← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

كتاب الصيام والمستحب قول شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [١٨٥/٢] ولا يكره قول رمضان بإسقاط الشهر (وهـ) وأكثر العلماء، وذكر الشيخ: يكره إلا مع قرينة الشهر وفاقا لأكثر الشافعية، وذكر شيخنا وجها يكره وفاقا للمالكية (١) . وعند شيخنا: لا يقضي متعمد بلا عذر (خ) صوما ولا صلاة، قال: ولا يصح منه، وأنه ليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه وضعف أمره ﵇ المجامع بالقضاء لعدول البخاري ومسلم عنه (٢) . وإن حال دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين غيم أو قتر فصومه جائز لا واجب ولا حرام، وهو قول طوائف من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة والمنقولات المستفيضة عن أحمد إنما تدل على هذا، ولا أصل للوجوب في كلامه ولا في كلام أحد من الصحابة ﵃ (٣) .

стр. 667

وحكي عن أبي العباس أنه كان يميل أخيرًا إلى أنه لا يستحب صومه (١) . ومن تجدد له الصوم بسبب كما إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار فإنه يتم بقية يومه، ولا يلزمه قضاء وإن كان قد أكل (٢) . والمريض إذا خاف الضرر استحب له الفطر، والمسافر الأفضل له الفطر فإن أضعفه الصوم عن الجهاد كره له بل يجب منعه إن منعه عن واجب آخر (٣) . قال ابن القيم ﵀: وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوي على الجهاد، وفعله وأفتى به لما نازل العدو دمشق في رمضان، فأنكر عليه بعض المتفقهين وقال: ليس هذا سفر طويل، فقال الشيخ: هذا فطر للتقوي على جهاد العدو، وهو أولى من الفطر للسفر يومين سفرا مباحًا أو معصية، والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فيهم، وربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة الإسلام وهل يشك ففيه أن الفطر ههنا أولى من فطر المسافر وقد أمرهم النبي ﷺ في غزوة الفتح بالإفطار ليتقووا على عدوهم فعل ذلك للقوة على العدو لا للسفر والله أعلم (٤) . إذا دخل المسافر فنوى الإقامة في رمضان أقل من أربعة أيام فله أن يفطر (٥) .

стр. 668

وهل يجب تعيين النية لرمضان؟ فمذهب مالك والشافعي تجب فلو نوى نية مطلقة أو معلقة لم تجزه. وعند أبي حنيفة: لا يجب التعيين فلو نوى نية مطلقة أو معلقة تقع عن رمضان في هذه الصورة وفي هذه الصورة في مذهب أحمد ثلاثة أقوال: أحدها: كمذهب مالك والشافعي يجب. والثاني: كقول أبي حنيفة. والثالث: تقع عن رمضان مع الإطلاق لا مع نية غير رمضان، وهذا اختيار الخرقي في شرح المختصر واختيار جدي المجد عبد السلام وغيرهم. والذي يجب أن يفرق بين العالم والجاهل، فمن علم أن غدا من رمضان ولم ينوه بل نوى غيره فقط ترك الواجب فلم يجزه ومن لم يعلم فنوى صوما مطلقا للاحتياط أو صوما مقيدا فهذا إذا قيل بجوازه كان متوجها (١) . وإن نوى نذرا أو نفلا ثم بان من رمضان أجزأه إن كان جاهلا، كمن دفع وديعة رجل إليه على طريق التبرع ثم تبين أنها كانت حقه فإنه لا يحتاج إلى إعطاء ثان؛ بل يقول له: الذي وصل إليك هو كان عندي لك (٢) . ومن خطر في قلبه أنه صائم غدا فقد نوى.

стр. 669

والصائم لما يتعشى يتعشى عشاء من يريد الصيام؛ ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد وعشاء ليالي رمضان. وتصح النية المترددة كقوله: إن كان غدا من رمضان فهو فرض وإلا فهو نفل، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (١) . وإذا نوى صيام التطوع بعد الزوال ففي ثوابه روايتان عن أحمد. والأظهر الثواب، وإذالم ينو الصوم ولكن إذا أشهى الأكل واستمر به الجوع فهذا يكون جوعه من باب المصائب التي تكفر بها خطاياه ويثاب على صبره عليها، ولا يكون من باب الصوم الذي هو عبادة يثاب عليها ثواب الصوم، والله أعلم (٢) . «ومن فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء» صححه الترمذي من حديث زيد بن خالد. وظاهر كلامهم من أي شيء كان كما هو ظاهر الخبر، وكذا رواه ابن خزيمة من حديث سلمان الفارسي وذكر فيه ثوابا عظيما إن أشبعه، وقال شيخنا: مراده بتفطيره أن يشبعه (٣) . باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة ولا يفطر الصائم بالاكتحال والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة وهو قول بعض أهل العلم، ويفطر بإخراج الدم بالحجامة وهو مذهب أحمد، وبالفصد والتشريط وهو وجه لنا، أو بإرعاف نفسه وهو قول الأوزاعي، ويفطر الحاجم إن مص القارورة (٤) .

стр. 670

ولا يفطر بمذي بسبب قبلة أو لمس وتكرار نظر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وبعض أصحابنا (١) . وأما من طلع عليه الفجر وهو مجامع فالواجب عليه النزع عينا، ويحرم عليه استدامة الجماع واللبث، وإنما اختلف في وجوب القضاء والكفارة عليه على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، أحدها: عليه القضاء والكفارة، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى، والثاني: لا شيء عليه، وهذا اختيار شيخنا (٢) . ومن جامع جاهلاً بالرفث فلا قضاء عليه وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٣) . وإذا أكره الرجل زوجته على الجماع في رمضان يحمل عنها ما يجب عليها، وهل تجب كفارة الجماع في رمضان لإفساد الصوم الصحيح، أو لحرمة الزمان؟ فيه قولان: الصواب الثاني (٤) . ونقل طائفة عن طائفة من السلف: أن الغيبة والنميمة ونحوهما تفطر الصائم وذكر وجها في مذهب أحمد. وتحقيق الأمر في ذلك: أن الله تعالى أمر بالصيام لأجل التقوى، وقد قال ﷺ «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» فإذا لم تحصل له التقوى لم يحصل له مقصود الصوم فينقص من أجر الصوم بحسب ذلك. والأعمال الصالحة لها مقصودان: حصول الثواب، واندفاع العقاب.

стр. 671

فإذا فعلها مع المنهيات من الغيبة والنميمة وأكل الحرام وغيره فاته الثواب. فقول الأئمة: لا يفطر، أي لا يعاقب عقاب المعلن بالفطر. ومن قال: إنه يفطر بمعنى أنه لم يحصل له مقصود الصوم أو قد يذهب بأجر الصوم فقوله موافق لقول الأئمة. ومن قال: إنه يفطر بمعنى أنه يعاقب على الترك فهو مخالف لأقوالهم (١) . باب ما يكره ويستحب وحكم القضاء وإذا ذاق طعامًا ولفظه أو وضع في فيه عسلاً ومجه فلا بأس به للحاجة كالمضمضة والاستنشاق (٢) وشم الروائح الطيبة لا بأس به للصائم (٣) . وإذا شتم الصائم استحب له أن يجهر بقوله: «إني صائم» ، وسواء كان الصوم فرضا أو نفلا، وهو أحد الوجوه في مذهب أحمد (٤) . وقال النبي ﷺ «من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء» صححه الترمذي من حديث زيد بن خالد والمراد بتفطيره أن يشبعه (٥) . وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لم يطقه لكبر ونحوه أو عن ميت

стр. 672

وهما معسران توجه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المماثلة من المال، وحكى القاضي في صوم النذر في حياة الناذر نحو ذلك. ومن مات وعليه صوم نذر أجزأ الصوم عنه بلا كفارة. وما روي أن النبي ﷺ أمر المجامع في رمضان بالقضاء، فضعيف لعدول البخاري ومسلم عنه (١) . وإذا شرعت المرأة في قضاء رمضان وجب عليها إتمامه، ولم يكن لزوجها تفطيرها، وإن أمرها أن تؤخر القضاء قبل الشروع فيه كان حسنا، لحديث عائشة (٢) . باب صوم التطوع ويستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر للأخبار الصحيحة وفي بعضها «هو كصوم الدهر» والمراد بذلك أن من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر من غير حصول مفسدة (٣) . وصوم الدهر: الصواب قول من جعله تركًا للأولى أو كرهه، فعلى الأول صوم وفطر يوم أفضل منه خلافا لطائفة من العباد، ذكره شيخنا (٤) . سئل ﷺ : أي الصيام أفضل؟ فقال: «شهر الله الذي تدعونه المحرم» . قال شيخنا: ويحتمل أن يريد بشهر الله المحرم أول العام، وأن يريد به الأشهر الحرم، والله أعلم (٥) .

стр. 673

وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة. ولا يكره إفراد العاشر بالصوم، وقد أمر أحمد بصومهما، ووافق شيخنا المذهب أنه لا يكره، وقال: مقتضى كلام أحمد يكره، وهو قول ابن عباس وعن أحمد: وجب ثم نسخ، اختاره شيخنا، ومال إليه الشيخ (١) . ويكره موسم خاص: كالرغائب، وليلة النصف من شعبان، وهو بدعة. وأما ما يروى في الكحل يوم عاشوراء أو الخضاب، أو الاغتسال، أو المصافحة أو مسح رأس اليتيم أو أكل الحبوب، أو الذبح، أو نحو ذلك لا يستحب منه شيء عند أئمة الدين، بل ينهى عنه. وما يفعله الرافضة في يوم عاشوراء، من النياحة والندب والمأتم وسب الصحابة ﵃ هو أيضًا من أعظم البدع والمنكرات، وكل بدعة ضلالة هذا، وهذا، وإن كان بعض البدع والمنكرات أغلظ من بعض (٢) . وصيام يوم عرفة كفارة سنتين، فإن غم هلال ذي الحجة أو شهد برؤيته من لا تقبل شهادته إما لانفراده بالرؤية أو لكونه ممن لا يجوز قبول قوله ونحو ذلك واستمر الحال على إكمال ذي القعدة فصوم يوم التاسع الذي هو يوم عرفة من هذا الشهر المشكوك فيه جائز بلا نزاع، وأما من شهد بهلال ذي الحجة من يثبت الشهر به لكن لم يقبله الحاكم، إما لعذر ظاهر، وإما لتقصير في أمره فقال أبو العباس: هذه الصورة تخرج على الخلاف المشهور في مسألة المنفرد بهلال شوال:

стр. 674

هل يفطر عملا برؤيته، أم لا يفطر إلا مع الناس؟ في ذلك قولان مشهوران، فعلى قول من يقول: لا يفطر المنفرد برؤية هلال شوال بل يصوم ولا يفطر إلا مع الناس فإنه يقول: لا يستحب صوم يوم عرفة للشاهد الذي لم تقبل شهادته بهلال ذي الحجة، ومن قال في الشاهد بهلال شوال يفطر سرا قال هنا إنه يفطر ولا يصوم لأنه يوم عيد في حقه، ولكن لا يضحي ولا يقف بعرفة بذلك (١) . قال ابن القيم ﵀: وقد ذكر لفطره بعرفة عدة حكم، منها: أنه أقوى على الدعاء، ومنها: أن الفطر في السفر أفضل في فرض الصوم فكيف بنفله، ومنها: أن ذلك اليوم كان يوم جمعة وقد نهى عن إفراده بالصوم فأحب أن يرى الناس فطره فيه تأكيدا لنهيه عن تخصيصه بالصوم وإن كان صومه لكونه يوم عرفة لا يوم جمعة. وكان شيخنا ﵁ يسلك مسلكا آخر، وهو أنه يوم عيد لأهل عرفة لاجتماعهم فيه كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا الاجتماع يختص بمن بعرفة دون أهل الآفاق، قال وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا في الحديث الذي رواه أهل السنن: «يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام» ، ومعلوم أن كونه عيدًا هو لأهل ذلك المجمع لاجتماعهم فيه، والله أعلم (٢) . (٣) . ومن صام رجب معتقدا أنه أفضل من غيره من الأشهر أثم وعزر، وعليه يحمل فعل عمر، وفي تحريم إفراده وجهان. ومن نذر صومه كل سنة أفطر بعضه وقضاه، وفي الكفارة خلاف، وأما من صام الأشهر الحرم الثلاثة فكان رسول الله ﷺ لا يصوم شهرا كاملا إلا شهر رمضان،

стр. 675

وكان يصوم أكثر شعبان ولم يصح عنه في رجب شيء، وإذا أفطر الصائم بعض رجب وشعبان كان حسنا، ولا يكره صوم العشر الأواخر من شعبان عند أكثر أهل العلم (١) . وإفراد رجب بالصوم مكروه، نص على ذلك الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما، وسائر الأحاديث التي وردت في فضل الصوم فيه موضوعة، لكن لو صام أكثره فلا بأس. فلو نذر صومه قصدا فهو مثل من نذر صوم يوم الجمعة وغيره من العبادات المكروهة، والواجب أن يصوم شهرا آخر، وهل عليه كفارة يمين؟ على قولين لنا ولغيرنا، وإنما يلزم الوفاء بما كان طاعة بدون النذر، والنذر في نفسه ليس بطاعة ولكن يجعل الطاعة واجبة، والصلاة في وقت النهي منهي عنها فلا تصير بالنذر طاعة واجبة (٢) . ولا يكره إفراد يوم السبت بالصوم (٣) . قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بشر، منها حديث أم سلمة يعني أن النبي ﷺ كان يصوم السبت والأحد، ويقول: «هما عيدان للمشركين فأنا أحب أن أخالفهما» رواه أحمد والنسائي وإسناده جيد، واختار شيخنا أنه لا يكره وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأنه لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فالحديث شاذ أو منسوخ، وأن هذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم وأبي داود، وأن أكثر أصحابنا فهم من كلام أحمد

стр. 676

الأخذ بالحديث (١) ، ولم يذكر الآجري غير صوم يوم الجمعة فظاهره لا يكره غيره (٢) . ولا يجوز تخصيص صوم أعياد المشركين، ولا صوم يوم الجمعة ولا قيام ليلتها (٣) . ورمضان أفضل الشهور، ويكفر من فضل رجبا عليه (٤) . وليلة القدر أفضل الليالي (٥) . ومن العجب أن طائفة من أصحاب أحمد فضلوا ليلة الجمعة على ليلة القدر، ورأوا أن إحياءها أفضل من إحياء ليلة القدر، وقد ثبت في الصحيح النهي عن تخصيصها بقيام؛ مع أنه ثبت بالتواتر أن ليلة القدر أمر الله بالقيام فيها، وأنه ﷺ حض على قيامها، وأنه لا عدل لها في ليالي العام (٦) . والأوتار هي باعتبار ما مضى، أو باعتبار ما بقي؟ فليلة إحدى وعشرين وثلاثة، وخمسة وسبعة وتسعة باعتبار ما مضى، وباعتبار ما بقي لتسع بقين وسبع بقين ونحو ذلك فإذا كان الشهر ناقصًا فقيل لتسع كانت ليلة إحدى وعشرين فيكون وتر المستقبل والماضي، وإن كان الشهر كاملا كانت الأوتار هي الأشفاع باعتبار الماضي كما فسره أبو سعيد ﵁ وغيره.

стр. 677

ولهذا كانت ليلة القدر كثيرًا ما تكون لسبع مضين ولسبع بقين فتكون ليلة أربع وعشرين وهي التي روي أن القرآن نزل فيها. فالتحقيق أنها تكون في العشر الأواخر، في الأوتار، لكن بالاعتبارين. فأما ليلة سبع عشرة من رمضان فلا ريب أنها ليلة بدر يومها هو: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [٤١/٨] ولم يجئ حديث يعتمد عليه أنها ليلة القدر إن كان قد قاله بعض الصحابة، كما قال ابن مسعود ﵁: «من يقم الحول يصبها» ، وبعضهم يعين لها ليلة من العشر الأواخر. الصحيح أنها في العشر الأواخر تنتقل، فروى البخاري: «ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» . والأحاديث المروية أنها في أول ليلة المحرم، أو ليلة عاشوراء، أو أول ليلة من رجب، أو أول ليلة جمعة من رجب، أو ليلة سبع وعشرين، أو ليلة العيدين، وفي الصلاة الألفية ليلة النصف كلها كذب موضوعة، لم يكن أحد يأمر بتخصيص هذه الليالي بقيام ولا صلاة أصلا (١) . باب الاعتكاف وأحكام المساجد ومن نذر الاعتكاف في مسجد غير المساجد الثلاثة تعين ما امتاز على غيره بمزية شرعية: كقدم، وكثرة جمع، اختاره أبو العباس في موضع، وحكى في موضع آخر وجهين في مذهبنا (٢) .

стр. 678

«اعتكف العشر» يدخل فيه الليل (١) . ولم ير أبو العباس لمن قصد المسجد للصلاة، أو غيرها أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه (٢) . ليس للمعتكف أن يخيط ثوبا، وقيل: يجوز أن يخيط لنفسه لا ليكتسب وقيل: بجواز اليسير، وهذه الثلاثة الأقوال في المذهب (٣) . وحكى الشيخ تقي الدين ﵀ عن الجمهور استحباب المجاورة بمكة، قال: قالوا: ولأن المجاورة بها من تحصيل العبادات وتضعيفها ما لا يكون في بلد آخر، ولأن الصلاة فيها تتضاعف هي وغيرها من الأعمال انتهى (٤) . أحكام المساجد وينشأ مسجد إلى جنب آخر إذا كان محتاجا إليه، ولم يقصد الضرر، فإن قصد الضرر أو لا حاجة، فلا ينشأ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، نقلها عن محمد بن موسى، ويجب هدمه وقاله أبو العباس فيما بني بجوار جامع بني أمية (٥) . وليس له البول في المسجد ولو في وعاء، وقال في موضع آخر في البول حول البركة في المسجد هذا يشبه البول في قارورة في المسجد ومنهم من نهى عنه، ومنهم من رخص فيه للحاجة، فأما اتخاذه مبالا فلا (٦) .

стр. 679

والنهي عن قربان المسجد لمن أكل الثوم ونحوه عام في كل مسجد عند عامة العلماء، وحكى القاضي عياض أن النهي خاص بمسجد النبي ﷺ (١) . قال الشيخ تقي الدين: المعاصي في الأيام المعظمة والأمكنة المعظمة تغلظ معصيتها وعقابها بقدر فضيلة الزمان والمكان، انتهى كلامه (٢) . ومنع شيخنا اتخاذه طريقا، قال: والاتخاذ والاستئجار كبيع وشراء وقعود صانع وفاعل فيه لمن يكتريه كبضاعة لمشتر لا يجوز (٣) . ويجوز تعليم القرآن في المسجد إذا لم يكن فيه ضرر على المسجد وأهله، بل يستحب (٤) . والسنة في المسجد أن من سبق إلى بقعة لعمل جائز فهو أحق به حتى يقوم منه، لكن المصلون أحق بالسواري. ويجوز نصب خيمة وسترة لمن يعتكف. وكذلك لو أقام الرجل مدة إقامة مشروعة، كما أذن ﷺ لوفد ثقيف أن ينزلوا بالمسجد ليكون أرق لقلوبهم، وأقرب لدخول الإيمان فيها، وكما مرض سعدا فيه ليكون أسهل لعيادته، وكالمرأة التي كانت تقم المسجد كان لها خص فيه (٥) .

стр. 680

كتاب الحج والبيت زاده الله تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا له الشرف من وجوه كثيرة. منها: نفس البقعة شرفها الله على غيرها، كما شرف في بقية الأنواع بعض أشخاصها وكما خص بعض الناس بنوع من الفضل. ومنها: أن الله بوأه لخليله إبراهيم خير البرية، فليس بعد محمد ﷺ أفضل من إبراهيم الذي بناه ودعا الناس إليه. ومنها: أنه جعل على الناس حج البيت، حتى حجه الأنبياء كموسى ويونس وغيرهما. وفيه آيات كثيرة: مثل مقام إبراهيم، ومثل الأمان الذي جعله للناس والطير والوحش. ومثل إهلاك الجبابرة الذين قصدوا انتهاكه، إلى غير ذلك من العلامات والدلالات على حرمته وعظمته. ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [٩٧/٣] فلا يقتل الجاني فيه عند أحمد وأبي حنيفة، وكان الكفار يعظمونه حتى ليلقى الرجل قاتل أبيه فلا يقتله. والإسلام زاده حرمة.

стр. 681

وأما أن يظن أن من دخله كان آمنا من عذاب الله مع تركه الفرائض واتخاذه الأنداد من دون الله فخلاف إجماع المسلمين (١) . ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره وجب، وإلا فلا، ولم يقيده أبو عبد الله لسقوط الفرائض بالضرر، وتحرم الطاعة في المعصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فحينئذ ليس للأبوين منع ولدهما من الحج الواجب؛ لكن يستطيب أنفسهما فإن أذنا وإلا حج. وليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب مع ذي محرم، وعليها أن تحج وإن لم يأذن في ذلك، حتى إن كثيرا من العلماء أو أكثرهم يوجبون لها النفقة (٢) . والحج واجب على الفور عند أكثر العلماء. ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله وخلف مالاً حج عنه في أظهر قولي العلماء. وإذا وجب الحج على المحجور عليه لم يكن لوليه منعه منه على الوجه الشرعي، والتجارة ليست محرمة؛ لكن ليس للإنسان أن يفعل ما يشغله عن الحج. ومن أراد سلوك طريق يستوي فيها السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها، فإن لم يكف فيكون قد أعان على هلاك نفسه فلا يكون شهيدًا.

стр. 682

وتجوز الخفارة عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر، ولا يجوز مع عدمها، كما يأخذ السلطان من الرعايا. وتحج كل امرأة آمنة مع عدم محرم، قال أبو العباس: وهذا متوجه في سفر كل طاعة. وأما إماء المرأة فيسافرون معها ولا يفتقرن إلى المحرم، لأنه لا محرم لهن في العادة الغالبة، فأما عتقاؤها من الإماء فقد بيض لذلك أبو العباس. وصحح أبو العباس في الفتاوى المصرية أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع زوج أو ذي محرم. والمحرم زوج المرأة أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب، ولو كان النسب وطء شبهة لا زنا، وهو قول أكثر العلماء واختاره ابن عقيل (١) . وعند شيخنا تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم، وقال: إن هذا متوجه في كل سفر طاعة، ونقله الكرابيسي عن الشافعي في حجة التطوع، وقاله بعض أصحابه فيه وفي كل سفر غير واجب كزيارة وتجارة، وقاله الباجي المالكي في كبيرة غير مشتهاة، وذكر أبو الخطاب رواية المروذي ثم قال: وظاهره جواز خروجها بغير محرم ذكره شيخنا في مسألة العجوز تحضر الجماعة هذا كلامه (٢) . وذكر صاحب المحرر عن نقل أسماء النوى على رأسها للزبير نحو ثلثي فرسخ من المدينة أنه حجة في سفر المرأة السفر القصير بغير محرم، ورعي جارية معاوية بن الحكم في معناه وأولى، فيتوجه على هذا الخلاف، وأما كلام شيخنا ومعناه لغيره فيجوز مثل هذا قولاً.

стр. 683

واحدا لأنه ليس بسفر شرعا ولا عرفا ولا يتأهب له أهبته (١) . قال شيخنا: ويحرم سفره بأخت زوجته ولو معها، قال في ميت عن امرأة شهد قوم بطلاقه ثلاثا مع علمهم عادة بخلوته بها، لا يقبل؛ لأن إقرارهم يقدح فيهم (٢) . ولا يجوز تكليف الأمة بالرعي، لأن السفر مظنة الطمع [وقد لا يوجد من يذب عنها] (٣) . الحج على الوجه المشروع أفضل من الصدقة التي ليست بواجبة، وأما إن كان له أقارب محاويج، أو هناك فقراء تضطرهم الحاجة إلى نفقة فالصدقة عليهم أفضل. أما إذا كان كلاهما تطوعا فالحج أفضل، لأنه عبادة بدنية ومالية، وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك لكن بشرط أن يقيم الواجب في الطريق (٤) ، ويترك المحرمات، ويصلي الصلوات ويصدق الحديث ويؤدي الأمانة، ولا يتعدى على أحد، فمن فعل شيئا من تلك المحرمات فقد يكون إثمه أعظم من أجره، فأي فضيلة في هذا؟ قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [١٩٧/٢] فيه قراءتان ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ بالرفع ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ بالفتح: والقراءة الثانية التسوية بين الكل بالفتح.

стр. 684

فالقراءة الأولى توافق الحديث الذي في الصحيح أنه ﷺ قال: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» جعل الوعد بالمغفرة لمن لم يرفث ولم يفسق. فالمنهي عنه المحرم في الآية: هو «الرفث» ، وهو الجماع ودواعيه قولا وفعلا، و «الفسوق» ، هو المعاصي كلها، هذا الذي نهى عنه المحرم. وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ نهى المحرم عن الجدال مطلقا، بل الجدال بالتي هي أحسن قد يؤمر به المحرم وغيره. والمعنى أنه أمر الحج قد بينه الله وأوضحه فلم يكن فيه جدال. وأما القراءة الأخرى، فقالوا في أحد القولين: نهي المحرم عن الثلاثة: الرفث والجماع وذكره، و «الفسوق» ، وهو السباب والجدال. والتحقيق: أن الفسوق أعم من السباب، والجدال المكروه المحرم هو المراد. والخصومة من الجدال لقوله ﷺ «من ترك المراء وهو محق بني الله له بيتا في أعلى الجنة، ومن تركه وهو مبطل بنى الله له بيتا في ربض الجنة» . وقالوا في القول الآخر: حكم هذه القراءة حكم الأولى في أن المراد نهي المحرم عن الرفث والفسوق وهي المعاصي كلها. وبين الله بعد ذلك أن الحج قد اتضح أمره، فلا جدال بالباطل أي لا تجادلوا فيه بغير حق، فقد ظهر وبان، وهذا القول أصح لموافقته الحديث المتقدم، فإن فيه «من حج فلم يرفث ولم يفسق» فقط. وبكل حال فالحاج مأمور بالبر والتقوى.

стр. 685

و"البر" إطعام الطعام، وإفشاء السلام، كذا روي في الحديث، وهو يتضمن الإحسان إلى الناس بالنفس والمال. وإذا حصل من الحاج المشاجرة والخصومة والسب فكفارته الاستغفار وفعل الحسنات الماحية إلى من جهل عليه وغيره، فيحسن إليه ويستغفر له ويدعو له ويداريه ويلاينه، وإن اغتاب غائبا وهو لم يعلم دعا له ولا يحتاج إلى إعلامه في أصح قولي العلماء (١) . قال شيخنا: قوله ﵇: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» يدخل فيه بإحرام العمرة ولهذا أنكر أحمد على من قال: إن حجة التمتع حجة مكية، نقله الأثرم وهي عند أحمد بعض حجة الكامل بدليل صومها (٢) . وعنه العمرة سنة (وهـ م ق) اختاره شيخنا (٣) . ومن استطاع الحج بالزاد والراحلة وجب عليه الحج بالإجماع، فإن خرج عقيب ذلك بحسب الإمكان ومات في الطريق وقع أجره على الله ومات غير عاص، وإن كان فرط ثم خرج بعد ذلك ومات قبل الحج مات عاصيا، وله أجر ما فعله، ولم يسقط عنه الفرض؛ بل يحج عنه من حيث بلغ (٤) . ويجوز حجه عنها (المرأة) اتفاقا، وفي جواز حجها عنه نزاع (٥) . ومن جرد مع الحاج أو غيره وجمع له من الجند المقطعين ما

стр. 686

يعينه على كلفة الطريق أبيح له أخذه، ولا ينقص أجره، وله أجر الحج والجهاد وليس في هذا اختلاف (١) . وهذا كأخذ بعض الإقطاع ليصرفه في المصالح، وليس في هذا اختلاف ويلزم المعطي بذل ما أمر به (٢) . ومن كان قادرا على الكسب ويأكل من صدقات الناس فهو مذموم على ذلك، وقد قال ﷺ «لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب» . وأما سؤال الناس مع القدرة على الكسب فهو حرام بلا نزاع؛ فمن حج على أن يسأل مع إمكان القعود فهو عاص، فقد جاء بضعة عشر حديثا في النهي عن المسألة (٣) . ومن اغتصب إبلا أو اشتراها بثمن مغصوب أو بعضه وأراد الحج وليس له مال يحج به غيره فإنه يجب عليه أن يعوض أربابها إن أمكن معرفتهم، وإلا تصدق بقيمة الثمن عنهم، فإن عجز عن الصدقة، تصدق وقت قدرته بعد ذلك، وإن عرفهم في قرية ولا يعرف أعيانهم تصدق على فقراء تلك القرية وقد طاب له الحج، والله أعلم (٤) . ومن حج بمال حرام لم يتقبل الله منه حجه، وهل عليه الإعادة؟ على قولين للعلماء (٥) . باب المواقيت وكذلك يكره الخروج من مكة لعمرة تطوع، وذلك بدعة لم يفعله

стр. 687

النبي ﷺ ولا أصحابه على عهده لا في رمضان ولا في غيره، ولم يأمر عائشة بها؛ بل أذن لها بعد المراجعة تطييبا لقلبها، وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقا، ويخرج عند من لم يكرهه على سبيل الجواز (١) . باب الإحرام ويستحب للمحرم الاشتراط إن كان خائفا وإلا فلا جمعا بين الأخبار (٢) . ويقول: «لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» «لبيك إن» بكسر الهمزة عند أحمد. قال شيخنا: هو أفضل عن أصحابنا والجمهور؛ فإنه حكي عن محمد بن الحسن والكسائي والفراء وغيرهم وقاله الحنفية والشافعية، وحكي الفتح عن أبي حنيفة وآخرين: قال ثعلب: من كسر فقد عم. يعني حمد الله على كل حال، قال: ومن فتح فقد خص، أي لأن الحمد لك، أي لهذا السبب (٣) . باب محظورات الإحرام ويقتل النملة إذا عضته، والنحلة إذا آذته، واختار شيخنا: لا يجوز قتل نحل ولو بأخذ كل عسله، قال هو وغيره: إن لم يندفع ضرر نمل إلا بقتله جاز، قال أحمد: يدخن للزنابير إذا خشي أذاهم أحب إلي من تحريقه، والنمل إذا آذاه يقتله (٤) .

стр. 688

ونقل ابن منصور والميموني وابن الحكم فيمن وطئ بعد الرمي ينتقض إحرامه ويعتمر من التنعيم فيكون إحرام مكان إحرام، فهذا المذهب أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد رمي جمرة العقبة، ويلزمه أن يحرم من الحل ليجمع بين الحل والحرم ليطوف في إحرام صحيح، لأنه ركن الحج كالوقوف، وإذا أحرم طاف للزيارة وسعى ما لم يكن سعى وتحلل؛ لأن الإحرام إنما وجب ليأتي بما بقي من الحج، هذا ظاهر كلام الخرقي واختاره الشيخ وغيره، وقال: ويحتمل أن الإمام أحمد والأئمة أرادوا هذا وسموه عمرة؛ لأن هذه أفعالها، ويحتمل أن يريدوا عمرة حقيقية فيلزمه سعي وتقصير، واختيار شيخنا كالشيخ، قال: سواء بعد أو لا، ومعناه كلام غيره، وقاله القاضي في المجرد، وقال: شيخنا أيضا: يعتمر مطلقا وعليه نصوص أحمد وجزم به القاضي في الخلاف وابن عقيل في مفرداته وابن الجوزي في كتاب أسباب الهداية وغيرهم (١) . وإذا تعدى أحد على الركب في الطريق أو في مكة فدفعهم الركب عن أنفسهم كالصائل فيجوز الدفع مع الركب، بل يجب دفع هؤلاء عن الركب. وإذا تعدى على أهل مكة أو غيرهم، فلا يعينهم على ذلك، وإذا وجد مع الركب جائعا أو عطشانا فعليه أن يبذل ما فضل عن حاجته فأما ما يحتاج إليه فلا يجب بذله، ولو وجد ميتا فليس عليه أن يتخلف ليدفنه بحيث يخاف الانقطاع (٢) . وقال شيخنا: إن تعدى أهل مكة أو غيرهم، على الركب دفع

стр. 689

الركب كما يدفع الصائل، وللإنسان أن يدفع مع الركب بل يجب إن احتيج إليه (١) . ولا تعصم الأشهر الحرم للعمومات، ولغزو الطائف، وتردد كلام شيخنا (٢) . باب الفدية والمحرم إن احتاج وقطع شعره لحجامة أو غسل لم يضره، والقمل والبعوض والقراد إن قرصه قتله مجانا، وإلا فلا يقتله، ولا يجوز قتل النحل ولو بأخذ كل عسله، وإن لم يندفع ضرره إلا بقتله جاز (٣) . باب دخول مكة ويسن أن يستقبل الحجر الأسود وفي الطواف (٤) . صح عن عمر ﵁ أنه قال حين أراد تقبيل الحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك» ، وزاد بعضهم، أن أبا بكر ﵁ قال: بل يشفع وينفع، وهذا كذب واضح، وروى الأوزاعي عن علي ﵁ في ذلك أثرا لكن إسناده ضعيف واه (٥) . ثم يجعل البيت عن يساره فيقرب جانبه، الأيسر إليه قال شيخنا: لكون الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى على اليسرى فلما كان الأكرم في

стр. 690

ذلك للخارج كان لليمنى (١) . وعنه: تكره القراءة قال في الترغيب لتغليطه المصلين، وقال شيخنا: ليس له إذا. وقال شيخنا: تستحب القراءة فيه، لا الجهر بها (٢) . ولا يشرع الطواف بغير الكعبة من سائر الأرض باتفاق المسلمين، ومن اتخذ ذلك عرف واستتيب فإن أصر قتل بالاتفاق (٣) . قال شيخنا: يحرم طوافه بغير البيت اتفاقا، واتفقوا على أنه لا يقبله ولا يتمسح به فإنه من الشرك، وقال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر (٤) . ولا يشرع تقبيل المقام ولا مسحه إجماعا فسائر المقامات غيره أولى (٥) . ومن لم يمكنه الطواف إلا عريانا فطوافه عريانا هو من جنس صلاته عريانا إذا لم يجد ما يستره، وهو واجب بالاتفاق، فالطواف مع العري إذا لم يمكنه إلا ذلك أولى وأحرى، وهذا العذر نادر لا يكاد الشخص يعجز عن السترة، لكن لو سلب ثيابه والقافلة خارجون ولا يمكنه أن يتخلف عنهم فالواجب فعل ما قدر عليه من الطواف مع العري، وهو الأظهر (٦) .

стр. 691

والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم دليل أصلا، وما روي «أن النبي ﷺ لما طاف توضأ» ، فهذا لا يدل، فإنه كان يتوضأ لكل صلاة (١) . باب صفة الحج والعمرة ولا يسقط الوقوف بعرفة شيئا من فرائض الإسلام الواجبة لا من حق الله تعالى كالزكاة ولا من حقوق الآدميين كالدماء والأموال، ومكة لا تشفع لأحد (٢) . وعنه يلزم من دفع قبل الإمام دم، وهل لخائف فوتها صلاة خائف؟ واختاره شيخنا (٣) . يوم عرفة يراد به اليوم والليلة التي تليه (٤) . ولا يشرع صعود جبل الرحمة إجماعا (٥) . وإن قصر فمن جميعه نص عليه، قال شيخنا: لا من كل شعرة بعينها. ويقص من شعره إذا حل لا من كل شعرة بعينها، والحلق أو التقصير إما واجب، أو مستحب، ومن حكى عن أحمد أنه مباح فقد غلط (٦) . فأما المتمتع فلا بد أن يسعى قبل ذلك.

стр. 692

وهل عليه سعي ثان؟ فيه روايتان هما قولان للعلماء، وذلك لما روي أن الصحابة ﵃ تمتعوا بالعمرة إلى الحج ولم يسعوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة مع طواف القدوم، وهذا بيان أن عمرة المتمتع بعض حجه، كما أن وضوء المغتسل بعض غسله فيقع السعي، عن جملة النسك، كما قال ﷺ : «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» والله أعلم (١) . عن ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر ثم صلى الظهر بمنى يعني راجعا» . قال ابن القيم: هكذا قال ابن عمر، وقال جابر في حديثه الطويل: «ثم أفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر» ، رواه مسلم، وقالت عائشة ﵂: «أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها» ، الحديث وسيأتي. فاختلف الناس في ذلك، فرجحت طائفة منهم ابن حزم وغيره حديث جابر وأنه صلى الظهر بمكة، قالوا: وقد وافقته عائشة واختصاصها به وقربها منه، واختصاص جابر وحرصه على الاقتداء به أمر لا يرتاب فيه. قالوا: ولأنه ﷺ رمى الجمرة وحلق رأسه وخطب الناس ونحر مائة بدنة هو وعلي وانتظر حتى سلخت وأخذ من كل بدنة بضعة فطبخت وأكلا من لحمها. قال ابن حزم: وكانت حجته في آذار ولا يتسع النهار لفعل هذا جميعه مع الإفاضة إلى البيت والطواف وصلاة الركعتين ثم يرجع إلى منى والوقت باق.

стр. 693

وقالت طائفة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: الذي يرجح أنه إنما صلى بمنى وجوه: أحدها: أنه لو صلى الظهر بمكة لأناب عنه في إمامة الناس بمنى إماما يصلي بهم الظهر بمنى نائب له ولا ينقله أحد. فقد نقل الناس نيابة عبد الرحمن بن عوف لما صلى بهم الفجر في السفر، ونيابة الصديق لما خرج رسول الله ﷺ يصلح بين بني عمرو بن عوف، ونيابته في مرضه، ولا يحتاج إلى ذكر من صلى بهم بمكة، لأن إمامهم الراتب الذي كان مستمرا على الصلاة قبل ذلك وبعده هو الذي كان يصلي بهم. الثاني: أنه لو صلى بهم في مكة لكان أهل مكة مقيمين فكان يتعين عليهم الإتمام، ولم يقل لهم النبي ﷺ : «أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر» كما قاله في غزوة الفتح. الثالث: أنه يمكن اشتباه الظهر المقصورة بركعتي الطواف، ولا سيما والناس يصلونهما معه ويقتدون به فيهما فظنهما الرائي الظهر، وأما صلاته بمنى والناس خلفه فهذه لا يمكن اشتباهها بغيرها أصلا، لا سيما وهو ﷺ كان إمام الحاج الذي لا يصلي لهم سواه، فكيف يدعهم بلا إمام يصلون أفرادا ولا يقيم لهم من يصلي بهم هذا في غاية البعد (١) . وذكر أحمد: أنه يأتي الحطيم وهو تحت الميزاب فيدعو، وذكر شيخنا ثم يشرب من ماء زمزم ويستلم الحجر الأسود (٢) . ويتوجه على اختيار شيخنا بعد يوم النحر يوم القر الذي يليه، لأنه احتج بقوله ﵇: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر» (٣) .

стр. 694

قال أصحابنا: وإن خرج إنسان غير حاج فظاهر كلام أبي العباس لا يودع (١) . وذكر ابن عقيل وابن الزاغوني: لا يودع البيت ظهره حتى يغيب، قال أبو العباس: هذا بدعة منكرة (٢) . وشهر السلاح عند قدوم تبوك بدعة، زاد شيخنا محرمة. وما يذكره الجهال من حصار تبوك كذب لا أصل له، فلم يكن بها حصن ولا مقاتلة، وأن مغازي النبي ﷺ كانت بضعا وعشرين لم يقاتل فيها إلا في تسع، بدر، وأحد، والخندق وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف (٣) . الصلاة في المسجد النبوي والسلام على الرسول والوقوف للدعاء قال ابن عقيل وابن الجوزي: يكره قصد القبور للدعاء، قال شيخنا: ووقوفه عندها له (٤) . قال ابن القيم ﵀: ومن حديثه أيضا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود، قال أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثنا أبو صخر، أن يزيد بن عبد الله بن قسيط أخبره، عن أبي هريرة ﵁، عن الرسول ﷺ قال: «ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد إليه السلام» أبو صخر اسمه حميد بن زياد، ورواه أبو

стр. 695

داود عن محمد بن عوف، عن عبد الله بن يزيد المقري، وقد صحح إسناد هذا الحديث، وسألت شيخنا عن سماع يزيد بن عبد الله من أبي هريرة فقال: ما كان أدركه، وهو ضعيف ففي سماعه منه نظر (١) . ومكة أفضل بقاع الله، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وأنص الروايتين عن أحمد، قال أبو العباس: ولا أعلم أحدا فضل تربة النبي ﷺ على الكعبة إلا القاضي عياض، ولم يسبقه إليه أحد، ولا وافقه عليه أحد. والصلاة وغيرها من القرب بمكة أفضل، والمجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان، وتضاعف السيئة والحسنة بمكان أو زمان فاضل، ذكره القاضي وابن الجوزي انتهى (٢) . والمعاصي في الأيام المفضلة والأمكنة المفضلة تغلظ المعصية والعقاب عليها على قدر ذلك المكان والزمان (٣) . باب الفوات والإحصار والمحصر بمرض أو ذهاب نفقة كالمحصر بعدو، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والمحصر يلزمه دم في إحدى الروايتين (٤) . وإذا منع في حج عن عرفة تحلل بعمرة مجانا، وعنه كمن منع البيت، وعنه كحصر مرض. وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرمًا حتى يقدر على البيت

стр. 696

فإن فاته الحج تحلل بعمرة نقله الجماعة، ولا ينحر هديًا معه إلا بالحرم، نص على التفرقة، وفي لزوم القضاء والهدي الخلاف وأوجب الآجري القضاء هنا. وعنه يتحلل كمحصر بعدو، واختاره شيخنا، وأن مثله حائض تعذر مقامها وحرم طوافها ورجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة، وكذا من ضل الطريق ذكره في المستوعب، وفي التعليق: لا يتحلل، واحتج شيخنا لاختياره بأن الله لم يوجب على المحصر أن يبقى محرما حولا بغير اختياره، بخلاف بعيد أحرم من بلده ولا يصل إلا في عام، بدليل تحلل النبي ﷺ وأصحابه لما حصروا عن إتمام العمرة مع إمكان رجوعهم محرمين إلى العام القابل (١) . باب الأضحية عن ابن عباس ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ فحضر النحر فاشتركنا في البعير عن عشرة، وفي البقرة عن سبعة، والذي في الصحيح، أنهم عام الحديبية نحروا البدنة عن سبعة، وهي البعير، وهو مذهب الجمهور، وقال مالك: لا يجزي نفس إلا عن نفس. وأما ذبح البعير عن عشرة فلم يقل به أحد من الأئمة الأربعة. وحديث النسائي قيل: إنه في قسم الغنائم، فقسم بينهم فجعل الجزور بعشرة من الغنم، لا في النسك، لأن ابن عباس ﵄ لم يكن مع النبي ﷺ في سفر غير النحر إلا في حجة الوداع خاصة، فإنه كان مقيما مع أبيه إلى عام الفتح، فلم يشهد معه عيدًا قبل ذلك لا

стр. 697

في حضر ولا في سفر، وبعد الفتح إنما عيد النبي ﷺ ثلاثة أعياد: عام ثمان، وسبع، وعشر، ولم يسافر سفر حج إلا في حجة الوداع، وسفرتان للغزو وهما: غزوة خيبر وغزوة تبوك، وابن عباس كان صبيًا قبل الاحتلام لم يكن يشهد معه المغازي، لكن شهد معه حجة الوداع، وفي حجة الوداع لم يذبحوا البدنة عن عشرة ولا نقل ذلك أحد (١) . فصل ومن ضحى بشاة ثمنها أكثر من ثمن البقرة كان أفضل من البقرة، فإنه ﷺ سئل أي الصدقات أفضل؟ فقال: (أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها) . والذي دلت عليه السنة أن الضحية وإن كانت واجبة يضحي الرجل بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فقد ضحى النبي ﷺ وقال: (اللهم هذا عن محمدٍ وآل محمد) وقال: (الرجل يضحي بالشاة الواحدة عن أهل بيته) (٢) . وتعدد أفضل، ومسألة ابن منصور بدنتان سمينتان بتسعة، وبدنة بعشرة فقال: اثنتان أعجب إلي، ورجح الشيخ تقي الدين البدنة السمينة (٣) . والأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي امرأة من مال زوجها عن أهل البيت بدون إذنه ومدين لم يطلبه رب الدين. وتجوز الأضحية بما كان أصغر من الجذع من الضأن لمن ذبح قبل صلاة العيد جاهلا بالحكم ولم يكن عنده ما يعتد به في الأضحية غيرها

стр. 698

لقصة أبي بردة بن نيار، ويحمل قوله ﷺ : (ولن تجزئ عن أحد بعدك) أي بعد حالك. والأجر في الأضحية على قدر القيمة مطلقا (١) . وتجزئ الهتماء التي سقط بعض أسنانها في أصح الوجهين. ولا يستحب أخذ شعره بعد ذبح الأضحية، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والتضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها. وآخر وقت ذبح الأضحية آخر أيام التشريق، وهو مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد، ولم ينسخ تحريم الادخار عام مجاعة؛ لأنه سبب التحريم قاله طائفة من العلماء. ومن عدم ما يضحي به ويعق اقترض وضحى وعق مع عدم القدرة على الوفاء (٢) . وينهى عن التضحية في الكنيسة التي فيها صور، كما ينهى عن ذبحها عند الأصنام، ومن قال: إن نسك المسلمين يذبح عند الأصنام كما يذبح المشركون القرابين لآلهتهم فهو مخالف لإجماع المسلمين، بل يستتاب قائل هذا فإن تاب وإلا قتل، وفي الصحيح: أنه ﷺ نهى عن العقر عند القبر، ولم يشرع الصدقة عنده، ومن اعتقد أن الذبح عند القبر أفضل أو الصلاة أو الصدقة فهو ضال مخالف لإجماع المسلمين (٣) .

стр. 699

العقيقة والعقيقة سنة، وتنازعوا في وجوبها على قولين في مذهب أحمد وغيره، وإن كان بعض أهل العراق لم يعرفها، وهي أفضل من الصدقة. ويعق الكبير عن نفسه إذا لم يعق عنه أبوه، جوزه طائفة، وروى عبد الحق في أحكامه، أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة، وهذا فيه نظر ونزاع (١) . ولا يعتبر التمليك في العقيقة. يكره أن يكنى بأبي يحيى وأبي عيسى ذكره في المستوعب والرعاية وذكره القاضي وابن عقيل ولم يذكر له دليلا، وقال أحمد في رواية ابن منصور: عمن كره أن يكنى بأبي عيسى. قال الشيخ تقي الدين: فإنما كره أبا عيسى دون أبي يحيى، والفرق ظاهر، انتهى كلامه (٢) .

стр. 700

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضله ووجوبه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطب بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات. ومن الناس من يكون ذلك لهواه، لا لله. وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه: مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق، ويجلد الشارب، ويقيم الحدود؛ لأنه لو فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد؛ لأن كل واحد يضرب غيره ويدعي أنه استحق ذلك؛ فهذا مما ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر المطاع كالسلطان ونوابه. وكذلك دقيق العلم الذي لا يفهمه إلا خواص الناس. وجماع الأمر في ذلك بحسب قدرته. وإنما الخلاف فيما إذا غلب على ظن الرجل أن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يطاع فيه هل يجب عليه حينئذ؟ على قولين: أصحهما أنه يجب وإن لم يقبل منه إذا لم يكن مفسدة الأمر راجحة على مفسدة الترك، كما بقي نوح ﵇ ألف سنة إلا خمسين عاما ينذر

стр. 701

قومه، ولما قالت الأمة من أهل القرية الحاضرة البحر لواعظي الذين يعدون في السبت ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [١٦٤/٧] أي نقيم عذرنا عند ربنا، وليس هداهم علينا، بل الهداية إلى الله. ومن لم يحب ما أحبه الله وهو المعروف ويبغض ما أبغضه الله تعالى وهو المنكر لم يكن مؤمنا، فلهذا لم يكن وراء إنكار المنكر بالقلب حبة خردل من إيمان، ولا يمكن أن يحب جميع المنكرات بالقلب إلا إن كان كافرا، وهو الذي مات قلبه، كما سئل بعض السلف عن ميت الأحياء في قولهم: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء فقال: هو الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، لكن من الناس من ينكر بعض الأمور دون بعض، فيكون في قلبه إيمان ونفاق، كما ذكر ذلك من ذكره من السلف حيث قالوا: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف فهو، قلب الكافر، وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق، وقلب فيه مادتان، مادة تمده بالإيمان، ومادة تمده بالنفاق، فذلك خلط عملا صالحا وآخر سيئا. وفي الجملة فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإذا غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعين عليه ووجب عليه ما يقدر عليه من ذلك؛ فإن تركه كان عاصيا لله ولرسوله، وقد يكون فاسقا وقد يكون كافرا. وينبغي لمن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر أن يكون فقيها قبل الأمر، رفيقا عند الأمر، ليسلك أقرب الطرق في تحصيله حليما بعد الأمر، لأن الغالب أن لا بد أن يصيبه أذى كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ

стр. 702

بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١) [١٧/٣١] . قال الشيخ تقي الدين ﵀: [في قوله وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل] إنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، ليس مراده أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل ولهذا قال: (وليس وراء ذلك) فجعل المؤمنين ثلاث طبقات فكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه. قال: وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم (٢) . مسائل الخلاف هل فيها إنكار؟ وقال في إبطال التحليل، قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم، أو العمل، أما الأول فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا، وجب إنكاره وفاقا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد، وهم عامة السلف والفقهاء. وأما العمل فإن كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار، كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض

стр. 703

العلماء. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس. والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيه دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا، مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها مثل كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل، وأن الجماع المجرد عن الإنزال يوجب الغسل، وأن ربا الفضل والمتعة حرام، وذكر مسائل كثيرة (١) . آداب المحتسب: قال الشيخ تقي الدين: الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل لزم أحد أمرين: إما تعطيل الأمر والنهي، وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم من مفسدة ترك الأمر والنهي أو مثلها أو قريب منها، وكلاهما معصية وفساد قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [١٧/٣١] فمن أمر ولم يصبر، أو صبر ولم يأمر، أو لم يأمر ولم يصبر حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة وإنما الصلاح في أن يأمر ويصبر، وفي الصحيحين عن عبادة قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا وعلى أثره علينا وأن

стр. 704

لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، ونهى رسول الله ﷺ عن القتال في الفتنة. فأهل البدع من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم يرون قتالهم والخروج عليهم إذا فعلوا ما هو ظلم أو ما ظنوه هم ظلمة ويرون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بعض المرجئة وأهل الفجور يرون أن إنكار المنكر من الفتن: وآخرون من المرجئة وأهل الفجور قد يرون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظنا أن ذلك من باب ترك الفتنة، وهؤلاء يقابلون لأولئك ولهذا ذكر الأستاذ أبو منصور الماتريدي المصنف في الكلام وأصول الدين من الحنفية الذين وراء النهر ما قابل به المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذكر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقط في هذا الزمان. وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابا مفردًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما صنف الخلال والدارقطني ذلك، انتهى (١) . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم (٢) . من المنكرات: وقال أيضا في مكان آخر: إن من أصر على ترك الجماعة ينكر

стр. 705

عليه، ويقاتل أيضًا في أحد الوجهين عند من استحبها، وأما من أوجبها فإنه عنده يقاتل ويفسق إذا قام عنده الدليل المبيح للمقاتلة والتفسيق كالبغاة بعد زوال الشبهة (١) . وقال الشيخ تقي الدين: ومن كان قادرا على إراقة الخمر وجب عليه إراقتها ولا ضمان عليه، وأهل الذمة إذا أظهر الخمر فإنهم يعاقبون عليه أيضا بإراقتها وشق ظروفها وكسر دنانها، وإن كنا لا نتعرض لهم إذا أسروا ذلك بينهم (٢) . كفارة الغيبة: قال ابن القيم ﵀ في كفارة الغيبة بعد ذكر الحديث: وهذه المسألة فيها قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد، وهما: هل يكفي في التوبة من الغيبة الاستغفار للمغتاب، أم لا بد من إعلامه وتحليله؟ والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه بل يكفيه الاستغفار له وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره (٣) . وذكر غير واحد: إن تاب من قذف إنسان أو غيبته قبل علمه به هل يشترط لتوبته إعلامه والتحليل منه؟ على روايتين. وقال الشيخ تقي الدين بعد أن ذكر الروايتين في المسألة المذكورة قال: فكل مظلمة في العرض من اغتياب صادق وبهت كاذب فهو في معنى القذف إذا القذف قد يكون صدقًا فيكون في المغيب غيبة، وقد يكون كذبا فيكون بهتا، واختيار أصحابنا أنه لا يعلمه بل يدعو له دعاء
следующие страницы →