[شيخنا] : ... ... ... فصل
في أدب العالم والمتعلم [أو العامي] :
قال سعيد بن يعقوب: كتب إلي أحمد بن حنبل: بسم الله الرحمن الرحيم:
من أحمد بن محمد إلى سعيد بن يعقوب، أما بعد: فإن الدنيا داء، والسلطان دواء، والعالم طبيب، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره. والسلام عليك.
فيه التحذير من استفتاء من يرغب في المال والشرف من العلماء.
وقد كتب في الفقه: هل يشترط في القاضي أن يكون زاهدا ورعا، أو ورعا فقط أو لا يشترط إلا العدالة؟ فيه ثلاثة أوجه، ومنع العلماء مما هو مباح لغيرهم نظير كراهته لهم ترك قيام الليل وهذا فيما لا يحتاج إليه من مال وشرف. وما ذكر عنه وعن ابن المبارك يوافق ذلك؛ فإنه أخبر أن العالم الصادق هو الزاهد ومثل ذلك عن الحسن البصري.
وروى ابن بطة عن جعفر بن محمد عن أبيه مرفوعا قال: «العلماء ورثة الأنبياء، وأمناء الرسل: ما لم يدخلوا في الدنيا» ، قالوا: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: «اتباعهم السلطان، وحبهم الأغنياء فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دمائكم، فإن الله يبطل حسناتهم» (١) .
ويل للعالم إذا سكت عن تعليم الجاهل، وويل للجاهل إذا لم يقبل (٢) .
стр. 492
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الاسترشاد والجدل]
الخلاف في فرض المسئول في الجواب والدليل مذكور في كتب الجدل، والذي ذكره ابن عقيل في الأدب الكلامي أن الجواب إذا لم يكن مطابقا للسؤال بأن كان أعم منه، أو أخص، كما لو سئل عن المطبوخ فقال: أنا أحرم كل مسكر، أو أحرم مطبوخ التمر - لم يأت بجواب مطابق؛ لأنه معدول عن المطلوب في السؤال قال: وإنما ضربنا لك الأمثلة لأن قوما يجيبون بمثلها ويعدونها أجوبة. وكذلك فيما إذا سئل عن المذهب فذكر الدليل عليه فليس بجواب محقق، كما لا يخلط السؤال عن المذهب بالسؤال عن دليله، وهذا إذا قال مذهبي كذا بدلالة كذا. فأما إن قال: والدليل على ذلك كذا كان قد أتى بجواب محدد؛ إلا أنه أتى بإخبار عما علم يسأل عنه: [قال: والاتباع بجواب لم يسأل عنه كالخلط] (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
وحصر ابن عقيل الأسئلة في «أربعة» كما فعله إلكيا في جدله متبعا لمن ذكره:
أحدها: السؤال عن المذهب.
والثاني: السؤال عن الدليل.
ولا اعتراض في ذلك.
والثالث: السؤال عن وجه دلالة الدليل.
والرابع: المطالبة بإجراء العلة في معلولها.
ثم قال ابن عقيل: إنما اعتبرنا ما اعتبرناه من الشروط لغير سؤال
стр. 493
الاستفادة والاسترشاد فإنه لا يعتبر لهما شروط من الشروط المذكورة لسؤال الجدل (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
ذكر ابن عقيل وابن المني والمراغي وجمهور أهل الجدل أنه لا يطالبه بطرد الدليل إلا بعد تسليم ما ادعاه من دلالة البرهان، فلا ينقض دليله حتى يسلم، وإلا فإنه يجب تقديم المنع.
[متى يطالب بطرد الدليل وهل يقبل المنع بعد التسليم ؟]
قال: والتسليم إذا لم يقع بترك مسألة لازمة تجاوزها إلى ما بعدها إما لمساهلة في النظر، وإما لضرب من التدبر على الخصم، وإما للعجز والجهل. ثم هؤلاء الجدليون [المتأخرون] لا يقبلون المنع بعد التسليم، قالوا: لأنه كالرجوع عن الإقرار.
وكذلك ذكر القاضي وغيره أنه إذا منع ثبوت وصف العلة بعد النقض لم يقبل؛ لأن النقض اعتراف بوجود العلة وهي مذكورة في أصل الكتاب؛ وهذا ضعيف لوجهين:
أحدهما: أن السكوت لا يدل على التسليم والإقرار كما لو اشترى منه شيئا فإنه لا يقضي أنه مقر له بالملك، أكثر ما فيه أنه أخر السؤال وتركه، وفرق بين عدم منعه وبين تسليمه وليس كل من لم ينف أو يمنع يكون موافقا.
الثاني: أنه لو اعترف صريحا بصحة مقدمة لجاز رجوعه عنها، بل وجب إذا تبين له الحق في خلافها، وهذا ليس كالإقرار بحقوق الآدميين، فإنه لو أقر بحق لله لجاز رجوعه عنه، فكيف بالأقوال الاعتقادية التي يجب فيها اعتقاد الحق فهو كرجوع المفتي عما تبين له خطؤه [ورجوع الحاكم والشاهد والمحدث عما تبين له خطؤه] ٍ كذلك
стр. 494
رجوع المناظر سواء، وليس هذا عيبا عليه في عقله ولا دينه؛ لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، كرجوع الباقين، وهذا بناء منهم على البناء بمقدمة مسلمة وإن لم تكن معلومة؛ لكن فرق بين دوام التسليم والإقرار وبين الرجوع عنه، وقد اعترفوا بالفرق بين أسئلة الجدل وأسئلة الاسترشاد، ومن هنا تخبط، وإلا فلا ينبغي الجدل إلا على وجه الإرشاد والاسترشاد دون الغلبة والاستذلال، وإنما لأهل الجدل والأصول في الجدل العلمي من الحيل والاصطلاح الفاسد أوضاع كثيرة، كما أن للفقهاء والحكام في الجدل الحكمي نحو ذلك، والواجب رد جميع أبواب الجدل والمخاصمة في العلم وفي الحقوق إلى ما دل عليه الكتاب والسنة (١) .
стр. 495
مسائل اللغات
مسألة: الأسماء الشرعية كالصلاة والزكاة والحج والتيمم ونحو ذلك على أصلها في اللغة لم تخرج، بل ضمت الشرعية إليها شروطا وقيودا، اختاره القاضي في كتبه الثلاثة، وبه قال ابن الباقلاني وجماعة من المتكلمين والأشعرية. وقالت المعتزلة وأكثر الحنفية فيما ذكره أبو الخطاب وأكثر الفقهاء فيما ذكره ابن برهان، ولفظه: الفقهاء قاطبة هي منقولة ومعدول بها عن موجبها اللغوي. قال القاضي: وهذا قول فاسد، لأنه يلزم أن يكون مخاطبا لهم بغير لغتهم، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [٤/١٤] وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [١٩٥/٢٦] .
[خطأ ابن الباقلاني في الأسماء الشرعية]
قال والد شيخنا: وخرجها ابن عقيل على وجهين. وحكى الجويني عن ابن الباقلاني أنها على أصولها لم تنقل، ولم يزد فيها، ورد عليه ذلك، واختار هو في ذلك تفصيلا ذكره.
قال شيخنا: وحقيقة مذهب الباقلاني أن الصلاة ليست اسما للأركان وإنما هي اسم لمجرد الدعاء، لكن قيل لنا في الشرعية: ضموا إلى دعائكم كذا وكذا وادعوا على حال دون حال، والصوم
والإمساك كأنه قيل لنا: أمسكوا من وقت إلى وقت، وضموا إلى الإمساك النية وغيرها، فالقيود واجبة في الحكم غير داخلة في الاسم،
стр. 496
وهذا خطأ قطعًا (١) .
[هل الأسماء كلها من تعليم الله لآدم]
مسألة: «أسماء الأشياء» ثبتت كلها توقيفا من الله تعالى لآدم وتعليما له: إما بتولي خطابه أو بالوحي إليه. هذا مذهب قوم واختاره المقدسي، ولفظ القاضي: قال قوم: جميع أسماء الأشياء في كل لغة كالبيع والنكاح أخذ من جهة توقيف الله لآدم والتعليم له إما بتولي خطابه أو الوحي إليه على لسان من يتولى خطابه وإفهامه. وقيل: عرفت بالمواطأة والاصطلاح، ولا يجوز أن يكون ثبت منها شيء توقيفا، وبه قالت المعتزلة وقيل: يجوز الأمران معا، ويجوز كل واحد منهما، ويجوز أن يوافق فيها اصطلاح توقيفا لآخرين، ويحوز أن يخالف فيها اصطلاح قوم توقيفا لآخرين لم يعلموا به أو علموا ولم يحظر عليهم التواضع؛ فيكون للشيء اسمان توقيفي واصطلاحي وقطع ابن عقيل بأن بعضها توقيفي وبعضها اصطلاحي، وهذا اختيار القاضي، قال: وهو ظاهر كلام أبي بكر عبد العزيز وبه قال ابن الباقلاني والجويني وابن برهان وجماعة، وقال أبو إسحاق الإسفراييني وجماعة من أصحابه: القدر الذي يدعو به غيره إلى التواضع ثبت توقيفا والبقية اصطلاحا.
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[هل للناس أن يسموا الأشياء بغير ما سماها الله به ؟]
قال القاضي: ويجوز أن يسموا الأشياء بغير الأسماء التي وضعها الله علما لها إذا لم يحصل منه حظر لذلك، فإن حظر ذلك لم يجز مخالفة الاسم، ومتى لم يحظر ذلك كان للشيء اسمان، أحدهما موقف من الله والآخر متواضع عليه، وكذلك قال ابن الباقلاني وصاحبه (٢) .
стр. 497
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[الألفاظ دالة على المعاني بالوضع]
ذهب الجمهور إلى أن الألفاظ دالة على المعاني بالوضع لا لذواتها وشذ عباد بن سليمان الصيمري فزعم أن دلالتها لذواتها وهذا باطل باختلاف الاسم لاختلاف الطوائف مع اتحاد المسمى (١) .
[بعض القدرية يرون أن كل حقيقة لابد لها من مجاز]
مسألة: اللغة مشتملة على الحقيقة والمجاز في قول الكافة خلافا للإسفراييني.
قال شيخنا: حكى ابن الباقلاني عن بعض القدرية أن كل حقيقة فلابد لها من مجاز وما لا مجاز له فلا حقيقة له، وأن المجاز يكون بالنقل وبالزيادة والنقص، وقيل: لا يكون إلا بالنقل (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[التخصيص والإضمار]
قال القاضي: التخصيص يجري مجرى الإضمار وكذلك ذكر إلكيا في الإضمار: هل هو من المجاز أو ليس منه؟ فيه قولان؛ كالقولين في العموم والخصوص؛ فإن العموم المخصوص نقص المعنى عن اللفظ والإضمار نقص اللفظ عن المعنى وليس فيهما استعمال اللفظ في موضع آخر (٣) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في الأسماء المتواطئة العامة، والمشتركة، والمجازية:
زعم قوم من القدرية أن الاسمين إذا جريا على المسميين حقيقة كان كل ما استحقه أحدهما من الصفات استحقه الآخر. وهذا غلط؛
стр. 498
لأن الوضع الذي استحق كل واحد من المسميين ما يستحق صاحبه لم يكن لما ذكروه. وزعم قوم من أهل العراق أن الاسم الواحد لا يقع على شيئين أو أشياء مختلفة متضادة الحقيقة وإنما تكون حقيقة في واحد مجازا في غيره، ولعل هذا يوافق قول الناشئ من المعتزلة فإنه كان يقول: الاسم إذا وقع على مسميين فلا يخلو إما أن يكون لاشتباه ذاتيهما كالجوهرين أو لاشتباه ما حملته ذاتهما كالأسود والأسود، أو لأن الاسمين أضيفا إلى مضاف واحد كمعلوم ومعلوم محسوس يقع على أحدهما حقيقة وعلى الآخر مجازا، وكان يزعم أن الله تعالى حي عالم قادر على الحقيقة والمخلوق موصوف بهذا على المجاز، ومن المعتزلة من عكس ذلك (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
في الأسماء المشتقة:
هل هي حقيقة بعد انقضاء المعنى المشتق منه؟
[الأسماء المشتقة هل هي حقيقة بعد انقضاء المعنى؟ ... ]
فيه أقوال، قولان متقابلان: أحدهما: أنه بعد انقضاء المشتق مجاز، وهو قول الحنفية في مسألة الخيار. الثالث: قول أبي الخطاب في مسألة خيار المجلس، وهو الفرق بين ما يطول زمنه كالأكل والشرب وما يقصر زمنه كالبيع والشراء. والضابط: أن ما يعدم عقب وجود مسماه كالبيع والنكاح والاغتسال والتوضؤ فإن الاسم يقع عليه بعد ذلك حقيقة، وما يدوم بعد وجود المسمى كالقيام والقعود فإذا عدم المسمى جميعه كان الاسم مجازا. الرابع: قول أبي الطيب، حكاه القاضي عنه في خيار المجلس. والخامس: من مسائل المجالس أن يسمى عقيب الفعل
زانيا وبائعًا وآكلاً وشاربًا فإذا تطاول الزمان سمي مجازا، فعنده أن
стр. 499
الأسماء حقيقة عقيب وجود المعنى المشتق منه؛ بخلاف ما إذا طال الزمان (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[وحال الشروع في الفعل هل يسمى فاعلا حقيقة]
قال: فأما حال الشروع في الفعل قبل وجود ما يتناوله مطلق الاسم المشتق منه كحين الإيجاب والقبول بالنسبة إلى المتبايعين، والأكل حين أخذ اللقمة قبل وجود مسمى الأكل، فقال أبو الطيب: لا يسمى فاعلا إلا مجازا، وإنما يسمى حقيقة بعد وجود ما يسمى زنا أو أكلا وبيعا فعنده حين تشاغلهما بالتواجب لا يسميان متبايعين، وكذلك قال القاضي: المتبايع اسم مشتق من فعل، فلا يطلق اسم الفاعل إلا بعد وجود الفعل، كالآكل والشارب، فصار حقيقة الاسم بعد وجود الفعل منهما ولهما الخيار. وقال أيضا: حال التشاغل بالبيع لا يسميان متبايعين؛ لأن في اللغة من لم يوجد منه الفعل لا يسمى فاعلا كالآكل والشارب. وقال بعض الحنفية: الاسم إنما هو حقيقة لهما حال التواجب فقط، قال القاضي في مسألة الإجماع: ولأن من يقع عليه اسم المؤمن حقيقة هم الموجودون في العصر، لأن من لم يخلق لا يسمى مؤمنا ومن خلق ومات لا يسمى مؤمنا حقيقة، وإنما كان مؤمنا (٢) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[المضاف بعد زوال موجب الإضافة]
في المضاف بعد زوال موجب الإضافة كقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [٢٧/٣٣] ، وقوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [١٢/٤] ، وقوله: «أيما رجل وجد ماله عند رجل قد أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه» قال بعض الحنفية: صاحب المتاع هو
стр. 500
المشتري، قال القاضي وغيره: معناه الذي كان صاحب متاع، وهذا مجاز مستعمل يجري مجرى الحقيقة، وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [٢٧/٣٣] ، معناه التي كانت أرضهم، وقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [١٢/٤] وإنما كن أزواجا، ومنه قولهم: ضرب فلان، وقطيعة فلان، ونهر فلان (١) .
[شيخنا] : ... ... ... فصل
[إطلاق الاسم المشتق قبل وجود المعنى هل هو مجاز ؟]
فأما إطلاق الاسم المشتق قبل وجود المعنى فذكر بعضهم أنه مجاز بالإجماع، وهذا غلط؛ بل هو نوعان:
أحدهما: أن يراد به الصفة دون الفعل، كقولهم: سيف مقطوع، وماء مرو، وخبز مشبع. فقيل: هذا مجاز، قال القاضي: بل هو حقيقة لأن المجاز ما يصح نفيه كأب الأب يسمى أبا مجازا، لأنه يصح نفيه، فيقال: ليس بأب وإنما هو جد، ومعلوم أنه لا يصح أن ينفي عن السيف الذي يقطع [فيقال] : إنه ليس بقطع، ولا عن الخبز الكثير الذي يشبع أو الماء الكثير: إنه غير مشبع أو مرو، فعلم أن ذلك حقيقة.
الثاني: أن يراد الفعل الذي يتحقق وجوه في المستقبل، هو نوعان، أحدهما: أن لا يتغير الفاعل بفعله كأفعال الله تعالى، فهو -سبحانه- عند أصحابنا وجمهور أهل السنة أنه موصوف في الأزل بالخالق والرازق حقيقة، قال الإمام أحمد ﵀: لم يزل الله متكلما غفورا رحيما. الثاني: أن يتغير (٢) .
стр. 501
العقل
قال والد شيخنا: ونقل إبراهيم الحربي عن أحمد أنه قال: العقل غزيزة والحكمة فطنة.
قال شيخنا: ذكره أبو الحسن التميمي عن محمد بن أحمد بن مخزوم عن إبراهيم الحربي عن أحمد أنه قال: العقل غريزة، والحكمة فطنة، والعلم سماع، والرغبة في الدنيا هوى، والزهد فيها عفاف. قال القاضي: ومعنى قوله: «غريزة» أنه خلقه الله ابتداء، وليس باكتساب العبد ترتيب جيد؛ لكن الغرائز في القوى، وقال ابن فورك: هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح، قال: ومعنى ذلك كله متقارب، وما ذكرناه أولى، وهو قول الجمهور من المتكلمين، خلافا لما حكي عن الفلاسفة أنه اكتساب. وقال قوم: هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض، قال الجويني: وقال الحارث المحاسبي: العقل غريزة يتأتى بها درك العلوم وليس منها، ثم قال: والقدر الذي يحتمله كتابنا أن العقل صفة إذا ثبتت يتأتى بها التوصل إلى العلوم النظرية وإلى مقدمتها من الضروريات التي هي مستند النظريات ثم قال: ولا ينبغي أن يعتقد الناظر أن هذا مبلغ علمنا في حقيقة العقل، ولكن هذا الموضع لا يحتمل أكثر منه.
وقال قوم: هو مادة وطبيعة، وقال آخرون: هو جوهر بسيط (١) .
[شيخنا] : فصل
قال المخالف: العقل من العلوم الضرورية، وذلك لا يختلف في حق كل عاقل. فقال القاضي: والجواب: أن تلك العلوم لم يختلف ما تدرك به من النظر والشم والذوق، فلهذا لم تختلف هي في أنفسها،
стр. 502
وليس كذلك العقل، لأنه يختلف ما يدرك وهو التمييز والفكر فيقل في حق بعضهم ويكثر في حق بعض (١) .
مسألة: قال أصحابنا: يصح أن يكون عقل أكمل من [عقل] وأرجح ذكره أبو محمد البربهاري وأبو الحسن التميمي والقاضي.
قال شيخنا: قال أبو محمد في شرح السنة: العقل مولود، أعطي كل إنسان من العقل ما أراد الله يتفاوتون في العقول، مثل الذرة في السموات، ويطالب كل إنسان على قدر ما أعطاه من العقل.
قال والد شيخنا: وذهب أبو الخطاب وابن عقيل إلى أنه لا يجوز أن يكون عقل أرجح من عقل [وهذا مذهب المعتزلة فيما حكاه القاضي والأشعرية. [قالت الأشعرية: وأما قولهم: «عقل فلان أرجح من عقل فلان» ] فإنما هو من التجارب، وقد تسمى التجارب عقلا، وهذا فاسد]
قال شيخنا: وهذا الثاني حكاه القاضي عن [المتكلمين من] الأشعرية والمعتزلة، وكان قد حكاه أولا عن ابن الباقلاني (٢) .
تم بعون الله تعالى
المجلد الثاني
ويليه المجلد الثالث
أوله كتاب الطهارة
стр. 503
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
قدَّسَ الله رُوحَه
المجلد الثالث
الطهارة - الجهاد
جمعه ورتبه
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
стр. 504
كتاب الطهارة
باب المياه
وقد اختلف العلماء في «الطهور» هل هو بمعنى «الطاهر» أم لا؟
وهذا النزاع معروف بين المتأخرين من أتباع الأئمة الأربعة.
قال كثير من أصحاب مالك وأحمد والشافعي: «الطهور» متعد. و «الطاهر» لازم.
وقال كثير من أصحاب أبي حنيفة: بل «الطاهر» هو «الطهور» وهو قول الخرقي.
وفصل الخطاب في المسألة: أن صيغة اللزوم والتعدي لفظ مجمل يراد به اللزوم والتعدي النحوي اللفظي، ويراد به التعدي الفقهي.
فالأول أن يراد باللازم ما لم ينصب المفعول به، ويراد بالمتعدي ما نصب المفعول به، فهذا لا تفرق العرب فيه «فاعل» و «فعول» في اللزوم فمن قال: إن فعول هذا بمعنى فاعل، من أن كلاَّ منهما مفعول به كما قال كثير من الحنفية فقد أصاب، ومن اعتقد أن فعول بمعنى فاعل الماضي فقد أخطأ.
وأما التعدي الفقهي فيراد به أن الماء الذي يتطهر به في رفع الحدث، بخلاف ما كان كالأدهان والألبان.
стр. 505
وعلى هذا فلفظ طاهر في الشرع أعم من لفظ «طهور» فكل طهور طاهر، وليس كل طاهر طهورا.
وقد غلط الفريقان في ظنهم أن «طهورًا» معدول عن طاهر، وإنما هو اسم لما يتطهر به؛ فإن العرب تقول: طهور، ووجور لما يتطهر به، ويوجر به، وبالضم للفعل الذي هو مسمى المصدر فطهور صيغة مبينة لما يفعل به، وليس معدولا عن طاهر، ولهذا قال تعالى في إحدى الآيتين: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورً﴾ [٤٨/٢٥] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [١١/٨] .
إذا عرفت هذا فالطاهر يتناول الماء وغيره، وكذلك الطهور؛ فإن النبي ﷺ «جعل التراب طهورا» ، ولكن لفظ «طاهر» يقع على جامدات كثيرة كالثياب والأطعمة وعلى مائعات كثيرة كالأدهان والألبان، وتلك لا يمكن أن يتطهر بها فهي طاهرة ليست بطهور.
قال بعض الناس: لا فائدة في النزاع في المسألة. قال القاضي أبو يعلى: فائدته أنه عندنا لا تجوز إزالة النجاسة بغير الماء لاختصاصه بالتطهير، وعندهم تجوز لمشاركته غير الماء في الطهارة، قال أبو العباس: وله فائدة أخرى: وهي أن الماء يدفع النجاسة عن نفسه بكونه مطهرا كما دل عليه قوله ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء» وغيره ليس بطهور فلا يدفع، وعندهم الجميع سواء (١) .
وتجوز طهارة الحدث بكل ما يسمى ماء، وبمعتصر الشجر، قاله ابن أبي ليلى والأوزاعي والأصم وابن شعبان؛ وبالمتغير بطاهر، وهو رواية عن أحمد ﵀، وهو مذهب أبي حنيفة، وبما خلت به امرأة لطهارة وهو رواية عن أحمد رحمه الله تعالى وهو مذهب الأئمة الثلاثة.
стр. 506
وبالمستعمل في رفع الحدث وهو رواية اختارها ابن عقيل وأبو البقاء، وطوائف من العلماء، وذهبت طائفة إلى نجاسته وهو رواية عن أحمد ﵀ (١) .
فصل
الماء المتغير بالطاهر الذي يمكن صونه عنه: فيه قولان لأحمد وغيره.
قال شيخ الإسلام: والصحيح عندي -وعليه نصوص أحمد-، أنه لا يسلبه الطهورية لأن المتغير بالطاهرات إما أن يتناوله اسم الماء عند الإطلاق أو لا. فإن تناوله فلا فرق بين ما يمكن صونه وما لا يمكن صونه، وبين ما تغير بأصل الخلقة وغيره.
وإذا تناوله فلا فرق بين هذين النوعين وبين غيرهما؛ إذ الفرق بين ما كان دائما وحادثا، وما كان يمكن الاحتراز عنه وما لا يمكن إنما هي فروق فقهية، أما كونها فروقا من جهة اللغة وتناول اللفظ لها فلا.
وبهذا يظهر الجواب عن جميع شواهد أدلتهم: مثل اشتراء الماء في باب الوكالة، والنذر، والوقف أو اليمين أو غير ذلك فإن خطاب الناس في هذه الأحكام لا فرق فيه بين مقارن وحادث، فحقيقة قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [٦/٥] إن كان شاملا للمتغير بأصل الخلقة أو لما تغير بما يشق الاحتراز عنه فهو شامل لما تغير بما لا يشق صونه عنه، وإذا كانت دلالة القرآن على الكل سواء كان التمسك بدلالة القرآن حجة لمن جعله طهورا؛ لا عليه.
стр. 507
وليس في المسألة دليل من السنة ولا من الإجماع ولا من القياس بل الأحاديث كما في المحرم الذي وقصته ناقته: «اغسلوه بماء وسدر» ، وفي غسل ابنته قال: «اغسلنها بماء وسدر» وتوضؤ أم سلمة من قصعة فيها أثر العجين، وقوله: «تمرة طيبة وماء طهور» كل ذلك ونحوه نص دال على جواز استعمال الماء المتغير بالطاهرات أدل منها على نقيض ذلك.
وأيضا الأصل بقاء ما كان على ما كان، وليس هذا استصحابا للإجماع في مورد النزاع حتى يقال: فيه خلاف؛ فإن ذلك هو دعوى بقاء الإجماع؛ بل يقال: هو قبل التغير طاهر بالنص والإجماع، والأصل بقاء الحكم على ما كان وإن لم يكن الدليل شاملا له، إذ مع شمول الدليل إنما يكون استدلالاً بنص أو إجماع، لا بالاستصحاب، وهذا الاستدلال إنما هو بالاستصحاب.
وقول بعض الحنفية: إن الماء لا ينقسم إلى طاهر ونجس، فليس بشيء لأنه إن أراد: كل ما يسمى ماءً مطلقا ومقيدًا فهو خطأ، لأن المياه المعتصرة طاهرة ولا يجوز بها رفع الحدث.
وإن أراد الماء المطلق، لم يصح، فإن النجس لا يدخل في المطلق.
وقولهم: «طهور» بمعنى «طاهر» غلط، لأن «الطهور» اسم لما يتطهر به كالفطور، والسحور والوجور لما يفطر عليه ويتسحر به ويوجر به؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ والطاهر لا يدل على ما يتطهر به، ومن ظن أن الطهور معدول عن طاهر فيكون بمنزلته في التعدية واللزوم عند النحويين فهو قول من لم يحكم قوله من جهة العربية.
стр. 508
وبهذا تظهر دلالة النصوص على ما قلنا كقوله ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه» وقوله: «جعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا» مما يبين أن المراد ما يتطهر به، ولا يجوز أن يراد طاهر لفساد المعنى، ولا يجوز أن يراد طهور تعدية طاهر لفساد الاستعمال (١) .
قال الخلال: حدثنا صالح بن أحمد؛ قال: قلت لأبي: إذا اغتسل الجنب في البئر أو في الغدير وفيه الماء أكثر من قلتين؟ قال: يجزيه ذلك، قال أحمد: أنجس الماء؟
قول أحمد: أنجس الماء؟ ظن بعض أصحابه أنه أراد نجاسة الخبث فذكر رواية عنه: وإنما أراد أحمد نجاسة الحدث، كما يراد بالطهارة طهارة الحدث، وأحمد ﵁ لا يخالف سنة ظاهرة معلومة له قط، والسنة في ذلك أبين من أن تخفى على أقل أتباعه.
وحمل كلامه على الغدير يغتسل فيه أقل من قلتين من نجاسة الحدث، وليست هذه المسألة من موارد الظنون بل هي قطعية بلا ريب.
ولا يستحب غسل البدن والثوب منه، وهو أصح الروايتين عنه.
وأول القاضي القول بنجاسة الماء بجعله في صفة النجس في منع الوضوء لا أنه تنجس حقيقة.
وظاهر كلام القاضي في التعليق: أن الحدث لا يرتفع عن الأعضاء إلا بعد الانفصال كما لا يصير مستعملا إلا بذلك، فهذا إذا نوى وهو في الماء، وإذا نوى قبل الانغماس ففيه وجهان، وأما إذا صب الماء على العضو: فهنا ينبغي أن يرتفع الحدث (٢) .
стр. 509
وذكر في «شرح العمدة» : أن نجاسة الماء ليست عينية؛ لأنه يطهر غيره فنفسه أولى (١) .
لو سبل ماء للشرب هل يجوز الوضوء منه مع الكراهة، أم يحرم؟ على وجهين: وقيل: يكره الغسل (خ) لا الوضوء (و) واختاره شيخنا (٢) .
وإن انفصل غير متغير بعد زوالها فهو طاهر، وإن كان على غير الأرض فهو طاهر، وهل يكون طهورا؟ على وجهين والوجه الثاني: أنه طهور، قال المجد: وهو الصحيح، قال الشيخ تقي الدين: هذا أقوى (٣) .
فائدة: ظاهر كلام المصنف أن الماء في محل التطهير لا يؤثر تغيره والحالة هذه، وقيل فيه قول: يؤثر واختاره الشيخ تقي الدين (٤) .
فصل
وأما الماء إذا تغير بالنجاسات فإنه ينجس بالاتفاق.
وأما ما لم يتغير ففيه أقوال معروفة.
أحدها: لا ينجس وهو قول أهل المدينة، ورواية المدنيين عن مالك، وكثير من أهل الحديث، وإحدى الروايات عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه ونصرها ابن عقيل في المفردات وابن المني وغيرهماِ.
стр. 510
والثاني: ينجس قليل الماء بقليل النجاسة، وهي رواية البصريين عن مالك.
والثالث: وهو مذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى اختارها طائفة من أصحابه الفرق بين القلتين وغيرهما؛ فمالك لا يحد الكثير بالقلتين والشافعي وأحمد يحدان الكثير بالقلتين.
والرابع: الفرق بين البول والعذرة المائعة وغيرها، فالأول ينجس منه ما أمكن نزحه دون ما لم يمكن نزحه، بخلاف الثاني فإنه لا ينجس القلتين فصاعدا، وهذا أشهر الروايات عن أحمد واختيار أكثر أصحابه.
والخامس: أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة سواء كان قليلا أو كثيرا، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، لكن ما لم يصل إليه لا ينجسه، ثم حدوا ما لم يصل إليه بما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، ثم تنازعوا: هل يحد بحركة المتوضئ أو المغتسل؟ وقدر ذلك محمد بن الحسن بمسجده فوجدوه عشرة أذرع في عشرة أذرع. وتنازعوا في الآبار إذا وقعت فيها نجاسة هل يمكن تطهيرها؟ فزعم بشر المريسي أنه لا يمكن، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يمكن تطهيرها بالنزح، ولهم في تقدير الدلاء أقوال معروفة.
والسادس: قول أهل الظاهر الذين ينجسون ما بال فيه البائل دون ما ألقي فيه البول، ولا ينجسون ما سوى ذلك إلا بالتغير.
وأصل هذه المسألة من جهة المعنى: أن اختلاط الخبيث وهو النجاسة بالماء هل يوجب تحريم الجميع، أم يقال: بل قد استحال في الماء فلم يبق له حكم.
فالمنجسون ذهبوا إلى القول الأول، ثم من استثنى الكثير قال: هذا يشق الاحتراز من وقوع النجاسة فيه فجعلوا ذلك موضع استحسان، كما ذهب إلى ذلك طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد.
стр. 511
وأما أصحاب أبي حنيفة فبنوا الأمر على وصول النجاسة وعدم وصولها وقدروه بالحركة، أو بالمساحة في الطول والعرض دون العمق.
والصواب هو القول الأول، وأنه متى علم أن النجاسة قد استحالت فالماء طاهر سواء كان قليلا أو كثيرا، وكذلك في المائعات كلها، وذلك أن الله تعالى أباح الطيبات وحرم الخبائث، والخبيث متميز عن الطيب بصفاته، فإذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيب دون الخبيث وجب دخوله في الحلال دون الحرام.
وأيضا فقد ثبت من حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ قيل له: أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال: «الماء طهور لا ينجسه شيء» . قال أحمد: حديث صحيح، وهو في المسند أيضا عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وهذا اللفظ عام في القليل والكثير، وهو عام في جميع النجاسات.
وأما إذا تغير بالنجاسة فإنما حرم استعماله لأن جرم النجاسة باق ففي استعماله استعمالها؛ بخلاف ما إذا استحالت فإن الماء طهور وليس هناك نجاسة قائمة.
ومما يبين ذلك: أنه لو وقع خمر في ماء واستحالت ثم شربها شارب لم يكن شاربا للخمر، ولم يجب عليه حد الخمر؛ إذ لم يبق شيء من طعمها ولونها وريحها، ولو صب لبن امرأة في ماء واستحال حتى لم يبق له أثر وشرب طفل وذلك الماء لم يصر ابنها من الرضاعة بذلك.
وأيضا فإن هذا باق على أوصاف خلقته فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة لا طعمه ولا لونه ولا ريحه.
стр. 512
فإن قيل: فإن النبي ﷺ قد «نهى عن البول في الماء الدائم وعن الاغتسال فيه؟» قيل: نهيه عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول، إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك، بل قد يكون نهيه سدا للذريعة، أو يقال: إنه مكروه بمجرد الطبع لا لأجل أنه ينجسه.
وأيضا فيدل نهيه عن البول في الماء الدائم أنه يعم القليل والكثير.
فيقال لصاحب القلتين: أتجوز بوله فيما فوق القلتين؟ إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن حرمته فقد نقضت دليلك.
وكذلك يقال لمن فرق بين ما يمكن نزحه وما لا يمكن: أتسوغ للحجاج أن يبولوا في المصانع المبنية بطريق مكة؟ إن جوزته خالفت ظاهر النص؛ فإن هذا ماء دائم والحديث لم يفرق بين القليل والكثير إلا نقضت قولك.
وكذلك يقال للمقدر بعشرة أذرع: إذا كان لأهل القرية غدير مستطيل أكثر من عشرة أذرع رقيق: أتسوغ لأهل القرية البول فيه؟ فإن سوغته خالفت ظاهر النص، وإلا نقضت قولك.
فإذا كان النص بل والإجماع دل على أنه نهى عن البول فيما ينجسه البول بل تقدير الماء وغير ذلك مما يشترك فيه القليل والكثير كان هذا الوصف المشترك بين القليل والكثير مستقلا بالنهي، فلم يجز تعليل النهي بالنجاسة، ولا يجوز أن يقال: إنه ﷺ إنما نهى عن البول فيه لأن البول ينجسه، فإن هذا خلاف النص والإجماع.
وأما من فرق بين البول فيه وبين صب البول، فقوله ظاهر الفساد؛ فإن صب البول أبلغ من أن ينهى عنه من مجرد البول، إذ الإنسان قد يحتاج إلى أن يبول وأما صب الأبوال في المياه فلا حاجة إليه.
стр. 513
فإن قيل: ففي حديث القلتين: «أنه سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب؟ فقال: إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث» وفي لفظ: «لم ينجسه شيء» .
قيل: حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع، وبين أنه من كلام ابن عمر لا من كلام النبي ﷺ (١) .
فإذا صح فمنطوقه موافق لغيره، وهو أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجسه شيء.
وأما مفهومه إذا قلنا بدلالة مفهوم العدد فإنما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه مخالف للحكم في المنطوق بوجه من الوجوه لتظهر فائدة التخصيص بالقدر المعين، ولا يشترط أن يكون الحكم في كل صورة من صور المسكوت عنه مناقضة للحكم في كل صورة من صور المنطوق، وهذا مفهوم قولهم: المفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن يكون كل ما لم يبلغ القلتين ينجس؛ بل إذا قيل بالمخالفة في بعض الصور حصل المقصود؛ والمقدار الكثير لا يغيره ورود ما ورد عليه في العادة؛ بخلاف القليل فإنه قد يغيره، وذلك إذا سأل عنه فإنه لا يحمل النجاسة في العادة فلا ينجسه، وما دونه فقد يحمل وقد لا يحمل، فإن حملها تنجس وإلا فلا، وحمل النجاسة هو كونها محمولة فيه.
ويحقق ذلك أيضا أن النبي ﷺ لم يذكر هذا التقدير ابتداء وإنما ذكره في جواب من سأله عن مياه الفلاة التي تردها السباع والدواب.
والتخصيص إذا كان له سبب غير اختصاص الحكم لم يبق حجة
стр. 514
بالاتفاق كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [٣١/٧] فإنه خص هذه الصورة بالنهي لأنها هي الواقعة، لا لأن التحريم يختص بها.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [٢٨٣/٢] فذكر الرهن في هذه الصورة للحاجة لا للكثرة مع أنه قد ثبت أن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة، فهذا رهن في الحضر، فكذلك قوله: «إذا بلغ الماء قلتين» في جواب سؤال معين هو بيان لما احتاج السائل إلى بيانه، فلما كان ذلك المسئول عنه كثيرا قد بلغ قلتين ومن شأن الكثير أن لا يحمل الخبث فلا يبقى الخبث فيه محمولا بل يستحيل فيه الخبث لكثرته بين لهم أن ما سألتم عنه لا خبث فيه فلا ينجس.
ودل كلامه على أن مناط التنجيس هو كون الخبث محمولا، فحيث كان الخبث محمولا موجودا في الماء كان نجسا، وحيث كان الخبث مستهلكا فيه غير محمول في الماء كان باقيا على طهارته.
والمنازع يقول: المؤثر في التنجيس في القليل ولو مطلقا هو نفس الملاقاة وهي موجودة لحمل الخبث كان القليل والكثير سواء في ذلك. وكونه لا يحمل الخبث ليس هو لعجزه عنه كما يظنه بعض الناس فإنه لو كان كذلك لكان القليل أولى أن يحمله، فصار حديث القلتين موافقا لقوله «الماء طهور لا ينجسه شيء» .
والتقدير فيه لبيان أنه في صورة السؤال لم ينجس؛ لا أنه أراد أن كل ما لم يبلغ قلتين فإنه يحمل الخبث؛ فإن هذا مخالفة للحس؛ إذ ما دون القلتين قد يحمل الخبث وقد لا يحمله، فإن كان الخبث كثيرا وكان الماء يسيرا يحمل الخبث، وإن كان الخبث يسيرا والماء كثيرا لم يحمل الخبث؛ بخلاف القلتين فإنه لا يحمل في العادة الخبث الذي سألوه عنه.
стр. 515
ونكتة الجواب: أن كونه يحمل الخبث أو لا يحمله أمر حسي يعرف بالعكس، فإذا كان الخبث موجودا فيه كان محمولا، وإن كان مستهلكا لم يكن محمولا، فإذا علم كثرة الماء وضعف الملاقي علم أنه لا يحمل الخبث.
والدليل على هذا اتفاقهم على أن الكثير إذا تغير ريحه حمل الخبث، فصار قوله: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» و «لم ينجسه شيء» كقوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وهو إنما أراد إذا لم يتغير في الموضعين، وأما إذا كان قليلا فقد يحمل الخبث لضعفه.
وعلى هذا يخرج أمره بتطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبعا إحداهن بالتراب والأمر بإراقته، فإن قوله «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه» أو «فليغسله سبعا أولاهن بالتراب» كقوله: «إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» .
فإذا كان النهي عن غمس اليد في الإناء هو في الإناء المعتاد للغمس وهو الواحد من آنية المياه فكذلك تلك الآنية هي الآنية المعتادة للولوغ وهي آنية الماء، وذلك أن الكلب يلغ بلسانه شيئا بعد شيء، فلا بد أن يبقى في الماء من ريقه ولعابه ما يبقى وهو لزج فلا يحيله الماء القليل بل يبقى، فيكون ذلك الخبث محمولا في ماء يسير في ذلك الإناء، فيراق ذلك الماء لأجل كون الخبث محمولا فيه لما يروى: «ويغسل الإناء الذي لاقاه ذلك الخبث» .
وهذا بخلاف الخبث المستهلك المستحيل كاستحالة الخمر، فإن الخمر إذا انقلبت في الدن بإذن الله تعالى كانت طاهرة باتفاق العلماء، وكذلك جوانب الدن، فهناك يغسل الإناء وهنا لا يغسل، لأن الاستحالة حصلت في أحد الموضعين دون الآخر.
стр. 516
وأيضا فإن النبي ﷺ لو أراد الفصل بين المقدار الذي ينجس بمجرد الملاقاة وبين ما لا ينجس إلا بالتغير لقال: «إذا لم يبلغ قلتين نجس، وما بلغهما لم ينجس إلا بالتغير» أو نحو ذلك من الكلام الذي يدل على ذلك.
فأما مجرد قوله: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» مع أن الكثير ينجس بالتغير بالاتفاق فلا يدل على أن هذا هو المقصود، بل يدل على أنه في العادة لا يحمل الأخباث فلا تنجسه، فهو إخبار عن انتفاء سبب التنجيس، وبيان لكون المنجس في نفس الأمر هو حمل الخبث، والله أعلم (١) .
«حديث القلتين» .
وأما علته فمن ثلاثة أوجه:
أحدها: وقف مجاهد له على ابن عمر، واختلف فيه عليه واختلف فيه على عبيد الله أيضًا رفعًا ووقفًا ورجح شيخا الإسلام أبو الحجاج المزي وأبو العباس ابن تيمية وقفه، ورجع البيهقي في سننه وقفه وجعله هو الصواب.
قال شيخنا أبو العباس: وهذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدث به عن النبي ﷺ ، ولكن سئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه فنقل ذلك ابنه عنه (٢) .
لا يسوغ الاجتهاد في حل المسكر فكيف الطهارة به قاله شيخنا (٣) .
стр. 517
ويحرم منع المحتاج إلى الطهارة ولو وقفت على طائفة معينة كمدرسة ورباط ولو في ملكه لأنها بموجب الشرع والعرف مبذولة للمحتاج، ولو قدر أن الواقف صرح بالمنع فإنما يسوغ مع الاستغناء.. ولا أجرة في الأصح (١) .
وفي الثياب المشتبهة بنجس أنه يتحرى ويصلي في واحد، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، قَلَّت الطاهرة أو كثرة (٢) .
ولو أشبهت ميتة بمذكاة وجب الكف عنهما ولم يتحر من غير ضرورة، والحرام باطنا الميتة في أحد الوجهين اختاره الشيخ تقي الدين (٣) .
باب الآنية
يحرم استعمال آنية الذهب والفضة واتخاذها، ذكره القاضي في الخلاف، وما لا يستعمل فهو أسهل مثل الضبة في السكين والقدح، وكذلك نقل جعفر بن محمد: لا يعجبني رءوس القوارير والمكحلة والمرود.
ويحرم استعمال إناء مفضض إذا كان كثيرا، ولا يكره يسيره لحاجة ويكره لغيرها.
ونص على التفصيل في رواية جماعة، وفي رواية أبي الحارث: رأس المكحلة والميل وحلقة المرآة إذا كانت من فضة فهي من الضبة والمكحلة. وأجاز الضبة فإنها في العادة تستعمل للحاجة وهو كسر
стр. 518
الإناء، ومنع من الحلقة بأنها تستعمل عند عدم الحاجة، ولهذا تستعمل مع صحة الإناء، كذلك رأس المكحلة والقوارير تستعمل للزينة، وقال في رواية نصر وجعفر بن محمد: لا بأس يضببه (١) وأكره الحلقة.
وقال في رواية مهنا وابن منصور: لا بأس في إناء مفضض إذا لم يقع فمه على الفضة.
قال القاضي: وقد فرق بين الضبة والحلقة ورأس المكحلة.
وقال أبو العباس: وكلام أحمد ﵀ لمن تدبره لم يتعرض للحاجة وعدمها، وإنما فرق بين ما يستعمل وبين ما لا يستعمل؛ فإنه قال: رأس المكحلة والميل وحلقة المرآة إذا كانا من الفضة فهو من الآنية. وما لا يستعمل فهو أهون مثل الضبة في السكين والقدح. فقد نص على أنه إذا كان الفرق في الاستعمال كالحلقة يمسك بها الإناء وكذلك رأس المكحلة فليس كذلك، بخلاف قبضة السكين فإنها لا تستعمل، ثم أطلق: لا بأس بالضبة وأكره الحلقة، ولم يعتبر الحاجة.
وقال أيضا في رواية مهنا ومنصور: لا بأس بالشرب في قدح مضبب إذا لم يقع فمه على الضبة مثل العلم في الثواب، فقد رخص في الشرب في المفضض ولم يشترط حاجة ولم يقيده بالقلة وقاسه على العلم في الثوب، وهذا بين في أن الفضة تباح على سبيل التبع كالحرير، ومقتضى هذه الرواية أن يباح الكثير إذا كان أقل مما هو فيه ولم يستعمل، وهذا هو الصواب.
وكذلك في التعليق القديم: إنما كره أحمد الحلقة في الإناء، ولم يكره الضبة، لأن الحلقة يحصل الانتفاع بها على الانفراد لأنها تستعمل
стр. 519
بما هو المنفصل وهو الزيادة، والضبة لا تنفرد باستعمالها، ولأن الحلقة قد يمكن الانتفاع بها لو انفردت.
وقد ذكر في موضع آخر: أن أحمد إنما كره الحلقة في الإناء اتباعا لابن عمر، والمنع هنا مقتضى النص والقياس؛ فإن تحريم الشيء مطلقا يقتضي تحريم كل جزء منه إلا ما استثني، إذ النهي عن الشيء نهي عن بعضه.
فأما يسير الذهب فلا يباح بحال نص عليه في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث في الفص إذا خاف عليه أن يسقط هل يجعل له مسمار من ذهب؟ فقال: إنما رخص على الأسنان للضرورة، فأما المسمار فلا، فإذا كان هذا في اللباس ففي الآنية أولى.
وقد غلطت طائفة من أصحاب أحمد حيث حكت قولاً بيسير الذهب تبعًا لقوله في الآنية عن أبي بكر عبد العزيز، وأبو بكر إنما قال ذلك في اللباس والتحلي، وباب اللباس أوسع.
ولا يجوز تمويه السقوف بالذهب والفضة.
ولا يجوز لطخ اللجام والسرج بالفضة نص عليه، وعنه ما يدل على إباحته وهو مذهب أبي حنيفة.
وحيث أبيحت الضبة فإنما يراد من إباحتها أن تحتاج إلى تلك الصورة؛ لا إلى كونها من ذهب أو فضة؛ فإن هذه ضرورة وهي تبيح المتعذر.
ويباح الاكتحال بميل الذهب والفضة، لأنها حاجة ويباحان لها، قاله أبو المعالي (١) .
стр. 520
فإن توضأ منهما فهل تصح طهارته على وجهين: أحدهما تصح منها.. والوجه الثاني لا تصح الطهارة منها جزم به ناظم المفردات وهو منها، واختاره أبو بكر والقاضي أبو الحسين والشيخ تقي الدين قاله الزركشي (١) .
جلد الميتة:
قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: ويباح استعماله في اليابسات مع القول بالنجاسة في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: لا تباح وهو الأظهر، للنهي عن ذلك فأما قبل الدبغ فلا ينتفع به قولا واحدا (٢) .
والوجه الثاني أن الحكم قبل الدبغ وبعده سواء، قال في الفائق: ويباح الانتفاع بها في اليابسات اختاره الشيخ تقي الدين. اهـ.
الثاني مفهوم كلامه أنه لا يجوز استعمالها في غير اليابسات كالمائعات ونحوها.. قال لأنها نجسة العين.. وقال الشيخ تقي الدين في فتاويه يجوز الانتفاع بها في ذلك إن لم ينجس العين (٣) .
ولا يطهر جلد غير المأكول في الذكاة، بل لا يجوز ذبحه، وقال الشيخ تقي الدين: ولو كان في النزع (٤) .
ويجوز الانتفاع بالنجاسات في رواية، لكن كرهه أحمد وجماعة، وعنه وشحم ميتة (وش) أومأ إليه في رواية ابن منصور، ومال إليه شيخنا (٥) .
стр. 521
وفأرة المسك طاهرة عند جماهير العلماء، وليس ذلك فيما يبان من البهيمة وهي حية؛ بل هو بمنزلة البيض والولد واللبن والصوف والله أعلم (١) .
باب الاستنجاء
وأما حمد العاطس وإجابة المؤذن فيحمد ويجيب بقلبه، ويكره بلفظه، وعنه لا يكره.
قال الشيخ تقي الدين يجيب المؤذن في الخلاء (٢) .
فروى عبد الله وحنبل عن أحمد: إذا عطس الرجل في صلاته يحمد الله في نفسه ولا يرفع صوته، ويحمد الله إذا عطس بخلاء، قال أبو داود للإمام أحمد: في الرجل يعطس في الصلاة المكتوبة وغيرها؟ قال أحمد: يحمد الله ولا يجهر، قلت: يحرك بها لسانه؟ قال: نعم.
قال القاضي: وفي هذا إذا عطس في الخلاء فقد نقل صالح وابن منصور يحمد في نفسه، ونقل بكر بن محمد يحرك به شفتيه في الخلاء، قال القاضي: بحيث لا يسمعه، وقال: ما لا يسمعه لا يكون كلاما فيجري مجرى الذكر في نفسه، ولا تبطل به الصلاة في الرواية الثانية وفاقا للقاضي وجعلها أولى الروايتين، قال أبو العباس: أما مسألة الصلاة فتقارب مسألة الخلاء، فإن الحمد لله ذكر لله ونص أحمد على أنه يقوله في الصلاة بمنزلة أذكار المخافتة، لكن لا يجهر به كما يجهر به خارج الصلاة ليس أنه لا يسمع نفسه، وأما مسألة الخلاء فيحتمل أن يكون ما قال القاضي، ويحتمل أن تكون الروايتان معناهما الذكر الخفي عن غيره كما في الصلاة، ويحتمل أن يكون في المسألة روايتان: إحداهما في نفسه بلا لفظ، والثانية باللفظ (٣) .
стр. 522
قال الشيخ تقي الدين: ينبغي أن نقول بوجوب الاستنجاء باليسرى ومسح الفرج بها لأن النهي في كليهما: الإنصاف (٨/ ٣٢٦) وللفهارس (٢/ ٣٤) .
ويكره رفع ثوبه قبل دنوه من الأرض وهو الصحيح جزم به في الفصول والمغنى وشرح ابن منجا وشرح العمدة للشيخ تقي الدين (١) .
يحرم استقبال القبلة واستدبارها عند التخلي مطلقا سواء الفضاء والبنيان وهو رواية اختارها أبو بكر عبد العزيز، ولا يكفي انحرافه عن الجهة (٢) .
وقال الشيخ: يستحب أن يمكث بعد البول قليلا (٣) .
ونص أحمد: لا يستجمر في غير المخرج، وقيل: يستجمر في الصفحتين والحشفة (وش) واختار شيخنا وغيره ذلك لعموم الأدلة بجواز الاستجمار ولم ينقل عنه ﷺ في ذلك تقدير (٤) .
وحدد الشيخ تقي الدين في شرح العمدة ما يتجاوز موضع العادة بأن ينتشر الغائط إلى نصف باطن الألية فأكثر، والبول إلى نصف الحشفة فأكثر فحينئذ يتعين الماء (٥) .
قوله: وفي وجوب غسل ما أمكن من داخل فرج ثيب في نجاسة وجنابة وجهان:
стр. 523
أحدهما: لا يجب وهو الصحيح نص عليه واختاره المجد وحفيده وغيرهما (١) .
إذا كان في المسجد بركة يغلق عليها بابه ويمشي حولها دون أن يصلي حلوها فهل يبال فيها؟
هذا يشبه البول في المسجد في القارورة، ومن الفقهاء من نهى عنه لأن هواء المسجد كقرارة في الحرمة، ومنهم من يرخص للحاجة، والأشبه أن هذا إذا فعل للحاجة فقريب، وأما إذا اتخذ مبالا أو متنجى فلا (٢) .
قال الشيخ تقي الدين: ولا يغسل في المسجد ميت، قال: ويجوز عمل مكان فيه للوضوء للمصلين وفي نسخة للمصلحة بلا محذور (٣) .
وإن كان في دخول أهل الذمة مطهرة المسلمين تضييق أو تنجس أو إفساد ماء ونحوه وجب منعهم، قال: وإن لم يكن ضرر ولهم ما يستغنون به عن مطهرة المسلمين فليس لهم مزاحمتهم (٤) .
«إلا الروث والعظام» واختار الشيخ تقي الدين الإجزاء بهما، قال في الفروع: وظاهر كلام الشيخ تقي الدين وبما نهي عنه، قال: لأنه لم ينه عنه لكونه لا ينقى بل لإفساده.
فإن قيل: يزول بطعامنا مع التحريم فهذا أولى، واختار الشيخ تقي الدين في قواعده الإجزاء بالمطعوم ونحوه ذكره الزركشي أيضًا (٥) .
стр. 524
واختار أبو العباس في قواعده الإجزاء بالحجر المغضوب ونحوه من عصب ونحوها وفي المطعوم ونحوه، ومن مذهبه زوال النجاسة بغير الماء من المزيلات كماء الورد ونحوه (١) .
فإن توضأ قبله فهل يصح وضوءه؟ على روايتين: إحداهما: يصح، قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: هذا أشهر (٢) .
باب السواك وسنن الوضوء
السواك يطلق على الفعل، وعلى ما يتسوك به، قال الليث: وتؤنثه العرب أيضا.
وغلطه الأزهري في ذلك وتبعه ابن سيدة في المحكم (٣) .
وهو في جميع الأوقات مستحب، والأصح ولو لصائم بعد الزوال وهو رواية عن أحمد وقاله مالك وغيره، قال أبو العباس: والسواك ما علمت أحدا كرهه في المسجد والآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون فيه فكيف يكره (٤) ؟
وعنه يستحب للصائم كل وقت اختاره شيخنا (٥) .
ويستاك بيساره، نقله حرب، قال شيخنا: ما علمت إما ما خالف فيه كاستنثاره (٦) .
وذكر أصحابنا ﵏ استحباب الإدهان مطلقا، وخصه الشيخ
стр. 525
تقي الدين ﵀ بالبلاد الحارة، وأن الحمام لأهل البلاد الباردة كالإدهان لغيرهم (١) .
«نهى عن الترجل إلا غبا» والترجل تسريح الشعر ودهنه، وظاهر ذلك أن اللحية كالرأس، وفي شرح العمدة: ودهن البدن، و (الغب) يوما ويوما نقله يعقوب.
وفي الرعاية ما لم يجف الأول لا مطلقا للنساء (ش) ويفعله للحاجة للخبر.
واختار شيخنا فعل الأصلح بالبلد كالغسل بماء حار ببلد رطب؛ لأن المقصود ترجيل الشعر ولأنه فعل الصحابة ﵃، وأن مثله نوع اللبس والمأكل وأنهم لما فتحوا الأمصار كان كل منهم يأكل من قوت بلده ويلبس من لباس بلده من غير أن يقصدوا قوت المدينة ولباسها.
قال: ومن هذا أن الغالب على النبي ﷺ وأصحاب الإزار والرداء فهل هما أفضل لكل أحد ولو مع القميص؟ أو الأفضل مع القميص السراويل فقط؟ هذا مما تنازع فيه العلماء. والثاني أظهر. فالاقتداء به تارة يكون في نوع الفعل، وتارة في جنسه، فإنه قد يفعل الفعل لمعنى يعم ذلك النوع وغيره لا لمعنى يخصه فيكون المشروع هو المعنى العام. قال: وهذا ليس مخصوصا بفعله وفعل أصحابه بل وبكثير مما أمرهم به ونهاهم عنه (٢) .
ويحرم حلق اللحية ذكره شيخنا (٣) .
стр. 526
وقص الشارب ليس بعيب، بل فعله رسول الله ﷺ ومدح فاعله ومن عاب شيئا فعله رسول الله ﷺ أو أقر عليه عرف ذلك فإن أصر كفر (١) .
قال شيخنا: يجب الختان إذا وجبت الطهارة والصلاة (٢) .
وينبغي إذا راهق البلوغ أن يختتن، كما كانت العرب تفعل لئلا يبلغ إلا وهو مختون (٣) .
زمن صغر أفضل إلى التمييز، وقال الشيخ تقي الدين: هذا المشهور (٤) .
وليس حلق الرأس في غير نسك بسنة ولا قربة باتفاق المسلمين. وتنازعوا في كراهته، وكان ابن عمر ﵄ يعزر بحلق الرأس فإنه كان عند السلف مثله (٥) .
قال ابن القيم ﵀:
فصل
ويتعلق بالحلق مسألة القزع، وهي حلق بعض رأس الصبي وترك بعضه، وقال: أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر عن عمر بن نافع عن أبيه، عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن القَزَعِ، والقَزَعُ أن يحلق بعض رأس الصبي ويدع بعضه» .
стр. 527
قال شيخنا: وهذا من كمال محبة الله ورسوله للعدل فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه؛ لأنه ظلم للرأس حيث ترك بعضه كاسيا وبعضه عاريا، ونظير هذا أنه نهى عن الجلوس بين الشمس والظل فإنه ظلم لبعض بدنه، ونظيره نهى أن يمشي الرجل في نعل واحدة بل إما أن ينعلهما أو يحفيهما (١) .
هل أحاديث الأمر بغسل اليدين من القيام من الليل واجب؟ فيه روايتان. إحداهما واجب، والرواية الثانية لا تنهض لذلك اختارها الخرقي والشيخان، قال أبو العباس اختارها الخرقي وجماعة (٢) .
هل يستحب أخذ ماء جديد لهما؟ فيه روايتان. إحداهما: يستحب مسحهما بماء جديد، والثانية: لا يستحب بل يمسحان بماء الرأس اختاره القاضي في تعليقه وأبو الخطاب في خلافه الصغير والمجد في شرح الهداية والشيخ تقي الدين (٣) .
قال ابن رجب في الطبقات: ذكر الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: أن أبا الفتح بن حلية قاضي حران كان يختار مسح الأذنين بماء جديد بعد مسحهما بماء الرأس، قال ابن رجب: وهو غريب جدا، والذي رأيناه في شرح العمدة أنه قال: ذكر القاضي عبد الوهاب وابن حامد أنهما يمسحان بماء جديد بعد أن يمسحا بماء الرأس، قال: وليس بشيء، فزاد ابن حامد، والظاهر أن القاضي عبد الوهاب هو ابن جلبة قاضي حران (٤) .
стр. 528
باب فروض الوضوء وصفته
لم يرد الوضوء بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود؛ فإنه روى أن سلمان الفارسي قال: إنا نجده في التوراة، وقال النبي ﷺ : «إن من بركة الطعام الوضوء قبله وبعده» وهو من خصائص هذه الأمة كما جاءت الأحاديث الصحيحة: «أنهم يبعثون يوم القيامة غرا» الحديث.
وحديث ابن ماجه: «وضوء الأنبياء قبلي» ضعيف عند أهل العلم بالحديث لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين، بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعا، ولم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء (١) .
قال ابن الجوزي: لا تجب الطهارة عن حدث ونجس قبل إرادة الصلاة؛ بل تستحب، ويتوجه قياس المذهب بدخول الوقت لوجوب الصلاة إذا ووجوب الشرط بوجوب المشروط، ويتوجه مثله في غسل، قال شيخنا: وهو لفظي.
يجب الوضوء بالحدث، وقيل: يجب بإرادة الصلاة بعده. قال الشيخ تقي الدين والخلاف لفظي (٢) .
الوضوء عبادة لأنه لا يعلم إلا من الشارع، وكل فعل لا يعلم إلا من الشارع فهو عبادة كالصلاة والصوم، ولأنه مستلزم للثواب كما وعد عليه النبي ﷺ المتوضئ بتكفير خطاياه، فلا بد فيه من النية، ومن لم يوجب النية رأى ذلك من شرائط الصلاة فهو كالسترة.
وهل يصح غسل الكافر من الجنابة؟ على قولين؛ بخلاف وضوئه (٣) .
стр. 529
التسمية في الوضوء واجبة، قال الشيخ تقي الدين: اختارها القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا بل أكثرهم (١) ، والأفضل بثلاث غرفات المضمضة والاستنشاق يجمعهما بغرفة واحدة (٢) وإن نوى الحدثين، وقال شيخنا: أو الأكبر ارتفعا (٣) .
غسل اليدين للقائم من نوم الليل فيه روايتان. إحداهما يجب.
والثانية لا يجب غسلهما بل يستحب. قال الشيخ تقي الدين: اختاره القاضي وجماعة (٤) .
وقال الشيخ تقي الدين: يجوز الاقتصار على البياض الذي فوق الأذنين دون الشعر إذا قلنا يجزئ مسح بعض الرأس (٥) .
وعنه يجزئ مسح بعض الرأس من غير تحديد وقال القاضي: يجوز مسح بعضه للعذر، واختار الشيخ تقي الدين أنه يمسح معه العمامة للعذر كالنزلة ونحوها، ويكون كالجبيرة فلا توقيت (٦) .
قال في الفائق: ولا يستحب الزيادة على محل الفرض في أنص الروايتين اختاره شيخنا (٧) .
وما فعله أبو هريرة ﵁ فهو شيء تأوله وخالفه فيه غيره، وكانوا ينكرونه عليه، وهذه المسألة كانت تلقب بمسألة «إطالة الغرة» وإن كانت الغرة في الوجه خاصة، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وفيها
стр. 530
روايتان عن الإمام أحمد، إحداهما: يستحب إطالتها، وبها قال أبو حنيفة والشافعي واختارها أبو البركات ابن تيمية وغيره.
والثانية: لا يستحب، وهو مذهب مالك وهي اختيار شيخنا أبي العباس (١) .
قال شيخنا: إذا كان مستحبا له أن يقتصر على البعض كوضوء ابن عمر لنومه جنبا إلا رجليه، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ نام من الليل فأتى حاجته يعني الحدث ثم غسل وجهه ويديه ثم نام، وذكر بعض العلماء أن هذا الغسل للتنظيف والتنشيط للذكر وغيره (٢) .
وإن منع يسير وسخ ظفر ونحوه وصول الماء ففي صحة طهارته وجهان:
أحدهما: لا تصح، والوجه الثاني: تصح، وهو الصحيح.. قال في مجمع البحرين واختاره الشيخ تقي الدين (٣) .
ومثله كل يسير منع وصول الماء حيث كان كدم وعجين (٤) .
وألحق الشيخ تقي الدين كل يسير منع حيث كان من البدن كدم وعجين ونحوهما واختاره (٥) .
والأقطع يغسل الباقي أصلا، ويلزمه بأجرة مثله، وفي الإعادة وجهان: