← Мантык

Мантык · id 1028

التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية

ابن حزم

Полный текст (225 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عنصر الوجوب، والموجبة صادقة حق، والنافية أبدا كاذبة باطل، مثل قولك: كل إنسان حي، فهذا حق ونفيه كذب، إذا قلت: ولا واحد من الناس حبي فهذا امر لا يخونك ابدا، فاضبطه. وكذلك أيضا في عنصر الامكان. فان قولك: كل إنسان كاتب، إذا عنيت بالقوة، وأما إذا عنيت بالفعل فالقضيتان العامتان الموجبة والنافية كاذبتان فيه ابدا، كقولك: كل إنسان كاتب أي محسن للكتابة أو قولك ولا واحد من الناس كاتب، فكلتاهما كذب. وأما في عنصر الامتناع فالنافية ابدا صادقة، والموجبة ابدا كاذبة، كقولك: كل إنسان نهاق فهذا كذب، واذا قلت ليس احد من الناس نهاقا فهذا صدق. ثم لنتكلم على النفي الخاص والايجاب الخاص ان شاء تعالى، فتقول وبالله نتأيد بان قضيتي النفي الخاص والايجاب الخاص في عنصر الوجوب يقتسمان الصدق والكذب ضرورة لأنك تقول: بعض الناس حي فذلك حق ونفيه لا بعض الناس حي كذب. واما في عنصر الامتناع فنهما أيضاً يقسمان الصدق والكذب في ان قولك بعض الناس حجر كذب ونفيه بعض الناس لا حجر صدق فتصدق النافية ابدا في هذا، القسم وتكذب الموجبة فيه. واما في عنصر الامكان فكلاهما صادقة ضرورة وذلك قولك: بعض الناس كاتب؟ تريد بالفعل - حق، ونفيه بعض الناس لا كاتب؟ تريد بالفعل - حق. ثم لنتكلم على الايجاب العام والنفي الخاص، فنقول وبالله تعالى نتأيد: إن قضيتي الايجاب العام والنفي الخاص في عصر لايجاب يقتسمان الصدق والكذب ضرورة، فان قولك: كل الناس حي صدق، ونفيه: لا كل الناس حي ولا بعض الناس حي كذب، فتصدق الموجبة أبدا وتكذب النافية. واما في عنصر الامكان فانهما أيضا يقسمان الصدق والكذب، فان قولك كل الناس كاتب، تريد بالفعل، كذب، ونفيه لا كل الناس [٤٢ و] كاتب أو لا بعض الناس كاتب، تريد بالفعل، صدق، فتكذب الموجبة وتصدق النافية. واما في عنصر الامتناع فانهما أيضا يقسمان الصدق والكذب ضرورة، كقولك: كل إنسان نهاق كذب، ونفيه لا كل الناس نهاق أو لا بعض الناس نهاق صدق فتكذب الموجبة وتصدق النافية. ثم لنتكلم على الايجاب الخاص والنفي العام، وبالله تعالى نتأيد:

стр. 107

إن قضيتي الايجاب الخاص والنفي العام في عنصر الوجوب يقتسمان الصدق والكذب ضرور. فان قولك بعض الناس حي حق، ونفيه: ليس واحد من الناس حيا كذب، فتصدق الموجبة وتكذب النافية. واما في عنصر الامكان فكذلك أيضاً، لأن قولك: بعض الناس كاتب حق، ونفيه لا واحد من الناس كاتب كذب، فتصدق الموجبة وتكذب النافية. واما في عنصر الامتناع فكذلك أيضاً، لان قولك: بعض الناس حجر كذب، ونفيه لا واحد من الناس حجر صدق، فتصدق النافية وتكذب الموجبة، فتدبر هذه القسمة فانك ترى رتبة حسنة لا تخونك ابدا فاضبط: اننا عنينا بقولنا؟ فيما تقدم لنا - " عام " انه الذي تسميه الاوائل " كليا " والذي قلنا فيه " خاص " فهو الذي تسميه الاوائل " جزئيا ". واعلم ان العموم في النفي والايجاب في عنصر الامكان صادقان ابدا. واعلم ان الموجبة العامة في عنصر الوجوب صادقة ابدا! واعلم ان النافية العامة في عنصر الوجوب كاذبة ابدا. واعلم ان الموجبة الخاصة في عنصر الوجوب صادقة ابدا، واعلم ان النافية الخاصة في عنصر الوجوب كاذبة ابدا. واعلم ان الموجبة العامة في عنصر الامكان كاذبة ابدا. واعلم ان النافية العامة في عنصر الامكان كاذبة ابدا. واعلم ان الموجبة الخاصة في عنصر الامكان صادقة ابدا. واعلم ان الموجبة العامة في عنصر الامتناع كاذبة ابدا. واعلم ان النافية العامة في عنصر الامتناع صادقة ابدا. واعلم ان الموجبة الخاصة في عنصر الامتناع كاذبة ابدا. واعلم ان النافية الخاصة في عنصر الامتناع صادقة ابدا. واندرج لنا فيما ذكرنا آنفا أمر غلط فيه جماعة من الناس فعظم فيه خطاهم وفحش جدا. وذلك أنهم قدروا أن القائل: ليس بعض الناس نهاقا، انه قد أوجب لسائرهم النهيق [٤٢ ظ] ، فظنوها قضية كاذبة، وهذا كذب منهم وظن فاسد رديء باطل ينتج لهم نتائج عظيمة الفحش، لأنه لم يخبر عن سائرهم بخبر أصلا بانهم ينهقون، ولا بانهم لا ينهقون، ولا ندري لو اخبر لكان يخبر

стр. 108

بكذب أو بصدق حتى يخبر، فندي حينئذ صفة خبره، لكنه الآن قد صدق في نفيه النهيق عن بعضهم صدقا صحيحا متيقنا، وسكت عن سائرهم، وليس يلزم من أخبر عن بعض النوع بخير يعمه ويعم سائر نوعه أن يخبر ولا بد عن سائر النوع إلا ان شاء ان يخبر، والسكوت ليس كلاما؛ ومن سكت لم يتكلم؛ ولا تقض على احد بسكوته انه قضاءا لا يعلم الا بالكلام الا حيث أمضت الشريعة القضاء به فيما صار خارجا بالامر عن المعهود المعلوم فقط، وليس ذلك الا في موضعين فقط لا ثالث لهما، احدهما اقرار الرسول ﵊ على ما رأى. والثاني صمات البكر، ومن تكلم فلم يسكت، الا ترى ان من قال نفس زيد حية ناطقة ميتة فهو صادق، فلو كان رأى هذا الظان الذي ابطلنا غلطه حقا لكان القائل نفس زيد حية ناطقة ميتة كذبا، لا نه على حكم هؤلاء الجهال كان يكون موجبا لسائر أنفس الناس على ما اخبر به عن نفس زيد، وهذا ما لا يظنه ذو عقل؛ ولو كان هذا لكانت القضايا المخصوصة كلها كواذب، أي ان كل خبر عن شخص كان يكون كاذبا، إذ ينطوي فيه عندهم ان سائر نوع بخلاف ذلك، فما كان هذا مكبرة للحس صح ما قلنا اولا من ان المخبربان بعض الناس ليس حمارا صادق، يكن النفي لما هو منفي أولى بالصدق فيه من الا يجب لما هو موجب ولم يلزمه ان يظن به انه اوجب الحمارية لسائر من سكت عنه من باقي النوع، لكن سائر النوع موقوف على ما هو عليه أي له من الحكم ما قد وجب بعد له بغير هذه القضية التي قضيت على بعضه، وهذا الذي غلط فيه كثير ممن تكلم في علم الشريعة " بدليل الخطاب " وقضوا به القضايا الفاسدة؛ وكذلك من أخبر بممكن فقال: بعض الناس كاتب أو ليس زيد كاتبا فليس فيه ان سائر الناس لا كتاب ولا ان من عدا زيدا كاتب، ولا يوجب قوله ما ذكرنا شيئا مما سكت عنه أصلا، وإنما يؤخذ حكم سائرهم من دلائل أخر وقضايا غير هذه، ولو كان ما ظنه هؤلاء المغفلون لوجب ضرورة ان قوا [٤٣و] القائل: زيد كاتب كذب، إذ ذلك يوجب على حكم هؤلاء ان جميع الناس حاشاه كتاب. فلما كان كلا الامرين باطلا بطل الحكم لجميع ما ذكروه، ولما

стр. 109

صدق القائل: ليس زيد كاتبا، والقائل: عمرو كاتب، والقائل: خالد حي والقائل: ليس عبد الله حجرا، ولم يوجب كل ذلك حكما على غير من ذكر لا بموافقة ولا بمخالفة، صح ما قلنا من ان القضية إنما تعطيك مفهومها خاصة وان ما عداها موقوف على دليله، وبطل قول من قال: ان عداها خارج عن حكماء، وبطل أيضاً قول من قال: إن عداها داخل في حكمها، وبالله تعالى التوفيق. ولا يظن ظان ان هذا نقض لما قلنا في كتبنا في احكام الدين ان الحكم الذي حكم به الواحد الأول تعالى على لسان الذي ابتعثه رسولا الينا في شخص من نوع انه لازم لجميع النوع الا ان يبين انه خص به ذلك الشخص، وقلنا أيضاً انه غير لازم لغير ذلك النوع أيضاً أصلاً الا ببيان وارد بانه فيما سواه من الانواع، فمن ظن في كلامنا هذا الظن فقد غاب عن فهم قولنا. وبيان ذلك ان عدد الاشخاص غير متناه عندنا، على ما قدمنا في اول هذا الديوان، فلا سبيل إلى عموم كل شخص منها بخطاب يخصه إذ هم حادثون جيلا بعد جيل، والرسول ﵇ مبتعث ليحكم في كل شخص وعلى كل شخص يحدث أبدا إلى انقضاء عالم الاختبار، فإذا حكم، ﷺ ، في شخص بحكم ولم يعلمنا انه خص به ولا انفرد به ذلك الشخص بكلام يخصه به كان كحكمه على البعض الذي في عصره وكان ذلك جاريا بالمقدمات المقبولة على كل حادث من الاشخاص ابدا. ويكفي من بطلان هذا الاعتراض انه لا شيء من كلامه، ﵇، أتى مفردا الا وقد جاء معه بيان واضح عام لمن سوى ذلك الشخص ولما سواه ابدا. وليس هذا مكان الكلام في ذلك، وإنما نبهنا عليه لئلا يتحير فيه من صدم به ممن يقول بقولنا، وبالله تعالى التوفيق. واعلم ان قولك: كل الناس حي وقول الذي يناظرك: بع الناس حي ليس خلافا لقولك؛ وكذلك لو قال: زيد حي، لكن هذا تتال في الايجاب لأنه تلاك فصوب بعض قولك ولم يخالفك في سائره ولا وافقك لكنه امسك عنه؛ وكذلك إذا قلت: كل الناس لا حجر، فقال هو: بعض الناس لا حجر، فلم يخالفك لكنه تتال في النفي أي تتابع. وإنما يكون خلافا إذا قلت: كل الناس احياء، وقال هو ولا واحد من الناس حي، وقال: ليس بعض الناس

стр. 110

حيا فهذا خلاف [٤٣ظ] احدهما نفي عام والثاني نفي خاص. واما القضايا المخصوصة وهي التي يخبر بها عن شخص واحد فانها تقتسم الصدق والكذب ابدا في الواجب والممكن والممتنع؛ اما في الواجب فتصدق الموجبة ابدا وتكذب النافية، كقولك، زيد حي لا حي. واما ف الممتنع فتكذب الموجبة ابدا وتصدق النافية كقولك: زيد حجر لا حجر. واما في الممكن فكيف ما ولفق حقيقة الخبر في صفة الشخص المخبر عنه مثل قولك: زيد طبيب زيد ليس طبيب، فان التي توافق صفته تصدق اما الموجبة واما النافية والتي تخالف صفته تكذب، إما الموجبة واما النافية. ٧ - باب ذكر موضع النفي واعلم أنه واجب أن تراعي إذا أردت أن تنفي صفة ما أين تضع حرف النفي، فأصل الحكم فيه إذا اردت البيان ورفع الاشكال ان تضع حرف النفي قبل الخبر لا قبل المخبر عنه، فيقول خصمك: زيد حي فتقول: زيد لا حي. واعلم ان الاوائل إذا وضعوا حرف النفي قبل الموضوع الذي هو المخبر عنه، كان معه خبرا أو لم يكن معه خبر، فحينئذ يسمونه " غير محصل " [و] إذا وضعوه قبل الموضوع، وضعوه ثانية أيضاً قبل المحمول الذي هو الخبر سموه " غير محصل ومتغيرا " ولو وضعوه قبل المحمول فقد سمي " متغيرا " فقط. وذكروا انه قد يقع في المهمل الذي لا سور عليه، وفي المخصوص وهو الاخبار عن شخص واحد وفي ذوات الاسوار. واذا وضعوه قبل المحمول في القضية ذات السور سموه: " مسلوبا "، واذا وضعوه قبل السور سموه " نقيضا "، واذا وضعوه في كل موضع من هذه المواضع جمعوا له الاسماء الثلاثة المذكورة. وكل قضية لم يكن حرف النفي قبل موضوعها الذي هو المخبر فهي تسمى " بسيطة " نافية كانت أو موجبة ذات سور كانت أو غير ذات سور، وانت إذا قلت: لا إنسان حجر فانك لم تحصل شيئا تخبر عنه. وتأمل عظيم

стр. 111

الغلط الواقع (١) في تسويتك وضع حرف النفي قبل السور ووضعه قبل المحمول فانك إذا قلت: لا كل إنسان كاتب (٢) صدقت، وكنت إنما نفيت (٣) بذلك الكتابة عن بعض الناس على الحقيقة، لا علم عن كلهم؟ على ما قدمنا من ان النافية الجزئية تظهر بقول كلي وبجزئي أيضا -. وتأمل ذلك في قولك: ليس كل إنسان كاتبا فان هذا أبين في اللغة العربية وأوضح في أنه نفي بجزئي [٤٤و] وكذلك لو اضمرت اسم ليس فقلت: ليس كل إنسان كاتب أي ليس الحكم كل إنسان كاتب، فهذه كلها نوافي جزئيات فاضبط ذلك جدا. وانت إذا قلت: كل إنسان لا كاتب فانك نفيت الكتابة عن الجميع واحدا فتحفظ من مثل هذا، فأيسر ما في ذلك ان يكون خبرك كذبا وان كنت لم تقصده فتضل بذلك من حسن ظنه بك، وهذه خطة خسف لا يرضى بها فاضل. واعلم انك إنما تنفي ما تلصق به حرف النفي، فان لصقته بالمحمول الذي هو الخبر عن المخبر عنه نفيت المحمول كله، وإن ألصقته بالسور فإنما تنفي بعض القضية أو جميعها على حسب صيغة لفظك في اللغة، ألا ترى انك تقول: ممكن ان يكون زيدا اميرا فهذا " نقيض " لأنك نفيت النوع وهو العنصر، يعني انك نفيت امكان القضية كلها، فإذا جعلت حرف النفي عد ممكن وقبل ذكر يكون الذي هو الزمان فقلت ممكن ان لا يكون زيد اميرا فهذا " تغيير " لان الامكان لم تنفه بل اثبته، لكن أدخلت فيه نفي ما أدخل خصمك فيه الامكان، وتغيرت المقدمة عن حالها، وهي: كون زيد اميرا؛ فان جعلت حرف النفي بعد العنصر والزمان أي بعد لفظ الجواز وهو الامكان وبعد لفظ الكون وقبل الموضوع الذي هو المخبر عنه فقلت: ممكن ان يكون غير زيد اميرا فلم تنف عن زيد شيئا وهذا الذي يسمى " غير محصل "، ويسمى أيضاً " متغيرا "، إذ كانت [غير] بمعنى ليس لم تنف عن شخص بعينه شيئا ولا نفيت أيضاً ما اوجب

стр. 112

خصمك ولا أوجبت أيضاً لشخص بعينه شيئا لكن اخبرت عن غير زيد، وغير زد ر يتحصل من هو ولا ما هو، وابقيت الامكان والكون بحسبهما مثبتين لا منفيين. وكذلك المقدمة التي اثبت خصمك لم تنفها انت ولا اثبتها أيضاً بل سكت عنها جملة فلم تناقضه ولا خالفته. وان جعلت حرف النفي بعد النوع وبعد الزمان وبعد الموضوع وبعد المحمول فقلت: ممكن ان يكون زيد لا اميرا فهذا سلب، ويسمى أيضاً " انتقالا "، لأنك اثبت النوع الذي هو الامكان والزمان الذي هو الكون والموضوع الذي هو المخبر عنه ونفيت عنها الحمل الذي اثبت خصمك فقط، فهذه قضية نافية. وهكذا القول في القضايا المهملة وفي القضايا المحمولة ولا فرق في نفي ما تنفي وايجاب ما توجب. فافهم اختلاف هذه الرتب فمنفعتها في ايراد الحقائق وتثقيف ورفع الاشكال منفعة [كبيرة] جدا وبالله تعالى [٤٤ظ] التوفيق. واعلم انك إذا أوجبت المخبر عنه بلفظ " ذي " شيئا ما، مثل قولك: ذو مال أو ذو صفة كذا، فانك إذا اردت نفي ذلك عنه لم يكن لك بد من ابقاء لفظة ذي في نفيك ذلك عن من لوجبته له فتقول: ليس ذا مال. ٨ - بقية الكلام في اقسام القضايا الصدق والكذب واعلم ان من القضايا ما تصدق مفردة وتصدق مجموعة ومنها ما تصدق مفردة وتكذب مجموعة ومنها ما تكذب مفردة وتصدق مجموعة ومنها ما تكذب مفردة وتكذب مجموعة. فالتي (١) تصدق مفردة ومجموعة مثل قولك الإنسان حي الإنسان ناطق، الإنسان ميت، الإنسان ضحاك، فكل ذلك حق صدق، فان قلت: الإنسان حي ناطق ميت ضحاك، فكل ذلك حق صدق؛ واما التي (٢) تصدق مفردة وتكذب مجموعة فكعبد مجتهد لنفسه لا لسده، فقولك فيه: انه عبد حق، وقولك فيه: مجتهد حق (٣) ، فان قلت: هذا عبد مجتهد كذبت حتى

стр. 113

تبين وجه اجتهاده؛ وإنما هذا في الصفتين المحمولتين إذا كانتا مضافتين إلى شيئين مختلفين فأليست باسقاط ما هي مضافة إليه وأوهمت ان كلا الصفتين مضافة إلى شيء واحد. واما التي تصدق مجموعة وتكذب مفترقة فكرجل قوي النفس ضعيف الجسم، فانك إن قلت: فلان ضعيف كذبت، وان قلت فلان قوي كذبت. حتى تجمع فتقول: فلان قوي النفس، ضعيف الجسم، وإنما هذا فيما (١) لا تقال فيه الصفة على الاطلاق لكن باضافة. وأما التي تكذب مجموعة ومفردة فكقولك: الإنسان صهال، الإنسان مهاق، الإنسان شجاع فهذا كذب؛ فان جمعته فقلت الإنسان صهال نهاق شجاع، فهو كذب أيضا. فاضبط جميع هذا إن اردت تحقيق المعارف وتصحيح القضايا وبالله تعالى التوفيق. ٩ - باب الكلام في الملائمات هذه لفظة عبر بها الأوائل عن قضايا مختلفة الألفاظ متفقة المعاني وان كان ظاهر لفظ بعضها وحقيقة معناها النفي، وظاهر بعضها وحقيقة معناها الايجاب، وهي مع ذلك متفقة المعاني اتفاقا صحيحا لا اختلاف بينها. فاعلم انه قد ترد اخبار [٤٥ و] وقضايا بالفاظ شتى ومعناها واحد، فيظن الجاهل انها مختلفة المعاني بسبب ما يرى من اختلاف الفاظها فيغلط كثيرا، وهذا مما ينبغي لطلاب الحقائق ان يضبطوه ويقفوا على مراتبه ولا يمرون عنها معرضين، مثل ذلك من امثال الشريعة قولك: وطء الرجل كل ما عدا الزوجة المباحة له أو أمته المباحة له حرام، وقولك: ليس شيء مما عدا زوجة الرجل المباحة له أو أمته المباحة له حلالا معنيان متفقان متطابقان، والالفاظ مختلفة، ظاهر احدى القضيتين إباحة، وظاهر الاخرى تحريم. وكذلك إذا قلت: كل ما ليس لحم خنزير حلالا، وقولك: بعض ما ليس لحم خنزير ليس حلالا، فهذان لفظان مختلفان ومعينان متفقان، وهكذا ينبغي ان تتأمل الألفاظ الواردات وتتأمل معانيها لئلا تتجاذب أنت وخصمك فنون الاختلاف والتشاجر وانتما متفقان غير مختلفين.

стр. 114

واعلم ان قولك إذا قلت ان يكون، وقلت ممكن ان لا يكون، وقلت غير ممتنع ان يكون، وغير ممتنع ان لايكون، وقلت غير واجب ان لا يكون، فكلها متلائمات أي متفقات المعاني. واعلم ان قولك واجب ان لا يكون، ممتنع ان يكون، غير ممكن ان يكون متفقات المعاني. واعلم قولك غير واجب ان يكون، غير واجبان لا يكون متفقان. واعلم ان قولك غير ممتنع ان يكون وقولك غير ممتنع ان لا يكون متفقان. واعلم ان قولك ممكن ان لا يكون وممكن ان لا يكون متفقان. واعلم ان هذه الستة كلها متفقة. واعلم ان قولك ممكن ان يكون ليس نفيه ممكن ان لا يكون، لكن نفيه ان تقول: لا ممكن ان يكون، ونقيض قولك واجب ان يكون قولك لا واجب ان يكون، وضده واجب ان لا يكون، ونقيض ممتنع أن يكون لا ممتنع ان يكون، وضده ممتنع ان لا يكون. وهذا الذي سميناه نحن فيما خلا نفيا عاما ونفيا خاصا. واعلم ان قولك كل مؤلف لا ازلي، وقولك ليس واحد من المؤلفات ازليا متفقان، وقولك ليس كل مرضعة حراما وقولك بعض المرضعات حلال متفقان، وقولك بعض المؤلفات غير مركب، وقولك ليس كل مؤلف مركبا متفقان. واعلم ان قولك ليس واحد من المؤلفات غير محدث وقولك كل مؤلف محدث متفقان ومما يدخل [٤٥ظ] في هذا النوع كل عدد استثني منه عدد كقولك مائة غير واحد ملائم لقولك تسعة وتسعين، وقولك مائة غير تسعة وتسعين ملائم لقولك واحد. وكذلك كل عدد أضفت إليه عددا آخر يلائم العدد المساوي كقولك ثلاثة وسبعة فذلك ملائم لقولك عشرة فاعلمه. والجامع لهذا الباب هو أنك إذا اثبت معنى بلفظ ايجاب لشيء ما ثم نفيت عن ذلك الشيء نفي الصفة التي اوجبت له، فقد أوجبت له تلك الصفة. وكل كلام اعطي معنى كاعطاء كلام آخر فالكلامان مختلفان والمعنى واحد، فاحفظ هذا، واضبطه.

стр. 115

وانت إذا سلبت شيئا ما معنى ما أي نفيته عنه بلفظ النفي ثم اوجبت لذلك الشيء نفي ذلك المعنى الذي نفيته عنه في القضية الاخرى، فاللفظان مختلفان والمعنى واحد. مثال ذلك أن نقول: زيد صالح، فإذا سلبت الصلاح فقلت زيد غير صالح، فإذا نفيت النفي فقلت زيد ليس غير صالح فقد اوجبت له الصلاح، فاحتفظ هذا تسترح من شغب كثير وتخليط كثير ولا تعد هذه الرتبة ان شاء الله. واعلم ان الكلي من الاخبار التي تسمى قضايا ومقدمات يقتضي الجزئي منها، أي أن الجزئي بعض الكلي إذا كان كلاهما موجبا أو كلاهما نافيا، وهو معنى من معاني التتالي الذي ذكرنا قبل. ألا ترى انك تقول: كل حساس حي، فهذه قضية كلية، ثم يقول خصمك أو انت: كل إنسان حي، فليست هذه الحزئية معارضة لتلك الكلية أصلا ولا منافية لها بل هي بعضها وداخلة تحتها، ومثل هذا في الشريعة قول الله : ﴿السارق والسارقة فاقطعوا ايديهما﴾ . (٣٨ المائدة: ٥) ثم قال رسول الله ﷺ : " القطع في ربع دينار ". فهذه الجزئية بعض تلك الكلية وتفسير لجزء من اجزائها وليست دافعة لها ولا لشيء منها أصلاً، ولا مانعة من القطع في اقل من ربع دينار الا بادخال حرف النفي فينتفي حينئذ ما نفاه اللفظ الجزئي ويكون ذلك كقول القائل: الحساس ناطق ثم يقول: بعد ذلك لا ناطق إلا الإنسان والملك والجني، فتكون هذه الجزئية مبينة لمراد القائل: الحساس ناطق أي أنه اراد بعض الحساس لا كلهم، وليس ذلك كذبا لان الحساس لا كلهم، وليس ذلك كذبا لان الحساس يقع على الإنسان أي يوصف به كما يقع على كل حي. وهذا القول في الكليات من النوافي [٤٦و] والجزئيات منها ولا فرق وبالله تعالى التوفيق: فقد أتينا على كل حال ما بطالب الحقائق والاشراف على صحيح معاني الكلام إليه فاقة وضرورة من أحكام الاخبار هي الاسماء المركبة، وبقيت اشياء تقع، ان شاء الله ، في الكتاب الذي يتلو هذا، وهو كتاب صناعة البرهان. ولم أترك الا أشخاص تقاسيم من موجبات وسوالب، من الوسائط والمتيرات والمحصورة والمهملة ومن المخصوصة ومن الاثنينية والثلاثية والرباعية لا يحتاج إليها، وإنما هي تمرن وتمهر لمن تحقق بهذا العلم تحققا يريد ضبط

стр. 116

جميع وجوهه، وإنما هذه المسائل التي تركنا كالنوازل الموضوعة في الفقه كقول القائل: رجل مات وترك عشرين جدة متحاديات وعشرين من عمات البنين وبنى البنين بعضهم اسفل من بعض في درج مختلفة، فمثل هذا لا نحتاج إليه لأنه لا يمر في الزمان ولكنه تمهر وتفتيق للذهن، وكنحو المسائل الطوال التي ادخلها أبو العباس المبرد في صدر كتابه " المقتضب " في النحو فأنها لا ترد على أحد أبدا لا في كتاب ولا في كلام، وكنحو كلام كثير من وحشى اللغة كالعفنجج والعجالط والقذعمل، ولسنا نذم من طلب هذا كله بل نصوب رأيه، لكنا نقول: ينبغي لطالب كل علم أن يبدأ بأصوله التي هي جوامع له ومقدمات، ثم بما لا بد منه من تفسير تلك الجمل، فإذا تمهر في ذلك واراد لا يغال والإغراق فليفعل، فانه من تدرب بالوعر زاد ذلك في خفة تناوله السهل، فقد بلغنا عن بعض الانجاد أنه كان إذا أراد حربا أدمن لباس درعين قبل ذلك بمدة، فإذا حارب خلع إحداهما لتخف عليه الواحدة، والنفس هكذا، وبالله التوفيق وله الأمر من قبل ومن بعد. ثم كتاب باري ارمينياس والحمد لله على ذلك كثيرا كما هو أهله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم تسليما مؤيدا

стр. 117

٣ - ٤ - ٥ - ٦ كتاب البرهان ١ -[نظرة عامة في القضايا وانعكاسها] قال أبو محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم ﵁: هذا الجزء من ديواننا هذا جمعنا فيه ما في الكتاب الثالث من كتب ارسطاطاليس في المنطق وهو المسمى باليونانية " انولوطيقيا " [٤٦ظ] وفي الكتاب الرابع من كتبه في المنطق وهو المسمى باليونانية " افوذ قطيقا " (١) ليناسب معنى الكتابين إذ الغرض قيهما البيان عن صور البرهان وشروطه على نفس ما بعد هذا ان شاء الله. واضفنا إليه أيضاً ما ذكره في كتابه الخامس من كتبه في المنطق وهو المسمى " طوبيقا " وهو الموضوع في الجدل، وزدنا في هذا اشياء من مراتب الجدال وشروطه مما لا غنى بالمتناظرين الطالبين للحقائق عنها، إذ ما ذكر في هذا الكتاب هو من شرط قيام البرهان وتوابعه اللاحقة له، وأضفنا إليه أيضاً ما ذكره في كتابه السادس في المنطق وهو المسمى باليونانية " سوفسطيا " وهو صفة اهل الشغب المنكبين عن الحقائق إلى نصر الجهل والشعوذة، إذ لا غنى بطالب الحقائق عن معرفة اهل هذه الصفة والتأهب لهم. فلما كان كل ما ذكرنا متشبثا بالبرهان جمعناه إليه وبلغنا الغاية في التقصي والبسط والشرح والايجاز كما وعدنا، ولله الحمد، فنقول وبالخالق الأول نستعين: قد مضى لنا في الكتب المتقدمة من هذا الديوان أمور يجب ضبطها وذكرها وحضورها في الفهم والحفظ والإيراد لها عند الحاجة إليها من التبين لك من غيرك والتبين منك لغيرك، يحول الواحد الأول وقوته الموهبة منه لنا ، ونحن الآن آخذون في ثمرة هذا الديوان وغرضه الذي إياه قصدنا بكل ما تقدم

стр. 118

لنا في الاجزاء المتقدمة لهذا الجزء، وغرضنا بيان إقامة البرهان وكيفية تصحيح الاستدلال في جمل الاختلاف الواقع بين المختلفين في أي شيء اختلفوا فيه، فنقول، وبالواحد الأول نتأيد: اننا قد قلنا ان القضية لا تعطيك اكثر من نفسها، فان اتفق الخصمان عليها عليها وصححاها والتزما حكمها واختلفا في فرع من فروع ذلك المعنى وجب عليهما ان يأتيا بقضية اخرة يتفقان على صحتها أيضاً، فان كانت القضيتان المذكورتان صحيحتين في طبعهما وتركيبهما فالانقياد لهما حينئذ لازم لكل واحد، واعلم ان القضيتين المذكورتين إذا اجتمعتا سمتهما الاوائل " القرينة ". واعلم ان باجتماعهما؟ كما ذكرنا - يحدث ابدا عنهما قضية ثالثة صادقة ابدا لازمة ضرورة لا محيد عنها، وتسمى هذه القضية الحادثة عن اجتماع [٤٧و] القضيتين " نتيجة " والاوائل يسمون القضيتين والنتيجة معا في اللغة اليونانية " السلجسموس " (١) وتسمى الثلاثة كلها في اللغة العربية: " الجامعة "، مثال ذلك ان تقول: كل إنسان حي فهذه قضية تسمى على انفرادها: " مقدمة " ثم تقول: وكل حي جوهر، أيضاً قضية تسمى على انفرادها " " مقدمة " فإذا جمعتهما معا فاسمها قرينة لاقترانهما وذلك إذا قلت: كل إنسان حي، وكل حي جوهر فيحدث من هذا الاجتماع قضية ثالثة وهي ان كل إنسان جوهر فهذه قضية تسمى على انفرادها نتيجة، فإذا جمعتها لثلاثتها سميت كلها جامعة، والجامعة السلجسمون. وقد قدمنا في الجزء الذي قبل هذا ذكر القضايا وانها بسائط ومتغيرات وقلنا ان المتغيرات في الموضوع هي غير المحصلات وهي التي تقع [فيها] حروف النفي قبل الشيء الموصوف وهو المخبر عنه، وهو الذي تسميه الاوائل الموضوع فاعلم ان هذه التي (٢) تسمى متغيرات لا تنتج، أي انه لا يوثق به بأنها تنتج على كل حال انتاجا صحيحا أبدا لا تخون البتة، وان كانت قد تنتج في بعض الاحوال فقد تنتج أيضاً كذبا. وما كان بهذه الصفة مما يصدق مرة ويكذب اخرى، فلا ينبغي ان يوثق بمقدماته ولا بنتائجها الحادثة عنها، ولا

стр. 119

يجب ان يلتزم في اخذ البرهان، وإنما ينبغي ان يوثق بما قد تيقن انه لا يخون ابدا. ثم قد قلنا ان البسائط وهي التي حققت مع المخبر عنه ثم اوجبت له صفة أو نفت عنه صفة، منها محصورات ومهملات؛ وبينا ان المحصور هو ما وقع قبله لفظ يبين ان المراد به العموم وهو المسمى كليا، أو لفظ يبين ان المراد به الخصوص، وهو المسمى جزئيا؛ وذلك مثل قولك: كل الناس ناطق، بعض الناس ناطق أو كاتب ان شئت، ليس احد من الناس نهاقا، ليس بعض [الناس] نهاقا أو كاتبا ان شئت، وما اشبه ذلك. وذكر الاوائل ان المهملات لا تنتج كما ذكرنا في المتغيرات سواء سواء وهذا في اللغة العربية لا يصح، وإنما حكى القوم عن لغتهم، لكنها نقول ان المهملة ما لم يبين الناطق بها أنه يريد بها بعض ما يعطي اسمها أو لم يمنع من الغموم بها مانع ضرورة فانها كالمحصورة الكلية ولا فرق. وسيأتي بيان هذا فيما نستأنف ان شاء الله ؛ فعلى هذا الحكم يلزم ان المهمل ينتج كانتاج المحصور الكلي. ثم نرجع فنقول ان الجزئيات من [٤٧ظ] المحصورات والمهمل الذي يوقن انه جزئي لا ينتج بمعنى انه لا ينتج انتاجا صحيحا ضروريا أبدا، وإنما قلنا هذا إذا كانت المقدمتان معا جزئيتين، نافيتين كانتا أو موجبتين. واما إذا كانت احداهما كلية والاخرى جزئية فذلك ينتج على ما نبين بهد هذا، ان شاء الله تعالى. واعلم ان القضية المخصوصة وهي التي تخص شخصا واحدا بعينه فحكمه في كل ما قلنا حكم الجزئية ولا فرق في ذلك نحو قولك: زيد منطلق وما اشبهه. ثم قلنا ان المحصور ينقسم قسمين: موجب وناف، واعلم ان القضايا النافيات أيضاً لا تنتج، كليتين كانتا أو جزئيتين، أي انها لا تنتج انتاجا موثوقا به في كل حال، وإنما ذلك إذا كانتا معا نافيتين، واما إذا كانت احداهما نافية والأخرى موجبة فذلك ينتج، على ما نبين بعد هذا ان شاء الله تعالى. فصح الآن ان المقدمات التي ينبغي ان يوثق بها هي المحصورات والمهمل الذي

стр. 120

في معنى المحصور، وهي كل قرينة كانت قبلها مقدمة كلية ومقدمة موجبة، اما ان تكون احدى المقدمتين قد جمعت الامرين معا: العموم والايجاب، واما ان تكون المقدمتان اقتسمتا الامرين فكانت الواحدة كلية والثانية موجبة. واعلم أنا قدمنا ان اقل القضايا قضية من كلمتين موضوع ومحمول، بمعنى مخبر عنه وخبر، فإذا اردت ان تجمع قضيتين يقوم منهما برهان، فلا بد من ان يكون في كلتا القضيتين لفظة موجودة في كل واحدة منهما أي تتكرر تلك اللفظة في كل واحدة من المقدمتين. ولا بد في ان يكون في كل واحدة منهما لفظة تنفرد بها ولا تتكرر في الاخرى، إذ لو اتفقنا في المخبر عنه والخبر لكانت القضيتان قضية واحدة ضرورة، كقولك: كل إنسان حي، وكل حي جوهر فهاتان قضيتان قد تكرر ذكر الحي في كل واحدة منهما، وهذه اللفظة المتكررة كما ذكرنا تسميها الاوائل " لحد المشترك " من اجل اشتراك القضيتين فيه، وقد انفردت كل واحدة منهما بلفظة فانفردت الاولى بالإنسان لأنه ذكر فيها ولم يذكر في الثانية، ولو ذكر لكانت الثانية هي الاولى نفغسها، وانفردت الثانية بالجوهر ولم يذكر في الاولى ولو ذكرت لكانت واحدة، فافهم هذا واضبطه ان شاء الله . واعلم ان القضايا البسيطة المحصورة [٤٨ و] تنقسم قسمين: قسما ينعكس وقسما لا ينعكس، والانعكاس هو ان تجعل الخبر مخبرا عنه موصوفا، وتجعل المخبر عنه خبرا موصوفا به، من غير أن يتغير المعنى في ذلك أصلا، بل إن كانت القضية موجبة قبل العكس فهي بعد العكس موجبة، وان كانت نافية قبل العكس فهي بعد العكس نافية، وان كانت صادقة قبل العكس فهي بعد العكس صادقة، وان كانت كاذبة قبل العكس فهي بعد العكس كاذبة، الا انه في بعض المواضع تكون القضية كلية قبل العكس، جزئية بعد العكس لا تختلف في العكس بغير هذا البتة، وإنما نعني بهذا العكس ما لا يستحيل أبدا فيما ذكرنا قبل. وأما التي قد تنعكس كما ذكرنا في بعض المواضع وربما أيضاً تتبدل إذا عكست اما من صدق إلى كذب واما من كذب إلى صدق واما من نفي إلى

стр. 121

ايجاب واما من ايجاب إلى نفي، فهذه هي القسم الذي قلنا فيه انه لا ينعكس، وليس هذا القسم مما نعنى به في اقامة البرهان لأنه قد يخون وليس بمستمر الصدق ابدا. والعكس الذي ذكرنا إنما هو تبدل مواضع الألفاظ في القضية فقط. وقد قدمنا وجوه اقسام الصفات في الموصوفين قبل وانها ستة: فوصف الشيء بما هو واجب له ينقسم قسمين: إما اعم منه كالحياة للإنسان فانها تعمه وتعم معه انواعا (١) كثيرة سواه، واما مساو كالضحك للإنسان، فانه لكل إنسان وليس لغير الناس أصلا، ولا يجوز أن يكون أخص البتة. ووصف الشيء بما هو ممكن له ينقسم قسمين: إما أعم كالسواد فانه في بعض الناس وفي أشياء من غير الناس، واما أخص كالطب فانه في بعض الناس دون بعض وليس لغير الناس ولا يجوز ان يكون مساويا أصلا، لأنه لو كان مساويا لكان واجبا، والواجب غير الممكن. ووصف الشيء بامتناعه بما هو ممتنع فيه فيكون اعم كوصف الإنسان بانه ليس حجرا، فان هذا الوصف يعمه ويعم كل حيوان، وقد يمكن ان يوجد مساويا كنفي الجمادية عن الحيوان. ثم نرجع إلى بيان العكس فنقول وبالخالق الواحد نتأيد: إن النافية الكلية تنعكس نافية كلية فنقول: لا واحد من الناس حجر، فإذا عكسه قلت: لا واحد من الحجارة إنسان. واعلم ان كل ما انعكس كليا فانه ينعكس جزئيا إذ كل ما اوجبته للكل فهو موجب لكل جزء من اجزائه التي تسمى باسمه، وكل ما نفيته عن الكل فهو منفى عن كل جزء من اجزائه التي [٤٨ ظ] تسمى باسمه، نريد بالاجزاء هنا اشخاص النوع التي كل شخص منها يسمى باسم النوع فان كل آدمي يسمى في ذاته إنسانا، والنوع أيضاً كله يسمى إنسانا ولم نرد أجزاء الجسم التي لا يقع على الجزء منها اسم الكل كيد الإنسان ورجله؛ ألا ترى انك لو قلت أيضاً ولا بعض الحجارة إنسان أو قلت لا بعض الناس حجر لصدقت، فهذا الذي ذكرنا عكس صحيح صادق ابدا. والموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية فتقول كل إنسان حي، فإذا عكست قلت: وبعض الاحياء إنسان، وهذا صادق ابدا. واعلم ان ما كان من هذا الباب والذي بعده مما قلنا فيه انه ينعكس جزئيا

стр. 122

فانه لا ينعكس كليا أصلا لأنه كل ما وجب للجزء وجب للكل. ألا ترى انك لو قلت: وكل حي إنسان لكذبت لان الملك حي وليس إنسانا، والفيل حي وليس إنسانا. ولا تغتر بما تجد من هذا الباب ينعكس كليا صادقا نحو قولك كل حي حساس وكل حساس حي، ولو قلت أيضاً وبعض الحساس حي لصدقت وهذا إنما يصدق في المساوي فقط. فان هذا العكس ان صدق في مكان كذب في آخر كما قدمنا. وإنما يكذب ذلك إذا كان الوصف اعم من الموصوف أو اخص منه كما قدمنا؛ فأما الأعم فنحو قولك: كل إنسان حي وأما الاخص فكقولنا: كل طبيب إنسان، فإذا عكست وقلت: وبعض الناس اطباء صدقت ولو قلت: وكل الناس اطباء كذبت، فلهذا قصدنا إلى عكسها جزئية لأنها تصدق في كل ذلك ابدا على كل حال من عام أو خاص أو مساو (١) فتحفظ من هذا الباب ولا تغلط فيه، وانت إذا سلكت الطريق التي نهجنا لك امنت الغلط البتة ولم يكن إلى كلامك سبيل. والموجبة الجزئية تنعكس موجبة فتقول: ان كان بعض الناس نحويين فبعض النحويين ناس، ولا تنعكس كلية لأنك وان كنت تصدق في بعض المواضع فانك طنت تكذب في مواضع أخر أيضا. وانها تصدق في الحمل الاخص والمساوي وتكذب في الحمل الأعم، وانت عكستها جزئية صدقت ابدا على كل حال. ألا ترى انك تقول: إذا كان بعض النحويين ناسا فكل الناس نحويون كذبت. واعلم ان هذه القضايا كلها التي ذكرنا انها تنعكس أي انها تصدق إذا عكست ابدا فانها تصدق في ايجابك الواجب، وفي كل اخبارك عن الممكن بما هو حق من صفاته وفي نفيك الممتنع. [٤٩ و] . واعلم ان النافية الجزئية لا تنعكس أي انها ليس لها رتبة تصدق فيها ابدا لانها وان صدقت في نفي الممتنع إذا قلت: ليس بعض الناس حجرا فعكست فقلت: ولا بعض الحجارة فصدقت، فانك ان نفيت الممكن حق نفيه فقلت: ليس كل إنسان طبيبا فانك صادق، فان عكست فقلت: ولا كل طبيب إنسان أو قلت ولا بعض الاطباء ناس كنت كاذبا، فلهذا لم نشتغل بعكس

стр. 123

النوافي في الجزئيات لأنها في بعض المواضع تكذب في العكس. فافهم ذلك كله، فبكل طالب علم حقيقة إليه حاجة. ونمثل ذلك بمثال شرعي فنقول: انك تقول في النافية الكلية إذا صح أنه ليس شيء من المسكرات حلالا فليس شيء من الحلال مسكر أو لو عكستها جزئية لصدقت أيضاً، ولكن الكلي أتم وأعم المطلوبات، فاكتفينا به إذا وجدناه واستغنينا به عن نذكر ما ينطوي فيه من جزيئيات، الا ان الاخبار عن الكل اخبار عن كل جزء من اجزائه. ونقول في الموجبة الكلية. إذا كان كل والد واجب البر فبعض الواجب برهم الوالد، ولو عكستها كلية لكذبت لأنه يجب بر الأم والخليفة والعالم والفاضل والجار وليس واحد من هؤلاء والدا. وتقول في عكس الموجبة الجزئية: إذا كان بعض الكفار مباح الدم فبعض المباح دماؤهم كفار ولو عكستها كلية فقلت: وكل مباح دمه كافر لكذبت، لان الزاني المحصن مباح دمه وليس كافرا، فافهم هذا كله وثق به فانه لا يخونك ابدا. وبرهان صحة ما ذكرنا اولا إذا قلنا لا واحد من الناس حجر وانه ينعكس كليا فنقول: ولا واحد من الحجارة إنسان انه ان خالفنا في صحة هذا العكس مخالف قلنا ان كان عكسنا هذا ليس حقا فنقيضه حق على ما قدمنا من أقسام قضيتي النفي والايجاب للصدق والكذب. ونقيض قولنا لا واحد من الحجارة إنسانا، بعض الحجارة إنسان، فنضم قولنا: بعض الحجارة إنسان إلى مقدمتنا التي صححنا فنقول: لا واحد من الناس حجر وبعض الحجارة إنسان، واذا كان بعض الحجارة إنسانا فبعض الناس حجارة، وقد قدمنا انه ليس واحد من الناس حجرا وهذا تناقض ومحال هذا الذي ذكرناه في عنصر الوجوب وهو لزوم الصفة للموصوف. وأما في عنصر الامكان فلا فرق بين [٤٩ ظ] قضايا في الموجبات الجزئيات وبين ما ذكرنا من قضايا عنصر الوجوب، فتقول في الحمل الأعم: ان كان بعض الناس اسود فبعض السودان ناس، ونقول في الحمل الأخص: ان كان بعض الناس طبيبا فبعض الاطباء ناس، وليس في الامكان حمل مساو لان المساوي لازم لجميع النوع بالفعل. واما قضايا الامكان الكليات فانها في الموجبات كواذب، نقول: ممكن ان يكون كل إنسان اسود أو طبيبا، فهذا كذب، وعكس الحمل الأخص

стр. 124

فصادق، نقول: ان يكون كل طبيب إنسانا. واما قضايا الامكان النوافي فالكلية كاذبة ابدا وعكسها، نقول: ان كان ممكن ان لا يكون واحد من الناس اسود أو طبيبا فممكن ان لا يكون واحد من السودان أو الاطباء إنسانا. وأما النافية الجزئية في عنصر الامكان فانها تنعكس نافية جزئية. نقول: ممكن ان لا يكون بعض الناس اسود، وعكسها: ممكن ان لا يكون بعض السودان إنسانا وهذا في الحمل الاعم، وتكذب في الحمل الأخص لأنك إذا قلت ممكن ان لا يكون بعض الناس طبيبا فتصدق، فإذا عكست وقلت: ممكن ان لا يكون بعض الاطباء إنسانا، كذبت. وأما في عنصر الامتناع فان الموجبة الجزئية تنعكس موجبة جزئية. نقول: ممتنع ان لا يكون بعض الناس حجرا، وممتنع ان لا يكون بعض الحجارة إنسانا، وتنعكس أيضاً موجبة كلية صادقة فنقول: ممتنع أن يكون كل واحد من الحجارة إنسانا. وأما الموجبة الكلية فتنعكس أيضاً كلية وجزئية صادقتين ابدا، نقول: ممتنع ان يكون كل واحد من الناس حجرا، وممتنع ان يكون كل واحد من الحجارة إنسانا، وممتنع ان يكون بعض الحجارة إنسانا. فاما النافية الكلية في عنصر الامتناع فتنعكس جزئية، فتقول: ان كان ممتنع ان لا يكون كل واحد من الناس حيا، فممتنع ان لا يكون بعض الاحياء إنسانا، وهذا تصدق في منع نفي الضحك المساوي للنوع. وفي الحمل الاخص كالطب وما اشبهه نقول: ان كان ممتنع ان لا يكون واحد من الاطباء إنسانا فممتنع لن لا يكون بعض الناس طبيبا. وأما النافية الجزئية في عنصر الامتناع فانها تنعكس نافية جزئية كقولك ممتنع ان لا يكون بعض الاحياء ناسا وهذا ينعكس في الحمل المساوي والاخص ابدا. ومنفعتنا بمعرفة عكس القضايا من وجهتين. احدهما ما نستأنف من رد بعض البراهين التي فيها صعوبة إلى البيان اللائح منها وهو الذي يأتي ان شاء الله [٥٠ و] في رد انحاء الشكل الثاني والثالث إلى الشكل الأول مفسرا

стр. 125

في موضعه. والوجه الثاني في تصحيح المقدمات التي يريد طلاب بطلان الحقائق تقديمها ليجعلوها اصولا لينتجوا منها ما يشهد للصحيح من الاقوال. واذ قد قدمنا ان القضية تكون من موضوع ومحمول أي من مخبر عنه وخبر وان القرينة تكون من مقدمتين في كل واحدة منها لفظة تشترك فيها المقدمتان معا، فاعلم ان كل لفظة من الفاظ المقدمتين فان الاوائل يسمونها حدا ويسمون اللفظة المشتركة: الحد المشترك. واعلم ان اشكال البرهان لا تكون الا ثلاثة نغني باشكاله صور القرائن التي يكون منها البرهان لأنه لا بد من ان يكون الحد المشترك محمولا في المقدمة الواحدة وموضوعا في الثانية، أو يكون محمولا في كل واحدة منهما أو يكون موضوعا فيهما؛ ولا سبيل رتبة العقل إلى قسمة رابعة بوجه من الوجوه البتة. واعلم انه أيضاً لا فرق بين قولك: الحياة في كل إنسان وبين قولك: كل إنسان حي، تريد في المعنى، وهذا تسميه الاوائل " تقديم الحمل " أي أن تجعل الصفة مخبرا عنها والموصوف مردودا إلى الصفة أي كأنه خبر عنها فلا تبال باختلاف هذه العبارات. واعلم ان الاوائل يسمون المقدمة التي فيها اللفظ الأعم " مقدمة كبرى " مثل قولك: كل إنسان حي، وكل حي جوهر فالتي فيها ذكر الجوهر اعم من اللفة التي في المقدمة الاخرى وذلك ان الجوهر اعم من الحي ومن الإنسان والاخرى يسمونها الصغرى. واعلم انه لا تنتج نافيتان جزئيتان ولا مخصوصتان وهي التي يخبر بها عن شخص واحد بعينه. واعلم ان الحد المشترك لا يذكر في النتيجة أصلاً ولو ذكر فيها لكانت النتيجة احدى المقدمتين وإنما يذكر في النتيجة اللفظة التي تنفرد بها المقدمة الواحدة، واللفة الاخرى التي تنفرد بها المقدمة الثانية. واعلم انه لا يخرج في النتيجة الا اقل ما في المقدمتين وابعده من اليقين والقطع، لان النتيجة من طبعها يجري الصدق فيها، فلذلك لا يخرج فيها الا الاقل الذي لا شك فيه، وان كانت احدى المقدمتين مهملة والاخرى ذات سور

стр. 126

فالنتيجة مهملة، وان كانت احدى المقدمتين جزئية خرجت النتيجة جزئية، وان كانت احدى المقدمتين مخصوصة خرجت النتيجة مخصوصة، وان كانت احدى المقدمتين نافية خرجت النتيجة نافية، وان [٥٠ظ] كانت احدى المقدمتين جزئية أو مخصوصة والأخرى نافية خرجت النتيجة جزئية نافية أو مخصوصة نافية. نقول: لا واحد من الناس حجر وزيد من الناس فزيد لا حجر، وإنما هذه الرتبة فيما يصدق أبدا وموثوق بانتاجه. وكذلك ان كانت احدى المقدمتين ضرورية والثانية ممكنة فانه لا تخرج في النتيجة الا الممكنة، وأما إذا استوت المقدمتان، فالنتيجة مثلهما، فان كانتا موجبتين فالنتيجة موجبة، وان كانتا ضروريتين فالنتيجة ضرورية، وان كانتا ممكنتين فالنتيجة ممكنة؛ وان كانتا مهملتين فالنتيجة مهملة، الا انهما ان كانتا كليتين (١) فالنتيجة كلية وربما كانت جزئية ولا تبال عن هذا، فالجزئي منطو في الكلي وليس الكلى بمنطو في الجزئي، ونذكر على ما قلنا لك أن أشكال البرهان ثلاثة: فللشكل الأول اربعة انحاء وللثاني [اربعة انحاء] وللشكل ستة انحاء، وإنما نعني بذلك الانحاء الصادقة في الانتاج ابدا على كل حال، فالشكل للبرهان كالجنس، والنحو له كالنوع، ثم المقدمات المأخوذة كالأشخاص، وهي غير محصاة بعدد لانها تنصرف في كل علم في كل مسألة. واعلم انه إنما سمي لشكل الأول لان الشكلين الآخرين يرجعان عند الحقيقة إليه على ما نبين بعد هذا ان شاء الله. واعلم انه [قد] تقدم لك مقدمتان نافيتان فينتجان لك انتاجا صادقا صحيحا فلا تثق بذلك لانها طريق خوانه غير موثوق بصدقها ابدا، بل قد نقدمهما صحيحتين فتنتجان لك نتيجة كاذبة؛ فالخداعة من هذا الباب هو نحو ما أقول لك: ليس كل إنسان حجرا، ولا كل حجر حمار، النتيجة: فليس كل إنسان حمارا، وهذا حق. والفاضح لكل ما ذكرنا هو نحو ما أقول لك: تقول ليس كل إنسان اسود ولا كل اسود حي فهذان صادقتان، النتيجة فليس كل إنسان حي، وكذلك أيضاً لو قلت: ليس بعض الناس حيا فكلتاهما كذب، فاياك والاغترار

стр. 127

بمقدمتين نافيتين أصلاً صدقت القرينة الاولى من قبل حسن نظم المقدمتين لأنك نظمتهما نظما جعلت التي نفيت عن الحجر ما ينفى عن الإنسان جملة. وانا اريك الآن زيادة بيان في صدق هذا الحكم، فاعمل لك مقدمتين احداهما كذب بحث فتنتج لك انتاجا حقا وهو ان نقول: كل إنسان حجر وكل حجر جوهر، النتيجة فكل إنسان جوهر. وتقول. وتقول: ليس كل إنسان كلبا وليس [٥١و] كل كلب فرسا، النتيجة ليس كل إنسان فرسا وذلك حق، فالاولى مقدمة كذب انتجت حقا بحسن نظمها، وهو انك وصفت الحجر بصفة نعمه وتعم الإنسان، والأخرى في النفي كذلك، نعني في حسن النظم فقط. فاعلم الآن انه لا بد من صدق كل واحدة من المقدمتين ولا بد مع الصدق فيهما من احسان رتبتهما على الطريق التي وصفت لك، والا تحيرت وتخبلت عليك الامور، واختلط الحق في ذهنك بالباطل. وكذلك في المقدمتين الجزئيتين، وقد قدمنا ان حكم المخصوص حكم الجزئي ولا فرق فنقول: زيد ناطق وبعض الناطق ميت فزيد ميت، هذه نتيجة حق، ولكن لا تثق بمقدمتين جزئيتين البتة ولا مخصوصتين ولا مخصوصة وجزئية. واعلم ان هذه إنما صدقت من قبل صدق الخبر عن طبائع المخبر عنهما وعموم الصفة للمخبر عنهما، وانا أريك خيانة هذه الطريق وذلك ان تقول: زيد ابيض وبعض البيض حجر صادقتان، النتيجة فزيد حجر وهذا كذب. وان شئت قلت زيد ناطق وبعض الناطقين كاتب؛ هاتان مقدمتان حق، النتيجة: فزيد كاتب، هذه نتيجة لممكن ان يكون حقا وممكن ان يكون كذبا. فتدبر مثل هذا ولا تنسه تفق من شغب عظيم وتعلم ان الجزئيتين والمخصوصتين والجزئية لا تنتج انتاجا صادقا مطردا مطرودا لا يخون. وها نحن بحول الله خالقنا الواحد تعالى وعونه لنا شارعون في تشخيص الاشكال الثلاثة المذكورة آنفا من مثال شريعي ليكون اسهل للطالب وأجلى للشك. ولقد رأيت طوائف من الخاسرين شاهدتهم ايام عنفوان طلبنا وقبل تمكن قوانا في المعارف واول مداخلتنا صنوفا من ذوي الآراء المختلفة كانوا يقطعون بظنونهم الفاسدة من غير يقين انتجه بحث موثوق به على ان

стр. 128

الفلسفة وحدود المنطق منافية للشريعة، فعمدة غرضنا وعلمنا إنارة هذه الظلمة بقوة خالقنا الواحد لا قوة لنا [إلا] به وحده لا شريك له. واعلم ان الكلام الذي نتأهب لايراده دأبا وننبهك على الاصاخة إليه هو الغرض المقصود من هذا الديوان وهو الذي به نقيس جميع ما اختلف فيه من أي علم كان، فتذوقه ذوقا لا يخونك ابدا وتدبره منعما وتحفظ جدا فهو الذي وعرته الأوائل وعبرت [٥١ ظ] عنه بحروف الهجاء ضنانة به واحتسبنا الأجر في ابدائه وتسهيله وتقريبه على كل من نظر فيه للاسباب التي ذكرنا في اول ديواننا هذا، ولم نقنع الا بان جعلنا جميع الانحاء من لفظ واحد في الايجاب ولفظ واحد في النفي، ليلوح رجوع بعضها إلى بعض ومناسبة بعضها بعضا ووجود العمل في اخذ البرهان بها، فقربنا من ذلك بعيدا وبينا مشكلا واوضجنا عويضا وسهلنا وعرا وذللنا صعبا ما نعلم احدا سمح بذلك ولا اتعب دهنه فيه قبلنا ولله الحمد أولا وآخرا. وبوقوفك على هذا الفصل تدفع عنك غيمة الجهل والنفار الذي يولده الهلع من سوء الظن بهذا العلم وشدة الهم بمخرقة كثير ممن يدعيه ممن ليس من أهله، وفقنا الله واياك وسائر اهل نوعنا عامة واهل ملتنا خاصة لما يرضيه، آمين. فاعلم ان الشكل الأول كبراه أبدا كلية إما موجبة وإما نافية، وصغراه ابدا موجبة إما جزئية واما كلية. واعلم ان الشكل الثاني والثالث راجعان إلى الشكل الأول ابدا، اما قرينة من قرائنه، واما نتيجة من نتائجه، إما في اللفظ، وإما في الرتبة على ما نبين في كل نحو منها ان شاء الله . واعلم ان الصغرى من المقدمتين مقدمة ابدا لتخرج اللفظة التي انفردت بها موضوعة في النتيجة أي مخبرا عنها، والكبرى مؤخرة أبدا لتخرج اللفظة التي انفردت بها محمولة في النتيجة أي خبرا. واعلم انه ان وقعت صفة تحت النوع في زمان في احدى المقدمتين وجب ضرورة ان تكون الاخرى كلية، وقد ذكرنا قبل ان بعض الاوائل وصفوا ان المقدمة الكبرى يقع فيها لفظة اعم من اللفظتين الاخيرتين المشتركة والتي انفردت بها المقدمة الاخرى، وهذا امر غير صحيح على الاطلاق بل قد أجاز من عليه المعتمد في هذا، وهو ارسطاطاليس، مرتب هذه الصناعة، المساواة

стр. 129

في المقدمات وهو الصحيح. وقد وجدنا خمسة انحاء منها الاربعة متساوية المقدمتين وهو النحو الثاني من الشكل الأول والنحو الأول والثاني من الشكل والنحو الثاني من الشكل الثالث. والنحو الخامس من الشكل الثالث وصغراه كلية وكبراه جزئية، فاللفظة العامة (١) في ذلك النحو خاصة في المقدمة الصغرى [٥٢ و] لا في الكبرى. وقد نبهنا على كل نحو منها في مكانه ان شاء الله ، وما توفيقنا الا بالله تعالى، وهذا حين نأخذ في تشخيص الانحاء المذكورة: الشكل الأول الحد المشترك فيه موضوع في احدى المقدمتين محمول في الاخرى أي ان اللفظة المذكورة في كلتا المقدمتين هي في احداهما مخبر عنه وموصوف، وهي في الاخرى خبر وصفة، مثال ذلك الشكل الأول: الحد المشترك فيه مخبر عنه في احدى المقدمتين وخبر في الاخرى. النحو الأول من الشكل الأول: كل إنسان حي وكل جوهر، النتيجة كل إنسان جوهر. النحو الثاني في الشكل الأول: كل إنسان حي ولا واحد حي حجر، النتيجة: لا واحد إنسان حجر، وان شئت لا احد من الناس حجر، وهذا النحو متساوي المقدمتين، ليست احداهما اعم من الاخرى. النحو الثالث من الشكل الأول: بعض الناس حي وكل حي جوهر، النتيجة: بعض الناس جوهر. النحو الرابع من الشكل الأول: بعض الناس حي ولا واحد من الاحياء حجر، النتيجة بعض الناس ليس حجرا. الشكل الثاني الحد المشترك فيه محمول في كلتا المقدمتين أي انه فيهما معا. النحو الأول من الشكل الثاني: كل إنسان حي، ولا واحد من الحجارة

стр. 130

حي، النتيجة: فلا واحد من الناس حجر، ليس بين هذا النحو الأول من الشكل الثاني وبين النحو الثاني من الأول [فرق] الا ان المحمول هو الخبر الذي في المقدمة الكبرى من هذا النحو الأول من الشكل الثاني على حسب ما أتينا به هناك وهنا فقط. برهان صحة هذه النتيجة نعكس المقدمة النافية فنقول: ان كان لا واحد من الحجارة حي ولا واحد من الناس حجر، وقد قلنا كل إنسان حي فنضيف اللفظ الذي حصل لنا في العكس إلى هذه التي لم تعكس فنقول: كل إنسان حي، ولا واحد من الاحياء حجر، وهذا هو النحو الثاني من الشكل الأول بعينه، خرج في العكس المخبر عنه خبرا والخبر مخبرا عنه على ما قدمنا إذ وصفنا رتب العكس فتذكره، وإنما لم تعكس الموجبة لاننا لو عكسناها لأتانا النحو الثالث من الشكل وسيأتي بعد هذا ان شاء الله تعالى. النحو الثاني من الشكل الثاني: ولا واحد من الحجارة حي وكل إنسان حي، النتيجة: لا واحد من الحجارة [٥٢ظ] إنسان. ليس هذا النحو وبين الذي قبله أصلا الا ان كبرى ذلك هي صغرى هذا، أخرت هنالك وقدمت هنا، وصغرى ذلك هي كبرى هذا قدمت هنالك وأخرى هنا، وإنما كان ذلك لانا نخرج موضوع نتيجة الذي قبل هذا النحو بعكستين عكسة للمقدمة الثانية وعكسة أخرى للنتيجة التي ذكرنا، فنقول ان كان لا واح من الحجارة حي، فلا واحد من الأحياء حجر، وقد قلنا ان كل إنسان حي فنقول لا واحد من الاحياء حجر وكل إنسان حي فلا واحد من الحجارة إنسان. ثم نعكس هذه النتيجة فنقول: إذا كان لا واحد من الحجارة إنسان فلا واحد من الناس حجر، وهذه هي نتيجة الشكل الثاني من النحو الأول بعينها، واعلم ان مقدمتي هذا النحو والذي قبله متساويتان ليس في احداهما لفظة اعم من اللفظة الأخرى. واعلم انه لا فرق في شيء من الانحاء كلها بين قولك: لا واحد من الناس حجر، وقولك: لا شيء من الناس حجر، وقولك: لا واحد إنسان حجر، كل ذلك سواء قل كيف شئت. والاولى ان تقول الذي هو ابين في اللغة التي عبارتك بها، وهكذا حكم كل ما نفيت.

стр. 131

النحو الثالث من الشكل الثاني: بعض الناس حي واحد من الحجارة حي، النتيجة: بعض الناس لا حجر؛ ليس بين هذا النحو وبين النحو الرابع من الشكل الأول فرق الا ان محمول المقدمة الكبرى من ذلك النحو هو موضوع المقدمة الكبرى من ذلك النحو هو محمول المقدمة الكبرى من هذا النحو. برهانه بعكس المقدمة النافية فتقول: إذا كان واحد من الحجارة حي فلا واحد من الاحياء حجر، ونضيف إلى ذلك المقدمة التي لم تعكس فنقول: بعض الناس حي ولا واحد من الاحياء حجر وهذا النحو الرابع من الشكل الأول بعينه. النحو الرابع من الشكل الثاني: بعض الحجارة ليس حيا، وكل إنسان حي، النتيجة: فبعض الحجارة ليس إنسان وان شئت قلت: فليس كل حجر إنسانا لانا قد قلنا قبل ان النافية الجزئية تظهر بلفظ كلي وجزئي ان شئت، ثم تعكس هذه النتيجة فتقول: إذا كان بعض الحجار ليس إنسانا فبعض الناس ليس حجرا وهذا هو نتيجة النحو الرابع من الشكل الأول بعينها، وهذا النحو لا تعكس مقدمته لأنك لو عكست الموجبة الكلية لانعكست جزئية ومعها [٥٣و] جزئية نافية، وجزئيتان لا تنتج، والنافية الجزئية لا تنعكس على ما قدمنا. لكن برهانه يرفع الاحالة [عن] الكلام، وذلك ان نقول: ان انكر منكر ان هذه النتيجة حق وهي قولنا فبعض الحجارة ليس إنسانا، فنقيضها حق وهي كل الحجارة إنسان فتقول: كل الحجارة إنسان، وكل إنسان حي على ما أثبتنا في المقدمة الكبرى فينتج لنا ذلك كل حجر حي، وقد صححنا في المقدمة الصغرى: بعض الحجارة لا حي، وهذا ضد ما انتج لنا ما قدمنا آخرا وهذا محال. الشكل الثالث الحد المشترك فيه موضوع كلتا (١) المقدمتين أي مخبر عنه ونتائجه كلها جزئيات. النحو الأول من الشكل الثالث: كل إنسان حي، وكل إنسان جوهر،

стр. 132

النتيجة: فبعض الاحياء جوهر؛ برهانه بعكس المقدمة الصغرى، فنقول: إذا كان كل إنسان حيا فبعض الاحياء إنسان، وكل إنسان جوهر فبعض الاحياء جوهر، وهذه رتبة النحو الثالث من الشكل الأول. النحو الثاني من الشكل الثالث: كل إنسان حي، ولا واحد من الناس حجر، برهانه بعكس المقدمة الصغرى نقول: ان كان كل إنسان حيا، فبعض الاحياء إنسان، ولا احد إنسان حجر، فبعض الاحياء ليس حجرا، وهذه رتبة النحو الرابع من الشكل الأول بعينها، وهذا النحو متساوي المقدمتين ليس في احداهما لفظ أعم مما في الاخرى. النحو الثالث من الشكل الثالث: بعض الاحياء ناس، وكل الاحياء جوهر، النتيجة: بعض الناس جوهر. برهانه بعكس المقدمة الجزئية مقول: ان كان بعض الاحياء ناسا فبعض الناس حي، ثم نضيف ذلك إلى المقدمة الكلية فنقول: بعض الناس حي، وكل حي جوهر، وهذا هو النحو الثالث من الشكل الأول بعينه. النحو الرابع من الشكل الثالث: كل إنسان حي، وبعض الناس جوهر، النتيجة: بعض الحي جوهر، هذا النحو مخالف لرتبة الذي قبله في تقديم الجزئية وتأخيرها، فكبرى ذلك صغرى هذا، وصغرى ذلك كبرى هذا، الا انه يخرج موضوع نتيجة الذي قبل هذا محمولا في نتيجة هذا في الرتبة، ومحمول نتيجة ذلك موضوعا في نتيجة هذا، إذ الحد الذي في المقدمة الكبرى هو [٥٣ظ] الذي يخرج محمولا في النتيجة، وبرهانه بعكس المقدمة الجزئية، نقول: ان كان بعض الناس جوهرا فبعض الجوهر ناس، ثم نضيف إلى المقدمة الكلية فنقول: بعض الجوهر ناس، وكل الناس حي، النتيجة: بعض الجوهر حي، وهذه رتبة النحو الثالث من الشكل الأول بعينها. النحو الخامس من الشكل الثالث: كل إنسان حي، وبعض الناس لا حجر، النتيجة: فبعض الحي ليس حجرا؛ لا عكس في هذا، لأنك لو عكست الكلية لانعكست جزئية، وجمعنا إليها جزئية اخرى، وجزئيتان لا تنتج، والجزئية النافية لا تنعكس، لكن برهانه يرفع الكلام إلى الاحالة فنقول: ان كانت

стр. 133

النتيجة المذكورة باطلا فنقيضها حق، وهو كل حي حجر، ثم نقول: كل إنسان حي وكل حي حجر، النتيجة: فكل الناس حجر، وقد اتفقنا في المقدمة على ان بعض الناس لا حجر، وهذا محال، ونتيجة هذا النحو نتيجة النحو الثاني من الشكل الثالث، ويرجع هذا النحو إلى النحو الرابع من الشكل الأول بان تأخذ النتيجة فتضيفها إلى المقدمة الصغرى، فتقول: كل إنسان حي، وبعض الحي لا حجر، النتيجة: فبعض الناس لا حجر، وهذه نتيجة النحو الرابع من الشكل الأول، وهذا النحو ليس في كبراه لفظة أعم من التي في صغراه. النحو السادس من الشكل الثالث: بعض الحي إنسان، ولا واحد من الأحياء حجر، النتيجة: بعض الحي لا حجر، وبرهانه بعكسه واحدة، نقول: ان كان بعض الحي إنسانا فبعض الناس حي، ثم نضيف ذلك إلى الكلية السالبة فنقول: بعض الناس حي واحد من الأحياء حجر، وهذا هو النحو الرابع من الشكل الأول. وإنما لم نعكس ما لم يعكس من المقدمات في الشكل الثاني والثالث لأنه إنما كانت تخرج جزئيتين أو تخرج إلى ما قد خرج قبلها أو بعدها من الانحاء، أو لأنه كان يكون اطول في العمل فقصدنا الأخصر والأكثر فائدة فهذه الانحاء التي لا تنتج سواها انتاجا مطرودا، وسنبين ان شاء الله تعالى اعتراضات المشغبون في هذه الاشكال، وحل ذلك بحول الله وقوته، وها نحن آخذون في تمثيل هذه الانحاء بمثال الاهي ومثال شريعي بحول الله واهب الفضائل لمن شاء من عباده ليظهر فضل هذه [٥٤ و] الصناعة في كل علم. الشكل الأول النحو الأول من الشكل الأول: كل ما خرج إلى الفعل من العالم فمعدود وكل معدود فمتناه (١) فكل ما خرج إلى الفعل من العالم فمتناه. مثال شريعي: كل مسكر خمر وكل خمر حرام فكل مسكر حرام. النحو الثاني منه: كل ما خرج إلى الفعل من العالم معدود ولا واحد من المعدودات أزلي، فليس شيء مما خرج إلى الفعل من العالم ازليا. مثال شريعي: كل مسكر خمر ليست حلالا فكل مسكر ليس حلالا.

стр. 134

النحو الثالث منه: بعض العالم مركب وكل مركب مؤلف من شيء، فبعض العالم مؤلف من شيء. مثال شريعي: بعض المملوكات حرام وطئها، وكل حرام لم يفرض اجتنابه فبعض المملوكات فرض اجتنابها. النحو الرابع منه: بعض العالم مركب وليس كل شيء من المركبات ازليا فبعض العالم ليس ازليا. مثال شريعي: بعض البيوع ربا وليس شيء من الربا حلالا، فبعض البيوع ليس حلالا. الشكل الثاني النحو الأول: كل جمل العالم مؤلفات من اجزائها وليس شيء من المؤلفات (١) ازليا فليس شيء من العالم ازليا. مثال شريعي: كل ذبح لما تملكه فقد نهيت عنه وليس شيء حلالا مما نهيت عنه، فليس ذبحك لشيء لم تملكه حلالا. النحو الثاني منه: ليس شيء ازلي مؤلفا وكل جمل العالم المؤلفات من أجزاء بها، فلا شيء في جمل العالم أزلي. مثال شريعي: ليس شيء حلالا مما نهيت عنه، وكل ذبح لما لم تملكه فقد نهيت عنه، فليس حلالا ذبحك لما لم تملكه. النحو الثالث منه: بعض العالم مركب، وليس شيء ازليا مركبا، فبعض العالم ليس ازليا. مثال شريعي: بعض الآباء كافر وليس كل أحد تجب طاعته كافرا. فبعض الآباء لا تجب طاعته. النحو الرابع منه: بعض العالم ليس خالقا، والأزلي خالق، فبعض العالم ليس ازليا. مثال شريعي: بعض الفروج من الممتلكات لا يحل وطئه، وكل فرج زوجه أو أمة مباحين يحل وطئه، فبعض الفروج من الممتلكات، ليس فج زوجة أو أمة، ليس مباحا. الشكل الثالث النحو الأول منه: كل مركب متناه (٢) ، وكل مركب مؤلف، فبعض المتناهيات [٥٤ظ] مؤلف. مثال شريعي، كل قاذف محصنة فاسق، وكل قاذف محصنة يحد، فبعض الفاسقين يحد. النحو الثاني منه: كل جسم مركب من اجزائه وليس واحد من الاجسام

стр. 135

ازليا، فبعض المركب من اجزائه ليس ازليا. مثال شريعي: كل المحرمين منهي عن الصيد، وليس احد من لمحرمين مباحا له النساء، فليس بعض المنهيين عن الصيد مباحا لهم النساء. النحو الثالث منه: بعض الاعراض عدد، وكل الاعراض محمول، فبعض العدد محمول. مثال شريعي: بعض المصلين مقبول الصلاة، وكل مصل فمأمور باستقبال الكعبة ان قدر، فبعض المقبول صلاتهم مأمور باستقبال الكعبة ان قدر. النحو الرابع منه: كل جسم معدود وبعض الجسم مركب، فبعض المركب معدود. مثال شريعي: كل مرضعة خمس رضعات حرام، وبعض المرضعات خمس رضعات أم، فبعض الامهات حرام. النحو الخامس منه: بعض الاجسام ليس عرضا وكل جسم فشاغل مكانا، فبعض الاعراض ليس شاغلا مكانا. مثال شريعي: ليس بعض القاتلين بغير حق يقاد منه، وكل قاتل بغير حق فاسق، فبعض من لا يقاد منه فاسق. النحو السادس منه: بعض الاجسام ذو الاجسام ذو جهات ست، وليس شيء من الاجسام عرضا، فبعض ما هو ذو جهات ليس عرضا. مثال شريعي: بعض الشروط مفسد للعقد، وليس شيء من الشروط متقدما للعقد، فبعض المفسد للعقد. فإذا قد اتممنا بحول الله تعالى وعونه لنا ما كنا له وعدنا به من ذكر انحاء اشكال البرهان، فلنقل ان كل نتيجة ظهرت فيما قدمنا من القرائن فانها ان كانت موجبة كلية فانه قد يصح بصحتها عكسها وهو موجبة جزئية. وان كانت موجبة جزئية فانه قد يصح عكسها وهو موجبة جزئية. وان كانت سالبة كلية فانه قد يصح بصحتها عكسها وهو نافية كلية. واذا صحت الكلية فقد صحت جزئياتها وليس إذا صحت الجزئية صحت كليتها، فتأمل هذا تجده، وقد قدمنا لك من ذلك امثلة بينة فأغنى عن تكرارها. فتدبر في هذا المكان عظيم منفعة العكس لأنه يصح لك بصحة النتيجة ما انطوى فيها مما ذكرنا الآن. [٥٥و] واما النافية الجزئية فقد قدمنا انها لا تنعكس، وإذا كان ما قلنا، فذلك انتاج من النتيجة صادق ابدا، فالنتائج كما ذكرنا اربعة عشر، تنعكس

стр. 136

منها ثمان، ثلاث في الشكل الأول، واثنتان في الثاني نافيتان، وثلاث في الثالث موجبات، فذلك اثنتان وعشرون نتيجة صادقة. تذكر ما قلنا قبل ان القضايا، وهي الاخبار، تنقسم قسمين: قاطعة وشرطية فهذه القاطعة قد ذكرنا اقسامها، والحمد لله واهب التمييز والعلم والبيان والقوة وهو الذي لا نستمد المزيد في كل ذلك ومن خير إلا منه، لا إله إلا هو، فاذ قد اتممنا ذلك فلنشرع ذكر القسم الثاني وهو الشرطية، إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى ذكره. تم السفر الأول من كتاب التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالالفاظ العامية والامثلة الفقهية تأليف أبي محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم بن غالب الاندلسي رحمة الله عليه والحمد لله على ذلك كثيرا، كما هو أهله، وصلى الله على النبي محمد وسلم.

стр. 137

وهذا بدء السفر الثاني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد ٢ - باب ذكر القضايا الشرطية نقول وبالله تعالى نستعين بأن الشرطية هي ما لم يقطع في وصف الموصوف فيها شيء لازم، فالشرطية هذه تنقسم قسمين: إما معلقة بشيء آخر واما مقسمة. فالمعلقة تنقسم قسمين، المعلقة بالجملة وتسمى المتصلة وهي التي علق الحكم فيها بحكم آخر تصح بصحته أو تبطل ببطلانه. مثال ذلك: ان كان من زنى وهو محصن بالغ عاقل لكنه ثيب فانه يجلد ويرجم (١) ؛ فهذه قضية شرطية مركبة من حكمين: احدهما صفة الزاني والثاني صفة ما يصنع به ان زنى وهو الجلد والرجم. فالحكم الأول يسمى المقدمة وهو قولك [٥٥ظ] ان كان زنى وهو محصن بالغ عاقل ثيب والحكم الثاني يسمى الثاني وهو قولك فانه يجلد ويرجم، فاثبت على هذه التسمية أيضاً فتكرر عليك، ان شاء الله . واحد قسمي المعلقة التي ذكرنا آنفا انها تنقسم عليهما ان تستثني المقدمة ومعنى قولنا تستثني هو ان تشترط ان كون الامر المذكور اولا موجب لكون الأمر المذكور آخرا. فان لم يكن الأول لم يكن الآخر والقسم الثاني هو ما استثنيت فيه التالي أي انك تشترط ان كون الشيء الذي يذكر آخرا موجب لكون الامر المذكور اولا. فان لم يكن المذكور آخرا لم يكن المذكور اولا، فالقسم الأول مقدمة تتركب ن موضوع ومحمول الا أن

стр. 138

احدهما قرن به حرف شرط فان اردت انتاجها اضفت إليها اخرى فقلت: ان كان الزاني المحصن البالغ العاقل يجلد ويرجم فهذه مقدمة من مخبر عنه وخبر قرنت بأحدهما حرف شرط. ثم تقول: وهذا زان بالغ عاقل فهذه مقدمة ثانية إليها فتمت قرينة النتيجة فهذا بجلد ويرجم. والقول في كل ما صحبه حرف الشرط واحد، وهي إن واذ ما ومتى ما ومهما وما أشبه ذلك. وان شئت أن تقدم في اللفظ المعلقة على التي علقت بها فلك ذلك. والمعلقة هي المسببة والمعلقة بها هي السبب كالزنا مع الاحصان هو سبب الرجم وكطلوع الشمس هو سبب النهار وكدخول الأرض بين الشمس والقمر هو سبب كسوف القمر؛ فهذه الأسباب هي المعلق بها الحكم، والكسوف والشمس والنهار هي المسببات وهي المعلقات. فنقول في تقديم المعلقة ان كان نهارا فالشمس قد طلعت وان كان محصنا عاقلا اسم الثيب يقع على الزاني ان كان بالغا فانه يجلد ويرجم وهذا مثل تقديمك المحمول على الموضوع في القضايا القاطعة التي ليس فيها شرط. فنقول: الحياة في كل إنسان (١) والجوهرية في كل حي فالجوهرية في كل إنسان. وقد تكون المقدمتان في الشرطية نافيتين وقد تكون موجبتين وقد تكون موجبة ونافية كقولك: ان لم تغرب الشمس لم يأت الليل وان لم يكن في الجوبوق لم يكن صعق وان لم يقر بما جاء به الرسول، ﷺ ، لم يكن مسلما [٥٦و] فالمقدمة الأولى هي قولك: ان لم تغرب الشمس وان لم يكن في الجو برق وان لم يقر بما جاء به محمد، ﷺ . والثانية هي قولك: لم يكن ليل، لم يكن صعق، لم يكن مسلما. وأما الموجبتان فكالتي قدمنا قبل. وأما الموجبة والنافية فقولك: الماء راسب بالطبع ما لم يفسد أو يستحيل، والنار صاعدة بالطبع ما لم تفسد أو تستحيل، والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فكأنك قلت: ان تركت الماء بطبعه فهو راسب، وان تركت النار بطبعها فهي صاعدة وان كان المتبايعان مجتمعين فالخيار لهما.

стр. 139

وقد تكون المقدمات كثيرة في هذا الباب مثل قولك: ان كان العالم محدثا وكان المحدث يقتضي محدثا وكان لا شيء غير المحدث والمحدث وكان لامحدث غير المحدث والمحدث وكان لا محدث غير المحدث للعالم وكانت إحداث مخالفة الطبيعة ظاهرة من إنسان محدث باختياره وكان يأتي بها شواهد على دعواه ومدثها له محدث العالم وان كان محدثها طلبها من محدث العالم فمحدث العالم شاهد له بصحة ما يدعى واذا كان محدث العالم شاهد اله ومحدث العالم لا يشهد لمدعي باطل فهذا ليس مدعي باطل. واذا كان غير مدعي باطل فهو مدعي حق. واذا كان مدعي حق وجب تصديقه. فالمقدم من هذا الاستدلال الشرطي كما ترى مقدمات كثيرة والتالي واحد وهو: فإذا كان مدعي حق وجب تصديقه. فهذا هو القسم الأول الذي ذكرنا أنه يستثنى فيه المقدم. أي أن المقدمة الأولى هي التي نقطع على أنها حق بعد أن يشترط أنها ان صحت الأولى صحت التي علقت صحتها بصحتها. وان بطلت بطلت التي علقت صحتها بصحتها. وهذا واجب بأول العقل ضرورة، إذ كل شيء لا يجوز أن يصح حتى يصح شيء آخر، ثم إذا لم يصح ذلك الشيء الآخر فواجب ضرورة ن لا يصح الذي لا صحة له الا بوجود صحة توجد. ومن هذا الأصل الضروري البرهاني أبطلنا في الشرائع كل عقد ارتبط بشرط فاسد لا يصح في النكاح والطلاق والبيوع والعتق وسائر العقود كلها. وكذلك ان كان التالي لا يوجد ضرورة الا بوجود الأول والتالي غير موجود ضرورة الا بوجود الأول، فالتالي غير موجود. فان وجدت المقدمة الاولى جزئية فقلت: ان كان زيد طبيبا فهو ناطق، لكن زيد طبيب فهو ناطق فلو استثنيت نقيض الأول الذي صححت [٥٦ظ] نفيه فقلت: لكن زيد ليس طبيبا لم يصح لك أنه ليس ناطقا وهكذا كل ما كان فيه الوصف في المقدمة جزئيا للذي في التالي. واما ان كان مساويا له أو أعم فانك إذا نفيت الأول انتفى الثاني كقولك: ان كان الإنسان حساسا أو قلت ضحاكا فهو حي لكنه ليس حساسا أو ليس ضحاكا فليس حيا. ولا يجوز أن يكون التالي جزئيا للمقدم البتة لأنه مرتبط به موجود بوجوده فهو أبدا اما مساو واما أعم فاحفظ كل هذا واضبطه. فلو استثنيت نفي التالي [أي] صححته فانه ينتج لك

стр. 140

نفي الأول ضرورة على كل حال جزئيا كان الأول أو مساويا. ألا ترى أنك لو قلت: ان كان زيد طبيبا فهو عالم لكنه ليس عالما أصلا فليس طبيبا؛ وكذلك المساوي ألا ترى أنك لو قلت: ان كان الجرم إنسانا فهو ضحاك لكنه ليس ضحاكا فليس إنسانا وهو من الجزئي لرخص أيضا أن نقول: ان كان الجرم إنسانا فهو ناطق لكنه ليس ناطقا فليس إنسانا. وان استثنيت التالي أي صححته لم يصح لك الأول في المساوي وحده، وأما الاعم فلا لأنك لو قلت ان كان الجرم إنسانا فهو حي فلا يصح لك بذلك أنه إنسان. فالوجه ان تصحح اما الأول فينتج لك صحة التالي واما أن تصحح نفي التالي فيصح لك نفي الأول. وأما ان صححت التالي أو صححت نفي الأول فانه لا يصح لك بتصحيح التالي تصحيح الأول. ولا يصح لك بتصحيح نفي الأول نفي التالي الا في المساوي فقط. الا أنك تحتاج إذا أردت نفي التالي بنفي الأول في المساوي إلى عمل يمتد في انتاج ذلك إذ ليس ذلك بينا بسرعة كبيان انتفاء التالي بانتفاء الأول؛ الا ترى انك إذا قلت ان كان العمر طويلا لهرم موجود لكن العمر ليس طويلا، النتيجة فالهرم ليس موجودا [وهذا] بين. فلو قلت والقرينة بحسبها لكون الهرم غير موجود فانك تحتاج في الانتاج من ذلك ان طول العمر ليس موجودا إلى عمل، وهو ان تقول: ان كان الهرم يوجد طول العمر فليس يمكن أن يعدم الهرم ويوجد طول العمر. إذ لو كان العمر موجودا حينئذ بوجود فليس الهرم اذن موجودا طول العمر؛ وقد قدمنا أن الهرم يوجد بوجود طول العمر وهذا تناقض. وإنما كانت تكون بينة لو قدمت فقلت: إذا [٥٧ و] كان ضعف الكبر غير موجود فطول العمر غير موجود، وهذا بين. وقد قلنا إن القسم الذي يستثني منه ضد المقدمة التالية أي تصححه فانه ينتج لك نفي الأول ضرورة مثل أن تقول: ان كان العالم غير محدث فهو غير مؤلف ولا متناهي الجرم، لكن العالم مؤلف متناهي الجرم، فالعالم محدث. وقد تكون المقدمات التوالي في هذا النوع متنافية كقولك: ان كان يوجد زمان لغير جرم ذي زمان، والزمان إنما هو مدة يعد بها سكون أو حركة، فليس يوجد اذن زمان لغير جرم ذي زمان. فهذه اقسام الشرطي المتصل وهي اما ان تصحح

стр. 141

المقدم واما تصحح نفيه واما تصحح التالي واما أن تصحح نفيه، فاعلم. وأما الشرطي المنقسم فهو أن تقسم الشيء الذي تريد معرفة صحة حكمه على جميع أقسامه الذي يعطيه العقل إياها قسما أصلا، ولا تكون تلك الأقسام الا متغايرة أو متباينة مختلفة كل واحد منها مخالف لسائرها، وجائز أن تكون الأقسام اثنين فصاعدا ولكن لا بد من الاختلاف المذكور. فالذي ينقسم نحو قولك: العالم اما محدث واما أزلي، وهذا الشيء اما حرام واما غير حرام، وهذا الشيء واجب أو غير واجب. ونحو قولك: هذان الاسمين اما واقعان على معنى واحد واما على أكثر من معنى واحد. وأما الذي سنقسم أقساما أكثر من اثنين ان تقول: لا يخلو العالم ان كان محدثا من أن يكون أحدث نفسه أو أحدثه غيره أو حدث لأمر محدث. ونحو قوله: هذا الشيء اما واجب واما مباح متساو واما مباح مستحب واما مباح مكروه وما حرام وهذه الاقسام كما ترى تامة المعاني أي كل قسم منها مخالف لسائرها وقسمته تامة مستوفاة. وأما إذا كان التقسيم ناقصا هو ان يكون أخللت بشيء من أقسامه إما جهلا واما نسيانا وأما عمدا فليست أقسامه حينئذ تامة المغايرة وذلك نحو قولك: لا يخلو محدث العالم أن يكون أحدثه لجوده أو كرمه أو لاجترار منفعة أو لدفع مضرة أو لعلة غير ما ذكرنا. فهذا تقسيم ناقص لأنك أسقطت منه القسم الصحيح وهو أن يكون أحدثه لا لعلة أصلا. وقد يعرض من هذا الباب [٥٧ظ] أن يكون التقسيم لا يكون الا على قسمين فقط فيحذف المقسم أحد القسمين ويذكر الآخر فيجعله كليا في الحكم وهو في الحقيقة جزئي كقول القائل: الزمان حركة بعد فأخرج ذلك مخرج صفة كلية للزمان وإنما الزمان معنى لازمنا أي لا أن لا أن الزمان معنى لازمنا أي لا أن الزمان حركة بعد أو سكون بعد؛ ومن ذلك أيضا ان تقول: المدبر المعتق بالموت موصى به فهو من الثلث. وإنما الصواب ان تقول المدبر المعتق بالموت اما موصى بعتقه أو معتق بصفة فتوفي القسمة حقها، فتحفظ من مثل هذا كل التحفظ، فان دخول الأغاليط كثيرا ما تدخل في هذا الباب فأقل ما في هذا الباب أن تعمى عليك

стр. 142

الحقائق ان كنت باحثا فتعتقد الباطل وتضل (١) غيرك ممن يحسن الظن بك أو تتحير ان ظهر ما فسد من الأقسام اليك أو تجيب جوابا فاسدا ان كنت مسؤولا أو تغالط خصمك ان كنت سائلا وكل هذه أحوال غير محمودة. بل هي مذمومة عند أهل العقول جدا. فان كنت جاهلا بالتقسيم فتعلم وابحث وان كنت ناسيا ففتش وتدبر وان كنت عامدا فتلك أقبح فأعرض عنها. ومن ذلك أيضا ان تقول: اما زيد جالس واما متكئ وليس هذا تقسيما صحيحا إذ لعله ماش أو واقف فاعلم الآن ان التقسيم إذا وقع على قسمين فقط واستوفيا حقيقة الطبع في التقسيم التام الذي لا يشذ عنه فانك إذا صححت أحد القسمين وأثبته وأخرجته من الشك فانه ينتج لك أن يصح هذا القسم الآخر ضرورة لا بد من ذلك كقولك: العالم اما أزلي واما محدث لكن العالم محدث فصح لأنه ليس أزليا فإذا صححت نفي أحد القسمين وأثبته أنتج ضرورة صحة التقسيم الآخر كقولك: العالم اما أزلي واما محدث لكنه ليس أزليا فصح انه محدث وهكذا إذا كانت الأقسام اكثر من اثنين فانك إذا صححت أحدها فقد صح انه مخالف لسائرها لابد من ذلك. وكذلك ان صححت نفي جميع تلك الأقسام حاشا واحدا صح أن حكمه هو ذلك الواحد الذي بقى ضرورة فان صححت ان حكمه مخالف لبعض تلك الأقسام وبقي منها أكثر من واحد سقطت الأقسام التي صح انه مخالف لها ولم يصح ان حكم الشيء الذي يتعرف [٥٨و] صحة حكمه في أحد ما بقي دون سائر ما بقي ولا تبال أي الأقسام قدمت في اللفظ ولا أيها أخرت في هذه الوجوه كلها. ونحن نمثل الوجوه الثلاثة التي ذكرنا فتقول، وبالله تعالى نتأيد: إذا قلت هذا الطعم اما تفه واما زعاق واما حلو واما مر واما حامض واما ملح واما حريف واما عفص لكنه مر فقد نفيت عنه جميع الطعوم الباقية كلها يقينا بلا شك. وكذلك إذا قلت: هذا العدد اما مساو لهذا العدد واما أقل منه واما اكثر منه فقد نفيت القسمين الباقيين بلا شك وهو حينئذ لا مساو ولا أقل يقينا فان

стр. 143

أبطلت جميع الأقسام حاشا واحدا فقلت في المسألة الأولى: لكنه ليس نفها ولا زعاقا ولا حلو ولا مرا ولا حامضا ولا ملحا ولا حريفا فقد صح شك أنه عفص. وكذلك لو قلت في الثانية لكنه ليس اكثر منه ولا مساويا له فقد صح أنه أقل منه يقينا فان أبطلت بعض الأقسام وسكت عن أكثر من واحد منها سقطت الاقسام التي صححت أنها مخالفة له فقط ولم تثبت له واحدا بعينه من الذي نفيت وبقي الاستدلال والنظر واجبا فيها كقولك في المسألة الاولى لكنه ليس مرا ولا حلوا فقد سقطت عنه المرارة والحلاوة وبقي الطعم مشكوكا فيه على باقي الاقسام، كلما أسقطت قسما بقي موقوفا على الباقي حتى لا يبقى إلا واحد فيصح حينئذ أن ذلك الواحد هو حكمه، وهذا في جميع المسائل؛ وإنما أخرجت لك الوجوه كلها من مسألة واحدة لترى نسبة الوجوه بعضها من بعض بأمكن وأسهل منها لو كانت من مسائل شتى. ولو أنك من الأقسام الكثيرة اثنين فصاعدا بحرف الشك مثل ان تقول: لكنه اما حلو واما حامض واما مر فقد بطلت سائرها وبقي الحكم موقوفا على الذي قصرتها عليه. واعلم أن هذا الفصل لا يكون صحيحا الا بعد ذكرك جميع ما وتوجبه الطبيعة من الأقسام، فلو ابتدأت بذكر بعض الأقسام مقتصرا عليها في القسمة فقد اسأت العمل، فالصواب انه ممنوع الا من جهة واحدة ولا ينبغي لك ان تنكل عنها، وهو ان يتفق لك صحة أحد الأقسام التي ذكرت على الشيء الذي تطلب معرفة صحة حكمه، فانك حينئذ إذا صححت ذلك القسم [٥٨ظ] الموافق خاصة صادفت الحق غير محسن في اصابته لكن كإنسان أوقعه البحث على كنز، وذلك نحو قولك: هذا الشيء اما حار واما بارد لكنه حار فان كنت قد أصبت في وصفه بالحر حقيقة طبعه فقد انتج لك ذلك بطلان كل قسم ذكرته أو لم تذكره، وان نفيت في هذا العمل أحد القسمين الذين ذكرت فانه لم يصح لك شيء بعد، وذلك نحو قولك: هذا الشيء اما حار واما يارد لكنه ليس بحار فاعلم أنك لم تصب بعد حقيقة طبعه ولا أثبت له البرد لأنك أسقطت القسم الثالث وهو المعتدل فلعله معتدل إذ ليس حارا فلا يكون أيضاً داخلا في القسم الثاني الذي ذكرت وهو البارد. ولو كان تقسيمك موعبا لارتفع الاشكال؟ على ما قدمنا قبل - وأنت إذا قطعت في القسمة الناقصة على انه لابد من أحد الاقسام التي

стр. 144

ذكرت فالكذب حصتك من هذا الخبر والفضيحة صفتك فيه وهاتان صنعتا سوء ما والأمر لك من قبل ومن بعد فاحفظ هذه المعاني وميزها إذا مرت بك في جميع مطالبك وفتش عنها في كل ما يرد عليك فانك تستضيء في العلم ضياءا تاما وتشرف على عجائب تفرج عنك هموما عظيمة ان كنت ممن يهتم بالحقائق. واعلم ان ايرادك في التقسيم لفظة إما أو لفظة أو أو انه لا يخلو من كذا وكذا أو لابد ن كذا وكذا أو هذا ينقسم كذا وكذا، قسما منها كذا ومنها كذا، أو لا سبيل إلى غير كذا وكذا أو ما أعطى المعنى فكل ذلك ممن يهتم بالحقائق. واعلم ان ايرادك في التقسيم لفظة اما أو لفظة أو أو لا يخلو من كذا وكذا وأنه لا بد من كذا وكذا وهذا ينقسم كذا وكذا قسما منها كذا وكذا ومنها كذا أو لا سبيل إلى غير كذا وكذا ما أعطى المعنى فكل ذلك سواء لا يختل شيء من ذلك معنى أصلا. ٣ - باب من انواع البرهان تتضاعف الصفات فيه واعلم انه قد تقع مقدمات بنسبة أعداد في الكثرة أو في القلة أو المساواة أو تفاضل كيفيات في الشدة لو الضعف أو تماثلها، فمنها ما هو تقديم صحيح فينتج انتاجا صحيحا راجعا إلى الشكل الأول، كقولك: النرجس أشد صفرة [٥٩ و] من التفاح والتفاح أشد صفرة من الاترج. النتيجة: فالنرجس أشد صفرة من الاترج. فالحد الأوسط وهو اللفظة المشتركة في كلتا المقدمتين، التي طالما بينتها عليك زمان وصفي لك انحاء الاشكال الثلاثة، وهو قولنا: التفاح، وقولنا أشد صفرة هو الغرض المقصود والرابط ما بين الحدين، فلا بد من خروجه في النتيجة كخروج لفظ كل أو بعض في الاشكال المتقدمة والحدان المقتسمان وهما اللفظان اللذان انفردت كل مقدمة منهما بواحد وهو النرجس أو الاترج. وربما جاءا بلفظ بنظير صحيح فتقول: نسبة الخمسة إلى العشرة كنسبة الاثنين من الاربعة، النتيجة: فالخمسة نصف العشرة، وهكذا ان شبهت كيفية بكيفية ما، ثم شبهت تلك الكيفية الثانية بكيفية أخرى، فقد أنتج لك ذلك شبه

стр. 145

الكيفية الاولى بالكيفية الثانية ضرورة وذلك مثل قولك: بياض زيد كبياض عمرو وبياض عمرو كبياض خالد. النتيجة: فبياض زيد كبياض خالد. فهذه القرينة اعطت الخمسة أنها نصف العشرة واعطتها أيضا ان لها نسبة من عدد يشبه نسبة عدد آخر. وكذلك أعطته الاخرى أن بياض زيد يشبه بياض عمرو ويشبه بياض خالد. وهذا مكان ينبغي ان تتحفظ به فربما غالط فيه بعض النوكى كما فعل الناشئ المكني بأبي العباس إذ قال: إذا كانت عشرة في عشرة مائة فالخمسة في الخمسة خمسون، وذلك لأن الخمسين نصف المائة والخمسة نصف العشرة ونسبة العشرة من المائة كنسبة الخمسون من الخمسين ونسبة الخمسة من العشرة كنسبة الخمسين من المائة وإنما وقع هذا الايهام الساقط لان المتكلم أتى بلفظ غير واضح في المقدمة وكان الصواب أن يقول إذا كانت عشرة ومكررة عشر مرات مائة فخمسة مكررة خمسة مرات خمسة وعشرون. لكن اهل صناعة الحساب اختصروا التطويل بلفظ اتفقوا على وضعه للتفاهم بينهم وليس عليهم أكثر من ذلك البيان للجاهل فقط. وتحفظ أيضا من أن تأتي بجمل مختلفة ومعنى ذلك أن تكون الصفة التي تصف بها لمخبر عنه في هذا النوع من البرهان مختلفة فيتولد عليك من ذلك غلط مثل أن تقول: الورد أطيب رائحة من الخزامى والخزامى أضعف رائحة من المسك فهذا تركيب [٥٩ظ] فاسد لأن حق هذه القرائن أن تكون الصفة من نوع واحد الا في درج؟ فقط لانها هي الحد المشترك فلا يجوز الا أن تكون بلفظ واحد في معنى واحد. والحد المشترك في هاتين القضيتين مختلف أحدهما أطيب رائحة والثاني أضعف رائحة فليس هذا مشتركا كلاهما مختلفان لم يتم فيهما حد الاقتران فلذلك خرجت النتيجة في بعض المواضع فاسدة وربما صدقت ولكنها غير موثوق بها على ما قدمنا. وقد تصدق مرة وتكذب أخرى: ألا ترى انك لو قلت: الورد اطيب رائحة من الخزامى والخزامى اضعف رائحة من البنفسج، النتيجة: فالورد أطيب من البنفسج صادقة، واذا قلت الورد أطيب رائحة من الخزامى والخزامى أضعف رائحة من البنفسج، النتيجة: فالورد أطيب
следующие страницы →