وأما من شهد له النص فنقطع له، ومن له لسان صدق ففيه نزاع (١) .
والمصافحة أدبار الصلوات بدعة باتفاق المسلمين، لكن عند اللقاء فيها آثار حسنة، وقد اعتقد بعضهم أنها في أدبار الصلاة تندرج في عموم الاستحباب وبعضهم أنها مباحة.
والتحقيق أنها بدعة إذا فعلت على أنها عبادة، أما إذا كانت أحيانا لكونه لقيه عقيب الصلاة - لا لأجل الصلاة - فهذا حسن كما أن الناس لو اعتادوا سلاما غير المشروع عقيب الصلاة كره.
وأما المعانقة ففي الحديث النهي عنها، ويحمل النهي على فعلها دائما، وأما عند اللقاء فقد جاء فيها حديث جعفر، «أن النبي ﷺ لقيه فالتزمه وقبل بين عينيه» (٢) .
الذكر بعد الصلاة
وما جاء في خبر ثوبان «من أن الإمام إذا خص نفسه بالدعاء فقد خان المأمومين» المراد به الدعاء الذي يؤمن المأموم عليه كدعاء القنوت فإن المأموم إذا أمن كان داعيا، قال تعالى لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [٨٩/١٠] وكان أحدهما يدعو والآخر يؤمن والمأموم يؤمن لاعتقاده أن الإمام يدعو لهما، فإن لم يفعل فقد خان الإمام المأموم (٣) .
стр. 597
ويحرم الاعتداء في الدعاء لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [٥٥/٧] والاعتداء قد يكون في نفس الطلب، وقد يكون في نفس المطلوب (١) .
ويكره رفع بصره إلى السماء في الدعاء ذكره في الغنية من الأدب، وهو قول شريح وآخرين وظاهر كلام جماعة واختاره شيخنا في الأجوبة المصرية الأصولية لفعله ﵇ (وم ش) قال: وذكر بعض أصحابنا خلافا بيننا في كراهته، قال شيخنا: وما علمت أحد استحبه (٢) .
وإذا لم يخلص الداعي الدعاء ولم يجتنب الحرام تبعد إجابته إلا مضطرا أو مظلوما (٣) .
وفي النسائي الكبير عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» وبلغني عن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ما تركته عقيب كل صلاة إلا نسيانا أو نحوه (٤) .
ولا يستحب الدعاء عقب الصلوات لغير عارض كالاستسقاء أو تعليم المأموم ولم يستحبه الأئمة الأربعة (٥) .
ويسن للداعي رفع يديه والابتداء بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي ﷺ وأن يختمه بذلك كله وبالتأمين (٦) .
стр. 598
ما يكره في الصلاة
وكره شيخنا السجود عليها -الصورة- وسبق في اللباس من سترة العورة (١) .
والصواب أن مرور المرأة والكلب الأسود والحمار بين يدي المصلي دون سترته يقطع الصلاة (٢) ، وقال: هو مذهب أحمد ﵀ (٣) .
أركان الصلاة وواجباتها
يجب تحريك لسانه بالذكر الواجب في الصلاة من القراءة وغيرها مع القدرة.
ومن قال: إنها تصح بدونه يستتاب، ويستحب ذلك في الذكر المستحب.
والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد أن يكون بحيث يسمع نفسه إذا لم يكن مانع، وفيه وجه أن تكون الحركة بالحرف.
وأكمل الذكر بالقلب واللسان، ثم بالقلب، ثم باللسان، والمأمور به في الصلاة القلب واللسان جميعًا، لكن ذكر اللسان مقدور، والقلب قد لا يقدر عليه للوسواس، فلو قدررجلان أحدهما ذكر الذكر الواجب بالقلب فقط، والثاني بلسانه فقط فإن الأول لا يجزئه في صلاته بلا نزاع وإن قدر ذكر القلب أفضل، لأنه ترك الواجب المقدور عليه، كما أن الخشوع لله بالقلب والبدن أكمل منه بالقلب وحده، وهو بالقلب وحده أكمل منه بالبدن وحده.
стр. 599
ثم إن المصلي لو اقتصر على خشوع القلب لم يجزئه بلا نزاع، ولو غلب الوسواس على قلبه في أكثر الصلاة لم تصح صلاته عند أبي حامد الغزالي وأبي الفرج ابن الجوزي، لكن المشهور عند الأئمة أن الفرض يسقط بذلك.
والتحقيق أن كل عمل في الظاهر من مؤمن لا بد أن يصحبه عمل القلب، بخلاف العكس فلا يتصور عمل البدن منفردا إلا من المنافق الذي يصلي رياء وكان عمله باطلا حابطا، ففرق بين المنافق والمؤمن، فيظهر الفرق بين المؤمن الذي يقصد عبادة الله بقلبه مع الوسواس، وبين المنافق الذي لا يصلي إلا رياء الناس.
وأما أبو حامد ونحوه فسووا بين النوعين، فإن كلاهما إنما تسقط عنه الصلاة القتل في الدنيا من غير أن يبرأ ذمته ولا ترفع عنه عقوبة الآخرة، والتسوية بين المؤمن والمنافق في الصلاة خطأ.
نعم قد يكون بعض الناس فيه إيمان ونفاق مثل أن يصلي لله ويحسنها لأجل الناس فيثاب على ما أخلصه لله دون عمله للناس: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ (١) .
وقال أيضا: لا يمكن أن يقال: لم لا يأخذ نصيبه منه؟ لأنه مع الإشراك يمتنع أن يكون له شيء، كما أنه بتقدير الإشراك في الربوبية يمتنع أن يصدر عنه شيء، فإن الغير لا وجود له، وهو لم يستقل بالفعل وكذا هنا هو
لم يستقل بالقصد، والغير لا ينفع قصده، ولهذا نظائر كثيرة، في الشرعيات والحسيات إذا خلط بالنافع الضار أفسده، كخلط الماء بالخمر.
يبين هذا أنه لو سأل الله شيئا فقال: اللهم افعل كذا أنت وغيرك،
стр. 600
أو دعا الله وغيره فقال: افعلا كذا، لكان هذا طلبا ممتنعا، فإن غيره لا يشاركه وهو على هذا التقدير لا يكون فاعلا له، لأن تقدير وجود الشريك يمنع أن يكون هو أيضا فاعلا فإذا كان هذا يمتنع في الدعاء والسؤال فكذلك يمتنع في العبادة والعمل أن يكون له ولغيره (١) .
والمسبوق إذا لم يتسع وقت قيامه لقراءة الفاتحة فإنه يركع مع إمامه ولا يتم الفاتحة باتفاق الأئمة، وإن كان فيه خلاف فهو شاذ، وأما إذا أخر في الصلاة مع إمكانه حتى قصر القيام أو كان القيام متسعا ولم يقرأها فهذا تجوز صلاته عند الجماهير، وعند الشافعي عليه أن يقرأها وإن تخلف عن الركوع، وإنما تسقط قراءتها عنده على المسبوق خاصة (٢) .
وذكر الأصحاب أن ترك ركن وشرط كتركها كلها، قال جماعة: لأن الصلاة مع ذلك وجودها كعدمها؛ لأنه لا يثاب على قراءة وذكر ونحو ذلك.
وقال شيخنا في رده على الرافضي: جاءت السنة بثوابه على فعله وعقابه على ما تركه، ولو كان باطلا كعدمه لم يجبر بالنوافل شيء، والباطل في عرف الفقهاء ضد الصحيح في عرفهم وهو ما أبرأ الذمة فقولهم: بطلت صلاته وصومه وحجه لمن ترك ركنا بمعنى وجب القضاء، لا بمعنى أنه لا يثاب عليها بشيء في الآخرة، إلى أن قال: فنفي الشارع الإيمان عمن ترك واجبا منه أو فعل محرما فيه كنفي غيره، كقوله: «لا صلاة إلا بأم القرآن» وقوله للمسيء «فإنك لم تصل» «ولا صلاة لفذ» .
стр. 601
وقال شيخنا أيضا في قوله ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [٢٣/٤٧] البطلان هو بطلان الثواب ولا نسلم بطلانه جميعه، بل قد يثاب على ما فعله فلا يكون مبطلا لعمله (١) .
باب سجود السهو
وتبطل الصلاة بتعمد تكرار الركن الفعلي لا القولي، وهو مذهب الشافعي وأحمد (٢) .
ومن تخلف عن الإمام لعذر من نوم أو نسيان ونحوه فمذهب الشافعي وأحمد في رواية أنه إذا أتى بما تخلف عنه ولحق الإمام ولو سبقه بركن أو اثنين أو ثلاثة وهو يدركه في الركعة فصلاته صحيحة (٣) .
ومن قال: إن من سلم في الرباعية من ركعتين ساهيا استوجب غضب الله وأقل ما يجب عليه أن ينزل عليه نار من السماء وتحرقه يستتاب من ذلك القول فإن تاب وإلا قتل (٤) .
والوسواس إذا قل لم يبطل الصلاة بالاتفاق، لكن ينقصها.
وأما الوسواس إذا غلب فقد قيل يبطل، قال عمر ﵁: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة، وليس من تفكر بالواجب مثل من تفكر بالفضول فعمر ﵁ كان أمير الجيش وهو مأمور بالصلاة والجهاد معا، فلو قدر أنه نقص شيء من الصلاة لأجل الجهاد لم يقدح في كمال إيمانه، فلهذا خففت صلاة الخوف، فكان بمنزلة من يصلي
стр. 602
صلاة الخوف ولا شك أن صلاة النبي ﷺ حال الخوف كانت ناقصة عن صلاته حال أمنه في الأفعال الظاهرة، فإذا كان قد عفي عن الأفعال الظاهرة فكيف بالباطنة؟ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [١٠٣/٤] وإقامتها حال الأمن لا يؤمر به حال الخوف، والله أعلم (١) .
باب صلاة التطوع
وفي رد شيخنا على الرافضي بعد أن ذكر تفضيل أحمد للجهاد والشافعي للصلاة وأبي حنيفة ومالك للعلم: والتحقيق أنه لا بد لكل من الآخرين، وقد يكون كل واحد أفضل في حال كفعل النبي ﷺ وخلفائه ﵃ بحسب الحاجة والمصلحة (٢) .
وقد ذكر شخينا أن تعلم العلم وتعليمه يدخل بعضه في الجهاد وأنه من أنواع الجهاد من جهة أنه من فروض الكفايات، قال والمتأخرون من أصحابنا أطلقوا القول، أفضل ما تطوع به الجهاد، وذلك لمن أراد أن يفعله تطوعًا باعتبار أنه ليس بفرض عين عليه بحيث إن الفرض قد سقط عنه، فإذا باشره وقد سقط الفرض عنه فهل يقع فرضا أو نفلا، على وجهين كالوجهين في صلاة الجنازة إذا أعادها بعد أن صلاها غيره. وانبنى على الوجهين في صلاة الجنازة وجواز فعلها بعد العصر والفجر مرة ثانية. والصحيح أن ذلك يقع فرضا، وأنه يجوز فعلها بعد العصر والفجر وإن كان ابتداء الدخول فيها تطوعا كما في التطوع الذي يلزم بالشرع فإنه كان نفلا ثم يصير إتمامه فرضا (٣) .
ونقل حرب أنه قال لرجل له مال كثير: أقم على ولدك وتعاهدهم
стр. 603
أحب إلي، ولم يرخص له يعني في غزو غير محتاج إليه (١) .
وقال شيخنا: واستيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلا ونهارا أفضل من جهاد لم يذهب فيه نفسه وماله، والعبادة في غيره تعدل الجهاد للأخبار الصحيحة المشهورة وقد رواها أحمد وغيره، وقال: العمل بالقوس والرمح أفضل من الرباط في الثغر وفي غيره نظيرها (٢) .
وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره أن الطواف أفضل من الصلاة فيه وقال شيخنا: وذكره عن جمهور العلماء للخبر (٣) .
قال شيخنا: قال أحمد: معرفة الحديث والفقه فيه أعجب إلي من حفظه.
قال شيخنا: أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فذنبه من جنس ذنب اليهود والله أعلم (٤) .
وقال شيخنا: من طلب العلم أو فعل غيره مما هو خير في نفسه لما فيه من المحبة له، لا لله ولا لغيره من الشركاء فليس مذموما، بل قد يثاب بأنواع من الثواب، إما بزيادة فيها وفي أمثالها فيتنعم بذلك في الدنيا، ولو كان كل فعل حسن لم يفعل لله مذموما لما أطعم الكافر بحسناته في الدنيا لأنها تكون سيئات، وقد يكون من فوائد ذلك وثوابه في الدنيا أن يهديه الله إلى أن يتقرب بها إليه، وهذا معنى قول بعضهم، طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، وقول الآخر: طلبهم له نية، يعني نفس طلبه حسنة تنفعهم، وهذا قيل في العلم لأنه الدليل المرشد.
стр. 604
فإذا طلبه بالمحبة وحصله وعرفه بالإخلاص فالإخلاص لا يقع إلا بالعلم، فلو كان طلبه لا يكون إلا بالإخلاص لزم الدور، وعلى هذا ما حكاه أحمد، وهو حال النفوس المحمودة، ومن هذا قول خديجة للنبي ﷺ : كلا والله لا يخزيك الله فعلمت أن النفس المطبوعة على محبة الأمر المحمود وفعله لا يوقعه الله فيما يضاد ذلك (١) .
قال القاضي: أقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة، ومعناه أنه إذا بين ما يقرأ به فقد أتى بالترسل وإن كان مستعجلا في قراءته وأكمله أن يرتل القراءة ويتوقف فيها ما لم يخرجه ذلك إلى التمديد والتمطيط فإذا انتهى إلى التمطيط كان ممنوعا، قال: وقد أومأ أحمد إلى معنى هذا فقال في رواية أبي الحارث: يعجبني من قراءة القرآن السهلة ولا تعجبني هذه الألحان، قال الشيخ تقي الدين أظنه حكاية عن أبي موسى، والتفهم فيه والاعتبار فيه مع قلة القراءة أفضل من إدراجه بغير تفهم، انتهى كلامه (٢) .
وقال الشيخ تقي الدين قراءة القرآن بصفة التلحين الذي يشبه تلحين الغناء مكروه مبتدع، كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة (٣) .
وإن غلط القراء المصلين فذكر صاحب الترغيب وغيره يكره، وقال شيخنا: ليس لهم القراءة إذن، وعن البياضي واسمه عبد الله بن جابر أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر
بعضكم على بعض بالقرآن» ، وعن أبي سعيد قال: «اعتكف رسول الله
стр. 605
- ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له فكشف الستور وقال: «كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة» أو قال: «في الصلاة» وعن علي: «أن رسول الله ﷺ نهى أن يرفع الرجل صوته بالقراءة قبل العشاء وبعدها يغلط أصحابه وهم يصلون» رواهن أحمد، ولمالك الأول، ولأبي داود الأخير (١) .
والتراويح سنة وإنما سماها عمر ﵁ بدعة، لأنها لم تفعل قبل ذلك على الوجه الذي جمع الناس فيه على أبي، كما أخرج عمر اليهود والنصارى من الجزيرة وكما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة أهل الردة، وكما جمع أبو بكر ﵁ المصحف، وكما قاتل علي ﵁ الخوارج، وكما شرط على أهل الذمة الشروط وغير ذلك من الأمور التي فعلوها عملا بكتاب الله واتباعا لسنة رسوله ﷺ وإن لم يتقدم نظيرها، وكضرب عمر ﵁ الناس على الركعتين بعد العصر، وعلى إلزامه الإفطار في رجب وكسر أبو بكر ﵁ كيزان أهله في رجب وقال لا تشبهوه برمضان.
فهذه العقوبة البدنية والمالية لمن كان يعتقد أن صوم رجب مشروع مستحب وأنه أفضل من صوم غيره من الأشهر، وهذا الاعتقاد خطأ وضلال ومن صامه على هذا الاعتقاد الفاسد كان عاصيا فيعزر على ذلك، ولهذا كرهه من كرهه خشية أن يتعوده الناس، وقال: يستحب أن يفطر بعضه، ومنهم من رخص فيه إذا صام معه شهرا آخر من السنة كالمحرم.
ورجب أحد الأشهر الحرم، وله فضل على غيره من الأشهر التي
стр. 606
ليست بحرم، وكلما كان المكان والزمان أفضل كانت الطاعة فيه أفضل، والمعاصي فيه أشد، وليس هو أفضل الشهور عند الله، بل شهر رمضان أفضل منه كما أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع (١) .
دعاء القنوت:
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا برحمتك واصرف عنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أعطيت، نستغفرك ربنا اللهم من جميع الذنوب ونتوب إليك، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك وبك منك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبدا ما أحييتنا، واجعلها الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والعزيمة على الرشد، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير اللهم
وأظهر الهدى ودين الحق الذي بعثت به نبيك محمد ﷺ على الدين
стр. 607
كله، ولو كره المشركون، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين (١) .
قيام الليل والتراويح:
قول عائشة ﵂: «ما قام رسول الله ﷺ ليلة إلى الصباح، وما صام شهرا كاملا إلا رمضان» ، وصح عنها ﵂: «أنه كان يصوم شعبان إلا قليلا، بل كان يصومه كله» ، «وأنه كان إذا دخل العشر شد المئزر وأحيا الليل كله» .
فحمل بعضهم رواية الشك على الجزم، وكذلك من صلى غالب الليل فقد يقال إنه أحياه، أو أنها نفت القيام وأثبتت الإحياء الذي يكون بقيام وإحياء وقراءة وذكر ودعاء وغير ذلك (٢) .
وقيام بعض الليالي كلها مما جاءت به السنة (٣) .
دعاء ختم القرآن (٤) .
صدق الله العظيم الذي لا إله إلا هو المتوحد في الجلال بكمال الجمال تعظيما وتكبيرا، المتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديرا وتدبيرا المتعالي بعظمته ومجده، الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، وصدق رسوله ﷺ تسليمًا كثيرًا، الذي أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإنس بشيرًا ونذيرًا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.
стр. 608
اللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعمك العظيمة، وآلائك الجسيمة حيث أنزلت علينا خير كتبك، وأرسلت إلينا أفضل رسلك، وشرعت لنا أفضل شرائع دينك، وجعلتنا من خير أمة أخرجت للناس، وهديتنا لمعالم دينك الذي ارتضيته لنفسك، وبنيته على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإتياء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، ولك الحمد على ما يسرته من صيام رمضان وقيامه، وتلاوة كتابك العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك، بنو إمائك نواصينا بيدك ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا، اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، اللهم اجعلنا ممن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعلم بمحكمه ويؤمن بمتشابهه، ويتلوه حق تلاوته، اللهم اجعلنا ممن يقيم حدوده، ولا تجعلنا ممن يقيم حروفه ويضيع حدوده، اللهم اجعلنا ممن اتبع القرآن فقاده إلى رضوانك الجنة، ولا تجعلنا ممن اتبعه القرآن فزج في قفاه إلى النار، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا أرحم
الراحمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وبارك لهم في
стр. 609
أسماعهم وأبصارهم وذرياتهم وأزواجهم أبدا ما أبقيتهم واجعلهم شاكرين لنعمك مثنين بها عليك، قابليها وأتمها عليهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم واغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد ﷺ وعبادك الصالحون، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد ﷺ وعبادك الصالحون، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، ونسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا مريضا إلا شفيته وعافيته ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا
لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً
وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وصلى الله
стр. 610
على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم (١) .
وتقول المرأة في سيد الاستغفار وما في معناه: وأنا أمتك بنت أمتك. أو بنت عبدك، ولو قالت: وأنا عبدك، فله مخرج في العربية بتأويل الشخص (٢) .
السنن الرواتب:
وكان ﷺ يضطجع بعد سنة الفجر على شقه الأيمن، هذا الذي ثبت عنه في الصحيحين من حديث عائشة ﵂، وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن» قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وسمعت ابن تيمية يقول: هذا باطل وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه (٣) .
وأما الأربع قبل العصر فلم يصح عنه ﵇ في فعلها شيء، إلا حديث عاصم بن ضمرة عن علي الحديث الطويل، أنه ﷺ كان يصلي في النهار ست عشرة ركعة، يصلي إذا كانت الشمس من ههنا كهيئتها من ههنا لصلاة الظهر أربع ركعات، وكان يصلي قبل الظهر
стр. 611
أربع ركعات وبعد الظهر ركعتين، وقبل العصر أربعا، ويفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين والمرسلين، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ينكر هذا الحديث، ويدفعه جدا ويقول: إنه موضوع، ويذكر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكاره (١) .
وكذلك اجتماع الإمام والمأموم دائما على صلاة ركعتين عقب الفريضة ونحو ذلك كل ذلك مما لا ريب في أنه من البدع (٢) .
وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل وكان من السلف من يصليها لكن اجتماع الناس فيها لإحيائها في المساجد بدعة، والله أعلم (٣) .
وصلاة الألفية في ليلة النصف من شعبان والاجتماع على صلاة راتبة فيها بدعة وإنما كانوا يصلون في بيوتهم في قيام الليل.
وإن قام معه بعض الناس من غير مداومة على الجماعة فيها وفي غيرها فلا بأس، كما صلى النبي ﷺ الليلة بابن عباس، وليلة بحذيفة.
وولي الأمر ينبغي أن ينهي عن هذه الاجتماعات البدعية (٤) .
وعند جماعة «وصلاة التسبيح» ونصه: لا، لخبر ابن عباس «أن النبي ﷺ علمها لعمه العباس أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بالفاتحة وسورة، ثم يسبح ويحمد ويهلل ويكبر خمس عشرة مرة، ثم
يقولها في ركوعه، ثم في رفعه منه، ثم في سجوده، ثم في رفعه، ثم في
стр. 612
سجوده ثم في رفعه عشرا عشرا، ثم كذلك في كل ركعة في كل يوم، ثم في الجمعة، ثم في الشهر، ثم في العمر» ، رواه أحمد، وقال: لا يصح، وأبو داود وابن خزيمة والآجري وصححوه والترمذي وغيرهم وادعى شيخنا: أنه كذب، ونص أحمد وأئمة أصحابه على كراهتها ولم يستحبها إمام، واستحبها ابن المبارك على صفة لم يرد بها الخبر لئلا تثبت سنة بخبر لا أصل له، قال: وأما أبو حنيفة ومالك والشافعي فلم يسمعوها بالكلية (١) .
صلاة الضحى
وقال في الرعاية: وكان واجبا عليه ﷺ الضحى وقال شيخنا: هذا غلط والخبر «ثلاث هي علي فرائض» موضوع، ولم يكن يداوم على الضحى باتفاق العلماء بسنته (٢) .
ومن سمع المؤذن وهو في صلاة التطوع أتمها، ولا يقول مثل ما يقول عند الجمهور، كما لو سمع غيره يقرأ سجدة لم يسجد في الصلاة عند الجمهور (٣) .
الاستخارة والسجود لأجل الدعاء أو لسبب
وفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: «من سعادة ابن آدم استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضاه الله» وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ يقول: ما ندم من استخار الخالق وشاور المخلوقين، وثبت في أمره،
стр. 613
وقد قال الله : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [١٥٩/٣] ، وقال قتادة ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا إلى أرشد أمرهم (١) .
وقال شيخنا: ولو أراد الدعاء فعفر وجهه بالتراب وسجد له ليدعوه فهذا سجود لأجل الدعاء ولا شيء يمنعه، وابن عباس سجد سجودا مجردا لما جاء نعي بعض أزواج النبي ﷺ ، وقد قال ﷺ : «إذا رأيتم آية فاسجدوا» وقال: وهذا يدل على أن السجود يشرع عند الآيات، فالمكروه هو السجود بلا سبب (٢) .
إذا تكرر منه دخول المسجد يستحب له أن يعيد التحية، واختاره الشيخ تقي الدين (٣) .
أوقات النهي:
ولا نهي عن الصلاة عند طلوع الشمس إلى زوالها يوم الجمعة، وهو قول الشافعي.
ويصلي صلاة الاستخارة وقت النهي في أمر يفوت بالتأخير إلى وقت الإباحة (٤) .
ويستحب أن يصلي ركعتين عقب الوضوء ولو كان وقت النهي، قاله الشافعية (٥) .
стр. 614
باب صلاة الجماعة
الإمامة
مسألة: وإذا كان الرجلان من أهل الديانة فأيهما كان أعلم بالكتاب والسنة وجب تقديمه على الآخر، وكان ائتمامه به متعينا (١) .
ومن لا سبب له إلا قراءة سيرة عنترة والبطال ونحوهما لا يجوز أن يرتب إماما يصلي بالمسلمين فإنه يحدث دائما بالأكاذيب ويأكل الجعل عليها، وكلاهما محرم، فإن عنترة والبطال، - وإن كانا موجودين - لكن كذب عليهما ما لا يحصيه إلا الله (٢) .
فصل
من شرب الخمر يوما ثم لم يشربها إلى شهر ونيته إذا قدر عليها شربها فهو مصر ليس بتائب وكذلك جميع الذنوب.
ومن اعتاد شربها كما يعتاد أمثالها من الشراب فهو مدمن عليها، فاعتياد الخمر كاعتياد اللحم من الناس من يأكله كل يوم، ومنهم من يأكله كل أسبوع، أو يومين أو أكثر أو أقل.
ولا يجوز أن يولى المصر ولا المدمن إمامة صلاة؛ لكن لو ولي صلي خلفه عند الحاجة، كالجمعة والجماعة التي لا يقوم بها غيره، وإن أمكن الصلاة خلف البر فهو أولى (٣) .
стр. 615
ويصح ائتمام المسلمين بعضهم ببعض مع اختلافهم في الفروع بإجماع السلف وأصح قول الخلف، فإن صلاة الإمام جائزة إجماعا، لأنه صلى باجتهاده فهو مأجور فاعل الواجب عليه الذي يكفي، وهو من المصلين.
ومن قال: إن صلاته لا تسقط الفرض فقد خالف الإجماع يستتاب بخلاف من صلى بلا وضوء مع علمه، فهذا صلاته فاسدة فلا يأتم به من علم حاله، ولم يزل التابعون ﵃ أجمعين يؤم بعضهم بعضا مع أنهم مختلفون في الفروع.
وسر المسألة: أن ما تركه المجتهد من البسملة وغيرها إن لم يكن واجبا في نفس الأمر فلا كلام، إن كان واجبا فقد يسقط عنه باجتهاده، وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [٢٨٦/٢] فقال الله: قد فعلت (١) .
ولو ترك الإمام ركنا يعتقده المأموم ولا يعتقده الإمام صحت صلاته خلفه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ومذهب مالك واختيار المقدسي.
وقال في موضع آخر: إن الروايات المنقولة عن أحمد لا تجب اختلافا وإنما ظواهرها أن كل موضع يقطع فيها بخطأ المخالف تجب فيه الإعادة، وما لا يقطع فيه بخطأ المخالف لا تجب فيه الإعادة، وهو الذي تدل عليه السنة والآثار وقياس الأصول، وفي المسألة خلاف مشهور بين العلماء.
وعبارة تصحيح الفروع (٢/ ٢٦) ولو فعل الإمام ما هو محرم عند المأموم دونه مما يسوغ فيه الاجتهاد صحت صلاته خلفه وهو
стр. 616
المشهور عن أحمد، وقال في موضع آخر إلى آخر ما تقدم (١) .
وإذا فعل الإمام ما يسوغ فيه الاجتهاد يتبعه المأموم فيه وإن كان هو لا يراه مثل القنوت في الفجر، ووصل الوتر، وإذا ائتم من يرى القنوت بمن لا يراه تبعه في تركه (٢) .
وإذا قال الرجل: لا أصلي إلا خلف من يكون من أهل مذهبي، فهو كلام محرم قائله يستحق العقوبة فإنه ليس من أئمة المسلمين من قال: لا تشرع صلاة المسلم إلا خلف من يوافقه في مذهبه المعين (٣) .
ومن قال: لا تجوز الصلاة خلف من لا تعرف عقيدته وما هو عليه فهو قول لم يقله أحد من المسلمين، فإن أهل الحديث السنة كالشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم متفقون على أن صلاة الجمعة تصلى خلف البر والفاجر، حتى إن أهل البدع كالجهمية الذين يقولون بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة، ومع أن أحمد ابتلي بهم، - وهو أشهر الأئمة بالإمامة في السنة - ومع هذا فلم تختلف نصوصه أنه تصلى الجمعة خلف الجهمي والقدري والرافضي، وليس لأحد أن يدع الجمعة لبدعة في الإمام، لكن تنازعوا: هل تعاد؟ على قولين هما روايتان عن أحمد: قيل: تعاد خلف الفاسق، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة لا تعاد (٤) .
ومن قال: إن الإمام إن سبح أكثر من ثلاث بغير رضا المأمومين بطلت صلاته فهو قول باطل محدث لم يقله أحد من الأئمة (٥) .
стр. 617
ولا إمامة من به حدث مستمر (و) وفيه بمثله وجهان ولا - على الأصح - (ش) إمامة عاجز عن ركن أو شرط، واختار شيخنا الصحة قاله في إمام عليه نجاسة يعجز عنها (١) .
واللحن الذي يحيل المعنى: إن أحاله إلى ما هو من جنس معنى من معاني القرآن خطأ فهذا لا يبطل صلاته، كما لو غلط في القرآن في موضع الاشتباه فخلط سورة بغيرها، وأما إن أحاله إلى ما يخالف معنى القرآن كقوله: (أنعمت) بالضم فهذا بمنزلة كلام الآدميين وهو في مثل هذه الحال كلام محرم في الصلاة؛ لكنه لو تكلم به في الصلاة جاهلا بتحريمه ففي بطلان صلاته نزاع في مذهب أحمد وغيره كالناسي، الصحيح أنه لا يبطل صلاته.
والجاهل بمعنى أنعمت عذره أقوى من عذر الناسي والجاهل، فإنه يعلم أنه كلام الآدميين لكن لا يعلم أنه محظور.
وعلى هذا فلو كان مثل هذا اللحن في نفل القراءة لم تبطل، وأما إذا كان في الفاتحة التي هي فرض فيقال: هب أنها لا تبطل من جهة كونه متكلما، لكنه لم يأت بفرض القراءة، فيكون قد ترك ركنا في الصلاة جاهلا، ولو تركه ناسيا لم تصح صلاته فكذلك إن تركه جاهلا؛ لكن هذا لم يترك أصل الركن وإنما ترك صفة فيه وأتى بغيرها، ظانا أنها هي، فهو بمنزلة من سجد إلى غير القبلة.
ولو ترك بعض الفروض غير عالم بفرضه، ففي هذا الأصل قولان، في مذهب أحمد وغيره.
وأصل ذلك خطاب الشارع: هل يثبت قبل البلوغ والعلم به،
стр. 618
أم لا؟ على ثلاثة أقوال: أصحها أنه يعذر فلا تجب الإعادة على هذا الجاهل، ومثله ما لو لم تعلم المرأة أنه يجب ستر رأسها وجسدها لم تعد، ولهذا إذا تغير اجتهاد الحاكم لم ينقض ما حكم فيه، وكذلك المفتي إذا تغير اجتهاده.
وأما إن تعمد اللحن عالما بمعناه بطلت صلاته من جهة أنه لم يقرأ الفاتحة، ومن جهة أنه تكلم بكلام الآدميين بل لو عرف معناه وخاطب به الله كفر، وإن تعمده ولم يعلم معناه لم يكفر، وإن لم يتعمد لكن ظن أنه حق ففي صحة صلاته نزاع، كما ذكرناه.
وكذلك لو علم أنه لحن لكن اعتقد أنه لا يحيل المعنى حتى لو كان إماما ففي صحة صلاة من خلفه نزاع، هما روايتان عن أحمد.
وفي إمامة المتننفل بالمفترض ثلاثة أقوال: يجوز، ولا يجوز ويجوز عند الحاجة نحو أن يكون المأمومين أميين.
أما لو صلى من يلحن بمثله فيجوز إذا كانوا عاجزين عن إصلاحه هذا في الفاتحة، أما في غير الفاتحة فإن تعمده بطلت صلاته.
والذي يحيل المعنى مثل (أنعمتُ) و (إياك) بالضم والكسر، والذي لا يحيله مثل فك الإدغام في موضعه، أو قطع همز الوصل، ومثل الرحمن الرحيم ومالك يوم الدين.
وأما إن قال: (الحمدَ) أو (ربَّ) أو (نستعين) أو (أنعَمَتَ) فهذا تصح صلاته لكل أحد فإنها قراءة وليست لحنا (١) .
ومن يبدل الراء غينا والكاف همزة: لا يؤم إلا مثله، أما من يشوب الراء بغين يخرجها من فوق مخرجها بقليل فتصح إمامته للقارئ.
стр. 619
وغيره، وهذا كله مع العجز (١) .
ولا يجوز للعامي أن يقدم على فعل لا يعلم جوازه ويفسق به إن كان مما يفسق به ذكره القاضي (٢) .
ويلزم الإمام مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره.
وليس له أن يزيد على القدر المشروع وينبغي أن يفعل غالبا ما كان النبي ﷺ يفعله ويزيد وينقص للمصلحة كما كان النبي ﷺ يزيد وينقص أحيانا (٣) .
وليس للإمام تأخير الصلاة عن الوقت المستحب وبعد حضور أكثر الجماعة منتظرا لأحد؛ بل ينهى عن ذلك إذا شق ويجب عليه رعاية المأمومين (٤) .
وإن كان بين الإمام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء أو المذاهب لم ينبغ أن يؤمهم لأن المقصود بالصلاة جماعة الائتلاف ولهذا قال النبي: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» فإن أمهم فقد أتى بواجب ومحرم يقام به الصلاة فلم تقبل؛ إذ الصلاة المقبولة ما يثاب عليها (٥) .
وتجوز الصلاة خلف ولد الزنا باتفاقهم، لكن تنازعوا في كراهتها فكرهه مالك وأبو حنيفة، وغير ولد الزنا أولى (٦) .
وتجوز صلاة الفجر خلف الظهر في إحدى الروايتين عن أحمد (٧) .
стр. 620
مسألة: ولو قام رجل يقضي ما فاته فائتم به رجل آخر جاز في أصح قولي العلماء إذا نويا (١) .
موقف الإمام والمأمومين
وقد أمر النبي ﷺ بتسوية الصفوف ورصها وسد الفرج، وتكميل الأول فالأول، وأن يتوسط الإمام وتقاربها -يعني: الصفوف- خمس سنن (٢) .
وتجوز الصلاة قدام الإمام لعذر من زحمة ونحوها في أعدل الأقوال، وكذا المأموم إذا لم يجد من يقوم معه صلى وحده ولم يدع الجماعة ولم يجذب أحدا يصلي معه، كالمرأة إذا لم تجد من يصافها فيها تصف وحدها بالاتفاق، وهو مأمور بالمصافة مع الإمكان لا مع العجز (٣) .
وتصح صلاة الفذ لعذر وفاقا للحنفية، وإذا لم يجد إلا موقفا خلف الصف فالأفضل أن يقف وحده ولا يجذب من يصافه لما في الجذب من التصرف في المجذوب، فإن كان المجذوب يطيعه قائما أفضل له، وللمجذوب الاصطفاف مع بقاء فرجه أو وقوف المتأخر وحده، وكذلك لو حضر اثنان وفي الصف فرجة فأيهما أفضل، وقوفهما جميعا، أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح أبو العباس الاصطفاف مع بقاء الفرجة، لأن سد الفرجة مستحب والاصطفاف واجب (٤) .
стр. 621
والمرأة إذا كان معها امرأة أخرى تصافها كان من حقها أن تقف معها، وكان حكمها إن لم تقف معها حكم المنفرد عن صف الرجال، وهو أحد القولين في مذهب أحمد (١) .
قال ابن القيم ﵀: وقال في رواية المروذي: إذا جاء ولا يمكنه الدخول في الصف هل يمد رجلا يصلي معه؟ قال: لا؛ ولكن يزاحم الصف ويدخل.
قال أبو حفص: وقد ذكرنا عن أحمد جواز جر الرجل في رواية المروذي فإن صح النقل كان في المسألة روايتان، روي عن أبي أيوب قال: تحريك الرجل من الصف ظلم، قلت: وفي المدونة قال مالك: هو خطأ منهما.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ينكره أيضا: ويقول: يصلي خلف الصف فذًا ولا يجذب غيره، قال: وتصح صلاته في هذه الحالة فذًا لأن غاية المصافة أن تكون واجبة فتسقط بالعذر (٢) .
وتصح صلاة الجمعة ونحوها قدام الإمام لعذر، وهو قول في مذهب أحمد، ومن تأخر بلا عذر فلما أذن جاء فصلى قدام الإمام عزر (٣) .
وحيث صحت الصلاة عن يسار الإمام كرهت إلا لعذر (٤) .
ومن آخر الدخول في الصلاة مع إمكانه حتى قضى الإمام القيام، أو كان القيام متسعا لقراءة الفاتحة ولم يقرأها فهذا تجوز صلاته عند جماهير العلماء.
стр. 622
وأما الشافعي فعليه عنده أن يقرأ وإن تخلف عن الركوع، وإنما تسقط قراءتها عنده عن المسبوق خاصة، فهذا الرجل كان حقه أن يركع مع الإمام ولا يتم القراءة لأنه مسبوق (١) .
باب صلاة أهل الأعذار
قال ابن القيم ﵀: فائدة في صحيح البخاري ما انفرد به من رواية عمران بن حصين أنه سأل النبي ﷺ عن صلاة الرجل قاعدا قال: «إن صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد» .
قلت: اختلف العلماء هل قوله: «من صلى قاعدا» في الفرض، أو النفل؟ فقالت: طائفة: هذا في الفرض، وهو قول كثير من المحدثين، واختيار شيخنا، فورد على هذا أن من صلى الفرض قاعدا مع قدرته على القيام فصلاته باطلة وإن كان مع عجزه فأجر القاعد مساو لأجر القائم لقوله ﷺ : «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما» فقال لي شيخنا: وضع صلاة القاعد على النصف مطلقا، وإنما كمل الأجر بالنية للعجز (٢) .
وقال شيخنا: من نوى الخير وفعل ما يقدر عليه منه كان له مثل أجر الفاعل، ثم احتج بحديث أبي كبشة، وحديث: «إن بالمدينة رجالا» وحديث: «إذا مرض العبد» وحديث «من دعا إلى هدى» [قال] : وله نظائر واحتج بها في مكان آخر وبقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ وقال أيضًا عن حديث: «إذا مرض العبد» هذا يقتضي أن من ترك الجماعة لمرض أو سفر وكان يعتادها كتب له أجر الجماعة وإن
стр. 623
لم يكن يعتادها لم يكتب له، وإن كان في الحالين إنما له بنفس الفعل صلاة منفرد، وكذلك المريض إذا صلى قاعدا أو مضطجعا قال: ومن قصد الجماعة فلم يدركها كان له أجر من صلى في جماعة (١) .
الجمع بين الصلاتين
واعتبر في الفصول الموالاة، قال شيخنا، ومعناها أن لا يفصل بينهما بصلاة ولا كلام لئلا يزول معنى الاسم وهو الجمع، وقال: إذا سبقه الحدث في الثانية وقلنا تبطل [به] فتوضأ أو اغتسل ولم يطل ففي بطلان جمعه احتمالان، واختار شيخنا لا موالاة، وأخذه من رواية أبي طالب والمروذي: للمسافر أن يصلي العشاء قبل مغيب الشفق، وعلله أحمد بأنه يجوز له الجمع، ومن نصه في جمع المطر، إذا صلى إحداهما في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس (٢) .
صلاة الخوف
ويصلي صلاة الخوف في الطريق إذا خاف فوات الوقوف بعرفة، وهو أحد الوجوه الثلاثة في مذهب أحمد (٣) .
باب صلاة الجمعة
ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ لم يبطل حكمه بالكلية، نسخ وجوبه وبقي استحبابه والندب إليه وما
علم من تنبيهه وإشارته وهو أنه إذا استحبت الصدقة بين يدي مناجاة
стр. 624
المخلوق فاستحبابها بين يدي مناجاة الله عند الصلوات والدعاء أولى، فكان بعض السلف الصالح يتصدق بين يدي الصلاة والدعاء إذا أمكنه ويتأول هذه الأولوية، ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية يفعله ويتحراه ما أمكنه، وفاوضته فيه فذكر لي هذا التنبيه والإشارة (١) .
وشاهدت شيخ الإٍسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه سرا، وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله ﷺ فالصدقة بين يدي مناجاته أفضل وأولى بالفضيلة (٢) .
الحادي عشر: أنه لا يكره فعل الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي ﵁ ومن وافقه، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، ولم يكن اعتماده على حديث ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ : «أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسعر إلا يوم القيامة» وإنما كان اعتماده على أن من جاء إلى الجمعة يستحب له أن يصلي حتى يخرج الإمام (٣) .
هؤلاء الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة في مثل صحن الجامع ليس أذانهم مشروعا باتفاق الأئمة، بل هو بدعة منكرة مشتملة على وجوه مذمومة.
منها: أنه بدعة.
ومنها: أنهم يتركون ما أمروا به، فقد صح عنه ﷺ «أنه أمر أن يقول السامع مثل ما يقول المؤذن، إلا في الحيعلة، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله» .
стр. 625
الثاني: أنه يصلي على النبي ﷺ الثالث: أنه يسأل الله له الوسيلة، الرابع: أنه يدعو بعد ذلك بما شاء، فيتركون سماع المؤذن وما أمروا به ويفعلون ما لم يؤمروا به.
ومنها: أنهم يشغلون الناس عن هذه السنن ويخلطون عليهم، فإن أصواتهم تختلط وتشتبه.
وأيضًا: لا فائدة في هذا الأذان، فإن أهل المسجد قد سمعوا قول المؤذن الراتب، وغيرهم لا يسمع هذا المؤذن.
ومنها: أنه يؤذن مؤذنان في وقت واحد، ومتى أذن مؤذنان معا في وقت واحد مفترقان كان مكروها منهيا عنه بخلاف ما إذا أذن واحد بعد واحد كما كان المؤذنان على عهد رسول الله ﷺ (١) .
صح عنه ﷺ أنه قال: «صيام يوم عرفة يكفر سنتين، وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة» لكن إطلاق القول بأنه يكفر لا يوجب أن يكفر الكبائر بلا توبة فإنه ﷺ قال في: «الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» ومعلوم أن الصلاة هي أفضل من الصيام، وصيام رمضان أعظم من صيام يوم عرفة، ولا يكفر السيئات إلا باجتناب الكبائر كما قيده النبي ﷺ فكيف يظن أن صوم يوم أو يومين تطوعًا يكفر الزنا والسرقة وشرب الخمر، والميسر، والسحر، ونحوه؟ فهذا لا يكون (٢) .
وتكفير الطهارة والصلاة وصيام رمضان وعرفة وعاشوراء للصغائر فقط، وكذا الحج؛ لأن الصلاة ورمضان أعظم منه (٣) .
стр. 626
وتنعقد الجمعة بثلاثة، واحد يخطب، واثنان يستمعان، وهو إحدى الروايات عن أحمد، وقول طائفة من العلماء، وقد يقال بوجوبها على الأربعين لأنه لم يثبت وجوبها على من دونهم، وتصح ممن دونهم، لأنه انتقال إلى أعلى الفرضين كالمريض، بخلاف المسافر فإن فرضه ركعتان (١) .
وتجب الجمعة على من أقام في غير بناء كالخيام وبيوت الشعر ونحوها، وهو أحد قولي الشافعي، وحكاه الأزجي رواية عن أحمد، ونقل أبو النصر الأزجي عن أحمد: ليس على أهل البادية جمعة، لأنهم ينتقلون فأسقطها عنهم، وعلل ذلك بأنهم غير مستوطنين.
وقال أبو العباس في موضع آخر: يشترط مع إقامتهم في الخيام ونحوها أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية (٢) .
ويجوز إقامة جمعتين في بلد واحد لأجل الشحناء بأن حضروا كلهم ووقعت الفتنة ويجوز ذلك للضرورة إلى أن تزول الفتنة.
وتسقط الجمعة عمن يخاف بحضوره فتنة إذا لم يكن ظالما.
والواجب عليهم الاعتصام بحبل الله، والاجتماع على ما يرضي الله (٣) .
ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفا، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود.
ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.
стр. 627
وأوجب أبو العباس في موضع آخر الشهادتين وتردد في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة.
وقال في موضع آخر، وهو الأشبه أن الصلاة عليه ﷺ فيها واجبة، ولا تجب منفردة لقول عمر ﵁: الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك ﷺ وتقدم الصلاة عليه ﷺ على الدعاء لوجوب تقديمه على النفس.
وأما الأمر بتقوى الله فالواجب إما معنى ذلك وهو الأشبه من أن يقال الواجب لفظ التقوى، ومن أوجب لفظ التقوى فقد يحتج بأنها جاءت بهذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ [٢٠٤/٧] وليست كلمة أجمع لما أمر الله من كلمة التقوى.
قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [٢٠٤/٧] أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة، وقد قيل في الخطبة: والصحيح أنها نزلت في ذلك كله.
وظاهر كلام أبي العباس: أنها تدل على وجوب الاستماع.
وصرح على أنها تدل على وجوب القراءة في الخطبة، لأن كلمة (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان يتضمن معنى الشرط غالبا، والظرف للفعل لا بد أن يشتمل على الفعل وإلا لم يكن ظرفا (١) .
وقال شيخ الإسلام في رفع الخطيب يديه على المنبر يوم الجمعة: في هذه قولان، هما وجهان في مذهب أحمد في رفع الخطيب يديه، قيل: يستحب، قاله ابن عقيل: وقيل: لا يستحب، بل هو مكروه، وهو
стр. 628
أصح. قال إسحاق بن راهوية: هو بدعة للخطيب وإنما كان النبي ﷺ يشير بأصبعه إذا دعا (١) .
وأما القُصَّاص الذين يقومون على رءوس الناس ويشغلون الناس عما يشرع من الصلاة والقراءة والدعاء، لا سيما إن قصوا والإمام يخطب فإن هذا من المنكرات الشنيعة التي ينبغي أزالتها باتفاق الأئمة، وينبغي لولاة الأمور أن يمنعوا من هذا المنكرات كلها، فإنهم متصدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢) .
وكان ﷺ إذا صلى الجمعة دخل إلى منزله فصلى ركعتين سنتها، وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعا.
قال شيخنا أبو العباس: إن صلى في المسجد صلى أربعا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين (٣) .
ويحرم تخطي رقاب الناس.
قال أبو العباس في موضع آخر: ليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس ليدخل في الصف إذا لم يكن بين يديه فرجة لا يوم الجمعة ولا غيره، لأن هذا من الظلم والتعدي لحدود الله تعالى (٤) .
باب صلاة العيدين
ومن شرطها الاستيطان، وعدد الجمعة، ويفعلها المسافر والعبد والمرأة تبعا، ولا يستحب قضاؤها لمن فاتته منهم، وهو قول أبي حنيفة (٥) .
стр. 629
اليوم الثامن من شوال ليس لأحد أن يتخذه عيدا ولا هو عيد الأبرار، بل هو عيد الفجار، ولا يحل أن يحدث فيه المسلم شيئا من شعائر الأعياد، فإن المسلمين متفقون على أنه ليس بعيد.
وكره بعضهم صوم السبت من شوال، عقب العيد مباشرة لئلا يكون فطر يوم الثامن كأنه العيد فينشأ عن ذلك أن يعده عوام الناس عيدا آخر (١) .
وليس الخميس من أعياد المسلمين، بل هو من أعياد النصارى كعيد الميلاد، وعيد الغطاس، لكل أمة قبلة، وليس لأهل الذمة أن يعينوهم على أعيادهم في بلاد المسلمين، وليس للمسلمين أن يعينوهم على أعيادهم لا ببيع ما يستعينون به على عيدهم ولا بإجارة دوابهم ليركبوها في عيدهم، لأن أعيادهم مما حرمه الله تعالى ورسوله ﷺ لما فيها من الكفر والفسوق والعصيان.
وأما إذا فعل المسلمون معهم أعيادهم مثل صبغ البيض وتحمير دوابهم بمغرة وبخور وتوسيع النفقات وعمل طعام فهذا أظهر من أن يحتاج إلى سؤال بل قد نص طائفة من العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك على كفر من يفعل ذلك.
وقال بعضهم من ذبح بطيخة في عيدهم فكأنما ذبح خنزيرا.
ولو تشبه المسلم باليهود والنصارى في شيء من الأمور المختصة بهم لنهي عن ذلك باتفاق العلماء وإن كان أصل ذلك جائزا، وإذا لم يكن من شعارهم مثل لباس الأصفر، ونحوه فإن هذا جائز في الأصل، لكن لما صار شعار الكفر لم يجز لأحد من المسلمين، أن يخص مواسمهم
стр. 630
بشيء مما يخصونها به، فليس للمسلم أن يخص خميسهم الحقير بتجديد طعام الرز والعدس والبيض المصبوغ وغير ذلك، ومن فعل ذلك على وجه العبادة والتقرب به واعتقاد التبرر به فإنه يعرف دين الإسلام وأن هذا ليس منه بل هو ضده ويستتاب منه فإن تاب وإلا قتل.
وليس لأحد أن يجيب دعوة مسلم يعمل في أعيادهم مثل هذه الأطعمة ولا يحل له أن يأكل من ذلك، بل لو ذبحوا هم في أعيادهم شيئا لأنفسهم ففي جواز أكل المسلم من ذلك نزاع بين العلماء، والأصح عدم الجواز، لكونهم يذبحونها على وجه القربان، فصار من جنس ما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله.
وأما ذبح المسلم لنفسه في أعيادهم على وجه القربة فكفر بين كالذبح للنصب، ولا يجوز الأكل من هذه الذبيحة بلا ريب، ولو لم يقصد التقرب بذلك بل فعله لأنه عادة أو لتفريح أهله فإنه يحرم عليه ذلك، واستحق العقوبة البليغة إن عاد إلى مثل ذلك، لقوله ﷺ «ليس منا من تشبه بغيرنا» و «من تشبه بقوم فهو منهم» وقد بسطنا ذلك في كتابنا: اقتضاء الصراط المستقيم وذكرنا دلائل ذلك كلها.
وسأل رجل رسول الله ﷺ فقال: إني نذرت أن أذبح ببوانة فهل أوف بنذري؟ فقال: «إن كان بها عيد من أعياد المشركين أو وثن فلا تذبح بها» .
فنهاه أن يذبح في مكان كانوا يتخذونه في الجاهلية عيدا، لئلا يكون ذبحه ذريعة إلى إحياء سنن الكفر، فكيف بمن يظهر شعائر كفرهم وإفكهم؟ وإن كان لا يعلم أنه من خصائص دينهم بل يفعله على وجه العادة فهي عادة جاهلية مأخوذة عنهم، ليس هذا من عادات المسلمين التي أخذوها عن المؤمنين.
стр. 631
والدين الفاسد هو عبادة غير الله أو عبادة الله فاسدة (١) ابتدعها بعض الضالين.
والدين الصحيح عبادة الله وحده، وعبادته بما شرعه الله ورسوله.
وقد كره السلف صيام أيام أعيادهم وإن لم يقصد تعظيمها فكيف بتخصيصها بمثل ما يفعلونه هم، بل قد نهى أئمة الدين عن أشياء ابتدعها بعض الناس من الأعياد وإن لم تكن من أعياد الكفار، كما يفعلونه في يوم عاشوراء، وفي رجب، وفي ليلة نصف شعبان، ونحو ذلك، فقد نهى العلماء عما أحدث في ذلك من الصلوات والاجتماعات والأطعمة والزينة وغير ذلك، فكيف بأعياد المشركين فالناهي عن هذه المنكرات من المطيعين لله ورسوله، كالمجاهدين، في سبيله.
وينبغي لولاة الأمور التشديد في نهي المسلمين عن كل ما فيه عز للنصارى كالسؤال على بابه، وخدمته له بعوض يعطيه إياه، ويكره إجارة نفسه للخدمة في المنصوص من الروايتين، وهو مذهب مالك (٢) .
ويحرم بيعهم ما يعملونه كنيسة أو مثالا ونحوه، وكل ما فيه تخصيص لعيدهم أو ما هو بمنزلته قال أبو العباس: لا أعلم خلافا أنه من التشبه بهم، والتشبه بهم منهي عنه إجماعا، وتجب عقوبة فاعله، ولا ينبغي إجابة هذه الدعوى.
ويحرم شهود عيد اليهود والنصارى، ونقله مهنا عن أحمد وبيعه لهم فيه ما يستعينون به عليه (٣) .
стр. 632
وقال الخلال في جامعه باب كراهية خروج المسلمين في أعياد المشركين، وذكر عن مهنا قال: سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام، مثل دير أيوب وأشباهه يشهده المسلمون يشهدون الأسواق ويجلبون فيه الغنم والبقر والرقيق والبر وغير ذلك، إلا أنه إنما يكون في الأسواق يشترون ولا يدخلون عليهم بيعهم؟ قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم وإنما يشهدون السوق فلا بأس، قال الشيخ تقي الدين: فإنما رخص أحمد ﵀ في دخول السوق بشرط أن لا يدخلوا عليهم بيعهم، فعلم منعه من دخول بيعهم (١) .
والذي يدل عليه كلام أحمد في أكثر المواضع، وهو الذي تدل عليه السنة وآثار السلف أن الاجتماع على جنس القرب والعبادات كالاجتماع على الصلاة أو القراءة وسماعها، أو ذكر الله تعالى، أو دعائه أو تعليم العلم أو غير ذلك نوعان: نوع شرع الاجتماع له على وجه المداومة، وهو قسمان: قسم مؤقت يدور بدوران الأوقات، كالجمعة والعيدين، والحج، والصلوات الخمس، وقسم مسبب، ويتكرر بتكرر الأسباب، كصلاة الاستسقاء والكسوف والآيات، والقنوت في النوازل.
والمؤقت فرضه ونفله إما أن يعود بعود اليوم، وهو الذي يسمى عمل اليوم والليلة كالصلوات الخمس، وسننها الرواتب، والوتر، والأذكار والأدعية المشروعة طرفي النهار وزلفا من الليل.
وإما أن يعود بعود الأسبوع كالجمعة وصوم الاثنين والخميس وإما أن يعود بعود الشهر كصيام أيام البيض، وثلاثة أيام من كل شهر، والذكر المأثور عند رؤية الهلال.
стр. 633
وإما أن يعود بعود الحول، كصيام شهر رمضان، والعيدين، والحج.
والمسبب ما له سبب وليس له وقت محدود، كصلاة الاستسقاء، والكسوف وقنوت النوازل.
وما لم يشرع فيه الجماعة: كصلاة الاستخارة وصلاة التوبة، وصلاة ركعتين بعد الوضوء، وتحية المسجد ونحو ذلك مما لم يذكر نوعه في باب صلاة التطوع والأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
والنوع الثاني ما لم يسن له الاجتماع المعتاد الدائم كالتعريف في الأمصار، والدعاء المجتمع عليه بعد الفجر والعصر، والصلاة والتطوع المطلق في جماعة، والاجتماع لسماع القرآن وتلاوته، أو سماع العلم والحديث ونحو ذلك، فهذه الأمور لا يكره الاجتماع لها مطلقا، ولم يسن مطلقا بل المداومة عليها بدعة، فيستحب أحيانا، ويباح أحيانا، وتكره المداومة عليها، وهذا هو الذي نص عليه أحمد في الاجتماع على الدعاء والقراءة والذكر ونحو ذلك.
والتفريق بين السنة والبدعة في المداومة أمر عظيم ينبغي التفطن له (١) .
باب صلاة الكسوف
وتصلى صلاة الكسوف لكل آية كالزلزلة وغيرها، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وقول محققي أصحابنا وغيرهم (٢) .
стр. 634
باب في الاستسقاء
من الناس من قال: إن اليد لا ترفع إلا في الاستسقاء، وتركوا رفع اليدين في سائر الأدعية.
ومنهم من فرق بين دعاء الرغبة ودعاء الرهبة، فقال في دعاء الرغبة، يجعل ظاهر كفيه إلى السماء وباطنهما إلى الأرض، وفي الرهبة بالعكس يجعل باطنهما إلى السماء وظاهرهما إلى الأرض، وقالوا: الراغب كالمستطعم والراهب كالمستجير.
والصحيح الرفع مطلقا فقد تواتر عنه ﷺ كما في الصحاح أن الطفيل قال: يا رسول الله إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليهم فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: «اللهم اهد دوسا وأت بهم» .
وفي الصحيحين: «لما دعا لأبي عامر رفع يديه» .
وفي حديث عائشة ﵂: «لما دعا لأهل البقيع رفع يديه ثلاث مرات» ، رواه مسلم.
وفيه أيضا: أنه رفع يديه فقال: «اللهم أمتي أمتي» ، وفي آخره أن الله تعالى قال: «إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» .
وفيه «أنه لما نظر إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاث مائة مد يديه وجعل يهتف بربه فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط دراؤه عن مكنبيه» .
وفي حديث قيس بن سعد ﵁، فرفع يديه وهو يقول: «اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على أبي سعد بن عبادة» .
وبعث جيشا فيهم علي ﵁ فرفع يديه وقال: «اللهم لا تمتني حتى تريني عليا» .
стр. 635
«ولما كان أسامة بن زيد ﵁ رديفه فرفع يديه يدعو فسقط حطام الناقة فتناوله بإحدى يديه وهو رافع الأخرى» .
وفي حديث القنوت: «رفع يديه يدعو عليهم» رواه البيهقي والأول رواه أبو داود وغيره.
وروى عنه أنس ﵁، قال: «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء» أخرجاه في الصحيحين وفيهما: «أنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه وينحي فيه يديه» .
وهذا هو الذي سماه ابن عباس ﵁ الابتهال، وجعل المراتب ثلاثا، الإشارة بأصبع واحدة كما كان يفعل يوم الجمع على المنبر.
والثانية: المسألة: وهو أن تجعل يديك حذو منكبيك كما في أكثر الأحاديث:
والثالثة: الابتهال وهو الذين ذكره أنس ﵁، ولهذا قال: «كان يرفع يديه حتى يرى بيان إبطيه» ، وهو الرفع إذا اشتد وكان بطون يديه مما يلي وجهه والأرض وظهورهما مما يلي السماء.
وقد يكون أنس بن مالك ﵁ أراد بالرفع على المنبر يوم الجمعة كما في مسلم وغيره: «أنه كان لا يزيد على أن يرفع أصبعه المسبحة» .
وفي هذه المسألة قولان هما وجهان في مذهب أحمد في رفع الخطيب يديه.
قيل: يستحب قاله ابن عقيل، وقيل: لا يستحب بل هو مكروه وهو أصح: قال إسحاق بن راهويه هو بدعة للخطيب، وإنما كان
النبي ﷺ يشير بأصبعه إذا دعا.