← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقص الشارب ليس بعيب، بل فعله رسول الله ﷺ ومدح فاعله ومن عاب شيئا فعله رسول الله ﷺ أو أقر عليه عرف ذلك فإن أصر كفر (١) . قال شيخنا: يجب الختان إذا وجبت الطهارة والصلاة (٢) . وينبغي إذا راهق البلوغ أن يختتن، كما كانت العرب تفعل لئلا يبلغ إلا وهو مختون (٣) . زمن صغر أفضل إلى التمييز، وقال الشيخ تقي الدين: هذا المشهور (٤) . وليس حلق الرأس في غير نسك بسنة ولا قربة باتفاق المسلمين. وتنازعوا في كراهته، وكان ابن عمر ﵄ يعزر بحلق الرأس فإنه كان عند السلف مثله (٥) . قال ابن القيم ﵀: فصل ويتعلق بالحلق مسألة القزع، وهي حلق بعض رأس الصبي وترك بعضه، وقال: أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر عن عمر بن نافع عن أبيه، عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن القَزَعِ، والقَزَعُ أن يحلق بعض رأس الصبي ويدع بعضه» .

стр. 527

قال شيخنا: وهذا من كمال محبة الله ورسوله للعدل فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه؛ لأنه ظلم للرأس حيث ترك بعضه كاسيا وبعضه عاريا، ونظير هذا أنه نهى عن الجلوس بين الشمس والظل فإنه ظلم لبعض بدنه، ونظيره نهى أن يمشي الرجل في نعل واحدة بل إما أن ينعلهما أو يحفيهما (١) . هل أحاديث الأمر بغسل اليدين من القيام من الليل واجب؟ فيه روايتان. إحداهما واجب، والرواية الثانية لا تنهض لذلك اختارها الخرقي والشيخان، قال أبو العباس اختارها الخرقي وجماعة (٢) . هل يستحب أخذ ماء جديد لهما؟ فيه روايتان. إحداهما: يستحب مسحهما بماء جديد، والثانية: لا يستحب بل يمسحان بماء الرأس اختاره القاضي في تعليقه وأبو الخطاب في خلافه الصغير والمجد في شرح الهداية والشيخ تقي الدين (٣) . قال ابن رجب في الطبقات: ذكر الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: أن أبا الفتح بن حلية قاضي حران كان يختار مسح الأذنين بماء جديد بعد مسحهما بماء الرأس، قال ابن رجب: وهو غريب جدا، والذي رأيناه في شرح العمدة أنه قال: ذكر القاضي عبد الوهاب وابن حامد أنهما يمسحان بماء جديد بعد أن يمسحا بماء الرأس، قال: وليس بشيء، فزاد ابن حامد، والظاهر أن القاضي عبد الوهاب هو ابن جلبة قاضي حران (٤) .

стр. 528

باب فروض الوضوء وصفته لم يرد الوضوء بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود؛ فإنه روى أن سلمان الفارسي قال: إنا نجده في التوراة، وقال النبي ﷺ : «إن من بركة الطعام الوضوء قبله وبعده» وهو من خصائص هذه الأمة كما جاءت الأحاديث الصحيحة: «أنهم يبعثون يوم القيامة غرا» الحديث. وحديث ابن ماجه: «وضوء الأنبياء قبلي» ضعيف عند أهل العلم بالحديث لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس عند أهل الكتاب خبر عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين، بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعا، ولم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء (١) . قال ابن الجوزي: لا تجب الطهارة عن حدث ونجس قبل إرادة الصلاة؛ بل تستحب، ويتوجه قياس المذهب بدخول الوقت لوجوب الصلاة إذا ووجوب الشرط بوجوب المشروط، ويتوجه مثله في غسل، قال شيخنا: وهو لفظي. يجب الوضوء بالحدث، وقيل: يجب بإرادة الصلاة بعده. قال الشيخ تقي الدين والخلاف لفظي (٢) . الوضوء عبادة لأنه لا يعلم إلا من الشارع، وكل فعل لا يعلم إلا من الشارع فهو عبادة كالصلاة والصوم، ولأنه مستلزم للثواب كما وعد عليه النبي ﷺ المتوضئ بتكفير خطاياه، فلا بد فيه من النية، ومن لم يوجب النية رأى ذلك من شرائط الصلاة فهو كالسترة. وهل يصح غسل الكافر من الجنابة؟ على قولين؛ بخلاف وضوئه (٣) .

стр. 529

التسمية في الوضوء واجبة، قال الشيخ تقي الدين: اختارها القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا بل أكثرهم (١) ، والأفضل بثلاث غرفات المضمضة والاستنشاق يجمعهما بغرفة واحدة (٢) وإن نوى الحدثين، وقال شيخنا: أو الأكبر ارتفعا (٣) . غسل اليدين للقائم من نوم الليل فيه روايتان. إحداهما يجب. والثانية لا يجب غسلهما بل يستحب. قال الشيخ تقي الدين: اختاره القاضي وجماعة (٤) . وقال الشيخ تقي الدين: يجوز الاقتصار على البياض الذي فوق الأذنين دون الشعر إذا قلنا يجزئ مسح بعض الرأس (٥) . وعنه يجزئ مسح بعض الرأس من غير تحديد وقال القاضي: يجوز مسح بعضه للعذر، واختار الشيخ تقي الدين أنه يمسح معه العمامة للعذر كالنزلة ونحوها، ويكون كالجبيرة فلا توقيت (٦) . قال في الفائق: ولا يستحب الزيادة على محل الفرض في أنص الروايتين اختاره شيخنا (٧) . وما فعله أبو هريرة ﵁ فهو شيء تأوله وخالفه فيه غيره، وكانوا ينكرونه عليه، وهذه المسألة كانت تلقب بمسألة «إطالة الغرة» وإن كانت الغرة في الوجه خاصة، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وفيها

стр. 530

روايتان عن الإمام أحمد، إحداهما: يستحب إطالتها، وبها قال أبو حنيفة والشافعي واختارها أبو البركات ابن تيمية وغيره. والثانية: لا يستحب، وهو مذهب مالك وهي اختيار شيخنا أبي العباس (١) . قال شيخنا: إذا كان مستحبا له أن يقتصر على البعض كوضوء ابن عمر لنومه جنبا إلا رجليه، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ نام من الليل فأتى حاجته يعني الحدث ثم غسل وجهه ويديه ثم نام، وذكر بعض العلماء أن هذا الغسل للتنظيف والتنشيط للذكر وغيره (٢) . وإن منع يسير وسخ ظفر ونحوه وصول الماء ففي صحة طهارته وجهان: أحدهما: لا تصح، والوجه الثاني: تصح، وهو الصحيح.. قال في مجمع البحرين واختاره الشيخ تقي الدين (٣) . ومثله كل يسير منع وصول الماء حيث كان كدم وعجين (٤) . وألحق الشيخ تقي الدين كل يسير منع حيث كان من البدن كدم وعجين ونحوهما واختاره (٥) . والأقطع يغسل الباقي أصلا، ويلزمه بأجرة مثله، وفي الإعادة وجهان:

стр. 531

أحدهما: لا يعيد، وهو الصحيح واختاره ابن عبدوس في تذكرته والشيخ تقي الدين (١) . فائدة: يجب على الصبي الوضوء بموجباته، وجعل الشيخ تقي الدين مسألة الغسل إلزامه باستجمار ونحوه (٢) . يستحب للذي يتشهد بعد الوضوء أن يرفع بصره إلى السماء، ذكر في الاختيارات (ص٣٨) . باب المسح على الخفين والذين خفي عليهم (٣) ظنوا معارضة آية المائدة للمسح؛ لأنه أمر فيها بغسل الرجلين، واختلفوا في الآية مع المسح على الخفين. فقالت طائفة: المسح على الخفين ناسخ للآية قاله الخطابي. قال: وفيه دلالة على أنهم كانوا يرون نسخ القرآن بالسنة، قال الطبري: مخصص. وقالت طائفة: هو أمر زائد على ما في الكتاب. ومال إليه أبو العباس، وجميع ما يدعى من السنة أنه ناسخ للقرآن غلط. أما أحاديث المسح فهي تبين المراد من القرآن؛ إذ ليس فيه أن لابس الخف يجب عليه غسل الرجلين. وإنما فيه أن من قام إلى الصلاة يغسل، وهذا عام لكل قائم إلى الصلاة؛ لكن ليس عاما لكل أحواله؛ بل هو مطلق في ذلك مسكوت عنه.

стр. 532

قال أبو عمر بن عبد البر: معاذ الله أن يخالف رسول الله ﷺ كتاب الله، بل يبين مراده. وطائفة قالت كالشافعي وابن القصار ومال إليه أبو العباس أيضا: أن الآية قرأت بالخفض والنصب، فيحمل النصب على غسل الرجلين والخفض على مسح الخفين فيكون القرآن كآيتين (١) . وهل المسح أفضل، أم غسل الرجلين، أم هما سواء؟ ثلاث روايات عن أحمد. والأفضل لكل أحد بحسب قدمه؛ فللابس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خفيه، اقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه، ولمن قدماه مكشوفتان: الغسل، ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه، وكان النبي ﷺ يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح إذا كان لابس الخفين (٢) ، وعبارة الإنصاف. وفصل الخطاب أن الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان غسلهما ولا يتحرى لبس الخف ليمسح عليه، كما كان النبي ﷺ يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح قدميه إذا كان لابسا للخف اهـ (٣) . والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وقيل: يمسح كالجبيرة واختاره الشيخ تقي الدين، قال في الفروع، وقال في الاختيارات: ولا تتوقف مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين (٤) .

стр. 533

قال في الاختيارات: ويجوز المسح على الخف المخرق ما دام اسمه باقيا والمشي فيه ممكن (١) . وقال: يجوز المسح على الخف المخرق إلا المخرق أكثره فكالنعل، فإن كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم لم يجز المسح عليه، وقيل: يجوز المسح عليه اختاره الشيخ تقي الدين (٢) . لو كان لا ينضم الخرق بنفسه لم يجز المسح عليه، وقيل: يجوز اختاره الشيخ تقي الدين (٣) . واختار الشيخ تقي الدين أيضا جواز المسح على الملبوس ولو كان دون الكعب (٤) . وإن مسح مسافر ثم أقام أتم مسح مقيم، قال الشيخ تقي الدين: هي اختيار أكثر أصحابنا (٥) . ولا يجوز المسح على غير المحنكة إلا أن تكون ذات ذوابة في أحد الوجهين: أحدهما يجوز المسح عليها، وهو مقتضى اختيار الشيخ تقي الدين بطريق الأولى، فإنه اختار جواز المسح على العمامة الصماء فذات الدؤابة أولى بالجواز، وقال عن العمامة الصماء: هي القلانس (٦) . ويمسح على اللفائف في أحد الوجهين حكاه ابن تميم وغيره (٧) . وعلى القدم ونعلها الذي يشق نزعها إلا بيد أو رجل كما جاءت به

стр. 534

الآثار والاكتفاء بأكثر القدم هنا، والظاهر منها غسلا أو مسحا أولى من مسح بعض الخف ولهذا لا يتوقت (١) . وذكر في موضع آخر: أن الرجل لها ثلاث أحوال: الكشف له الغسل وهو أعلى المراتب، والستر له المسح، وحالة متوسطة وهي إذا كانت في النعل فلا هي مما يجوز المسح ولا هي بارزة فيجب الغسل فأعطيت حالة متوسطة وهي الرش، وحيث أطلق عليها المسح في هذه الحال فالمراد به الرش، وقد ورد الرش على النعلين، والمسح عليهما في المسند من حديث أوس بن أوس ورواه ابن حبان والبيهقي من حديث ابن عباس (٢) . يشترط للمسح اللبس على طهارة، ويعتبر كمالها، وعنه: لا. اختاره شيخنا (٣) . إن كان الممسوح عليه غير جبيرة فالصحيح من المذهب أنه يشترط لجواز المسح عليه كمال الطهارة قبل لبسه، وعليه الأصحاب، وعنه: لا يشترط كمالها اختاره الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق، وقال: وعنه لا يشترط الطهارة لمسح العمامة ذكره ابن هبيرة، وحكى أبو الفرج رواية بعدم اشتراط تقدم الطهارة رأسا فإن لبس محدثا ثم توضأ وغسل رجليه في الخف جاز له المسح، قال الزركشي: وهو غريب بعيد، قلت: اختاره الشيخ تقي الدين، وقال أيضا: ويتوجه أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على طهارة ويكفيه فيهما الطهارة المتقدمة؛ لأن العادة أن من توضأ مسح رأسه ورفع العمامة ثم أعادها ولا يبقى مكشوف الرأس

стр. 535

إلى آخر الوضوء. اهـ (١) . ومن غسل إحدى رجليه ثم أدخلها الخف قبل غسل الأخرى فإنه يجوز المسح عليها من غير اشتراط خلع، ولبسه قبل إكمال الطهارة كلبسه بعدها، وكذا لبس العمامة قبل إكمال الطهارة، وهو إحدى الروايتين، وهو مذهب أبي حنيفة. ولو غسل الرجلين في الخفين بعد أن لبسهما محدثا جاز المسح وهو مذهب أبي حنيفة وقول مخرج في مذهب أحمد (٢) . ولو نوى جنب رفع حدثه وغسل رجليه وأدخلهما في الخف ثم تمم طهارته أو فعله محدث ولم نعتبر الترتيب لم يمسح على الأولى (الرواية الأولى) ويمسح على الثانية (الرواية الثانية) وكذا الحكم لو لبس عمامة قبل طهر كامل فلو مسح رأسه ثم لبسها ثم غسل رجليه خلع على الأولى ثم لبس، وعلى الثانية يجوز المسح ولو لبسها محدثا ثم توضأ ومسح رأسه ورفعها رفعا فاحشا فكذلك. قال الشيخ تقي الدين: كما لو لبس الخف محدثا ثم غسل رجليه رفعهما إلى الساق ثم أعادهما، وإن لم يرفعهما رفعا فاحشا احتمل أنه كما لو غسل رجليه في الخف، لأن الرفع اليسير لا يخرجه عن حكم اللبس، ولهذا لا تبطل الطهارة به، ويحتمل أنه كابتداء اللبس لأنه إنما عفي عنه هناك للمشقة اهـ. وتقدم أن الشيخ تقي الدين اختار أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على طهارة ويكفي فيها الطهارة المستدامة، وقال أيضا: يتوجه أنه لا يخلعهما بعد وضوئه ثم يلبسها بخلاف الخف، وهذا مراد ابن هبيرة.

стр. 536

في الإفصاح في العمامة هل يشترط أن يكون لبسها على طهارة؟ عنه روايتان (١) . قال ابن القيم ﵀ ونص أحمد صريح في أنه يكشف الخرقة ثم يباشر الجرح بالمسح وهذا يدل على أن مسح الجرح البارز أولى من مسح الجبيرة، وأنه خير من التيمم، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه وهو المحفوظ عن السلف من الصحابة والتابعين، ولا ريب أنه بمقتضى القياس؛ فإن مباشرة العضو بالمسح الذي هو بعض الغسل المأمور به أولى من مباشرة غير ذلك العضو بالتراب، ولم أزل استبعد هذا حتى رأيت نص أحمد هذا بخلافه. ومعلوم أن المسح على الحائل إنما جاء لضرورة المشقة بكشفه فكيف يكون أولى من المسح على الجرح نفسه بغير حائل، فالقياس والآثار تشهد بصحة هذا النص. وقد ذكرت في الكتاب الكبير الجامع بين السنن والآثار من قال بذلك من السلف وذكرت عنهم الآثار بذلك، وكان شيخنا أبو العباس يذهب إلى هذا ويضعف القول بالتيمم بدل المسح (٢) . ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا بانقضاء المدة، ولا يجب عليه مسح رأسه ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصري، كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور (٣) . ومتى ظهر قدم الماسح ورأسه أو انقضت مدة المسح استأنف

стр. 537

الطهارة، وعنه يجزيه مسح رأسه وغسل قدميه وأطلقهما في الهداية والمستوعب واختيار الشيخ تقي الدين أن الطهارة لا تبطل كإزالة الشعر الممسوح عليه (١) . باب نواقض الوضوء وإن كانت (النجاسات) من غير السبيلين لم ينقض إلا كثيرها، واختار الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق لا ينقض الكثير مطلقا (٢) . ونقل الميموني لا ينقض النوم بحال، واختار الشيخ تقي الدين إن ظن بقاء طهره (٣) . من النواقض أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة، وقال الشيخ تقي الدين يستحب إن لمسها لشهوة وإلا فلا (٤) . وقال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: إذا قلنا بالنقض في الملموس اعتبرنا الشهوة في المشهور كما نعتبرها من اللامس حتى ينتقض وضوءه إذا وجدت الشهوة منه دون اللامس، ولا ينتقض إذ لم توجد منه وإن وجدت عند اللامس اهـ (٥) . ومس اليهودي أو النصراني لا ينقض الوضوء باتفاق المسلمين (٦) .

стр. 538

السابع أكل لحم الجزور، وعنه لا ينقض مطلقا اختاره الشيخ تقي الدين (١) . فإن شرب من لبنها فعلى روايتين: إحداهما: لا ينقض. قال الشيخ تقي الدين اختاره الكثير من أصحابنا (٢) . ويستحب الوضوء من أكل لحم الإبل، وأما اللحم الخبيث المباح للضرورة كلحم السباع فينبني الخلاف فيه على أن النقض بلحم الإبل تعبدي فلا يتعدى إلى غيره، أو معقول المعنى فيعطى حكمه، بل هو أبلغ منه فالوضوء منه أولى (٣) . وفي المسائل يجب الوضوء من لحم الإبل لحديثين صحيحين. لعله آخر ما أفتى به (٤) . وأما نقض الغيبة للوضوء فقد نقل عن طائفة من السلف وبعض الخلف القول بالنقض، والتحقيق أن الطهارة لها معنيان: أحدهما: الطهارة من الذنوب كقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [٣٣/ ٣٧] ، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [٥٦/٥٧] ، وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [١٠٣/٩] . والمعنى الثاني: الطهارة الحسية بالماء والتراب، وإنما أمر بهذه لتتحقق تلك؛ فالفاعل للمنهي عنه خرج عن مقصود الطهارة، فيستحب له إعادة الوضوء، وأما أنه ينقض كالنقض بقضاء الحاجة فلا، ولكن إن

стр. 539

صلى بعد الغيبة كان أجره على صلاته أنقص بقدر نقص الطهارة النفسية فتخريج كلامهم على هذا لا ينافي قول الأئمة (١) . قال أبو العباس في قديم خطه: خطر لي أن الردة تنقض الوضوء، لأن العبادة من شرط صحتها دوام شرطها استصحابا في سائر الأوقات، وإذا كان كذلك فالنية من شرائط الطهارة على أصلنا، والكافر ليس من أهلها وهو مذهب أحمد (٢) . ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر، فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة، إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر (٣) . والدراهم المكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله يجوز للمحدث لمسها، وإذا كانت معه في منديل أو خرقة وشق إمساكها جاز أن يدخل بها الخلاء (٤) . باب الغسل لو انتبه بالغ أو من يحتمل بلوغه فوجد بللا جهل أنه مني وجب الغسل مطلقا على الصحيح من المذهب، وعنه: يجب مع الحلم، وعنه لا يجب مطلقا ذكرها الشيخ تقي الدين (٥) .

стр. 540

ولو اغتسل الكافر بسبب يوجبه ثم أسلم لا يلزمه إعادته إن اعتقد وجوبه؛ بناء على أنه يثاب على طاعته في الكفر إذا أسلم (١) . والردة عن الإسلام قيل إنما تركوها لعدم فائدتها؛ لأنه إذا لم يعد إلى الإسلام فظاهر، وإن عاد إلى الإسلام وجب عليه الغسل ويدخل فيه الوضوء. وقال الشيخ تقي الدين: فائدته تظهر فيما إذا عاد إلى الإسلام فإنا نوجب عليه الوضوء أو الغسل، فإن نواهما بالغسل أجزأه وإن قلنا لم ينتقض وضوءه لم يجب عليه الغسل اهـ (٢) . وإذا وجب الغسل بخروج المني فقياسه وجوبه بخروج الحيض (٣) . واختار الشيخ تقي الدين عدم استحباب الغسل للوقوف بعرفة وطواف الوداع، والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار، وقال: ولو قلنا باستحباب الغسل لدخول مكة كان الغسل للطواف بعد ذلك نوع عبث لا معنى له. قال في المستوعب يستحب الغسل لدخول مكة ولو كانت حائضا أو نفساء، وقال الشيخ تقي الدين: لا يستحب لها ذلك (٤) . ويجب غسل الجمعة على من له عرق أو ريح يتأذى به غيره وهو بعض من مذهب من يوجبه مطلقا بطريق الأولى (٥) .

стр. 541

ولا يستحب تكرار الغسل على بدنه وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد (١) . ويفيض الماء على جسده ثلاثا، وقيل: مرة واختاره الشيخ تقي الدين. لو نوى جنب بانغماسه كله أو بعضه -في ماء قليل راكد- رفع حدثه لم يرتفع وقيل: يرتفع واختاره الشيخ تقي الدين (٢) . قال ابن القيم ﵀ بعد كلام سبق، فهدي رسول الله ﷺ الذي من رغب عنه فقد رغب عن سنته جواز الاغتسال من الحياض والآنية وإن كانت ناقصة غير فائضة، ومن انتظر الحوض حتى يفيض ثم استعمله وحده ولم يمكن أحدا أن يشاركه في استعماله فهو مبتدع مخالف للشريعة. قال شيخنا: ويستحق التعزير البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله ويعبدوا الله بالبدع لا بالاتباع (٣) . ويكره الاغتسال في مستحم وماء عريانا قال شيخنا: عليه أكثر نصوصه (٤) . لو نوى الطهارة الكبرى فقط لا يجزي عن الصغرى، وقال الشيخ تقي الدين يرتفع أيضا الأصغر معه (٥) .

стр. 542

إذا أراد الجنب النوم استحب له غسل فرجه ووضوءه، مطلقا، وقال الشيخ تقي الدين في كلام أحمد ما ظاهره وجوبه. لو أحدث بعد الوضوء لا يعيده، قال في الفروع، وظاهر كلام الشيخ تقي الدين أنه يعيده حتى يبيت على إحدى الطهارتين وقال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب» وهو حديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والدارقطني (١) . وذكر شيخنا في الجنب: (لا تدخل الملائكة عليه) إلا إذا توضأ (٢) . باب التيمم وعنه: يجوز التيمم للفرض قبل وقته، فالنفل المعين أولى واختاره الشيخ تقي الدين (٣) . ويلزمه قبول الماء قرضا، وكذا ثمنه والمراد وله ما يوفيه، وقاله شيخنا (٤) . وإن بذل ماء للأولى من حي أو ميت فالميت أحق ولو كان الحي عليه نجاسة وهو مذهب الشافعي، قال أبو العباس: وهذه المسألة في الماء المشترك أيضا (٥) وأنه أولى من التشقيص (٦) . وعبارة الإنصاف: من عليه نجاسة أحق من الميت والحائض.

стр. 543

والجنب ... وقيل: الميت أولى اختاره المجد وحفيده، قال الشيخ تقي الدين: وتأتي هذه المسألة أيضا في الماء المشترك وقال: هو ظاهر ما نقل عن أحمد وهو أولى من التشقيص (١) ولا يتيمم للنجاسة على بدنه وهو قول الثلاثة خلافا لأشهر الروايتين عن أحمد ﵀ (٢) . وإن تيمم في الحضر خوفًا من البرد وصلى ففي وجوب الإعادة روايتان. واختار الشيخ تقي الدين لا إعادة عليه، وعلى القول بالإعادة الثانية فرضه على الصحيح، وقيل: هما فرضه واختاره الشيخ في شرح العمدة (٣) . وإن نوى فرضًا فله فعله والجمع بين الصلاتين وقضاء الفوائت والنوافل.. وقال الشيخ تقي الدين: ظاهر كلامهم لا فرق بين ما وجب بالشرع وما وجب بالنذر اهـ (٤) . وقال الشيخ تقي الدين: يتخرج أن لا يصلي نافلة بتيمم جنازة، ويباح الطواف بتيمم النافلة على المشهور في المذهب كمس المصحف، قال الشيخ تقي الدين: ولو كان الطواف فرضا. وقال أيضا الشيخ تقي الدين في الفتاوى المصرية التيمم لوقت كل صلاة إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى أعدل الأقوال (٥) . ويجوز التيمم لمن يصلي التطوع بالليل وإن كان في البلد ولا

стр. 544

يؤخر ورده إلى النهار (١) وثبت أنه ﵊ تيمم لرد السلام وألحق به من خاف فوات العيد (٢) . قال أبو العباس: وهذا فيمن تيمم لعدم الماء. أما من تيمم لمرض كالجرح ونحوه فينبغي أن يكون كالمستحاضة ذكره في المبدع (٣) . فإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه ثم خلعه يبطل تيممه وهذا اختيار ... والشيخ تقي الدين قاله في الفائق (٤) . ومن أبيح له التيمم فله أن يصلي به أول الوقت ولو علم وجود الماء آخر الوقت، وفيه أفضلية (٥) . ويستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء، وقيل: التأخير أفضل إن علم وجوده فقط واختاره الشيخ تقي الدين (٦) . ولا يستحب حمل التراب معه للتيمم قاله طائفة من العلماء، خلافا لما نقل عن أحمد (٧) . باب إزالة النجاسة وفي نجاسة شعر الكلب قولان هما روايتان. فلو تمعط في بئر.

стр. 545

فهل يجب نزحه؟ يجب نزحه عند من ينجسه، وهو قول فقهاء الكوفة كأبي حنيفة، وقيل: لا ينجس إلا بالتغير وهو قول الجمهور، فيجوز استعمال الماء وإن خرج فيه شعر عند من يطهره، وعند المنجس يقول: إذا خرج في الدلو -وهو قليل- نجس، وهو المشهور: والأظهر أن شعر الكلب طاهر، لأنه لم يثبت فيه دليل شرعي (١) . وفي سائر النجاسات ثلاث روايات إحداهن يجب غسلها سبعا، والثانية يجب غسلها ثلاثا، والثالثة تكاثر بالماء من غير عدد اختارها، والشيخ تقي الدين (٢) . وهل يقوم الإشنان ونحوه مقام التراب؟ فيه وجهان: أحدهما يجزئ ذلك ويقوم مقام التراب وهو الصحيح: قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: هذا أقوى الوجوه (٣) . وإذا تنجس أسفل خف وحذاء بالمشي.. وقيل كذا الرجل ذكره شيخنا واختاره، وذيل المرأة قيل كذلك، وقيل: يغسل، ونقل إسماعيل ابن سعيد يطهر بمروره على طاهر يزيلها اختاره شيخنا ومال إليه (٤) . ولا يجوز إزالة نجاسة إلا بماء طهور.. وعنه بكل مائع طاهر مزيل كخل اختاره ابن عقيل وشيخنا، قال: ويحرم استعمال طعام أو شراب في إزالتها (٥) . وإذا تنجس ما يضره الغسل كثياب حرير والورق وغير ذلك (٦) .

стр. 546

أجزأ مسحه في أظهر قولي العلماء، وأصله الخلاف في إزالة النجاسة بغير الماء، ويجزيه استعمال الطعام والشراب في إزالة النجاسة، لا إفساد الماء المحتاج إليه، كما ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها والإبل التي يحج عليها والبقر التي يحرث عليها ونحو ذلك لما في ذلك من الحاجة إليها (١) . ولو ألقي فيها (٢) أحد شيئا يريد به إفسادها على صاحبها لا تخليلها أو قصد صاحبها ذلك بأن يكون عاجزا عن إراقتها لكونها في حِب فيريد إفسادها لا تخليلها فعموم كلام الأصحاب يقتضي أنها لا تحل سدا للذريعة ويحتمل أن تحل. وإذا انقلبت بفعل الله تعالى فالقياس فيها مثل أن يكون هناك ملح فيقع فيها من غير فعل أحد فينبغي على الطريقة المشهورة أن تحل. وعلى طريقة من علل النجاسة بإلقاء شيء لا تحل، فإن القاضي ذكر في خمر النبيذ أنها على الطريقة لا تحل، لما فيها من الماء وأن كلام الإمام أحمد يقتضي حلها. أما تخليل الذمي الخمر بمجرد إمساكها فينبغي جوازه على معنى كلام أحمد، فإنه علل المنع بأنه لا ينبغي لمسلم أن يكون في بيته الخمر وهذا ليس بمسلم ولأن الذمي لا يمنع من إمساكها، ولو كان المائع غير الماء كثيرا فزال تغيره بنفسه توقف أبو العباس في طهارته (٣) . وإن ظنت نجاسة طين شارع وقلنا بنجاسته فهل يعفى عن يسيره أم لا؟ يعفى عن يسيره واختاره شيخنا تقي الدين (٤) .

стр. 547

قال الشيخ تقي الدين: لو تحققت نجاسة طين الشوارع عفي عن يسيره لمشقة التحرز منه ذكره بعض أصحابنا واختاره (١) . وقطع ابن تميم وابن حمدان أن تراب الشارع طاهر واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: هو أصح القولين (٢) . حكم ريق الصبي ولعابه: قال ابن القيم ﵀: هذه المسألة مما تعم بها البلوى، وقد علم الشارع أن الطفل يقيء كثيرا، ولا يمكن غسل فمه، ولا يزال ريقه ولعابه يسيل على من يربيه، ولم يأمل الشارع بغسل الثياب من ذلك، ولا منع من الصلاة فيها، ولا أمر بالتحرز من ريق الطفل، فقالت طائفة من الفقهاء: هذا من النجاسة التي يعفى عنها للمشقة والحاجة كطين الشوارع والنجاسة بعد الاستجمار ونجاسة أسفل الخف والحذاء بعد دلكهما بالأرض. قال شيخنا وغيره من الأصحاب: بل ريق الطفل يطهر فمه للحاجة كما كان ريق الهرة مطهرا لفمه (٣) . وقول الأصحاب: وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر، يعني أن جنسها طاهر وقد يعرض له ما يكون نجس العين كالدود المتولد من العذرة فإنه نجس ذكره القاضي، وتتخرج طهارته بناء على أن الاستحالة إذا كانت بفعل الله تعالى طهرت، ولا بد أن يلحظ طهارة ظاهره من العذرة بأن يغمس في ماء ونحوه إلى أن لا يكون على بدنه شيء منها (٤) .

стр. 548

فصل قال ابن القيم ﵀: ومن ذلك أن النبي ﷺ سئل عن المذي فأمر بالوضوء منه فقال: كيف ترى بما أصاب ثوبي منه؟ قال: «تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصابه» . رواه أحمد والترمذي والنسائي، فجوز نضح ما أصابه المذي، كما أمر بنضح بول الغلام. قال شيخنا: وهذا هو الصواب؛ لأن هذه نجاسة يشق الاحتراز منها لكثرة ما يصيب ثوب الشاب العزب، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام ومن أسفل الخف والحذاء (١) . ولا يجب غسل الثوب والبدن من المذي والقيح والصديد ولم يقم دليل على نجاسته وحكى أبو البركات عن بعض أهل العلم طهارته. والأقوى في المذي أنه يجزي فيه النضح وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٢) . ويد الصبي إذا أدخلها في الإناء فإنه يكره استعمال الماء الذي غمس يده فيه، وكذلك تكره الصلاة في ثوبه، وسئل أحمد ﵀ في رواية الأثرم عن الصلاة في ثوب الصبي؟ فكرهها (٣) . وإذا أكلت الهرة فأرة ونحوها فإذا طال الفصل طهر فمها بريقها لأجل الحاجة، وهذا أقوى الأقوال، واختاره طائفة من أصحاب أحمد

стр. 549

وأبي حنيفة، وكذلك أفواه الأطفال والبهائم (١) . ولا يعفى عن يسير نجاسة في الأطعمة ولا غير ما تقدم، وخالف شيخنا وغيره فيها وذكره قولا في المذهب، لأن الله تعالى إنما حرم الدم المسفوح، وما الفرق بين كونه في مرقة القدر أو مائع آخر أو في السكين أو غيره، وكانت أيدي الصحابة تتلوث بالجرح والدمل ولم ينقل عنهم التحرز من المائع حتى يغسلوه، ولعموم البلوى ببعر الفأر وغيره، وقال أيضًا: نص عليه أحمد وهو نص القرآن (٢) . ولم يذكر جماعة إلا دم العروق، وقال شيخنا: لا أعلم خلافا في العفو عنه وأنه لا ينجس المرقة بل يؤكل معها (٣) ، وعبارة الإنصاف: الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح وما يبقى في العروق إلخ. وعنه في الطير: لا يعجبني عرقه إن أكل الجيف، فدل أنه كرهه لأكله النجاسة فقط، ذكره شيخنا ومال إليه (٤) ولا فرق في الكراهة بين جوارح الطير وغيرها وسواء كان يأكل الجيف أو لا (٥) . ولا ينجس الآدمي بالموت وهو ظاهر مذهب أحمد والشافعي وأصح القولين في مذهب مالك، وخصه في شرح العمدة بالمسلم، وقاله جده أبو البركات في شرح الهداية (٦) . وروث دود القز طاهر عند أكثر العلماء، ودود الجروح (٧) .

стр. 550

ويجوز الانتفاع بالنجاسات سواء في ذلك شحم الميتة وغيره، وهو قول الشافعي، وأومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور (١) . باب الحيض ويحرم وطء الحائض فإن وطئ في الفرج فعليه دينار أو نصفه كفارة، واعتبر شيخنا كونه مضروبا. قال الأكثر: يجوز إلى مسكين واحد كنذر مطلق، وذكر شيخنا وجها، ومن له أخذ زكاة لحاجته، قال في شرح العمدة: وكذا صدقة مطلقة (٢) . وقيل: عليهما كفارة واحدة يشتركان فيها، قال ابن عبيدان: ذكره شيخنا في شرح العمدة (٣) . ومن كانت ترى يوما دما ويوما طهرا فالنقاء طهر والدم حيض. وعنه أيام النقاء والدم حيض اختاره الشيخ تقي الدين (٤) . الصحيح من المذهب أنها لا تجلس ما جاوز اليوم والليلة إلا بعد تكراره ثلاثا، وعليه جماهير الأصحاب وهو من المفردات فتجلس الرابعة على الصحيح وقيل: تجلسه في الثالثة قاله القاضي في الجامع الكبير. وعنه يصير عادة بمرتين، وقيل في الثاني واختاره الشيخ تقي الدين وقال: إن كلام أحمد يقتضيه (٥) . وإن تغيرت العادة بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال فالمذهب أنها

стр. 551

لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثا أو مرتين، قال المصنف هنا: وعندي أنها تصير إليه من غير تكرار، قلت: وهو الصواب، وعليه العمل، ولا يسع النساء العمل بغيره، قال ابن تميم: وهو أشبه، قال ابن عبيدان: وهو الصحيح قال في الفائق: وهو المختار واختاره الشيخ تقي الدين (١) . هي طاهر إذا رأت البياض، وذكر شيخنا أنه قول أكثر أصحابنا إن كان الطهر ساعة، وعنه: أقله ساعة، وعنه: يوم، اختاره الشيخ، وقال: إلا أن ترى ما يدل عليه (٢) . والمبتدئة بدم أسود والأصح وأحمر، -وفي صفرة أو كدرة وجهان- تجلس برؤيته نقله الجماعة ويتوجه احتمال بمضي أقله تترك الصلاة والصوم أقل الحيض في ظاهر المذهب ثم تغتسل، وإن انقطع لدون أقله فلا حيض، ولأقله حيض، وإن جاوز أقله اغتسلت عند انقطاعه في مدة الحيض ولم تجلس ما جاوزه حتى يتكرر ثلاثا فتجلس الرابع نص على ذلك، وقيل: في الثالث: وعنه: يتكرر مرتين فتجلس في الثالث. وقيل: في الثاني، واختاره شيخنا، وأن الكلام يقتضيه ويصير عادة. وتعيد واجب صوم ونحوه نص عليه، وعنه: قبل تكراره احتياطا، واختار شيخنا لا تجب الإعادة (٣) . ويجوز التداوي لحصول الحيض ذكره شيخنا إلا قرب رمضان لتفطره (٤) .

стр. 552

كتاب الصلاة تنازع الناس في اسم الصلاة هل هو من الأسماء المنقولة عن مسماها في اللغة، أو أنها باقية على ما كانت عليه في اللغة، أو أنها تصرف فيها الشارع تصرف أهل العرف فهي بالنسبة إلى عرف أهل اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشرع حقيقة؟ على ثلاثة أقوال. والتحقيق أن الشارع لم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة كما يستعمل نظائرها كقوله تعالى: ﴿وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [٩٧/٣] فذكر بيتا خاصا، فلم يكن لفظ الحج متناولا لكل قصد؛ بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه (١) . والسكران بالخمر والحشيش إذا علم ما يقول فعليه الصلاة بعد غسل فمه وما أصابه، وهل عليه أن يستقيء ما في بطنه؟ على قولين للعلماء. أصحهما لا؛ لكن إذا لم يتب فقد قال رسول الله ﷺ «من شرب الخمر لم تقبل صلاته أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد في الثالثة أو الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار» . فلا بد لهم من الصلاة، وإن كان قد قيل إنها لا تقبل، وإن تابوا

стр. 553

قبلها لله، وإن صلوا فقد تكون على رأي من ينفي القبول أنه لا ثواب لهم عليها لكن اندفع عنهم عقاب الترك في الدنيا (١) . ومن كفر بترك الصلاة الأصوب أنه يصير مسلما بفعلها من غير إعادة الشهادتين لأن كفره بالامتناع كإبليس وتارك الزكاة كذلك. فإذا تقرب بالصلاة يكون بها مسلما وإن كان محدثا، ولا يصح الائتمام به لفقد شرطه لا لفقد الإسلام، وعلى هذا عليه أن يعيد. اهـ (٢) . قال شيخنا: والأشبه أيضا أن الزنديق لا بد أن يذكر أنه تائب باطنا، وإن لم يقل فلعل أن يكون باطنه تغير (٣) . ولا تلزم الصلاة صبيا ولو بلغ عشرا، قاله جمهور العلماء، وثواب صلاة الصبي له (٤) ، وتصح من مميز وثواب فعله له ذكره الشيخ في غير موضع وذكره شيخنا (٥) . ويحرم تأخيرها.. فيحرم لغير جمع أوشرط قريب وقال شيخنا: أو شرط قريب، ليس مذهبا لأحمد وأصحابه، وأن الوقت يقدم، واختار تقديم الشرط إن انتبه قرب طلوعها (٦) . والمسافر العادم للماء إذا علم أنه يجد الماء بعد الوقت فلا يجوز له التأخير إلى ما بعد الوقت؛ بل يصلي بالتيمم في الوقت بلا نزاع، وكذلك العاجز عن الركوع والسجود والقراءة إذا علم أنه يمكنه أن يصلي

стр. 554

بعد الوقت بإتمام الركوع والسجود والقراءة كان الواجب أن يصلي في الوقت بحسب إمكانه (١) . وكذلك كل من أخر صلاة عن وقتها فقد أتى بابا من الكبائر (٢) . وتفويت العصر أعظم من تفويت غيرها؛ فإنها الوسطى، وعرضت على من كان قبلنا فضيعوها، ومن حافظ عليها فله الأجر مرتين، ولما فاتت سليمان فعل بالخيل ما فعل. وفي الصحيح: «من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله» وفيه «فقد وتر أهله وماله» في حديث آخر (٣) . ويعفى عن النائم والناسي إن كان محافظا على الصلاة حال اليقظة والذكر، وأما من لم يكن محافظا عوقب على الترك مطلقا (٤) . والمحافظ على الصلاة أقرب إلى الرحمة ممن لم يصلها ولو فعل ما فعل (٥) . وينبغي الإشاعة عنه بتركها حتى يصلي قاله شيخنا، قال: ولا ينبغي السلام عليه، ولا إجابة دعوته (٦) . ولا تسقط الصلاة بحج ولا تضعيف في المساجد الثلاثة ولا غير ذلك إجماعا، وتارك الصلاة عمدا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصح منه؛ بل يكثر من التطوع، وكذلك الصوم وهو قول طائفة من السلف كأبي

стр. 555

عبد الرحمن صاحب الشافعي وداود بن علي وأتباعه، وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه، «وأمره ﷺ المجامع في نهار رمضان بالقضاء» ضعيف لعدول البخاري ومسلم عنه (١) . ومن فاتته الظهر والعصر نسيانا قضى، وأما من فوتهما متعمدا فقد أتى عظيم الكبائر، وعليه القضاء عند الجمهور، وعند بعضهم لا يصح فعلها قضاء، ومع وجوب القضاء عليه لا تبرأ ذمته من جميع الواجبات ولا يقبلها الله تعالى بحيث يرتفع عنه العقاب، بل لعله يخفف عنه العذاب بما فعله من القضاء ويبقى عليه إثم التفويت يحتاج إلى مسقط آخر، قال أبو بكر لعمر ﵄ في وصيته: واعلم أن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل وحقا بالليل لا يقبله بالنهار، ولا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، والعمل المذكور هو صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء (٢) . قال شيخنا: اختار الأكثر أنها (الردة) لا تحبطه (العمل) إلا بالموت عليها (٣) . باب الأذان ويكره أن يوصل الأذان بما قبله مثل قول بعض المؤذنين ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [١١١/١٧] (٤) .

стр. 556

ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما، وقيل: يجوز إن كان فقيرا ولا يجوز مع غناه، واختاره الشيخ تقي الدين، قال: وكذا كل قربة ذكره عنه في تجريد العناية، قلت: ويأتي في باب الإجارة (١) . ويستحب للمؤذن أن يرفع فمه ووجهه إلى السماء إذا أذن أو أقام ونص عليه أحمد، كما يستحب للذي يتشهد عقيب الوضوء أن يرفع بصره إلى السماء، وكما يستحب للمحرم بالصلاة أن يرفع رأسه قليلا لأن التهليل والتكبير إعلان بذكر الله لا يصلح إلا له فاستحب الإشارة إليه كما تستحب الإشارة بالأصبع الواحدة في التشهد والدعاء، وهذا بخلاف الصلاة والدعاء إذ المستحب فيه خفض الطرف (٢) . وقال الآمدي: السنة أن يكون المؤذن من أولاد من جعل رسول الله ﷺ فيهم الأذان، وإن كان من غيرهم جاز، وقال أبو العباس: ولم يذكر هذا أكثر أصحابنا، وظاهر كلام أحمد لا يقدم بذلك، فإنه نص على أن المتنازعين في الأذان لا يقدم أحدهما بكون أبيه هو المؤذن (٣) . ويتخرج أن لا يجزئ أذان القاعد بغير عذر كأحد الوجهين في الخطبة وأولى؛ إذ لم ينقل عن أحد من السلف الأذان قاعدا لغير عذر، وخطب بعضهم قاعدا لغير عذر، وأطلق أحمد الكراهة، والكراهة المطلقة هل تنصرف إلى التحريم أو التنزيه؟ على وجهين (٤) . وأكثر الروايات عن أحمد المنع من أذان الجنب، وتوقف عن الإعادة في بعضها، وصرح بعدم الإعادة في بعضها، وهو اختيار أكثر

стр. 557

الأصحاب، وذكر جماعة عنه رواية بالإعادة واختارها الخرقي (١) . وفي إجزاء الأذان في الفاسق روايتان: أقواهما عدمه لمخالفته أمر النبي ﷺ وأما ترتيب الفاسق مؤذنا فلا ينبغي قولا واحدا (٢) . والصبي المميز يتخرج في أذانه للبالغ روايتان كشهادته وولايته. وقال في موضع آخر: اختلف الأصحاب في تحقيق موضع الخلاف، منهم من يقول موضع الخلاف سقوط الفرض به والسنة المؤكدة إذا لم يوجد سواه، وأما صحة أذانه في الجملة وكونه جائزا إذا أذن غيره فلا خلاف في جوازه، ومنهم من أطلق الخلاف؛ لأن أحمد قال: لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم إذا كان قد راهق، وقال في رواية علي بن سعيد وقد سئل عن الغلام يؤذن قبل أن يحتلم فلم يعجبه. والأشبه أن الأذان الذي يسقط الفرض عن أهل القرية ويعتمد في وقت الصلاة والصيام لا يجوز أن يباشره صبي قولا واحدا، ولا يسقط الفرض، ولا يعتد به في مواقيت العبادات، وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر ونحو ذلك فهذا فيه الروايتان والصحيح جوازه (٣) . وأما المؤذنون الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة في مثل صحن المسجد فليس أذانهم مشروعا باتفاق الأئمة بل ذلك بدعة منكرة (٤) .

стр. 558

فأما ما سوى الأذان من تسبيح ونشيد ورفع صوت بدعاء فليس بمسنون عند الأئمة، ولا أعلم أحدا استحبه، بل ذكره طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد من البدع المكروهة، وما كان مكروها لم يكن لأحد أن يأمر به ولا ينكر على تركه ولا يعلق به استحقاق رزق، ولا يلزم فعله ولو شرطه واقف. وإذا قيل في بعض هذه الصور مصلحة راجحة على مفسدتها فيقتصر من ذلك على القدر الذي يحصل به المصلحة دون الزيادة التي هي ضرر بلا مصلحة راجحة (١) . وكذلك التثويب بين الأذان والإقامة لم يكن على عهد رسول الله ﷺ بل كرهه أكثر الأئمة والسلف وعدوه بدعة (٢) . ويستحب إذا أخذ المؤذن في الأذان أن لا يقوم؛ إذ في ذلك تشبه بالشيطان. قال أحمد: لا يقوم أول ما يبدأ ويصبر قليلا (٣) ويجيب مؤذنا ثانيا وأكثر حيث يستحب ذلك كما كان المؤذنان يؤذنان على عهد النبي ﷺ (٤) . والخروج من المسجد بعد الأذان منهي عنه، وهل هو حرام أو مكروه؟ في المسألة وجهان إلا أن يكون التأذين للفجر قبل الوقت فلا يكره الخروج نص عليه أحمد.

стр. 559

والإقامة كالنداء بالأذان (١) . وإذا أقيمت الصلاة وهو قائم استحب له أن يجلس، وإن لم يكن صلى تحية المسجد، قال ابن منصور: رأيت أبا عبد الله أحمد خرج عند المغرب فحين انتهى إلى موضع الصف أخذ المؤذن في الإقامة فجلس (٢) . والسنة أن ينادي للكسوف: «الصلاة جامعة» ولا ينادي للعيد والاستسقاء وقاله طائفة من أصحابنا، ولهذا لا يشرع للجنازة ولا للتراويح على نص أحمد، خلافا للقاضي، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، والقياس على الكسوف فاسد الاعتبار (٣) . ولم يكن التبليغ وراء الإمام على عهد رسول الله ﷺ ، ولا خلفائه، ولكن لما مرض النبي ﷺ صلى بالناس مرة وكان أبو بكر يسمع الناس التكبير؛ على أن الظاهر عن أحمد أن هذه الصلاة كان أبو بكر مؤتما بالنبي ﷺ وكان إماما للناس، فيكون تبليغه لأنه إمام للناس، وكذا بلغ مرة أخرى حين صرع رسول الله ﷺ فجحش شقه الأيمن، ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يستحب التبليغ بل يكره إلا لحاجة مثل ضعف صوت الإمام وبعد المأموم ونحوه، وقد اختلفوا فيه في هذه الحال، والمعروف عن أحمد أنه جائز وأصح قولي مالك، وأما عند عدم الحاجة فبدعة، بل صرح كثير منهم أنه مكروه، بل قد ذهب طائفة من أصحاب مالك وأحمد إلى أنه يبطل صلاة المبلغ لغير حاجة ولم يستحبه أحد من العلماء حينئذ، ومن أصر على اعتقاد كونه قربة فإنه يعزر وهذا أقل أحواله (٤) .

стр. 560

الذي جاءت به السنة هو ما كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه من أنه كان بعض المؤذنين يؤذنون قبل الفجر، وبعضهم بعد طلوع الفجر، وأبلغ ما قاله الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم في تقديم الأذان من نصف الليل، مع أن أبا حنيفة وغيره ينهون عن الأذان قبل الوقت مطلقا (١) . وليس الأذان بواجب للصلاة الفائتة، وإذا صلى وحده أداء أو قضاء وأذن وأقام فقد أحسن، وإن اكتفى بالإقامة أجزأه، وإن كان يقضي صلوات فأذن أول مرة وأقام لبقية الصلوات كان حسنا أيضا (٢) . وهو أفضل من الإمامة وهو أصح الروايتين عن أحمد واختيار أكثر أصحابه. وأما إمامته ﷺ وإمامة الخلفاء الراشدين فكانت متعينة عليهم فإنها وظيفة الإمام الأعظم ولم يكن يمكن الجمع بينها وبين الأذان، فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان لخصوص أحوالهم وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل (٣) . باب شروط الصلاة الوقت ويعمل بقول المؤذن في دخول الوقت مع إمكان العلم بالوقت وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين، وكما شهدت له النصوص خلافا لبعض أصحابنا (٤) .

стр. 561

بدأ جماعة من أصحابنا كالخرقي القاضي في بعض كتبه وغيرهما بالظهر، ومنهم من بدأ بالفجر كأبي موسى وأبي الخطاب والقاضي في موضع، وهذا أجود لأن الصلاة الوسطى هي العصر، وإنما تكون الوسطى إذا كانت الفجر هي الأولى (١) . قال ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [٨٤/٢٠] ، وظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضا ربه، وأن رضاه في المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها، ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك، قال: إن رضى الرب في العجلة إلى أوامره (٢) . وجمهور العلماء يرون أن تقديم الصلاة أفضل إلا إذا كان في التأخير مصلحة مثل المتيمم يؤخر ليصلي آخر الوقت بوضوء، والمنفرد يؤخر ليصلي آخر الوقت مع جماعة ونحو ذلك (٣) . لم أجد أحدا قال: إن تأخير جميع الصلوات أفضل؛ لكن منهم من يقول بعضها أفضل، كما يقول أبو حنيفة في الفجر والعصر. والمواقيت التي علمها جبريل ﵇ للنبي ﷺ وعلمها النبي ﷺ لأمته حين بين مواقيت الصلاة وهي التي ذكرها العلماء في كتبهم هي في الأيام المعتادة. فأما ذلك اليوم الذي قال فيه رسول الله ﷺ «يوم كسنة» قال: «اقدرا له» فله حكم آخر، يبين ذلك أن صلاة الظهر في الأيام المعتادة

стр. 562

لا تكون إلا بعد الزوال وانتصاف النهار، وفي ذلك اليوم يكون من أوائل اليوم بقدر ذلك، وكذلك وقت العصر هي في الأيام المعتادة إذا زاد ظل كل شيء على مثله عند الجمهور، كمالك وأحمد والشافعي وأبي يوسف ومحمد وغيرهم. وقال أبو حنيفة: إذا صار ظل كل شيء مثليه، وهذا آخر وقتها عند مالك وأحمد في إحدى الراويتين والشافعي. والمقصود: أن في ذلك اليوم لا يكون وقت العصر فيه إذا صار ظل كل شيء لا مثله ولا مثليه، بل يكون أول يوم قبل هذا الوقت بشيء كثير، فكما أن وقت الظهر والعصر ذلك اليوم هما قبل الزوال، كذلك صلاة المغرب والعشاء قبل الغروب، وكذلك صلاة الفجر فيه تكون بقدر الأوقات في الأيام المعتادة ولا ينظر فيها إلى حركة الشمس لا بزوال ولا بغروب ولا مغيب شفق ونحو ذلك، وهكذا كما قيل في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [٦٢/ ١٩] قال بعضهم: يؤتون على مقدار البكرة والعشي في الدنيا، وقيل: يعرف ذلك بأنوار تظهر من ناحية العرش كما يعرف ذلك في الدنيا بنور الشمس. وقول الصحابة ﵃: يا رسول الله أرأيت اليوم كالسنة أيكفينا فيه صلاة اليوم؟ فقال: «لا ولكن اقدروا له قدره» أراد اليوم والليلة. فقد يعني به الليل كما يعني بلفظ الليلة الليلة بيومها، كقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [٤١/ ٣] وفي الموضع الآخر: ﴿ثلاث ليال سويا﴾ [١٠/١٩] ويوم كقوله: «يوم عرفة» ، «وإذا فاته الوقوف يوم عرفة» يراد اليوم والليلة التي تليه. وأيضا إذا علموا أنهم يقدرون لثلاث صلوات قبل وقتها المعتاد

стр. 563

علم بطريق اللزوم أنهم يقدرون للمغرب والعشاء، ووقوع ذلك في النهار كوقوع صلاتي المغرب والعشاء قبل الزوال من ذلك اليوم. وأيضا فقوله: «اعتكف العشر» يدخل فيه الليل، وقوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [١٤٢/ ٧] دخل فيها النهار والله أعلم (١) . وقال في اقتضاء الصراط المستقيم في تسمية العشاء بالعتمة إن الأشهر عندنا (٢) إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الاسم الآخر، وأن مثلها العشاء في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء (٣) . فالمرأة إذا غلب على ظنها أنها لا تخرج من الحمام حتى يفوت العصر أو تصفر الشمس لم يجز لها تفويت العصر باتفاق الأئمة بل إما أن تصلي في البيت جمعا، وإما أن تخرج من الحمام وتصلي، وإما أن تصلي في الحمام، وجمعها في البيت خير من صلاتها في الحمام (٤) . ومن دخل عليه الوقت ثم طرأ عليه مانع من جنون أو حيض فلا قضاء عليه إلا أن يتضايق الوقت عن فعلها، ثم يوجد المانع، وهو قول مالك وزفر، رواه زفر عن أبي حنيفة، ومتى زال المانع من تكليفه في وقت الصلاة لزمته إن أدرك فيها قدر ركعة، وإلا فلا وهو قول الليث وقول الشافعي ومقالة في مذهب أحمد (٥) . ومن أدرك من الوقت قدر تكبيرة ثم جن أو حاضت المرأة لزمه القضاء، وعنه: لا بد أن يمكنه الأداء اختارها جماعة منهم ابن بطة وابن أبي موسى والشيخ تقي الدين، واختار الشيخ تقي الدين أيضًا أنه لا

стр. 564

تترتب الأحكام إلا أن تضايق الوقت عن فعل الصلاة ثم يوجد المانع، وذكر الشيخ تقي الدين الخلاف عندنا فيما إذا طرأ مانع أو تكليف هل يعتبر بتكبيرة أو ركعة؟ واختار بركعة في التكليف (١) . قال شيخنا: إن عجز فمات بعد التوبة غفر له، قال: ولا تسقط بحج ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة ولا غير ذلك (٢) . سترة العورة وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: أمر الله بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة وهو أخذ الزينة لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ينبغي له أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة، وكان لبعض السلف حلة بمبلغ عظيم من المال وكان يلبسها وقت الصلاة ويقول: ربي أحق من تجملت له في صلاتي. ومعلوم أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، لا سيما إذا وقف بين يديه فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرا وباطنا (٣) . اختلفت عبارات أصحابنا في وجه الحرة في الصلاة فقال بعضهم: ليس بعورة، وقال بعضهم، عورة، وإنما رخص في كشفه في الصلاة للحاجة، والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه (٤) .

стр. 565

وفي الكفين روايتان: إحداهما عورة، والرواية الثانية ليستا بعورة.. واختارها الشيخ تقي الدين (١) . واختار الشيخ تقي الدين أن القدمين ليستا بعورة أيضا (٢) . ولا يختلف المذهب في أن ما بين السرة والركبة من الأمة عورة، وقد حكى جماعة من أصحابنا أن عورتها السوأتان فقط كالرواية في عورة الرجل، وهذا غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصا وعلى الشريعة عموما وكلام أحمد أبعد شيء عن هذا القول (٣) . واختار الشيخ تقي الدين أن الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل من غير حاجة إلى الإزار والرداء، وهذا من جنس اختياره أن الفصاد في البلاد الرطبة أولى وأن الاغتسال بالماء الحار في البلاد الرطبة أولى من الإدهان اعتبارا في كل بلد بعادتهم ومصلحتهم (٤) . السدل هو أن يطرح على كتفيه ثوبا ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى قال الشيخ تقي الدين هذا الصحيح المنصوص عليه (٥) . وقال الشيخ تقي الدين: واعتبار لبس الطيالسة على العمائم لا أصل له في السنة، ولم يكن من فعل النبي ﷺ والصحابة ﵃؛ بل ثبت في الصحيح حديث الدجال «أنه يخرج معه سبعون ألفا مطيلسين من يهود أصبهان» وكذلك جاء في غير هذا الحديث: أن الطيالسة من شعار اليهود، ولهذا كره من كره لبسها لما رواه أبو داود.
следующие страницы →