← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

والدين الفاسد هو عبادة غير الله أو عبادة الله فاسدة (١) ابتدعها بعض الضالين. والدين الصحيح عبادة الله وحده، وعبادته بما شرعه الله ورسوله. وقد كره السلف صيام أيام أعيادهم وإن لم يقصد تعظيمها فكيف بتخصيصها بمثل ما يفعلونه هم، بل قد نهى أئمة الدين عن أشياء ابتدعها بعض الناس من الأعياد وإن لم تكن من أعياد الكفار، كما يفعلونه في يوم عاشوراء، وفي رجب، وفي ليلة نصف شعبان، ونحو ذلك، فقد نهى العلماء عما أحدث في ذلك من الصلوات والاجتماعات والأطعمة والزينة وغير ذلك، فكيف بأعياد المشركين فالناهي عن هذه المنكرات من المطيعين لله ورسوله، كالمجاهدين، في سبيله. وينبغي لولاة الأمور التشديد في نهي المسلمين عن كل ما فيه عز للنصارى كالسؤال على بابه، وخدمته له بعوض يعطيه إياه، ويكره إجارة نفسه للخدمة في المنصوص من الروايتين، وهو مذهب مالك (٢) . ويحرم بيعهم ما يعملونه كنيسة أو مثالا ونحوه، وكل ما فيه تخصيص لعيدهم أو ما هو بمنزلته قال أبو العباس: لا أعلم خلافا أنه من التشبه بهم، والتشبه بهم منهي عنه إجماعا، وتجب عقوبة فاعله، ولا ينبغي إجابة هذه الدعوى. ويحرم شهود عيد اليهود والنصارى، ونقله مهنا عن أحمد وبيعه لهم فيه ما يستعينون به عليه (٣) .

стр. 632

وقال الخلال في جامعه باب كراهية خروج المسلمين في أعياد المشركين، وذكر عن مهنا قال: سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام، مثل دير أيوب وأشباهه يشهده المسلمون يشهدون الأسواق ويجلبون فيه الغنم والبقر والرقيق والبر وغير ذلك، إلا أنه إنما يكون في الأسواق يشترون ولا يدخلون عليهم بيعهم؟ قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم وإنما يشهدون السوق فلا بأس، قال الشيخ تقي الدين: فإنما رخص أحمد ﵀ في دخول السوق بشرط أن لا يدخلوا عليهم بيعهم، فعلم منعه من دخول بيعهم (١) . والذي يدل عليه كلام أحمد في أكثر المواضع، وهو الذي تدل عليه السنة وآثار السلف أن الاجتماع على جنس القرب والعبادات كالاجتماع على الصلاة أو القراءة وسماعها، أو ذكر الله تعالى، أو دعائه أو تعليم العلم أو غير ذلك نوعان: نوع شرع الاجتماع له على وجه المداومة، وهو قسمان: قسم مؤقت يدور بدوران الأوقات، كالجمعة والعيدين، والحج، والصلوات الخمس، وقسم مسبب، ويتكرر بتكرر الأسباب، كصلاة الاستسقاء والكسوف والآيات، والقنوت في النوازل. والمؤقت فرضه ونفله إما أن يعود بعود اليوم، وهو الذي يسمى عمل اليوم والليلة كالصلوات الخمس، وسننها الرواتب، والوتر، والأذكار والأدعية المشروعة طرفي النهار وزلفا من الليل. وإما أن يعود بعود الأسبوع كالجمعة وصوم الاثنين والخميس وإما أن يعود بعود الشهر كصيام أيام البيض، وثلاثة أيام من كل شهر، والذكر المأثور عند رؤية الهلال.

стр. 633

وإما أن يعود بعود الحول، كصيام شهر رمضان، والعيدين، والحج. والمسبب ما له سبب وليس له وقت محدود، كصلاة الاستسقاء، والكسوف وقنوت النوازل. وما لم يشرع فيه الجماعة: كصلاة الاستخارة وصلاة التوبة، وصلاة ركعتين بعد الوضوء، وتحية المسجد ونحو ذلك مما لم يذكر نوعه في باب صلاة التطوع والأوقات المنهي عن الصلاة فيها. والنوع الثاني ما لم يسن له الاجتماع المعتاد الدائم كالتعريف في الأمصار، والدعاء المجتمع عليه بعد الفجر والعصر، والصلاة والتطوع المطلق في جماعة، والاجتماع لسماع القرآن وتلاوته، أو سماع العلم والحديث ونحو ذلك، فهذه الأمور لا يكره الاجتماع لها مطلقا، ولم يسن مطلقا بل المداومة عليها بدعة، فيستحب أحيانا، ويباح أحيانا، وتكره المداومة عليها، وهذا هو الذي نص عليه أحمد في الاجتماع على الدعاء والقراءة والذكر ونحو ذلك. والتفريق بين السنة والبدعة في المداومة أمر عظيم ينبغي التفطن له (١) . باب صلاة الكسوف وتصلى صلاة الكسوف لكل آية كالزلزلة وغيرها، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وقول محققي أصحابنا وغيرهم (٢) .

стр. 634

باب في الاستسقاء من الناس من قال: إن اليد لا ترفع إلا في الاستسقاء، وتركوا رفع اليدين في سائر الأدعية. ومنهم من فرق بين دعاء الرغبة ودعاء الرهبة، فقال في دعاء الرغبة، يجعل ظاهر كفيه إلى السماء وباطنهما إلى الأرض، وفي الرهبة بالعكس يجعل باطنهما إلى السماء وظاهرهما إلى الأرض، وقالوا: الراغب كالمستطعم والراهب كالمستجير. والصحيح الرفع مطلقا فقد تواتر عنه ﷺ كما في الصحاح أن الطفيل قال: يا رسول الله إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليهم فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: «اللهم اهد دوسا وأت بهم» . وفي الصحيحين: «لما دعا لأبي عامر رفع يديه» . وفي حديث عائشة ﵂: «لما دعا لأهل البقيع رفع يديه ثلاث مرات» ، رواه مسلم. وفيه أيضا: أنه رفع يديه فقال: «اللهم أمتي أمتي» ، وفي آخره أن الله تعالى قال: «إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» . وفيه «أنه لما نظر إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاث مائة مد يديه وجعل يهتف بربه فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط دراؤه عن مكنبيه» . وفي حديث قيس بن سعد ﵁، فرفع يديه وهو يقول: «اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على أبي سعد بن عبادة» . وبعث جيشا فيهم علي ﵁ فرفع يديه وقال: «اللهم لا تمتني حتى تريني عليا» .

стр. 635

«ولما كان أسامة بن زيد ﵁ رديفه فرفع يديه يدعو فسقط حطام الناقة فتناوله بإحدى يديه وهو رافع الأخرى» . وفي حديث القنوت: «رفع يديه يدعو عليهم» رواه البيهقي والأول رواه أبو داود وغيره. وروى عنه أنس ﵁، قال: «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء» أخرجاه في الصحيحين وفيهما: «أنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه وينحي فيه يديه» . وهذا هو الذي سماه ابن عباس ﵁ الابتهال، وجعل المراتب ثلاثا، الإشارة بأصبع واحدة كما كان يفعل يوم الجمع على المنبر. والثانية: المسألة: وهو أن تجعل يديك حذو منكبيك كما في أكثر الأحاديث: والثالثة: الابتهال وهو الذين ذكره أنس ﵁، ولهذا قال: «كان يرفع يديه حتى يرى بيان إبطيه» ، وهو الرفع إذا اشتد وكان بطون يديه مما يلي وجهه والأرض وظهورهما مما يلي السماء. وقد يكون أنس بن مالك ﵁ أراد بالرفع على المنبر يوم الجمعة كما في مسلم وغيره: «أنه كان لا يزيد على أن يرفع أصبعه المسبحة» . وفي هذه المسألة قولان هما وجهان في مذهب أحمد في رفع الخطيب يديه. قيل: يستحب قاله ابن عقيل، وقيل: لا يستحب بل هو مكروه وهو أصح: قال إسحاق بن راهويه هو بدعة للخطيب، وإنما كان النبي ﷺ يشير بأصبعه إذا دعا.

стр. 636

وأما في الاستسقاء فإنه لما استسقى على المنبر رفع يديه كما رواه البخاري عن أنس ﵁ فقد روى أنس في هذا الحديث: «أنه استسقى بهم يوم الجمعة على المنبر فرفع يديه» . وقد ثبت أنه لم يكن يرفع يديه على المنبر في غير الاستسقاء فيكون أنس أراد هذا المعنى لا سيما وقد كان عبد الملك بن مروان أحدث رفع الأيدي على المنبر وأنس ﵁ أدرك هذا العصر، وقد أنكر ذلك على عبد الملك عاصم بن الحارث، فيكون هو أخبر بالسنة التي أخبر بها غيره من أن النبي ﷺ لم يرفع يديه - يعني على المنبر - إلا في الاستسقاء» . وهذا يبين أن الاستسقاء مخصوص بمزيد الرفع وهو الابتهال الذي ذكره ابن عباس ﵄. فالأحاديث تأتلف ولا تختلف. ومن ظن أن النبي ﷺ في الرفع المعتدل جعل ظهر كفيه إلى السماء فقد أخطأ. وكذلك من ظن أنه قصد بوجهه وظهر يديه إلى السماء فقد أخطأ فإنه نهى عن ذلك فقال: «إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها» أخرجه أبو داود عن ابن عباس، قال: وهو من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وروى أحاديث أخر في أبي داود وغيره. وبالجملة فهذا الرفع الذي استفاضت به الأحاديث وعليه الأئمة والمسلمون من زمن نبيهم إلى هذا التأريخ. وحديث أنس الذي تقدم يدل على أنه لشدة الرفع انحنت يداه فصار كفه مما يلي السماء لشدة الرفع لا قصدا لذلك، كما جاء «أنه رفعهما حذاء وجهه» .

стр. 637

وتقدم حديث أنس ﵁ ففيه: أنه رآه يدعو بباطن كفيه وظاهرهما فهذه ثلاثة أنواع في هذا الرفع الشديد. رفع الابتهال يذكر فيها أن بطونهما مما يلي وجهه، وهذا أشد وتارة يذكر هذا وهذا. فتبين بذلك أنه لم يقصد في هذا الرفع الشديد لا ظهر اليد ولا بطنها، وهذا لأن الرفع إذا قوي تبقى أصابعهما نحو السماء مع نوع من الانحناء الذي يكون فيه هذا تارة وهذا تارة. وأما إذا قصد توجيه بطن اليد أو ظهرها فإنما كان توجيه بطنها، وهذا في الرفع المتوسط الذي هو رفع المسألة التي يمكن فيها القصد ورفع ما يختار من البطن والظهر، بخلاف الرفع الشديد الذي يرى به بياض إبطيه فلا يمكن فيه توجيه باطنهما بل ينحني قليلا بحسب الرفع. فبهذا تأتلف الأحاديث وتظهر السنة (١) .

стр. 638

كتاب الجنائز واختلف أصحابنا وغيرهم في عيادة المريض، وتشميت العاطس وابتداء السلام، والذي يدل عليه النص وجوب ذلك، فيقال: هو واجب على الكفاية (١) . وأوجب أبو الفرج وبعض العلماء عيادته، والمراد مرة، واختاره الآجري. وفي أواخر الرعاية: فرض كفاية، كوجه في ابتداء السلام، ذكره شيخنا واختاره شيخنا (٢) . وسمعت شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية ﵀ يقول - وقد عرض له بعض الألم - فقال له الطبيب: أضر ما عليك الكلام في العلم والفكر فيه والتوجه والذكر، فقال الشيخ: ألستم تزعمون أن النفس إذا قويت وفرحت أوجب فرحها لها قوة تعين بها الطبيعة على دفع المعارض فإنه عدوها فإذا قويت عليه قهرته، فقال له الطبيب: بلى، فقال: إذا اشتغلت نفسي بالتوجه والذكر والكلام في العلم وظفرت بما يشكل عليها منه فرحت به وقويت فأوجب ذلك دفع المعارض هذا أو نحوه من الكلام (٣) .

стр. 639

قال الشيخ تقي الدين: الأدوية أنواع كثيرة، والدعاء والرقى أعظم نوعي الدواء حتى قال بقراط: نسبة طبنا إلى طب أرباب الهياكل كنسبة طب العجائز إلى طبنا. وقد يحصل الشفاء بغير سبب اختياري، بل بما يجعله الله في الجسم من القوى الطبيعية ونحو ذلك، انتهى كلامه (١) . وكان الشيخ تقي الدين ﵀ يكتب على جبهة الراعف: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [٤٤/١١] . قال: ولا يجوز كتابتها بدم، فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يكتب به كلام الله (٢) . وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع، من يخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ: اخرجي فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسها، وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا. وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [١١٥/٢٣] . وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم، ومد بها، صوته، قال: فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى تخلت يداي من الضرب، ولم يشك الحاضرون بأنه يموت لذلك.

стр. 640

الضرب. ففي أثنا الضرب قالت: أنا أحبه، فقلت لها: هو لا يحبك، قالت: أنا أريد أن أحج به، فقلت لها: هو لا يريد أن يحج معك، فقالت: أنا أدعه كرامة لك، قال: قلت: لا، ولكن طاعة لله ورسوله، قالت: فأنا أخرج منه، قال: فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا، وقال ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضرب كله، فقال: وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب، ولم يشعر بأنه وقع به ضرب ألبتة. وكان يعالج بآية الكرسي، وكان يأمر بكثرة قراءة المصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين (١) . وقال الشيخ تقي الدين: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرا بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطبه، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ . وفي الصحيح: «أن النبي ﷺ استأجر رجلا مشركا هاديا خريتا» والخريت: الماهر بالهداية و «أتمنه على نفسه وماله» ، «وكانت خزاعة عيبة لرسل الله ﷺ مسلمهم وكافرهم» ، وقد روي أن النبي ﷺ «أمر أن يستطب الحارث بن كلدة وكان كافرا» . وإذا أمكنه أن يستطب مسلما فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله فلا ينبغي أن يعدل عن ذلك، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي أو استطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها، وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسنا، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ انتهى كلامه (٢) .

стр. 641

والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بياسين (١) . وأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، لا بأس أن يجعل المصاب على رأسه ثوبا يعرف به، قالوا: لأن التعزية سنة، وفي ذلك تيسير لمعرفته حتى يعزيه، ففيه نظر وأنكره شيخنا (٢) . غسل الميت وتكفينه ومن ظن أن غيره لا يقوم بأمر الميت تعين عليه، وقاله القاضي وغيره (٣) . وترك النبي صلى الله عليه سلم غسل الشهيد والصلاة عليه يدل على عدم الوجوب أما استحباب الترك فلا يدل على التحريم (٤) . روى ابن حبان في صحيحه وغيره أن النبي ﷺ قال: «إن الميت يبعث في ثيابه التي قبض فيها» ودعا أبو سعيد ﵁ بثياب جدد فلبسها عند الموت وقال ذلك عن النبي ﷺ فحمل الحديث على ثيابه التي يقبض فيها لا على كفنه. فقيل: يبعث في نفس الثوب الظاهر، وقيل: إن المراد أنه يبعث على ما مات عليه من العمل كما قال أكثر المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [٤/٧٤] أي عملك. يؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [١٠٤/٢١] قالت عائشة ﵂: النساء والرجال ينظر

стр. 642

بعضهم إلى بعض؟ قال: «نعم» ، قالت، وآفضيحتاه، قال: «الأمر أشد من ذلك» (١) . الصلاة عليه وقال شيخنا: كان يشكل عليَّ أحيانا حال من أصلي عليه الجنائز: هل هو مؤمن، أو منافق؟ فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: «يا أحمد: الشرط، الشرط، أو قال: علق الدعاء بالشرط» (٢) . ويصلي على الجنازة مرة بعد أخرى، لأنه دعاء، وهو وجه في المذهب واختاره ابن عقيل في الفنون. وقال أبو العباس في موضع آخر: ومن صلى على الجنازة فلا يعيدها إلا لسبب مثل أن يعيد غيره الصلاة فيعيدها معه، أو يكون هو أحق بالإمامة من الطائفة التي صلت أولا فيصلي بهم، ويصلي على القبر ولو إلى شهر وهو مذهب أحمد. صلى على جنازة وهي على أعناق الرجال وهي واقفة فهذا له مأخذان: الأول: اشتراط استقرار المحل فقد يخرج على الصلاة في السفينة وعلى الراحلة مع استيفاء الفرائض وإمكان الانتقال، وفيه روايتان. والثاني: اشتراط محاذاة المصلي للجنازة بحيث (٣) كانت أعلى من

стр. 643

رأسه فهذا يخرج على علو الإمام على المأموم، فلو وضعت على كرسي عال أو منبر ارتفع المحذر الأول دون الثاني (١) . ولا يصلي على الغائب عن البلد إن كان صلي عليه، وهو وجه في المذهب، ومقتضى اللفظ أن من هو خارج السور أو ما يقدر سورا يصلى عليه، أما الغائب فهو الذي يكون انفصاله عن البلد بما يعد الذهاب إليه نوع سفر، وقال القاضي وغيره، إنه يكفي خمسون خطوة، وأقرب الحدود ما تجب فيه الجمعة، لأنه إذا كان من أهل الصلاة في البلد فلا يعد غائبا عنه، ولا يصلي كل يوم على غائب، لأنه لم ينقل، يؤيده قول الإمام أحمد: إذا مات رجل صالح صلي عليه، واحتج بقصة النجاشي. وما يفعله بعض الناس من أنه كل ليلة يصلي على جميع من مات من المسلمين في ذلك اليوم لا ريب أنه بدعة (٢) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب أن الغائب إذا مات ببلد لم يصل عليه فيه صلي عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي ﷺ على النجاشي لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه، وإن صلي عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب، لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه والنبي ﷺ صلى على الغائب، وتركه وفعله سنة، وهذا له موضع وهذا له موضع، والله أعلم (٣) . ومن مات وكان لا يزكي ولا يصلي إلا في رمضان ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعو الصلاة عليه عقوبة ونكالا لأمثاله، لتركه ﷺ

стр. 644

الصلاة على القاتل وعلى الغال، والمدين الذي لا وفاء له، ولا بد أن يصلي عليه بعض الناس (١) . ويستحب القيام للجنازة إذا مرت به وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختيار ابن عقيل (٢) . ويتبع الجنازة ولو لأجل أهله فقط إحسانا إليهم لتألفهم أو مكافئة أو غير ذلك (٣) . وأما الجنازة التي فيها منكر مثل أن يحمل قدامها أو وراءها الخبز والغنم أو غير ذلك من البدع الفعلية أو القولية، أو يجعل على النعش شنخانات، فهل له أن يمتنع من تشييعها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. والصحيح أنه يشيعها، لأنه حق للميت فلا يسقط بفعل غيره، وينكر المنكر بحسبه، وإن كان ممن إذا امتنع تركوا المنكر امتنع، بخلاف الوليمة فإن صاحب الحق هو فاعل المنكر فسقط حقه لمعصيته، كالمتلبس بمعصية لا يسلم عليه حال تلبسه بها، والله أعلم (٤) . وعمل العرس للميت من أعظم البدع المنكرات، وكذلك الضرب بالدف عند الجنازة، لكن يضرب به عند العرس، وكرهه بعضهم مطلقا، والصحيح الفرق، وكان دفهم ليس له صلاصل، ولهذا تنازع العلماء في دف الصلاصل؟ على قولين.

стр. 645

وأما الشابة فلم يرخص أحد من الأئمة الأربعة في حضورها مجتمع الرجال الأجانب لا في الجنازة ولا في العرس (١) . حمل الميت ودفنه كان الميت على عهد رسول الله ﷺ يخرج به الرجال يحملونه إلى المقبرة، لا يسرعون ولا يبطئون بل عليهم السكينة، لا نساء معهم، ولا يرفعون أصواتهم، لا بقراءة ولا غيرها، وهذه هي السنة باتفاق المسلمين (٢) . ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإن النبي ﷺ لم يفعل ذلك لا هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون من العمل الصالح (٣) . وفي لحد الرجل للمرأة نزاع: الصحيح أنه إن كان من أهل الخير يلحدها (٤) . وحديث عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا» فسر بعضهم القبر بأنه الصلاة على الجنازة وهذا ضعيف لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع وإنما معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات، كما يكره تعمد تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر، فأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره (٥) .

стр. 646

ويكره دفن اثنين فأكثر في قبر واحد، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختارها جماعة من الأصحاب (١) . ولا بد أن تكون مقابر أهل الذمة متميزة عن مقابل المسلمين تمييزا ظاهرا بحيث لا يختلطون بهم، ولا تشتبه على المسلمين بقبورهم، وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة بلبس الغيار ونحوه، فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة ومقابر الكفار فيها العذاب، بل ينبغي مباعدة مقابرهم عن مقابر المسلمين، وكلما بعدت كان أصلح (٢) . وتلقين الميت بعد دفنه، قيل: مباح، وقيل: مستحب، وقيل: مكروه. وفعله واثلة بن الأسقع وأبو أمامة، والأظهر أنه مكروه، لأنه لم يفعله الرسول ﷺ بل المستحب الدعاء له، كما في سنن أبي داود أنه كان إذا مات رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقوم النبي ﷺ على قبره فيقول: «اسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» (٣) . ومن بنى في مقبرة المسلمين ما يختص به فهو عاص، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم (٤) . ومن نبش قبور المسلمين عدوانا عوقب بما يردعه وأمثاله عن ذلك، وكذا من خرب مسجدهم فعليه إعادته من ماله (٥) . ويحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها وبينها، ويتعين إزالتها.

стр. 647

قال أبو العباس: لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين، وإذا لم يمكنه المشي إلى المسجد إلا على الجبانة فله ذلك ولا يترك المسجد (١) . ذهب طائفة من المتأخرين إلى جواز إهداء الأعمال الصالحة: من الصدقة والصلاة والقراءة إلى النبي ﷺ وأزواجه. وفي إهداء الفريضة وجهان. وأما السلف فلم يكونوا يفعلون شيئا من ذلك، وهم أخلق بالاتباع. وحديث أُبي الذي فيه: أجعل صلاتي كلها عليك، قال: «إذا يكفيك الله همك ويغفر ذنبك» المراد أنه يجعل له ربع دعائه أو نصفه أو ثلثه، إلى أن قال: كلها أي كل دعائي، فإن الصلاة في اللغة الدعاء، ولهذا قال له: «إذا يكفيك الله همك ويغفر ذنبك» فإنه إذا صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرًا. ومن دعا لأخيه وكل الله بها ملكا يقول: «ولك بمثله» فإذا صلى عليه بدل دعائه كفاه الله همه وحصل له مقصود ذلك الدعاء من كفاية همه وغفران ذنبه، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، فكيف بمن يدعو للنبي ﷺ بدل نفسه؟ إنه لحقيق أن يحصل له أكثر مما يطلبه لنفسه. وقد يتوهم متوهم من قوله ﷺ «من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرًا» إنه يحصل للمصلي أكثر مما يحصل للنبي ﷺ وليس الأمر كذلك، بل له مثل أجر المصلي الذي حصل له، فإنه هو الذي علمه وسن له ذلك فله على ذلك مثل أجره (٢) .

стр. 648

ثم له مثل أجره لخبر عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعا رواه حرب، وقال شيخنا أو أكثر (١) . ولا يستحب إهداء القرب للنبي ﷺ ، بل هو بدعة، هذا هو الصواب المقطوع به، قال أبو العباس: وأقدم من بلغنا أنه فعل ذلك علي بن الموفق أحد الشيوخ المشهورين كان أقدم من الجنيد، وأدرك أحمد طبقته وعاصره وعاش بعده (٢) . واستفاضت الآثار بمعرفة الميت أهله وبأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا، وبأنه يدري بما يفعله عنده فيسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا وتجتمع أرواح الموتى فينزل الأعلى إلى الأدنى لا العكس (٣) . ولا يمنع الكافر من زيارة قبر أبيه المسلم (٤) . قال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر أقوال الفرق في جواز البكاء على الميت وعدمه إذا كان معه نياحة أو ندب، قال: فإذا بكى على الميت البكاء المحرم وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نثرهم ونظمهم تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذه طريقة شيخنا في هذه الأحاديث (٥) . والميت يتأذى بنوح أهله عليه مطلقًا قاله طائفة من العلماء، وما يهيج المصيبة من إنشاد الشعر والوعظ فمن النياحة، وفي الفنون لابن عقيل ما يوافقه (٦) .

стр. 649

كتاب الزكاة وتجب الزكاة في جميع أجناس الأجرة المقبوضة، ولا يعتبر لها مضي حول، وهو رواية عن أحمد، ومنقول عن ابن عباس. وعنه لا حول لأجرة اختاره شيخنا (١) . ولا يصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح، لأنه قد يحيط بالربح، فهو كشرط فضل دراهم، سأله المروذي: يشترط المضارب على رب المال أن الزكاة من الربح؟ قال: لا، الزكاة على رب المال، وصححه شيخنا، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر (٢) وركوب الفرس في الجهاد إذا لم يغنموا (٣) . ويصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح، ولا يقال بعدم الصحة ونقله المروذي عن أحمد لأن الزكاة قد تحيط بالربح فيختص رب المال بعمله، لأنا نقول لا يمتنع ذلك، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر وبركوب الفرس في الجهاد إذا لم يغنموا (٤) .

стр. 650

لا تجب في دين مؤجل أو على معسر أو مماطل أو جاحد ومغصوب ومسروق وضال وما دفنه ونسيه أو جهل عند من هو ولو حصل في يده، وهو رواية عن أحمد واختارها وصححها طائفة من أصحابه وهو قول أبي حنيفة. ودين الابن الذي له على أبيه، قال أبو العباس: الأشبه عندي أن يكون بمنزلة المال الضال فيخرج على الروايتين ووجهه ظاهر فإن الابن غير ممكن من المطالبة به فقد حيل بينه وبينه، ولو قيل: لا تلزمه زكاته بمنزلة دين الكتابة لكان متوجها، ودين الولد هل يمنع الزكاة عن الأب لثبوته في الذمة أم لا؟ لتمكنه من إسقاطه؟ أخرجه أبو العباس على وجهين: وجعل أصلها الخلاف على أن قدرة المريض على استرجاع ملكه المنتقل عنه أو عن غيره هل ينزل منزلة تبرعه في المرض أم لا؟ (١) . وإذا فرط الإنسان ولم يخرج الزكاة حتى مات فعلى الورثة الإخراج عند أحمد والشافعي وكذلك كل حق لله. وعند غيرهما لا يجب على الورثة مع أنه يعذب بتركه الزكاة. وأما إذا مات الميت وله غرماء مديونون لم يستوف مما عليهم شيئا فهل مطالبتهم للميت أو للورثة، اضطرب فيها الناس. والصواب: إن كان الحق مظالم لم يتمكن هو ولا ورثته من استيفائها من قول أو قذف أو غصب فهو المطالب. وإن كان دينا ثبت باختياره وتمكن من استيفائه فلم يستوفه حتى مات فورثته تطالب به إلى يوم القيامة.

стр. 651

وإن كان دينا عجز عن استيفائه هو وورثته فالأشبه أنه هو الذي يطالب به، فإن العجز إذا كان ثابتا فيه وفي الوارث ولم يتمكن أحدهما من الانتفاع بذلك في الدنيا لم يدخل في الميراث فيكون المستحق أحق بحقه في الآخرة، كما في المظالم، والإرث مشروط بالتمكن من الاستيفاء كما أنه مشروط بالعلم بالوارث. فلو مات وله عصبة بعيدة لا يعرف نسبهم لم يرثوه في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا عام في جميع الحقوق التي لله ولعباده هي مشروطة بالتمكن من العلم والقدرة، والمجهول والمعجوز عنه كالمعدوم. ولهذا قال العلماء: إن ما يجهل مالكه من الأموال التي قبضت بغير حق كالمكوس أو قبضت بحق كالوديعة والعارية وجهل صاحبها بحيث تعذر ردها عليه فإنها تصرف في مصالح المسلمين، وتكون حلالا لمن أخذها بحق، كأهل الحاجة والاستعانة بها على مصالح المسلمين، دون من أخذها بباطل، كمن يأخذ فوق حقه. ثم المظلوم إذا طالب بها يوم القيامة وعليه زكاة فلا تقوم هذه بالزكاة بل عقوبة الزكاة أعظم من حسنة المظالم، والوعيد بترك الزكاة عظيم، ولكن الذي ورد أن الفرائض تجبر بالنوافل، فهذا إذا تصدق باختياره صدقة تطوع، ولا يكون شيئا خرج بغير اختياره فإنه يرجى له أن يحاسب بما تركه من الزكاة إذا كان من أهلها العازمين على فعلها. و «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن أكملها وإلا قيل انظروا إن كان لعبدي تطوع فيكمل بها فريضته ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حساب ذلك» ، روي ذلك أحمد في المسند. هذا لأن التطوع من جنس الفريضة فأمكن الجبران به عند التعذر، كما قال الصديق ﵁: إن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة.

стр. 652

فيكون من رحمة الله به أن يجعل النفل مثل الفرض، بمنزلة من أحرم بالحج تطوعا وعليه فرضه فإنه يقع عن فرضه عند طائفة كالشافعي وأحمد في المشهور. وكذلك في رمضان عند أبي حنيفة وهو قول في مذهب أحمد. وكذلك من شك: هل وجب عليه غسل أو وضوء بحدث أم لا؟ فإنه لا يجب عليه غسل. وكذلك الوضوء عند جمهور العلماء، لكن يستحب له التطهر احتياطا. وإذا فعل ذلك وكان واجبا عليه في نفس الأمر أجزأ عنه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . وكذلك الشارع جعل عمل الغير عنه يقوم مقام فعله فيما عجز عنه، مثل من وجب عليه الحج وهو معضوب أو مات ولم يحج، أو نذر صوما أو غير ذلك، ومات قبل فعله، فعله عنه وليه، فقد قال ﷺ : «دين الله أحق بالقضاء» أي أحق أن يستوفى من وارث الغريم؛ لأنه أرحم من العباد، فهذا تشهد له الأصول. أما أن يعتد له بالدين الذي على الناس مع كونه لم يخرج الزكاة فلا يصح. نعم لو كان للناس عليه مظالم أو ديون بقدر ما له عند الناس كان يسوغ أن يقال يحاسب بذلك فيؤخذ حقه من هذا ويصرف إلى هذا، كما يفعل في الدنيا بالمدين الذي له وعليه، وكل هذا من حكم العدل بين العباد ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١) .

стр. 653

وهل يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء؟ فيه روايتان. ولو تلف النصاب بغير تفريط من المالك لم يضمن الزكاة على كل من الروايتين واختاره طائفة من أصحاب أحمد (١) . باب زكاة بهيمة الأنعام ومن أنكر زكاة السائمة وجبت استتابته (٢) . وقالت طائفة: تجب الزكاة في خمس من البقر كالإبل، ورووا فيه أثرا فقالوا: هذا آخر الأمرين (٣) . وقال ابن عقيل: ولا يجوز إخصاء البهائم ولا كيها بالنار للوسم، وتجوز المداواة حسب ما أجزنا في إحدى الروايتين، وقال في موضع آخر: إن ذلك وخزمها في الأنف لقصد المثلة إثم، وإن كان ذلك لغرض صحيح جاز، وأما فعل ذلك بالآدميين فيحصل به الفسق. وذكر الشيخ تقي الدين كلام ابن عقيل الأول، وقال: فعلى قوله لا يجوز وسمها قال: وهو ضعيف (٤) . باب زكاة الحبوب والثمار ونص أبو العباس على وجوب الزكاة في التين للادخار، وإنما اعتبر الكيل والوزن في الروايات لأجل التماثل المعتبر فيها وهو غير موجود ههنا (٥) .

стр. 654

وما يديره الماء من النواعير ونحوها مما يصنع من العام إلى العام أو أثناء العام ولا يحتاج إلى دولاب تديره الدواب يجب فيه العشر، لأن مؤنته خفيفة فهي كحرث الأرض وإصلاح الماء (١) . وتسقط الزكاة فيما خرج من مؤنة الزرع والثمر منه، وهو قول عطاء بن أبي رباح؛ لأن الشارع أسقط في الخرص زكاة الثلث أو الربع لأجل ما يخرج من الثمرة بالإعراء والضيافة وإطعام ابن السبيل، وهو تبرع فيما يخرج عنه لمصلحته التي لا تحصل إلا بها أولى بإسقاط الزكاة عنه (٢) . إذا زرع الجندي إقطاعه فعليه فيه الزكاة. ومذهب سائر الأئمة أنه لا بد في الأرض من عشر أو خراج وهل يجتمعان؟ قال أبو حنيفة: لا فلو كان على مصر خراج كما كان في أول الإسلام كان في وجوب العشر عليها نزاع، فأما اليوم فلا خراج عليها؛ لأن الأرض الخراجية عند أبي حنيفة هي التي يملكها صاحبها وعليه خراجها وهو الخراج الذي ضربه عمر على ما فتح من الأرض عنوة وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه. فأما الجند فلا يملكون الأرض اليوم فلا خراج عليهم فيكون عليهم العشر بلا نزاع، لكن لو استأجرها رجل وزرعها فالعشر على المستأجر صاحب الزرع عندهم، إلا أبا حنيفة فقال على رب الأرض المؤجر لها (٣) . وكلام أبي العباس في اقتضاء الصراط المستقيم، يعطي أن أهل الذمة منعوا من شراء الأرض العشرية، ولا يصح البيع، وجزم الأصحاب

стр. 655

بالصحة ولكن حكى الإمام أحمد عن عمر بن عبد العزيز والحسن أنهم يمنعون من الشراء فإن اشتروا لم تصح، وتعطيل الأرض العشرية باستئجار الذمي لها أو مزارعته فيها كتعطيله بالشراء، وكلام أحمد يوافقه فإنه قال: لا يؤجر منه، - أي الأرض من الذمي - ولا يجوز بقاء أرض بلا عشر ولا خراج اتفاقا، فيخرج من أقطع أرضا بأرض مصر أو غيرها العشر (١) . ويلحق المدفون حكما الموجود ظاهرا في مكان خراب جاهلي أو طريق غير مسلوك (٢) . باب زكاة النقدين وما سماه الناس درهما وتعاملوا به تكون أحكامه أحكام الدرهم من وجوب الزكاة فيما بلغ مائتين منه، والقطع بسرقة ثلاثة دراهم منه، إلى غير ذلك من الأحكام قل ما فيه من الفضة أو كثر، وكذلك ما سمي دينارا (٣) . أما الفلوس فلا يجوز إخراجها عن النقدين على الصحيح لأنها ولو كانت نافقة فليست في المعاملة كالدراهم، في العادة لأنها قد تكسد وتحرم المعاملة بها ولأنها أنقص سعرا، ولهذا يكون البيع بالفلوس، دون البيع بقيمتها من الدراهم، وغايتها أن تكون بمنزلة المكسرة مع الصحاح والبهرجة مع الخالصة فإن تلك إلى النحاس أقرب. وعلى هذا إذا أخرج الفلوس وأخرج التفاوت جاز على المنصوص في جواز إخراج التفاوت فيما بين الصحيح والمكسر، بناء على أن

стр. 656

جبران الصفات كجبران المقدار؛ لكن يقال: المكسرة من الجنس والفلوس من غير الجنس فينتفي فيها المأخذ، ولا ينبغي أن يكون إلا وجهان، إلا إذا خرجت بقيمتها فضة لا بسعرها في العرض (١) . وأما كتابة «لا إله إلا الله» على الدراهم فمحدث من خلافة عبد الملك بن مروان - وإلى الآن - وكانوا يكتبون عليها نحوا من ذلك. ويجوز للمحدث مسكها وإذا كانت معه في منديل أو خريطة وشق عليه مسكها جاز أن يدخل بها الخلاء. ولم يضرب الرسول ﷺ ولا أصحابه دراهم، وإنما حدث ضربها في خلافة عبد الملك كما تقدم (٢) . وسمعت شيخ الإسلام يقول: حديث معاوية في إباحة الذهب مقطعا هو في التابع غير المنفرد كالزر والعلم ونحوه، وحديث الخريصة هو في الفرد كالخاتم وغيره فلا تعارض بينهما، والله أعلم (٣) . وأما أبو العباس فقد ذكر الخلاف في ضم أحد النقدين (٤) . ونقل عن غير واحد من الصحابة أنه قال: زكاة الحلي عاريته، ولهذا تنازع أهل هذا القول: هل يلزمها أن تعيره لمن يستعيره إذا لم يكن في ذلك ضرر عليها؟ على وجهين في مذهب أحمد وغيره. والذي ينبغي إذا لم تخرج الزكاة عنه أن تعيره، وأما إذا كانت تكريه ففيه الزكاة عند جمهور العلماء.

стр. 657

قال الزركشي نقلا عن الشيخ: وكذلك المكروه (١) . باب زكاة العروض ما أعد للتجارة من ماء وحطب وغيره ففيه الزكاة، وما أعد للكراء كالقدور والجمال والعقار وغيرها ففيها نزاع في مذهبنا وغيره. ومن السلف من يوجب الزكاة في المعد للكراء إذا قبض الأجرة. (٢) . ويجوز إخراج زكاة العروض عرضا ويقوى على قول من يقول تجب الزكاة في عين المال (٣) . باب صدقة الفطر ولا يعتبر في زكاة الفطر ملك نصاب، بل تجب على كل من ملك صاعا فاضلا عن قوته يوم العيد وهو مذهب أحمد، ومن عجز عن صدقة الفطر وقت وجوبها عليه ثم أيسر فأداها فقد أحسن (٤) . صدقة الفطر قدرها صاع من الشعير أو التمر ونصفه من البر عند أبي حنيفة واختيار الشيخ وخرجه على قواعد أحمد (٥) . وقياس قول أحمد في الكفارات (٦) .

стр. 658

باب إخراج الزكاة فصل وقوله ﷺ : «ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها» يراد بالحق الزكاة ويراد به ما يجب من غير الزكاة: مثل الإعطاء في النوائب لابن السبيل والمسكين وذي الرحم، «ومن حقها حلبها يوم وردها» لأجل ابن السبيل ونحوهم، فإنهم يقعدون على الماء، فإن إطعام المحتاج وسقيه فرض كفاية. وأما ما يأخذ العداد فإن كان هو من أهل الزكاة أجزأت عن صاحبها عند الأئمة، وإن كان من الكلف التي وضعها الملوك فإنها لا تجزئ عن الزكاة (١) . وأما ما يؤخذ من التجار بغير اسم الزكاة من الوظائف السلطانية فلا يعتبر من الزكاة، وما يؤخذ باسم الزكاة ففيه نزاع، والأولى إعادتها إذا غلب على الظن أنها لا تصرف إلى مستحقها. وإذا أخذ ولي الأمر العشر أو زكاة التجارة فصرفها في مصرفها أجزأت باتفاق المسلمين. وأما إذا كان ولي الأمر يتعدى في صرفها فالمشهور عند الأئمة أنه يجزئ أيضا كما نقل ذلك عن الصحابة ﵃ (٢) . وما يأخذه الإمام باسم المكس جاز دفعه بنية الزكاة، وتسقط وإن لم تكن على صفتها (٣) .

стр. 659

وقال الشيخ تقي الدين: إذا وجب العشر على فلاح أو غيره وأمر ولي الأمر بصرفه إلى من يستحق الزكاة وجبت طاعته في ذلك ولم يكن لأحد أن يمتنع من ذلك (١) . وحكى أبو البركات رواية أخرى أن الدين لا يمنع في الظاهرة مطلقا، قال أبو العباس: ولم أجد بها نصا عن أحمد (٢) . زكاة الباطن: وقيل: لا يجب دفع الباطن بطلبه، وقال بعضهم: وجها واحدا. وذكر شيخنا أن من أداها لم تجز مقاتلته للخلف في إجزائها ثم ذكر نص أحمد فيمن قال: أنا أؤديها ولا أعطيها للإمام، لم يكن له قتاله، ثم قال: من جوز القتال على ترك طاعة ولي الأمر جوزه، ومن لم يجوزه إلا على ترك طاعة الله ورسوله لم يجوزه (٣) . وإذا نقل الزكاة إلى المستحقين بالمصر الجامع مثل أن يعطي من بالقاهرة من العشور التي بأرض مصر فالصحيح جواز ذلك، فإن سكان المصر إنما يعانون من مزارعهم، بخلاف النقل من إقليم إلى إقليم مع حاجة أهل المنقول عنه، وإنما قال السلف، جيران المال أحق بزكاته وكرهوا نقل الزكاة إلى بلد السلطان وغيره ليكتفي أهل كل ناحية بما عندهم من الزكاة، ولهذا في كتاب معاذ بن جبل: «من انتقل من مخلاف إلى مخلاف فإن صدقته وعشره في مخلاف جيرانه والمخلاف عندهم كما يقال المعاملة، وهو ما يكون فيه الوالي والقاضي، وهو الذي يستخلف فيه ولي الأمر جابيا يأخذ الزكاة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم ولم يقيد ذلك بمسير يومين.

стр. 660

وتحديد المنع من نقل الزكاة بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي. ويجوز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية (١) . ويلزم عامل الزكاة رفع حساب ما تولاه إذا طلب منه الخراج (٢) . باب أهل الزكاة لا ينبغي أن تعطى الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله، فإن الله فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين كالفقراء والغارمين ولمن يعاونون المؤمنين، فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يعطى شيئا حتى يتوب ويلتزم بأداء الصلاة في أوقاتها (٣) . إذا اشترى من قبض الزكاة ليدفعها إلى أهلها عقارا أو نحوه فإن عليه أن يؤدي إلى الثمانية الأصناف مقدار الذي قبضه وما حصل من نماء يقسمه بينه وبينهم (٤) . وإذا قبض من ليس من أهل الزكاة مالا من الزكاة وصرفه في شراء عقار أو نحوه فالنماء الذي حصل بعمله وسعيه يجعل مضاربة بينه وبين أهل الزكاة (٥) . والرقاب والغارمون وفي سبيل الله، وابن السبيل مصارف الزكاة فتعطى في فداء الأسرى لمن يفديهم قال شيخنا: أو يوفي ما استدين فيهم، لأن النبي ﷺ كان تارة يستدين لأهل الزكاة ثم يصرفها لأهل

стр. 661

الدين فعلم أن الصرف وفاء كالصرف أداء، قال: ويعطى من صار مستحقا قبل قسمة المال كزكاة (١) . ويأخذ الفقير من الزكاة ما يصير به غنيا وإن كثر، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي (٢) . ويجوز للإمام أن يعتق من مال الفيء والمصالح إذا كان في الإعتاق مصلحة، إما لمنفعة المسلمين أو لمنفعة المعتق، أو تأليفا لمن يحتاج إلى تأليفه، وقد ينفذ العتق حيث لا يجوز إذا كان في الرد فساد كما في الولايات مثل أن يكون قد أسلم وهو لكافر ذمي أو معاهد حربي (٣) . ومن لم يحج حجة الإسلام وهو فقير أعطي ما يحج به وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٤) . ومن ليس معه ما يشترى به كتبا يشتغل بها بعلم الدين يجوز له الأخذ من الزكاة ما يشتري له به ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لا بد لتعلم دينه أو دنياه منها (٥) . ويجوز الأخذ من الزكاة لما يحتاج إليه في إقامة مؤنته وإن لم ينفقه بعينه في المؤنة. وقيل لأحمد ﵀: الرجل يكون له الزرع القائم وليس عنده ما يحصده أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم يأخذ (٦) . ونص أحمد في فقير لقريبه وليمة: يستقرض ويهدي له ذكره أبو الحسين في الطبقات، قال شيخنا: فيه صلة الرحم بالقرض (٧) .

стр. 662

والذي يخدمه إذا لم تكفه أجرته أعطاه من زكاته إذا لم يستعمله بدل زكاته. واليتيم المميز يقبض الزكاة لنفسه، وإن لم يكن غير مميز قبضها كافله كائنا من كان (١) . ويشترط في إخراج الزكاة تمليك المعطى (و) فلا يجوز أن يغدي المساكين ويعشيهم ولا يقضي منها دين ميت غرمه لمصلحة نفسه أو غيره حكاه أبو عبيد وابن عبد البر (ع) لعدم أهليته لقبولها، كما لو كفنه منها (ع) وحكى ابن المنذر عن أبي ثور يجوز، وعن مالك أو بعض أصحابه مثله، وأطلق صاحب التبيان الشافعي وجهين، واختاره شيخنا وذكره إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن الغارم لا يشترط تمليكه لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ ولم يقل: وللغارمين (٢) . دفع الزكاة إلى الوالد لا يجوز عند الأئمة المتبوعين في المشهور عنهم؛ إلا إذا أخذها لكونه غارما لإصلاح ذات البين أو للجهاد ونحوه مما فيه مصلحة للمسلمين. وأما إذا كان غارما في مصلحة نفسه ففيه الخلاف، وجوازه قوي متجه، ويدفعها إلى أبنائه إن كان عاجزا عن نفقتهم في قول بعضهم. وإن دفعها إلى غريمه وشارطه أن يوفيه إياها فلا يجوز، وإن قصد ذلك من غير شرط ففيه نزاع. وإن دفعها لا تجب عليه نفقة من هم في عياله فيعطيهم ما لم تجر

стр. 663

عادتهم بإنفاقه من ماله. وإن أعطاهم ما هو معتاد إنفاقه من ماله ففيه نزاع، والمأثور عن ابن عباس ﵄ المنع. وذكر أحمد ﵁ عن سفيان بن عيينة قال: كان العلماء ﵏ يقولون: لا يحابي بها قريبا ولا يدفع بها مذلة ولا مذمة، ولا يقي بها ماله والله أعلم (١) . وإذا منع بنو هاشم حقهم من الخمس فلا يجوز لهم أخذ الصدقة إلا عند بعض المتأخرين وليس هو قولا لأحد المتبوعين (٢) . وبنو هاشم إذا منعوا خمس الخمس جاز لهم الأخذ من الزكاة، وهو قول القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا، وقاله أبو يوسف من الحنفية، والإصطخري من الشافعية، لأنه محل حاجة وضرورة. ويجوز لبني هاشم الأخذ من زكاة الهاشميين وهو محكي عن طائفة من أهل البيت (٣) . ومن سأل وظهر صدقه وجب إطعامه لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [٢٤،٢٥/٧٠] وإن ظهر كذبه لم يجب إطعامه، وإن سأل مطلقا بغير معين لم يجب أيضا، وإذا أقسم على غير معين فإن إبرار القسم إنما هو إذا أقسم على معين. وقوله: لأجل فلان من المخلوقين فلا حرمة له، وأما قوله: شيء لله ولأجل الله فيعطى لأنه سؤال وليس هذا إقسامًا (٤) .

стр. 664

وعنه يعتبر في الإعسار ثلاثة، واستحسنه شيخنا، لأن حق الآدمي آكد فاستظهر بالثالث، ولا يقبل في الإعسار شاهد ويمين، وقال شيخنا فيه نظر (١) . وإعطاء السؤال فرض كافية إن صدقوا. ومن سأل غيره الدعاء لنفع ذلك الغير أو نفعهما أثيب، وإن قصد نفع نفسه فقط نهى عنه، كسؤال المال، وإن كان لا يأثم. وقال أبو العباس في الفتاوى المصرية: لا بأس بطلب الناس الدعاء بعضهم من بعض؛ لكن أهل الفضل يفوزون بذلك، إذ الذي يطلبون منه الدعاء إذا دعا لهم كان له من الأجر على دعائه أعظم من أجره لو دعا لنفسه وحده (٢) . ولا تسقط الزكاة والحج والديون ومظالم العباد عمن مات شهيدا (٣) . ويحرم المن بالصدقة وغيرها، وهو كبيرة على نص أحمد أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، ويبطل الثواب بذلك للآية، ولأصحابنا خلاف فيه، وفي بطلان طاعة بمعصية، واختار شيخنا الإحباط بمعنى الموازنة وذكر أنه قول أكثر السلف (٤) . قال جماعة من أصحابنا: يجوز العمل مع السلطان وقبول جوائزه، وقيده في الترغيب بالعادل، وقيده في التبصرة بمن غلب عدله وأنها

стр. 665

تكره في رواية، وقيل للإمام أحمد في جائزته ومعاملته فقال: أكرههما وجائزته أحب إلي من الصدقة وقال: هي خير من صلة الإخوان وأجرة التعليم خير منهما، ذكره شيخنا وقال أيضا: ليس بحرام (١) .

стр. 666

كتاب الصيام والمستحب قول شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [١٨٥/٢] ولا يكره قول رمضان بإسقاط الشهر (وهـ) وأكثر العلماء، وذكر الشيخ: يكره إلا مع قرينة الشهر وفاقا لأكثر الشافعية، وذكر شيخنا وجها يكره وفاقا للمالكية (١) . وعند شيخنا: لا يقضي متعمد بلا عذر (خ) صوما ولا صلاة، قال: ولا يصح منه، وأنه ليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه وضعف أمره ﵇ المجامع بالقضاء لعدول البخاري ومسلم عنه (٢) . وإن حال دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين غيم أو قتر فصومه جائز لا واجب ولا حرام، وهو قول طوائف من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة والمنقولات المستفيضة عن أحمد إنما تدل على هذا، ولا أصل للوجوب في كلامه ولا في كلام أحد من الصحابة ﵃ (٣) .

стр. 667

وحكي عن أبي العباس أنه كان يميل أخيرًا إلى أنه لا يستحب صومه (١) . ومن تجدد له الصوم بسبب كما إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار فإنه يتم بقية يومه، ولا يلزمه قضاء وإن كان قد أكل (٢) . والمريض إذا خاف الضرر استحب له الفطر، والمسافر الأفضل له الفطر فإن أضعفه الصوم عن الجهاد كره له بل يجب منعه إن منعه عن واجب آخر (٣) . قال ابن القيم ﵀: وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوي على الجهاد، وفعله وأفتى به لما نازل العدو دمشق في رمضان، فأنكر عليه بعض المتفقهين وقال: ليس هذا سفر طويل، فقال الشيخ: هذا فطر للتقوي على جهاد العدو، وهو أولى من الفطر للسفر يومين سفرا مباحًا أو معصية، والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فيهم، وربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة الإسلام وهل يشك ففيه أن الفطر ههنا أولى من فطر المسافر وقد أمرهم النبي ﷺ في غزوة الفتح بالإفطار ليتقووا على عدوهم فعل ذلك للقوة على العدو لا للسفر والله أعلم (٤) . إذا دخل المسافر فنوى الإقامة في رمضان أقل من أربعة أيام فله أن يفطر (٥) .

стр. 668

وهل يجب تعيين النية لرمضان؟ فمذهب مالك والشافعي تجب فلو نوى نية مطلقة أو معلقة لم تجزه. وعند أبي حنيفة: لا يجب التعيين فلو نوى نية مطلقة أو معلقة تقع عن رمضان في هذه الصورة وفي هذه الصورة في مذهب أحمد ثلاثة أقوال: أحدها: كمذهب مالك والشافعي يجب. والثاني: كقول أبي حنيفة. والثالث: تقع عن رمضان مع الإطلاق لا مع نية غير رمضان، وهذا اختيار الخرقي في شرح المختصر واختيار جدي المجد عبد السلام وغيرهم. والذي يجب أن يفرق بين العالم والجاهل، فمن علم أن غدا من رمضان ولم ينوه بل نوى غيره فقط ترك الواجب فلم يجزه ومن لم يعلم فنوى صوما مطلقا للاحتياط أو صوما مقيدا فهذا إذا قيل بجوازه كان متوجها (١) . وإن نوى نذرا أو نفلا ثم بان من رمضان أجزأه إن كان جاهلا، كمن دفع وديعة رجل إليه على طريق التبرع ثم تبين أنها كانت حقه فإنه لا يحتاج إلى إعطاء ثان؛ بل يقول له: الذي وصل إليك هو كان عندي لك (٢) . ومن خطر في قلبه أنه صائم غدا فقد نوى.

стр. 669

والصائم لما يتعشى يتعشى عشاء من يريد الصيام؛ ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد وعشاء ليالي رمضان. وتصح النية المترددة كقوله: إن كان غدا من رمضان فهو فرض وإلا فهو نفل، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (١) . وإذا نوى صيام التطوع بعد الزوال ففي ثوابه روايتان عن أحمد. والأظهر الثواب، وإذالم ينو الصوم ولكن إذا أشهى الأكل واستمر به الجوع فهذا يكون جوعه من باب المصائب التي تكفر بها خطاياه ويثاب على صبره عليها، ولا يكون من باب الصوم الذي هو عبادة يثاب عليها ثواب الصوم، والله أعلم (٢) . «ومن فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء» صححه الترمذي من حديث زيد بن خالد. وظاهر كلامهم من أي شيء كان كما هو ظاهر الخبر، وكذا رواه ابن خزيمة من حديث سلمان الفارسي وذكر فيه ثوابا عظيما إن أشبعه، وقال شيخنا: مراده بتفطيره أن يشبعه (٣) . باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة ولا يفطر الصائم بالاكتحال والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة وهو قول بعض أهل العلم، ويفطر بإخراج الدم بالحجامة وهو مذهب أحمد، وبالفصد والتشريط وهو وجه لنا، أو بإرعاف نفسه وهو قول الأوزاعي، ويفطر الحاجم إن مص القارورة (٤) .

стр. 670

ولا يفطر بمذي بسبب قبلة أو لمس وتكرار نظر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وبعض أصحابنا (١) . وأما من طلع عليه الفجر وهو مجامع فالواجب عليه النزع عينا، ويحرم عليه استدامة الجماع واللبث، وإنما اختلف في وجوب القضاء والكفارة عليه على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، أحدها: عليه القضاء والكفارة، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى، والثاني: لا شيء عليه، وهذا اختيار شيخنا (٢) . ومن جامع جاهلاً بالرفث فلا قضاء عليه وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٣) . وإذا أكره الرجل زوجته على الجماع في رمضان يحمل عنها ما يجب عليها، وهل تجب كفارة الجماع في رمضان لإفساد الصوم الصحيح، أو لحرمة الزمان؟ فيه قولان: الصواب الثاني (٤) . ونقل طائفة عن طائفة من السلف: أن الغيبة والنميمة ونحوهما تفطر الصائم وذكر وجها في مذهب أحمد. وتحقيق الأمر في ذلك: أن الله تعالى أمر بالصيام لأجل التقوى، وقد قال ﷺ «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» فإذا لم تحصل له التقوى لم يحصل له مقصود الصوم فينقص من أجر الصوم بحسب ذلك. والأعمال الصالحة لها مقصودان: حصول الثواب، واندفاع العقاب.
следующие страницы →