلم صحته ليس مبيحا له العمل إلا إذا موجبه وكذلك أيضا لو نقض العلة بصورة مسلمة منهم، لكن هذا دفع جدلي بمنزلة حجة جدلية يقول له: أنت لا يصلح لك أن تأمرني باستشهاد من نعتقد كذبه أنا وأنت.
وأما أنا فيما بيني وبين الله فذاك شيء آخر حكمي فيه كحكمك نعم لو أمرتني ونفسك باتباع موجب هذا لاستقام كما أن أحد الخصمين لا يصلح له أن يكون حاكمًا ولا شاهدًا على خصمه وإن كان على الخصم في الباطن أن يتبع الحق. فما دام الخصم معتقدا صحة الانتقاض لا يصلح له أن يأمر باتباع قول منتقض فإذا توقف عن هذا الاعتقاد أو قال: «أريد أن نتناظر حتى نعلم صحة الانتقاض أو فساده» توجه منه ذلك، فيقبل منه هذا السؤال في مناظرة المشاورة لا في مناظرة المجادلة سواء كان المقصود المشاورة في صحة الدليل أو في صحة الحكم، وفرق بين المشاورة والمعاونة التي مقصودها استخراج ما
стр. 437
لم يعلم وبين المجادلة التي مقصودها الدعاء إلى ما قد علم. والأول يدعو إلى حق مطلق، والثاني يدعو إلى حق معين.
وعلى هذا فإذا عارضه المعترض بما هو دليل عند المستدل وحده فهو في المعنى مثل النقض بمذهب المستدل، فإن النقض معارضة في الدليل، كما أن المعارضة المطلقة معارضة في الحكم، وكأنه يقول: هذا الدليل الذي ذكرته موقوف باتفاق مني ومنك. أما عندك فلأنه معارض بهذا الدليل، وأما عندي فلتخلف مدلوله في صورة النزاع، ويقول له: هذا ليس بدليل سالم عندك، فأنت لا تعتقد صحته، فكيف تلزمني بمدلوله؟ والذي يقوله المستدل في دفع هذه المعارضة يقوله المعترض في دفع الاستدلال، ألا ترى أن المعترض لو عارض بدليل عنده أو نقض بصورة يعقدها فهما سواء؟ وفي ذلك قولان يختار أصحابنا منعه. وأما المستدل إذا استدل بما هو دليل عند مناظره فقط فهو في الحقيقة سائل معارض لمناظره بمذهبه، وهو سؤال وارد على مذهبه وهو استدلال على فساد أحد الأمرين إما دليله أو مذهبه، فينبغي أن يعرف وجوه الأدلة والأسئلة، وهذا في الحقيقة استدلال على فساد قول المنازع بما لا يستلزم صحة قول المستدل، بمنزلة إظهار تناقضه، وهو أحد مقاصد الجدل.
قال -يعني القاضي-: لأن إلزامه يكون محتجا بما لا يقول به. ومن وجه آخر حررته أن بهذا النقض يتحقق اتفاقهما على العلة، أما على أصل المعلل فبصورة الإلزام أما على أصل خصمه فبمحل النزاع، وأما في غير ذلك فقد اتفقا على اطراح الأصل الملزم، أما أحدهما فلا يراه دليلا بحال، وأما الآخر فلأنه لما خالفه دل على أنه قد ترك لدليل عنده أقوى منه، وإذا حصل الاتفاق على تركه ههنا بطل إلزامه وكذلك ذكر القاضي وأبو الخطاب أن للمستدل أن ينقض علة السائل لأنه تبين له أنها فاسدة عنده، فلا يجوز أن يحتج بما هو فاسد عنده.
стр. 438
قال شيخنا: قلت: وهذا التعليل يدخل فيه عدم التأثير على أصل المعلل أيضا.
ولفظ القاضي وأبي الخطاب: إن استدل بعلة فعارضه السائل بعلة فنقضها المستدل بأصل نفسه لم يجز ذلك خلافا للجرجاني وبعض الشافعية وكذلك بحث المسألة على أن السائل عارض المستدل بعلة منتقضة على أصل المستدل، وكذلك كانت في خط الجد، وهذا قريب كذلك قال إلكيا الهراسي: لو نقض كلام السائل في معارضته بمسألة فمنعها السائل، وأراد المسئول أن يدل على النقض، أجمع الجمهور أنه لا يجوز من حيث أنه منتقل بخلاف ما إذا منع حكم الأصل الذي قاس عليه فإنه يقبل منه الدلالة عليه. وحاصله: الفرق بين الأصل الممنوع والنقض الممنوع، فأما أنا لسائل ينقض علة المستدل بأصل نفسه فهذا لا يقوله محصل، فإن هذا يمنع الاستدلال، ألا ترى أنهم جوزوا للمستدل أن يستدل بما هو دليل عنده إذا تبين صحته وأن السائل ليس له أن يعارضه بما هو دليل عنده لا عند المستدل؟
وقد ذكر الجد هذه المسِألة، فإن النقض من المعترض بأصل نفسه بمنزلة القياس على أصل نفسه. وحاصله: أن مقدمة الدليل المعارض ممنوعة وهذا ليس ببعيد، كما يجوز ذلك للمستدل؛ فإنه بتقدير صحة مذهب المعترض لا يكون دليل المستدل سالما عن المعارضة، وهو يشبه أن يستدل المستدل بقياس أو مرسل من غير أن يدل عليه، وذلك يفيد إظهار المدارك لا تقرير المسائل، وذلك يفيد جودة بيانه وسلامة أصوله، لا انقطاع خصمه، وذلك يفيد أن ليس واحد منهما مغلوبا وليس هذا مثل وقف المعترض دليل المستدل (١) .
стр. 439
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[لابد أن يتم دليل المستدل أولا]
لا يجوز للسائل أن يعارض المستدل بما ليس دليلا عند السائل، مثل علة منتقضة على أصل السائل؛ بخلاف نقض علة المعلل بما لا يراه المعترض فإنه يجوز. وقال بعض الشافعية: تجوز معارضته بما لا يعتقده السائل، كما تجوز مناقضته بما لا يعتقده. وفرض أبو الخطاب الكلام في معارضة السائل للمستدل بعلة منتقضة على أصل السائل وقياس على معارضته لسائر الأدلة التي لا يقول بها كدليل الخطاب والقياس.
قال شيخنا: قلت: إن كان المعارض قصده إثبات مذهبه لم يجز ذلك وإن كان قصده إبطال دليل المستدل جاز ذلك؛ لأن المستدل إنما يتم دليله إذا سلم عن المعارضة كما لا يتم حتى يسلم من المناقضة فإذا كان المستدل لم يتم الدليل له كيف يلزم به غيره (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا قال: لا أعرف الرواية فيها كفى]
إذا نقض على المستدل بمسألة فقال: لا أعرف الرواية فيها كفى ذلك في دفع النقض، ذكره أبو الخطاب وغيره، قال أبو الخطاب: فإن قال المستدل: أنا أحمل هذه المسألة على مقتضى القياس، وأقول فها كالقول في مسألة الخلاف، فإن كان صاحب المذهب يرى تخصيص العلة لم يجز ذلك لأنه لا يجب الطرد عنده، وإن كان ممن لا يرى التخصيص احتمل أن يجوز ذلك لأنه طرد علته، واحتمل ألا يجوز؛ لأنه يجوز أن يكون صاحب الفرد يعتبر علته فلا يثبت له مذهب بالشك قال: وهذا هو الأظهر عندي (٢) .
стр. 440
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا لم يسلم النقض]
إذا لم يسلم النقض فقال الناقض إنما أدل على صحته لم يجز ذلك إلا أن يبين مذهب المانع، ذكره القاضيان (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[القلب]
القلب نوع من المعارضة، قاله أبو الخطاب وغيره. وقال بعض الشافعية: هو إفساد وليس بمعارضة، فيفيد ذلك أنه لا يتكلم عليه بما يتكلم على العلة المبتدأة (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا كانت علة المعترض داخلة في علة المعلل]
وإن عارضه بعلة معلولها داخل في معلول علته لم يصح؛ مثل أن يعارض علة الطعم بعلة القوت، أو يعارض من علل بعموم القتل في منع الإرث بالتهمة في القتل ونحو ذلك، هذا قول طائفة من أصحابنا وأصحاب الشافعي منهم: أبو الخطاب وأبو الطيب، لأن علة المعترض داخلة في علة المعلل (٣) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا لم يمكنه الطعن فيها فعليه أن يبين أن علته متضمنة لها]
وإن كانت العلة المعارض بها متعدية وهي صحيحة عند المستدل أيضا لم يمكنه الطعن فيها، لكن عليه أن يبين أن علته مضمنة لها إن أمكن: بأن يكون جنسهما واحد، أو إحداهما مستلزمة للأخرى، كما إذا قال في الطلاق قبل النكاح: من لا يملك الطلاق المباشر لا ينعقد له صفة الطلاق كالمجنون. فإذا عورض بأنه غير مكلف قال: وهذا غير مالك وهما في الشرع سواء وإن لم تكن صحيحة عنده فلا بد من
стр. 441
إفسادها أو ترجيح علته عليها (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ما ليس من شرط المعارضة]
قال أبو الخطاب: ليس من شرط صحة المعارضة أن يعكسها في الفرع ويجوز أن يذكر في الأصل علة وفي الفرع علة أخرى؛ لأن العلة قد تكون شرعية أو حكما هو معكوس على أصله لا على أصل المستدل. والوصف في الفرع قد يكون ثابتا في الأصل على أصله. وقال بعضهم: إن لم يعكسها في الفرع لم يحصل.
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الانتقال من السائل هل هو انقطاع ؟]
الانتقال من السائل انقطاع عند الجمهور. وكلام القاضي في العدة يقتضي أنه ليس له أن ينتقل عن السؤال قبل تمامه، فإن فعل انقطع وهذا بعيد. وقال الباجي: ليس بانقطاع، بل هو سائغ له قصة إبراهيم. وللأولين عنها جوابان، فإن قال السائل: ظننت أنه لازم فبان خلافه فمكنوني من سؤال آخر، ففيه خلاف قال: والأصح أنه يمكن منه إذا كان انحدارا من الأعلى إلى الأدنى فإن كان ترقيا من الأدنى إلى الأعلى- كما لو أراد الترقي من المعارضة إلى المنع- فقيل: لا يمكن منه؛ لأنه مكذب لنفسه. وقيل: يمكن لأن مقصوده الاسترشاد قال: والمسئول يمكن من الفرض، ولو أراد العدول عن دليل لا يؤيد الأول كان منقطعا وترك الدليل الأول لعجز السائل عن فهمه لا يعد انقطاعا، وعلى ذلك حملت قصة إبراهيم وقيل: يكون انقطاعًا، لأنه التزم نقيضه. وقال ابن عقيل: إذا دخل السائل دخولا يلتزم بعد تحقق الخلاف بينه وبين المسئول فلا يجوز له أن يخرج عن سنن الإلزام إلى أن ينتهي إلى تحقيق أنه لازم فكلما حاول الخصم أن يهرب منه رده إليه.
стр. 442
قال: والانتقال عن السؤال هو الخروج عما يوجبه أوله من ملازمة السنن فيه، مثل أن يقول: ما دليل حدوث الأجسام؟ فيقول المجيب: الأعراض فيقول وما حد الأعراض؟ أو يقول: ما مذهبك في الخمر هل هو مال لأهل الذمة؟ فيقول: هو مال لهم، فيقول السائل: وما حد المال؟ فهذا انتقال. قال: فإن أجابه عن ذلك فقد خرج معه أيضا، وهذا كثير ما يتم بين المخلين بآداب الجدل.
قال: وإذا خرج المسئول من دليل إلى دليل آخر قبل إتمام الأول كان انتقالا منه. وإن خرج بعد التمام فليس بانتقال في حكم الجدل. وهذا القول أقرب؛ فإن السائل نوعان: مبطل ومستعلم، فالمبطل هو مقرر للفساد كما أن المستدل مقرر للصحة، وتعديده للأسئلة كتعديد المستدل للأدلة؛ لكن الممانعة المحضة ليس فيها إبطال وإنما الإبطال في المعارضة والمناقضة.
قال: والانتقالات التي ينقطع بها أربعة أقسام: انتقال من مذهب إلى مذهب ومن علة إلى علة ومن إلزام إلى إلزام، ومن تسليم إلى ممانعة.
وذكر ابن عقيل: أن بعضهم رأى أن الانتقال من دليل إلى غيره ليس بانقطاع ولا خروج عن مقتضى الجدال والحجاج، احتجاجا بقصة إبراهيم وأجاب عنه: بأن الخليل لم يكن انتقاله للعجز، لأنه كان قادرا أن يحقق مع نمرود حقيقة الإحياء والإماتة وهو المستدل بالنجوم وغيرها، لكن لما رآه غبيا أو متغابيا انتقل إلى الدليل الأوضح في باب يعجزه عن دعواه المشاركة لباريه فلم يوجد في حقه العجز (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[لا تتكافأ الأدلة القطعية وفي الظنية خلاف]
اتفقوا على أنه لا يجوز تعادل الأدلة القطعية لوجوب وجود
стр. 443
مدلولاتها وهو محال، وكذلك الأدلة الظنية عندنا، ذكره القاضي وأبو الخطاب، وبه قال الكرخي وأبو سفيان السرخسي وأكثر الشافعية. وقال الرازي والجرجاني والجبائي وابنه: يجوز ذلك وذهب قوم إلى جوازه في القطعيات، ذكره يوسف بن الجوزي. وقد ذكر القاضي فيما اختصره من أصول الدين والفقه رأيته بخطه: لا يجوز تكافؤ الأدلة في أدلة التوحيد وصفات الله وأسمائه والقضاء والقدر. وأما دلائل الفروع مثل الصلاة والصيام والحج الزكاة وغير ذلك فيجوز أن تتكافأ وقال بعد هذا: والمجتهد إذا أداه اجتهاده إلى أمرين متناقضين فحكمه حكم العامي يجب عليه أن يقلد غيره ولا يجوز القول بالتخيير (١) ، (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[انقسام المسائل إلى قطعية واجتهادية، وإلى عقلية وشرعية]
ذكر أبو المعالي أن «المسائل» قسمان: قطعية، ومجتهد فيها. والقطعية عقلية وسمعية.
فالعقلي: ما أدرك بالعقل، سواء كان لا يدرك إلا به كوجود الصانع وتوحيده وكونه متكلما (٣) .
قال: أو ما يدرك بالعقل والسمع جميعا: كمسألة الرؤية وخلف الأفعال.
وأما الشرعية: فما عرف من أحكام التكليف ينص كتاب أو سنة متواترة أو بإجماع كوجوب الصلوات وكتقديم خبر الواحد على القياس إذا كان نصًّا.
стр. 444
والمجتهدات ما ليس فيه دليل مقطوع به.
قال: وقد تكلموا في الفرق بين الأصول والفروع، فقيل: الأصل ما فيه دليل قطعي، والفرع بخلافه. فعند هؤلاء الأصل ما عددناه قطعيا، وعبر عنه القاضي بأن كل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار الشرع ويكون معتقد خلافها جاهلا فهي من الأصول عقلية كانت أو شرعية.
والفرع: ما لا يحرم الخلاف فيه، أو ما لا يأثم المخطئ فيه.
قال: وقيل الأصل ما لا يجوز التعبد به إلا بأمر واحد، أو ما يعلم من غير تقديم ورود (١) .
[الاجتهاد والتقليد وهل المصيب واحد]
قال القاضي في كتاب الروايتين: الحق عند الله واحد وقد نصب عليه دليلا، وكلف المجتهد طلبه، فإن أصابه فقد أصاب الحق عند الله وفي الحكم وإن أخطأه فقد أخطأ عند الله. وهل أخطأ في الحكم أيضا؟ على روايتين إحداهما: أنه مخطئ في الحكم إلا أن الخطأ موضوع عنه. والثانية: هو مصيب في الحكم.
قال القاضي: وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية بكر بن محمد، عن أبيه عنه، فقال: الحق عند الله في واحد، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه: إنه مخطئ، وقال بعده كلاما: وإذا اختلف أصحاب محمد ﷺ في شيء، فأخذ رجل بقول بعضهم وأخذ رجل آخر عن رجل آخر منهم فالحق واحد، وعلى الرجل أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم أخطأ.
قال: فظاهر كلامه في أول المسألة أنه مصيب في الحكم؛ لأنه منع من إطلاق الخطأ عليه في الحكم وآخر كلامه يقتضي إطلاق ذلك
стр. 445
عليه؛ لأنه قال: عليه أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم لا، فأطلق الخطأ عليه.
ووجه قول من قال: «كل واحد منهما مصيب في الحكم» إقرار الصحابة بعضهم بعضا، وتسويغ استفتاء كل واحد للعامي، ولأنه لو كان الحق في واحد من القولين لنصب عليه دليلا يوجب العلم كما قلنا في مسائل الأصول، فلما لم ينصب ليلا يوجب العلم ثبت أن الحق فيما يعتقده في حقه دون غيره.
[تفريق أحمد]
قال شيخنا: قلت: أحمد فرق لأن الأولين كل منهما استدل بنص والآخرين لا نص مع واحد منهما فعلى هذا من استمسك بنص لا يطلق عليه الخطأ في الحكم كالمصلي إلى القبلة المنسوخة قبل عمله بالناسخ. ومن لا نص معه يقال: هو مخطئ في الحكم بمنزلة الذي ليس هو على شريعة [ولم تبلغه شريعة] فصارت الأقوال ثلاثة، والفرق هو المنصوص.
قال: وقد اختلف أصحابنا فيما جرى بين علي ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة: هل كل واحد منهم مصيب في ذلك، أن أحدهم مصيب؟ فحكى شيخنا أبو عبد الله عن أصحابنا في ذلك وجهين؛ أحدهما: أن كلا منهما مصيب في الحكم. والثاني: أن أحدهما مصيب والآخر مخطئ لا بعينه. والثالث: أن أحدهما مصيب وهو علي، والآخر مخطئ وهو من قاتله.
قال القاضي: ويجب أن يكون القول في ذلك مبنيا على الأصل الذي تقدم، وأن الحق عند الله في ذلك في واحد مهما فإن أصابه فقد أصاب عند الله وفي الحكم، وإن أخطأ عند الله فهل هو مخطئ في الحكم؟ على روايتين؛ إحداهما: أنه مصيب. والثانية: أنه مخطئ.
وقد نص أحمد على الإمساك فيما شجر بينهم، وترك القول فيه
стр. 446
[الإمساك عما شجر بين الصحابة والحكمة فيه، وعدم تعيين المصيب إلا ....]
بخطأ أو إصابة. فقال المروذي: جاء يعقوب رسول الخليفة يسأله فيما كان بين علي ومعاوية، فقال: ما أقول فيهم إلا بالحسنى.
وكذلك نقل أحمد بن الحسن الترمذي (١) -وقد سأله: ما يقول فيما كان من أمر طلحة والزبير وعلي وعائشة- فقال: من أنا حتى أقول في أصحاب رسول الله ﷺ ؟ كان بينهم شيء، الله أعلم به. وكذلك قال في رواية حنبل قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فقد صرح بالوقف.
واستدل القاضي على الوقف ومقتضاه إما تصويبهما أو عدم تعيين المصيب.
قال شيخنا: قلت: أحمد لم يرد الوقف الحكمي، وإنما أراد الإمساك عن النظر في هذا والكلام فيه، كما نهى النبي ﷺ عن التفضيل بين الأنبياء؛ وعن تفضيله على يونس، ونحو ذلك من الكلام الذي وإن كان حقا في نفس الأمر فقد يفضي إلى فتنة في القلب. وإذا كان الأموات على الإطلاق لا ينبغي لنا ألا نخير بينهم إلا لحاجة فالصحابة الذين أمرنا بالاستغفار لهم وبمسألة ألا تجعل في قلوبنا غلا لهم أولى. والكلام فيما شجر بينهم يفضي إلى الغل المذموم، ولهذا علل بأنها: ﴿أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [١٣٤/٢] .
ونحن وإن علمنا بالنوع أن أحد المختلفين مخطئ فليس علينا أن نعلمه بالشخص، إلا في مسألة تتعلق بنا. فأما اثنان اختلفا في مسألة تختص بأعيانهما فلا حاجة بنا إلى الكلام في عين المخطئ، وهذا
أصل مستمر، ويدل على هذا أن أحمد بنى مسائله في قتال أهل البغي على سيرة علي، ولما أنكر ابن معين على الشافعي ذلك قال له أحمد: ويحك! فماذا عسى أن يقول في هذا المقام إلا هذا؟ يريد أنا لما أردنا
стр. 447
أن نتكلم في نوع ذلك العمل لأجلنا عينا المصيب والمخطئ. وأما الكلام في عين عملهما لا لأجل عملنا فلا حاجة لنا فيه، فإن أكثر ما فيه نوع علم يقترن به غالبا من غل القلب ما يضر فيكون إثمه أكبر من نفعه كالغيبة مثلا (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المسائل تنقسم إلى ما يقطع فيه بالإصابة وإلى ما لا ندري]
إذا ثبت أن المصيب من المختلفين واحد، فهل نقطع بصحة قولنا وخطأ المخالف أم يجوز أن يكون الحق في غير ما قلنا؟ قد نقل عن أبي الطيب الطبري أنه يقطع بخطأ مخالفه، وينقض حكمه، قال أبو الخطاب في التمهيد: وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن الحكم وذكر نصه على نقض حكم من حكم بأن المشتري أسوة الغرماء، والصحيح أن المسائل تنقسم إلى قسمين: إلى ما يقطع فيه بالإصابة، وإلى ما لا ندري أصاب الحق أم أخطأ، بحسب الأدلة وظهور الحكم للناظر.
ولا أظن يخالف في هذا من فهمه وعلى هذا ينبني حكم الحاكم وغيره.
ومن ذلك قول أبي بكر في الكلالة، وقول عمر وغيره، وعليه ينبني حلف الإمام أحمد في مسائل منها العينة، وجبنه عن الحلف في آخر كالشفعة للجار وغير ذلك، وهكذا قال ابن حامد في أصول الفقه في باب كتابة العلم وجمعه وتصنيفه، قال: قال الخلال على المذهب: إنه لا يرى الرد على أهل المدينة، قال ابن حامد: وإنما ذلك على أصل إمامنا في تخطئة أهل الاجتهاد، وهل يسوغ لنا القطع بالخطأ أم لا؟ فأهل المدينة قد قال أحمد: إنهم للآثار يتبعون وأن من اجتهد بالأثر فالحق واحد، والآخذ بالخبر الآخر معذور، فأما أهل الرأي فلا خلاف
стр. 448
عن أبي عبد الله أن أخذهم بالرأي مع الخبر مقطوع على خطئه، فهو الذي يرد عليه ويبين عن خطئه (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
لما تأول المخالف أن قوله: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ليس عائدا إلى الخطأ في الاجتهاد وإصابة الحكم بدليله، لكن إلى كون المحكوم له يقتطع مال خصمه أو حقه بذلك الحكم لكذب الشهود أو مغالطة الخصم بكونه أخصم وألحن كما جاء في الحديث، وهذا النوع من الخطأ هو الذي يستحق الحاكم فيه أجر اجتهاده وإصابة حكم الشرع حيث قضى بالبينة بظاهر العدالة، وحرم أجر تحصيل الحق لمستحقيه بحكمه، كمن يسقي المضطر ماء لا يعلم أنه مسموم فله أجر قصده لريه واستنقاذه من تلف العطش، ولكن حرم ثواب إحياء نفسه بإسقائه حيث لم يحصل له ذلك بإسقائه» .
[الحكم نوعان: أحدهما مثل الفتيا والثاني الإبداء]
قال ابن عقيل: الجهالة بكذب الشهود وما شاكل ذلك من إقرار الخصم على سبيل التهزي، ونحو ذلك مما لا يضاف إلى الحاكم به الخطأ؛ ولهذا من جهل نجاسة ماء فتوضأ به بناء على حكم الأصل أو أخطأ جهة القبلة مع اجتهاده ولم يعلم لا ينقض ثوابه ولا أجر علمه، لحديث عمر في الميراث (٢) .
قال شيخنا: قلت: الحكم نوعان: إنشاء، وإبداء فالإنشاء: كالحكم فيمن نزلوا على حكمه، وكالحكم في الفرائض، وفي لفظ الحرام، وفي موجبات العقود، ونحو ذلك، فهذا مثل الفتيا سواء. الثاني: الإبداء: وهو الحكم بموجب البينة والإقرار والدعوى مع كذبهما
стр. 449
في الباطن، وهذا الذي دل عليه حديث أم سلمة، وهو نوعان؛ أحدهما: أن يعتقد البينة عدولا ولا تكون عدولا، أو يعقد اللفظ إقرارا ولا يكون كذلك فهذا كاعتقاده فيما ليس بدليل على الحكم أنه دليل. الثاني: أن تكون البينة عدلا لكن أخطأت، واللفظ إقرارا لكن أخطأ المقر، وأحدهما أظهر حجته والآخر سكت عنها، كما دل عليه حديث أم سلمة، فهذا كما لو حكم بدليل وكانت دلالته مختلفة فحديث أم سلمة يدل على هذا (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[اعتقاد الرجحان ورجحان الاعتقاد]
قال ابن عقيل: الأمور المنظور فيها والمستدل بها على الأحكام على ضربين: منظور فيها يوصل النظر الصحيح فيها إلى العلم بحقيقة المنظور فيه، فهذا دليل على قول الجماعة. والضرب الآخر أمر يوصل النظر فيه إلى الظن وغالب الظن فيوصف بأنه أمارة من جهة الإصلاح، وقد ذكر في الجزء الأول فيه اصطلاحين، قال: ومرادنا بقولنا في هذا الضرب الذي يقع عند النظر فيه غالبا الظن أنه طريق للظن أو موصل أو مؤد إليه أنه مما يقع الظن عنده مبتدأ لا أنه طريق كالنظر في الدليل القاطع الذي هو طريق للعلم بمدلوله، وإنما يتجوز بقولنا يوصل ويؤدي وأنه طريق للظن.
قال شيخنا: قلت: هذا موافق لقول من قال من المعتزلة والأشعرية كابن الباقلاني: «إن كل مجتهد مصيب» وإن الظنيات ليست في نفسها على صفات توجب الظن كالعمليات. والصواب عند الجمهور خلافه وهي مسألة: اعتقاد الرجحان، ورجحان الاعتقاد (٢) .
стр. 450
[الاجتهاد بحضرة النبي ﷺ وفي غيبته]
مسألة: يجوز لمن كان في زمن النبي ﷺ أن يجتهد سواء كان غائبا عنه أو حاضرا معه، وبه قال أكثر الشافعية، ومنع قوم منه لمن بحضرته أو قريبا منه. وحكى الجرجاني عن أصحابه: إن كان بإذنه جاز وإلا فلا هذا قول القاضي وابن عقيل، وهو قول أبي الخطاب، وهو مقتضى قول أحمد؛ لأنه جعل القياس إنما يجوز عند الضرورة كما تقدم في مسألة القياس.
وقال قوم من المتكلمين: لا يجوز ذلك لمن في حضرته حاضرا كان أو غائبا عنه، حكاه ابن عقيل، وهذا هو الذي في مقدمة المجرد، إلا أن يكون غلطا أنه لا يجوز لمن حضر أو غاب. والأول اختيار أبي الطيب. وقال بعض أصحابنا وقوم من المتكلمين: لا يجوز الاجتهاد بحضرته لأنه حكم بغالب الظن مع إمكان العلم، وهذا هو الذي حكاه القاضي في كتاب الروايتين عن ابن حامد، فقال: هل يجوز الاجتهاد بحضرة النبي ﷺ أو في مجلسه؟ قال شيخنا أبو عبد الله: لا يجوز وعندي أنه يجوز، وعلل قوم شيخه بأنه رجوع إلى غالب الظن مع قدرته على اليقين، وجعلهما أبو الخطاب مسألتين، فقال: مسألة: يجوز لمن غاب عن النبي ﷺ الاجتهاد في الحوادث. وقال بعضهم: لا يجوز ثم ذكر في المسألة الثانية أنه في الغيبة به حاجة لأنه لا يمكنه سؤال الرسول وإن أخر الحادثة إلى وقت لقائه بطل الحكم وضاع الناس.
[وإذا ضاق الوقت عن سؤاله في الحادثة]
قال شيخنا: قلت: وبهذا يظهر ما جاء في حديث معاذ من توقفه عن الزكاة، ومن حكمه بالاجتهاد فيفرق بين ما يقرب وما لا يقرب (١) .
مسألة: فإن كان بحضرته أو بموضع يمكنه سؤاله في الحادثة قبل ضيق وقتها جاز له الاجتهاد بشرط أن يأذن له أو يسمع حكمه فيقره
стр. 451
عليه، وهو قول الحنفية. وقال الجبائي وابنه وغيرهما: لا يجوز وقال شيخنا (١) وأكثر الشافعية: يجوز بدون الشرط المذكور، ونقل المقدسي كتفصيل أبي الخطاب في مسألة واحدة (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ما يعتبر مذهبا للإمام أحمد]
قال ابن حمدان: إذا نقل عن الإمام أحمد في مسألة قولان صريحان مختلفان في وقتين وتعذر الجمع بينهما، فإن علم التأريخ فالثاني مذهبه, وقيل: والأول إن جهل رجوعه عنه. وقيل: أو علم، وقلنا مذهبه ما قاله تارة بدليل، وقال من عنده فيهما لا على التخيير ولا التعاقب ولا معا في حق شخص واحد في واقعة واحدة في وقت واحد من مفت واحد، ولا على البدل، ولا مطلقا، بل إذا قلنا: «لا يلزم المجتهد تجديد الاجتهاد بتجدد الحادثة ثانيا، ولا إعلامه المقلد له بتغير اجتهاده قبل عمل المقلد به ليرجع عما أفتاه به، وأنه لا يلزم المقلد تجديد السؤال بتجدد الحادثة ثانيًا، ولا رجوعه إلى اجتهاده الثاني فيها قبل عمله بالأول» فلا ينقض الأول بالثاني وإن كان أرجح منه، ولا يترك الثاني بالأول وإن كان أرجح منه ظنا كمن صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين مختلفين في وقتين ولم يتبين له الخطأ جزما، ولقول عمر في المشركة في جوابه ثانيا: ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي، فالمفتي بأحدهما مع دليله لم يخرج عن مذهب الإمام حيث قاله بدليل
لم يقطع بخلافه. ولمن قلده أن يستمر على القول الأول الذي عمل به ولا يتغير عنه بتغير اجتهاد من قلده في الأقيس. ويجوز التخريج منه والتفريع والقياس عليه، ويكون مذهبه إن قلنا: «ما قيس على كلامه مذهب له» وإلا فلا. وإن قلنا: «يلزم المجتهد تجديد اجتهاده فيما أفتى
стр. 452
به لتجدد الحادثة له ثانيا وإعلامه المقلد له بتغير اجتهاده فيما أفتاه به ليرجع عنه، وبعدما عمل به حيث يجب نقضه، وإن المقلد له يلزمه السؤال بتجدد الحادثة له ثانيا ورجوعه إلى قوله الثاني قبل عمله بالأول أو بعده إن وجب نقضه» لم يكن الأول مذهبا له فلا يعمل به المقلد، وإن كان عمل به فلا يستمر عليه إذا لتغير اجتهاد من قلده فيه، ولا يخرج منه حكم إلى غيره، ولا يقاس عليه إذا، وإن بان للمفتي أنه خالف ما يجب العمل به من إجماع أو كتاب أو سنة نقض فتياه، وأعلم المستفتي بذلك ليرجع (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وإن جهل التأريخ فمذهبه أقربهما من كتاب أو سنة أو إجماع أو أثر أو قواعد الإمام أو عوائده أو مقاصده أو أدلته، وقال من عنده: إن لم يجعل أول قوليه في مسألة واحدة مذهبا له مع معرفة التاريخ فكون هذا هو الراجح كالمتأخر فيما ذكرنا إذا جهل رجوعه عنه، قال من عنده.. ويحتمل الوقف لاحتمال تقدم الراجح، فإن جعلنا أولهما مذهبا له فهنا أولى لجواز كون الراجح متأخرا، وإن تساويا نقلا ودليلا فالوقف أولى، قال من عنده: ويحتمل التخيير إذا والتساقط. فإذا اتحد حكم القولين دون الفعل كإخراج الحقاق أو بنات اللبون عن مائتي بعير وكل واجب موسع أو مخير خير المجتهد بينهما [وله أن يخير المقلد بينهما] إن لم يكن المجتهد حاكما، وإن منعنا تعادل الأمارات -وهو الظاهر عنده- فلا وقف ولا تخيير ولا تساقط أيضا، وعمل بالراجح رواة
بكثرة أو شهرة أو علم أو ورع أو دليل أو معنى، ويقدم الأعلم. وقيل: الأورع، فإن وافق أحد القولين مذهب غيره فهل هو أولى أم لا؟ قال من عنده: يحتمل وجهين؛ وإن علم تأريخ أحدهما فهو كما لو جهل
стр. 453
تأريخهما، ويحتمل الوقف، وقيل: إن أفتى في واقعة بمذهب إمامه ثم وقعت له مرة أخرى وذكر حكمها ودليله أفتى به، إن لم يظهر له خلافه، وإن نسي أو جهل حكمها ودليله وقف حتى يعرفهما أو ضدهما. وقيل: إن أفتى بقول ميت لم يجب تجديد نظره (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وما انفرد به بعض الرواة عن الإمام وقوي دليله فهو مذهبه. وقيل: لا، بل ما رواه جماعة أنه بخلافه أولى (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ويخص كلامه بخاصة في مسألة واحدة. وقيل: لا. وما دل كلامه عليه، فهو مذهبه إن لم يعارضه أقوى منه (٣) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
فإن أجاب في شيء ثم قال في نحوه: «هذا أهون» أو «أشد» أو «أشنع» فقيل: هما عنده سواء، وقيل: لا، قال من عنده: إن اتحد المعنى أو كثر التشابه فالتسوية أولى، وإلا فلا، وقيل: قوله: «هذا أشنع عند الناس» يقتضي المنع، وقيل: لا، وإن قال: «أخير منه» فهو للجواز، وقيل: للكراهة، قال من عنده: والنظر إلى القرائن أولى في الكل (٤) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وما أجاب عنه (٥) بكتاب أو سنة أو إجماع أو قول بعض الصحابة
стр. 454
فهو مذهبه، لأن قول أحدهم عنده حجة على الأصح، وما رواه من سنة أو أثر وصححه أو حسنه أو رضي بسنده أو دونه في كتبه ولم يرده ولم يفت بخلافه فهو مذهبه، وقيل: لا كما لو أفتى بخلافه قبل أو بعد، فإن أفتى بحكم فاعترض عليه فسكت فليس رجوعا، وقيل: بلى (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وإن ذكر عن الصحابة في مسألة قولين فمذهبه أقربهما من كتاب أو سنة أو إجماع، سواء عللهما أو لا، إذا لم يرجح أحدهما ولم يختره أو يحسنه، وقيل: لا مذهبا له منهما عينا، كما لو حكاهما عن التابعين فمن بعدهم، ولا مزية لأحدهما بما ذكر لجواز إحداث قول ثالث، بخلاف الصحابة، وقيل بالوقف، وإن علل أحدهما واستحسن الآخر أو فعلهما في أقوال التابعين أو من بعدهم فأيهما مذهبه؟ فيه وجهان، وإن أعاد ذكر أحدهما أو فرع عليه فهو مذهبه، وقيل: لا، إلا أن يرجحه أو يفتي به. وإن نص في مسألة على حكم وعلله بعلة فوجدت في مسائل أخر فمذهبه في تلك المسائل كالمسألة المعللة، سواء قلنا بتخصيص العلة أو لا كما سبق، وإن نقل عنه في مسألة قولان دليل أحدهما قول النبي ﷺ ودليل الآخر قول صحابي وهو أخص منه، وقلنا: إنه يخص به العموم فأيهما مذهبه؟ فيه وجهان، وإن كان قول النبي ﷺ أخصهما أو أحوطهما تعين، وإن وافق أحدهما قول صحابي آخر، والآخر قول تابعي واعتد به إذا، وقيل: وعضده عموم كتاب أو سنة أو أثر فوجهان، وإن ذكر اختلاف الناس وحسن بعضه فهو مذهبه إن سكت عن غيره، وإن سئل مرة فذكر الاختلاف ثم سئل مرة ثانية فتوقف ثم ثالثة فأفتى
فيها فالذي أفتى به مذهبه، وإن أجاب بقوله: «قال فلان كذا» يعني بعض العلماء فوجهان، وإن قال: «يفعل السائل كذا احتياطا» فهو
стр. 455
واجب وقيل: بل مندوب، وإن نص على حكم مسألة ثم قال: «ولو قال قائل أو ذهب ذاهب إلى كذا -يعني حكما بخلاف ما نص عليه- كان مذهبا» لم يكن مذهبا للإمام أيضا كما لو قال: وقد ذهب قوم إلى كذا، قال من عنده: ويحتمل بلى، كما لو قال: تحتمل المسألة قولين (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وهل يجعل فعله أو مفهوم كلامه مذهبا له؟ على وجهين، فإن جعلنا المفهوم مذهبا له فنص في مسألة على خلافه بطل المفهوم، وقيل: لا، فتصير المسألة على قولين إن جعلنا أول قوليه في مسألة واحدة مذهبا له (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
الروايات المطلقة نصوص للإمام أحمد، وكذا قولنا: «وعنه»
وأما التنبيهات بلفظه فقولنا: «أومأ إليه أحمد» أو أشار إليه أو دل كلامه عليه أو توقف فيه» .
وأما الأوجه: فأقوال الأصحاب وتخريجهم إن كانت مأخوذة من قواعد الإمام أحمد أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه وقوته.
وإن كانت مأخوذة من نصوص الإمام أو مخرجة
منها فهي روايات مخرجة له أو منقولة من نصوصه إلى ما
يشبهها من المسائل إن قلنا: «ما قيس على كلامه مذهبا له»
وإن قلنا لا فهي أوجه لمن خرجها وقاسها، فإن خرج
من نص ونقل إلى مسألة فيها نص يخالف ما خرج فيها صار
فيها رواية منصوصة ورواية مخرجة منقولة من نصه، إذا قلنا المخرج من
стр. 456
نصه مذهبه، وإن قلنا لا ففيها رواية لأحمد ووجه لمن خرجه، وإن لم يكن فيها نص يخالف القول المخرج فيها من نصه في غيرها فهو وجه لمن خرجه، فإن خالفه غيره من الأصحاب في الحكم دون طريق التخريج ففيها لهم وجهان، ويمكن جعلهما مذهبا لأحمد بالتخريج دون النقل، لعدم أخذهما من نصه، وإن جهلنا مستندهما فليس أحدهما قولا مخرجا للإمام ولا مذهبا له بحال. فمن قال من الأصحاب هنا: «هذه المسألة رواية واحدة» أراد نصه. ومن قال: «فيها روايتان» فإحداهما بنص والأخرى بإيماء أو تخريج من نص آخر له أو بنص جهله منكره. ومن قال: «فيها وجهان» أراد عدم نصه عليهما، سواء جهل مستنده أم لا ولم يجعله مذهبا لأحمد (١) ، فلا يعمل إلا بأصح الوجهين وأرجحهما، سواء وقعا معا أو لا، من شخص واحد أو أكثر، وسواء علم التأريخ أو جهل.
وأما «القولان هنا» فقد يكون الإمام نص عليهما كما ذكره أبو بكر عبد العزيز في زاد المسافر أو نص على أحدهما وأومأ إلى الآخر، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه.
وأما «الاحتمال» فقد يكون لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو لدليل مساو له.
وأما «التخريج» فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه.
وأما «الوقف» فهو ترك الأخذ بالأول والثاني والنفي والإثبات إن لم يكن فيها قول لتعارض الأدلة وتعادلها عنده، فله حكم ما قبل الشرع من حظر أو إباحة أو وقف.
стр. 457
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ومذهبه: ما قاله بدليل ومات قائلا به. وفيما قاله قبله بدليل يخالفه ثلاثة أوجه: النفي، والإثبات، والثالث: إن رجع عنه وإلا فهو مذهبه كما يأتي. وقيل: مذهب كل واحد عرفا وعادة: ما اعتقده جزما أو ظنا. وقوله وخطه وتأليفه إما نص أو ما يجري مجراه مما خرج على نصه العام ولا يرى تخصيصه أو المطلق ولا يرى تقييده أو يذكر علة الحكم ولا يرى تخصيصها، أو يعلقها بشرط يزول بزواله، أو يذكر حكم حادثة وغيرها مثلها شرعا كسراية عتق الموسر بعض عبد نفسه له أو لغيره والأمة مثله وما ثبت بالقياس والاجتهاد فمن دين الله وشرعه لا من نصه ولا من نص رسوله (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قوله: «لا يصلح» أو «لا ينبغي» للتحريم، و «لا بأس» و «أرجو أن لا بأس» للإباحة، و «أخشى» أو «أخاف أن يكون» أو «لا يكون» ظاهر في المنع. وقيل: بالوقف، وقوله: «أحب كذا» أو «استحبه» أو «استحسنه» أو «هو أحسن» أو «حسن» أو «يعجبني» أو «هو أعجب إلي» للندب، وقيل: للوجوب، وقوله: «أكره كذا» أو «لا يعجبني» أو «لا أحبه» أو «لا أستحسنه» للتنزيه والكراهة، وقيل: للتحريم، وإن قال: «أستقبحه» أو «هو قبيح» أو قال: «لا أراه» فهو حرام، وإن قال: «هذا حرام» ثم قال: «أكرهه» أو «لا يعجبني» فحرام، وقيل: بل مكروه (٢) .
[شيخنا] : فصل
فإن أجاب في شيء ثم قال في نحوه: «هذا أهون» أو «أشد» أو
стр. 458
«أشنع» فقيل: هما عنده سواء؛ وقيل: لا، قال من عنده: إن اتحد المعنى أو كثر التشابه فالتسوية أولى، وإلا فلا، وقيل قوله: «هذا أشنع عند الناس» يقتضي المنع، وقيل: لا، وإن قال: «أخير منه» فهو للجواز وقيل: للكراهة، قال من عنده: والنظر إلى القرائن أولى في الكل (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ما يعتبر مذهبا للشافعي]
في قول الشافعي ﵁: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلته.
قال أبو عمرو بن الصلاح: عمل بذلك كثير من أئمة أصحابنا، فكان من ظفر منهم بمسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عمل بالحديث، وأفتى به قائلا: مذهب الشافعي ما وافق الحديث، ولم يتفق ذلك إلا نادرا، ومنه ما نقل عنه قول موافق. وممن حكي أنه أفتى بالحديث في مثل ذلك أبو يعقوب البويطي، وأبو القاسم الداركي، وهذا الذي قطع به أبو الحسن إلكيا في أصوله، قال أبو عمرو: وليس هذا إلهين، فليس كل فقيه يسوغ أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من المذهب، وفيمن سلك هذا من عمل بحديث تركه الشافعي عمدا على علم منه بصحته لمانع، كأبي الوليد بن الجارود [ممن صحبه] في حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» وعن ابن خزيمة أنه قيل له: هل تعرف سنة لرسول الله ﷺ في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه؟ قال: لا، قال أبو عمرو: وعند هذا أقول: من وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه فإن كملت فيه آلات الاجتهاد مطلقا أو في ذلك الباب أو في تلك المسألة كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث، وإن لم
تكمل آلته وجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد
стр. 459
لمخالفته عنه جوابا شافيا، فإن كان قد عمل بذلك الحديث إمام مستقل فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذرا له في ترك مذهب إمامه في ذلك والله أعلم.
قال: والمفتي المنتسب إلى إمام: هل له أن يفتي بمذهب آخر؟ إن كان ذا اجتهاد فأداه اجتهاده إلى مذهب إمام آخر اتبع اجتهاده، وإن كان اجتهاده مشوبا بشيء من التقليد نقل ذلك الشوب [من التقليد] إلى ذلك الإمام الذي أداه اجتهاده إليه، ثم إذا أفتى بين ذلك في فتواه، وذكر العمل بمثل ذلك عن القفال والمروذي والحلواني أنه أنكر مثل ذلك على الغزالي.
قال: وإن لم يكن بنى على اجتهاده فإن ترك مذهبه إلى مذهب هو أسهل عليه وأوسع فالصحيح امتناعه، وإن تركه لكون الآخر أحوط المذهبين فالظاهر جوازه، ثم عليه بيان ذلك في فتواه.
قال: وليس له أن يتخير من القولين (١) أو الوجهين، بل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر منهما كالجديد مع القديم، وإن لم يتقدم أحدهما عمل بما رجحه الشافعي، فإن لم يرجح شيئا منهما فعليه البحث على الأصح منهما متعرفا ذلك من أصول مذهبه غير متجاوز في الترجيح قواعد مذهبه إلى غيرها إن كان ذا اجتهاد في مذهبه أهلا للتخريج عليه، فإن لم يكن أهلا لذلك فلينقله عن بعض أهل التخريج من أهل المذهب وإن لم يجد شيئا من ذلك فليتوقف كما فعل الماوردي وشيخه الصيمري وشيخه ابن القاص وشيخه أبو حامد المروذي في مسألة الناسي في اليمين. والوجهان فلا بد من ترجيح أحدهما بمثل الطريق المذكورة دون التقدم والتأخر، سواء وقعا معا في حالة واحدة من إمام من أئمة المذهب أو من إمامين واحد بعد واحد، والمنصوص من
стр. 460
القولين راجح إلى المخرج إلا أن يكون المخرج مخرجا من آخر لتعذر الفارق قال: ومن اكتفى بأن يكون في فتواه أو عمله موافقا لقول أو وجه في المسألة من غير نظر في الترجيح ولا تقيد به فقد جهل وخرق الإجماع.
وذكر عن أبي الوليد الباجي أنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول: إن الذي لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه وذكر أن بعضهم سئلوا عن مسألة فأفتوا فيها بما يضر صاحبها، وكان غائبا، فلما عاد سألهم فقالوا: ما علمنا أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه. قال أبو الوليد: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز (١) .
[التمذهب والتقليد]
وأما قول القائل: لا أتقيد بأحد هؤلاء الأئمة الأربعة. إن أراد أنه لا يتقيد بواحد بعينه دون الباقين فقد أحسن؛ بل هو الصواب من القولين. وإن أراد: أني لا أتقيد بها كلها بل أخالفها فهو مخطئ في الغالب قطعا؛ إذ الحق لا يخرج عن هذه الأربعة في عامة الشريعة؛ ولكن تنازع الناس: هل يخرج عنها في بعض المسائل؟ على قولين. وقد بسطنا ذلك في موضع آخر. وكثيرا ما يترجح قول من الأقوال يظن الظان أنه خارج عنها ويكون داخلا فيها. لكن لا ريب أن الله لم يأمر الأمة باتباع أربعة أشخاص دون غيرهم. هذا لا يقوله عالم؛ وإنما هذا كما يقال: أحاديث البخاري ومسلم؛ فإن الأحاديث التي رواها الشيخان فصححاها قد صححها من الأئمة ما شاء الله؛ فالأخذ بها لأنها قد صحت؛ لا لأنها قول شخص بعينه.
وأما من عرض عليه حديث فقال: لو كان صحيحا لما أهمله أهل