نصه مذهبه، وإن قلنا لا ففيها رواية لأحمد ووجه لمن خرجه، وإن لم يكن فيها نص يخالف القول المخرج فيها من نصه في غيرها فهو وجه لمن خرجه، فإن خالفه غيره من الأصحاب في الحكم دون طريق التخريج ففيها لهم وجهان، ويمكن جعلهما مذهبا لأحمد بالتخريج دون النقل، لعدم أخذهما من نصه، وإن جهلنا مستندهما فليس أحدهما قولا مخرجا للإمام ولا مذهبا له بحال. فمن قال من الأصحاب هنا: «هذه المسألة رواية واحدة» أراد نصه. ومن قال: «فيها روايتان» فإحداهما بنص والأخرى بإيماء أو تخريج من نص آخر له أو بنص جهله منكره. ومن قال: «فيها وجهان» أراد عدم نصه عليهما، سواء جهل مستنده أم لا ولم يجعله مذهبا لأحمد (١) ، فلا يعمل إلا بأصح الوجهين وأرجحهما، سواء وقعا معا أو لا، من شخص واحد أو أكثر، وسواء علم التأريخ أو جهل.
وأما «القولان هنا» فقد يكون الإمام نص عليهما كما ذكره أبو بكر عبد العزيز في زاد المسافر أو نص على أحدهما وأومأ إلى الآخر، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه.
وأما «الاحتمال» فقد يكون لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو لدليل مساو له.
وأما «التخريج» فهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه.
وأما «الوقف» فهو ترك الأخذ بالأول والثاني والنفي والإثبات إن لم يكن فيها قول لتعارض الأدلة وتعادلها عنده، فله حكم ما قبل الشرع من حظر أو إباحة أو وقف.
стр. 457
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ومذهبه: ما قاله بدليل ومات قائلا به. وفيما قاله قبله بدليل يخالفه ثلاثة أوجه: النفي، والإثبات، والثالث: إن رجع عنه وإلا فهو مذهبه كما يأتي. وقيل: مذهب كل واحد عرفا وعادة: ما اعتقده جزما أو ظنا. وقوله وخطه وتأليفه إما نص أو ما يجري مجراه مما خرج على نصه العام ولا يرى تخصيصه أو المطلق ولا يرى تقييده أو يذكر علة الحكم ولا يرى تخصيصها، أو يعلقها بشرط يزول بزواله، أو يذكر حكم حادثة وغيرها مثلها شرعا كسراية عتق الموسر بعض عبد نفسه له أو لغيره والأمة مثله وما ثبت بالقياس والاجتهاد فمن دين الله وشرعه لا من نصه ولا من نص رسوله (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قوله: «لا يصلح» أو «لا ينبغي» للتحريم، و «لا بأس» و «أرجو أن لا بأس» للإباحة، و «أخشى» أو «أخاف أن يكون» أو «لا يكون» ظاهر في المنع. وقيل: بالوقف، وقوله: «أحب كذا» أو «استحبه» أو «استحسنه» أو «هو أحسن» أو «حسن» أو «يعجبني» أو «هو أعجب إلي» للندب، وقيل: للوجوب، وقوله: «أكره كذا» أو «لا يعجبني» أو «لا أحبه» أو «لا أستحسنه» للتنزيه والكراهة، وقيل: للتحريم، وإن قال: «أستقبحه» أو «هو قبيح» أو قال: «لا أراه» فهو حرام، وإن قال: «هذا حرام» ثم قال: «أكرهه» أو «لا يعجبني» فحرام، وقيل: بل مكروه (٢) .
[شيخنا] : فصل
فإن أجاب في شيء ثم قال في نحوه: «هذا أهون» أو «أشد» أو
стр. 458
«أشنع» فقيل: هما عنده سواء؛ وقيل: لا، قال من عنده: إن اتحد المعنى أو كثر التشابه فالتسوية أولى، وإلا فلا، وقيل قوله: «هذا أشنع عند الناس» يقتضي المنع، وقيل: لا، وإن قال: «أخير منه» فهو للجواز وقيل: للكراهة، قال من عنده: والنظر إلى القرائن أولى في الكل (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ما يعتبر مذهبا للشافعي]
في قول الشافعي ﵁: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلته.
قال أبو عمرو بن الصلاح: عمل بذلك كثير من أئمة أصحابنا، فكان من ظفر منهم بمسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عمل بالحديث، وأفتى به قائلا: مذهب الشافعي ما وافق الحديث، ولم يتفق ذلك إلا نادرا، ومنه ما نقل عنه قول موافق. وممن حكي أنه أفتى بالحديث في مثل ذلك أبو يعقوب البويطي، وأبو القاسم الداركي، وهذا الذي قطع به أبو الحسن إلكيا في أصوله، قال أبو عمرو: وليس هذا إلهين، فليس كل فقيه يسوغ أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من المذهب، وفيمن سلك هذا من عمل بحديث تركه الشافعي عمدا على علم منه بصحته لمانع، كأبي الوليد بن الجارود [ممن صحبه] في حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» وعن ابن خزيمة أنه قيل له: هل تعرف سنة لرسول الله ﷺ في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه؟ قال: لا، قال أبو عمرو: وعند هذا أقول: من وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه فإن كملت فيه آلات الاجتهاد مطلقا أو في ذلك الباب أو في تلك المسألة كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث، وإن لم
تكمل آلته وجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد
стр. 459
لمخالفته عنه جوابا شافيا، فإن كان قد عمل بذلك الحديث إمام مستقل فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذرا له في ترك مذهب إمامه في ذلك والله أعلم.
قال: والمفتي المنتسب إلى إمام: هل له أن يفتي بمذهب آخر؟ إن كان ذا اجتهاد فأداه اجتهاده إلى مذهب إمام آخر اتبع اجتهاده، وإن كان اجتهاده مشوبا بشيء من التقليد نقل ذلك الشوب [من التقليد] إلى ذلك الإمام الذي أداه اجتهاده إليه، ثم إذا أفتى بين ذلك في فتواه، وذكر العمل بمثل ذلك عن القفال والمروذي والحلواني أنه أنكر مثل ذلك على الغزالي.
قال: وإن لم يكن بنى على اجتهاده فإن ترك مذهبه إلى مذهب هو أسهل عليه وأوسع فالصحيح امتناعه، وإن تركه لكون الآخر أحوط المذهبين فالظاهر جوازه، ثم عليه بيان ذلك في فتواه.
قال: وليس له أن يتخير من القولين (١) أو الوجهين، بل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر منهما كالجديد مع القديم، وإن لم يتقدم أحدهما عمل بما رجحه الشافعي، فإن لم يرجح شيئا منهما فعليه البحث على الأصح منهما متعرفا ذلك من أصول مذهبه غير متجاوز في الترجيح قواعد مذهبه إلى غيرها إن كان ذا اجتهاد في مذهبه أهلا للتخريج عليه، فإن لم يكن أهلا لذلك فلينقله عن بعض أهل التخريج من أهل المذهب وإن لم يجد شيئا من ذلك فليتوقف كما فعل الماوردي وشيخه الصيمري وشيخه ابن القاص وشيخه أبو حامد المروذي في مسألة الناسي في اليمين. والوجهان فلا بد من ترجيح أحدهما بمثل الطريق المذكورة دون التقدم والتأخر، سواء وقعا معا في حالة واحدة من إمام من أئمة المذهب أو من إمامين واحد بعد واحد، والمنصوص من
стр. 460
القولين راجح إلى المخرج إلا أن يكون المخرج مخرجا من آخر لتعذر الفارق قال: ومن اكتفى بأن يكون في فتواه أو عمله موافقا لقول أو وجه في المسألة من غير نظر في الترجيح ولا تقيد به فقد جهل وخرق الإجماع.
وذكر عن أبي الوليد الباجي أنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول: إن الذي لصديقي عليَّ إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه وذكر أن بعضهم سئلوا عن مسألة فأفتوا فيها بما يضر صاحبها، وكان غائبا، فلما عاد سألهم فقالوا: ما علمنا أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه. قال أبو الوليد: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز (١) .
[التمذهب والتقليد]
وأما قول القائل: لا أتقيد بأحد هؤلاء الأئمة الأربعة. إن أراد أنه لا يتقيد بواحد بعينه دون الباقين فقد أحسن؛ بل هو الصواب من القولين. وإن أراد: أني لا أتقيد بها كلها بل أخالفها فهو مخطئ في الغالب قطعا؛ إذ الحق لا يخرج عن هذه الأربعة في عامة الشريعة؛ ولكن تنازع الناس: هل يخرج عنها في بعض المسائل؟ على قولين. وقد بسطنا ذلك في موضع آخر. وكثيرا ما يترجح قول من الأقوال يظن الظان أنه خارج عنها ويكون داخلا فيها. لكن لا ريب أن الله لم يأمر الأمة باتباع أربعة أشخاص دون غيرهم. هذا لا يقوله عالم؛ وإنما هذا كما يقال: أحاديث البخاري ومسلم؛ فإن الأحاديث التي رواها الشيخان فصححاها قد صححها من الأئمة ما شاء الله؛ فالأخذ بها لأنها قد صحت؛ لا لأنها قول شخص بعينه.
وأما من عرض عليه حديث فقال: لو كان صحيحا لما أهمله أهل
стр. 461
مذهبنا. فينبغي أن يعزر هذا على فرط جهله وكلامه في الدين بلا علم. والكذب في حديث رسول الله ﷺ من أعظم الذنوب، وقد اختلف: هل هو فسق أو كفر؟ على قولين (١) .
ولا يجب تقليد واحد بعينه غير النبي ﷺ لكن إن كان معتقدا في مسألة باجتهاد أو تقليد فانفصاله عنه لابد له من سبب شرعي يرجح عنده قول غير إمامه؛ فإذا ترجح عند الشافعي مثلا قول مالك قلده، وكذلك غيره. وأما انتقال الإنسان من قول إلى قول بلا سبب شرعي يأمر الشرع به ففي تسويغه نزاع (٢) .
لا يجب على المالكي ولا غيره تقليد أحد من الأئمة بعينه في جميع الدين باتفاق الأئمة الكبار (٣) .
وأما لزوم «التمذهب بمذهب» والامتناع عن الانتقال منه إلى غيره في مسألة: ففيه وجهان، وفاقا لمالك والشافعي، وعدمه أشهر وفي اللزوم طاعة غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه، وهذا خلاف الإجماع. قاله شيخنا. وقال: جوازه فيه ما فيه. قال: ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. وإن قال: ينبغي كان جاهلا ضالا. قال: ومن كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته بلا نزاع. وقال أيضا: في هذه الحال يجوز عند أئمة الإسلام. وقال أيضا: بل يجب وأن أحمد نص عليه (٤) .
стр. 462
ومن ادعى العصمة لأحد في كل ما يقوله بعد الرسول ﷺ فهو ضال، وفي تكفيره نزاع وتفصيل (١) .
ومن قلد من يسوغ له تقليده فليس له أن يجعل قول متبوعه أصح من غيره بالهوى بغير هدى من الله، ولا يجعل متبوعه محنة للناس فمن وافقه والاه ومن خالفه عاداه؛ فإن هذا حرمه الله ورسوله باتفاق المؤمنين؛ بل يجب على المؤمنين أن يكونوا كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [١٠٢-١٠٦/٣] قال ابن عباس ﵄: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.
وفي جواز تقليد الميت قولان في مذهب أحمد وغيره.
[شيخنا] : ... ... ... فصل
«التقليد» : قبول القول بغير دليل، فليس المصير إلى الإجماع تقليد؛ لأن الإجماع دليل، وكذلك يقبل قول الرسول ﷺ ولا يقال
له: تقليد؛ بخلاف فتوى الفقيه. وذكر في ضمن مسألة التقليد أن الرجوع إلى قول الصحابي ليس بتقليد؛ لأنه حجة، قال فيها: لما جاز له تقليد الصحابة لزمه ذلك ولم يجز له أن يخالفه، بخلاف الأعلم، وقد
قال أحمد في رواية أبي الحارث: من قلد الخبر رجوت له أن يسلم إن
стр. 463
شاء الله. فقد أطلق اسم التقليد على من صار إلى الخبر، وإن كان حجة في نفسه (١) .
[شيخنا] : ... ... ... ... فصل
في التقليد:
وهو قبول قول المقلد بغير حجة، فيلزم المقلد ما كان في ذلك القول من خير وشر. وعلى هذا لا يسمى متبع الرسول ولا الإجماع مقلدا، لقيام الدليل على أنه حجة.
وقال أبو الخطاب أيضا: ما سمعه من الرسول لا يسمى تقليدا، بل هو الحجة الواضحة في الشرع؛ لأنه إن كان بوحي فهو مقطوع بصحته وإن كان عن رأي فهو مقطوع بصحته أيضا، لأنه لا يخطئ فيما شرعه، ومن يجوز الخطأ عليه يقول: لا يقر عليه، فإذا أقره على ما كان أفتاه فهو مقطوع عليه.
قال: وأما الصحابي فلا يجوز للعالم تقليده في إحدى الروايتين، وهو الأقوى عندي. ومن سلم قال: إن قول الصحابي حجة في الشرع، بخلاف المفتي من غير الصحابة بدليل أنه يجب على العالم ترك اجتهاده والأخذ بقول الرسول أو بقول الصحابي عند من جعله حجة، ولا يجب عليه تقليد غيره (٢) .
فصل
قال شيخنا: أول أركان الإسلام ومبانيه الخمسة قولا وفعلا وعملا في حق كل مكلف الشهادتين نطقا إن أمكن واعتقادا جاز ما بموجبهما ومقتضاهما وقيل: والتزام أحكام الملة وإشارة مفهومة من الأخرس
стр. 464
ونحوه، وهما معلومتان عرفا. ومن جهلهما تشريعا، ثم الصلاة، ولا تصح بدون طهارة شرعية مع القدرة عليها، ولا يجب تحصيل شرط الوجوب والإيجاب؛ بل يجب تحصيل شرط أداء ما وجب كالوضوء الغسل وإزالة النجاسة، والتيمم ونحو ذلك، للصلاة الواجبة عليه قبل ذلك.
[ما لا يجوز فيه التقليد]
قال والد شيخنا: الذي ذكره القاضي أنه لا يجوز التقليد في معرفة الله ووحدانيته والرسالة ولا في السمعيات المتواترة الظاهرة كالصلوات ووجوب الزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت لاستواء الناس في طرق علم ذلك. وهذا مطابق لما ذكره ابن عقيل. فأما الفروع التي ليست متواترة ظاهرة فيسوغ التقليد فيها، وإن كان فيها ما لا يسوغ فيه الاجتهاد لإجماع غير مشهور أو نص يعرفه الخاصة -مثل وجوب الشفعة، وحمل العاقلة دية الخطأ وكون الطواف والوقوف ركنين في الحج وتفاصيل نصب الزكاة وفرائضها، وقطع اليمنى من يد السارق، وتنجس الدهن بموت الفأرة، إلى غير ذلك من أحكام مجمع عليها لا تعد ولا تحصى مجمع عليها لا يسوغ فيها الاجتهاد والاختلاف ومع هذا فهي غير ظاهرة ظهور أصول الشرائع- فيسوغ فيها التقليد؛ لأن تكليف العامي معرفة الفرق بين مسائل الإجماع والاختلاف يضاهي تكليفه درك حكم حوادثه بالدليل، ولهذا يكفر جاحد الأحكام الظاهرة المجمع عليها وإن كان عاميا، دون الخفية؛ فما فرق بينهما في التكفير فرق في التقليد، وكذلك أيضا منع التقليد في جميع مسائل الأصول فيه نظر؛ بل الحق ما ذكره القاضي وابن عقيل أن المنع في التوحيد والرسالة فإنهما ركنا الإسلام، وفاتحة الدعوة وعاصمة الدم، ومناط النجاة والفوز. فأما تكليف عموم الناس درك دقائق المسائل الأصولية بالدليل فهو قريب من تكليفهم ذلك في الفروع فالمميز الفرق؛ فإن تراجم هذه المسألة مختلفة في كلام أصحابنا وغيرهم.
стр. 465
قال شيخنا: وكذلك قال أبو الخطاب: الذي لا يسوغ التقليد فيها هو معرفة الله ووحدانيته، ومعرفة صحة الرسالة، وذكر أن الأدلة على هذه الأصول الثلاثة يعرفه كل أحد بعقله وعلمه، وإن لم يقدر العامي على أن يعبر عنه. قال: وبه قال عامة العلماء. وقال بعض الشافعية: يجوز للعامي التقليد في ذلك. قال: ولا يختلف الشافعية أنه ليس للمكلف المسلم أن يقلد في وجوب الصلاة والصوم عليه ونحو ذلك فأولى أن لا يجوز التقليد في الوحدانية والنبوة. ثم قال: وكذلك أصول العبادات كالصلوات الخمس وصيام رمضان وحج البيت والزكاة؛ فإن الناس أجمعوا على أنه لا يسوغ فيها التقليد لأنه ثبت بالتواتر ونقلته الأمة كلها خلفها عن سلفها. ثم أطلق أبو الخطاب أن العامي لا يجوز له التقليد في مسائل الأصول وقال في البحث مع ابن سريج: لو خشي المكلف أن يموت لم يجز له التقليد في معرفة الله والوحدانية (١) .
[هل يخير المقلد في المجتهدين ؟]
مسألة: للعامي أن يقلد في الفروع أي المجتهدين شاء، ولا يلزمه أن يجتهد في أعيان المجتهدين في قول القاضي وأبي الخطاب وجماعة من الفقهاء وذكر القاضي وأبو الخطاب أنه ظاهر كلام أحمد كما ذكر القاضي أن العامي يتخير بين المفتين ولا يلزمه الاجتهاد. قال: فإن قيل: فهلا قلتم: يلزمه الأخذ بقول من غلظ كما قلتم: إذا تقابل في الحادثة دليلان أحدهما حاظر والآخر مبيح؟ قيل له: فرق بينهما وقال ابن عقيل: لا يتخير؛ بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين الأدين والأورع ومن يشار إليه أنه أعلم، وقال: ذكره أحمد، ولم يحك في المذهب فيه خلافا وذكره القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى بن الفراء في العامي: هل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين؛ أم له الأخذ بقول أيهم شاء؟ على روايتين؛ إحداهما مثل قول القاضي والجمهور منا. والثانية
стр. 466
مثل قول ابن عقيل، ذكر ذلك في الإتمام لكتاب الروايتين والوجهين، وبهذا قال ابن سريج القفال، وكذلك ذكر ابن برهان لهم الوجهين، وذكره الخرقي فقال: يقلد الأعمى أوثقهما في نفسه. وذكر أبو الخطاب في ضمن مسألة تعادل الأمارات فيها وجهين، أحدهما: يجتهد في أعيان المفتين، ويقلد أعلمهما وأدينهما عنده، وأخذ أصحابنا أن له أن يقلد من شاء من أهل الاجتهاد من قوله في رواية الحسن بن زياد (١) ، وقد سأله عن مسألة في الطلاق فقال: إن فعل حنث. فقال له: يا أبا عبد الله! إن أفتاني إنسان -يعني أنه لا يحنث- فقال: تعرف حلقة المدنيين- حلقة بالرصافة- فقال: له: إن أفتوني به حل؟ قال: نعم. قال: وهذا يدل على أن العامي يخير في المجتهدين. وذكر أبو الخطاب قول من قال: يلزمه أن يجتهد في أعيانهم أيهم أعلم وقد أومأ الخرقي إلى نحو هذا في مسألة القبلة، ووجه أبو الخطاب الأول بالإجماع وبأن معرفة الأعلم تتعذر على العامي، وقال أبو الخطاب: فإن اجتهد في العلماء فاستوى عنده علمهم، فإن كان أدين وجب عليه تقديم الأدين على أحد الوجهين وعلى الوجه الآخر هما سواء، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أدين، فقال بعضهم: هما سواء, وقال آخرون: يعتمد الأعلم، فإن استووا عنده في العلم والدين كان مخيرا في الأخذ بأي أقاويلهم شاء؛ لأنه ليس بعضهم بقبول قوله أولى من بعض.
قال: وإن أفتاه اثنان واختلفا فهل يخير بينهما، وقيل مع التساوي عنده، أو يأخذ بأغلظهما، أو أشدهما، أو بأخفهما، أو بأرجحهما دليلا، أو بقول أعلمهما وأورعهما، أو الأعلم، أو الأورع، أو يسأل مفتيا آخر فيعمل بقول من وافقه منهما، وقيل: أو من خالفه؟ فيه أوجه ذكرت.
قال شيخنا: قلت: بعض هذه الوجوه إنما هي فيما ينسب إلى
стр. 467
الإمام من أقواله، لا فيما يقلده العامي من أقوال العلماء المختلفين، وأين اختلاف الواحد إلى اختلاف القائلين (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المجتهد هل يقلد مجتهدًا] ؟
ومن جوز للعامي تقليد الأعلم فإنه يجوز له أن يترك تقليده ويعمل على اجتهاد نفسه، ذكره القاضي بما يقتضي أنه محل وفاق، قال: بخلاف العامي؛ فإنه يجب عليه الرجوع إلى قوله، وصرح ابن عقيل بذلك، فقال: ولا خلاف بيننا أنه يجوز ترك اجتهاد غيره والتعويل على اجتهاد نفسه، وإن كان الغير أعلم منه (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تقليد الميت]
قال ابن عقيل: اختلف الأصوليون والفقهاء في تقليد العامي لقول ميت من مجتهدي السلف إذا لم يبق مجتهد في العصر يفتي بقوله: هل يجوز أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقليد مذاهب الموتى ذكره ابن عقيل (٣) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[هل يجتهد في أعيان المسائل التي يقلد فيها] ؟
الذي ليس بمجتهد له أن يجتهد في أعيان المفتين بلا ريب وهل يجتهد في أعيان المسائل التي يقلد فيها، بحيث إذا غلب على ظنه أن بعض المسائل على مذهب فقيه أقوى فعليه أن يقلده فيها ويفتي إخبارا عن قوله، قال ذلك أبو الحسن القدوري وقال أبو الطيب الطبري: ليس للعامي استحسان الأحكام فيما اختلف فيه الفقهاء، ولا أن يقول قول
стр. 468
فلان أقوى من قول فلان، ولا حكم لما يغلب على ظنه، ولا اعتبار به، ولا طريق له إلى الاستحسان، كما لا طريق له إلى الصحة (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تتبع الرخص لا يجوز]
إذا جوز للعامي أن يقلد من يشاء فالذي يدل عليه كلام أصحابنا وغيرهم أنه لا يجوز له يتتبع الرخص [مطلقا] فإن أحمد أثر (٢) مثل ذلك عن السلف وأخبر به (٣) فروى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: سمعت يحيى القطان يقول: لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل المدينة في السماع، يعني في الغناء، وبقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في المتعة لكان فاسقا، ونقلت من خط القاضي قال: نقلت من مجموع أبي حفص البرمكي قال عبد الله: سمعت أبي، وذكر نحوه وقال الخلال في كتابه: حدثنا يحيى بن طالب الأنطاكي، حدثنا محمد بن مسعود، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، قال: لو أن رجلاً أخذ بقول أهل المدينة في السماع -يعني الغناء وإتيان النساء في أدبارهن-، وبقول أهل مكة في المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة في المسكر، كان شر عباد الله . وقال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم -أو قال بزلة كل عالم- اجتمع فيك الشر كله. وفي المعنى آثار عن علي وابن مسعود ومعاذ وسلمان، وفيه مرفوعا عن النبي ﷺ وعن عمر.
قال القاضي بعد ذكر كلام الإمام أحمد المنقول من خطه: هذا محمول على أحد وجهين: إما أن يكون من أهل الاجتهاد ولم يؤده اجتهاده إلى الرخص فهذا فاسق [لأنه ترك ما هو الحكم عنده واتبع
стр. 469
الباطل، أو يكون عاميا فأقدم على الرخص من غير تقليد فهذا أيضا فاسق] (١) لأنه أخل بفرضه وهو التقليد فأما إن كان عاميا فقلد في ذلك لم يفسق لأنه قلد من يسوغ اجتهاده (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا أفتى أحد المجتهدين بالحظر والآخر بالإباحة]
إذا أفتى أحد المجتهدين بالحظر والآخر بالإباحة وتساوت فتواهما عند العامي فإنه يكون مخيرا في الأخذ بأيهما شاء، فإذا اختار أحدهما تعين القول الذي اختاره حظرا أو إباحة، ذكره القاضي في أسئلة المخالف بما يقتضي أنه محل وفاق ولم يمنعه (٣) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[ما يجب على العامي]
يجب على العامي قطعا البحث الذي به يعرف صلاح المفتي للاستفتاء إذا لم تكن تقدمت معرفته بذلك، ولا يجوز له استفتاء من اعتزى إلى العلم وإن انتصب في منصب التدريس أو غيره. ويجوز استفتاء من تواتر بين الناس أو استفاض فيهم كونه أهلا للفتوى. وعند بعض الشافعية إنما يعتمد على قوله إذا كان أهلا للفتوى؛ لأن التواتر لا يفيد العلم إلا في المحسوس، ورب شهرة لا أصل لها. ويجوز له استفتاء من أخبر المشهور المذكور عن أهليته. وأطلق أبو إسحاق الشيرازي وغيره أنه يقبل فيه خبر الواحد العدل، وينبغي أن يشترط فيه أن يكون عنده من العلم والبصر ما يميز به الملبس من غيره، قال أبو عمرو: ولا ينبغي أن يكفي في هذه الأزمان مجرد تصديقه للفتوى واشتهاره بمباشرتها، لا بأهليته لها.
فإذا اجتمع اثنان ممن يجوز استفتاؤهم فهل يجب عليه الاجتهاد
стр. 470
في أعيانهم؟ فيه وجهان، أحدهما -وهو عند العراقيين قول الأكثر والصحيح- أنه لا يجب. الثاني: أنه يجب، قاله ابن سريج والقفال، وصححه صاحبه القاضي حسين، والأول أصح؛ لكن متى اطلع على الأوثق منهما فالأظهر أنه يلزمه تقليده دون الآخر، كما يجب تقديم أرجح الدليلين، فيقدم أورع العالمين وأعلم الورعين، والأعلم أولى من الأورع على الأصح.
وهل يجوز له أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء؟ فإن كان منتسبا إلى مذهب معين انبنى على أن العامي هل له مذهب؟ فيه وجهان، حكاهما أبو الحسين، أحدهما: لا، فله أن يستفتي من شاء من أهل المذاهب، الثاني: وهو أصح عند القفال والمروذي له مذهب، فلا يجوز له إن كان شافعيا أن يستفتي حنفيا، ولا يخالف إمامه. قاله أبو عمرو: وقد ذكرنا في المفتي المنتسب ما يجوز له مخالفة إمامه، وإن لم يكن قد لانتسب إلى مذهب معين انبنى على أنه: هل يلزمه التمذهب بمذهب معين؟ فيه وجهان ذكرهما ابن برهان، أحدهما: لا يلزمه ذلك، قال أبو عمرو: فعلى هذا هل له أن يستفتي على أي مذهب شاء أو يلزمه أن يبحث حتى يعلم علم مثله أشد المذاهب وأصحها أصلا فيستفتي أهله؟ فيه وجهان، كما في أعيان المفتين. والثاني يلزمه ذلك، وبه قطع إلكيا، وهو جار في كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأرباب سائر العلوم، قال: فعلى هذا ليس له أن يتبع في ذلك مجرد التشهي والميل إلى ما وجد عليه أباه، وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة، وإن كانوا أعلم؛ لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه فليس لأحد منهم مذهب، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم. ثم ذكر رجحان مذهب الشافعي على من قبله، قال: ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك.
فإن اختلف عليه فتوى مفتيين ففيه أوجه؛ أحدها: الأغلظ.
стр. 471
والثاني: الأخف. الثالث: يجتهد في الأوفق فيأخذ بفتوى الأعلم الأورع، واختاره السمعاني الكبير، ونص الشافعي على مثله في القبلة. والرابع: يسأل مفتيا آخر فيعمل بفتوى من وافقه. والخامس: يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء، وهو الصحيح عند أبي إسحاق واختاره ابن الصباغ فيما إذا تساوى عنده مفتيان. قال أبو عمرو: والمختار أن عليه الاجتهاد في الأرجح فيعمل به فإنه حكم التعارض، وليس هذا من الترجيح المختلف فيه عنده الاستفتاء، فليبحث عن الأوفق من المفتين فيعمل بفتواه، فإن لم يترجح عنده أحدهما استفتى آخر فيعمل بفتوى من وافقه الآخر، فإن تعذر ذلك وكان اختلافهما في الحظر والإباحة وقبل العمل بذلك اختار الحظر، وإن تساويا من كل وجه خيرناه بينهما، وإن بينا التخيير في غيره، لأنه ضرورة، وإنما يخاطب هذا المفتون، وأما العامي الذي وقع له ذلك فحكمه أن يسأل عن ذلك ذينك المفتيين أو غيرهما (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[تضعيف قول أبي المعالي]
يجوز تقليد المجتهدين الموتى، ولا يبطل قولهم بموتهم كإجماعهم، وكالشاهد إذا أدى شهادته ومات قبل الحكم بها فإنها لا تبطل؛ بل يحكم بها الحاكم الذي سمعها منه، وإن لزم المفتي تجديد اجتهاده بتجديد الحادثة وإعلام المقلد به بتغير اجتهاده، لوم المقلد تجديد السؤال بتجدد الحادثة له ثانيا، ورجوعه إلى قوله الثاني فيه احتمال لاحتمال تغير اجتهاده لو كان حيا. وقيل: إن مات المفتي قبل العمل بها فله العمل بها. وقيل: لا كما سبق. وإن كان قد عمل بها لم يجز ترك قوله إلى قول غيره في تلك الحادثة.
стр. 472
وقال أبو المعالي في مسألة تقليد العالم: الاختيار أنه يجوز في العقل ورود التعبد بذلك، ولكن لم يقم دليل وجود ذلك، بل ثبت بالإجماع أنه يجب على المجتهد أن يجتهد، فلهذا الوجوب لا يزول إلا بدليل وما قام عندنا دليل قاطع على أنه يجوز الآن في الشرع للعالم تقليد العالم، فإذا كان الأمران مستويين في العقل وقد تبين بالشرع وجوب أحدهما ولم يرد في الثاني شرع نفيا وإثباتا وجب التمسك بما وضح مسلك الشرع فيه.
قال شيخنا: قلت: هذا ضعيف، فإن اعتماده على الإجماع، وهو لم يجمعوا على وجوب الاجتهاد عينا، بل المجوز للتقليد يقول: الواجب إما الاجتهاد وإما التخيير، كما لو اختلفوا في فريضة ما بين أربع حقاق أو خمس بنات لبون، فحقيقة قوله التوقف في المسألة (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المجتهد في مذهب إمامه متى تحسب فتياه عن إمامه أو عن نفسه ؟]
قال ابن حمدان من عنده: فمن اجتهد في مذهب إمامه فلم يقلده في حكم ودليله ففتياه به عن نفسه لا عن إمامه؛ فهو موافق له فيه، لا تابع له. فإن قوي عنده مذهب غيره أفتى به وأعلم السائل مذهب إمامه وأنه ما أفتاه به.
فإن كان غرض السائل مذهب إمامه لم يفته بغيره وإن قوي عنده؛ ولأنه حيث لم يقو عنده فإن قلد إمامه في حكمه وفي دليله أو دون دليله ففتياه به عن إمامه إن جاز تقليده ميتا.
وإلا فعن نفسه إن قدر على التحرير والتقرير (٢)
والتصوير والتعليل والتفريع والتخريج الجمع والفرق كالذي
لم يقلد فيهما، فإن عجز عن ذلك أو بعضه ففتياه عن إمامه لا
стр. 473
عن نفسه وكذلك المجتهد في نوع علم أو مسألة منه، ومنعه فيهما أظهر. وقيل: من عرف المذهب دون دليله جاز تقليده فيه. وقيل: إن لم يجد في بلده غيره وعجز عن السفر إلى مفت في موضع بعيد، فإن عدمه في بلده وغيره فله حكم ما قبل الشرع من إباحة وحظر ووقف. ومن أفتى بحكم أو سمعه من مفت فله العمل به، لا فتوى غيره؛ لأنه حكاية فتوى غير وإنما سئل عما عنده (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[متى يلزم السائل العمل بالفتوى ؟]
لا يلزم السائل العمل بالفتوى إلا أن يلتزم بها ويظنها حقا، وقيل: ويشرع في العمل بها، فإن لم يجد مفتيا آخر يخالفه لزمه العمل بها مطلقا، كما لو حكم عليه بها حاكم. وذكر ابن الصلاح عن أبي المظفر السمعاني إذا سمع المستفتي الجواب من المفتي لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه، ويجوز أن يقال: إنه يلزمه إذا أخذ في العمل به. وقيل: إنه يلزمه إذا وقع في نفسه صحته، وهو أولى الأوجه. قال: ولم أجده لغيره، والذي تقتضيه القواعد أنه إنما يلزمه الأخذ بفتياه إذا لم يجد غيره سواء التزم أو لم يلتزم، أو برجحان أحدهما، أو بحكم حاكم (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الاجتهاد والمجتهدون]
وذكر ابن عقيل: أن العامي لا يجوز له التقليد إلا لمجتهد، وكذلك التزم أنه لا بد في كل عصر من مجتهد يجوز للعامي تقليده، ويجوز أن يولي القضاء. وهذا يقتضي أن المفتي لا يجوز أن يفتي بالنقل عن غيره من المجتهدين المتقدمين. وابن عقيل إنما عنى بذلك الاجتهاد المطلق (٣) .
стр. 474
مسألة: لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر، سواء في ذلك ضيق الزمان وسعته، نص عليه في رواية الفضل بن زياد، ذكرها ابن بطة أن أحمد قال له: يا أبا العباس لا تقلد دينك الرجال فإنهم لم يسلموا من أن يغلطوا. وقال في رواية أبي الحارث: لا تقلد أمرك أحدا منهم وعليك بالأثر. قال القاضي: فقد منع من التقليد وندب إلى الأخذ بالأثر [وإنما يكون هذا فيمن له معرفة بالأثر والاجتهاد] (١)(٢) .
قال أبو الخطاب: وعن أبي حنيفة روايتان إحداهما: جوازه والثانية: المنع منه، وبه قال الشافعي والصيرفي وابن أبي هريرة وأبو يوسف وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز حكاه أبو سفيان في مسائله. وكلامهم في المسألة يدل على الأعلم فقط، ولم يفرق بين أن يكون الزمان واسعا أو ضيقا وكذلك ذكر هذا ابن حامد في أصوله عن بعض أصحابنا وبعض المالكية واختاره ابن سريج مع ضيق الوقت وحكى عن محمد أنه أجازه لمن هو أعلم منه، ولم يجزه لمن هو مثله أو دونه، وكذلك جزم به عنه ابن برهان وأبو الخطاب ولم يذكر عن أحد تقليد المساوي مع السعة.
قال والد شيخنا: وحكى الحلواني عن أبي حنيفة ومحمد: أنه يجوز تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز تقليد من هو مثله. قال: وحكى عن سفيان الثوري وإسحاق أنه يجوز له تقليد غيره بكل حال، قال أبو الخطاب: وروي [عن] ابن سريج مثل قول محمد الأخير، وروي عنه أنه يجوز مع ضيق الوقت لا مع سعته، قال: وقال بعض الشافعية: إن لم يجتهد فله أن يقلد على الإطلاق، وإن اجتهد لم يجز له التقليد. قال: وحكى عن أبي إسحاق الشيرازي أن مذهبنا جواز تقليد العالم للعالم،
стр. 475
وهذا لا نعرفه لأصحابنا، وقد بينا كلام صاحب مقالتنا (١) .
وهذا الذي ذكره أبو الخطاب يدل على أن المجيزين على الإطلاق (٢) جوزوا التقليد بعد الاجتهاد حيث جعل التفصيل (٣) قولا، ثم ذكر في أثناء المسألة أن المجتهد لو اجتهد فأداه اجتهاده إلى خلاف قول من هو أعلم منه لم يجز ترك رأيه والأخذ برأي ذلك الغير، فوجب ألا يجوز وإن لم يجتهد لأنه لا يأمن لو اجتهد أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف ذلك القول، فقد جعل المنع من تقليده بعد الاجتهاد محل وفاق.
[تقليد الصحابة]
قال شيخنا: قلت: هذا في تقليد الصحابة عند من جعله من صور المسألة ليس بصحيح، فإن العلماء صرحوا بجواز ذلك وإن خالف رأينا، وفي كلام بعضهم ما يدل على أنهم كانوا يقلدون في مخالفة رأيهم وأما وقوع هذا بالفعل من اتباع الأئمة فكثير لا يحصر.
وذكر أيضا أبو الخطاب أنه لا خلاف في أنه يجوز ترك قول الأعلم لاجتهاده، ثم ذكر بعد هذا أن قول الصحابي ليس من صور هذه المسألة، فإنه يجب عليه ترك اجتهاده لقول الصحابي عند من جعله حجة، ولا يجب عليه تقليد غيره. وحكى أبو المعالي في كتاب الاجتهاد عن الإمام أحمد قال: فأما تقليد الصحابة، قال أحمد: العالم (٤)
قبل اجتهاده يقلد الصحابي ويتخير في تقليده من شاء منهم،
ولم يجوز تقليد التابعين، استثنى عمر بن عبد العزيز، وجوز تقليده، وهذا غريب. قال: وقال الشافعي في القديم: قول الصحابي حجة
ويجب على المجتهدين التمسك به، ثم قال: يقدم على القياس الجلي
стр. 476
والخفي وفي رواية: على الخفي دون الجلي، وظاهر مذهبه في القديم أنه حجة إذا لم يظهر خلاف في الصحابة، ونقل عنه في القديم: إذا اختلفوا فالتمسك بقول الخلفاء أولى، وقال في الجديد: لا حجة في قول الصحابي، والاختيار عنده إذا انطبق على القياس لم يكن حجة وإذا خالف القياس الجلي فلا يخالفه إلا عن توقيف، قال: وقد بنينا على هذا مسائل في الفروع كتغليظ الدية بالحرمات الثلاث، قال: وعلى هذا يجب أن يقال: يجب على بعض الصحابة الأخذ بقول البعض في محل لا قياس فيه، فإذا اختلفوا فهو كأخبار متعارضة. وعند القاضي قوله ليس بحجة وإن خالف القياس (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا ضاق الوقت فهل يقلد وإذا صلى هل يعيد ؟]
ذكر أبو الخطاب في كلامه مع ابن سريج أنه لا يجوز له التقليد مع ضيق الوقت، قال هو والقاضي وابن عقيل: لأن الاجتهاد شرط في صحة فرضه في الحادثة [وعلى الاستدلال في الأصول] فلم يسقط بخوف فوت الوقت كسائر الشروط مثل الطهارة والستارة في الصلاة، وقاس ابن عقيل على الاستفتاء في حق العامي وعلى الاستدلال في الأصول. وقال أبو الخطاب أيضا لما قيل له إنه لا يمكنه أداء فرض باجتهاده، قال القاضي: لا يجوز اعتبار المتمكن بالعاجز، كما لا يجوز اعتبار من لم يجد الماء والسترة بمن يقدر عليهما ولكنه يخاف فوات الوقت إن استعملهما، قال أبو الخطاب: لا نسلم الوصف، لأن فرضه يؤديه بعد اجتهاده، قال: إن كانت العبادة مما يجوز تأخيرها للعذر جاز ههنا، لأن اجتهاده عذر له في التأخير، وإن كانت مما لا يجوز تأخيرها كالصلاة وغيرها فإنه يفعلها على حسب حاله ويعيد، وكذلك من حبس في موضع نجس يصلي ويعيد.
стр. 477
قال شيخنا: قلت: هذا الأصل المنصوص فيه عدم الإعادة، وكذلك إحدى الروايتين أن الرجل لا يجب عليه صلاتان؛ فعلى هذا يصلي في الوقت ولا يعيد، وهذا قول ابن سريج بعينه فثبت أنه ظاهر مذهبنا. وعلى قياس قول أبي محمد في القبلة أنه يجتهد وإن خرج الوقت تفوت العبادة، وهذا لا يمشي، فإنه قد يكون أحد القولين وجوب فعلها في الحال، والآخر تحريم فعلها فكيف يصنع هذا إلا التقليد؛ فالصواب قول ابن سريج (١) .
[لا يجوز خلو عصر من الأعصار من مجتهد]
مسألة: لا يجوز خلو عصر من الأعصار من مجتهد يجوز للعامي تقليده، ويجوز أن يولى القضاء، خلافا لبعض المحدثين في قولهم: لم يبق في عصرنا مجتهد. هذا نقل ابن عقيل.
قال شيخنا: وفي كلام القاضي في الإجماع السكوتي إشارة إليه. والأول قول عبد الوهاب المالكي وطوائف ممن تكلم في أصول الفقه وذكروه في مسائل الإجماع (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
قال أبو الخطاب: أجمع الناس على أن المجتهد إذا حكم في حادثة بحكم ثم جاءته مثلها أنه لا يقنع بذلك الاجتهاد؛ بل يجتهد ثانيا، وما عليه دليل قطعي لا يحتاج إلى ذلك كمن عرف التوحيد والنبوة قال: وفيه نظر.
[إذا وقعت الحادثة مرة ثانية فهل يجدد النظر ؟]
وقال أيضا: إذا سئل المفتي عن مسألة فإن كان قد تقدم له فيها اجتهاد وقول وهو ذاكر لطريق الاجتهاد والحكم جاز له أن يفتي بذلك، وإلا فلا. فإن ذكر الحكم دون طريق الاجتهاد لزمه أن يذكر طريق
стр. 478
الاجتهاد، ويعيد النظر في ذلك، فإن أداه اجتهاده إلى ذلك الحكم أفتى به، وإن أداه إلى غيره أفتى به أيضًا.
وكذلك ذكر ابن عقيل
وذكر أبو عمرو بن الصلاح: أنه إذا وقعت الحادثة مرة ثانية فإن كان ذكر الفتيا الأولى ومستندها بالنسبة إلى أصل الشرع إن كان مستقلا أو بالنسبة إلى مذهبه إن كان منتسبا إلى مذهب ذي مذهب أفتى بذلك، وإن تذكرها دون مستندها ولم يظهر ما يوجب رجوعه عنها فقد قيل: له أن يفتي بذلك. والأصح أنه لا يفتي حتى يجدد النظر، ومن لم تكن فتياه حكاية عن غيره لم يكن له بد من استصحاب الدليل فيها (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إذا حدثت مسألة ليس فيها قول لأحد من العلماء وإذا سئل عن مسألة لم تقع]
إذا حدثت مسألة ليس فيها قول لأحد من العلماء جاز الاجتهاد فيها، الحكم، والفتوى، لمن هو أهل لذلك للحاجة قال: وقد أومأ أحمد إلى المنع منه كقوله للميموني: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وقيل: يجوز ذلك في الفروع دون الأصول، وهو أولى. فإن سأل عامي عن مسألة لم تقع جاز إجابته, وقيل: يستحب إن قصد معرفة الحكم، لاحتمال أن يقع له أو لغيره أو للتفقه فيه. وقيل: يكره ذلك مطلقا (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الإفتاء والمفتون]
قال أبو الخطاب: وإن أفتى باجتهاده فإن كان المستفتي قد
عمل بما أفتاه لم يلزم المفتي أن يعرفه بتغير اجتهاده، ولم يلزم المستفتي نقض ما عمله، وإن كان لم يعمل بها لزمه ذلك إن أمكنه؛ لأن العامي
стр. 479
يعمل بذلك الحكم لأنه قول ذلك المفتي، ومعلوم أنه ليس هو قوله في ذلك الحال، فإن لم يفعل ومات المفتي فهل يجوز للمستفتي العمل بما أفتاه؟ فيه احتمالان، إحدهما: لا يجوز، لأنه لا يدري أنه لو كان حيا كان قائلا بذلك الحكم وطريق الاجتهاد فيه، أم لا (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في كيفية الفتوى
إذا سئل المجتهد عن الحكم لم يجز له أن يفتي بمذهب غيره؛ لأنه إنما سئل عما عنده، فإن سئل عن مذهب غيره جاز له أن يحكيه؛ لأن العامي يجوز له حكاية قول غيره، ولا يجوز له أن يفتي بما يجده في كتب الفقهاء، ولا بما يفتيه به فقيه، وهذا قول أبي الخطاب.
وقال الحليمي والروياني: لا يجوز للمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه.
وقال أبو محمد الجويني عن القفال والمروذي: أنه يجوز لمن حفظ مذهب صاحب مذهب ونصوصه أن يفتي به وإن لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه.
وقال أبو محمد: لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها، وإذا كان متبحرا فيه جاز أن يفتي به.
قال أبو عمرو: وقول من قال: لا يجوز. معناه: أنه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يضيفه إلى إمامه الذي يحكيه عنه. قال: فعلى هذا من عددناه في المفتين من المقلدين ليسوا في الحقيقة
стр. 480
من المفتين، ولكنهم قاموا مقامهم، فعدوا معهم، وسبيلهم أن يقولوا مثلاً: مذهب فلا كذا، ومقتضى مذهبه كذا [ومنهم] من ترك إضافة ذلك إلى إمامه اكتفاء بالحال.
وذكر الماوردي في الحاوي في العامي إذا عرف حكم حادثة بنى على دليلها ثلاثة أوجه، أحدها: أنه يجوز أن يفتي به، ويجوز تقليده فيه. والثاني: يجوز ذلك إن كان دليلها من الكتاب أو السنة. والثالث -وهو الأصح-: أنه لا يجوز ذلك مطلقا (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
لا يشترط في المفتي الحرية والذكورية كالراوي.
قال ابن الصلاح: وينبغي أن يكون كالراوي [لا تؤثر فيه القرابة والعداوة وجر النفع ودفع الضرر] (٢) .
وذكر عن الماوردي أن المفتي إذا نابذ في فتاواه شخصا معينا صار خصما معاندا، ترد فتواه على من عاداه، كما ترد شهادته. ولا بأس أن يكون المفتي أعمى، أو أخرس مفهوم الإشارة أو كاتبا، ولا تصح فتيا فاسق، غير أنه يعمل فيما يقع له باجتهاد نفسه، وتقبل فتوى المستور في الأظهر، ولا فرق بين القاضي وغيره في الفتيا. وعن ابن المنذر: أنه كره للقضاة أن يفتوا في مسائل الأحكام دون ما لا مجرى للقضاء فيه كالطهارة والعبادات. وقال ابن سريج: أنا أقضي ولا أفتي. وعن أبي حامد الإسفراييني: أن الحاكم له أن يفتي في العبادات وما لا يتعلق بالأحكام؛ فأما فتياه في الأحكام فلأصحابنا فيها جوابان، أحدهما: له ذلك. والثاني: ليس له ذلك (٣) .
стр. 481
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في ترجيح المقلد أحد الأقوال لكثرة عدد قائليه من المفتين حال الفتوى:
قال الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة: الصحيح في هذه المسألة أن قول من قال: «لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد» فإنه إنما عنى به هنا ما كانت الحالة عليه قبل استقرار ما استقر من هذه المذاهب التي أجمعت الأئمة على أن كلا منها يجوز العمل به؛ لأنه مستند إلى أمر رسول الله ﷺ أو على سبيل معه. فالقاضي في هذا الوقت وإن لم يكن قد سعى في طلب الأحاديث وانتفاء طرقها وعرف من لغة الناطق بالشريعة ﷺ ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد؛ فإن ذلك قد فرغ له منه، ودأب فيه سواه، وانتهى الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، وتدونت العلوم وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق. فإذا عمل القاضي في أقضيته بما يأخذ عنهم أو عن الواحد منهم فإنه في معنى من كان باجتهاده إلى قول قاله؛ وعلى ذلك فإنه إذا خرج من خلافهم متوخيا مواطن الاتفاق ما أمكنه كان آخذا بالحزم، عاملا بالأولى، وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد منهم فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى مع جواز أن يعمل بقول الواحد
إلا أنني أكره له أن يكون ذلك من حيث أنه قد قرأ مذهب واحد منهم أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء خاصة يقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب، حتى إذا حضر عنده خصمان وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم واحد نحو التوكيل بغير رضا الخصم،
وكان الحاكم حنفيا، وقد علم أن مالكا والشافعي وأحمد اتفقوا على
стр. 482
جواز هذا التوكيل دون أبي حنيفة فعدل عما أجمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة لمجرد أنه قاله فقيه هو في الجملة من فقهاء الأتباع له من غير أن يثبت عنده بالدليل ولا أداه اجتهاده إلى أن قول أبي حنيفة أولى مما اتفق عليه الجماعة فإني أخاف على مثل هذا أن يكون ممن اتبع هواه، وأنه لا يكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وكذلك إن كان على مذهب مالك فقضى بتطهير الكلب. وكذلك إن كان على مذهب الشافعي فقضى في متروك التسمية عمدا بالحل خلافا للثلاثة. وكذلك إن كان على مذهب أحمد فقال أحد الخصمين: كان له علي مال فقضيته يقضي عليه بالبراءة من إقراره مع علمه بخلاف الفقهاء الثلاثة؛ فإن هذا وأمثاله إذا توخى فيه اتباع الأكثرين فأمره عندي أقرب إلى الخلاص وأرجح في العمل.
وبمقتضى هذا فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا ولايات صحيحة وإنهم قد سدوا من ثغر الإسلام ما سده فرض كفاية. ومتى أهملنا هذا القول ولم نذكره ومشينا على طريق التغافل التي يمشي فيها من يمشي من الفقهاء الذي يذكر كل منهم في كتاب إن صنفه أو كلام إن قاله أنه لا يصح أن يكون أحد قاضيا حتى يكون من أهل الاجتهاد، ثم يذكر في شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام فإن هذا كالإحالة وكالتناقض، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم وألا ينفذ لأحد حق، ولا يكاتب به، ولا تقام بينة، ولا يثبت لأحد ملك، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية فكان هذا الأصل غير صحيح، وبان أن الحكام اليوم حكوماتهم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعا فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد تجوز إذا تعذر تولية المجتهد، وأنه انعقد الإجماع على تقليد كل واحد من هذه المذاهب الأربعة، وأن إجماع الفقهاء الأربعة حجة لا يخرج الحق عنهم، وأنه ينبغي الاحتراز
стр. 483
من الاختلاف فإن لم يكن فاتباع الأكثر أولى، ويكره تقليد الواحد المخالف للأكثر لأجل تقدم ونحوه.
وقال أيضا: في أول «شرح الحديث» : كل من هذه المذاهب إذا أخذ به آخذ ساغ له ذلك، فإن خرج من الخلاف فأخذ بالأحوط كتحريه مسح جميع رأسه، وأخذ فيما لا يمكنه الخروج من الخلاف فيه كمسألة البسملة بقول الأكثر كان هو الأولى.
قال: وعلى هذا أرى ما استمر من الخلفاء الراشدين -يعني خلفاء بغداد- من ترك الجهر في الجوامع، لأن الخطباء قد يكون فيهم من يعتقد مذهب الشافعي إلا أنهم استمروا على ذلك لما ذكرته. قال: وهذا هو المانع لي من الجهر لأكون مع الأكثر. فأما المجتهد فإنه إذا ثبت عنده حق بمقتضى ما أداه اجتهاده إليه في مسألة، فإن فرضه ما أداه إليه اجتهاده على أن المجتهد اليوم لا يتصور اجتهاده في هذه المسائل التي قد تحررت في المذاهب لأن المتقدمين قد فرغوا من ذلك.
فأما هذا الجدل الذي يقع بين أهل المذاهب فإنه أوفق ما يحمل الأمر فيه بأن يخرج مخرج الإعادة والتدريس فيكون الفقيه فيه معيدا محفوظه ودارسا ما يعلمه. فأما اجتماع الجمع منهم متجادلين في مسألة مع أن كل واحد منهم لا يطمع في أن يرجع خصمه إليه إن ظهرت حجته، ولا هو يرجع إلى خصمه إن ظهرت حجته عليه، ولا فيه عندهم فائدة ترجع إلى مؤانسة، ولا إلى استجلاب مودة، ولا إلى توطئة القلوب لوعي الحق، بل هو على الضد من ذلك؛ فإنه مما قد تكلم فيه العلماء وأظهروا من عذره (١) ما أظهروا كابن بطة وابن حامد في جزئه، ولا يتمارى في أنه محدث متجدد.
стр. 484
فأما تعيين المدارس بأسماء فقهاء معينين فإنه لا أرى به بأسا، حيث إن اشتغال الفقهاء بمذهب واحد من غير أن يختلط بهم فقيه في مذهب آخر يثير الخلاف معهم ويوقع النزاع فيه؛ فإنه حكى لي الشيخ محمد بن يحيى عن القاضي أبي يعلى أنه قصده فقيه ليقرأ عليه مذهب أحمد، فسأله عن بلده فأخبره، فقال له: إن أهل بلدك كلهم يقرءون مذهب الشافعي فلماذا عدلت أنت عنه إلى مذهبنا؟ فقال له: إنما عدلت عن المذهب رغبة فيك أنت، فقال له: إن هذا لا يصلح فإنك إذا كنت في بلدك على مذهب أحمد وباقي أهل البلد على مذهب الشافعي لم تجد أحدا يعبد معك (١) ولا يدارسك، وكنت خليقا أن تثير خصومة وتوقع نزاعا، بل كونك على مذهب الشافعي حيث أهل بلدك على مذهبه أولى، ودله على الشيخ أبي إسحاق وذهب به إليه، فقال: سمعا وطاعة، أقدمه على الفقهاء.
وعلى هذا فلا ينبغي أن يضيق في الاشتراط على المسلمين في شروط المدارس فإن المسلمين إخوة، وهو مساكن تبنى لله، فينبغي أن يكون في اشتراطها ما يتسع لعباد الله، فإنني امتنعت من دخول مدرسة شرط فيها شروط لم أجدها عندي ولعلى منعت بذلك أن أسأل عن مسألة أحتاج إليها أو أفيد أو أستفيد (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في صفة من يجوز له الفتوى أو القضاء:
قال أبو علي الضرير: قلت لأحد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي؟ يكفيه مائة ألف؟ قال: لا، قلت: مائتا
стр. 485
ألف؟ قال: لا، قلت: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قلت: أربعمائة ألف؟ قال: لا، قلت: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو. وقال الحسين بن إسماعيل: قيل لأحمد وأنا أسمع، فذكر مثل ذلك، وعن ابن معين مثل هذا. وقال أحمد بن عبدوس: قال أحمد بن حنبل: من لم يجمع علم الحديث وكثرة طرقه واختلافه لا يحل له الحكم على الحديث ولا الفتيا به. وقال أحمد بن محمد بن النظر: سئل أحمد بن حنبل عن الرجل يسمع مائة ألف حديث يفتي؟ قال: لا، قلت: فمائتي ألف حديث؟ قال: لا، قلت: فثلاثمائة ألف حديث؟ قال: لعله. وقال أحمد بن منيع: مر أحمد بن حنبل جانبا من الكوفة وبيده خريطة فأخذت بيده، فقلت: مرة إلى الكوفة ومرة إلى البصرة، إلى متى؟ إذا كتب الرجل بيده ثلاثين ألف حديث لم يكفيه، فسكت، ثم قلت: ستين ألفا، فسكت، فقلت: مائة ألف، فقال: حينئذ يعرف شيئا، فنظرنا فإذا أحمد كتب ثلاثمائة ألف عن بهز، وأظنه قال: وروح بن عبادة، وقال أحمد بن العباس النسائي: سألت أحمد عن الرجل يكون معه مائة ألف حديث يقال: هذا صاحب حديث؟ قال: لا، قال: عنده مائتا ألف حديث يقال: إنه صاحب حديث؟ قال: لا، قلت له ثلاثمائة ألف حديث،
فقال بيده كذا، يروح بيده يمنة ويسرة، وأومأ اللؤلؤي كذا وكذا يقلب يده.
قال القاضي في العدة: مسألة في صفة المفتي في الأحكام الذي يحرم عليه التقليد، فذكر نحوا مما ذكروه في صفة القاضي: أن يكون عالما بالكتاب والسنة والإجماع والأدلة من ذلك و [باللغة] (١)
وبالقياس قال: وإذا كان بهذه الصفة وجب عليه أن يعمل في الأحكام باجتهاده، وحرام عليه تقليد غيره، إلا أن يكون ذلك حكما يجب له أو
стр. 486
عليه فيحتاج في فصله إلى حاكم يحكم بينهما باجتهاده، وإذا صار من أهل الاجتهاد بما ذكرنا لم يجب قبول قوله فيما يفتي به إلا أن يكون ثقة مأمونا في دينه، فإذا كان بهذه الصفة وجب على العامة الرجوع إلى قوله وقبول فتياه، وذكر ألفاظ أحمد في صفة المفتي، كقوله في رواية صالح: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن عالما بالأحاديث الصحيحة، عالما بالسنن، وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي. وقال في رواية يوسف بن موسى: لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة.
ثم ذكر ما نقله عبد الله: سألت أبي عن الرجل يريد أن يسأل عن الشيء من أمر دينه مما يبتلى به من الأيمان في الطلاق وغيره وفي مصره من أصحاب الرأي ومن أصحاب الحديث لا يحفظون ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوي، لمن يسأل؟ قال: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي ضعيف الحديث خير من رأي أبي حنيفة.
قال القاضي: فظاهر هذا أنه أجاز تقليدهم وإن لم تكمل فيهم الشرائط التي ذكرنا، ولم يتأول ذلك فظاهره أنه جعلها على روايتين.
قال شيخنا: قلت: قد يقال قوله أولا: «لا ينبغي» ليس بصريح في التحريم فيجوز أنه أراد الكراهة، وقد يقال: هؤلاء إنما أجاز استفتاءهم وإفتاءهم للحاجة والضرورة كما ذكرت نحو ذلك من كلامه في القضاء لما أشار على المتوكل بمن أشار لأجل الحاجة وذلك أنه ليس في المصر إلا من يقلد أبا حنيفة أو من يقلد المأثور عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين وإن كان فيه ضعف، وتقليد المتبعين لهذه الآثار خير من تقليد المتبعين للرأي المعين، ففيه جواز الإفتاء والاستفتاء عند الحاجة لغير المجتهد إذا كان عالما بأقوال النبي ﷺ .
стр. 487
ثم ذكر كلام أحمد أنه لا يكون فقيها حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث. قال: وظاهر هذا الكلام منه أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ هذا القدر، قال: وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتيا أو أن يكون أراد وصف أكمل الفقهاء فأما ما لا بد منه فالذي وصفنا ودل عليه قول أحمد أن الأصول التي يدور عنها العلم عن النبي ﷺ ينبغي أن يكون ألفا أو ألفا ومائتين.
ثم ذكر عن ابن شاقلا أنه لما جلس للفتيا ذكر هذه المسألة، فقال له رجل: فأنت هو ذا تحفظ هذا القدر حتى هو ذا تفتي الناس؟ قال: فقلت له عافاك الله: إن كنت أنا لا أحفظ هذا المقدار فإني هو ذا أفتي للناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه.
قال القاضي: وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يقلد أحمد فيما يفتي به؛ لأنه قد نص في بعض تعاليقه الدالة على منع الفتيا بغير علم قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [٣٦/١٧] وقوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [٦٦/٣] .
وذكر عن ابن بطة أنه لا يجوز له أن يفتي بما سمع من مفت، إنما يجوز أن يقلد لنفسه، فأما أن يقلد لغيره ويفتي به فلا.
ثم ذكر عن أبي حفص أنه سمع أبا علي النجاد أنه سمع الحسن بن زياد يقول: ما أعيب على رجل يحفظ لأحمد خمس مسائل استند إلى بعض سواري المسجد يفتي الناس بها.
قال القاضي: وهذا مبالغة منه في فضله.
[صفة المستفتي]
ثم قال القاضي: فأما صفة المستفتي فهو: العامي الذي ليس معه ما ذكرنا من آلة الاجتهاد، وذكر قول عبد الله: سألت أبي عن رجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله ﷺ واختلاف الصحابة
стр. 488
والتابعين، وليس للرجل تبصر بالحديث الضعيف والمتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير ما أحب منها فيفتي به ويعمل به؟ قال: لا يعمل به حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم.
قال القاضي: وظاهر هذا أن فرضه التقليد والسؤال إذا لم يكن له معرفة بالكتاب والسنة (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[متى تلزمه الفتوى ؟]
وللمفتي أن يرد الفتوى إذا كان في البلد من يقوم مقامه، وإلا لزمه النظر إليها وقال عمرو بن الصلاح: إن لم يكن في البلد إلا هو تعين عليه الجواب، وإن كان في الناحية اثنان واستفتيا معا فالجواب واجب عليهما على الكفاية، وإن لم يحضر غيره. وعند الحليمي يتعين عليه بسؤاله جوابه، وليس له أن يحيله على غيره (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
فإن كان في البلد من هو معروف عند العوام [بالفتيا] وهو في الباطن جاهل تعين على هذا الجواب. والأظهر أنه لا يتعين عليه بذلك لحديث ابن أبي ليلى: وإذا سأل العامي عما لم يقع لم تجب مجاوبته (٣) .
[والد شيخنا] : ... ... فصل
ويجوز للعالم أن يرشد العامي إلى عالم آخر ليسأله وإن كان يخالف مذهبه نص عليه.
стр. 489
[للعالم أن يرشد العامي إلى عالم آخر]
قال شيخنا: قال القاضي: نقلت من الجزء الأول من مسائل الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله وقد سئل عن الرجل يسأل عن الشيء من المسائل فيرسل صاحب المسألة إلى رجل يسأله هل عليه شيء في ذلك، فقال: إن كان رجلا متبعا وأرشده إليه فلا بأس (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الأدب مع المفتي]
لا ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أفتاه ولا يقول له: لم؟ ولا كيف؟ فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة في ذلك سأل عنه في مجلس آخر، أو فيه بعد قبوله الفتوى مجردة عن الحجة، وذكر السمعاني: أنه لا يمنع من أن يطالب المفتي بالدليل لأجل احتياطه لنفسه، وأنه يلزمه أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعا به، وإلا فلا، لافتقاره حينئذ إلى اجتهاد يقصر العامي عنه. وينبغي له أن يحفظ الأدب مع المفتي ويجله في خطابه وسؤاله ونحو ذلك ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يقول له: ما تحفظ في كذا، ولا ما مذهب إمامك في كذا، ولا يقول إذا استفتى في رقعة: إن كان جوابك موافقا لمن أجاب فيها فاكتب وإلا فلا تكتب، ولا يقول له إذا أجابه: هكذا قلت أنا، ولا هكذا وقع لي، ولا يقول له أفتاني فلان أو أفتاني غيرك بكذا وكذا، ولا يسأله وهو قائم أو مستوفز أو على حال ضجر أو هم أو غير ذلك مما يشغل قلبه، ويبدأ بالأسن الأعلم من المفتين، وبالأولى فالأولى.
وقال أبو القاسم الصيمري: إذا أراد جمع الجوابات في رقعة قدم الأسن الأعلم وإن أراد إفرادها فلا يبالي بأيهم بدأ (٢) .
стр. 490
وليس للمسلم أن يستفتي إلا من يعلم أنه من أهل العلم والدين، وأن لا يقتدي إلا بمن يصلح الاقتداء به (١) .
[العامي من يستفتي]
وقال شيخنا: لا يجوز استفتاء إلا من يفتي بعلم وعدل (٢) .
ولا يجوز أن يقدم العامي على فعل لا يعلم جوازه، ويفسق إن كان مما يفسق به. ذكره القاضي (٣) .
والد شيخنا: مسألة: قال ابن عقيل: ولا يجوز للعامي أن يستفتي في الأحكام الشرعية من شاء، بل يجب أن يبحث عن حال من يريد سؤاله وتقليده فإذا أخبره أهل الثقة والخبرة أنه أهل لذلك علما وديانة حينئذ استفتاه وإلا فلا. وقال قوم: لا يجب عليه ذلك؛ بل يسأل من يشاء.
قال شيخنا: وقال أبو الخطاب: لا يجوز للمستفتي أن يستفتي إلا من يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد بما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان العلماء، وأخذ الناس عنه وإجماعهم على سؤاله، وما يبدو منه من سمات الدين والخير، فأما من لا يراه مشتغلا بالعلم ويرى عليه سيما الدين فلا يجوز له استفتاؤه بمجرد ذلك. وقال أبو المعالي: إذا تقرر عنده بقول الإثبات: إن هذا الرجل بالغ مبلغ الاجتهاد فحينئذ يستفتيه. ثم قال القاضي: له أن يعول على قول عدلين، وقال: لا يستفتي إلا من استفاضت الأخبار ببلوغه منصب الاجتهاد والأمر هنا مظنون (٤) .
стр. 491
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في أدب العالم والمتعلم [أو العامي] :
قال سعيد بن يعقوب: كتب إلي أحمد بن حنبل: بسم الله الرحمن الرحيم:
من أحمد بن محمد إلى سعيد بن يعقوب، أما بعد: فإن الدنيا داء، والسلطان دواء، والعالم طبيب، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره. والسلام عليك.
فيه التحذير من استفتاء من يرغب في المال والشرف من العلماء.
وقد كتب في الفقه: هل يشترط في القاضي أن يكون زاهدا ورعا، أو ورعا فقط أو لا يشترط إلا العدالة؟ فيه ثلاثة أوجه، ومنع العلماء مما هو مباح لغيرهم نظير كراهته لهم ترك قيام الليل وهذا فيما لا يحتاج إليه من مال وشرف. وما ذكر عنه وعن ابن المبارك يوافق ذلك؛ فإنه أخبر أن العالم الصادق هو الزاهد ومثل ذلك عن الحسن البصري.
وروى ابن بطة عن جعفر بن محمد عن أبيه مرفوعا قال: «العلماء ورثة الأنبياء، وأمناء الرسل: ما لم يدخلوا في الدنيا» ، قالوا: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: «اتباعهم السلطان، وحبهم الأغنياء فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دمائكم، فإن الله يبطل حسناتهم» (١) .
ويل للعالم إذا سكت عن تعليم الجاهل، وويل للجاهل إذا لم يقبل (٢) .
стр. 492
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الاسترشاد والجدل]
الخلاف في فرض المسئول في الجواب والدليل مذكور في كتب الجدل، والذي ذكره ابن عقيل في الأدب الكلامي أن الجواب إذا لم يكن مطابقا للسؤال بأن كان أعم منه، أو أخص، كما لو سئل عن المطبوخ فقال: أنا أحرم كل مسكر، أو أحرم مطبوخ التمر - لم يأت بجواب مطابق؛ لأنه معدول عن المطلوب في السؤال قال: وإنما ضربنا لك الأمثلة لأن قوما يجيبون بمثلها ويعدونها أجوبة. وكذلك فيما إذا سئل عن المذهب فذكر الدليل عليه فليس بجواب محقق، كما لا يخلط السؤال عن المذهب بالسؤال عن دليله، وهذا إذا قال مذهبي كذا بدلالة كذا. فأما إن قال: والدليل على ذلك كذا كان قد أتى بجواب محدد؛ إلا أنه أتى بإخبار عما علم يسأل عنه: [قال: والاتباع بجواب لم يسأل عنه كالخلط] (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وحصر ابن عقيل الأسئلة في «أربعة» كما فعله إلكيا في جدله متبعا لمن ذكره:
أحدها: السؤال عن المذهب.
والثاني: السؤال عن الدليل.
ولا اعتراض في ذلك.
والثالث: السؤال عن وجه دلالة الدليل.
والرابع: المطالبة بإجراء العلة في معلولها.
ثم قال ابن عقيل: إنما اعتبرنا ما اعتبرناه من الشروط لغير سؤال
стр. 493
الاستفادة والاسترشاد فإنه لا يعتبر لهما شروط من الشروط المذكورة لسؤال الجدل (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ذكر ابن عقيل وابن المني والمراغي وجمهور أهل الجدل أنه لا يطالبه بطرد الدليل إلا بعد تسليم ما ادعاه من دلالة البرهان، فلا ينقض دليله حتى يسلم، وإلا فإنه يجب تقديم المنع.
[متى يطالب بطرد الدليل وهل يقبل المنع بعد التسليم ؟]
قال: والتسليم إذا لم يقع بترك مسألة لازمة تجاوزها إلى ما بعدها إما لمساهلة في النظر، وإما لضرب من التدبر على الخصم، وإما للعجز والجهل. ثم هؤلاء الجدليون [المتأخرون] لا يقبلون المنع بعد التسليم، قالوا: لأنه كالرجوع عن الإقرار.
وكذلك ذكر القاضي وغيره أنه إذا منع ثبوت وصف العلة بعد النقض لم يقبل؛ لأن النقض اعتراف بوجود العلة وهي مذكورة في أصل الكتاب؛ وهذا ضعيف لوجهين:
أحدهما: أن السكوت لا يدل على التسليم والإقرار كما لو اشترى منه شيئا فإنه لا يقضي أنه مقر له بالملك، أكثر ما فيه أنه أخر السؤال وتركه، وفرق بين عدم منعه وبين تسليمه وليس كل من لم ينف أو يمنع يكون موافقا.
الثاني: أنه لو اعترف صريحا بصحة مقدمة لجاز رجوعه عنها، بل وجب إذا تبين له الحق في خلافها، وهذا ليس كالإقرار بحقوق الآدميين، فإنه لو أقر بحق لله لجاز رجوعه عنه، فكيف بالأقوال الاعتقادية التي يجب فيها اعتقاد الحق فهو كرجوع المفتي عما تبين له خطؤه [ورجوع الحاكم والشاهد والمحدث عما تبين له خطؤه] ٍ كذلك
стр. 494
رجوع المناظر سواء، وليس هذا عيبا عليه في عقله ولا دينه؛ لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، كرجوع الباقين، وهذا بناء منهم على البناء بمقدمة مسلمة وإن لم تكن معلومة؛ لكن فرق بين دوام التسليم والإقرار وبين الرجوع عنه، وقد اعترفوا بالفرق بين أسئلة الجدل وأسئلة الاسترشاد، ومن هنا تخبط، وإلا فلا ينبغي الجدل إلا على وجه الإرشاد والاسترشاد دون الغلبة والاستذلال، وإنما لأهل الجدل والأصول في الجدل العلمي من الحيل والاصطلاح الفاسد أوضاع كثيرة، كما أن للفقهاء والحكام في الجدل الحكمي نحو ذلك، والواجب رد جميع أبواب الجدل والمخاصمة في العلم وفي الحقوق إلى ما دل عليه الكتاب والسنة (١) .
стр. 495
مسائل اللغات
مسألة: الأسماء الشرعية كالصلاة والزكاة والحج والتيمم ونحو ذلك على أصلها في اللغة لم تخرج، بل ضمت الشرعية إليها شروطا وقيودا، اختاره القاضي في كتبه الثلاثة، وبه قال ابن الباقلاني وجماعة من المتكلمين والأشعرية. وقالت المعتزلة وأكثر الحنفية فيما ذكره أبو الخطاب وأكثر الفقهاء فيما ذكره ابن برهان، ولفظه: الفقهاء قاطبة هي منقولة ومعدول بها عن موجبها اللغوي. قال القاضي: وهذا قول فاسد، لأنه يلزم أن يكون مخاطبا لهم بغير لغتهم، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [٤/١٤] وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [١٩٥/٢٦] .
[خطأ ابن الباقلاني في الأسماء الشرعية]
قال والد شيخنا: وخرجها ابن عقيل على وجهين. وحكى الجويني عن ابن الباقلاني أنها على أصولها لم تنقل، ولم يزد فيها، ورد عليه ذلك، واختار هو في ذلك تفصيلا ذكره.
قال شيخنا: وحقيقة مذهب الباقلاني أن الصلاة ليست اسما للأركان وإنما هي اسم لمجرد الدعاء، لكن قيل لنا في الشرعية: ضموا إلى دعائكم كذا وكذا وادعوا على حال دون حال، والصوم
والإمساك كأنه قيل لنا: أمسكوا من وقت إلى وقت، وضموا إلى الإمساك النية وغيرها، فالقيود واجبة في الحكم غير داخلة في الاسم،