بدأ جماعة من أصحابنا كالخرقي القاضي في بعض كتبه وغيرهما بالظهر، ومنهم من بدأ بالفجر كأبي موسى وأبي الخطاب والقاضي في موضع، وهذا أجود لأن الصلاة الوسطى هي العصر، وإنما تكون الوسطى إذا كانت الفجر هي الأولى (١) .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [٨٤/٢٠] ، وظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضا ربه، وأن رضاه في المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها، ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك، قال: إن رضى الرب في العجلة إلى أوامره (٢) .
وجمهور العلماء يرون أن تقديم الصلاة أفضل إلا إذا كان في التأخير مصلحة مثل المتيمم يؤخر ليصلي آخر الوقت بوضوء، والمنفرد يؤخر ليصلي آخر الوقت مع جماعة ونحو ذلك (٣) .
لم أجد أحدا قال: إن تأخير جميع الصلوات أفضل؛ لكن منهم من يقول بعضها أفضل، كما يقول أبو حنيفة في الفجر والعصر.
والمواقيت التي علمها جبريل ﵇ للنبي ﷺ وعلمها النبي ﷺ لأمته حين بين مواقيت الصلاة وهي التي ذكرها العلماء في كتبهم هي في الأيام المعتادة.
فأما ذلك اليوم الذي قال فيه رسول الله ﷺ «يوم كسنة» قال: «اقدرا له» فله حكم آخر، يبين ذلك أن صلاة الظهر في الأيام المعتادة
стр. 562
لا تكون إلا بعد الزوال وانتصاف النهار، وفي ذلك اليوم يكون من أوائل اليوم بقدر ذلك، وكذلك وقت العصر هي في الأيام المعتادة إذا زاد ظل كل شيء على مثله عند الجمهور، كمالك وأحمد والشافعي وأبي يوسف ومحمد وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: إذا صار ظل كل شيء مثليه، وهذا آخر وقتها عند مالك وأحمد في إحدى الراويتين والشافعي.
والمقصود: أن في ذلك اليوم لا يكون وقت العصر فيه إذا صار ظل كل شيء لا مثله ولا مثليه، بل يكون أول يوم قبل هذا الوقت بشيء كثير، فكما أن وقت الظهر والعصر ذلك اليوم هما قبل الزوال، كذلك صلاة المغرب والعشاء قبل الغروب، وكذلك صلاة الفجر فيه تكون بقدر الأوقات في الأيام المعتادة ولا ينظر فيها إلى حركة الشمس لا بزوال ولا بغروب ولا مغيب شفق ونحو ذلك، وهكذا كما قيل في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [٦٢/ ١٩] قال بعضهم: يؤتون على مقدار البكرة والعشي في الدنيا، وقيل: يعرف ذلك بأنوار تظهر من ناحية العرش كما يعرف ذلك في الدنيا بنور الشمس.
وقول الصحابة ﵃: يا رسول الله أرأيت اليوم كالسنة أيكفينا فيه صلاة اليوم؟ فقال: «لا ولكن اقدروا له قدره» أراد اليوم والليلة.
فقد يعني به الليل كما يعني بلفظ الليلة الليلة بيومها، كقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [٤١/ ٣] وفي الموضع الآخر: ﴿ثلاث ليال سويا﴾ [١٠/١٩] ويوم كقوله: «يوم عرفة» ، «وإذا فاته الوقوف يوم عرفة» يراد اليوم والليلة التي تليه.
وأيضا إذا علموا أنهم يقدرون لثلاث صلوات قبل وقتها المعتاد
стр. 563
علم بطريق اللزوم أنهم يقدرون للمغرب والعشاء، ووقوع ذلك في النهار كوقوع صلاتي المغرب والعشاء قبل الزوال من ذلك اليوم.
وأيضا فقوله: «اعتكف العشر» يدخل فيه الليل، وقوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [١٤٢/ ٧] دخل فيها النهار والله أعلم (١) .
وقال في اقتضاء الصراط المستقيم في تسمية العشاء بالعتمة إن الأشهر عندنا (٢) إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الاسم الآخر، وأن مثلها العشاء في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء (٣) .
فالمرأة إذا غلب على ظنها أنها لا تخرج من الحمام حتى يفوت العصر أو تصفر الشمس لم يجز لها تفويت العصر باتفاق الأئمة بل إما أن تصلي في البيت جمعا، وإما أن تخرج من الحمام وتصلي، وإما أن تصلي في الحمام، وجمعها في البيت خير من صلاتها في الحمام (٤) .
ومن دخل عليه الوقت ثم طرأ عليه مانع من جنون أو حيض فلا قضاء عليه إلا أن يتضايق الوقت عن فعلها، ثم يوجد المانع، وهو قول مالك وزفر، رواه زفر عن أبي حنيفة، ومتى زال المانع من تكليفه في وقت الصلاة لزمته إن أدرك فيها قدر ركعة، وإلا فلا وهو قول الليث وقول الشافعي ومقالة في مذهب أحمد (٥) .
ومن أدرك من الوقت قدر تكبيرة ثم جن أو حاضت المرأة لزمه القضاء، وعنه: لا بد أن يمكنه الأداء اختارها جماعة منهم ابن بطة وابن أبي موسى والشيخ تقي الدين، واختار الشيخ تقي الدين أيضًا أنه لا
стр. 564
تترتب الأحكام إلا أن تضايق الوقت عن فعل الصلاة ثم يوجد المانع، وذكر الشيخ تقي الدين الخلاف عندنا فيما إذا طرأ مانع أو تكليف هل يعتبر بتكبيرة أو ركعة؟ واختار بركعة في التكليف (١) .
قال شيخنا: إن عجز فمات بعد التوبة غفر له، قال: ولا تسقط بحج ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة ولا غير ذلك (٢) .
سترة العورة
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: أمر الله بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة وهو أخذ الزينة لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ينبغي له أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة، وكان لبعض السلف حلة بمبلغ عظيم من المال وكان يلبسها وقت الصلاة ويقول: ربي أحق من تجملت له في صلاتي.
ومعلوم أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، لا سيما إذا وقف بين يديه فأحسن ما وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرا وباطنا (٣) .
اختلفت عبارات أصحابنا في وجه الحرة في الصلاة فقال بعضهم: ليس بعورة، وقال بعضهم، عورة، وإنما رخص في كشفه في الصلاة للحاجة، والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه (٤) .
стр. 565
وفي الكفين روايتان: إحداهما عورة، والرواية الثانية ليستا بعورة.. واختارها الشيخ تقي الدين (١) .
واختار الشيخ تقي الدين أن القدمين ليستا بعورة أيضا (٢) .
ولا يختلف المذهب في أن ما بين السرة والركبة من الأمة عورة، وقد حكى جماعة من أصحابنا أن عورتها السوأتان فقط كالرواية في عورة الرجل، وهذا غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصا وعلى الشريعة عموما وكلام أحمد أبعد شيء عن هذا القول (٣) .
واختار الشيخ تقي الدين أن الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل من غير حاجة إلى الإزار والرداء، وهذا من جنس اختياره أن الفصاد في البلاد الرطبة أولى وأن الاغتسال بالماء الحار في البلاد الرطبة أولى من الإدهان اعتبارا في كل بلد بعادتهم ومصلحتهم (٤) .
السدل هو أن يطرح على كتفيه ثوبا ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى قال الشيخ تقي الدين هذا الصحيح المنصوص عليه (٥) .
وقال الشيخ تقي الدين: واعتبار لبس الطيالسة على العمائم لا أصل له في السنة، ولم يكن من فعل النبي ﷺ والصحابة ﵃؛ بل ثبت في الصحيح حديث الدجال «أنه يخرج معه سبعون ألفا مطيلسين من يهود أصبهان» وكذلك جاء في غير هذا الحديث: أن الطيالسة من شعار اليهود، ولهذا كره من كره لبسها لما رواه أبو داود.
стр. 566
وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا» (١) انتهى كلامه (٢) .
وقال ابن عقيل في مكان آخر: يكره ما يشبه زي الكفار دون العرب، وقاله أيضا غيره.
وعن ابن عمر مرفوعا: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه أحمد وأبو داود وإسناده صحيح، قال شيخنا: أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [٥١/٥] في مخالفة الأمر (٣) .
ولما صارت العمامة الصفراء والزرقاء من شعارهم حرم لبسها (٤) .
والنظري ليس له التشبه في لباسه بلباس أعداء المسلمين (٥) .
قال الشيخ تقي الدين: وإرخاء الذؤابة بين الكتفين معروف في السنة، وإطالة الذؤابة كثيرا من الإسبال المنهي عنه انتهى كلامه (٦) .
قال ابن القيم ﵀: وكان إذا اعتم أخرى عمامته بين كتفيه.
وكان شيخنا قدس الله روحه في الجنة يذكر في سبب الذؤابة شيئا بديعا وهو أن النبي ﷺ إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه في المدينة «لما رأى رب العزة ﵎ فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري فوضع يده بين كتفي فعلمت ما بين السماء والأرض» وهو في الترمذي وسئل عنه البخاري فقال: صحيح، قال:
стр. 567
فمن تلك الحال أرخى الذؤابة بين كتفيه، وهذا من العلم الذي تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم، ولم أر هذه الفائدة في إثبات الذؤابة لغيره (١) .
وكره مالك وأحمد لبس العمامة المقطعة التي ليست تحت الحنك منها شيء.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «لا ينظر الله إلى قوم لا يديرون عمائمهم تحت أذقانهم» وكانوا يسمونها الفاسقية لكن رخص فيها إسحاق وغيره، وروي أن أبناء المهاجرين كانوا يتعممون كذلك، وقد يجمع بينهما بأن هذا حال المجاهدين والمستعدين له، وهذا حال من ليس من أهل الجهاد، وإمساكها بالسيور يشبه التحنيك (٢) .
ومن لم يجد إلا ثوبا لطيفا أرسله على كتفيه وعجزه، فإن لم يجد ثيابا صلى جالسا، ونص عليه، فإن لم يحوهما ائتزر به وصلى قائما، وقال القاضي: ستر منكبيه ويصلي جالسا، والأول هو الصحيح، وقول القاضي ضعيف (٣) .
قال الشيخ تقي الدين: لا يلزمه الاستتار بالطين عند الآمدي وغيره، وهو الصواب المقطوع به، وقيل: إنه المنصوص عن أحمد (٤) .
ولكن يستحب أن يستتر بحائط أو شجرة ونحو ذلك إن أمكن (٥) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يبلغنا أن النبي ﷺ شد على وسطه منطقة (٦) .
стр. 568
والصلاة في النعلين سنة أمر بها رسول الله ﷺ وأمر إذا كان فيها أذى أن يدلكهما بالأرض فإنها لهما طهور، وهذا هو الصحيح من قولي العلماء، وصلاته ﷺ وأصحابه بالنعال في المسجد مع أنهم يسجدون على ما يلاقي النعال كل ذلك دليل على طهارة أسفل النعل، مع أنهم كانوا يروحون بها إلى الحش للبراز، فإذا رأى عليهما أثر النجاسة فدلكهما بالأرض طهرتا (١) .
وفي لبس جلد الثعلب وافتراش جلد سبع روايتان، قال الشيخ تقي الدين: وأما الثعلب ففيه نزاع، والأظهر جواز الصلاة فيه (٢) .
ولا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان في أحد الوجهين، والوجه الثاني: لا يحرم؛ بل يكره ذكره ابن عقيل والشيخ تقي الدين رواية (٣) .
ولو صلى على راحلة مغصوبة أو سفينة مغصوبة فهو كالأرض المغصوبة، وإن صلى على فراش مغصوب فوجهان أظهرهما البطلان.
ولو غصب مسجدا وغيره بأن حوله عن كونه مسجدا بدعوى ملكه أو وقفه على جهة أخرى لم تصح صلاته فيه، وإن أبقاه مسجدا ومنع الناس من الصلاة فيه ففي صحة صلاته فيه وجهان اختار طائفة من المتأخرين الصحة والأقوى البطلان.
ولو تلف في يده لم يضمنه عند ابن عقيل، وقياس المذهب ضمانه (٤) .
والعبد الآبق لا يصح نفله ويصح فرضه عند ابن عقيل وابن
стр. 569
الزاغوني وبطلان فرضه قوي أيضا كما جاء في الحديث مرفوعا، وينبغي قبول صلاته (١) .
ولو كان المصلي جاهلا بالمكان والثوب أنه حرام فلا إعادة عليه سواء قلنا إن الجاهل بالنجاسة يعيد أو لا يعيد، لأن عدم علمه بالنجاسة لا يمنع العين أن تكون نجسة، وكذا إذا لم يعلم بالتحريم لم يكن فعله معصية بل يكون طاعة.
وأما المحبوس في مكان مغصوب فينبغي أن لا تجب عليه الإعادة إذا صلى فيه قولا واحدا، لأن لبثه فيه ليس بمحرم، ومن أصحابنا من يجعل فيمن لم يجد إلا الثوب الحرير روايتين كمن لم يجد إلا الثوب النجس، وعلى هذا فمن لم يمكنه أن يصلي إلا في الموضع الغصب فيه الروايتان وأولى، وكذلك كل مكره على الكون بالمكان النجس والغصب بحيث يخاف ضررا من الخروج في نفسه أو ماله ينبغي أن يكون كالمحبوس وذكر ابن الزاغوني في صحة الصلاة في ملك غيره بغير إذنه إذا لم يكن محوطا عليه وجهين، وأن المذهب الصحة، يؤيده أنه يدخله ويأكل ثمره فلأن يدخله بلا أكل ولا أذى أولى وأحرى.
والمقبوض بعقد فاسد من الثياب والعقار، أفتى بعض أصحابنا بأنه كالمغصوب سواء، وعلى هذا فإن لم يكن المال الذي يلبسه ويسكنه حلالا في نفسه لم يتعلق به حق الله تعالى ولا حق عباده وإلا لم تصح فيه الصلاة، وكذلك الماء في الطهارة، وكذلك المركوب والزاد في الحج وهذا يدخل فيه شيء كثير وفيه نوع مشقة (٢) .
وله حشو جباب وفرش بحرير (وش) وقيل: لا وذكر ابن عقيل رواية كبطانة.
стр. 570
وفي تحريم كتابة المهر وجهان: أحدهما لا يحرم بل يكره وهو الصحيح قدمه في الرعاية وتبعه في الآداب الكبرى والوسطى، والوجه الثاني يحرم في الأقيس قاله في الرعاية الكبرى واختاره ابن عقيل والشيخ تقي الدين (١) .
فإن استوى (الحرير) وما نسج معه فعلى وجهين.. والوجه الثاني يحرم، قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: الأشبه أنه يحرم لعموم الخبر (٢) .
لبس الحرير حيث يكون سدى بحيث يكون القطن والكتان أغلى قيمة منه وفي تحريمه إضرار بهم، لأنه أرخص عليهم، يخرج على وجهين لتعارض لفظ النص ومعناه، كالروايتين في إخراج غير الأصناف الخمسة إذا لم يكن قوتا لذلك البلد.
ولو كان الظهور للحرير وهو أقل من غيره ففيه ثلاثة أوجه: التحريم والكراهة، والإباحة، وحديث الحلة السيراء والقسي يستدل به على تحريم ما ظهر فيه الحرير؛ لأن ما فيه خيوط حرير أو سيور لا بد أن ينسج مع غيرها من الكتان أو القطن فالنبي ﷺ حرمها لظهور الحرير فيها ولم يسأل هل وزن ذلك الموضع من القطن أو الكتان أكثر، أم لا؟ مع أن العادة أنه أقل، فإن استويا فالأشبه بكلام أحمد التحريم.
والثياب القسية ثياب مخططة بحرير قال البخاري في صحيحه، قال عاصم، عن أبي بردة: قلنا لعلي ما القسية؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير كأمثال الأترج.
وقال أبو عبيد: هي ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير
стр. 571
فقد اتفقوا كلهم على أنها ثياب فيها حرير وليست حريرا مصمتا، وهذا هو الملحم.
والخز أخف من وجهين: إحداهما سداه من حرير، والسدى أيسر من اللحمة، وهو الذي بين ابن عباس جوازه بقوله: فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به.
والثاني: أن الخز ثخين والحرير مستور بالوبر فيه فيصير بمنزلة الحشو.
والخز اسم لثلاثة أشياء: للوبر الذي ينسج مع الحرير، وهو وبر الأرنب، واسم لمجموع الحرير والوبر، واسم لرديء الحرير، فالأول والثاني حلال، والثالث حرام.
وجعل بعض أصحابنا المتأخرين الملحم والقسي والخز على الوجهين، وجعل التحريم قول أبي بكر؛ لأنه حرم الملحم والقسي، والإباحة قول ابن البناء، لأنه أباح الخز، وهذا لا يصلح، لأن أبا بكر قال: ويلبس الخز ولا يلبس الملح ولا الديباج.
وأما المنصوص عن أحمد وقدماء الأصحاب فإباحة الخز دون الملحم وغيره فمن زعم أن في الخز خلافا فقد غلط.
وأما لبس الرجال الحرير كالكتولة والقباء فحرام على الرجال بالاتفاق على الأجناد وغيرهم، لكن تنازع العلماء في لبسه عند القتال بغير ضرورة على قولين: أظهرهما الإباحة.
وأما إن احتاج إلى الحرير في السلاح ولم يقم غيره مقامه فهذا يجوز بلا نزاع (١)(٢) .
стр. 572
وقال الشيخ تقي الدين: يجوز بيع حرير لكافر ولبسه له؛ لأن عمر بعث بما أعطاه النبي ﷺ إلى أخ له مشرك رواه أحمد والبخاري ومسلم.
قال شيخنا: وعلى قياسه بيع آنية الذهب والفضة للكفار، وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعتها لبيعها منهم، وعملها لهم بالأجرة (١) .
والخلاف في كسوة الحيطان إذا لم تكن الكسوة حريرا أو ذهبا، فأما الحرير والذهب فيحرم، كما تحرم ستور الحرير والذهب على الرجال والحيطان والأبواب التي تشترك فيها الرجال والنساء وأن تكون كالتي للرجال.
وأما الحيطان والأبواب التي تختص بالمرأة ففي كون ستورها وكسوتها كفرشها نظر؛ إذ ليس هو من اللباس.
ولا ريب في تحريم فرش الثياب تحت دابة الأمير وأمثاله، لا سيما إن كانت خزا أو مغصوبة، ورخص أبو محمد في ستر الحيطان لحاجة من وقاية حر أو برد، ومقتضى كلام القاضي المنع، لإطلاقه على مقتضى كلام الإمام أحمد.
ويكره تعليق الستور على الأبواب من غير حاجة لوجود أغلاق غيرها من أبواب الخشب ونحوها، وكذلك تكرار الستور في الدهليز لغير حاجة؛ فإن ما زاد على الحاجة فهو سرف، وهل يرتقي إلى التحريم؟ فيه نظر (٢) .
وأطلق في المستوعب: له الخضاب بالحناء، وقال في مكان آخر: كرهه أحمد، لأنه من الزينة، وقال شيخنا: هو بلا حاجة مختص بالنساء، ثم احتج بلعن المتشبهين والمتشبهات (٣) .
стр. 573
اجتناب النجاسة
وجوب تطهير البدن من الخبث، يحتج عليه بأحاديث الاستنجاء، وبحديث التنزه عن البول، وبقوله ﷺ «حتيه ثم اقرصيه ثم انضحيه بالماء ثم صلي فيه» من حديث أسماء وغيرها، وبحديث أبي سعيد في «دلك النعلين بالتراب ثم الصلاة فيهما» .
وطهارة البقعة يستدل عليها بقوله ﷺ في حديث الأعرابي: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والعذرة» وأمره ﷺ بصب الماء على البول (١) .
ونزاع الفقهاء فيمن صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه؟ على قولين معروفين الأظهر أنه لا يعيد؛ بل الصحيح أن كل من صلى في الوقت بحسب إمكانه لا يعيد كالعاجز عن الطهارة والستارة والاستقبال أو اجتناب النجاسة أو عن إكمال الركوع والسجود أو عن قراءة الفاتحة ونحوهم (٢) .
قال ابن القيم ﵀ في مسألة الثياب التي اشتبه الطاهر منها بالنجس: هذه مسألة نزاع.. قال شيخنا: اجتناب النجاسة من باب المحظور، فإذا تحرى وغلب على ظنه طهارة ثوب منها فصلى فيه لم يحكم ببطلان صلاته بالشك، فإن الأصل عدم النجاسة وقد شك فيها في هذا الثوب فيصلي فيه، كما لو استعار ثوبا أو اشتراه ولا يعلم حاله (٣) .
ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك.
стр. 574
وذكر طائفة من أصحابنا أن وجود القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة لأنه لا يتناول اسم المقبرة وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا، وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلي فيه، فهذا ينبني على أن المنع يكون متناولا لتحريم الصلاة عند القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه، أي المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم هذا منصوص أحمد (١) .
ولا تصح الصلاة في الحش ولا إليه، ولا فرق عند عامة أصحابنا بين أن يكون الحش في ظاهر جدار المسجد أو باطنه، واختار ابن عقيل: أنه إذا كان بين المصلي وبين الحش ونحوه حائل مثل جدار المسجد لم يكره، والأول هو المأثور عن السلف (٢) .
وقال الآمدي: تكره الصلاة في الرحى ولا فرق بين علوها وسفلها، قال أبو العباس: ولعل هذا لما فيها من الصوت الذي يلهي المصلي ويشغله (٣) .
ولا تصح الفريضة في الكعبة؛ بل النافلة وهو مذهب أحمد، وأما صلاة النبي ﷺ في البيت الحرام فإنها كانت تطوعا فلا يلحق به الفرض لأنه ﷺ صلى داخل البيت ركعتين، ثم قال: «هذه القبلة» فيشبه
والله أعلم أن يكون ذكره لهذا الكلام في عقب الصلاة خارج البيت
стр. 575
بيانا؛ لأن القبلة المأمور باستقبالها هي البنية كلها لئلا يتوهم متوهم أن استقبال بعضها كاف في الفرض لأجل أنه صلى التطوع في البيت، وإلا فقد علم الناس كلهم أن الكعبة في الجملة هي القبلة، فلا بد لهذا الكلام من فائدة وعلم شيء قد يخفى ويقع في محل الشبهة وابن عباس راوي هذا الحديث فهم منه هذا المعنى وهو أعلم بما سمع.
وإن نذر الصلاة في الكعبة جاز، كما لو نذر الصلاة على الراحلة، وأما إن نذر الصلاة مطلقا فإنه يعتبر فيها شروط الفريضة؛ لأن النذر المطلق يحذى فيه حذو الفرائض (١) .
استقبال القبلة
قال الدارقطني وغيره في قول الراوي: أن النبي ﷺ «صلى على حمار» غلط من عمرو بن يحيى المازني، وإنما المعروف صلاته ﷺ على راحلته أو البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس كما ذكره مسلم في رواية أخرى، ولهذا لم يذكر البخاري حديث عمرو هذا، وقيل: إن في تغليطه نظرا، وقيل: إنه شاذ لمخالفته الجماعة (٢) .
وتصح صلاة الفرض على الراحلة خشية الانقطاع عن الرفقة أو حصول ضرر بالمشيء أو تبرز للخفرة (٣) .
وذكر طائفة من الأصحاب أن الواجب في استقبال القبلة هواؤها دون بنيانها بدليل المصلي على جبل أبي قبيس وغيره من الجبال العالية بمكة، فإنه إنما يستقبل الهواء لا البنيان، وبدليل ما لو انتقضت الكعبة
стр. 576
والعياذ بالله فإنه يكفيه استقبال العرصة، قال أبو العباس: الواجب استقبال البنيان، وأما العرصة والهواء فليس بكعبة ولا بناء وأما ما ذكروه من الصلاة على أبي قبيس ونحوه فإنما ذلك لأن بين يدي المصلي قبله شاخصة مرتفعة وإن لم تكن مسامته فإن المسامتة لا تشترط كما لم تكن مشروطة في الائتمام بالإمام، وأما إذ زال بناء الكعبة والعياذ بالله فنقول بموجبه وأنه لا تصح الصلاة حتى ينصب شيئا يصلي إليه، لأن أحمد جعل المصلي على ظهر الكعبة لا قبلة له، فعلم أنه جعل القبلة البناء الشاخص.
وكذلك قال الآمدي: إن صلى بإزاء الباب وكان مفتوحا لا تصح صلاته وإن كان مردودا صحت، وإن كان مفتوحا وبين يديه شيء منصوب كالسترة صحت، لأنه يصلي إلى جزء من البيت. فإن زال بنيان البيت والعياذ بالله وصلى وبين يديه شيء صحت الصلاة، وإن لم يكن بين يديه شيء لم تصح، وهذا من كلام الآمدي يدل على أن البناء لو زال لم تصح الصلاة إلا أن يكون بين يديه شيء، وإنما يعني به -والله أعلم- ما كان شاخصا كما قيده فيما لو صلى إلى الباب، ولأنه علل ذلك بأنه إذا صلى إلى سترة فقد صلى إلى جزء من البيت. فعلم أن مجرد العرصة غير كاف، ويدل على هذا ما ذكره الأزرقي في أخبار مكة أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير، لا تدع الناس بغير قبلة، انصب لهم حول الكعبة الخشب، واجعل الستور عليها حتى يطوف الناس من ورائها ويصلون إليها ففعل ذلك ابن الزبير، وهذا من ابن عباس وابن الزبير دليل على أن الكعبة التي يطاف بها ويصلى إليها لا بد أن تكون شيئا منصوبا شاخصا، وأن العرصة ليست قبلة،
ولم ينقل أن أحدا من السلف خالف في ذلك ولا أنكره، نعم لو فرض أنه قد تعذر نصب شيء من الأشياء موضعها بأن يقع ذلك إذا
هدمها ذو السويقتين من الحبشة في آخر الزمان فهنا ينبغي أن يكتفي حينئذ باستقبال العرصة، كما يكتفي المصلي أن يخط خطا إذا لم يجد
стр. 577
سترة فإن قواعد إبراهيم كالخط، وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا: أن البناء إذا زال صحت الصلاة إلى هواء البيت مع قولهم إنه لا يصلي: على ظهر الكعبة، ومن قال هذا يفرق بأنه إذا زال البناء لم يبق هناك شيء شاخص يستقبل بخلاف ما إذا كان هناك قبلة تستقبل، ولا يلزم من سقوط الشيء الشاخص إذا كان معدوما سقوط استقباله إذا كان موجودا، كما فرقنا بين حال إمكان نصب شيء وحال تعذره، وكما يفرق في سائر الشروط بين حال الوجود والعدم والقدرة والعجز.
وإذا قلنا لا بد من الصلاة إلى شيء شاخص فإنه يكفي شخوصه ولو أنه شيء يسير كالعتبة التي للباب قاله ابن عقيل، وقال أبو الحسن الآمدي: لا يجوز أن يصلي إلى الباب إذا كان مفتوحا، لكن إذا كان بين يديه شيء منصوب كالسترة صحت، فعلى هذا لا يكفي ارتفاع العتبة ونحوها، بل لا بد أن يكون مثل آخرة الرحل؛ لأنها السترة التي قدر بها الشارع السترة المستحبة فلأن يكون تقديرها في الواجب أولى، ثم إن كانت السترة التي فوق السطح ونحوه بناء أو خشبة مسمرة ونحو ذلك مما يتبع في مطلق البيع لو كان في موضع مملوك جازت الصلاة إليه لأنه جزء من البيت، وإن كان هناك لبن وآجر بعضه فوق بعض أو خشبة معروضة غير مسمرة ونحو ذلك لم يكن قبلة فيما ذكره أصحابنا لأنه ليس من البيت، ويتوجه أن يكتفى في ذلك بما يكون سترة في الصلاة، لأنه شيء شاخص ولأن حديث ابن عباس وابن الزبير دليل على الاكتفاء بكل ما يكون قبلة وسترة، فإن الخشب والستور المعدة عليها لا يتبع في مطلق البيع.
وقال ابن حامد وابن عقيل في الواضح وأبو المعالي: لو صلى إلى الحجر من فرضه المعاينة لم تصح صلاته، لأنه في المشاهدة والعيان ليس من الكعبة البيت الحرام، وإنما وردت الأحاديث بأنه كان من البيت فعمل بتلك الأحاديث في وجوب الطواف دون الاكتفاء به للصلاة احتياطًا
стр. 578
للعبادتين، وقال القاضي في التعليق: يجوز التوجه إليه في الصلاة وتصح صلاته كما لو توجه إلى حائط الكعبة، قال أبو العباس: وهذا قياس المذهب لأنه من البيت بالسنة الثابتة، وبعيان من شاهده من الخلق الكثير لما نقضه ابن الزبير، ونص أحمد أنه لا يصلي الفرض في الحجر، فقال: لا يصلي في الحجر، والحجر من البيت، قال أبو العباس: والحجر جميعه ليس من البيت، وإنما الداخل في حدود البيت ستة أذرع وشيء فمن استقبل ما زاد على ذلك لم تصح صلاته ألبتة (١) .
وإن اختلف مجتهدان في جهتين.. أنهما إذا استويا عنده له اتباع أيهما شاء وجزم به الشيخ تقي الدين في المسودة، وقال: ذكره القاضي في أصوله المختلفة بما يقتضي أنه محل وفاق ولم يمنعه (٢) .
النية
قلت: قال شيخنا: ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه واحدة منها؛ فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر، فريضة الوقت، أداء لله تعالى، إماما أو مأموما، أربع ركعات، مستقبل القبلة ثم يزعج أعضاءه، ويحني جبهته ويقيم عروق عنقه ويصرح بالتكبير كأنه يكبر على العدو، ولو مكث أحدهم عمر نوح ﵇ يفتش هل فعل رسول الله ﷺ أو أحد من أصحابه شيئا من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت، فلو كان في هذا خير لسبقونا إليه ولدلونا عليه، فإن كان هذا هدى، فقد ضلوا عنه، وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدى والحق فماذا بعد الحق إلا الضلال (٣) .
стр. 579
قال شيخنا: يحرم خروجه لشكه في النية للعلم بأنه ما دخل إلا بنية، وكشكه هل أحدث (١) .
ولو سمى إماما أو جنازة فأخطأ صحت صلاته إن كان قصده خلف من حضر وعلى من حضر وإلا فلا (٢) .
ولا يتنفل منفرد مأموما على الأصح (وهـ م ر) ولا إماما اختاره الأكثر، وعنه يصح اختاره الشيخ وشيخنا (٣) .
باب صفة الصلاة
ويتوجه: يجب تسوية الصفوف وهو ظاهر كلام شيخنا (٤) .
ولا تنعقد إلا بقوله قائما في فرض: الله أكبر وهي ركن بقدر ما يسمع نفسه، ومع عذر بحيث يحصل السماع مع عدمه، واختار شيخنا الاكتفاء بالحروف وإن لم يسمعها وذكره وجها (وم) وكذا ذكر واجب (٥) .
وإذا قدر المصلي أن يقول: الله أكبر لزمه ولا يجزئه غيرها وهو قول مالك وأحمد (٦) .
قال شيخنا: ومن أصناف الوسواس ما يفسد الصلاة، مثل تكرير بعض الكلمة كقوله في التحيات: أت، أت، ألتحي، ألتحي،
وفي السلام: أس، أس. وقوله في التكبير: أكككبر ونحو ذلك فهذا
стр. 580
الظاهر بطلان صلاته به، وربما كان إماما فأفسد صلاة المأمومين، وصارت الصلاة التي هي أكبر الطاعات أعظم إبعادا له عن الله من الكبائر، وما لم تبطل به الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة ورغبة عن طريق رسول الله ﷺ وهديه وما كان عليه أصحابه، وربما رفع صوته بذلك فآذى سامعيه، وأغرى الناس بذمه والوقيعة فيه، فجمع على نفسه طاعة إبليس ومخالفة السنة، وارتكاب شر الأمور، ومحدثاتها، وتعذيب نفسه، وإضاعة الوقت، والاشتغال بما ينقص أجره، وفوات ما هو الأنفع له، وتعريض نفسه لطعن الناس فيه، وتغرير الجاهل بالاقتداء به فإنه يقول: لولا أن ذلك فضل لما اختاره لنفسه، وأساء الظن بما جاءت به السنة، وأنه لا يكفي وحده، وانفعال النفس وذلها للشيطان حتى يشتد طمعه فيه، وتعريضه نفسه للتشديد عليه بالقدر عقوبة له، وإقامته على الجهل، ورضاه بالخبل في العقل كما قال أبو حامد الغزالي وغيره، الوسوسة: إما جهل بالشرع، وإما خبل في العقل، وكلاهما من أعظم النقائص والعيوب (١) .
ويستحب التعوذ أول كل قراءة ويجهر في الصلاة بالتعوذ وبالبسملة وبالفاتحة في الجنازة ونحو ذلك أحيانا فإنه المنصوص عن أحمد تعليما للسنة (٢) .
قال شيخنا: وتكتب البسملة أوائل الكتب، كما كتبها سليمان، وكتبها النبي ﷺ في صلح الحديبية وإلى قيصر وغير (٣) .
ولا يشترط أن يسمع المصلي نفسه القراءة الواجبة، بل يكفيه الإتيان بالحروف وإن لم يسمعها وهو وجه في مذهب أحمد واختاره
стр. 581
الكرخي من الحنفية وكذا كل ذكر واجب (١) .
والفاتحة أعظم سورة في القرآن قال ﵊ فيها: «أعظم سورة في القرآن» رواه البخاري، وذكر معناه ابن شهاب الزهري وغيره (٢) .
وعند شيخنا ترتيب الآيات واجب، لأن ترتيبها بالنص (ع) وترتيب السور بالاجتهاد لا بالنص في قول جمهور العلماء منهم المالكية والشافعية، قال شيخنا: فيجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة؛ ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة ﵃ في كتابتها، لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار هذا مما سنه الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها (٣) .
ووقوف القارئ على رءوس الآيات سنة وإن كانت الآية الثانية متعلقة بالأولى تعلق الصفة بالموصوف أو غير ذلك.
والقراءة القليلة بتفكر أفضل من الكثيرة بلا تفكر، وهو المنصوص عن الصحابة ﵃ صريحا، ونقل عن أحمد ما يدل عليه، نقل عنه مثنى بن جامع: رجل أكل فشبع وأكثر الصلاة والصيام، ورجل أقل الأكل فقلت نوافله وكان أكثر فكرة فأيهما أفضل؟ فذكر ما جاء في الفكر «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» قال: فرأيت هذا عندنا أفضل للتفكر (٤) .
ويكره أن يقول مع إمامه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ونحوه (٥) .
стр. 582
ومن لم يحسن القراءة ولا الذكر، أو الأخرس لا يحرك لسانه حركة مجردة.
ولو قيل: إن الصلاة تبطل بذلك كان أقرب؛ لأنه عبث ينافي الخشوع وزيادة على غير المشروع (١) .
وسمعته يقول في نهيه ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود: أن القرآن هو أشرف الكلام، وهو كلام الله، وحالة الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد فمن الأدب مع كلام الله أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، ويكون حال القيام والانتصاب أولى به (٢) .
وقول القائل: إن طوَّل القيام على الركوع والجلوس بين السجدتين تبطل صلاته قول ضعيف باطل (٣) .
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه:
فصل
الصلاة مؤلفة من أقوال وأفعال، فأعظم أقوالها القرآن، وأعظم أفعالها الركوع والسجود وأول ما أنزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [١/٩٦] وختمها بقوله ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [١٩/٩٦] فافتتحها بالأمر بالقراءة وختمها بالأمر بالسجود وكل منهما يكون عبادة مستقلة.
فالقراءة في نفسها عبادة مطلقا إلا في مواضع، والسجود عبادة
стр. 583
بسبب السهو والتلاوة وسجود الشكر، وعند الآيات على قول. فالتلاوة الخاصة سبب السجود.
وقد ذكر الله الركوع والسجود في مواضع فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [٧٧/٢٢] فهذا أمر بهما وقال تعالى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [٢٩/٤٨] فهذا ثناء عليهم بهما، وإن كان ذكرهما منتظما لبقية أفعال الصلاة كما في القراءة والقيام والتسبيح والسجود المجرد وهو من باب التعبير بالبعض عن الجميع، وهو دليل على وجوبه فيه، وقال تعالى لبني إسرائيل ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [٤٣/٢] فأفرد الركوع بالتخصيص بعد الأمر بإقامة الصلاة، ويشبه والله أعلم أن يكون فيه معنيان:
أحدهما: أنهم لا يركعون في صلاتهم فأمرهم بالركوع إذا كانوا لا يفهمون ذلك في نفس الصلاة.
الثاني: أن قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمر بصلاة الجماعة، ودل بذلك على وجوبها، وأمر بالركوع معهم؛ لأنه بالركوع يكون مدركا للركعة، فإذا ركع معهم فقد فعل بقية الأفعال معهم، وما قبل الركوع من القيام لا يجب فعله معهم فما بعده لازم؛ بخلاف ما لو قال: قوموا، أو: اسجدوا لم يدل على ذلك.
وقال لمريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [٤٣/٣] قد يكون أمرا لها بصلاة الجماعة وإن كانت امرأة لأنها كانت محررة منذورة لله عاكفة في المسجد، وقال تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [٢٤/٣٨] قد قيل: إنه السجود، وقال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [٤٨/٧٧] وذكر السجود والقيام في
إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [٣٢/١٥] .
وقوله: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [٣٧/٤١] .
وقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلهِ وَاعْبُدُوا﴾ [٦٢/٥٣] .
وقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [٢١/٨٤] .
وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [١٩/٨٤] .
فآية الأعراف والرعد والنحل والحج فيها الخبر عن سجود المخلوقات، لكن في الأعراف سجود الملائكة وفي الحج سجود المخلوقات طوعية، وهذا لم يعم بني آدم، وسجود الكائنات مطلق ليس مقيدا بركوع فشرع السجود عند ذكره، لأن المؤمن داخل في ذلك، أو متشبه بصاحبه.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ الآية: [١٠٧/١٧] وقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [٥٨/١٩] خبر عن سجود بسبب التلاوة، فأمر بالسجود عند التلاوة.
ونظيره: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [٢١/٨٤] وقوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [٢٤/٢٧] وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الليْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [٣٧/٤١] نهي عن السجود لغير الله مطلقا وأمر بالسجود له فشرع السجود المقابل للمنهي عنه.
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا
стр. 586
تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [٦٠/٢٥] فأخبر عن امتناع الكافر عن السجود مطلقا فيشرع السجود المقابل له، وهو مطلق السجود هناك في مقابلة المعبود الباطل وهنا في مقابلة الكافر الممتنع عن الحق.
وأما قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [٧٧/٢٢] فلا ريب أن هذا أمر بسجود الصلاة فلذلك جرى فيه النزاع فقيل: هو أمر به كما في قوله: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [٤٣/٣] .
وقيل: هذا لا يمنع أن يكون سببا لذلك، كما أن آيات التلاوة والسجود تتضمن السجود في الصلاة عقب سماع القرآن.
فصل
ولما كثر ذكر السجود في القرآن، تارة أمرا به، وتارة ذما لمن تركه، وتارة: ثناء على فاعله، وتارة إخبارا عن سجود عظماء الخليقة وعمومهم كان ذلك دليلا على فضيلة السجود، وهذا ظاهر فإن السجود فيه غاية الخضوع والتواضع، وهو أفضل أركان الصلاة الفعلية وأكثرها حتى إن مواضع الصلاة سميت به فقيل: مسجد ولم يقل: مقام، ولا مركع لوجهين:
أحدهما: أنه أفضل وأشرف وأكثر.
والثاني: أن نصيب الأرض منه أكثر من نصيبها من جميع الأفعال، فإن العبد يسجد على سبعة أعضاء وإنما يقوم على رجلين، وأما الركوع فسيان نسبة الأرض إليه وإلى القيام، فلهذا قيل: مسجد وهو موضع السجود دون موضع الركوع، والركوع نصف
سجود، والسجود شرع مثنى مثنى في كل ركعة سجدتان ولم
يشرع من الأركان مثنى إلا هو، حتى سجود الجبران جعل أيضا مثنى وهو سجدتا السهو، وكان النبي ﷺ يسميهما المرغمتين وقال في
الشك «إن كانت صلاته وترا شفعتا له صلاته، وإن كانت تامة
стр. 587
كانت ترغيمًا للشيطان» فأقام السجدتين مقام ركعة في تكميل الصلاة؛ لأن الركن الأعم في كل ركعة هما السجدتان، وقال النبي ﷺ : «أعني على نفسك بكثرة السجود» ، وقال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» .
ولما كانت الصلاة مثنى مثنى، جعل في كل ركعة السجود مثنى مثنى، فكل سجدتين معقودتان بركعة، فتصير وترا سجدتين وركوع، والركوع مقدمة أمامهما كتقدمة الوقوف على طواف الزيارة قال النبي ﷺ : «إذا أدركتمونا ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ومن أدرك الركعة فقد أدرك» كما قال: «الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج» ومن فاته التعريف فإنه يفعل الطواف والسعي ولكن لا يكون مدركا للحج، لكن يكون متحللا بعمرة، أو عمل عمرة ولهذا قيل: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [٤٣/٢] فالركوع مع السجود تقدمة وتوطئه وباب إليه، وهو مشترك بين القيام والسجود وبرزخ بينهما، فالقيام قيام القراءة بعده، وأما القيام بعده فهو -والله أعلم- لأجل السجود بعده ليكون السجود عن قيام وهو السجود الكامل، فالرفع منه تكميل للركوع، والخفض من القيام تكميل للسجود، ولهذا هو ركن تام كما جاءت به السنة، وليس معادلا لبقية الأركان كما كان يفعل النبي ﷺ ، وقال: «لا تقبل الله صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود» لعدم تكميلهما فإنه أيضا إذا لم يقم صلبه بين السجدتين لا يكون قد أكمل الأولى برفعها ولا الثانية بخفضها، فالسجود إذا شرع في الانحناء وهو قاعد، أما إذا كان وجهه قريبًا من الأرض وألصقه فليس هذا بسجود.
ومن هنا غلط من غلط وقال: إن الاعتدالين ليس بركنين طويلين لما ظنوا أن المقصود مجرد الفصل، والصواب ما جاءت به السنة إيجابًا
стр. 588
للاعتدال واستحبابًا لإتمامه وتسويته بسائر الأركان، لأن هذا القيام والقعود إن كان تابعا من بعض الوجوه فالقعود في آخر الصلاة أيضا تابع للصلاة وهم يطردون أصلهم في عدم إيجابه عند بعضهم، والركوع أيضا تابع من بعض الوجوه للسجود الذي هو غاية الخضوع، كما قال: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [٩/٣٩] .
فإذا كان بعض أركان الصلاة الفعلية أفضل من بعض وأبلغ في كونه مقصودا لم يمنع إيجاب التابع المفضول كالركعتين الأخريين مع الأوليين وكإيجاب الطمأنينة.
وحرف المسألة: أن إتمام الأركان فرض ولا يتم إلا بذلك، وإتمام الصلاة من إقامتها، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، فإن قوله في الخوف والسفر ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [١٠١/٤] فالخوف يبيح قصر الأفعال والسفر قصر الأعداد دليل على وجوب الإتمام في الأمن والطمأنينة لقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [١٠٣/٤] وإتمامها من إقامتها كما جاءت به السنة حيث قال للمسيء في صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ، وقال: «فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك» فجعل من لم يتمها لم يصل، والله سبحانه أعلم (١) .
ما يكره في الصلاة
ومن الأدب نهي النبي ﷺ المصلي أن يرفع بصره إلى السماء، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا من كمال
стр. 589
أدب الصلاة أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقا خافضا طرفه إلى الأرض ولا يرفع بصره إلى فوق (١) .
فصل
آل محمد فيه قولان:
أحدهما: أنهم أهل بيته الذين حرموا الصدقة، نص عليه أحمد والشافعي، وهو أصح.
وعلى هذا فتحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته: روايتان الأصح: دخولهن دون مواليهن كبريرة، بخلاف موالي الرجال.
وعلى هذا: أهل بيته هم بنو هاشم من ذرية أبي طالب والعباس والحارث أبناء عبد المطلب أعمام النبي ﷺ فذرية هؤلاء الثلاثة أهل بيته، وكذلك ذرية أبي لهب عند الجمهور، وليس من أعمامه من له نسل غير هؤلاء الأربعة.
وأفضل أهل بيته علي وفاطمة وحسن وحسين الذين أدار عليهم الكساء وخصهم بالدعاء.
وظاهر كلام أبي العباس في موضع آخر، أن حمزة أفضل من حسن وحسين واختاره بعض العلماء (٢) .
стр. 590
وأما بنو المطلب هل هم من أهل بيته الذين تحرم عليهم الصدقة؟. على روايتين.
والقول الثاني: آل محمد هم أمته، أو الأتقياء من أمته، روي ذلك عن مالك وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم.
ولفظ آل فلان، إذا أطلق دخل فيه فلان وآله، وقد يقال: محمد وآل محمد، فلا يدخل فيهم محمد، وكذلك أهل البيت.
وأصل آل أول، فحركة الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا.
ومن قال: إن أصله أهل فقد غلط، لأن الأهل يضاف إلى الجماد وغيره.
وأما آل فإنما يضاف إلى شخص معظم من شأنه أن يئول إليه غيره أي يسوسه فيكون مآله إليه فيتناول نفسه ومن يئول إليه.
ولهذا جاء في أكثر الألفاظ، «كما صليت على إبراهيم» جاء في بعضها «على إبراهيم» لأنه هو الأصل في الصلاة وسائر أهل بيته تبع له.
ولم يأت «على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» بل روي ولكنه غير ثابت عن النبي ﷺ .
ومن المتأخرين من يرى الجمع بين ألفاظ الأدعية التي رويت بألفاظ متنوعة مثل قوله: «ظلما كثيرا كبيرا» وهي طريقة محدثة بل فاسدة عقلا، لأنه لم يستحب أحد من المسلمين للقارئ أن يجمع بين حروف القراءة.
فإن قيل: فلم جاء «على محمد وعلى آل محمد» فذكر محمد وآله بخلاف إبراهيم؟
قيل: لأن الصلاة على محمد وآله ذكرت في مقام الطلب والدعاء،
стр. 591
وفي إبراهيم في مقام الخبر، والجملة الطلبية إذا بسطت كان بسطها مناسبا لأن المطلوب يزيد بزيادة الطلب وينقص بنقصانه، فأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع لا يحتمل الزيادة ولا النقصان فلم يكن في زيادة اللفظ زيادة معنى فكان الإيجاز أحسن ولهذا جاء بلفظ «إبراهيم» ، تارة وبلفظ «آل إبراهيم» أخرى لأن كلا من اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر، وهو الصلاة التي وقعت ومضت، إذ قد علم أن الذي وقع هو الصلاة عليه وعلى آله بخلاف ما لو طلب صلاة على محمد فإنه يدل على طلب الصلاة على آل محمد، إذ هو طلب ودعاء ينشأ بيننا بهذا اللفظ لم يعلم ما يريد به.
ولو قيل: «صل على محمد» ، لكان إنما يصلي عليه في العموم، فقيل: على محمد وآل محمد ليخص بالدعاء.
ثم إن قيل: إنه داخل في آله مع الاقتران، كما هو داخل مع الإطلاق فقد صُلي عليه مرتين خصوصا وعموما.
ولو قيل: إنه لم يدخل ففي ذلك بيان أن الصلاة على آله إنما طلبت تبعا له وأنه هو الأصل الذي بسببه طلبت الصلاة على آله.
فإن قيل: قوله «صليت على آل إبراهيم» يشعر بفضيلة إبراهيم، لأن المشبه دون المشبه به؟
قيل: الجواب: أن محمدا داخل في آل إبراهيم، لأنه في الأصح أحق من غيره من الأنبياء بالدخول فيدخل عموما في آل إبراهيم، ثم أمرنا أن نصلي على محمد على آله خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموما، ثم لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم، والباقي له، فيطلب له من الصلاة هذا القدر العظيم فيحصل له به أعظم ما لإبراهيم وغيره، ويظهر به من فضيلته على كل من النبيين ما هو اللائق به ﷺ .
стр. 592
وجواب ثان وهو أن «آل إبراهيم» فيهم الأنبياء الذين ليس مثلهم في آل محمد، فإذا طلب له من الصلاة مثل ما صلي على هؤلاء حصل لآله ما يليق بهم، فإنهم دون الأنبياء وبقيت الزيادة لمحمد فحصل له بذلك مزية ليست لإبراهيم ولا لغيره، وهذا حسن أيضا.
وجواب ثالث: منع أن يكون المشبه دون المشبه به.
وجواب رابع: أن التشبيه عائد إلى الصلاة على الآل فقط فعند قوله «على محمد» انقطع الكلام وقوله «على آل محمد» مبتدأ وهذا نقل عن الشافعي وهو ضعيف كالذي قبله، لأن الفعل العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه، وهو العامل في أداة التشبيه، والحذف إنما يجوز مع قيام الدليل، كما لو قال: اضرب زيدا وعمرو مثل ضربك خالدا وجعل التشبيه للمعطوف كان تلبيسا.
ومحمد أفضل الرسل باتفاق المسلمين، لكن وقع نزاع، هل هو أفضل من جملتهم؟ قطع طائفة بأن أفضل، كما أن صديقه أبا بكر وزن إيمانه بإيمان جميع الأمة فرجح.
فعلى هذا يكون آل محمد الذين هو فيهم أفضل من آل إبراهيم الذين ليس فيهم محمد وإن كان فيهم عدد من الأنبياء، وإن لم يكن محمد من آل نفسه فيكون آل محمد ليس فيهم نبي دون آل إبراهيم ففيهم أنبياء.
وإن قلنا: إنه داخل في آل إبراهيم كان آل إبراهيم فيهم محمد وأنبياء غيره وآل محمد فيهم محمد ولا نبي معه فتكون الجملة التي هو وغيره فيها من الأنبياء أفضل من الآخرين.
واتفق المسلمون على أن الصلاة على النبي ﷺ والدعاء كله سرا أفضل، بل الجهر ورفع الصوت بالصلاة بدعة، ورفع الصوت بذلك أو
стр. 593
بالترضي قدام الخطيب في الجمعة مكروه أو محرم بالاتفاق، ومنهم من يقول: سرا، ومنهم من يسكت.
والصلاة على النبي ﷺ ، بلفظ الحديث أفضل من كل لفظ، ولا يزاد عليه كما في الأذان والتشهد قاله الأئمة الأربعة وغيرهم، وهي في الصلاة واجبة في أشهر الروايتين وقول للشافعي، ولا تجب في غيرها، والرواية الأخرى: لا تجب في الصلاة، وهو قول مالك وأبي حنيفة.
ثم منهم من قال: تجب في العمر مرة، ومنهم من قال: تجب في المجلس الذي يذكر فيه ﷺ (١) .
ولا تجوز الصلاة على غير الأنبياء إذا اتخذت شعارا، وهو قول متوسط بين من قال بالمنع مطلقا وهو قول طائفة من أصحابنا، ومنهم من قال بالجواز مطلقًا وهو منصوص أحمد (٢) .
وقوله في حديث أبي بكر ﵁: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (٣) .
ثبت في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» .
وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [٣١/٤] وكذلك
стр. 594
قوله ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللمَمَ﴾ [٣٣/٣٥] فقد فسر اللمم: بأنه غير الوطء من النظر واللمس والسمع والمشي ونحوه، كما ثبت في الصحيح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما رأيت أشبه باللم مما قال أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي الفرج يصدق ذلك أو يكذبه» وسماه الله لمما لأن العبد المؤمن يلم بالكبيرة ولا يأتيها قال:
متى تأتنا تلمم بنا في دارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
وقال
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
فإن الطارق يلم بأهل المنزل قبل أن يدخل إلى منزلهم.
ويقال: اللمم أن يلم بالذنب الصغير مرة من غير إصرار، لأن من أصر على الصغيرة صارت كبيرة، كما في الترمذي: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» ، فقد جاء الكتاب والسنة بتكفير الصغائر لمن اجتنب الكبائر وهذا لا ريب فيه.
ثم قال قائلون: مفهوم هذا أنه لا يكفر الصغائر إلا بهذا الشرط، فمن لم يجتنب الكبائر كلها لا يكفر عنه صغيرة، وخالف الخوارج والمعتزلة فقالوا: إن من أتى كبيرة استحق العقوبة حتما، فتحبط جميع حسناته بتلك الكبيرة ويستحق التخليد في النار لا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها، وهذا قول باطل باتفاق الصحابة ﵃ أجمعين وسائر أهل السنة.
стр. 595
والمرجئة من الشيعة والأشعرية قابلوا المعتزلة بنقيض قولهم فقالوا: لا نجزم بتعذيب أحد من أهل التوحيد، وهذا أيضا باطل، بل تواترت السنن بدخول أهل الكبائر النار، وخروجهم منها بشفاعة رسول الله ﷺ وسلف الأمة وأئمتها متفقون على ما جاءت به السنن.
وقد يفعل العبد من الحسنات ما يمحو الله به بعض الكبائر كما غفر للبغي بسقي الكلب، وقوله لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ولكن هذا يختلف باختلاف الحسنات ومقاديرها وبصفات الكبائر ومقاديرها، فلا يمكن لنا أن نعين حسنة تكفر بها الكبائر كلها غير التوبة فمن أتى كبيرة ولم يتب منها ولكن أتى معها بحسنات أخر فهذا يتوقف أمره على الموازنة والمقابلة، ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [٦-٩/١٠١] فلهذا كان صاحب الكبيرة تحت الخطر ما لم يتب منها، فإذا أتى بحسنات يرجى له محو الكبيرة، وكان بين الخوف والرجاء.
والحسنة الواحدة قد يقترن بها من الصدق واليقين ما يجعلها تكفر الكبائر، كالحديث الذي في صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، ويؤتى ببطاقة فيها كلمة لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلات وذلك لعظم ما في قلبه من الإيمان واليقين، وإلا فلو كان كل من نطق بهذه الكلمة تكفر خطاياه لم يدخل النار من أهل الكبائر المؤمنين بل والمنافقين أحد، وهذا خلاف ما تواترت به الآيات والسنن، وكذلك حديث البغي، وإلا فليس كل من سقى كلبا عطشانا يغفر له، كما أنه قد يقترن بالسيئة من الاستخفاف والإصرار ما يعظمها فلهذا وجب التوقف في المعين، فلا يقطع بجنة ولا نار إلا ببيان من الله، لكن يرجى للمحسن ويخاف على المسيء.
стр. 596
وأما من شهد له النص فنقطع له، ومن له لسان صدق ففيه نزاع (١) .
والمصافحة أدبار الصلوات بدعة باتفاق المسلمين، لكن عند اللقاء فيها آثار حسنة، وقد اعتقد بعضهم أنها في أدبار الصلاة تندرج في عموم الاستحباب وبعضهم أنها مباحة.
والتحقيق أنها بدعة إذا فعلت على أنها عبادة، أما إذا كانت أحيانا لكونه لقيه عقيب الصلاة - لا لأجل الصلاة - فهذا حسن كما أن الناس لو اعتادوا سلاما غير المشروع عقيب الصلاة كره.
وأما المعانقة ففي الحديث النهي عنها، ويحمل النهي على فعلها دائما، وأما عند اللقاء فقد جاء فيها حديث جعفر، «أن النبي ﷺ لقيه فالتزمه وقبل بين عينيه» (٢) .
الذكر بعد الصلاة
وما جاء في خبر ثوبان «من أن الإمام إذا خص نفسه بالدعاء فقد خان المأمومين» المراد به الدعاء الذي يؤمن المأموم عليه كدعاء القنوت فإن المأموم إذا أمن كان داعيا، قال تعالى لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [٨٩/١٠] وكان أحدهما يدعو والآخر يؤمن والمأموم يؤمن لاعتقاده أن الإمام يدعو لهما، فإن لم يفعل فقد خان الإمام المأموم (٣) .
стр. 597
ويحرم الاعتداء في الدعاء لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [٥٥/٧] والاعتداء قد يكون في نفس الطلب، وقد يكون في نفس المطلوب (١) .
ويكره رفع بصره إلى السماء في الدعاء ذكره في الغنية من الأدب، وهو قول شريح وآخرين وظاهر كلام جماعة واختاره شيخنا في الأجوبة المصرية الأصولية لفعله ﵇ (وم ش) قال: وذكر بعض أصحابنا خلافا بيننا في كراهته، قال شيخنا: وما علمت أحد استحبه (٢) .
وإذا لم يخلص الداعي الدعاء ولم يجتنب الحرام تبعد إجابته إلا مضطرا أو مظلوما (٣) .
وفي النسائي الكبير عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» وبلغني عن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ما تركته عقيب كل صلاة إلا نسيانا أو نحوه (٤) .
ولا يستحب الدعاء عقب الصلوات لغير عارض كالاستسقاء أو تعليم المأموم ولم يستحبه الأئمة الأربعة (٥) .
ويسن للداعي رفع يديه والابتداء بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي ﷺ وأن يختمه بذلك كله وبالتأمين (٦) .
стр. 598
ما يكره في الصلاة
وكره شيخنا السجود عليها -الصورة- وسبق في اللباس من سترة العورة (١) .
والصواب أن مرور المرأة والكلب الأسود والحمار بين يدي المصلي دون سترته يقطع الصلاة (٢) ، وقال: هو مذهب أحمد ﵀ (٣) .
أركان الصلاة وواجباتها
يجب تحريك لسانه بالذكر الواجب في الصلاة من القراءة وغيرها مع القدرة.
ومن قال: إنها تصح بدونه يستتاب، ويستحب ذلك في الذكر المستحب.
والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد أن يكون بحيث يسمع نفسه إذا لم يكن مانع، وفيه وجه أن تكون الحركة بالحرف.
وأكمل الذكر بالقلب واللسان، ثم بالقلب، ثم باللسان، والمأمور به في الصلاة القلب واللسان جميعًا، لكن ذكر اللسان مقدور، والقلب قد لا يقدر عليه للوسواس، فلو قدررجلان أحدهما ذكر الذكر الواجب بالقلب فقط، والثاني بلسانه فقط فإن الأول لا يجزئه في صلاته بلا نزاع وإن قدر ذكر القلب أفضل، لأنه ترك الواجب المقدور عليه، كما أن الخشوع لله بالقلب والبدن أكمل منه بالقلب وحده، وهو بالقلب وحده أكمل منه بالبدن وحده.
стр. 599
ثم إن المصلي لو اقتصر على خشوع القلب لم يجزئه بلا نزاع، ولو غلب الوسواس على قلبه في أكثر الصلاة لم تصح صلاته عند أبي حامد الغزالي وأبي الفرج ابن الجوزي، لكن المشهور عند الأئمة أن الفرض يسقط بذلك.
والتحقيق أن كل عمل في الظاهر من مؤمن لا بد أن يصحبه عمل القلب، بخلاف العكس فلا يتصور عمل البدن منفردا إلا من المنافق الذي يصلي رياء وكان عمله باطلا حابطا، ففرق بين المنافق والمؤمن، فيظهر الفرق بين المؤمن الذي يقصد عبادة الله بقلبه مع الوسواس، وبين المنافق الذي لا يصلي إلا رياء الناس.
وأما أبو حامد ونحوه فسووا بين النوعين، فإن كلاهما إنما تسقط عنه الصلاة القتل في الدنيا من غير أن يبرأ ذمته ولا ترفع عنه عقوبة الآخرة، والتسوية بين المؤمن والمنافق في الصلاة خطأ.
نعم قد يكون بعض الناس فيه إيمان ونفاق مثل أن يصلي لله ويحسنها لأجل الناس فيثاب على ما أخلصه لله دون عمله للناس: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ (١) .
وقال أيضا: لا يمكن أن يقال: لم لا يأخذ نصيبه منه؟ لأنه مع الإشراك يمتنع أن يكون له شيء، كما أنه بتقدير الإشراك في الربوبية يمتنع أن يصدر عنه شيء، فإن الغير لا وجود له، وهو لم يستقل بالفعل وكذا هنا هو
لم يستقل بالقصد، والغير لا ينفع قصده، ولهذا نظائر كثيرة، في الشرعيات والحسيات إذا خلط بالنافع الضار أفسده، كخلط الماء بالخمر.
يبين هذا أنه لو سأل الله شيئا فقال: اللهم افعل كذا أنت وغيرك،
стр. 600
أو دعا الله وغيره فقال: افعلا كذا، لكان هذا طلبا ممتنعا، فإن غيره لا يشاركه وهو على هذا التقدير لا يكون فاعلا له، لأن تقدير وجود الشريك يمنع أن يكون هو أيضا فاعلا فإذا كان هذا يمتنع في الدعاء والسؤال فكذلك يمتنع في العبادة والعمل أن يكون له ولغيره (١) .
والمسبوق إذا لم يتسع وقت قيامه لقراءة الفاتحة فإنه يركع مع إمامه ولا يتم الفاتحة باتفاق الأئمة، وإن كان فيه خلاف فهو شاذ، وأما إذا أخر في الصلاة مع إمكانه حتى قصر القيام أو كان القيام متسعا ولم يقرأها فهذا تجوز صلاته عند الجماهير، وعند الشافعي عليه أن يقرأها وإن تخلف عن الركوع، وإنما تسقط قراءتها عنده على المسبوق خاصة (٢) .
وذكر الأصحاب أن ترك ركن وشرط كتركها كلها، قال جماعة: لأن الصلاة مع ذلك وجودها كعدمها؛ لأنه لا يثاب على قراءة وذكر ونحو ذلك.
وقال شيخنا في رده على الرافضي: جاءت السنة بثوابه على فعله وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلا كعدمه لم يجبر بالنوافل شيء، والباطل في عرف الفقهاء ضد الصحيح في عرفهم وهو ما أبرأ الذمة فقولهم: بطلت صلاته وصومه وحجه لمن ترك ركنا بمعنى وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليها بشيء في الآخرة، إلى أن قال: فنفي الشارع الإيمان عمن ترك واجبا منه أو فعل محرما فيه كنفي غيره، كقوله: «لا صلاة إلا بأم القرآن» وقوله للمسيء «فإنك لم تصل» «ولا صلاة لفذ» .