ونفقة الزوجة قبل بلوغ الزوج أو قبل رضاه ينبغي أن تكون كالمهر.
قال القاضي في «الجامع» : إذا مات الأب الذي عليه مهر ابنه فأخذ من تركته فإنه يرجع به على الابن نص عليه في رواية ابن منصور والبرزالي.
قال القاضي: يحتمل أن يكون أثبت له ذلك بناء على الرواية التي تقول: إن من ضمن عن غيره بغير إذنه يرجع. ويحتمل أن يحمل على الرواية الأخرى، وأنه تطوع بذلك؛ لكن على أن يحصل القبض منه. وعلى هذا حمله أبو حفص.
قال أبو العباس: ولا يتم الجواب إلا بالمأخذين جميعًا. وذلك أن الأب قائم مقام ابنه، فلو ضمنه أجنبي بإذنه صح، فإذا ضمنه هو فأولى أن يكون ضمانًا لازمًا للابن. وإذا كان له أن يثبت المال في ذمته بدون ضمانه فضمانه وقضاؤه أولى.
قال القاضي في «الجامع» : إذا ضمنه الأب لزمه كما لو ضمنه أجنبي.
وإذا أقبضه إياه فهل يملك الرجوع به على الأب؟ على روايتين. أصلهما ضمان الأجنبي عن غيره بغير إذنه.
قال أبو العباس: بل يرجع قولاً واحدًا؛ لأنه قائم مقام ابنه في الإذن لنفسه، كما لو ضمن أجنبي بإذن نفسه.
ولو وفى الإنسان عن غيره دينًا من صداق أو غيره كان للمستوفي أخذه له وفاء عن دينه وبدلاً عنه. وأما الموفى عنه إذا لم يرجع به عليه فهو متبرع عليه.
ثم هل ملكه الموفى عنه ثم انتقل إلى الموفي بحيث يقال: لو انفسخ يثبت الاستحقاق أو بعضه كالطلاق قبل الدخول وفسخ البيع كان
стр. 947
للموفى عنه، أو لم يملك فيعود إلى الموفي؟ الراجح أنه لا يجب انتقاله (١) .
ولو قيل في كل موضع تبرعت المرأة بالصداق ثم وقع الطلاق وهو باق بعينه أنه يرجع بالنصف على من هو في يده، وكذلك في جميع الفسوخ لم يبعد، بخلاف ما لو خرج بمعاوضة (٢) .
وللمرأة منع نفسها حتى تقبض مهرها. قال الشيخ تقي الدين: الأشبه عندي أن الصغيرة تستحق المطالبة لها بنصف الصداق؛ لأن النصف يستحق بإزاء الحبس وهو حاصل بالعقد، والنصف الآخر بإزاء الدخول فلا يستحق إلا بالتمكين (٣) .
والنقد المتقدم محسوب من الصداق وإن لم يكتب في الصداق إذا تواطئوا عليه، ويطالب بنصفه عند الفرقة قبل الدخول لأن الشرط المتقدم كالمقارن إلا أن يفتوا بخلاف ذلك (٤) .
مسألة:
وإذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها ثم طلقها فهل لها الرجوع إذا كان يمكنها، لكون مثل هذا الإبراء لا يصدر في العادة إلا على أن يمسكها أو خوفًا من أن يطلقها أو يتزوج عليها أو نحو ذلك؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد.
وأما إذا كانت نفسها قد طابت بالإبراء مطلقًا وهو أن يكون ابتداء منها لا بسبب منه ولا عوض فهنا لا ترجع بلا ريب. والله أعلم (٥) .
стр. 948
وإذا ادعى الابن على أبيه بصداق أمه وكسوتها الماضية قبل موتها فعلى الأب أن يوفيه ما يستحقه من ذلك (١) .
ومن أعطى قومًا شيئًا واتفقوا على أن يزوجوه بنتهم فماتت البنت لم يكن له أن يرجع عليهم بشيء مما أعطاهم، وإن كانوا لم يفوا له بما طلبه منهم فله الرجوع (٢) .
وقال ابن العباس: وقد كتبت عن الإمام أحمد فيما إذا أهدى لها هدية بعد العقد فإنها ترد ذلك إليه إذا زال العقد الفاسد. فهذا يقتضي أن ما وهبه لها بسبب النكاح فإنه يبطل إذا زال النكاح، وهو خلاف ما ذكره أبو محمد وغيره. وهذا المنصوص جار على أصول المذهب الموافق لأصول الشريعة، وهو أن كل من أهدي له شيء أو وهب له شيء بسبب يثبت بثبوته ويزول بزواله، ويحرم بحرمته ويحل بحله حيث جاز في تولي الهدية مثل من أهدي له للقرض فإنه يثبت له فيه حكم بدل القرض، وكذلك من أهدي له لولاية مشتركة بينه وبين غيره كالإمام وأمير الجيش وساعي الصدقات فإنه يثبت في الهدية حكم ذلك الاشتراك. ولو كانت الهدية قبل العقد وقد وعدوه بالنكاح فزوجوا غيره رجع بها (٣) .
وقال الشيخ تقي الدين: ما قبض بسبب النكاح فكمهر.
وقال أيضًا: ما كتب فيه المهر لا يخرج بطلاقها (٤) .
وإذا اختلف الزوجان في قدر الصداق فالقول قول الزوج مع يمينه. وقال الشيخ تقي الدين: يتخرج لنا قول كقول مالك إن كان
стр. 949
الاختلاف قبل الدخول تحالفًا. وإن كان بعده فالقول قول الزوج (١) .
تنبيه: إذا قلنا يتعلق المهر بذمة السيد ضمانًا فقضاه عن عبده فهل يرجع إليه إذا عتق؟ قال الشيخ تقي الدين ﵀: ينبغي أن يخرج هنا على الخلاف في مهر زوجته إذا كانت أمة للسيد فحيث رجع هناك رجع هنا (٢) .
... ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ إنما صار إلى الواجب خمسا المسمى توقيفًا؛ لأنه نقل عن عثمان. ووجهها الشيخ تقي الدين فقال: المهر في نكاح العبد ويجب بخمسة أشياء: النكاح، وعقد الصداق، وإذن السيد في النكاح، وإذنه في الصداق، والدخول. فإذا نكح بلا إذنه فالنكاح باطل ولم يوجد إلا التسمية من العبد والدخول فيجب الخمسان (٣) .
ولو صالحت عن صداقها المسمى بأقل جاز؛ لأنه إسقاط لبعض حقها. ولو صالحته على أكثر من ذلك بطل الفضل؛ لأن في ذلك ربا؛ لأنه زيادة على حقها. وقياس المذهب جوازه لأنه زيادة على المهر بعد العقد وذلك جائز، وصححنا أنه يصح أن يصطلحا على مهر المثل بأقل منه وأكثر مع أنه واجب بالعقد (٤) .
ويتقرر المهر بالخلوة وإن منعته الوطء، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حرب. وقيل له: فإن أخذها وعندها نسوة وقبض عليها ونحو ذلك من غير أن يخلو بها؟ قال: إذا نال منها شيئًا لا يحل لغيره فعليه المهر.
وإن قلنا لا مهر بالخلوة في النكاح الفاسد على قولنا بوجوب
стр. 950
العدة فيه والفسخ لاعتبار الزوج بالمهر أو النفقة نظير الفسخ لعنة بالزوج، فيتخرج منه التنصيف على الرواية المنصوصة عنه فيه، فإن لها نصف المهر، لكونها معذورة في الفسخ. ويتخرج ويلزم على قول من قال: إن خروج البضع من ملك الزوج يتقوم (١) .
ولا تقبل دعوى عدم علمه بها، والمنصوص ولو أنه أعمى؛ لأن العادة أنه لا يخفى عليه ذلك، فقد قدم أصحابنا هنا العادة على الأصل، فكذا دعوى إنفاقه؛ فإن العادة هناك أقوى قاله شيخنا (٢) .
ولا بد من اعتبار العصر في مهر المثل؛ فإن الزمان إن كان زمان رخص رخص وإن زادت المهور. وإن كان زمن غلاء وخوف نقص. وقد تعتبر عادة البلد والقبيلة في زيادة المهر ونقصه.
وينبغي أيضًا اعتبار الصفات المعتبرة في الكفاءة. فإن كان أبوها موسرًا ثم افتقر أو ذا صنعة جيدة ثم تحول إلى دونها، أو كانت له رئاسة وملك ثم زالت عنه تلك الرئاسة والملك فيجب اعتبار مثل هذا. وكذلك لو كان أهلها لهم عز في أوطانهم ورئاسة فانقلبوا إلى بلد ليس لهم فيه عز ولا رئاسة، فإن المهر يختلف بذلك في العادة.
وإن كانت عادتهم يسمون مهرًا ولكن لا يستوفونه قط مثل عادة أهل الجفاء مثل الأكراد وغيرهم فوجوده كعدمه.
والشرط المتقدم كالمقارن. والإطراد العرفي كالمقتضي.
قال أبو العباس: وقد سئلت عن مسألة من هذا وقيل لي: ما مهر مثل هذه؟ فقلت: ما جرت العادة بأنه يؤخذ من الزوج. فقالوا: إنما يؤخذ المعجل قبل الدخول. فقلت: هو مهر مثلها (٣) .
стр. 951
وإن اختلفا في قبض المهر فالمتوجه إن كانت العادة الغالبة جارية بحصول القبض في هذه الديون أو الأعيان فالقول قول من يوافق العادة، وهو جار على أصولنا وأصول مالك في تعارض الأصل والعادة، والظاهر أنه يرجح.
وفرق بين دلالة الحال المطلقة العامة وبين دلالة الحال المقيدة المخصوصة.
فأما إن كانت الزوجة وقت العقد فقيرة ثم وجد معها ألف درهم فقال هذا هو الصداق، وقالت أخذته من غيره ولم تعين ولم يحدث لها قبض مثله فهو نظير تعليم السورة المشروطة وفيها وجهان.
ونظيره الإنفاق عليها والكسوة.
وفي هذه المواضع كلها إذا أظهرت جهة القبض الممكن منها كالممكن من الزوج فينبغي أن يكون القول قولها. وإلا فلا (١) .
ومن عرفت أنها زوجة فلان وأنه تزوجها ولم يسم لها صداقًا. فمات. فلها المطالبة بمهر المثل ولو لم يكن لها بينة بمقدار الصداق. وعليها اليمين أنها لم تبرؤه ولم تقبض صداقها (٢) .
والأب هو الذي بيده عقدة النكاح، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقاله طائفة من العلماء. وليس في كلام الإمام أحمد أن عفوه صحيح لأن بيده عقدة النكاح، بل لأن له أن يأخذ من مالها ما شاء. وتعليل الإمام أحمد بالأخذ من مالها ما شاء يقتضي جواز العفو بعد الدخول على الصداق كله. وكذلك سائر الديون.
والأشبه في مسألة الزوجة الصغيرة أنه يستحق وليها المطالبة لها
стр. 952
بنصف الصداق والنصف الآخر لا يطالب به إلا إذا مكنت من نفسها؛ لأن النصف مستحق بإزاء الحبس وهو حاصل بالعقد، والنصف الآخر بإزاء الدخول فلا تستحقه إلا ببذل نفسها (١) .
إذا دخل بها وكان قد سمى لها صداقًا ثم طلقها فلا متعة لها. وعنه لها المتعة، وعنه تجب لكل مطلقة. وعنه تجب للكل إلا لمن دخل بها وسمى لها مهرًا. قال الشيخ تقي الدين عن هذه الرواية الثالثة صوابه إلا من سمي مهرها ولم يدخل بها. قال: وإنما هذا زيغ حصل من قلم صاحب «المحرر» (٢) .
وتجب المتعة لكل مطلقة وهو رواية عن الإمام أحمد نقلها حنبل، وهو ظاهر دلالة القرآن. واختار أبو العباس في الاعتصام بالكتاب والسنة أن لكل مطلقة متعة إلا التي لم يدخل بها وقد فرض لها وهو رواية عن الإمام أحمد وقاله عمر.
وإذا أوجبنا المتعة للمدخول بها وكان الطلاق بائنًا أو رجعيًا فينبغي أن تجب لها أيضًا مع نفقة العدة حيث أوجبناها، وتكون نفقته الرجعية مغنية عن متاع آخر بحيث لا يجب لها كسوتان (٣) .
وإن مات أحدهما ورثه صاحبه، ولها مهر نسائها. وقيل عنه: لا مهر لها. قال الشيخ تقي الدين: في القلب حزازة من هذه الرواية، والمنصوص عنه في رواية الجماعة أن لها مهر المثل على حديث بروع بنت واشق نص عليه في رواية علي بن سعيد وصالح ومحمد بن الحكم والميموني وابن منصور وحمدان بن علي وحنبل. قال: ونقل عن الإمام أحمد ﵀ رواية تخالف السنة وإجماع الصحابة بل الأمة؛ فإن
стр. 953
القائل قائلان: قائل بوجوب مهر المثل وقائل بسقوطه، فعلمنا أن ناقل ذلك غالط عليه.
والغلط إما في النقل (١) وإما ممن دونه: في السمع، أو في الحفظ، أو في الكتاب؛ إذ من أصل الإمام أحمد الذي لا خلاف عنه فيه أنه لا يجوز الخروج عن أقوال الصحابة ولا يجوز ترك الحديث الصحيح من غير معارض له من جنسه، وكان ﵀ شديد الإنكار على من يخالف ذلك فكيف يفعله هو -مع أمانته- من غير موافقة لأحد؟ ومع أن هذا القول لا حظ له في الآية، ولا له نظير. هذا مما يعلم قطعًا أنه باطل (٢) .
قال أصحابنا وغيرهم: يجب مهر المثل للموطوءة بشبهة.
وينبغي أنه إذا أمكن أن يكون في وطء الشبهة مسمى فيكون هو الواجب؛ فإن الشبهة ثلاثة أقسام: شبهة عقد، وشبهة اعتقاد، وشبهة ملك.
فأما عقد النكاح فلا ريب فيه.
وأما عقد البيع فإنه إذا وطئ الجارية المشتراة شراء فاسدًا فالأشبه ألا مهر ولا أجرة لمنافعها.
وأما شبهة الاعتقاد فإن كان الاشتباه عليه فقط فينبغي ألا يجب لها مهر. وإن كان عليها فقط فإن اعتقدت أنه زوجها فلا يبعد أن يجب لها المهر المسمى.
وأما شبهة الملك: مثل مكاتبته وأمة مكاتبته والأمة المشتركة فإن كان قد اتفق مع مستحق المهر على شيء فينبغي أن لا يجب سواه.
стр. 954
وهذا قياس ضمان الأعيان والمنافع فإنها تضمن بالقيمة، إلا أن يكون المالك قد اتفق مع المتلف على غير ذلك، سواء كان الإتلاف حلالاً أو حرامًا.
وإذا تكرر الوطء في نكاح الشبهة فلا ريب أن الواجب مهر واحد، كما تجب عدة واحدة (١) .
وقوله: ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة. وظاهر كلام الشيخ تقي الدين. أنه لا يجب لها مهر، لأنه قال: البضع إنما يتقوم على زوج أو شبهه فيملكه (٢) .
«والمكرهة على الزنا» وعنه: يجب للبكر خاصة، وعنه لا يجب مطلقًا، ذكرها واختارها الشيخ تقي الدين، وقال: هو خبيث (٣) .
ولا يجب المهر للمكرهة على الزنا. وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة واختيار أبي البركات.
وذكر أبو العباس في موضع آخر عن أبي بكر التفرقة فأوجبه للبكر دون الثيب، ورواه ابن منصور عن الإمام أحمد. لكن الأمة البكر إذا وطئت مكرهة أو بشبهة أو مطاوعة فلا ينبغي أن يختلف في وجوب أرش البكارة، وهو ما نقص من قيمتها بالثيوبة. وقد يكون بعض القيمة أضعاف مهر مثل الأمة.
ومتى خرجت منه زوجته بغير اختياره بإفسادها أو بإفساد غيرها أو بيمينه لا تفعلي شيئًا ففعلته: فله مهرها. وهو رواية عن الإمام أحمد كالمفقود؛ بناء على الصحيح أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم، وهو رواية عن الإمام أحمد.
стр. 955
والفرقة إن كانت من جهتها فهي كإتلاف البائع. فيخير على المشهور بين مطالبتها بمهر المثل وضمان المسمى لها وبين إسقاط المسمى (١) .
باب وليمة العرس
الوليمة تختص بطعام العرس في مقتضى كلام أحمد في رواية المروذي. وقيل: تطلق على كل طعام لسرور حادث، وقاله القاضي في «الجامع» .
وقيل: تطلق على ذلك إلا أنه في العرس أظهر (٢) .
تستحب الوليمة بالعقد ... وقال الشيخ تقي الدين: تستحب بالدخول (٣) .
ووقت الوليمة في حديث زينب وصفته تدل على أنه عقب الدخول (٤) .
والإجابة إليها واجبة. وقيل: مستحبة، واختاره الشيخ تقي الدين ﵀ (٥) .
قال في الترغيب والبلغة: إن علم حضور الأرذال ومَنْ مجالستهم تزري بمثله لم تجب إجابته. قال الشيخ تقي الدين على هذا القول: لم أره لغيره من أصحابنا. قال: وقد أطلق الإمام أحمد ﵀ الوجوب واشتراط الحل وعدم المنكر. فأما هذا الشرط فلا أصل له، كما أن
стр. 956
مخالطة هؤلاء في صفوف الصلاة لا تسقط الجماعة، وفي الجنازة لا تسقط حق الحضور، فكذلك ههنا. وهذه شبهة الحجاج بن أرطاة، وهو نوع من التكبر فلا يلتفت إليه. نعم إن كانوا يتكلمون بكلام محرم فقد اشتملت الدعوة على محرم، وإن كان مكروهًا فقد اشتملت على مكروه، وأما إن كانوا فساقًا لكن لا يأتون بمحرم ولا مكروه لهيبته في المجلس فيتوجه أن يحضر إذا لم يكونوا ممن يهجرون مثل المستترين. أما إن كان في المجلس من يهجر ففيه نظر. والأشبه جواز الإجابة لا وجوبها. اهـ (١) .
وقال أبو داود: قيل لأحمد تجيب دعوة الذمي؟ قال: نعم. قال الشيخ تقي الدين: قد يحمل كلامه على الوجوب (٢) .
والدعاء إلى الوليمة إذن في الأكل والدخول، قاله في المغني. وقال في المحرر: لا يباح الأكل إلا بصريح إذن أو عرف، وكلام الشيخ عبد القادر يوافقه، وما قالاه مخالف لما عليه عامة الأصحاب (٣) .
وأعدل الأقوال إنه إذا حضر الوليمة، وهو صائم إن كان ينكسر قلب الداعي بترك الأكل فالأكل أفضل. وإن لم ينكسر قلبه فإتمام الصوم أفضل.
ولا ينبغي لصاحب الدعوة الإلحاح في تناول الطعام للمدعو إذا امتنع، فإن كلا الأمرين جائز. ولا ينبغي للمدعو إذا رأى أنه يترتب على امتناعه مفاسد أن يمتنع، فإن فطره جائز. فإن كان ترك الجائز مستلزما لأمور محذورة ينبغي أن يفعل ذلك الجائز، وربما يصير واجبا (٤)
стр. 957
والأشبه جواز الأجابة لا وجوبها إذا كان في مجلس الوليمة من يهجره (١) .
والحضور مع الإنكار المزيل على قول عبد القادر هو حرام، وعلى قول القاضي والشيخ أبي محمد هو واجب. والأقيس بكلام الإمام أحمد في التخيير عند المنكر المعلوم غير المحسوس أن يخير بينهما أيضا، وإن كان الترك أشبه بكلامه لزوال المفسدة بالحضور والإنكار؛ لكن لا يجب لما فيه من تكليف الإنكار. ولأن الداعي أسقط حرمته باتخاذه المنكر.
ونظر هذا إذا مر بمتلبس بمعصية هل يسلم عليه، أو يترك التسليم؟
وإن خافا أن يأتوا بالمحرم ولم يغلب على ظنهم أحد الطرفين فقد تعارض الواجب وهو الدعوة والمبيح وهو خوف شهود الخطيئة فينبغي ألا يجب؛ لأن الموجب لم يسلم من المعارض المساوي، ولا يحرم؛ لأن المحرم كذلك؛ فينتفي الوجوب والتحريم وينبغي الجواز.
ونصوص الإمام أحمد كلها تدل على المنع من اللبث في المكان المضر. وقاله القاضي، وهو لازم للشيخ أبي محمد حيث جزم بمنع اللبث في مكان فيه الخمر وآنية الذهب والفضة، ولذلك مأخذان.
أحدهما: أن إقرار ذلك في المنزل منكر فلا يدخل إلى مكان فيه ذلك. وعلى هذا فيجوز الدخول إلى دور أهل الذمة وكنائسهم وإن كانت فيها صور؛ لأنهم يقرون على ذلك فإنهم لا ينهون عن ذلك كما ينهون عن إظهار الخمر. وبهذا يخرج الجواب عما احتج به أبو محمد. ويكون منع الملائكة سببًا لمنع كونها في المنزل.
стр. 958
وعلى هذا فلو كان في الدعوة كلب لا يجوز اقتناؤه لم تدخل الملائكة أيضا بخلاف الجنب، فإن الجنب لا يطول بقاؤه جنبا فإنما تمتنع الملائكة من الدخول إذا كان الجنب هناك زمنا يسيرا.
والثاني أن يكون نفس اللبث محرما أو مكروها. ويستثنى من ذلك أوقات الحاجة، كما في حديث عمر وغيره، تكون العلة ما يكتسبه المنزل من الصورة المحرمة حتى إنه لا يدخل منازل أهل الذمة.
ورجح أبو العباس في موضع آخر عدم الدخول في بيعة فيها صور، وأنها كالمسجد على القبر (١) .
وله دخول بيعة وكنيسة والصلاة فيهما. وعنه يكره. وعنه مع صورة. وظاهر كلام جماعة تحريم دخوله معهما، وقاله شيخنا، وأنه كالمسجد على القبر. وقال: وليست ملكًا لأحد، وليس لهم منع من يعبد الله، لأنا صالحناهم عليه، والعابد بينهم وبين الغافلين أعظم أجرًا.
ويحرم شهود عيد ليهود أو نصارى لقوله تعالى: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ نقله مهنا، وقاله الآمدي، وترجمه الخلال بالكراهة، وفيه تنيبه على المنع أن يفعل كفعلهم قاله شيخنا؛ لا البيع لهم فيها نقله مهنا، وحرمه شيخنا، وخرجه على ما ذكره من روايتين منصوصتين في حمل التجارة إلى دار حرب، وأن مثلها مهاداتهم لعيدهم، وجزم غيره بكراهة التجارة والسفر إلى أرض كفر ونحوه. وقال شيخنا أيضا: لا يمنع منه إذا لم يلزموه بفعل محرم أو ترك واجب وينكر ما يشاهده من المنكر بحسبه قال: ويحرم بيع ما يعملونه كنيسة أو تمثالاً ونحوه. قال: ولك ما فهي تخصيص لعيدهم وتمييز له فلا أعلم خلافا أنه من التشبه والتشبه بالكفار منهي عنه. (ع) قال: ولا ينبغي إجابة هذه
الوليمة. قال: ولما صارت العمامة الصفراء والزرقاء من شعارهم لم يجز
стр. 959
لبسها فكيف بمن يشاركهم في عباداتهم وشرائع دينهم؟ بل ليس لمسلم أن يحضر مواسمهم بشيء مما يخصونها به، وليس لمسلم أن يجيب دعوة مسلم في ذلك، ويحرم الأكل والذبح ولو أنه فعله ولأنه اعتاده وليفرح أهله، ويعزر إن عاد (١) .
وقد نص الإمام أحمد على أن الرجل إذا شهد الجنازة فرأى فيها منكرًا يقدر على إزالته أنه لا يرجع، ونص على أنه إذا دعي إلى وليمة عرس فرأى فيها منكرًا لا يقدر على إزالته أنه يرجع.
فسألت شيخنا عن الفرق، فقال: لأن الحق في الجنازة للميت، فلا يترك حقه لما فعله الحي من المنكر. والحق في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقه من الإجابة (٢) .
قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن الجوز ينثر؟ فكرهه. وقال: يعطون أو يقسم عليهم. وقال في رواية إسحاق بن هانئ: لا يعجبني انتهاب الجوز وأن يؤكل منه والسكر كذلك.
قال القاضي: يكره الأكل مما التقطه من النِّثار سواء أخذه هو أو أخذه ممن أخذه. وقول الإمام أحمد: هذه نهبة، يقتضي التحريم، وهو قوي. وأما الرخصة المحضة فتبعد جدًا (٣) .
وكسب المغني خبيث باتفاق الأئمة. والمغني خارج عن العدالة (٤) .
وذكر الشيخ تقي الدين في الكلام على حديث ابن عمر: «أنه كان مع النبي ﷺ وسمع زمارة راع وسد أذنيه» قال: لم يعلم أن الرقيق كان
стр. 960
بالغًا فلعله كان صغيرًا دون البلوغ، والصبيان رخص لهم في اللعب ما لم يرخص فيه للبالغ. انتهى كلامه.
وذكر الأصحاب وغيرهم أن سماع المحرم بدون استماعه -وهو قصد السماع- لا يحرم وذكر الشيخ تقي الدين أيضًا وزاد باتفاق المسلمين. قال: وإنما سد النبي ﷺ أذنيه مبالغة في التحفظ، فبين بذلك الامتناع من أن يسمع ذلك خير من السماع (١) .
آداب الأكل والشرب
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خَرَجَ مِنَ الْخَلاَءِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ. فَقَالُوا: أَلاَ نَأْتِيْكَ بوضُوْء؟ قالَ: إنَّما أمُرْتُ بِالوُضُوْءِ إِذَا قُمْتُ إلى الصَّلاةِ» رواه جماعة منهم الترمذي وحسنه والبيهقي وصححه. وذكر الشيخ تقي الدين أن هذا ينفي وجوب الوضوء عند كل حدث، وأن قوله ﷺ «مَا دَخَلْتُ الجنَّةَ إلاَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَتَهُ أَمَامِيْ» الحديث يقتضي استحباب الوضوء عند كل حدث. وقال البيهقي: الحديث في غسل اليدين بعد الطعام حسن، ولم يثبت في غسل اليدين قبل الطعام حديث. قال جماعة من العلماء: المراد بالوضوء في هذه الأحاديث غسل اليدين لا الوضوء الشرعي. وقال الشيخ تقي الدين: ولم نعلم أحدًا استحب الوضوء للأكل إلا إذا كان الرجل جنبًا. انتهى كلامه (٢) .
وأكل النساء الأجانب مع الرجل لا يفعل إلا لحاجة: من ضيق المكان، أو قلة الطعام، ومع ذلك فلا تكشف وجهها للأجانب،
ولا يلقمها الأجنبي، ولا تلقمه. ولما سئل النبي ﷺ عن الحمو؟ قال:
стр. 961
«الْحَمُو المَوْتُ» والحمو أخو الزوج ونحوه، دون أبيه فإنه محرم. وفي الحديث: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ دَيُّوْثٌ» ، وهو الذي لا غيرة له، بل إذا رأى في أهله شيئًا لم ينكره (١) .
ويقول عند الأكل: باسم الله. فإن زاد «الرحمن الرحيم» كان حسنًا؛ فإنه أكمل؛ بخلاف الذبح فإنه قد قيل إن ذلك لا يناسب (٢) .
وقال ابن أبي موسى: وإذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول: باسم الله، وتتناول بيمينك.
قال الشيخ تقي الدين: كلام ابن أبي موسى فيه وجوب التسمية، والتناول باليمين. فينبغي أن يقول: يجب الاستنجاء باليسرى ومس الفرج بها دون اليمنى. ربما لين النهي في كليهما (٣) .
قال الشيخ عبد القادر وغيره: يكره الأكل على الطريق. قال: ويستحب أن يبدأ بالملح، ويختم به. قال الشيخ تقي الدين فقد زاد الملح (٤) .
هل يستحب تقبيل الخبز كما يفعله بعض الناس؟
كلام الإمام أحمد ﵀ في مسألة تقبيل المصحف يدل على عدم التقبيل، وهو ظاهر كلام الشيخ تقي الدين؛ فإنه ذكر أنه لا يشرع تقبيل الجمادات إلا ما استثناه الشرع (٥) .
ويكره القران في التمر. وقيل: مع الشركاء فيه لا وحده ولا مع أهله ولا مع من أطعمهم ذلك.
стр. 962
قال الشيخ تقي الدين: وعلى قياسه قران كل ما العادة جارية بتناوله أفرادًا (١) .
قال ابن الجوزي: ولا يكثر النظر إلى المكان الذي يخرج منه الطعام؛ فإنه دليل منه على الشره. وهذا منه يدل على أنه لا ينبغي فعل ما يدل على الشره، ومنه الأكل الكثير الذي يخرج به عن العادة في ذلك الوقت. ولهذا كان الشيخ تقي الدين ﵀ إذا دعي أكل ما يكسر نهمته قبل ذهابه (٢) .
ويسن أن يصغر اللقم، ويجيد المضغ. قال الشيخ تقي الدين: إلا أن يكون هناك ما هو أهم من إطالة الأكل. وقال أيضًا: هو نظير ما ذكره الإمام أحمد من استحباب تصغير الأرغفة (٣) .
وكره شيخنا أكله حتى يتخم، وحرمه أيضًا، وحرم أيضًا الإسراف، وهو مجاوزة الحد (٤) .
واختلف كلام أبي العباس في أكل الإنسان حتى يتخم: هل يكره، أو يحرم؟ وجزم أبو العباس في موضع آخر بتحريم الإسراف وفسره بمجاوزة الحد (٥) .
وعن سمرة بن جندب أنه قيل له: إن ابنك بات البارحة بشمًا. قال: أما لو مات لم أصل عليه. قال الشيخ تقي الدين: يعني أنه أعان على قتل نفسه، فيكون كقاتل نفسه. وقال في موضع آخر: يكره أن يأكل حتى يتخم ثم ذكره ما سبق عن سمرة (٦) .
стр. 963
ويأكل الإنسان من بيت صديقه وقريبه بغير إذنه إذا لم يحرزه عنه (١) .
قال الشيخ عبد القادر: والشيخ تقي الدين أيضًا: يأكل الضيف على ملك صاحب الطعام على وجه الإباحة، وليس ذلك بتمليك (٢) .
وقال غير واحد: يكره غسل اليد بشيء من المطعوم، ولا بأس بالنخالة. قال في المغني: واستدل الخطابي على ذلك بحديث «الملح والملح طعام» ففي معناه ما أشبهه. قال الشيخ تقي الدين: وهذا من أبي محمد يقتضي جواز غسلهما بالمطعوم. وهذا خلاف المشهور (٣) .
قال الشيخ تقي الدين: يستدل على كراهة الاغتسال بالأقوات بأن ذلك يفضي إلى خلطها بالأدناس والأنجاس فنهي عنه كما ينهى عن إزالة النجاسة بها، والملح ليست قوتًا وإنما يصلح به القوت. نعم ينهى في الاستنجاء عن قوت الآدميين والبهائم للإنس والجن. هذا لا يستنجي بالنخالة وإن غسل يده بها، فأما إن دعت الحاجة إلى استعمال القوت مثل الدبغ بدقيق الشعير أو التطبب للجرب باللبن والدقيق ونحو ذلك فينبغي أن يرخص فيه، كما رخص في قتل دود القز بالتشميس لأجل الحاجة؛ إذ لا يكون حرمة القوت أعظم من حرمة الحيوان، وبهذا قد يجاب عن الملح أنها استعملت لأجل الحاجة. وعلى هذا فيستدل بهذا الأصل الشرعي على المنع من إهانتها بوضع الإدام فوقها كما ذكره الشيخ عبد القادر. ودليل آخر وهو أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وأخذ اللقمة الساقطة وإماطة الأذى عنها كل ذلك يضيع شيء من القوت. والتدلك به إضاعة له لقيام غيره مقامه، وهو من أنواع التبذير الذي هو من فعل الشيطان.
стр. 964
وسئلت عن مثل هذه: وهو غسل الأيدي بالمسك؟ فقلت: إنه إسراف؛ بخلاف تتبع الدم بالقرصة الممسكة فإنه يسير لحاجة، وهذا كثير لغير حاجة. فاستعمال الطيب في غير التطيب وغير حاجة كاستعمال القوت في غير التقوت وغير حاجة. وحديث البقرة أنها لم تخلق لهذا يستأنس به في مثل هذا.
ويستدل على ما فعله أحمد من مسح اليد عند كل لقمة بأن وضع اليد في الطعام يخلط أجزاء من الريق في الطعام فهو في معنى ما نهى عنه النبي ﷺ من التنفس في الإناء؛ لكن يسوغ فيه لمشقة المسح عند كل لقمة، فمن يحشم المسح فذلك حسن منه. انتهى كلامه (١) .
قال في «اقتضاء الصراط المستقيم» قال أصحاب أحمد وغيرهم منهم أبو الحسن الآمدي وأظنه نقله أيضًا عن عبد الله بن حامد: ولا يكره غسل اليدين في الإناء الذي أكل فيه؛ لأن النبي ﷺ فعله. وقد نص احمد على ذلك قال: ولم يزل العلماء يفعلون ذلك ونحن نفعله وإنما ينكره العامة. وغسل اليدين بعد الطعام مسنون رواية واحدة. وإذا قدم ما يغسل فيه اليد فلا يرفع حتى يغسل الجماعة أيديهم، لأن الرفع من زي الأعاجم (٢) .
وعن أنس ﵁ «أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلاَئِكَةُ» . وكلامه في الترغيب يقتضي أنه جعل هذا الكلام دعاء واستحب الدعاء به لكل من أكل طعامه. وعلى قول الشيخ عبد القادر إنما يقال هذا إذا أفطر عنده فيكون خبرًا. قال الشيخ تقي الدين: وهو الأظهر. انتهى كلامه (٣) .
стр. 965
باب العشرة
وكلام القاضي في التعليق يقتضي أن التمكين من القبلة ليس بواجب على الزوجة.
قال أبو العباس: وما أراه صحيحًا؛ بل تجبر على تمكينه من جميع أنواع الاستمتاع المباحة (١) .
قال ابن القيم ﵀: وقد اختلف الفقهاء: هل يجب على الزوج مجامعة امرأته؟
فقالت طائفة: لا يجب عليه ذلك. إلى أن قال:
وقال طائفة: يجب عليه وطؤها في العمر مرة واحدة ليستقر لها بذلك الصداق.
وقال طائفة ثالثة: بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف، كما ينفق عليها ويكسوها ويعاشرها بالمعروف؛ بل هذا عمدة المعاشرة ومقصودها، وقد أمر الله أن يعاشرها بالمعروف، فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولا بد.
قالوا: وعليه أن يشبعها وطأ إذا أمكنه ذلك، كما عليه أن يشبعها قوتًا.
وكان شيخنا رحمه الله تعالى يرجح هذا القول ويختاره (٢) .
ويجب على الزوج وطء امرأته بقدر كفايتها ما لم ينهك بدنه أو يشغله عن معيشته من غير مقدر (٣) بأربعة أشهر كالأمة. فإن تنازعا فينبغي أن يفرضه الحاكم كالنفقة، وكوطئه إذا زاد (٤) .
стр. 966
وإذا احتاجت أمته إلى النكاح فإما أن يطأها أو يزوجها (١) .
ويتخرج من نص الإمام احمد أنه يجوز أن يتزوج الأمة لحاجته إلى الخدمة؛ لا إلى الاستمتاع (٢) .
ولو شرط الزوج أن يتسلم الزوجة وهي صغيرة ليحصنها فقياس المذهب على إحدى الروايتين اللتين خرجهما أبو بكر أنها إذا استثنت بعض منفعتها المستحقة عليها بمطلق العقد أو اشترطت عليه زيادة على ما تستحقه بمطلق العقد أنه يصح هذا الشرط، كما لو اشترط في الأمة أن تكون نهارًا عند السيد وقلنا إن ذلك موجب العقد المطلق أو لم نقل فأحد الوجهين أن هذا الشرط للسيد لا عليه، كاشتراط دارها، وهو شرط له وعليه، ولو خرج هذا على اشتراط دارها وهو انه إذا اشترطت دارها لم يكن عليه أجرة تلك الدار لكان متوجهًا.
وإذا كان موجب العقد من التقابض مرده إلى العرف فليس العرف أن المرأة تسلم إليه صغيرة، ولا يستحق ذلك لعدم التمكن من الانتفاع، ولا تجب عليه النفقة، فإنه إذا لم يكن عليه حق في بدنها لعدم تمكنه فلا نفقة لها، إذ النفقة تتبع الحق البدني (٣) .
ويحرم وطء الحائض. وإذا تكرر من الزوج الوطء في الفرج لم ينزجر فرق بينهما كما قلنا إذا وطئها في الدبر ولم ينزجر (٤) .
ولو تطاوع الزوجان على الوطء في الدبر فرق بينهما. وقاله أصحابنا. وعلى قياسه المطاوعة على الوطء في الحيض (٥) .
стр. 967
فصل
المبيت، والقسم
قال أصحابنا: لا يجوز أن تأخذ الزوجة عوضًا عن حقها من المبيت. وكذا الوطء. ووقع في كلام القاضي ما يقتضي جوازه.
قال أبو العباس: وقياس المذهب عندي جواز أخذ العوض عن سائر حقوقها من القسم وغيره؛ لأنه إذا جاز للزوج أن يأخذ العوض عن حقه منها جاز لها أن تأخذ العوض عن حقها منه؛ لأن كلاً منهما منفعة بدنية. وقد نص الإمام أحمد في غير موضع أنه يجوز أن تبذل المرأة العوض ليصير أمرها بيدها. ولأنها تستحق حبس الزوج كما يستحق الزوج حبسها، وهو نوع من الرق فيجوز أخذ العوض عنه.
وقد تشبه هذه المسألة الصلح عن الشفعة وحد القذف (١) .
ويتوجه أن لا يتقدر قسم الابتداء الواجب، كما لا يتقدر الوطء؛ بل يكون بحسب الحاجة. فإنه قد يقال: جواز التزوج بأربع لا يقتضي أنه إذا تزوج بواحدة يكون لها حال الانفراد ما لها حال الاجتماع. وعلى هذا فتحمل قصة كعب بن سوار على أنه تقدير شخص لا يراعي، كما لو فرض النفقة.
وقول أصحابنا: يجب على الرجل المبيت عند امرأته ليلة من أربع. فهذا المبيت يتضمن شيئين. أحدهما: المجامعة في المنزل. والثانية في المضجع وقوله تعالى: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ [٣٤/٤] مع قوله ﷺ : «ولا تهجر إلا في المضجع» دليل على وجوب المبيت
في المضجع، ودليل على أنه لا يهجر المنزل. ونص أحمد في الذي يصوم النهار ويقوم الليل يدل على وجوب المبيت في المضجع، وكذا ما
стр. 968
ذكروه في النشوز إذا نشزت هجرها في المضجع. دليل على أنه لا يفعله بدون ذلك.
وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتضي للفسخ بكل حال، سواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد ولو مع قدرته وعجزه كالنفقة وأولى. للفسخ بتعذره في الإيلاء إجماعًا.
وعلى هذا فالقول في امرأة الأسير والمحبوس ونحوهما ممن تعذر انتفاع امرأته به إذا طلبت فرقته كالقول في امرأة المفقود بالإجماع كما قاله أبو محمد المقدسي.
قال أصحابنا: ويجب على الزوج أن يبيت عند زوجته الحرة ليلة من أربع وعند الأمة ليلة من سبع أو ثمان على اختلاف الوجهين.
ويتوجه على قولهم: إنه يجب للأمة ليلة من أربع؛ لأن التنصيف إنما هو في قسم الابتداء، فلا يملك الزوج بأكثر من أربع. وذلك أنه إذا تزوج بأربع إماء فهن في غاية عدده. فتكون الأمة كالحرة في قسم الابتداء. وأما في قسم التسوية فيختلفان إذا جوزنا للحر أن يجمع بين ثلاث حرائر وأمة في رواية.
وأما على الرواية الأخرى فلا يتصور ذلك.
وأما العبد فقياس قولهم أنه يقسم للحرة ليلة من ليلتين، وللأمة ليلة من ثلاث أو أربع، ولا يتصور أن يجمع عنده أربعًا على قولنا وقول الجمهور. وعلى قول مالك يتصور.
قال أصحابنا: ويجب وطء المعيبة كالبرصاء والجذماء إذا لم يجز الفسخ، وكذلك يجب عليها تمكين الأبرس والأجذم. والقياس وجوب ذلك. وفيه نظر؛ إذ من الممكن أن يقال عليها وعليه في ذلك ضرر؛ لكن إذا لم تمكنه فلا نفقة لها. وإذا لم يستمتع بها فلها الفسخ، ويكون المثبت للفسخ هنا عدم وطئه، فهذا يعود إلى وجوبه.
стр. 969
وينفق على المجنون المأمون وليه. والأشبه أنه من يملك الولاية على بدنه؛ لأنه يملك الحضانة. فالذي يملك تعليمه وتأديبه الأب ثم الوصي.
قال أصحابنا: ويأثم إن طلق إحدى زوجتيه وقت قسمها. وتعليلهم يقتضي أنه إذا طلقها قبل مجيء نوبتها كان له ذلك. ويتوجه أن له الطلاق مطلقًا؛ لأن القسم إنما يجب ما دامت زوجة كالنفقة. وليس هو شيء مستقر في الذمة قبل مضي وقته حتى يقال هو دين. نعم: لو لم يقسم لها حتى خرجت الليلة التي لها وجب عليها القضاء، فلو طلقها قبله كان عاصيًا. ولو أراد أن يقضيها عن ليلة من ليالي الشتاء ليلة من ليالي الصيف كان لها الامتناع لأجل تفاوت ما بين الزمانين (١) .
وقال شيخنا: خرج ابن عقيل قولاً: لها الفسخ بالغيبة المضرة بها ولو لم يكن مفقودًا، كما لو كوتب فلم يحضر بلا عذر. وفي المغني: في امرأة من علم خبره كأسير ومحبوس لها الفسخ بتعذر النفقة من ماله وإلا فلا إجماعًا. قال شيخنا: لا إجماع. وإن تعذر الوطء لعجز كالنفقة وأولى. للفسخ بتعذره (ع) في الإيلاء، وقاله أبو يعلى الصغير. وقال أيضًا: حكمه كعنين (٢) .
وللزوج منع الزوجة من الخروج من منزله. فإذا نهاها لم تخرج لعيادة مريض محرم لها أو شهود جنازته. فأما عند الإطلاق فهل لها أن تخرج لذلك إذا لم يأذن ولم يمنع كعمل الصناعة. أو لا تفعل إلا بإذن كالصيام؟ تردد فيه أبو العباس (٣) .
стр. 970
وكلام الإمام أحمد يدل على أنه ينهى عن الإذن للذمية بالخروج إلى الكنيسة والبيعة؛ بخلاف الإذن للمسلمة إلى المسجد، فإنه مأمور بذلك. وكذا قال في المغني: إن كانت زوجته ذمية فله منعها من الخروج إلى الكنيسة وإن كانت مسلمة فقال القاضي: له منعها من الخروج إلى المسجد، وظاهر الحديث يمنعه من منعها (١) .
قال شيخنا فيمن حبسته بحقها: إن خاف خروجها بلا إذنه أسكنها حيث لا يمكنها، فإن لم يكن له ما يحفظها غير نفسه حبست معه. فإن عجز عن حفظها أو خيف حدوث شر أسكنت في رباط ونحوه. ومتى كان خروجها مظنة للفاحشة صار حقًا لله تعالى يجب على ولي الأمر رعايته (٢) .
ولو سافر بإحداهن بغير قرعة. قال أصحابنا: يأثم ويقضي. والأقوى: أنه لا يقضي، وهو قول الحنفية والمالكية (٣) .
وعليه أن يسوي بين نسائه في القسم. وقال الشيخ تقي الدين: يجب عليه التسوية فيهما أيضًا (النفقة والكسوة) وقال: كما علل القاضي عدم الوجوب بقوله: لأن حقهن في النفقة والكسوة والقسم وقد سوى بينهما وما زاد على ذلك فهو تطوع فله أن يفعله إلى من شاء. قال: موجب هذه العلة أن له أن يقسم للواحدة ليلة من أربع لأنه الواجب ويبيت الباقي عند الأخرى. اهـ (٤) .
وذكر القاضي أنه إذا وفى الثانية من حقها ونصفها من حق الأخرى فيثبت للجديدة في مقابلة ذلك نصف ليلة بإزاء ما حصل لكل واحدة من
стр. 971
ضرتيها ... قال في الفروع بعد أن قدم قول القاضي: واختار الشيخ تقي الدين لا يبيت نصفها بل ليلة كاملة لأنه حرج (١) .
وقال الشيخ تقي الدين: يجب عليها المعروف من مثلها لمثله، وخرج الشيخ تقي الدين الوجوب من نصه على نكاح الأمة للخدمة (٢) .
فصل: النشوز
وقال ثعلب: العرب تقول: صبرك على أذى من تعرفه خير لك من استحداث من لا تعرفه. وكان شيخنا يقول هذا المعنى (٣) .
وتهجر المرأة زوجها في المضجع لحق الله، بدليل قصة الذين خلفوا في غزوة تبوك. وينبغي أن تملك النفقة في هذه الحال؛ لأن المنع منه، كما لو امتنع من أداء الصداق (٤) .
وإذا ادعت الزوجة أو وليها أن الزوج يظلمها، وكان الحاكم وليها، وخاف ذلك نصب الحاكم مشرفًا. وقال القاضي: متى ظهر للحاكم أنه يظلمها نصب مشرفًا. وفيه نظر.
ومسألة نصب المشرف لم يذكرها الخرقي والقدماء. ومقتضى كلامه إذا وقعت العداوة وخيف الشقاق بعث الحكمان من غير احتياج إلى مشرف.
قال أصحابنا: ويجوز أن يكون الحكمان أجنبيين، ويستحب أن يكونا من أهلهما. ووجوب كونهما من أهلهما هو مقتضى قول الخرقي،
стр. 972
فإنه اشترطه كما اشترط الأمانة. وهذا أصح؛ فإنه نص القرآن، ولأن الأقارب أخبر بالعلل الباطنة وأقرب إلى الأمانة والنظر في المصلحة.
وأيضًا فإنه نظر في الجمع والتفريق، وهو أولى من ولاية عقد النكاح، لا سيما إن جعلناهما حاكمين كما هو الصواب، ونص عليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين، وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما، وهو مذهب مالك.
وهل للحكمين -إذا قلنا هما حكمان لا وكيلان- أن يطلقا ثلاثًا، أو يفسخا كما في المولي؟ أقوال هناك. لما قام الوكيل مقام الزوج في الطلاق ملك ما يملكه من واحدة وثلاث فيتوجه هنا كذلك إذا قلنا هما حاكمان. وإن قلنا وكيلان لم يملكا إلا ما وكلا فيه. وأما الفسخ هنا فلا يتوجه؛ لأن الحكم ليس حاكمًا أصليًا (١) .
باب الخلع
والتحقيق أنه يصح ممن يصح طلاقه بالملك أو الوكالة أو الولاية كالحاكم في الشقاق. وكذا لو فعله الحاكم في الإيلاء أو العنة أو الإعسار أو غيرها من المواضع التي يملك الحاكم فيها الفرقة. ولأن العبد والسفيه يصح طلاقهما بلا عوض فبالعوض أولى.
لكن قد يقال في قبولهما للوصية والهبة بلا إذن الولي وجهان. فإن لم يكن بينهما فرق صحيح فلا يخرج الخلاف (٢) .
والذي يقتضيه القياس أنهما إذا أطلقا الخلع صح بالصداق، كما لو أطلقا النكاح ثبت صداق المثل، فكذا الخلع وأولى.
وقال أبو العباس في موضع آخر: هل للزوج إبانة امرأته بلا
стр. 973
عوض؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ليس له أن يبينها إلا بعوض، وإن كان طلاق وقع بعد الدخول بلا عوض فرجعي. وهذا مذهب الشافعي وأحد القولين في مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد.
والقول الثاني: له إبانتها بغير عوض مطلقًا باختيارها وغير اختيارها. وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد.
والقول الثالث: له إبانتها بغير عوض في بعض المواضع دون بعض؛ فإذا اختارت الإبانة بغير عوض فله أن يبينها.
ويصح الخلع بغير عوض، وتقع به البينونة إما طلاقًا وإما فسخًا على إحدى القولين.
وهذا مذهب مالك المشهور عنه في رواية ابن القاسم، وهو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها الخرقي.
وهذا القول له مأخذان. أحدهما: أن الرجعة حق للزوجين، فإذا تراضيا على إسقاطها سقطت. والثاني: أن ذلك فرقة بعوض؛ لأنها رضيت بترك النفقة والسكن ورضي هو بترك استرجاعها. وكما أن له أن يجعل العوض إسقاط ما كان ثابتًا لها من الحقوق كالدين فله أن يجعله إسقاط ما ثبت لها بالطلاق، كما لو خالفها على نفقة الولد. وهذا قول قوي وهو داخل في النفقة من غيره (١) .
ولا يصح الخلع إلا بعوض في إحدى الروايتين، والأخرى يصح بغير عوض، وجعله الشيخ تقي الدين كعقد البيع حتى في الإقالة، وأنه لا يجوز إن كان فسخًا بلا عوض إجماعًا (٢) .
وإن خالعها بمحرم كالخمر.. فهو كالخلع بغير عوض. وعند
стр. 974
الشيخ تقي الدين يرجع إلى المهر كالنكاح (١) .
واختلف كلام الشيخ تقي الدين في وجوب الإجابة إليه. وألزم به بعض حكام الشام المقادسة الفضلاء (٢) .
اختلف كلام أبي العباس في وجوب الخلع لسوء العشرة بين الزوجين. وإن كانت مبغضة له لخلقه أو لغير ذلك من صفاته وهو يحبها فكراهة الخلع في حقه تتوجه (٣) .
قال الشيخ تقي الدين: عبارة الخرقي ومن تابعه أجود من عبارة صاحب المحرر ومن تابعه فإن صاحب المحرر وغيره قال: الخلع لسوء العشرة بين الزوجين جائز. فإن قولهم: لسوء العشرة بين الزوجين فيه نظر؛ فإن النشوز قد يكون من الرجل فتحتاج هي أن تقابله. اهـ (٤) .
ولو عضلها لتفتدي نفسها منه ولم تكن تزني حرمت عليه. قال ابن عقيل: العوض مردود والمرأة بائن.
قال أبو العباس: وله وجه حسن، ووجه قوي إذا قلنا الخلع يصح بلا عوض؛ فإنه بمنزلة من خالع على مال مغصوب أو خنزير ونحوه. وتخريج الروايتين هنا قوي جدًا (٥) .
واعتبر الشيخ تقي الدين خوف قادر على القيام بالواجب أن لا يقيما حدود الله فلا يجوز انفرادها به.
للمختلعة مع زوجها أحد عشر حالاً.
стр. 975
الأول: أن تكون كارهة له مبغضة لخلقه وخلقه أو لغير ذلك من صفاته وتخشى ألا تقوم حدود الله في حقوقه الواجبة عليها، فالخلع في هذه الحال مباح أو مستحب.
الثالثة: كالأولى ولكن للرجل ميل إليها ومحبة، فهذه أدخلها القاضي في المباح كما تقدم، وقال الشيخ تقي الدين: وكراهة الخلع في حق هذه متوجهة.
السادس: أن يظلمها أو يعضلها لتفتدي فتفدي فأكثر الأصحاب على صحة الخلع. وقال الشيخ تقي الدين: لا يحل له ولا يجوز. التاسع: أن يضربها ويؤذيها لتركها فرضًا أو لنشوز فتخالعه كذلك. فقال في الكافي: يجوز. قال الشيخ تقي الدين: تعليل القاضي وأبي محمد -يعني المصنف- يقتضي أنها لو نشزت عليه جاز له أن يضربها لتفتدي نفسها منه. وهذا صحيح (١) .
فصل
وخلع الحبلى لا يصح على الأصح، كما لا يصح نكاح المحلل؛ لأنه ليس المقصود به الفرقة وإنما يقصد به بقاء المرأة تبع زوجها، كما يقصد بنكاح المحلل أن يطلقها لتعود إلى الأول، والعقد لا يقصد به نقض مقصوده، وإذا لم تبن به الزوجة (٢) .
قال القاضي في الخلع: ولو طلقها فشرعت في العدة ثم بذلت له مالاً ليزيل عنها الرجعة لم تزل. ذكره القاضي بما يقتضي أنه محل وفاق. وفيه نظر.
стр. 976
وإذا خالعته على ما يعتقدان وجوبه باجتهاد أو تقليد مثل أن يخالعها على قيمة كلب أتلفته معتقدين وجوب القيمة فينبغي أن يصح.
ولو تزوجها على قيمة كلب له في ذمتها فينبغي أن تصح التسمية؛ لأن وجوب هذا نوع غرر، والخلع يصح على الغرر، بخلاف الصداق.
نقل مهنا عن الإمام أحمد في رجل خلع امرأته على ألف درهم لها على أبيه أنه جائز، فإن لم يعطه أبوه شيئًا رجع على المرأة، وترجع المراة على الأب. وكلام الإمام أحمد صحيح على ظاهره، وهو خلع على الدين، والدين من الغرر، فهو بمنزلة الخلع على البيع قبل القبض، فلما لم يحصل العوض بعينه رجع في بدله، كما قلنا فيمن اشترى مغصوبًا يقدر على تخليصه فلم يقدر.
ولو خالعته على مال في ذمتها ثم أحالته به على أبيه لكان تأويل القاضي متوجهًا. وهو أن القاضي تأول المسألة على أنها حوالة، وأن الزوج لما قبل الحوالة لم يحصل من الأب اعتراف بالدين فلهذا ملك الرجوع عليها بمال الخلع، وكان لها مخاصمة الأب فيما تدعيه. فأما إن كان قد حصل من جهته اعتراف بالدين ثم جحد بعد ذلك لم يكن للزوج الرجوع عليها؛ لأن الحق قد انتقل، وجحوده لا يثبت له الرجوع (١) .
نقل الجراحي في حاشيته على الفروع أن ابن أبي المجد يوسف نقل عن الشيخ تقي الدين أنه قال: تصح الإقالة في الخلع، وفي عوضه كالبيع وثمنه؛ لانهماكهما في غالب أحكامهما من عدم تعليقهما واشتراط العوض والمجلس ونحو ذلك (٢) .
стр. 977
فصل
ومن قال: إن أبرأتيني طلقتك. فقالت: أبرأتك، فلم يطلقها لم يصح الإبراء؛ فإن هذا إيجاب وقبول لما تقدم من الشروط، ودلالة الحال تدل على أن التقدير أبرأتك إن طلقتني، فالشرط المتقدم على العقد كالمقارن (١) .
وإذا قال لزوجته: إن أبرأتيني من نفقة الأولاد وأخذت الأولاد بالكفالة ونحو ذلك من العبارات فأنت طالق، فالتزمت بما قال من الإنفاق فإنه يقع به الطلاق. فإن امتنعت ألزمت بذلك، كما تلزم بغيره من الحقوق (٢) .
إذا قال: إن أعطيتيني أو إذا ... كان على التراضي أي وقت أعطته طلقت. وقال الشيخ تقي الدين: ليس لازمًا من جهته كالكتابة عنده. ووافق على شرط محض كقوله: إن قدم زيد فأنت طالق. وقال في التعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء إن كان معاوضة فهو معاوضة، ثم إن كانت لازمة فلازم وإلا فلا. فلا يلزم الخلع قبل القبول ولا الكتابة. وقال: قول من قال: التعليق لازم دعوى مجردة. اهـ (٣) .
وفي الترغيب وجهان في: إن أقبضتيني فأحضرته ولم يقبضه. فلو قبضه فهل يملكه فيقع الطلاق بائنًا أم لا يملكه فيقع رجعيًا؟ فيه احتمالات. وقيل: يكفي عدد متفق برأسه بلا وزن فلا يكون وازنة ناقصة عددًا ... واختيار الشيخ تقي الدين في الزكاة يقويه (٤) .
قال الشيخ تقي الدين: وقولها إن طلقتني فلك كذا وأنت برئ
стр. 978
منه كإن طلقتني فلك علي ألف وأولى. وليس فيه النزاع في تعليق البراءة بشرط. أما لو التزمت دينًا لا على وجه المعاوضة كإن تزوجت فلك في ذمتي ألف أو جعلت لك في ذمتي ألفًا لم يلزمه عند الجمهور (١) .
وقول المصنف وابن منجا عن القاضي: أنه قال: لا تطلق في قوله عليَّ ألف حتى تختار. قال الشيخ تقي الدين مع أن «عليّ» للشرط اتفاقًا (٢) .
وهل للأب خلع زوجة ابنه الصغيرة؟ على روايتين: إحداهما: ليس له ذلك.. والثانية: له ذلك وذكر الشيخ تقي الدين أنها ظاهر المذهب (٣) .
وإن علق طلاقها بصفة ثم خالعها أو أبانها بالثلاث فوجدت الصفة ثم عاد فتزوجها فوجدت الصفة طلقت. ويتخرج ألا تطلق على الرواية في العتق.. وجزم في الروضة بالتسوية بين العتق والطلاق. وقال أبو الخطاب وتبعه في الترغيب: الطلاق أولى من العتق، وحكاه ابن الجوزي رواية والشيخ تقي الدين، وحكاه أيضًا قولاً.
وإن لم توجد الصفة حال البينونة عادت رواية. هكذا قال الجمهور. وذكر الشيخ تقي الدين رواية أن الصفة لا تعود مطلقًا، يعني سواء وجدت حال البينونة أو لا (٤) .
стр. 979
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
قدَّسَ الله رُوحَه
المجلد الخامس
الطلاق- علوم
جمعه ورتبه
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
стр. 980
كتاب الطلاق
ويصح الطلاق من الزوج، وعن الإمام أحمد رواية: ومن والد الصبي والمجنون وسيدهما، والذي يجب أن يسوى في هذا الباب بين العقد والفسخ.. فكل من ملك العقد عليه ملك الفسخ عليه؛ فإن هذا قياس هذه الرواية، وهو موجب شهادة الأصول، ويندرج في هذا الوصي المزوج والأولياء إذا زوجوا المجنون، فإذا جوزنا للولي في إحدى الروايتين استيفاء القصاص وجوزنا له الكتابة والعتق لمصلحة وجوزنا له المقايلة في البيع وفسخه لمصلحة فقد أقمناه مقام نفسه، وكذلك الحاكم الذي له التزويج.. وهذا فيمن يملك جنس النكاح (١) .
ويجب على الزوج أمر زوجته بالصلاة، فإن لم تصل وجب عليه فراقها في الصحيح.
وقال أبو العباس في موضع آخر: إذا دعيت إلى الصلاة وامتنعت انفسخ نكاحها في أحد قولي العلماء، ولا ينفسخ في الآخر، إذ ليس كل من وجب عليه فراقها ينفسخ نكاحها بلا فعله، فإن كان عاجزا عن طلاقها لثقل مهرها كان مسيئا بتزوجه بمن لا تصلي، وعلى هذا الوجه فيتوب إلى الله تعالى من ذلك، وينوي أنه إذا قدر على أكثر من ذلك فعله (٢) .
стр. 981
وقال له رجل: لي جارية وأمي تسألني أن أبيعها قال: تتخوف أن تتبعها نفسك قال: نعم، قال لا تبعها، قال: إنها تقول: لا أرضى عنك أو تبيعها قال: إن خفت على نفسك فليس لها ذلك، قال الشيخ تقي الدين: لأنه إذا خاف على نفسه يبقى إمساكها واجبًا، أو لأن عليه في ذلك ضررًا، وقال أيضًا: قيده أمره ببيع السرية إذا خاف على نفسه، لأن بيع السرية ليس بمكروه ولا ضرر عليه فيه فإنه يأخذ الثمن، بخلاف الطلاق فإنه مضر في الدين والدنيا، وأيضا فإنها متهمة في الطلاق ما لا تتهم في بيع السرية (١) .
«لا طلاق ولا عتاق ولا إغلاق» ، قال شيخنا: وحقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته.
قال: والغضب على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.
الثاني: ما يكون في مبادئه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه بلا نزاع.
الثالث: أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية ولكن يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال، فهذا محل نظر (٢) .
وفي إعلام الموقعين: وقسم يشتد بصاحبه ولا يبلغ به زوال عقله؛ بل يمنعه من التثبت والتروي ويخرجه عن حال اعتداله، فهذا محل اجتهاد (٣) .
стр. 982
ويدخل في كلامهم من غضب حتى أغمي عليه أو غشي عليه، قال شيخنا، بلا ريب ذكر أنه طلق أولا (١) .
وقال الشيخ تقي الدين أيضًا: إن غيره الغضب ولم يزل عقله لم يقع الطلاق، لأنه ألجأه وحمله عليه فأوقعه وهو يكرهه ليستريح منه فلم يبق له قصد صحيح فهو كالمكره، ولهذا لا يجاب دعاؤه على نفسه وماله ولا يلزمه نذر الطاعة فيه (٢) .
ولا يقع طلاق السكران ولو بسكر محرم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر.
ونقل الميموني عن أحمد: الرجوع عما سواها، فقال: كنت أقول يقع طلاق السكران حتى تبينت فغلب عليَّ أنه لا يقع (٣) .
وقصد إزالة العقل بلا سبب شرعي محرم (٤) .
ولو ادعى الزوج أنه كان حين الطلاق زائل العقل لمرض أو غشي، قال أبو العباس: أفتيت أنه إذا كان هناك سبب يمكن معه صدقه فالقول قوله مع يمينه (٥) .
ومن شرب ما يزيل عقله لغير حاجة ففي صحة طلاقه روايتان واختار الشيخ تقي الدين أنه كالسكران (٦) .
وقال الشيخ تقي الدين: وزعم طائفة من أصحاب مالك والشافعي
стр. 983
وأحمد أن النزاع في وقوع طلاقه إنما هو في النشوان، فأما الذي تم سكره بحيث لا يفهم ما يقول فإنه لا يقع به قولا واحدا، قال: والأئمة الكبار جعلوا النزاع في الجميع (١) .
ومما يلحق بالبنج الحشيشة الخبيثة، وأبو العباس يرى أن حكمها حكم الشراب المسكر حتى في إيجاب الحد، وفرق أبو العباس بينها وبين البنج بأنها تشتهى فهي كالخمر بخلاف البنج (٢) .
وقال الشيخ تقي الدين: إن طلاق الفضولي كبيعه (٣) .
ولا يقع طلاق المكره، والإكراه يحصل: إما بالتهديد، وإما أن يغلب ظنه أنه يضره في نفسه أو ماله بلا تهديد.
وقال أبو العباس في موضع آخر: كونه يغلب على ظنه تحقق تهديده ليس بجيد؛ بل الصواب أنه لو استوى الطرفان لكان إكراها، وأما إن خاف وقوع التهديد وغلب على ظنه عدمه فهو محتمل في كلام أحمد وغيره.
ولو أراد المكره إيقاع الطلاق وتكلم به وقع، وهو رواية حكاها أبو الخطاب في الانتصار، وإن سحره ليطلق فإكراه.
قال أبو العباس: تأملت المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراها.
وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها أو مسكنها فلها أن ترجع، بناء على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء
стр. 984
عشرتها، فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها في الهبة، ولفظه في موضع آخر، لأنه أكرهها ومثل هذا لا يكون إكراها على الكفر، فإن الأسير إذا خشي من الكفار أن لا يزوجوه وأن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر.
ومثل هذا لو كان له عند رجل حق من دين أو وديعة فقال: لا أعطيك حتى تبيعني أو تهبني، فقال مالك: هو إكراه، وهو قياس قول أحمد ومنصوصه في مسألة ما إذا منعها حقها لتختلع منه، وقال القاضي تبعا للحنفية والشافعية ليس إكراها (١) .
قال شيخنا: أو ظن أنه يضره بلا تهديد في نفسه أو أهله أو ماله لم يقع (٢) .
ومن سحر فبلغ به السحر ألا يعلم ما يقول فلا طلاق له (٣) .
وإذا أكره على اليمين بغير حق مثل أن يكون باعه إلى أجل ثم بعد لزوم العقد قال له: إن لم تحلف لي أنك تعطيني حقي يوم كذا وإلا لزمك الطلاق، فإن لم تحلف أخذت السلعة منك، وذلك بعد أن أدى المشتري الكلفة السلطانية، فإن هذه اليمين لا تنعقد، ولا طلاق عليه إذا لم يعط، ولو قال: كنت استثنيت فقلت: إن شاء الله تعالى، فقال: لم تقل شيئا، فالقول قول الحالف في هذه الحال أنه استثنى لأنه مظلوم، والمظلوم له الاستثناء، وله التعريض والقول قوله في ذلك (٤) .
وعلى المذهب ليس له أن يطلق ثانية وثالثة قبل الرجعة على الصحيح من المذهب.
стр. 985
قال الشيخ تقي الدين: اختارها أكثر الأصحاب كأبي بكر والقاضي وأصحابه قال: وهو أصح (١) .
وإن أطلق ثلاثا مجموعة قبل رجعة واحدة طلقت ثلاثا وإن لم ينوها على الصحيح من المذهب، نص عليه مرارا، وعليه الأصحاب، بل الأئمة الأربعة ﵏ وأصحابهم في الجملة، وأوقع الشيخ تقي الدين من ثلاث مجموعة أو متفرقة قبل رجعة طلقة واحدة، وقال: لا نعلم أحدا فرق بين الصورتين (٢) .
وإن طلقها ثلاثا متفرقة بعد أن راجعها طلقت ثلاثا بلا نزاع في المذهب وعليه الأصحاب منهم الشيخ تقي الدين (٣) .
صريح الطلاق وكنايته
وعنه: أنت مطلقة، ليست صريحة، وطلقتك قال الشيخ تقي الدين، هذه الصيغ إنشاء من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم وبها تم، وهي إخبار لدلالتها على المعنى الذي في النفس (٤) .
أنت طالق لا رجعة لي عليك، قال الشيخ تقي الدين، هذه صريحة في الإيقاع كناية في العدد، فهي مركبة من صريح وكناية (٥) .
ولو قال رجل: امرأة فلان طالق، فقال: ثلاثا، فهذه تشبه
ما لو قال: لي عليك ألف، فقال: صحاح فيه وجهان: وهذا أصله في