← Джавами‘

Джавами‘ · id 10284

المستدرك على مجموع الفتاوى

ابن تيمية

Полный текст (1 208 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وإن قال: أنت حر عقب موته أو إذا مات أبوك فأنت حر فهذا يتخرج على وجهين؛ بناء على أن الأهلية إذا حدثت مع الحكم هل يكفي ذلك، أم لا بد من تقدمها (١) ؟ وعنه: أنها عصبة ولد الزنا والمنفي بلعان: اختاره أبو بكر والشيخ تقي الدين وصاحب الفائق (٢) . والآمر بقتل مورثه لا يرثه ولو انتفى الضمان (٣) . وفي رد شيخنا على الرافضي: أن آية المواريث لم تشمله ﷺ ، واحتج بالسياق قبلها وبعدها. فقيل له: فلو مات أحد من أولاد النبي ﷺ ورثه كما ماتت بناته الثلاث في حياته ومات ابنه إبراهيم؟ فقال: الخطاب في الآية للموروث دون الوارث فلا يلزم إذا دخل أولاده في كاف الخطاب لكونهم مورثين أن يدخلوا إذا كانوا وارثين. فقيل له: ففي آية الزوجين قال: ﴿وَلَكُمْ﴾ ﴿وَلَهُنَّ﴾ فقال: لم تمت إلا خديجة بمكة قبل نزولها وزينب الهلالية بالمدينة، ومن أين يعلم أنها كانت نزلت وأنها خلفت مالاً. ثم لا يلزم من شمول أحد الكافين له شمول الأخرى (٤) .

стр. 877

الجد والإخوة والجد يسقط الإخوة من الأم إجماعًا، وكذا من الأبوين أو الأب، وهي رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه، وهو مذهب الصديق وغيره من الصحابة ﵃ (١) . أحوال الأم والإخوة لا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس إلا إذا كانوا وارثين غير محجوبين بالأب، فللأم في مثل أبوين وأخوين الثلث (٢) . الجدات ولا يرث غير ثلاث جدات: أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، وإن علون أمومة وأبوة. إلا المدلية بغير وارث كأم أبي الأم (٣) . التعصيب ويرث مولى من أسفل عند عدم الورثة، وقاله بعض العلماء: فيتوجه من ذلك أنه ينفق على المنعم ومنقطع السبب عصبة عصبة أمه، وإن عدمته فعصبتها، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار أبي بكر، وقول ابن مسعود وغيره (٤) . باب الرد ولو خلفت المرأة زوجًا وبنتًا وأمًا. فهذه الفريضة تقسم على أحد

стр. 878

عشر للبنت ستة أسهم، وللزوج ثلاثة أسهم، وللأم سهمان. وهذا على قول من يقول بالرد كأبي حنيفة وأحمد. وعلى قول من لا يقول بالرد كمالك والشافعي فيقسم عندهم على اثني عشر سهمًا: للبنت ستة أسهم، وللزوج ثلاثة، وللأم سهمان والباقي لبيت المال (١) . ميراث ذوي الأرحام يورث ذوي الأرحام جمهور السلف وأحمد في المشهور عنه وأبو حنيفة وطوائف من أصحاب الشافعي. وقول مالك إذا فسد بيت المال. والقول الثاني: يرث بيت المال، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد في رواية (٢) . الغرقى ومن عمي موتهم وخرج أبو بكر ومن بعده منع توارث بعضهم من بعض. وهذا التخريج من المصنف عن الإمام أحمد ﵀ فيما إذا اختلف ورثة كل ميت في السابق منهما ولا بينة، واختاره المصنف والمجد وحفيده الشيخ تقي الدين (٣) . ميراث أهل الملل قال ابن القيم ﵀: (فصل) وأما توريث المسلم من الكافر فاختلف فيه السلف، فذهب كثير منهم إلى أنه لا يرث، كما لا يرث الكافر المسلم، وهذا هو المعروف عن الأئمة الأربعة وأتباعهم. وقالت

стр. 879

طائفة منهم: بل يرث المسلم الكافر دون العكس. وهذا قول معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، وعبد الله بن مغفل، ويحيى بن يعمر، وإسحاق بن راهويه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قالوا: نرثهم ولا يرثوننا، كما ننكح نساءهم ولا ينكحون نسائنا. قال شيخنا: وقد ثبت بالسنة المتواترة أن النبي ﷺ كان يجري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى المسلمين فيرثون ويورثون (١) . وأما أهل الذمة فمن قال بقول معاذ ومعاوية ومن وافقهما يقول: قول النبي ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر» المراد به الحربي؛ لا المنافق ولا المرتد ولا الذمي، إلى أن قال: قال شيخنا: ومما يؤيد القول بأن المسلم يرث الذمي ولا يرثه الذمي أن الاعتبار في الإرث بالمناصرة، والمانع هو المحاربة. إلى أن قال: فلما دخل مكة في حجة الوداع قيل له: ألا تنزل في دارك؟ فقال: «وهل ترك عقيل لنا من دار» . قال الشيخ: وهذا الحديث قد استدل به طوائف على مسائل فالشافعي احتج به على جواز بيع رباع مكة، وليس في الحديث أنه باعها. إلى أن قال ابن القيم: وهذه المسائل الثلاث من محاسن الشريعة: وهي توريث من أسلم على ميراث قبل قسمته، وتوريث المعتق عبده بالولاء، وتوريث المسلم قريبه الذمي، وهي مسألة نزاع بين الصحابة

стр. 880

والتابعين. وأما المسألتان الأخيرتان فلم يعلم عن الصحابة فيهما نزاع؛ بل المنقول عنهم التوريث. قال شيخنا: والتوريث في هذه المسائل على وفق أصول الشرع؛ فإن المسلمين لهم إنعام وحق على أهل الذمة: بحقن دمائهم، والقتال عنهم، وحفظ دمائهم، وأموالهم، وفداء أسراهم (١) . وقال الشيخ تقي الدين: يرث المسلم من قريبه الكافر الذمي؛ لئلا يمتنع قريبه من الإسلام، ولوجوب نصرتهم ولا ينصروننا (٢) . وعند شيخنا يرث (المنافق) ويورث؛ لأنه ﵇ لم يأخذ من تركة منافق شيئًا ولا جعله فيئًا، فعلم أن الميراث مداره على النظرة الظاهرة. قال: واسم الإسلام يجري عليهم في الظاهر (ع) وعند شيخنا وغيره قد يسمى من فعل بعض المعاصي منافقًا (٣) . والمرتد إذ قتل في ردته أو مات عليها فماله لوارثه المسلم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو المعروف عن الصحابة، ولأن ردته كمرض موته. والزنديق منافق يرث ويورث، لأنه ﵇ لم يأخذ من تركة منافق شيئًا ... (٤) . ميراث المطلقة ومن طلق امرأته في مرض موته بقصد حرمانها من الميراث ورثته إذا كان الطلاق رجعيًا إجماعًا. وكذا إن كان بائنًا عند جمهور أئمة

стр. 881

الإسلام، وقضى به عمر ﵁ ولم يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا، وإنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير. وعلى قول الجمهور فهل تعتد عدة طلاق أو وفاة أو أطولهما؟ فيها أقوال: أظهرها الثالث. وهل يكمل لها المهر، فيه قولان أظهرهما أنه يكمل (١) . ولو تزوج في مرض موته مضارة لتنقيص إرث غيرها وأقر به ورثته، لأن له أن يوصي بالثلث (٢) . ولو وصى بوصايا أخر أو تزوجت المرأة بزوج ليأخذ النصف فهذا الموضع فيه نظر؛ فإن المفسدة هي في هذا (٣) . الإقرار بمشارك في الميراث ولو أخبر واحد من الورثة بالفراش أو النسب والباقون لم يصدقوه ولم يكذبوه ثبت النسب، وهذا ظاهر قول الإمام أحمد، وظاهر الحديث؛ فإن الإمام أحمد قال: إذا أقر وحده ولم يكن أحد يدفع قوله. وعلى هذا، فلو رد هذا النسب من له فيه حق قبل منه وارثًا كان أو غير وارث على ظاهر كلامه (٤) . ميراث القاتل والمبعض والآمر بقتل مورثه لا يرثه ولو انتفى عنه الضمان (٥) .

стр. 882

ظاهر كلام المصنف أن إرث المعتق له خاصة وهو صحيح، وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب قاله الشيخ تقي الدين (١) . باب العتق لو قال: أنت حر بمائة أو بعتك نفسك بمائة. فقبل: عتق ولزمته المائة وإلا فلا. وإن لم يقبل لم يعتق عند الأصحاب وقطعوا به. وخرج الشيخ تقي الدين وجهًا أنه يعتق بغير شيء، كما لو قال لها: أنت طالق بألف (٢) . ولو وصى بعبده ثم دبره، ففيه وجهان: أشهرهما أنه رجوع عن الوصية. والثاني: ليس برجوع. فعلى هذا فائدة الوصية به أنه لو أبطل تدبيره بالقول لا يستحقه الموصى له. ذكره في «المغني» . وقال الشيخ تقي الدين ﵀: ينبني على أن التدبير هل هو عتق بصفة أو وصية. فإن قلنا هو عتق بصفة قدم على الموصى به وإن قلنا: هو وصية فقد ازدحمت وصيتان في هذا العبد فينبني على الوصايا المزدحمة إذا كان بعضها عتق هل تقدم أم يتحاص العتق وغيره على روايتين: فإن قلنا بالمحاصة فهو كما لو دبر نصفه ووصى بنصفه، ويصح ذلك على المنصوص. اهـ (٣) « ... فأمرها أن تبدأ بالرجل قبل المرأة» ، قال شيخنا: وتزويجه بها، وعتقه من انعقد سبب حريتها أفضل، ويتوجه في الثانية عكسه (٤) .

стр. 883

وإذا أعتقت جاريتها ونيتها أن تعتقها إذا كانت مستقيمة فبانت زانية جاز لها بيعها، وإن أعتقتها مطلقًا لزمها (١) . قال شيخنا فيمن عتق برحم: لا يملك بائعه استرجاعه لفلس مشتر (٢) . وإذا أعتق أحد الشريكين نصيبه وهو موسر عتق نصيبه، ويعتق نصيب شريكه بدفع القيمة، وهو قول طائفة من العلماء. وإن كان معسرًا عتق كله واستسعى العبد في باقي قيمته، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه. والمالك إذا استكره عبده على الفاحشة عتق عليه، وهو أحد القولين في المذهب. وقال بعض السلف: يبنى على القول بالعتق بالمثلة (٣) . وإذا استكره أمة امرأته على الفاحشة عتقت وغرم مثلها لسيدتها، وقاله الإمام أحمد في رواية إسحاق؛ بخبر سلمة بن المحبق. وكذا أمة غير امرأته، وإلا أن يفرق بين أمة امرأته وغيرها بفرق شرعي، وإلا فموجب القياس التسوية. وإن لم يكرهها لم تعتق وضمنها لسيدتها. ومن مثل بعبد غيره يتوجه أن يعتق عليه، ويضمن قيمته لسيده، كما دل عليه حديث المستكره لأمة امرأته؛ فإنه يدل على أن الاستكراه تمثيل، وأن التمثيل يوجب العتق ولو بعبد الغير. ويدل أيضًا على أن من تصرف بملك الغير على وجه يمنعه من الانتفاع به فإن له المطالبة بقيمته. قال أبو العباس: ما أعرف للحديث وجهًا إلا هذا (٤) .

стр. 884

قال شيخنا في مسلم بجيش ببلاد التتار أبى بيع عبده وعتقه ويأمره بترك المأمور وفعل المنهي فهروبه منه إلى بلاد الإسلام واجب؛ فإنه لا حرمة لهذا ولو كان في طاعة المسلمين، والعبد إذا هاجر من أرض الحرب فهو حر. وقال: ولو لم تلائم أخلاق العبد أخلاق سيده لزمه إخراجه من ملكه، لقوله ﷺ : «فما لا يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله» (١) . وأطلق الخرقي وكثير من الأصحاب أن الولاء للمعتق. قال أبو العباس: بناء على أنه يشترط دخول الكفارة ونحوها في ملك من ذلك عليه (٢) . والعبد الذي يعتق من مال الفيء والمصالح يحتمل أن يقال: لا ولاء عليه لأحد، بمنزلة عبد الكافر إذا أسلم وهاجر. ويحتمل أن يقال: الولاء عليه للمسلمين. وعلى هذا فإذا اشترى السلطان رقيقًا ونقد ثمنه من بيت المال ثم أعتقه كان الملك فيه ثابتًا للمسلمين، ولا يكون لأحد عليه ولاية، مع عدم نسب لهم في بيت المال؛ لأن ولاءه إما لبيت المال استحقاقًا أو لكونه لا وارث له فيوضع ماله في بيت المال، وليس ميراثه لورثة السلطان؛ لأنه اشتراه بحكم الوكالة، لا بحكم المالك. ولو احتمل أن يكون اشتراه لنفسه وأن يكون اشتراه للمسلمين حمل تصرفه على الجائز وهو شراؤه للمسلمين دون الحرام وهو شراؤه لنفسه من بيت المال وهو ممتنع. ولو عرف أنه اشتراه لنفسه من بيت مال المسلمين حكم بأن الملك للمسلمين، لا له؛ لأن له ولاية الشراء للمسلمين من بيت مالهم

стр. 885

فإذا اشترى بمالهم شيئًا كان لهم دونه، ونية الشراء لنفسه بمالهم محرمة فتلغى ويصير كأن العقد عري عنها (١) . المكاتب والأشبه بالمذهب صحة الخيار والكتابة. ولو قيل بصحة شرط الخيار في الكتابة لم يبعد. وأما شرط الخيار في التعليقات فلا. ويجوز شرط وطء المكاتبة، ونص عليه الإمام أحمد. ويتوجه على هذا جواز وطئها بلا شرط بإذنها. وعلى قياس هذا يجوز أن يشترط الراهن وطء المرتهنة (٢) . وذكر القاضي أن العبد المكاتب له الخيار على التأبيد، بخلاف سيده. قال الشيخ تقي الدين ﵀: وفي هذا نظر (٣) . وقال في الفائق: ولو أدى ثلاثة أرباعه وعجز عن ربعه لم يعتق في أحد الوجهين، واختاره الشيخ تقي الدين (٤) . أم الولد ولا تعتق أم الولد إلا بموت سيدها. ويجوز لسيدها بيعها، وهو رواية عن الإمام أحمد. وهل للخلاف في جواز بيعها شبهة؟ فيه نزاع، والأقوى أن له شبهة. وينبني عليه ما لو وطئ الجارية معتقدًا تحريمه: هل يلحقه النسب، أو يرجم رجم المحصن؟ أما التعزير فواجب (٥) .

стр. 886

نص الإمام أحمد فيمن اشترى جارية حاملاً من غيره فوطئها أن الولد لا يلحق بالواطئ ولكن يعتق عليه؛ لأن الماء يزيد في الولد، ونقل صالح وغيره يلزمه عتقه، قال الشيخ تقي الدين: يستحب ذلك، وفي وجوبه خلاف في مذهب أحمد وغيره. وقال أيضًا: يعتق ويحكم بإسلامه، وأنه يسري كالعتق، ولا يثبت نسبه. قلت: قال في «الفنون» : يجوز بيعها؛ لأنه قول علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة وإجماع التابعين لا يرفعه، واختاره الشيخ تقي الدين ﵀. قال في الفائق: وهو الأظهر (١) . وإذا اشترى أم ولد ثم وطئها فهل هذا البيع شبهة في الوطء؟ فيه نزاع والأقوى أنه شبهة فيلحقه الولد، وترد إلى سيدها، لأن عند الأئمة الأربعة لا يجوز بيعها، وقال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: الرجل يؤم القوم وهم له كارهون، ورجل لا يأتي الصلاة إلا دبارًا، ورجل استعبد محررًا» فالرجل الأول يؤم القوم وهم يكرهونه لفسقه أو بدعته فليس له أن يؤمهم، ولو كان بين الإمام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب لم يسغ له أن يؤمهم، لأن في ذلك منافاة لمقصود الصلاة جماعة. وأما الرجل الذي يأتي الصلاة دبارًا: فهو الذي يفوته الوقت. والذي استعبد محررًا: هو الذي يستعبد الحر مثل أن يعتق عبدًا ويجحده، أو يقهره على العبودية فلا تقبل صلاة هؤلاء؛ لأنهم أتوا بذنب يقاوم فعل الصلاة فصار عقاب هذا يقاوم ثواب هذا؛ لأن الأول أدخل عليهم في الصلاة ما يقاوم صلاته. والثاني أخرج الصلاة عن وقتها فعليه إثم التأخير فدخل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [٥/١٠٧] .

стр. 887

والثالث: يمنع عبد لله أن يجعل نفسه عبد الله، وجعله عبدًا لنفسه، فأي ذنب مثل هذا؟ فلا يقبل لهم صلاة؛ إذ الصلاة المقبولة هي التي يقبلها الله من عبده ويثيب عليها. ومن وطئ جارية امرأته وتعلق بالحديث الذي فيه عن الحسن، عن عوف، عن أبي الحسن، عن النبي ﷺ : في رجل وقع على جارية امرأته؟ فقال: «إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي جاريته وعليه مثلها» فهذا الحديث في «السنن» ، وليس من الأحاديث الواهية. وبعض الناس ضعفه لأن رواته غير مشهورين بالحديث، ولأنه يخالف الأصول من جهة عتق الموطوءة وجعلها للواطئ. وبعضهم رآه حديثًا حسنًا وحكي ذلك عن أحمد وإسحاق، وقالوا: إنه موافق للأصول؛ لأنه يجري مجرى إفسادها على سيدها؛ فإنها إذا طاوعته فقد عطل عليها بذلك نفعها واستخدامها، وإذا أتلف مال غيره ومنع مالكه من التصرف فيه عادة مثل أن يجوع مركوب الحاكم ونحوه مما لا يكون مركوبه عادة، فإنه في مذهب مالك ومن تبعه يصير له وعليه القيمة لمالكه، فوطء الأمة من هذا الباب. وإذا استكرهها فهو مثل التمثيل بها، ومن مثل بعبده عتق عليه عند مالك وأحمد. وكذا من جعل استكراه المملوك على التلوط به من هذا الباب؛ فإذا وطئها فقد أتلفها ولزمته القيمة وتصير له، ولأجل أن في استكراهها شبهة تمثيله بها عتقت عليه. وقوله: «وعليه مثلها» في الموضعين فهو مبني على أن الحيوان هل يضمن بالمثل، أو بالقيمة؟ على قولين للفقهاء الشافعية والحنبلية. فهذا الحديث جار على هذه الأصول. ولا يملك السيد نقل الملك في أم الولد لا في حياته ولا بعد

стр. 888

موته، ولا يجوز وقفها ولا هبتها ولا غيره. ولا نزاع أنه يجوز له استخدامها ووطئها. وفي جواز إجارتها وتزويجها نزاع: يجوز عند أحمد وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. والآخر لا يجوز التزويج. وله قول ثالث: يجوز برضاها، ومالك لا يجوز إجارتها ولا تزويجها. وإذا سأل فقال: إذا وقفها فهل تكون الدية إذا قتلت وقفًا؟ فيه مغالطة للمفتي لأنه كان ينبغي أن يقال: فهل يصح وقفها، أم لا؟ وعلى التقديرين: ما يكون حكمها؟ فينبغي أن يعزر هذا المستفتي تعزيرًا يردعه فقد نهى رسول الله ﷺ عن أغلوطات المسائل. والله أعلم (١) .

стр. 889

كتاب النكاح قال الشيخ تقي الدين: معناه في اللغة الجمع والضم على أكمل الوجوه، فإن كان اجتماعًا بالأبدان فهو الإيلاج الذي ليس بعده غاية في اجتماع البدنين. وإن كان اجتماعًا بالعقود فهو الجمع بينهما على الدوام واللزوم؛ ولهذا يقال: استنكحه المذي إذا لازمه وداومه. اهـ (١) . هل المعقود عليه الملك، أو الاستباحة، وهل هو ملك منفعة البضع، أو ملك الانتفاع بها؟ وقيل: بل هو الحل لا الملك؛ ولهذا يقع الاستمتاع من جهة الزوجة مع أنه لا ملك لها. وقيل: المعقود عليه الازدواج كالمشاركة؛ ولهذا فرق سبحانه بين الازدواج وملك اليمين، وإليه ميل الشيخ تقي الدين؛ فيكون من باب المشاركات لا المعاوضات (٢) . والنكاح في الآيات حقيقة في العقد والوطء، وفي النهي لكل منهما (٣) . وقال شيخنا: في الإثبات لهما، وفي النهي لكل منهما، بناء على أنه إذا نهي عن شيء نهي عن بعضه، والأمر به أمر بكله في الكتاب والسنة والكلام (٤) .

стр. 890

فإذا قيل مثلاً: انكح ابنة عمك كان المراد العقد والوطء، وإذا قيل: لا تنكحها تناول كل واحد منهما (١) . والإعراض عن الأهل والأولاد ليس مما يحبه الله ورسوله، ولا هو دين الأنبياء قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [٣٨/١٣] (٢) . قال أحمد في رواية أبي داود: إذا خاف العنت أمرته أن يتزوج، وإذا أمره والده أمرته أن يتزوج. وقال في رواية جعفر: والذي يحلف بالطلاق أنه لا يتزوج أبدًا؟ قال: إن أمره أبوه تزوج. قال الشيخ تقي الدين: كأنه أراد الطلاق المضاف إلى النكاح. أو أنه كان مزوجًا فحلف ألا يتزوج أبدًا سوى امرأته. وقال في رواية المروذي: إن كان الرجل يخاف على نفسه ووالداه يمنعانه من التزوج فليس لهم ذلك (٣) . وإن احتاج الإنسان إلى النكاح وخشي العنت بتركه قدمه على الحج الواجب، وإن لم يخف قدم الحج، ونص الإمام أحمد عليه في رواية صالح وغيره، واختاره أبو بكر. وإن كانت العبادات فرض كفاية كالعلم والجهاد قدمت على النكاح إن لم يخش العنت (٤) . وإذا طلب العبد النكاح أجبر السيد في مذهب أحمد والشافعي في أحد قوليه على تزويجه؛ لأنه كالإنفاق عليه. وتزويج الأمة إذا طلبت النكاح من كفء واجب باتفاق العلماء، وصح قوله ﵊: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج» واستطاعة النكاح هي القدرة على المؤونة ليس القدرة على الوطء؛ فإن الحديث

стр. 891

إنما هو خطاب للقادر على فعل الوطء، ولهذا أمر من لم يستطع الباءة بالصوم فإنه له وجاء (١) . القسم الثاني من لا شهوة له ... وحكي عنه: يجب. قال الشيخ تقي الدين: كلام صاحب المحرر يدل على أن رواية وجوب النكاح منفية في حق من لا شهوة له (٢) . قال الشيخ تقي الدين: وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز (٣) . ولا يجوز للمرأة أن تظهر على أجنبي ولا رقيق غير ملكها، ولو كان خصيًا -وهو الخادم- فليس له النظر إليها؛ لأنه يفعل مقدمات الجماع، ويذكر بالرجال وله شهوة وإن كان لا يحبل. وأما مملوكها ففيه قولان: أحدهما: أنها معه كالأجنبي وهو قول أبي حنيفة والمشهور عن أحمد. والثاني: أنه محرم وهو قول الشافعي وقول لأحمد (٤) . قال الشيخ تقي الدين ﵀: ظاهر كلام الإمام أحمد والقاضي كراهة نظرها إلى وجهه ويديه وقدميه، واختار الكراهة (٥) . ويحرم النظر بشهوة إلى النساء والمردان، ومن استحله كفر إجماعًا. ويحرم النظر مع خوف ثوران الشهوة وهو منصوص عن الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله. ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه وقال: لا أنظر بشهوة كذب في دعواه، وقاله ابن عقيل.

стр. 892

وكل قسم متى كان معه شهوة كان حرامًا بلا ريب سواء كانت شهوة تمتع بنظر أو نظر لشهوة الوطء. واللمس كالنظر وأولى (١) . فتصافح المرأة المرأة، والرجل الرجل، والعجوز والبرزة، غير الشابة فإنه تحرم مصافحتها للرجل ذكره في الفصول والرعاية. وقال ابن منصور لأبي عبد الله: تكره مصافحة النساء؟ قال: أكرهه. قال إسحاق بن راهويه كما قال. وقال محمد بن عبد الله بن مهران: إن أبا عبد الله سئل عن الرجل يصافح المرأة؟ قال: لا، وشدد فيه جدًا قلت: فيصافحها بثوبه؟ قال: لا. قال رجل: فإذا كان ذا محرم؟ قال: لا. قلت: ابنته؟ قال: إذا كانت ابنته فلا بأس. فهاتان روايتان في تحريم المصافحة، وكراهتها للنساء، والتحريم اختيار الشيخ تقي الدين وعلل بأن الملامسة أبلغ من النظر (٢) . وتحرم الخلوة بغير محرم ولو بحيوان يشتهي المرأة أو تشتهيه كالقرد وذكره ابن عقيل وابن الجوزي (٣) . وتحرم الخلوة بأمرد حسن، ومضاجعته كالمرأة الأجنبية، ولو لمصلحة التعليم والتأديب، والمقر ليتيمه أو وليه عند من يعاشره لذلك فهو ملعون ديوث. ومن عرف بمحبتهم أو معاشرتهم منع من تعليمهم (٤) . ولا تترك المرأة تذهب حيث شاءت (٥) .

стр. 893

وقال الشيخ تقي الدين: وينبغي أن يكون النظر بعد العزم على نكاحها وقبل الخطبة (١) . نقل يعقوب بن بختان عن أحمد أنه قال: لا ينبغي للخاطب إذا خطب لقوم أن يقبل لهم هدية. قال أبو العباس: هذا خاطب الرجل؛ لأن المرأة لا تبذل وإنما الزوج هو الذي يبذل (٢) . واختار شيخنا التحريم، قال: وهو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر. قال: ورخص فيه بعض المتأخرين (٣) . ويباح التصريح والتعريض من صاحب العدة فيها إن كانت المعتدة ممن يحل له التزوج بها في العدة كالمختلعة، فأما إن كانت ممن لا يحل له إلا بعد انقضاء العدة كالمزني بها والموطوءة بشبهة فينبغي أن يكون كالأجنبي. والمعتدة باستبراء كأم الولد أو التي مات سيدها أو أعتقها فينبغي أن تكون في حق الأجنبي كالمتوفى عنها زوجها. والمطلقة ثلاثًا والمنفسخ نكاحها برضاع أو لعان فيجوز التعريض بخطبتها دون التصريح. والتعريض أنواع تارة: يذكر صفات نفسه، مثل ما ذكر النبي ﷺ لأم سلمة ﵂. وتارة: يذكر لها صفات نفسها. وتارة: يذكر لها طلبًا بعينه كقوله: رب راغب فيك وطالب لك. وتارة: يذكر أنه

стр. 894

طالب للنكاح ولا يعينها. وتارة: يطلب منها ما يحتمل النكاح وغيره كقوله: إذا قضى الله شيئًا كان (١) . ولو خطبت المرأة أو خطب وليها لها الرجل ابتداء فأجابهما فينبغي ألا يحل لرجل آخر خطبتها، إلا أنه أضعف من أن يكون الرجل هو الخاطب. وكذا لو خطبته أو وليها بعد أن خطب هو امرأة. فالأول إيذاء للخاطب. والثاني: إيذاء للمخطوب، وهذا بمنزلة البيع على بيع أخيه قبل انعقاد البيع (٢) . ومن خطب تعريضًا في العدة أو بعدها فلا ينهى غيره عن الخطبة. ولو أذنت المرأة لوليها أن يزوجها من رجل بعينه احتمل أن يحرم على غيره خطبتها، كما لو خطبت فأجابت. واحتمل ألا يحرم؛ لأنها لم يخطبها أحد،. كذا قال القاضي أبو يعلى، وهذا دليل منه على أن سكوت المرأة عند الخطبة ليس بإجابة إليها (٣) بحال (٤) . ويحرم، وقيل: يكره خطبته على خطبة مسلم لا كافر، كما لا ينصحه نص عليهما إن أجيب صريحًا ... فإن رد أو أذن جاز. وأشد تحريمًا من فرض له ولي الأمر على الصدقات أو غيرها ما يستحقه فنحى من يزاحمه أو ينزعه منه. قاله شيخنا (٥) . فصل أركانه وينعقد النكاح بما عده الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ وفعل كان.

стр. 895

ومثله كل عقد (١) . وقال في «الفائق» : وقال شيخنا: قياس المذهب صحته بما تعارفاه نكاحًا من هبة وتمليك ونحوهما أخذًا من قول الإمام أحمد: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك (٢) . فالأسماء تعرف حدودها: تارة بالشرع، وتارة باللغة، وتارة بالعرف، وكذلك العقود (٣) . نص الإمام أحمد في رواية أبي طالب في رجل مشى إليه قومه، فقالوا: زوج فلانًا. فقال: زوجته على ألف. فرجعوا إلى الزوج فأخبروه. فقال: قد قبلت: هل يكون هذا نكاحًا؟ قال: نعم. فأشكل هذا على الأصحاب. فقال القاضي: هذا حكم بصحته بعد التفرق عن مجلس العقد. قال: وهو محمول على أنه قد كان وكل من قبل العقد عنه ثم أخبر بذلك فأمضاه. ورده ابن عقيل، وقال: رواية أبي طالب تعطي أن النكاح صحيح. قال الشيخ تقي الدين: وقد أحسن ابن عقيل فيما قاله، وهي طريقة أبي بكر؛ فإن هذا ليس تراخيًا للقبول كما قاله القاضي، وإنما هو تراخ للإجازة. ومسألة أبي طالب وكلام أبي بكر فيما إذا لم يكن الزوج حاضرًا في مجلس الإيجاب. وهذا أحسن. وأما إذا تفرقا من مجلس الإيجاب فليس في كلام أحمد وأبي بكر ما يدل على ذلك. ويجوز أن يقال: إن العاقد الآخر إن كان حاضرًا اعتبر قبوله، وإن كان غائبًا جاز تراخي القبول عن الإيجاب كما قلنا في ولاية القضاء، مع

стр. 896

أن أصحابنا قالوا في الوكالة: إنه يجوز قبولها على الفور والتراخي، وإنما الولاية نوع من الوكالة. وذكر القاضي في المجرد وابن عقيل في الفصول في تتمة رواية أبي طالب: لو قال الزوج: قبلت. صح إذا حضر شاهدان. قال أبو العباس: وهو يقتضي بأن إجازة العقد الموقوف إذا قلنا بانعقاده تفتقر إلى شاهدين، وهو مستقيم حسن (١) . قال الشيخ تقي الدين ﵀: قوله في «المحرر» : «ولا يصح تعليقه بشرط مستقبل» أظن قصد بذلك الاحتراز عن تعليقه بمشيئة الله تعالى. ودخل في ذلك قوله: إذا قال زوجتك هذا المولود إن كان أنثى، أو زوجتك بنتي إذا انقضت عدتها، أو إن لم تكن تزوجت، ونحو ذلك من الشروط الحاضرة والماضية. وكذا ذكر الجد الأعلى: أنه لا يجوز تعليقه على شرط مستقبل ولم أرها لغيره. اهـ (٢) . وسئل الشيخ تقي الدين عن رجل لم يقدر أن يقول إلا قبلت (تجويزها) بتقديم الجيم فأجاب بالصحة بدليل قوله: جوزتي طالق. فإنها تطلق. اهـ (٣) وصرح الأصحاب بصحة نكاح الأخرس إذا فهمت إشارته. قال في «المجرد والفصول» : يجوز تزويج الأخرس لنفسه إذا كانت له إشارة تفهم. ومفهوم هذا الكلام ألا يكون الأخرس وليًا ولا وكيلاً لغيره في النكاح، وهو مقتضى تعليل القاضي في الجامع؛ لأنه يستفاد من غيره. ويحتمل أن يكون وليًا لا وكيلاً وهو أقيس (٤) .

стр. 897

شروطه رضاهما والشرط بين الناس ما عدوه شرطًا (١) . واختار أبو بكر والشيخ تقي الدين عدم إجبار بنت تسع سنين بكرًا كانت أو ثيبًا. قال في رواية عبد الله: إذا بلغت تسع سنين فلا يزوجها أبوها ولا غيره إلا بإذنهاٍ. قال بعض المتأخرين من الأصحاب: وهو الأقوى. وذكر أبو الخطاب وغيره رواية: لا إذن لها وصححه الناظم، وقال الشيخ تقي الدين: لا أعلم أحدًا ذكرها قبله، مع أنه لم يذكرها في رءوس المسائل (٢) . فإن كانت صغيرة أو مجنونة فلها الخيار إذا بلغت. وقيل: لها الخيار إذا بلغت تسعًا. وقال ابن عقيل: إذا بلغت سبعًا. وقال الشيخ تقي الدين: اعتبار إذنها بالتسع أو السبع ضعيف؛ لأن هذا ولاية استقلال وولاية الاستقلال لا تثبت إلا بالبلوغ كالعفو عن القصاص والشفعة، وكالبيع؛ بخلاف ابتداء العقد فإنه يتولاه الوالي بإذنها فتجتمع الروايتان وبينهما فرق. اهـ (٣) وإذن الثيب الكلام. وإذن البكر الصمات. قال أبو العباس بعد

стр. 898

ذكره لقول أبي حنيفة ومالك: تزوج المثابة بالزنا بالجبر كما تزوج البكر: هذا قول قوي (١) . روي عن الإمام أحمد ما يدل على أنه لا تجبر الأمة الكبيرة، قال الشيخ تقي الدين: ظاهر هذا أنه لا يجبر الأمة الكبيرة بناء على أن منفعة البضع ليس بمال (٢) . حيث قلنا بإجبار المرأة ولها إذن أخذ بتعيينها كفوءًا على الصحيح من المذهب، قال الشيخ تقي الدين: هذا ظاهر المذهب (٣) . قال الشيخ تقي الدين: يعتبر في الاستئذان تسمية الزوج على وجه تقع المعرفة به، ولا يشترط تسمية المهر على الصحيح. نقله الزركشي (٤) . قال الشيخ تقي الدين: وفي المذهب خلاف شاذ يشترط الإشهاد على إذنها. اهـ (٥) . والجد كالأب في الإجبار، وهو رواية عن الإمام أحمد (٦) . الولي ويتخرج لنا مثل قول أبي حنيفة: أن الولي كل وارث بفرض أو تعصيب. ولغير العصبة من الأقارب التزويج عند عدم العصبة. ويتخرج على ذلك ما إذا قدمنا التوريث لذوي الأرحام على التوريث بالولاء.

стр. 899

وإذا كانت المرأة يهودية ووليها نصرانيًا أو بالعكس فينبغي أن يخرج على الروايتين في توارثهما وقبول شهادته عليها إذا قلنا تقبل من أهل الذمة بعضهم على بعض، وكذلك في ولاية المال والعقل. ويضم إلى الولي الفاسق أمين كالوصي في رواية. ولو قيل: إن الابن والأب سواء في ولاية النكاح، كما إذا أوصى لأقرب قرابته لكان متوجهًا. ويتخرج لنا أن الابن أولى من الأب إذا قلنا الأخ أولى من الجد. وقد حكى ذلك ابن المنيَّ في تعاليقه، فقال: يقدم الابن على الأب على قول عندنا (١) . وعنه: لها تزويج أمتها ومعتقتها واختاره الشيخ تقي الدين (٢) . قال أبو العباس: وفرق القاضي وعامة الأصحاب على هذه الرواية بين تزويج أمتها وتزويج نفسها وغيرها بأن التزويج على الملك لا يحتاج إلى أهلية الولاية بدليل تزويج الفاسق مملوكته، وتبعهم هو أيضًا وجعل التخريج غلطًا (٣) . وقيل يختص الجواز بما إذا زوج عبده أمته؛ لأنه يتصرف بحكم الملك، وجود أبو العباس هذا (٤) . قال الإمام أحمد في رواية محمد بن الحسن في الأخوين الصغير والكبير ينبغي أن ينظر إلى العقل والرأي وكذلك قال في رواية الأثرم في

стр. 900

الأخوين الصغير والكبير كلاهما سواء، إلا أنه ينبغي أن ينظر في ذلك إلى العقل والرأي. وظاهر كلام أحمد هذا يقتضي أنه لا أثر للسن هنا، وأصحابنا اعتبروه (١) . قال الإمام أحمد في رواية حنبل: لا يعقد نصراني ولا يهودي عقدة نكاح لمسلم ولا مسلمة، ولا يكونان وليين لمسلم ولا مسلمة؛ بل لا يكون الولي إلا مسلمًا. وهذا يقتضي أن الكافر لا يزوج مسلمة بولاية ولا وكالة. وظاهره يقتضي أن لا ولاية للكافر على بنته الكافرة في تزويجها لمسلم. قال أبو العباس في موضع آخر: لا ينبغي أن يكون متوليًا لنكاح مسلم؛ ولكن لا يظهر بطلان العقد؛ فإنه ليس على بطلانه دليل شرعي (٢) . وإن تعذر من له ولاية النكاح انتقلت الولاية إلى أصلح من يوجد ممن له نوع ولاية في غير النكاح كرئيس القرية، وهو المراد بالدهقان، وأمير القافلة، ونحوه. قال الإمام أحمد، في رواية المروذي: البلد يكون فيه الوالي وليس فيه قاض يزوج إذا احتاط للمرأة في المهر والكفء أرجو ألا يكون به بأس. وهذا من الإمام أحمد يقتضي أن الولي ينظر في المهر وأن أمره ليس مفوضًا إليها وحدها، كما أن أمر الكفؤ ليس مفوضًا لها وحدها. وقال في رواية الأثرم وصالح وأبي الحارث عن المهر: لا نجد فيه

стр. 901

حدًا هو ما تراضى عليه الأهلون. وهو في رواية المروذي: ما تراضى عليه الأهلون في النكاح جائز. وهو يقتضي أن للأهلين نظرًا في الصداق. ولو كان أمره إليها فقط لما كان لذكر الأهلين معنى. وتزويج الأيامى فرض كفاية إجماعًا. فإن أباه حاكم إلا بظلم كطلبه جعلاً لا يستحقه صار وجوده كعدمه (١) . قال الشيخ تقي الدين: ومن صور العضل إذا امتنع الخطاب من خطبتها لشدة الولي (٢) . ويزوج ولي المال الصغير (٣) . واشترط الجد في المحرر في الولي كونه رشيدًا. والرشد في الولي هنا هو المعرفة بالكفء ومصالح النكاح، ليس حفظ المال (٤) . وإن لم يعلم وجود الأقرب في الكل حتى زوج الأبعد فقد يقال بطرد القاعدة والقياس أنه لا يصح النكاح، كالجهل الشرعي، مثل أن يعتقد صحة النكاح بلا ولي، أو بالولي الأبعد، أو بلا شهود. وقد يقال: يصح النكاح، كما أن المعتبر في الشهود والولي هو العدالة الظاهرة على الصحيح. فلو ظهر فيما بعد أنهم كانوا فاسقين وقت العقد ففيه وجهان ثابتان. ويؤيد هذا أن الولي الأقرب إنما يشترط إذا أمكن. فأما مع تعذره فيسقط، كما لو عضل أو غاب. وبهذا قيد ابن أبي موسى

стр. 902

وغيره. وهذا معنى قول الجماعة: إذا زوج الأبعد مع القدرة على الأقرب لم يصح. ومن لم يعلم أنه نسيب فهو غير مقدور على استئذانه فيسقط بعدم العلم، كما يسقط بالبعد. وهذا إذا لم ينتسب في عدم العلم إلى تفريط. ومن هذا لو زوجت بنت الملاعن ثم استلحقها الأب فلو قلنا بالأول لكان يتعين ألا يصح النكاح وهو بعيد؛ بل الصواب أنه يصح (١) . وكذلك إذا علم أنه قريب ولكن لا يعلم مكانه، وهو حسن، مع أن كلام الخرقي لا يأباه. قال الشيخ تقي الدين: وكذلك لو كان الولي مجهولاً لا يعلم أنه عصبة ثم عرف بعد (٢) . ولو زوج المراة وليان وجهل أسبق العقدين ففيه روايتان؛ إحداهما: يتميز الأسبق بالقرعة. والذي يجب أن يقال على هذه الرواية أن من خرجت له القرعة فهي زوجته بحيث يجب عليه نفقتها وسكناها. ولو مات ورثته؛ لكن لا يطؤها حتى يجدد العقد لحل الوطء فقط. هذا قياس المذهب. أو يقال: إنه لا يحكم بالزوجية إلا بالتجديد، ويكون التجديد واجبًا عليه وعليها. كما كان الطلاق واجبًا على الآخر. والرواية الثانية: يفسخ النكاحان. ومن أصحابنا من ذكر أنهما يطلقانها. فعلى هذا هل يكون الطلاق واقعًا بحيث تنقضي العدة. ولو تزوجها ينبغي ألا يكون كذلك؛ لأنه لا ينبغي وقوع الطلاق به. فإن ماتت المرأة قبل الفسخ والطلاق فذكر أبو محمد المقدسي

стр. 903

احتمالين أحدهما: لأحدهما نصف الميراث وربع النفقة حتى يصطلحا عليه. والثاني: يقرع بينهما، فمن قرع حلف أنه استحق وورث. وقال أبو العباس: وكلا الوجهين لا يخرج على المذهب. أما الأول فلأنه لا تتفق (١) الخصومات: وأما الثاني: فكيف يحلف من قال: لا أعرف الحال؟ وإنما المذهب (٢) أيهما قرع فله الميراث بلا يمين. وأما على قولنا: لا يقرع فإذا قلنا أنها تأخذ من أحدهما نصف المهر بالقرعة فكذلك يرثها أحدهما بالقرعة. بطريق الأولى. وإن قلنا: لا مهر. فهذا قد يقال بالقرعة أيضًا (٣) . وإن زوج اثنان ولم يعلم السابق قال الإمام أحمد ﵀ في رواية ابن منصور: ما أرى لواحد منهما نكاحًا. والرواية الثانية من أصل المسألة يقرع بينهما. وعنه هي للقارع من غير تجديد عقد واختاره الشيخ تقي الدين. فعلى القول بأنه يجدد نكاحه قال المصنف ينبغي ألا تجبر المرأة على نكاح من خرجت له القرعة، بل لها أن تتزوج من شاءت منهما ومن غيرهما. قال الشيخ تقي الدين: وليس هذا بالجيد؛ فإن على هذا القول إذا أمرنا المقروع بالقرعة وقلنا لها ألا تتزوج القارع خلت منهما فلا يبقى بين الروايتين فرق، ولا يبقى للقرعة أثر أصلاً؛ بل تكون لغوًا، وهذا تخليط. وإنما على هذا القول يجب أن يقال هي زوجة القارع بحيث يجب عليه نفقتها وسكناها ولو مات ورثته؛ لكن لا يطؤها حتى يجدد العقد فيكون تجديد العقد لحل الوطء فقط. هذا قياس المذهب: أو يقال إنه لا يحكم بالزوجية إلا بالتجديد ويكون التجديد واجبًا عليه

стр. 904

وعليها كما كان الطلاق واجبًا على الآخر. وليس في كلام الإمام أحمد ﵀ تعرض للطلاق ولا لتجديد الآخر النكاح. ثم القرعة جعلها الشارع حجة وبينة تفيد الحل ظاهرًا كالشهادة والنكول ونحوهما. اهـ (١) . ولو قال السيد لأمته أعتقتك وجعلت عتقك صداقك صح. وعنه: لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذنها، فإن أبت ذلك فعليه قيمتها. وقال ابن أبي موسى: إحدى الروايتين أنه يستأنف العقد عليها بإذنه دون إذنها ورضاها؛ لأن العقد وقع على هذا الشرط فيوكل من يعقد له النكاح بأمره. قال الشيخ تقي الدين: وهذا حسن (٢) . وإن قال: قد جعلت عتق أمتي صداقها، أو قال: أعتقتها وجعلت عتقها صداقها صح بذلك العتق والنكاح، وهو مذهب الإمام أحمد. ويتوجه ألا يصح العتق إذا قال قد جعلت عتقك صداقك فلم تقبل؛ لأن العتق لم يصر صداقًا وهو لم يوقع غير ذلك. ويتوجه ألا يصح وإن قبلت؛ لأن هذا القبول لا يصير به العتق صداقًا فلم يتحقق ما قال. ويتوجه في الصورة الثانية (٣) أنها إن قبلت صارت زوجة، وإلا عتقت مجانًا، أو لم تعتق بحال. وإذا قلنا: إلحاق الشرط لا يغير الطلاق فإلحاق العتق في النكاح بطريق الأولى.

стр. 905

فعلى هذا إذا قال أعتقتك وجعلت عتقك صداقك فإنه يقع العتق ولا يلزمها النكاح ولا قيمة نفسها. ويتخرج ثبوت الخيار أو اعتبار إذنها من عتقها بجنب حر، فإن الخيار يثبت لها في رواية. وكذلك إذا عتقا معًا. فإذا كان حدوث الحرية بعد العتق يثبت الفسخ فالمقارنة أولى أن تثبت الفسخ. ولو أعتقها وزوجها من غيره وجعل عتقها صداقها فقياس المذهب صحته؛ لأنهم قالوا: الوقت الذي جعل فيه العتق صداقًا كان يملك إجبارها في حق الأجنبي فلم يبق إلا أنه جعل ملك بضعها وقت حريتها صداقًا، وهذا لا يؤثر، كما لو كان هو المتزوج. ويدل على ذلك أن أصحابنا قالوا: إذا قال: زوجتك هذه على أنها حرة صح وإن لم يعلمه أنه أعتقها قبل ذلك، ويكون هو المصدق لها عن الزوج. ويحتمل أن يقال: هو السيد خاصة؛ لأنه لا يمكنه أن يتزوجها وهي رقيقة. وعلى هذا فسواء قال: أعتقتها وزوجتها منك أو زوجتها منك وأعتقتها. ولو قال: أعتقت أمتي وزوجتكها على ألف درهم. فقياس المذهب جوازه. فهو مثل أن يقول: أعتقتها وأكريتها منك سنة بألف درهم. وهذا بمنزلة استثناء الخدمة، مثل أن يقول أعتقتك على خدمة سنة. ولو قال أعتقتك وتزوجتك على ألف درهم صح هذا النكاح بطريق الأولى؛ لأنه لم يجعل العتق صداقًا. ولو قال: وهبتك هذه الجارية وزوجتها من فلان أو هبتكها وأكريتها من فلان، أو بعتكها وزوجتها أو أكريتها من فلان فقياس المذهب صحته؛ لأنه في معنى استثناء المنفعة.

стр. 906

وحاصله: أنا نجوز (١) العتق والوقف والهبة والبيع مع استثناء منفعة الخدمة فقد جوزنا (٢) أن الإعتاق والإنكاح في زمن واحد وجعلنا ذلك بمنزلة الإنكاح قبل الإعتاق؛ لأنها حين الإعتاق لم تخرج من ملكه (٣) . وإن قال: أعتق عبدك عني على أن أزوجك ابنتي أو أمتي ففعل عتق ولزمته قيمته؛ لأن الأموال لا يستحق العقد عليها بالشرط. قال القاضي أبو الخطاب: لأنه سلف في النكاح. وقال الشيخ تقي الدين: يتوجه صحة السلف في العقود كما يصح في غيره ويصير العقد مستحقًا على المستسلف إن فعل وإلا قام الحاكم مقامه، ولأن هذا بمنزلة الهبة المشروط فيها الثواب (٤) . وكذلك العبد إذا تزوج بغير إذن مواليه ثم أذنوا له بعد العتق فهو على النزاع، ويسمى نكاح الفضولي (٥) . الشهادة وعنه: ينعقد بحضور فاسقين، ورجل وامرأتين، ومراهقين عاقلين. قال في الفروع: وأسقط رواية الفسق أكثرهم. وقال الشيخ تقي الدين ﵀: هي ظاهر كلام الخرقي (٦) . الكفاءة ولا يصح لأحد أن ينكح موليته رافضيًا ولا من يترك الصلاة.

стр. 907

ومتى زوجوه على أنه سني يصلي فبان أنه رافضي أو لا يصلي أو كان قد تاب ثم عاد إلى الرفض وترك الصلاة فإنهم يفسخون نكاحه إذا قيل إنه صحيح (١) . والذي يقتضيه كلام أحمد أن الرجل إذا تبين له أنه ليس بكفء فرق بينهما، وأنه ليس للولي أن يزوج المرأة من غير كفء، ولا للزوج أن يتزوج ولا للمرأة أن تفعل ذلك. وأن الكفاءة ليست بمنزلة الأمور المالية مثل مهر المرأة إن أحبت المرأة والأولياء طلبوه وإلا تركوه، ولكنه أمر ينبغي لهم اعتباره وإن كانت منفعته تتعلق بغيرهما. وفقد النسب والدين لا يقر معهما النكاح بغير خلاف عن أحمد. وفقد الحرية غير مبطل بغير خلاف عنه؛ بل يثبت به الخيار لمن يختار الفسخ. وفقد اليسار: هل يثبت به الخيار؟ روايتان: وحيث ثبت الخيار بفقد الكفاءة فللمرأة أو لوليها الفسخ. وهذا على التراخي في ظاهر الرواية (٢) . فعلى هذا يسقط خيارها بما يحصل منهما مما يدل على الرضا من قول أو فعل. وأما خيار الأولياء فلا يسقط إلا بالقول. ويفتقر الفسخ به إلى حاكم في قياس المذهب كالفسخ بالعيوب للاختلاف فيه. ولو كان الزوج ناقصًا من وجه آخر مثل أن كان دونها في النسب فرضوا به، ثم بان فاسقًا وهي عدل. فههنا ينبغي ثبوت الخيار، كما لو رضيت به لعلة مثل الجذام فظهر به عيب آخر كالجنون والعنة. فأما إن رضوا بفسقه من وجه فبان فاسقًا من آخر مثل أن ظنوه يشرب الخمر

стр. 908

فظهر أنه يشرب الخمر ويلوط أو يشهد بالزور أو يقطع الطريق. وبيض لذلك أبو العباس. وإن حدثت له الكفاءة مقارنة بأن يقول سيد العبد بعد إيجاب النكاح له قبلت له النكاح وأعتقته فقياس المذهب صحة ذلك. وتخرج رواية أخرى على مسألة ما إذا أعتقهما معًا، وعلى مسألة ما إذا قال: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك (١) (٢) . قال الشيخ تقي الدين: طريقة المجد في المحرر أن الصفات الخمس معتبرة في الكفاءة قولاً واحدًا. ثم هل يبطل النكاح فقدها، أو لا يبطله لكن يثبت الفسخ، أو يبطله فقد الدين والمنصب ويثبت الفسخ فقد الثلاثة على ثلاث روايات، وهي طريقته اهـ (٣) . وقال الشيخ تقي الدين: لم أجد نصًا عن الإمام أحمد ﵀ ببطلان النكاح لفقر أو رق ولم أجد عنه أيضًا نصًا بإقرار النكاح مع عدم الدين والمنصب خلافًا. واختار أن النسب لا اعتبار به في الكفاءة، واستدل الشيخ تقي الدين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [١٣/٤٩] . وعنه: لا تزوج قرشية بغير قرشي ولا هاشمية بغير هاشمي، ورد الشيخ تقي الدين ﵀ هذه الرواية، وقال: ليس في كلام الإمام أحمد ﵁ ما يدل عليها، وإنما المنصوص عنه في رواية الجماعة: أن قريشًا بعضهم لبعض أكفاء.

стр. 909

قال: وذكر ذلك ابن أبي موسى والقاضي في خلافه وروايتيه، وصححها فيه. قال الشيخ تقي الدين أيضًا: ومن قال إن الهاشمية لا تزوج بغير هاشمي بمعنى أنه لا يجوز ذلك فهذا مارق من دين الإسلام؛ إذ قصة تزويج الهاشميات من بنات النبي ﷺ وغيرهن بغير الهاشميين ثابت في السنة ثبوتًا لا يخفى، فلا يجوز أن يحكى هذا خلافًا في مذهب الإمام أحمد ﵁، وليس في لفظه ما يدل عليه (١) . باب المحرمات في النكاح وتحرم بنته من الزنا قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: في الرجل يزني بامرأة فتلد منه ابنة فيتزوجها فاستعظم ذلك، وقال: يتزوج ابنته عليه القتل بمنزلة المرتد. وحمل القاضي قوله: «يقتل» على أنه لم يقع له الخلاف، فاعتقد أن المسألة إجماع، أو على أن هذا فيمن عقد عليها غير متأول ولا مقلد فيجب عليه الحد. وقال أبو العباس: كلام أحمد يقتضي أنه أوجب عليه حد المرتد لاستحلال ذلك، لا حد الزاني، وذلك أنه استدل بحديث البراء، وهذا يدل على أن استحلال هذا كفر عنده، وقال القاضي في التعليق والشيخ أبو محمد المقدسي في المغني: يكفي في التحريم أنه يعلم أنها بنته. ظاهرًا وإن كان النسب لغيره. وقال أبو العباس: وظاهر كلام الإمام أحمد أن الشبهة تكفي في ذلك؛ لأنه قال: أليس أمر النبي ﷺ سودة أن تحتجب من ابن زمعة وقال: «الولد للفراش» وقال: إنما حجبها للشبه الذي رأى بينه وبين عتبة (٢) .

стр. 910

وحرم [الشيخ] بنته من الزنا، وقال: إن وطء بنته غلطًا لا ينشر، لكونه لم يتخذها زوجة، ولم يعلن نكاحها (١) . والمنصوص عن الإمام أحمد في مسألة التلوط إنما هو أن الفاعل لا يتزوج بنت المفعول به، وكذلك أمه، وهو قياس جيد. فأما تزوج المفعول به بأم الفاعل أو ابنته ففيه نظر، ولم ينص عليه، وذلك أن واحد منهما لم يتمتع بأصل الآخر وفرعه. والمنصوص والأصل أن يتمتع بالرجل أصل أو فرع أو يتمتع بالمرأة أصل أو فرع، وهذا المفعول به يتمتع في أحد الطرفين وهو يتمتع في الطرف الآخر، والوطء الحرام لا يؤثر تحريم المصاهرة. واعتبر أبو العباس في موضع آخر التوبة، حتى في اللواط (٢) . وسحاق النساء قياس المذهب المنصوص أنه يخرج على الروايتين في مباشرة الرجل الرجل بشهوة (٣) . وتحريم المصاهرة لا يثبت بالرضاع، فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته وابنتها من الرضاع، ولا يحرم على المرأة نكاح أبي زوجها وأمه من الرضاع (٤) . ومن وطئت بشبهة حرم نكاحها على غير الواطئ في عدتها منه، لا عليه فيها إن لم تكن لزمته عدة من غيره، وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها المقدسي (٥) .

стр. 911

وتحرم بنت الربيبة، لأنها ربيبة، وبنت الربيب أيضًا، نص عليهما الإمام أحمد في رواية صالح. قال أبو العباس: ولا أعلم في ذلك نزاعًا. ولا تحرم زوجة الربيب نص عليه أحمد في رواية ابن مشيش، وكذا في الربيب يتزوج امرأة رابه؛ لأنه ليس من الأبناء (١) . وللأب تزويج ابنته في عدة النكاح الفاسد عند أكثر العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه (٢) . ولو قتل رجلٌ رجلاً ليتزوج امرأته حرمت على القاتل مع حلها لغيره (٣) . ذكر الشيخ تقي الدين في كتابه التحليل أن الرجل إذا قتل رجلاً ليتزوج امرأته أنها لا تحل له أبدًا (٤) . المحرمات إلى أمد وخالف الشيخ تقي الدين في الرضاع فلم يحرم الجمع مع الرضاع (٥) . ويحرم الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين، كقول جمهور العلماء. قيل لأحمد في رواية ابن منصور: الجمع بين المملوكتين أتقول إنه حرام؟ قال: لا أقول إنه حرام، ولكن ينهى عنه. قال القاضي: ظاهر هذا أنه لا يحرم الجمع وإنما يكره. قال أبو العباس: الإمام أحمد لم يقل ليس حرامًا، وإنما قال: لا أقول هو حرام. وكانوا يكرهون فيما لم

стр. 912

يرد فيه نص تحريم أن يقال: هو حرام، ويقولون: ينهى عنه ويكرهون أن يقولوا: هو فرض، ويقولون: يؤمر به. وهذا الأدب في الفتوى مأثور عن جماعة من السلف، وذلك إما لتوقف في التحريم، أو تهيب لهذه الكلمة، كما يهابون لفظ الفرض إلا فيما علم وجوبه. فإذا كان المفتي يمتنع أن يقول هو فرض إما لتوقفه أو لكون الفرض ما ثبت وجوبه بالقاطع، أو لأنه لم يبين وجوبه في الكتاب فكذلك الحرام. وأما أن يجعل عن أحمد أنه لا يحرم بل يكره فهذا غلط عليه، ومرجعه إلى الغفلة عن دلالة الألفاظ ومراتب الكلام (١) . وقد ذكر هذا القاضي في العدة بعينه في مسألة الفرض: هل هو أعلى من الواجب؟ وذكر لفظ الإمام أحمد في هذه الرواية، ولفظه في المتعة، فعلم أنه لم يجعل في المسألة خلافًا. فلو وطئ إحدى الأختين المملوكتين لم تحل له الأخرى حتى يحرم على نفسه الأولى بإخراج عن ملكه أو تزويج. قال ابن عقيل: ولا يكفي في إباحتها مجرد إزالة الملك حتى تمضي حيضة الاستبراءات وتنقضي فتكون الحيضة كالعدة. وقال أبو العباس: وليس هذا القيد في كلام أحمد وجماعة الأصحاب، وليس هو في كلام علي وابن عمر، مع أن عليًا لا يجوز وطء الأخت في عدة أختها، ولو زال ملكه عن بعضها كفى، وهو قياس قول أصحابنا. فإن حرم إحداهما بنقل الملك فيها على وجه لا يمكن استرجاعه

стр. 913

مثل أن يهبها لولده أو يبيعها بشرط فقد ذكر الجد الأعلى في البيع والرهن بشرط الخيار وجهين. فإن أخرج الملك لازمًا ثم عرض له المبيح للفسخ مثل أن يبيعها سلعة فتبين أنها كانت معيبة أو يفلس المشتري بالثمن أو يظهر في العوض تدليس أو يكون مغبونًا فالذي يجب أن يقال في هذه المواضع: إنه يباح وطء الأخت بكل حال على عموم كلام الصحابة والفقهاء أحمد وغيره. والبيع والهبة يوجبان التفريق بين ذي الرحم المحرم وهو لا يجوز بين الصغار، وفي جوازه بين الكبار روايتان. وقد أطلق علي وابن عمر والفقهاء أحمد وغيره أن يبيعها أو يهبها، مع أن عليًا هو الذي روى النهي عن التفريق بين الأختين ولم يتعرضوا لهذا الأصل. فإن بني عليه لم يجز البيع والهبة رواية واحدة قبل البلوغ وإنما يجوز العتق أو التزويج، وفي جوازهما بعد البلوغ روايتان. أو يقال: يجوز له التفريق هنا لأجل الحاجة لأنه يحرم الجمع في نكاح ويحرم التفريق فلا بد من تقديم أحدهما وكلام الصحابة والفقهاء بعمومه يقتضي هذا. ولو أزال ملكه عنها بغير العتق مثل أن يبيعها أو يهبها فينبغي له ألا يتزوج أختها في مدة الاستبراء، كما لا يحل له وطؤها على ما تقدم، إلا أن هذا لا ينبغي أن يزيد على تزوجه بأختها مع بقاء الملك، لإمكان أن يدعي المشتري والمتهب ولدها، بخلاف المعتقة. وشبهة الملك حقيقة لا كالنكاح فعلى هذا إذا وطئ أمة بشبهة ملك ففي تزوج أختها في مدة استبرائها ما في تزوج أختها المستبرأة بعد زوال ملكه عنها (١) . قال أبو محمد المقدسي في «المغني» : إذا تزوج كافر أختين ودخل بهما ثم أسلم وأسلمتا معه فاختار إحداهما لم يطأها حتى تنقضي عدة

стр. 914

أختها، لئلا يكون واطئًا لإحدى الأختين في عدة الأخرى، وكذلك إذا أسلم وتحته أكثر من أربع قد دخل بهن فأسلمن معه وكن ثمانيًا فاختار أربعًا منهم وفارق أربعًا لم يطأ واحدة من المختارات حتى تنقضي عدة المفارقات لئلا يكون واطئًا لأكثر من أربع، فإن كن خمسًا فارق إحداهن فله وطء ثلاث من المختارات. قال: وهذا قياس المذهب. قال أبو العباس: وفي هذا نظر؛ فإن ظاهر السنة يخالف ذلك حيث لم يذكر فيها هذا الشرط، ويمكن الفرق بين هذه وغيرها. وتأملت كلام أحمد وعامة أصحابنا فوجدتهم قد ذكروا أنه يمسك منهن، أربعًا ولم يشترطوا في جواز وطئه انقضاء العدة لا في جمع العدد ولا في جمع الرحم ولو كان لهذا أصل عندهم لم يغفلوه؛ فإنهم دائمًا في مثل هذا ينبهون على اعتزال الزوجة كما ذكره الإمام أحمد فيما إذا وطئ أخت امرأته بنكاح فاسد أو زنى بها وهذا هو الصواب إن شاء الله تعالى؛ فإن العدة تابعة لنكاحها وقد عفا الله عن جميع نكاحها، فكذلك يعفو عن توابع ذلك النكاح. لكن قياس هذا القول أنه لو أسلم وتحته سريتان أختان فحرم واحدة على نفسه بعد الإسلام جاز وطء الأخرى قبل استبراء تلك. فأما لو طلق زوجته في الشرك ثم أراد أن يتزوج أختها في الإسلام قبل انقضاء عدة المطلقة فهذا يريد أن يبتدأ. وتحرير هذه المسائل: أن العدة إنما أن تكون من نكاح صحيح فلا يجوز تزوج أختها ولا وطؤها بملك اليمين. وإن كانت من ملك يمين لم يصح النكاح على المشهور، ولا توطأ بنكاح ولا بملك يمين حتى تنقضي العدة. ولا يجوز في عدة النكاح تزوج أربع سواها قولاً واحدًا، ولا يجوز ذلك في عدة ملك يمين. وإن كانت العدة من نكاح فاسد أو شبهة نكاح فهي كحقيقة النكاح في المشهور من المذهب. وإن كانت

стр. 915

العدة من نكاح فاسد أو شبهة ملك فإنما الواجب الاستبراء وذلك لا يزيد على حقيقة الملك (١) . ولو تزوج الأمة في عدة الحرة جاز عند أصحابنا إذا كانت العدة من طلاق بائن. وإن كان خائفًا للعنت عاد ما لطول حرة بناء على أن علة المنع ليست هي الجمع بينها وبين الحرة. ويخرج المنع إذا منعنا من الجمع بينهما، وكذلك خرج الجد في الشرح (٢) . ومن حرم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين، وجوزه شيخنا كأمة كتابية (٣) . قال أبو العباس بعد أن حكى عن علي ﵁ أنه فرق بين رجل وامرأته وقد زنى بها قبل أن يدخل بها: وعن جابر بن عبد الله والحسن والنخعي أنه يفرق بينهما. ويؤيد هذا من أصلنا أن له أن يعضل الزانية حتى تختلع منه، وأن الكفاءة إذا زالت في أثناء العقد فإن لها الفسخ في أحد الوجهين (٤) . ويمنع الزاني من تزوج العفيفة حتى يتوب (٥) . ذكر أصحابنا: أن الزوج إذا اشترى زوجته انفسخ النكاح، وقال الحسن: إذا اشترى زوجته للعتق فأعتقها حين ملكها فهما على نكاحهما. وهذا قوي فيما إذا قال: إذا ملكتك فأنت حرة، وصححنا الصفة؛ لأنه إذا ملكها فالملك الذي يوجب بطلان النكاح يوجب الحرية. وإذا اجتمعا معًا لم يبطل النكاح؛ لأن الحرية لا تنافيه، وإنما
следующие страницы →