المقدم واما تصحح نفيه واما تصحح التالي واما أن تصحح نفيه، فاعلم.
وأما الشرطي المنقسم فهو أن تقسم الشيء الذي تريد معرفة صحة حكمه على جميع أقسامه الذي يعطيه العقل إياها قسما أصلا، ولا تكون تلك الأقسام الا متغايرة أو متباينة مختلفة كل واحد منها مخالف لسائرها، وجائز أن تكون الأقسام اثنين فصاعدا ولكن لا بد من الاختلاف المذكور.
فالذي ينقسم نحو قولك: العالم اما محدث واما أزلي، وهذا الشيء اما حرام واما غير حرام، وهذا الشيء واجب أو غير واجب. ونحو قولك: هذان الاسمين اما واقعان على معنى واحد واما على أكثر من معنى واحد.
وأما الذي سنقسم أقساما أكثر من اثنين ان تقول: لا يخلو العالم ان كان محدثا من أن يكون أحدث نفسه أو أحدثه غيره أو حدث لأمر محدث. ونحو قوله: هذا الشيء اما واجب واما مباح متساو واما مباح مستحب واما مباح مكروه وما حرام وهذه الاقسام كما ترى تامة المعاني أي كل قسم منها مخالف لسائرها وقسمته تامة مستوفاة.
وأما إذا كان التقسيم ناقصا هو ان يكون أخللت بشيء من أقسامه إما جهلا واما نسيانا وأما عمدا فليست أقسامه حينئذ تامة المغايرة وذلك نحو قولك: لا يخلو محدث العالم أن يكون أحدثه لجوده أو كرمه أو لاجترار منفعة أو لدفع مضرة أو لعلة غير ما ذكرنا. فهذا تقسيم ناقص لأنك أسقطت منه القسم الصحيح وهو أن يكون أحدثه لا لعلة أصلا.
وقد يعرض من هذا الباب [٥٧ظ] أن يكون التقسيم لا يكون الا على قسمين فقط فيحذف المقسم أحد القسمين ويذكر الآخر فيجعله كليا في الحكم وهو في الحقيقة جزئي كقول القائل: الزمان حركة بعد فأخرج ذلك مخرج صفة كلية للزمان وإنما الزمان معنى لازمنا أي لا أن لا أن الزمان معنى لازمنا أي لا أن الزمان حركة بعد أو سكون بعد؛ ومن ذلك أيضا ان تقول: المدبر المعتق بالموت موصى به فهو من الثلث. وإنما الصواب ان تقول المدبر المعتق بالموت اما موصى بعتقه أو معتق بصفة فتوفي القسمة حقها، فتحفظ من مثل هذا كل التحفظ، فان دخول الأغاليط كثيرا ما تدخل في هذا الباب فأقل ما في هذا الباب أن تعمى عليك
стр. 142
الحقائق ان كنت باحثا فتعتقد الباطل وتضل (١) غيرك ممن يحسن الظن بك أو تتحير ان ظهر ما فسد من الأقسام اليك أو تجيب جوابا فاسدا ان كنت مسؤولا أو تغالط خصمك ان كنت سائلا وكل هذه أحوال غير محمودة. بل هي مذمومة عند أهل العقول جدا. فان كنت جاهلا بالتقسيم فتعلم وابحث وان كنت ناسيا ففتش وتدبر وان كنت عامدا فتلك أقبح فأعرض عنها.
ومن ذلك أيضا ان تقول: اما زيد جالس واما متكئ وليس هذا تقسيما صحيحا إذ لعله ماش أو واقف فاعلم الآن ان التقسيم إذا وقع على قسمين فقط واستوفيا حقيقة الطبع في التقسيم التام الذي لا يشذ عنه فانك إذا صححت أحد القسمين وأثبته وأخرجته من الشك فانه ينتج لك أن يصح هذا القسم الآخر ضرورة لا بد من ذلك كقولك: العالم اما أزلي واما محدث لكن العالم محدث فصح لأنه ليس أزليا فإذا صححت نفي أحد القسمين وأثبته أنتج ضرورة صحة التقسيم الآخر كقولك: العالم اما أزلي واما محدث لكنه ليس أزليا فصح انه محدث وهكذا إذا كانت الأقسام اكثر من اثنين فانك إذا صححت أحدها فقد صح انه مخالف لسائرها لابد من ذلك.
وكذلك ان صححت نفي جميع تلك الأقسام حاشا واحدا صح أن حكمه هو ذلك الواحد الذي بقى ضرورة فان صححت ان حكمه مخالف لبعض تلك الأقسام وبقي منها أكثر من واحد سقطت الأقسام التي صح انه مخالف لها ولم يصح ان حكم الشيء الذي يتعرف [٥٨و] صحة حكمه في أحد ما بقي دون سائر ما بقي ولا تبال أي الأقسام قدمت في اللفظ ولا أيها أخرت في هذه الوجوه كلها.
ونحن نمثل الوجوه الثلاثة التي ذكرنا فتقول، وبالله تعالى نتأيد: إذا قلت هذا الطعم اما تفه واما زعاق واما حلو واما مر واما حامض واما ملح واما حريف واما عفص لكنه مر فقد نفيت عنه جميع الطعوم الباقية كلها يقينا بلا شك. وكذلك إذا قلت: هذا العدد اما مساو لهذا العدد واما أقل منه واما اكثر منه فقد نفيت القسمين الباقيين بلا شك وهو حينئذ لا مساو ولا أقل يقينا فان
стр. 143
أبطلت جميع الأقسام حاشا واحدا فقلت في المسألة الأولى: لكنه ليس نفها ولا زعاقا ولا حلو ولا مرا ولا حامضا ولا ملحا ولا حريفا فقد صح شك أنه عفص. وكذلك لو قلت في الثانية لكنه ليس اكثر منه ولا مساويا له فقد صح أنه أقل منه يقينا فان أبطلت بعض الأقسام وسكت عن أكثر من واحد منها سقطت الاقسام التي صححت أنها مخالفة له فقط ولم تثبت له واحدا بعينه من الذي نفيت وبقي الاستدلال والنظر واجبا فيها كقولك في المسألة الاولى لكنه ليس مرا ولا حلوا فقد سقطت عنه المرارة والحلاوة وبقي الطعم مشكوكا فيه على باقي الاقسام، كلما أسقطت قسما بقي موقوفا على الباقي حتى لا يبقى إلا واحد فيصح حينئذ أن ذلك الواحد هو حكمه، وهذا في جميع المسائل؛ وإنما أخرجت لك الوجوه كلها من مسألة واحدة لترى نسبة الوجوه بعضها من بعض بأمكن وأسهل منها لو كانت من مسائل شتى. ولو أنك من الأقسام الكثيرة اثنين فصاعدا بحرف الشك مثل ان تقول: لكنه اما حلو واما حامض واما مر فقد بطلت سائرها وبقي الحكم موقوفا على الذي قصرتها عليه.
واعلم أن هذا الفصل لا يكون صحيحا الا بعد ذكرك جميع ما وتوجبه الطبيعة من الأقسام، فلو ابتدأت بذكر بعض الأقسام مقتصرا عليها في القسمة فقد اسأت العمل، فالصواب انه ممنوع الا من جهة واحدة ولا ينبغي لك ان تنكل عنها، وهو ان يتفق لك صحة أحد الأقسام التي ذكرت على الشيء الذي تطلب معرفة صحة حكمه، فانك حينئذ إذا صححت ذلك القسم [٥٨ظ] الموافق خاصة صادفت الحق غير محسن في اصابته لكن كإنسان أوقعه البحث على كنز، وذلك نحو قولك: هذا الشيء اما حار واما بارد لكنه حار فان كنت قد أصبت في وصفه بالحر حقيقة طبعه فقد انتج لك ذلك بطلان كل قسم ذكرته أو لم تذكره، وان نفيت في هذا العمل أحد القسمين الذين ذكرت فانه لم يصح لك شيء بعد، وذلك نحو قولك: هذا الشيء اما حار واما يارد لكنه ليس بحار فاعلم أنك لم تصب بعد حقيقة طبعه ولا أثبت له البرد لأنك أسقطت القسم الثالث وهو المعتدل فلعله معتدل إذ ليس حارا فلا يكون أيضاً داخلا في القسم الثاني الذي ذكرت وهو البارد. ولو كان تقسيمك موعبا لارتفع الاشكال؟ على ما قدمنا قبل - وأنت إذا قطعت في القسمة الناقصة على انه لابد من أحد الاقسام التي
стр. 144
ذكرت فالكذب حصتك من هذا الخبر والفضيحة صفتك فيه وهاتان صنعتا سوء ما والأمر لك من قبل ومن بعد فاحفظ هذه المعاني وميزها إذا مرت بك في جميع مطالبك وفتش عنها في كل ما يرد عليك فانك تستضيء في العلم ضياءا تاما وتشرف على عجائب تفرج عنك هموما عظيمة ان كنت ممن يهتم بالحقائق.
واعلم ان ايرادك في التقسيم لفظة إما أو لفظة أو أو انه لا يخلو من كذا وكذا أو لابد ن كذا وكذا أو هذا ينقسم كذا وكذا، قسما منها كذا ومنها كذا، أو لا سبيل إلى غير كذا وكذا أو ما أعطى المعنى فكل ذلك ممن يهتم بالحقائق.
واعلم ان ايرادك في التقسيم لفظة اما أو لفظة أو أو لا يخلو من كذا وكذا وأنه لا بد من كذا وكذا وهذا ينقسم كذا وكذا قسما منها كذا وكذا ومنها كذا أو لا سبيل إلى غير كذا وكذا ما أعطى المعنى فكل ذلك سواء لا يختل شيء من ذلك معنى أصلا.
٣ - باب من انواع البرهان تتضاعف الصفات فيه
واعلم انه قد تقع مقدمات بنسبة أعداد في الكثرة أو في القلة أو المساواة أو تفاضل كيفيات في الشدة لو الضعف أو تماثلها، فمنها ما هو تقديم صحيح فينتج انتاجا صحيحا راجعا إلى الشكل الأول، كقولك: النرجس أشد صفرة [٥٩ و] من التفاح والتفاح أشد صفرة من الاترج. النتيجة: فالنرجس أشد صفرة من الاترج. فالحد الأوسط وهو اللفظة المشتركة في كلتا المقدمتين، التي طالما بينتها عليك زمان وصفي لك انحاء الاشكال الثلاثة، وهو قولنا: التفاح، وقولنا أشد صفرة هو الغرض المقصود والرابط ما بين الحدين، فلا بد من خروجه في النتيجة كخروج لفظ كل أو بعض في الاشكال المتقدمة والحدان المقتسمان وهما اللفظان اللذان انفردت كل مقدمة منهما بواحد وهو النرجس أو الاترج. وربما جاءا بلفظ بنظير صحيح فتقول: نسبة الخمسة إلى العشرة كنسبة الاثنين من الاربعة، النتيجة: فالخمسة نصف العشرة، وهكذا ان شبهت كيفية بكيفية ما، ثم شبهت تلك الكيفية الثانية بكيفية أخرى، فقد أنتج لك ذلك شبه
стр. 145
الكيفية الاولى بالكيفية الثانية ضرورة وذلك مثل قولك: بياض زيد كبياض عمرو وبياض عمرو كبياض خالد. النتيجة: فبياض زيد كبياض خالد. فهذه القرينة اعطت الخمسة أنها نصف العشرة واعطتها أيضا ان لها نسبة من عدد يشبه نسبة عدد آخر. وكذلك أعطته الاخرى أن بياض زيد يشبه بياض عمرو ويشبه بياض خالد.
وهذا مكان ينبغي ان تتحفظ به فربما غالط فيه بعض النوكى كما فعل الناشئ المكني بأبي العباس إذ قال: إذا كانت عشرة في عشرة مائة فالخمسة في الخمسة خمسون، وذلك لأن الخمسين نصف المائة والخمسة نصف العشرة ونسبة العشرة من المائة كنسبة الخمسون من الخمسين ونسبة الخمسة من العشرة كنسبة الخمسين من المائة وإنما وقع هذا الايهام الساقط لان المتكلم أتى بلفظ غير واضح في المقدمة وكان الصواب أن يقول إذا كانت عشرة ومكررة عشر مرات مائة فخمسة مكررة خمسة مرات خمسة وعشرون. لكن اهل صناعة الحساب اختصروا التطويل بلفظ اتفقوا على وضعه للتفاهم بينهم وليس عليهم أكثر من ذلك البيان للجاهل فقط.
وتحفظ أيضا من أن تأتي بجمل مختلفة ومعنى ذلك أن تكون الصفة التي تصف بها لمخبر عنه في هذا النوع من البرهان مختلفة فيتولد عليك من ذلك غلط مثل أن تقول: الورد أطيب رائحة من الخزامى والخزامى أضعف رائحة من المسك فهذا تركيب [٥٩ظ] فاسد لأن حق هذه القرائن أن تكون الصفة من نوع واحد الا في درج؟ فقط لانها هي الحد المشترك فلا يجوز الا أن تكون بلفظ واحد في معنى واحد. والحد المشترك في هاتين القضيتين مختلف أحدهما أطيب رائحة والثاني أضعف رائحة فليس هذا مشتركا كلاهما مختلفان لم يتم فيهما حد الاقتران فلذلك خرجت النتيجة في بعض المواضع فاسدة وربما صدقت ولكنها غير موثوق بها على ما قدمنا. وقد تصدق مرة وتكذب أخرى: ألا ترى انك لو قلت: الورد اطيب رائحة من الخزامى والخزامى اضعف رائحة من البنفسج، النتيجة: فالورد أطيب من البنفسج صادقة، واذا قلت الورد أطيب رائحة من الخزامى والخزامى أضعف رائحة من البنفسج، النتيجة: فالورد أطيب
стр. 146
رائحة من البنفسج، صادقة،. واذا قلت الورد أطيب رائحة من الخزامى والخزامى اضعف رائحة من المسك، النتيجة: فالورد أطيب من المسك كاذبة، وأنت إذا التزمت ما حددته لك صدقت أبدا بلا شك وذلك أن تقول: الورد اطيب رائحة من الخزامى والخزامى أطيب رائحة من الضيمران فالورد أطيب رائحة من الضيمران فهذا الترتيب لا يخونك أبدا.
ونمثل ذلك بمثال شريعي فنقول: ان موه مموه فقال علي أكثر فضائل العباس والعباس أقل فضائل من أبي بكر فأراد أن ينتج من ذلك: فعلي أكثر فضائل من أبي بكر وقال: ان مقدمتي كلتاهما صادقة لم يسوغ له ذلك وقيل له اجعل مكان أبي بكر رسول الله ﷺ ، فأنها أيضا تأتيك مقدمتان صادقتان ثم انظر ماذا ينتج فتقول: علي أكثر فضائل من العباس والعباس أقل فضائل من رسول الله، ﷺ ، فهاتان صادقتان فعلي أكثر فضائل من رسول الله، ﷺ ، وهذا كذب وكفر. ولا يترك يأخذ في نتيجة قرينة واحدة ما وصف به المخبر عنه في المقدمة الأولى وفي نتيجة قرينة أخرى ما وصف به المخبر عنه في المقدمة الثانية مثل أن يأخذ في الواحدة ذكر الأكثر وفي الثانية ذكر الأقل ولكن يعكس عليه ما يريد من ذلك فيلوح تمويهه من قريب، حتى إذا جعلت حكم الحد المشترك واحدا في اللفظ أصبت وذلك مثل أن تقول: علي اكثر فضائل من ابي هريرة وابو هريرة أكثر [٦٠ و] فضائل من معاوية النتيجة فعلي أفضل من معاوية، فهذا الترتيب لا يخونك أبدا وصح لك في هذا النوع من البرهان صفتان للمخبر عنه احدهما فضله على من نسبته منه والثانية فضله على من نسبت إليه الذي نسبت منه أولا. فلذلك ترجمناه أولا بأنه تتضاعف فيه الصفات، وبالله تعالى التوفيق.
٤ - باب من انواع البرهان تختلف مقدماته في الظاهر
الا ان الغرض في نفيها وايجابها واحد
هذا نوع من إقامة البرهان يصدق أبدا إذا رتب رتبة حسنة كقولك: بعض
стр. 147
الموجودات شيء لم يزل، ولا موجود الا الخالق والجوهر والعرض، والذي لم يزل ليس هو الجوهر ولا العرض. النتيجة: فهو الخالق . فالمقدمة الاولى من هذه المقدمات الثلاث هي من النوع الذي ذكرنا قبل هذا متصلا آخره بأول هذا الباب وهو الذي يعطي المخبر عنه أكثر من صفة واحدة. ألا ترى أنك إذا أوجبت للمخبر عنه أنه لم يزل وأنه موجود وبأنه خالق لا إله الا هو. والمقدمة الثالثة هي من القضايا المقسمة وقد صححت فيها نفي أنه الجوهر أو العرض فوجب أن القسم الثالث ضرورة هو الخالق . والمقدمة الثانية المتوسطة هي من النوعين المذكورين فأخذت من النوع الذي يعطي المخبر عنه اكثر من صفة واحدة كقولك فيها إنه لم يزل وإنه ليس الجوهر وليس العرض وأخذت من المقسمة قولك ليس الجوهر وليس العرض ووصفت أيضا فيها الموجود أنه اكثر من واحد فقد أنتجت هذه المقدمات الثلاث نتيجة واحدة. وهذا النوع كثير التكرر في تضاعيف المناظرة كثير المرور (١) في أثناء البحث عن الحقائق المطلوبات لأنك توقن وجوب شيء ما فتريد تحقيق صفاته فتأخذ كل قسم ممكن ان يكون الموصوف يوصف به ثم تنفي عنه ما صح نفيه بالدلائل الصحاح حتى تنتفي كلها حاشا واحدا منها. فذلك الذي يبقى هو صفة الشيء الذي تريد معرفة حقيقة حكمه. ومن ذلك ان نقول: واحد من [الناس] قتل زيدا (٢) ، ولم يكن في البيت الا يزيد وخالد ومحمد فمحمد كان نائما ويزيد مغشيا عليه من علة به، النتيجة: [٦٠ظ] فخالد قتله، وقد تكثر المقدمات هنا جدا وتكون من جميع أنواع البرهان وتنتج انتاجا صحيحا على حسب ما ذكرنا من رتبة كل نوع من انواع البرهان في بابه. ومن هذا الباب يفهم أن للأب الثلثين من قول اله تعالى: ﴿وورثه أبواه فأمه الثلث﴾ (١١ النساء: ٤) وذلك أن المال ثلث وثلثان والمال للابوين وللام منه الثلث. النتيجة: فالثلثان للاب. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 148
٥ - باب من انواع البرهان تكثر مقدماته
وتوجب كل مقدمة منها المقدمة التي بعدها
مثال ذلك أن تقول إذا أفرط الأكل وجبت التخمة، واذا وجبت التخمة ضعفت المعدة، واذا ضعفت المعدة وجب سوء الهضم، واذا وجب سوء الهضم وجب المرض. النتيجة: فوجود افراط الأكل يوجب افراط المرض. وهذا برهان صحيح لأن فساد الهضم لا يوجد الا ومعه مرض المعدة لا يوجد الا وسوء الهضم معه والتخمة الا وفساد المعدة معها والزيادة فوق القدر الموافق لقدرة الطبيعة لا يوجد الا وتخمة معها وما لا يوجد الا ووجد شيء آخر معه بوجوده والثاني أيضا إذا وجد أوجب ثالثا فلا يوجد الثالث الا بوجود الأول. وهذا أيضا مما ينبغي أن تتحفظ في وضع مقدماته من أن يدخل فيها مقدمة كاذبة. فان قائلا لو قال: إذا وجدت قلة المال وجد الفقر واذا وجد الفقر فالحاجة موجودة وأراد أن ينتج من ذلك إذا وجدت قلة المال فالحاجة موجودة فهذا كذب لأن قلة المال ليست فقرا وقد يكون المرء صانعا وذا (١) كفاف لا يحتاج إلى أحد ولا يفضل عنه؛ لكن لو قلت: إذا وجدت حال التقصير عن الكفاف وجد الفقر واذا وجد الفقر وجدت الحاجة لأنتج ذلك انتاجا صحيحا وهو إذا وجدت حال التقصير عن الكفاف وجدت الحاجة. فينبغي أن تتحفظ من مثل هذا من الاسماء المشتركة العامة لمعان فتحقق معانيها بألفاظ مختصة بها وأن تتحفظ من الصفات الكليات فلا توقعها بعمومتها على بعض ما تحتها دون بعض.
وقد موه بعض المخالفين فقال ليفسد هذا البرهان: إذا عدمت [٦١ و] النار عدم الحر واذا عدم الحر لم نحتج إلى التبرد فأراد أن ينتج إذا عدمت النار لم نحتج إلى التبرد وهذا كذب لأن المحموم والصائف يحتاجان إلى التبرد ولا نار ظاهرة عندهما وإنما هذا لأن المقدمة الأولى كذب وإنما الصواب أن يقول: إذا عدمت النار عدم الحر المتولد عنها.
стр. 149
وهذا مثال شريعي: كل وطء صح علم الواطئ بباطنه وظاهره وحكمه فهو اما فراش واما عهر وكل مباحة العين للواطئ فراش وكل ما ليس فراشا عهر، والأمة المشتركة عهر، وكل ذي عهر عاهر، فكل واطيء أمة مشتركة عاهر وكل عاهر فله الحجر فكل واطيء أمة مشتركة فله الحجر. فهذه المقدمات كلها أنتجت أن كل واطئ أمة مشتركة فله الحجر.
٦ - باب البرهان شرطي اللفظ قاطع المعنى
مثاله: ان وصف شيء بالاسكار وصف بالتحريم، ونبيذ التين إذا غلي وصف بالاسكار. فالتحريم واجب لنبيذ التين إذا غلي. فهذا كما ترى ظاهره أن الوصف بالتحريم إنما هو معلق بالاسكار فإذا اردت ان تجعله قاطعا في لفظه قلت: التحريم حكم كل مسكر، وبعض المسكرات نبيذ التين إذا غلي، فالتحريم حكم نبيذ التين إذا غلي.
وقد غالط في هذا الباب قوم من المشغبين فقالوا: قد قطعتم بأن نافيتين لا تنتج انتاجا موثوقا به وانتم في بعض هذه الابواب التي خبت تنتجون انتاجا مطرودا من نافيتين وفي هذا الباب أيضاً كقولكم من لم يكن ضحاكا لم يكن إنسانا والفرس ليس ضحاكا فالفرس ليس إنسانا وتقولون كل من لم يؤمن فليس مقبولا من الله والوثني ليس مؤمنا فليس مقبولا من الله . فالجواب، وبالله تعالى التوفيق: ان النفي الذي أبعدنا اقامة البرهان المطرد منه كل نفي مجرد وهو كل نفي [غير] موجب للمخبر عنه صفة أصلاً فسواء إذا كان النفي بهذه الصفة أي بلفظ النفي أو بلفظ الايجاب فلا ينتج ابدا شيئا، وسنذكر شيئا من هذا في باب مفرد في هذا الديوان في ذكر مخلطات [٦١ ظ] رامها بعض المغالطين في الأشكال، ان شاء الله . وأما ما كان نفيا في اللفظ وهو يوجب معنى وصفة ما للمخبر عنه ليس نفيا ولكنه ايجاب صحيح وإنما يراعى المعنى الذي يعطيه اللفظ لا صيغة اللفظ وحده. ومن ها هنا لم يلزمنا تشبيه الباري في نفينا عنه اشياء هي أيضا منفية عن كثير في
стр. 150
خلقه الا أن ذلك لم يوجب تشبيهه تعالى كقولنا: إن الباري تعالى ليس جسما والعرض ليس جسما والباري تعالى ليس عرضا والجسم ليس عرضا لأنا في هذا الحكم لم نثبت للباري حالا يشترك فيها مع العرض إذ نفينا عنه الجسمية ولا مع الجسم إذ نفينا عنه العرضية، وهذا هو النفي المجرد المحض. وأما في القضايا التي ذكرنا آنفا فاننا أوجبنا فيها الضحك لمن كان إنسانا وأوبنا للفرس نفي الإنسانية وأوجبنا له مع كل شبها مع كل من ليس ضحاكا في أنهم ليسوا ناسا. وكذلك أوجبنا لمن لم يؤمن ضد القبول وهو التبرؤ وأوجبنا لمن لم يؤمن ضد القبول وهو التبرؤ وأوجبنا ضد الايمان وهو الكفر للوثني. وقد قدمنا أن المعنى إذا انحصر إلى شيئين فنفيت أحدهما فقد أوجبت الآخر ضرورة؟ فاحفظ هذا - واذا نفيتهما فلم توجب شيئا أصلا، واذا نفيت فقد أوجبت ضرورة واذا أوجبت النفي فقد نفيت بلا شك. فثقف هذا كله ينتج يقينك بصحة علمك.
٧ - باب من البرهان يؤخذ من نتيجة كذب بأن يصدق نفيها
اعلم أنه إذا كانت احدى المقدمتين كذبا والاخرى صدقا فانتجت نتيجة كاذبة ظاهرة الكذب وكانت المقدمة الكاذبة مما رضيها خصمك سامحته في ذلك لتريه فحش انتاجه؛ فان الشيء إذا كذب فنفيه حق لا شك فإذا كذبت نتيجة ما فنفيها حق. فقد يصح أخذ البرهان على هذا الوجه صحة مطردة موثوقا بها أبدا. مثال ذلك: إنسان خالفك فقال: العالم أزلي، فقلت له أنا أسامحك في نقد هذه المقدمة فأقول: العالم أزلي وأضيف إليها صحيحة أخرى وهي الأزلي ليس مؤلفا فالنتيجة: العالم ليس مؤلفا، وهذا كذب ظاهر واذا كان هذا كذبا فنقيضه حق، وهو العالم مؤلف واذا كان هذا حقا وقد قدمنا أن الأزلي ليس مؤلفا فقد صح أن العالم ليس أزليا إذ هو مؤلف وظهر كذب مقدمته، إذ قال: العالم أزلي. فهذا استدلال صحيح لا [٦٢و] يخون أبدا إذ أخذ يخالف النتيجة وترد النتيجة إلى الأحالة.
وتذكر هنا ما كتبت لك في أنحاء من الأشكال الثلاثة التي يصح البرهان
стр. 151
فيها بردها إلى الإحالة. ومن ذلك أيضا أن تقول النصارى: الفاعل الأول ثلاثة فنقول: فربنا الفاعل ثلاثة ثم نضيف إلى هذه المقدمة مقدمة صحيحة متيقنة وهي والثلاثة عدد والعدد مركب من أجزائه المساوية لكله، فالثلاثة مركبة من أجزائها المساوية لجميعها، وقد قلتم الأول ثلاثة فالأول مركب من أجزائه المساوية لجميعه وكله وقد تيقنتم أنتم ونحن أن الأول غير مركب وغير ذي أجزاء فالاول مركب ذو أجزاء لا مركب ولا ذو أجزاء وهذا محال وإذ هذا محال وصح أنه مرطب فقد صح أنه ليس عددا وإذ صح أنه ليس ثلاثة، وظهر كذب مقدمتكم الفاسدة، وبالله تعالى التوفيق.
٨ - باب من البرهان مركب من نتائج كثيرة
مأخوذة من مقدمات شتى
مثال ذلك أن نقول: كل معدود فذو طرفين وكل ذي طرفين فمتناه فكل معدود متناه ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان الأول فنقول: كل معدود متناه وكل متناه فذو أجزاء فالنتيجة: كل معدود فذو أجزاء ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان الثاني فنقول: كل معدود فذو أجزاء وكل ذي أجزاء مؤلف، النتيجة: فكل معدود مؤلف وكل مؤلف فمقارن للتأليف، النتيجة: كل معدود مقارن للتأليف، ثم نأخذ هذا البرهان الرابع فتقول: كل معدود مقارن للتأليف وكل مقارن للتأليف، النتيجة: فكل معدود لم يسبق التأليف، ثم نأخذ نتيجة هذا البرهان الخامس فنقول: كل معدود لم يسبق التأليف ثم نأخذ هذا البرهان السادس فتقول: العالم لم يسبق المحدث وما لم يسبق المحدث فمحدث مثله: النتيجة فالعالم محدث.
وقد يأتيك في هذا الباب مقدمات قاطعة شرطية ومتصلة ومقسمة واستدلال بضد ما يخرج في النتيجة وبالجملة فانه يتصرف لك في جميع أنواع البرهان وكل ذلك إذا أخذته على الشروط التي قدمنا فهو موثوق بإنتاجه، والحمد لله رب العالمين.
стр. 152
٩ - باب [٦٢ظ] من احكام القضايا
اعلم أن من القضايا ينطوي في ذكرك اياها قضايا أخر وان كنت لم تلفظ بها وهذا المعنى يؤخذ من المتلائمات ومن عكس القضايا وقد ذكرناها. وهذا نحو قولك: لا يجوز أن يكون الأزلي مؤلفا، فقد انطوى لنا في هذا الكلام أنه لا يجوز أن يكون المؤلف أزليا ضرورة لا بد من ذلك، وانطوى فيها أيضا أن المؤلف محدث. وكذلك إذا قلت: كل مسكر حرام فقد انطوى فيه أن المسكر ليس حلالا وان ليس مسكرا، وانطوى فيه أيضا أن نبيذ التمر إذا أسكر حرام وأن السوكران إذا أسكر حرام وأن نبيذ التفاح إذا أسكر حرام وغير ذلك. كما إذا قلت: زيد يمشي فقد انطوى لك فيه أنه يتحرك وأنه ذو رجل سالمة وانه حي وأشياء كثيرة.
ولذلك ظن قوم ذوو شغب وجهل اننا مخطئون في قولنا ان القضية الواحدة تنتج، وأبوا ما ذكرنا وليس ظنهم صحيحا لأن كل ما ذكرنا ليس انتاجا إذ شرط معنى الإنتاج أن نستفيد من اجتماع كلتا القضيتين معنى ليس مطويا في احداهما أصلا فأنت إذا قلت: كل مسكر حرام فليس فيه إيجاب أن نبيذ التمر يسكر ولا بد أصلا لكن حتى تلفظ به وتصحح له أنه قد يسكر، فإذا جعلت له هذه الصفة فحينئذ تقطع له بالتحريم دون شرط والا فإنما في قولك كل مسكر حرام بالإمكان ان اسكر لا بالوجوب؛ إذ في العالم أشياء كثيرة لا تسكر فلعله منها فتدبر هذا ودع المسامحة وحقق. وهذا الذي ذكرنا في هذا الباب من قضايا تفهم من قضايا لم يلفظ بها إنما هو الانطواء فقط فيها، ومعنى الانطواء أننا إلى معان كثيرة فعبرنا عنها بلفظ واحد طلبا للاختصار. وبالجملة فجزئياتها يدخل الاخبار عنها في الاخبار بكليتها كقولهم: الإنسان حي فانك قد أخبرت أن زيدا وعمرا أحياء وهند حية وبالجملة فكل رجل وامرأة لانهم أجزاء الإنسان فافهم هذا. وكذلك أيضا ينطوي في كل قضية إبطال ضدها كقول الله تعالى ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾ (١١٤ التوبة ٩) فقد انطوى فيه نفي ضد الحلم وهو السفه، فقد انطوى
стр. 153
فيه أن إبراهيم ليس سفيها. وأما الإنتاج فخلاف ذلك وهو ما قد بيناه ولله الحمد.
واعلم أيضا أنه ليس في كل وقت [٦٣ و] يردك الكلام الذي تريد أن تجعله مقدمة على الترتيب الذي قدمنا لك في اخذ البرهان لكن تردك الأقوال المخالفة لتلك الرتب على ثلاثة أوجه: فوجه مخالف لكل ما ذكرنا في الرتبة والمعنى فلا تلتفت إليه وحقق الرتبة والصدق على الشروط التي قدمنا لك، فليس يقوم لك من غير ما قلنا برهان البتة.
ووجه آخر فيه ألفاظ زائدة لا تصلح المعنى ولا تفسده ولو سكت عنها لم تحتج إليها تبال بها، وعان أخذ البرهان من سائر الكلام الصحيح، وتلك الألفاظ الزائدة إنما تعطي معنى ليس في شيء ومن هذا المكان تثبت لنا إقامة الحد بشهادة شاهدين اتفقا على ما يوجب الحد ثم اختلفنا في صفات لا معنى لها في الشهادة، والشهادة تامة دونها، كشاهدين شهدا على زيد أنه سرق بقرة فقال أحدهما، صفراء وقال الآخر: سوداء فانه ليس كونها صفراء أو سوداء مما يغاير سرقته لها ولا ينفيها نعني سرقته لها والكلام تام دون ذكر شيء من ذلك.
ومن هذا الباب نفسه ومن هذا الباب نفسه ومن ضده أبطلنا إقرار من أقر بمحال كمن قال: فلان قتلته بسحري لعلمنا أن السحر لا يقتل، فالزيادة التي زاد مفسدة للمعنى فهي مقدمة فاسدة ولو أقر مرة فقال: قتلته بسيف وقال مرة أخرى: قتلته برمح لكان إقراراً صحيحا لأنه ليس شيء من هذه الزيادات مغايرة للقتل فسكوته عنها وذكره لها سواء إذ ليس في ذكرها ما يفسد المقدمة.
ونحو هذا ما يذكره أهل الملل المخالفة لنا من أن للدنيا مذ حدثت سبعة آلاف سنة. وقال آخرون خمسة آلاف سنة. وقال آخرون ستة آلاف سنة. وقال آخرون أربعمائة ألف سنة وقلنا نحن لا حد عندنا في ذلك وقد يمكن ان تكون أضعاف أضعاف هذه الأعداد كلها وقد يمكن أن يكون أقل من ذلك فكل هذه الأقوال ليس بقادح (١) في اتفاقنا على أن للعالم أولا ومبدءا. وهذه
стр. 154
كلها ألفاظ لسنا نقول إنها لا تفسد المبدأ والحدث فقط، لكنا لا نقتصر على كل ذلك حتى نقول: بل انها كلها على اختلافها موجبة للحدث والمبدأ فلينا نستضر باختلاف مثل هذه الألفاظ ولا بزيادتها ولا بنقصانها إذا أعطت صحة المعنى المطلوب ولم تفسده.
والوجه الثالث أن يأتي بلفظ قد قام البرهان على وجوب الانقياد إليه فيحتاج إلى أخذه في المقدمات بيننا وبين من خالفنا [٦٣ ظ] في بعض الآراء ممن يقر معنا بذلك اللفظ وينقاد له وفي ذلك اللفظ حذف بين ولفظ قد ترك ذكره ولا يقدر خصمنا على انكار ذلك ولا يضير ذلك الحذف شيئا وهو كما لو ذكر ولا فرق، إذا تيقن كونه قائما في المعنى، وذلك نحو مقدمة نأخذها من قول الله ﴿وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [٤٣ النساء: ٤] فلا شك عند السامع لهذه الآية ان كان له أدنى فهم للسان العربي وأقل معرفة بالملة الإسلامية أن هنا معنى بنا إليه ضرورة قد حذف من اللفظ امتفاء بأنه لا يخفى ذلك أصلا وهي " فأحدثتم " ومكان معنى هذه اللفظة بين " سفر " وبين " أو جاء " وكذلك ان احتجنا إلى مقدمة أخرى من قوله تعالى ﴿ذلك كفارة أيمانهم إذا حلفتم﴾ [٨٩ المائدة: ٥] فلا شك عند من له لسان من أهل الملة الإسلامية واللغة العربية أن المعنى " فحنثتم ".
وقد يكون الحذف على رتبة أخرى وهو أن يوجب اللفظ في بنية اللغة ارتباطا بمعنى لم يذكر ولا بد من تصحيحه كقول القائل: فلان تأب فلا يختل على سامع أنه أذنب وفلان ارتد فلا يختل على سامع أنه قد كان مسلما، وهذا المال موزون فلا يختل على سامع أنه بميزان، ومثل هذا كثير فمثل هذا الحذف لا يضر الكلام شيئا، والكلام صحيح، وأخذ المقدمات منه للبرهان واجب واثبات المعنى للمحذوف منها لازم ولا يتعلل في مثل هذا الحذف الا جاهل غبي أو مكابر سخيف أو منقطع متسلل (١) وكذلك إذا قلت ضرب زيد بالسيف عمرا فأبان رأسه أنتجت أن زيدا قتل عمرا وهذا إنتاج صادق صحيح وتقديم صحيح ولا يضرك ان حذفت من المقدمة: وكل من أبين رأسه مقتول، وكل من أبان
стр. 155
رأس غيره فقد قتله قتل فلانا. وكذلك قوله ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة﴾ (١٩٦ البقرة ٢) فهذا انتاج صحيح مكتفى به عن أن نقول سبعة وثلاثة مساوية لعشرة، فتلك عشرة، لصحة العلم بذلك.
فافهم الآن من هذا الباب أن خلاف الرتب التي قدمت لا يكون إلا على ثلاثة أوجه: فساد الرتبة ولمعنى فاطرحه، وزيادة اللفظ فان كان يفسد المعنى فاطرحه وان كان لا يفسد فلا تبال (١) به فلن يضرك، وحذف من اللفظ فان كان يفسد المعنى فاطرحه وان كان لا يفسد المعنى فلا تبال به [٦٤ و] فلن يضرك وثقف هذا كله فالمنفعة به عظيمة جدا.
واعلم أن الخصم إذا اقر لك بالمقدمتين اللتين على الشروط التي قدمنا من الصحة وأنكر النتيجة فقد تناقض وسقط وبطل قوله. وكذلك ان كانت النتيجة كاذبة على ما قدمنا فوجب عليه تصديق ضدها على ما قدمنا من البرهان الذي يؤخذ من النتيجة الكاذبة التي تسامح الخصم في احدى المقدمات فان صدق ذلك الضد فقد راجع الحق ولزمه ولن يكذب مقدمته الفاسدة وان صدق النتيجة ولم يرجع عن تكذيب مقدمته الفاسدة فقد صدق الشيء وضده أو أنكرهما جميعا فقد سخف وسقط الكلام معه وبان بطلان قوله وبالله تعالى التوفيق وله الأمر من قبل ومن بعد لا إله إلا هو. ولا تغلط فتقدر أن من وافقك في قولك فقد لزمه ما لزمك فهذا جهل ممن أراد إلزام ذلك خصمه، أو شغب.
واعلم أن موقفة الخصم للخصم تنقسم قسمين: أحدهما موافقة في النتيجة فقط دون موافقة له في المقدمات المنتجة للنتيجة فهذا هو الذي قلنا لك لا تعبير به إذ إنما وافقك على ذلك لتقديمه مقدمات أخر أنتجت تلك النتيجة اما هي فاسدة واما مقدماتك فاسدة، فان هذا وان أدخلته مقدماته في موافقتك الآن فهي مخرجة له عما قليل إلى مخالفتك. والوجه الثاني أن يوافقك على مقدماتك فهذا الوفاق اللازم الذي تقدم به الحجة ان كانت صحاحا بالجملة أو تقوم به على
стр. 156
الخصمين معا الحجة فقط على كل حال صحاحا كانت أو غير صحاح بالتزامهما إياها. فان قال قائل: كيف تختلف المقدمات وتنتج واحدة لا سيما وأحد العملين في بعض المقدمات حق والعمل الثاني باطل فقد صار الحق والباطل ينتجان إنتاجا واحدا فليذكر على ما ذكرنا قبل ان نبدأ بذكر أنحاء الاشكال من أنه قد يكون مقدمات فاسدة تنتج إنتاجا صحيحا وبيناها هنالك وما نذكره اثر هذا الباب فمذكور هنالك تقديم مقدمتين نافيتين فنقول لك: ليس كل إنسان حجرا (١) ولا كل حجر جمادا النتيجة: ليس كل إنسان جمادا. وقلنا هنالك أن هذا تقديم غرار خوان لأنك إذا وثقت به واستسلمت إليه قدم اليك مثلها فقال ليس كل إنسان أسود وليس كل أسود حيا النتيجة ليس كل أسود حيا فهذا تقديم فاسد. وقد ينتج إنتاجا يوافق [٦٤ ظ] الإنتاج الصحيح في بعض المواضع الا انك ان تبعته فكما أدخلك في الحقيقة في مكان فكذلك يخرجك منها في الآخر. وقد بينا هذا هنالك وفي الباب الذي يتلو هذا الباب ولم ندع للاشكال لك إليك سبيلا.
وكثيرا ما يحتج علينا اليهود بأننا قد وافقناهم على أن دينهم قد كان حقا ونبيهم حق ويريدون من ها هنا إلزامنا الإقرار به حتى الآن فاضبط هذا المكان واعلم أنا أنما وافقناهم على مقدماتهم، وهي مقدمات أنتجت لنا موافقتهم فيما ذكروا، فاضربوا عن تلك المقدمات واتباعها فيما أنتجت وتعلقوا بالموافقة بالنتيجة فقط فلا تغتر في النتيجة أصلا حتى تصح المقدمات وإنما صححنا نحن وهم ان من ثبت أنه أتى بمعجزات انه نبي، وموسى، ﵇، اتى بمعجزات فموسى نبي، وهذه المقدمة نفسها تنتج نبوة محمد، ﷺ ، فنقول: كل من أتى بمعجزة فهو نبي ومحمد ﷺ أتى بمعجزات فهو نبي، فاضبط هذا جدا. وقد وافقنا اصحاب القياس في نتائج كثيرة الا أن مقدماتهم غير مقدماتنا فليس إلزامنا إياهم ولا إلزامهم إيانا رافعا الشغب بتلك النتائج واجبا لكن حتى نتفق على المقدمات الموجبة لها. فان شغب مشغب فقال قد أبنا لكم مقدمات يختلف إنتاجها، وذكر استدلال الخارجي والمرجئ بقول الله ﴿لا يصلاها إلا
стр. 157
الأشقى الذي كذب وتولى﴾ (١٦ الليل: ٩٢) فان الخارجي قال: قد صحت آثار وآيات بأن القائل يصلاها الا الأشقى الذي كذب وتولى، فالقاتل هو الأشقى الذي كذب وتولى. وقال المرجئ: قد صحت آثار وآيات بأن المقر بالتوحيد والايمان يدخل الجنة، والنار لا يصلاها الا الأشقى الذي كذب وتولى، فالزاني لم يكذب ولا تولى فالزاني لا يصلاها. فاعلم ان هذا من البرهان الذي نبهك عليه فتذكر عليه (١) ، إذا اخبرتك ان من المقدمات المقبولة كلاما فيه حذف والحذف في هذه المقدمات التي قدر الجاهل أنها أنتجت انتاجا مختلفا هو شيء قد دل عليه البرهان، وهو المراد لا يصلاها وانها بعينها من جملة نار جهنم لا يصلى تلك النار الا أهل هذه الصفة وليس غي هذا أن كل نار في جهنم لا يصلاها إلا اهل هذه الصفة. وهذا أيضا مما ينبغي ان تتحفظ منه بأن تستوعب كل ما هو متصل بالمقدمات والا فهي مقدمة ناقصة وليست في هذه الآية وحدها مقبولة عندنا لكن آيات [٦٥ و] كثيرة وأخبار كثيرة فنضمها كلها إلى بعضها ولا نأخذ بعض الكلام دون بعض فتفسد المعاني. وأحذرك من شغب قوم إذا ناظروا واضبطوا على أنه آية واحدة أو حديث واحد، وهذا سقوط شديد وجهل مفرط إذ ليس ما ضبطوا عليه أولى بأن يتخذ مقدمة يرجع إلى انتاجها من آيات اخر وأحاديث أخر وهذا تحكم وسفسطة فاحذروه أيضاً جدا.
١٠ - باب أغاليط اوردناها خوفا
من تشغيب مشغب بها في البرهان
وينبغي ان تتحفظ من أغاليط وشغب بها مشغبون (٢) في عكس المقدمات وفي الأشكال وقد ذكرنا في بعض الأبواب الخالية نبذا فمن ذلك أنا قد قلنا ان النافية الكلية تنعكس نافية كلية فان قال لك قائل: لا فارسي الا اعجمي هذا حق وعكسها لا أعجمي الا فارسي كذب فتنبه لموضع المغالطة، واعلم ان هذه القضية موجبة لا نافية وان كان ظاهرها النفي، وتذكر ما قلنا لك في هذا الباب المترجم فانه باب من البرهان شرطي اللفظ قاطع المعنى في الإنتاج من
стр. 158
مقدمتين ظاهرهما أنهما نافيتان فان ذلك يبين لك هذا المكان.
ونزيد هاهنا بيانا فنقول: ألا ترى أنك قد أوجبت العجمة لكل فارسي فهذه موجبة كلية وليست نافية البتة، واذ هي كذلك فعكسها موجبة جزئية وهي قولك: وبعض الأعجمين فارسي وكذلك قولك: ليس شيء من الجواهر محمولا في عرض فهذه صادقة فإذا عكست فقلت: ولا شيء من الاعراض محمولا في الجوهر فهذا كذب فتفهم موضع المغالطة من هذا الباب، وهو ان العكس الذي ذكرنا حكمه في النوافي وصححناه إنما نفي اشتباه الذاتين أو في نفي اشتباه جزئيهما ولم نرد نفي اشتباه غيرهما. وهاهنا إنما نفيت اشتباه موضع الجوهر موضع العرض، وموضعهما غيرهما، وموضع كل شيء فهو غير الشيء الذي في الموضع بلا شك.
وتحفظ أيضاً من المغالطة الواقعة في عكس الموجبة الكلية ان يقال لك: أليس كل ماض من الزمن قد كان مستقبلا فلا بد من نعم فيقال لك: فبعض المستقبل قد كان ماضيا وهذا كذب فتحفظ من موضع المغالطة ها هنا وهو انه إنما دخل الكلام الغلط من النسوية بين زمانين هما غير الصفتين اللتين هما المضي والاستقبال، للمضي خبر عن شيء كان موجودا حال للمستقبل، لأن المستقبل عدم ولا حال للعدم. ويقتضي لفظ [٦٥ ظ] المخبر عنهما اختلافهما لا التسوية (١) بينهما وتصحيح ذلك ان تقول: بعض المستقبل يصير ماضيا وهذا صحيح.
وتحفظ أيضاً من غلط يقع في عكس الموجبة الجزئية. مثاله: بعض الخمر قد كان عصيرا، فان قلت: بعض العصير قد كان خمرا كذبت. والغلط هنا من قبل تسوية بين زماني المخبر عنهما، وزمانهما غيرهما، وإنما يصح العكس في الصفات الملازمة للمخبر عنهما لا في الصفات اللازمة لغيرهما. وتصحيح ذلك ان تقول: وبعض العصير صار خمرا أو يصير خمرا؛ فاحفظ الآن ان العكس إنما هو في الذوات أو الصفات الملازمة للذوات.
وقد غالط قوم أيضاً [من] بعض النوكى ممن مذهبه لإفساد الحقائق والجري إلى غير غاية وطلب ما لا يدري هو فكيف غيره فقال: ان الشكل الأول قد يكذب فيقول: الفرس وحده صهال والصهال حي فالفرس وحده حي. فإنما أتى الغلط ها هنا من زيارة زيدت تفسد المعنى وهي " وحده "، فتذكر مل قلت لك في
стр. 159
الباب الذي قبل هذا الباب من حكم اللفظ الزائد في المقدمات فاسدات اللفظ والرتبة؛ فتأمل الألفاظ الزائدة كما حددت لك، واعلم ان الموصوف في النتيجة ليس مقتضيا لان تلك الصفة لا تكون الا له ولا بد، بل قد نعمه وتعم غيره.
ونزيدك بيانا ليقوى تحفظك من تخليط كل من لا يتقى الله في السعي في إفساد الحقائق من المدلسين الذين هم أحق بالنكال من المدلسين في النقرد والبيوع وقد قال رسول الله ﷺ ،: " من غشنا فليس منا " ولا غش أعظم من غش في إبطال الحقائق فنقول، وبالله تعالى التوفيق: تأمل ضعف هذا المدلس فانه إذا قطع بأن الفرس وحده صهال فقد صح بلا شك ان الصهال وحده فرس، لان الصهيل صفة مساوية للفرس ليست أعم منه؟ وقد نبهناك على هذا في باب عكس القضايا - فلما أتى هذا المدلس بقضية توجب ان الصهال وحده فرس قال: والصهال حي بعد ان الشرط انفراد الصهال بالفرسية، وأدرج في قوله الصهال حي انه الصهال المراد بالذكر في المقدمة الأولى فأوجب برتبة لفظه ان وصف الصهال بالحياة وصف مساو لأنه وصف أعم، فصار قائلا الصهال وحده حي، فهذه المقدمة الثانية مموهة كما ترى، وهي كاذبة لانها وضعت موضع كذب وشبهت بالحقائق، فلكذب المقدمة كذبت النتيجة. وقد بينت [٦٦ و] لك ان كذب المقدمة الثانية إنما كان لأنه بناها كلية اللفظ على موصوف جزئي، فتفهم هذا وتحفظ من أهل الرقاعة جدا. وإنما كان الصواب ان يقول في النتيجة فالفرس حي، ولا يذكر " وحده " لأن " وحده " في الحقيقة مع " صهال " خبر عن الفرس وليس لفظة " وحده " تابعا للفرس فيذكر في النتيجة لكنه تابع للصهال؟ وهو الحد المشترك - ولو ذكره في المقدمة الثانية مع الصهال فقال الفرس وحده صهال، وهو وحده صهال حي، فالفرس حي لأصاب.
ومن ذلك أيضاً لو قال قائل وهو يشير إلى رجل بعينه: الإنسان طبيب، لكان هذا اللفظ عاما وباطنه الخصوص، فلو حمل عليه وصفا يجب ان لا يقع الا على معنى عام لكان كاذبا. وقد سأل بعض المغالطين طبيبا فقال له: الحر يحلل البرد فقال نعم، فقال له: والبرد يحلل الحر فقال نعم، فقال له، فقال: فالحر هو البرد والبرد هو الحر؛ فقال له الطبيب: إن وجهي تحليلها مختلف وليس من أجل اتفاقهما
стр. 160
في صفة ما وجب أن يكون واحد منهما هو الآخر، فلج المشغب وأبى، فلما رأى الطبيب جنونه وترقعه قال له: أنت حي قال نعم قال: والكلب حي قال نعم قال: فأنت الكلب والكلب أنت.
واعلم ان هاتين الشغيبتين من الشكل الثاني، وقد أساء في ترتيبهما لأن الشرط في الشكل الثاني ان يكون إحدى مقدمتيه نافية ولا بد، فافهم هذا واضبطه فانه لا يخونك أبدا. ولا تلتفت إلى أهل الشغب فان مثل هؤلاء إنما يجرون مجرى المضحكين لسخفاء الملوك والملهين لضعفاء المطاعين وليسوا من أهل الحقائق أصلا فلا تعبأ بهم شيئا. وقالوا أيضاً: قد وجدنا موجبتين لا تنتج وهو: ممتنع ان يكون الإنسان حجرا وممتنع ان يكون الحجر حيا فهاتان صادقتان، النتيجة: ممتنع ان يكون الإنسان حيا وهذا كذب فافهم أيضاً موضع المغالطة ها هنا هي: ان هاتين المقدمتين نافيتان نفيا مجردا ليس فيه شيء من الإيجاب أصلا وقد قلنا ان النافيتين لا تنتج، وقد ذكرنا لك قبل ان المراعى إنما هو حقيقة المعنى المفهوم من اللفظ لا صيغة اللفظ وحدها، وهاتان المقدمتان وان كانتا بلفظ الإيجاب فمعناهما النفي المحض لأنهما نفتا عن [٦٦ظ] الإنسان الحجرية وعن الحجر الحياة ولم توجبا لحجر ولا للإنسان معنى أصلاً غير ما أوجبه لهما أسماؤهما فقط.
وقد غالطوا أيضاً فقالوا: كل نهاق حي، ولا واحد من الناس نهاق حي، فهاتان صادقتين النتيجة: فلا واحد من الناس حي وهو كذب وإنما أتت المغالطة من أجل الصفة التي وصف بها النهاق وتعم أيضاً معه الشيء الذي نفي عنه النهاق فهذا أسوأ نظم. وإنما ينبغي له ان تشركه بما لا يشركه فيه الذي نفى عنه مشاركته جملة في المقدمة الثانية.
ومن هذا الباب ان نقول: ليس كل آخذ مال بغير حقه سارقا، وكل آخذ مال بغير حقه وهو عالم فاسق فهاتان صادقتان، النتيجة: فليس كل آخذ مال بغير حقه وهو عالم به فاسق، وهذا كذب، وإنما أتت المغالطة لأنك وصفت أخذ المال بغير حق في المقدمة الموجبة بصفة تعمه وتعم كل سارق معه، وإنما كان ينبغي ان تصفه بما لا يشترك معه من نفيت عنه في الاخرى مشاركته اياه.
وقد غالطوا أيضاً من قبل إسقاط شيء من الموصوف فقالوا الشعر غير شيء
стр. 161
موجود في شيء من العظام، والعظام موجودة في كل إنسان فهاتان صادقتان، النتيجة: فالشعر غير شيء موجود في شيء من الإنسان وهذا كذب، وهذه مغالطة قبيحة، لأن الموضوع وهو المخبر عنه المقصود بالوصف في المقدمة الاولى إنما هي العظام، لأنه عنها نفى الشعر ثن أثبت ذكر العظام في المقدمة الثانية في ان وصف مكانها فقط، وقد قدمنا ان النسبة بالإيجاب لا تكون الا في ذاتي المخبر عنهما وفي الصفات الملازمة لهما لا في مواضعهما؛ الا انك لو صححت لقلت: فالشعر ليس في شيء من عظام الإنسان. وأيضا فان قوة هاتين المقدمتين قوة جزئية لان العظام بعض من أبعاض الإنسان لا في كله، فتذكر على ما قلنا لك قبل من ان الحد المشترك لا بد من ان يكون مخبرا عنه في احدى المقدمتين وخبرا في الاخرى أو مخبرا عنه في كلتيهما أو خبرا في كلتيهما. فان كان مخبرا عنه في الواحدة وخبرا في الثانية فانظر، فان كانتا موجبتين فلا بد من ان يكون الوصف به لما وصف به ذاتيا عاما له كله، ويكون أيضاً المخبر عنه معموما في المقدمة الأخرى بما صار وصفا له فيها، فان كانت احداهما نافية فليكن النفي الذي وصفت به المنفي عنه في إحدى المقدمتين منتفيا في الحقيقة عنه وعن الأخرى بذلك الموصوف في هذه [٦٧و] لان الشيء الموصوف في احدى المقدمتين هو صفة في الأخرى، فان كان موصوفا به في كلتا المقدمتين فلا بد من ان تكون احدى المقدمتين نافية فيكن حينئذ الذي نفيت في الواحدة عاما لما نفيته عنه ومنتفيا عن الموصوف في الثانية، على حسب ما ينصه فيها. فان كان موصوفا في كلتيهما فالفعل في الموجبتين ما قلنا في الشكل الأول وافعل في التي احداهما نافية ما قلنا لك في الشكل الثاني.
١١ - باب من أحكام البرهان في الشرائع
على الرتب التي قدمنا
الألفاظ الواردة في الشرائع اللازم الانقياد لها بعد ثبوتها التي إليها يرجع فيما اختلفت فيه منها إما قول عام كلي ذو سور أو ما يجري مجرى ذي السور من المهمل الذي قوته في اللغة قوة ذي السور، ومن الخبر الذي يفهم منه ما يفهم من الأمر، والأمر أيضاً هو على عموم المعنى، الا حيث يتبين بعد هذا ان شاء الله عز
стр. 162
وجل. وذلك نحو قوله، ﵇، " كل مسكر حرام " فهذا كلي ذو سور أو كقوله : ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ (٩٠ المائدة ٥) فهذا امر عام ومثله قوله : ﴿ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات إلى اهلها﴾ - ٥٨ النساء: ٤) .
ثم هذه الوجوه الثلاثة ينقسم كل واحد منها أربعة أقسام: أحدها كلي اللفظ كلي المعنى، والثاني جزئي اللفظ جزئي المعنى وهو ما حكم به في بعض النوع دون بعض. وهذا النوع أيضا؟ فتنبه لما أقول لك - هو أيضا عموم لما اقتضاه لفظه، وهذا النوع والذي قبله معلومان بأنفسهما جاريان على حسب موضوعهما في اللغة لا يحتاجان إلى دليل على أنهما يقتضيان ما يفهم عنهما ولو احتاجا إلى دليل لما كان ذلك الدليل إلا لفظا يعبر عن معناه، فما كان يكون المدلول عليه بأفقر إلى دليل من الذي هو عليه دليل، وهذا يقتضي ألا يثبت شيء أبدا، وفي هذا بطلان الحقائق كلها، ووجود أدلة موجودات لا لأوائل لها وهذا محال فاسد، والمعلوم بأول العقل أن اللفظ [يفهم] منه معناه لا بعض معناه ولا شيء من معناه. ولذلك وضعت اللغات ليفهم من الألفاظ معناها.
والقسم الثالث جزئي اللفظ كلي المعنى وهو ما جاء اللفظ به في بعض النوع دون بعضه الا أن ذلك الحكم شامل لسائر ذلك النوع، وهذا لا يعلم [٦٧ظ] من ذلك اللفظ الجزئي لكن من لفظ آخر وارد لنقل حكم هذا الجزئي إلى سائر النوع.
والقسم الرابع كلي اللفظ جزئي المعنى وهو ما جاء بلفظ عام والمراد به بعض ما اقتضاه ذلك اللفظ، الا ان هذا القسم والذي لا يفهم معناهما من ألفاظهما أصلا لكن ببرهان من لفظ آخر أو بديهة عقل أو حس تبين كل ذلك أنه إنما اريد به بعض ما يقتضيه ذلك اللفظ. ولولا البرهان الذي ذكرنا لما جاز أصلا أن ينقل عن موضعه في اللغة ولا أن يخص به بعض ما هو مسمى به دون سائر كل ما هو مسمى بذلك اللفظ.
فأما النوع الذي هو كلي اللفظ جزئي المعنى فهو كقول الناس في معهود
стр. 163
خطابهم " فسد الناس " وإنما المراد بعضهم، وهذا ببديهة العقل، لان الناس لا يفسدون كلهم الا بذهاب الفضائل جملة، والفضائل أجناس وأنواع مرتبة في بنية العالم، ولا سبيل إلى عدم نوع بأسره جملة حتى لا يوجد في العالم أصلا. وكقول القائل " الماء للعطشان حياة " وإنما يريد بعض المياه، وهذا يعلم بالحس لأن ماء البحور والمياه المرة ليست حياة للعطشان. ومن هذا النحو قول الله ﴿الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم﴾ (١٣٧ آل عمران: ٣) وهذا معلوم بالعقل أنه تعالى إنما عنى بعض الناس لأنه ممتنع لقاء جميع الناس لهم مخبرين؛ ومن ذلك قول الله : ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (٦ المائدة: ٥) وإنما المراد من ذلك بعض أحوال القيام إلى الصلاة دون بعض وهو حال كون المرء محدثا، وهذا إنما علم ببيان آخر. واعلم ان المراد بهذه اللفظة ما ذكرنا، وهذا مستعمل كبيرا في الكلام، الا أنه لا بد من برهان يعدله عما وضع عبارة عنه في اللغة، والا فهو تحكم من مدعيه وافساد للبيان الذي يقع به التفاهم. وليت شعري إذا لم يكن اللفظ عبارة عن المعنى ولك يكن لكل معنى عبارة معلومة اه فكيف يريد أن يصنع من هذه الألفاظ التي ر يحملها على أنها كلية مهمتها، أو يقول بالتوقف حتى يلوح له المراد، وبأي شيء يريد يفرق بين المعاني بزعمه؟ هل يجد شيئا غير لفظ آخر وهل ذلك اللفظ الآخر في احتمال التشكيك في المراد به وفي معناه الا كهذا اللفظ الأول ولا فرق، وهكذا أبدا. ولو صح هذا لبطلت فضيلتهما على البهائم، إذ لم يقع لنا التفاهم بالأسماء الواقعة على المسميات، وينبغي للعاقل أن لا يرضى لنفسه [٦٨ و] بكل كلام أداه إلى ابطال التفاهم، فان ذلك خروج عن ثقاف العقل وهزء بنعم الأول الواحد المتفضل علينا بهذه القوى العظيمة التي بها استحققنا ان يخاطبنا.
ومما خرج بالأدلة الصحاح عن بعض ما يقتضيه ظاهر لفظه قوله تعالى في آية التحريم ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ (٢٣ النساء: ٤) وقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (٢ النور: ٢٤) ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (٣٨ المائدة: ٥)
стр. 164
وكثير من مثل هذا، فلولا براهين مقبولة من ألفاظ أخر بينت لنا أن المراد بالتحريم بعض المرضعات والمرضعات وبعض الزواني والزناة دون بعض وبعض السراق دون بعض لوجب حمل هذه الألفاظ على كل ما هو مسمى بها وان كان البعض أيضا من هذه المعاني يقع عليه الذي يقع على الكل.
وأما اللفظ الجزئي الذي يدخل فيه معنى كلي فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ (١٩ النساء ٤) في أول سورة النساء، ثم اتصل الخطاب إلى قوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ (٢٣ النساء: ٤) الآية وكل ما ذكر فيه فمحرم على غير الذين آمنوا ولكن ليس بهذا اللفظ لكن بدلائل أخر من ألفاظ أخر أوقعت أيضاً هذا الحكم على غير من [هو] مسمى في هذا المكان ولولا تلك الألفاظ الأخر لما دخل في هذا الحكم من ليس مسمى باسم من خوطب به أصلا. وإنما ذكرنا هذا القسم لأن لا يظن جاهل أن هذا الحكم إنما انتقل من هذا اللفظ إلى غير من يقتضيه. فإذا أردت أن تقدم مقدمات من الأنواع التي ذكرنا في اول هذا الباب وقد قلنا إن إليها يرجع في ما اختلف فيه قلت: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، النتيجة: فكل مسكر حرام؛ فهذه قرينة من النحو الأول من الشكل الأول. وان شئت قلت: كل سارق مل سوى أقل من ربع دينار فعليه قطع يده وزيد سرق شيئا ليس أقل من ربع دينار، فزيد عليه قطع يده. وهكذا يفعل في جميع الأوامر وهو أن يخرج الأمر بلفظ خبر كلي يعم ما اقتضاه اللفظ الذي يجب الائتمار له. واعلم ان اللفظ ان كان من الألفاظ المشتركة كان جاريا على جميع الأنواع التي اقتضاها ذلك اللفظ، ان قدر على ذلك، حيث ما وجدت مجتمعات أو أفرادا.
وليس لأحد ان يقول: لا أجري الحكم الا على اجتماع جميع المعاني التي يقتضيها الاسم، لأنه يصير حينئذ مخالفا لحكم الاسم من حيث قدر أنه موافق له، لأن كل بعض منه يقع [٦٨ ظ] عليه ذلك الاسم، فإذا لم يجره على ذلك البعض إذا وجده منفردا فقد منع من اجراء الاسم على عمومه وما يقتضيه، وهذا إبطال موضوع الاسم، فان كان ذلك ممتنعا في الطبيعة أو كان لفظا عاما الا أنه لا يقوم
стр. 165
منه بيان يفهم أو كان لفظا يقع على نوع واحد أو صفة واحدة إلا أن عمومها ممتنع في الطبع لا سبيل إليه ولا إلى اخراج شيء محدود منه، أو كان الاثبات بكل الوجوه التي يقتضيها ذلك الاسم غير واجب بحكم الشرع بيقين، لم يلزم منه الا أقل ما يقتضيه ذلك اللفظ، لأن ما عدا هذا المقدار لا يقدر على استيفائه، والعجز علة مانعة، وغاية في البيان بأن ذلك اللفظ لم يقصد به العموم الذي لا يطاق أصلا؛ وذلك كقول قائل: ادع لي الناس أطعمهم ولا سبيل إلى عموم الناس كلهم فإنما هذا على جماعة يقع عليهم اسم ناس. وكذلك حيث ذكر الله المساكين أو الفقراء إذ لا يطاق غير هذا أصلا، ومن كلف غيره الممتنع فقد خرج عن حد من يكلم.
فمن القسم الذي قلنا انه يكون لفظا يعم ذوي صفات شتى قوله حيث ذكر المحصنات، فانه لا يجوز ان يخص بذلك بعض من يقع عليه هذا الاسم دون بعض، ولا يجوز أيضا أن نمتنع من إجراء الحكم حتى تجتمع جميع الصفات التي كل صفة منها ليس إحصانا. لكن إذا وجدت منها صفة واحدة فأكثر وجب لها المعبر عنها واسم يقع على العفائف والحرائر والمتزوجات والمسلمات، إلا أن يأتي لفظ مانع من عموم كل ما ذكرنا فيوقف عنده على ما قدمنا. وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم كم النساء﴾ (٢٢ النساء ٤) والنكاح يقع على العقد الصحيح وعلى الوطء صحيحا كان أو فاسدا، فكل من وطئها الأب بزنا أو غيره حرام على الابن، فتقول في مقدمة من هذا الباب: كل ما نكح الأب من النساء على الابن حرام، وهند نكحها أبو زيد، فهند على زيد حرام؛ فالحد المشترك ههنا النكاح والأب، والحدان المقسمان: أما في المقدمة الكبرى فالنساء والابن والحرام، وأما في الصغرى فزيد وهند وهما الخارجان في النتيجة.
واعلم أن ما قلت لك أن اللفظ الواقع على أنواع شتى هو على عمومه لكل ما تحته من الأنواع، لأنه لا جنس لها، كاللفظ الواقع على النوع الواحد في عمومه من الأشخاص ولا فرق الا أن يقوم برهان [٦٩ و] كما قدمنا على أن المراد
стр. 166
بعض تلك الأنواع لا كلها، وبعض تلك الأشخاص لا كلها، فيؤخذ به في ذلك المكان خاصة لا حيث وجد ذلك اللفظ في مكان آخر فهو محمول على عمومه لكل ما تحته أبدا لأن ذلك البرهان الذي نقله عن عمومه في المكان الأول لم يدخل على انه نقل عن موضعه في اللغة قطعا، لكنه دل على أن المراد به في هذا المكان خاصة بعض ما يقتضيه موضعه في اللغة فقط.
وأما قول القائل: فلان لا يظلم في حبة خردل، فلا يفهم من ذلك عند التحقيق وترك المسامحة الا ما اقتضاه اللفظ خاصة من انه لا يظلم في الخردل خاصة، وهذا الذي وضع له اللفظ في اللغة، ولا يفهم من ذلك انه لا يظلم في الآطام والضياع والدور، لأن الضياع والدور لا تسمى خردلا أصلا. لكن ان قال قائل: لا يظلم الناس شيئا أو قال لا يظلم في شيء فحينئذ يعم بالنفي كل ما وقع عليه اسم ظلم. فان لم يكن هذا فلأن معنى علقته في الأسماء على المسميات وثبت في العقول أنه لا بيان إلا بالألفاظ المعبر عن المعاني التي أوقعت عليها في اللغة، هذا ما لا يعلم أحد سواه الا مغالط لنفسه مكابر لحسه، مسامح حيث لا تنبغي المسامحة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ (٢٣ الاسراء: ١٧) فانه لا يفهم من الفظ الا منع أف فقط، وأما القتل والضرب وغير ذلك فلا منع منه في هذا اللفظ أصلا، لأن كل ذلك لا يسمى " أف " ولا يعبر عنه بأف، ولو أن إنسانا قتل لآخر وأخبر عنه مخبر وشهد شاهد أنه قال له أف لكان كاذبا وشاهد زور وآتيا كبيرة من الكبائر، بحكم المختار للوسائط بيننا وبين الواحد الأول، ﷺ ، عز باعثه وجل، إذ قضى أن شهادة الزور من الكبائر فمن لم يردعه قبح الخروج عن العقول فليردعه خوف النكال الشديد يوم الجزاء، نعوذ بالله من ذلك. واو أن حالفا حلف على القاتل أنه قال للمقتول " أف " لكانت يمينه غموسا فكيف استجاز من يصف نفسه بالفهم ان يقضي قضاء يقر به على نفسه انه كاذب إذا حقق الحكم؟ ولعمري ان كثيرا منهم لأفاضل فهماء صالحون معظمون باستحقاقهم، ولكن النقص لم يعر منه بشر الا المعصومين بالقوى الالهية من الأنبياء ﵈ [٦٩ ظ] خاصة، وزلة العالم مؤذية جدا ولو لم تعده إلى غيره لقل ضررها، لكن لما قال الله ﴿وبالو الدين احسانا﴾ اقتضت
стр. 167
هذه اللفظة اتيان كل ما يسمى إحسانا، ودفع كل ما يسمى إساءة، لأن الإساءة ضد الإحسان، والاحسان واجب فالإساءة ممنوعة، لان قولك احسن إلى فلان يقوم مقام قولك لا تسئ إليه، وذلك معنى مقتضاه فقط. واما قولك لا تسئ إليه فليس فيه الإحسان إليه، وكذلك إذا قلت لا تحسن إليه فليس فيه ان تسيء إليه أصلا، لان هذا من الاضداد التي بينهما وسائط، والوسيطة ها هنا هي التي بين الاساءة والاحسان: المتاركة. واما إذا قلت أسئ إلى فلان ففيه رفع الاحسان عنه لان الضد يدفع الضد، إذا وقع احدهما بطل الآخر. فتدبر هذه المعاني تستضئ في جميع مطلوباتك بالنور الذي منحك خالقك تعالى وقرب به شبهك من الملائكة وأبانك عن البهائم، والا كنت كخابط عشواء حيران لا تدري ما تقدم عليه بالحقيقة ولا تترك باليقين لكن بالحس والهجمة اللذين لعلهما يوردانك المتألف ويقذفانك في المهالك، هدانا الله واياك بمنه.
واذا وصلت إلى هذا الفصل فقف عنده وارم تفكرك إلى ما تكلمنا لك فيه آنفا من المتلائمات التي عبرنا عنها بعبارات لعل [بعض] أهل الغفلة الذين يرغب من صلاحهم أكثر ما يرغبون من صلاح أنفسهم يقول عند نظرة فيها: لقد تعنى هذا المؤلف في شيء يساويه في المعرفة به كل أحد، فليعلم اننا إنما ننظر المعاني بألفاظ متفق عليها لتكون قاضية على ما يغمض فهمه مما ليس من نوعها، فها هنا يلوح لك فضل كلامنا آنفا في المتلائمات وترتاح لفهمه جدا.
واذا قد قدمنا في أول كتابنا انه لا سبيل إلى معرفة حقائق الاشياء الا بتوسط اللفظ فلا سبيل إلى نقل موجب العقل من موضعه من كون الاشياء على مراتبها التي رتبها عليها بارئها جل وعز، ولا سبيل إلى نقل مقتضى اللفظ عن موضعه الذي رتب لعبارة عنه، والا رطبت الباطل وتركت الحق وجميع الدلائل تبطل نقل اللفظ عن موضعه في اللغة ولا دليل يصححه أصلا.
فان قال قائل: قد وجدنا لفظا منقولا قيل له: ذلك الذي وجدت قد تبين لنا انه هو موضوعه في ذلك المكان ولم نجد ذلك فيما نريد الحاقه به بلا دليل، وليس كل مسمى وجدته منقولا عن رتبته بدليل موجبا ان تنقله انت إلى غيره برأيك بلا دليل، فان كان حكمك في ايجاب ما لم تجد دليلا ينقله لأنك قد
стр. 168
وجدت لفظا آخر [٧٠ و] منقولا حكما صحيحا، فقد وجدت أيضا في الاوامر منسوخا كثيرا بدليل صحيح، فاحكم على كل امر بأنه منسوخ لأنك قد وجدت امورا كثيرة منسوخة، وقد وجدت أيضاً في كلام الناس كذبا كثيرا وهذا هو ابطال الحقائق فارغب عنه كما ينبغي، وبالله تعالى التوفيق.
١٢ - باب اقسام المعارف وهي العلوم
اعلم ان معرفة كل معرفة منا بما يعرفه وهو علمه بما يعلم ينقسم قسمين: احدهما اول والثاني تال. فالاول ينقسم قسمين احدهما ما عرفه الإنسان بفطرته وموجب خلقته المفضلة بالنطق الذي هو التمييز والتصرف والفرق بين المشاهدات فعرف هذا الباب بأول عقله، مثل معرفة ان الكل اكثر من الجزء وان من لم يولد قبلك فليس اكبر منك ومن لم يتقدمه فليس قبله وان نصفي العدد مساويان لجميعه وان كون الجسم الواحد في مكانين مختلفين في وقت واحد محال وان كل شيء صدق في نفيه فاثباته كذب في نفيه فاثباته حق وان الحق لا يكون في الشيء وضده وان كل اقسام اخرجها العقل بكليتها تامة اخراجا صحيحا ولم يكن بد من احدها فكذبت كلها حاشا واحدا ان ذلك الواحد حق ضرورة.
فالقسم الثاني من هذا القسم الأول هو ما عرفه الإنسان بحسه المؤدي إلى التيقن بتوسط العقل لمعرفة ان النار حارة وان الثلج بارد والصبر مر والتمر حلو والثلج الجديد ابيض والقار لسود وان جلد القنفذ (١) خشن والحرير لين وان صوت الرعد اشد من صوت الدجاجة وما اشبه ذلك. وهذا فلا يدري احد كيف وقعت له صحة معرفة بذلك ولا كان بين اول اوقات فهمه متمييزه وعود نفسه إلى ابتداء ذكرها وبين معرفته بصحة ما ذكرنا زمان أصلا، لا طويا ولا قصير ولا قليل ولا كثير ولا مهلة، وإنما هو فعل الله في النفس، وهي مضطرة إلى فعل ذلك ضرورة ولا تجد عنها محيدا البتة، وليس ذلك في بعض
стр. 169
النفوس دون بعض بل في نفس كل ذي تمييز لم تصبه آفة وكل نفس تعلم ان سائر النفوس تعلم ضرورة. فلو ان إنسانا رام ان يوهم إنسانا خلاف ما ذكرنا لما قدر فان قدر على ذلك يوما ما فيعلم ان بعقله شديدة لا يجوز غير ذلك. وفي القسم الثاني من هذين القسمين تدخل صحة المعرفة بما صححه النقل عند المخبر تحقيق ضرورة كعلمنا ان الفيل موجود ولم نره [٧٠ ظ] وان مصر ومكة في الدنيا وانه قد كان موسى وعيسى ومحمد ﵈ وقد كان ارسطاطاليس وجالينوس موجودين وكوقعة صفين والجمل وككون اهل القسطنطينية مملكين لملك الروم والنصارى وان النصرانية دينهم الغالب عندهم وكالاخبار تتظاهر عندنا كل يوم مما لا يجد المرء للشك فيه مساغا أصلا وكذلك [أن] في رأس الإنسان دماغا وفي بطنه مصرانا وفي جوفه قلبا وفي عروقه دما وإنما يرجع في ذلك إلى قول المشرحين وقول من رأى رؤوس القتلى مشدوخة وأجوافهم مخرجة فصح ذلك أيضا صحة ضرورية، وهذان القسمان لا يجوز أن يطلب على صحتهما دليل ولا يكلف ذلك غيره الا عديم عقل ووافر جهل أو مشتبه بهما، فهم أقل عددا، بل من هذين القسمين تقوم الدلائل كلها ترجع جميع البراهين وان بعد طرفها على ما قدمنا لك من نتائج مأخوذة من مقدمات وهكذا أبدا وان كثرت القرائن والنتائج واختلفت انواعها حتى تقف راجعا عند هذين العلمين الموهوبين عن الأول الواحد وبطوله وافاضة فضله علينا دون استحقاق منا لذلك، إذ لم يتقدم منا فعل يوجب أن يعطينا هذه العطية العظيمة التي أوجدنا بها السبيل إلى النسبة بالملائكة الذين هم أفضل خلق خلق والذين أفاض إفاضة تامة نزههم عن كل نقص أو خلل (١) . وبهذه السبل التي ذكرنا عرفنا ان لنا خالقنا واحدا أولا خالقا حقا لم يزل وأن ما عداه محدث كثير مخلوق لم يكن ثم كان، وبها عرفنا صدق المرسلين الداعين إليه تعالى بعث محمد ﷺ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة. ولولا العقل والبراهين المذكورة ما عرفنا صحة شيء من كل ما ذكرنا كما لا يعرفه
стр. 170
المجنون. فمن كذب بشهادة العقل والتمييز فقد كذب كل ما أوجبت، وأنتج له ذلك تكذيب الربوبية والتوحيد والنبوة والشرائع. فاما يدخل في ذلك واما يتناقص تناقص المجنون بلسانه نعوذ بالله من الخذلان.
وبقدر هذه النتائج من هذه المعارف الأوائل يسهل بيانها وبقدر بعدها يبعد ثباتها، الا أن كل ما صح من هذه الطرائق من قريب أو من بعيد فمستو في انه حق استواء وان كان بعضه أغمض. ولا يجوز ان يكون حق احق من حق آخر ولا باطل أبطل من باطل آخر إذ ووجد فقد ثبت ووجد وما بطل وما خرج عن يقين الوجود والثبوت ولم يدخل [٧١ و] في يقين البطلان فهو مشكوك فيه عند الشاك، وهو في ذاته بعد إما حق واما باطل لا يجوز غير ذلك ولا يبطله تن كان حقا جهل من جهله أو تشكك من تشكك فيه كما يحق الباطل غلط من توهمه أو تشكك فيه فهذا جملة الكلام في القسم الأول.
وأما الثاني فهو الذي ذكرت لك آنفا انه يعرف بالمقدمات المنتجة على الصفات التي حددنا من انها راجعة إلى العقل والحس اما من قرب واما من بعد وفي هذا القسم تدخل صفة العلم بالتوحيد والربوبية والازلية والاختراع والنبوة وما اتت به الشرائع والاحكام والعبادات على ما قدمنا في سائر كتبنا لأنه إذا صح التوحيد وصحت النبوة وصح وجوب الائتمار لها وصحت الاوامر والنواهي عن النبي ﷺ وجب اعتقاد صحتها والائتمار لها في هذا القسم أيضاً يدخل الكلام في الطبيعيات وفي قوانين الطب ووجوه المعاناة والمزاج واكثر مراتب العدد والهندسة.
واعلم انه لا يعلم شيء أصلاً بوجه من الوجوه من غير هذين الطريقين فمن لم يصل منهما فهو مدع علما وليس عالما، وان ولفق اعتقاده الحق، لكنه ها هنا مبخوت، وسلامة الغرر قد وجدنا اهل الحزم لا يحمدونها، وانتظار وجود اللقطة وترك الطلب خلق ذميم مرذول ساقط جدا، وفي هذا المقلد مشابهة قوية ومناسبة صحيحة لمن هذه صنعته، بل المقلد أسوأ حالا لان تضييعه اقبح واوخم عاقبة الا ان توجب الشريعة ان يسمى عالما وان يعلم ذلك ببرهان فيوقف عند ما اوجبته
стр. 171
الشريعة في ذلك. الا ان ها هنا وجها ينبغي لك استعماله في المناظرة خاصة على سبيل كف شغب الخصم الجاهل وليس مما يصح به قول ولا يلزم في الحقيقة أحداً ولا ينبت به برهان وهو ان قوما قد اعتادوا عادة سوء فسدت فضيلة التمييز فيهم بالجملة، وذلك انهم لا يلتفتون إلى البرهان وان اقروا انه برهان وقد ألفوا الإقناع والشغب الفاسد من الهم ينقدعون إذا عورضوا به، فهؤلاء ان عارضتهم لم ينجع فيم وربما آذوك بألسنتهم وان عارضتهم بإقناع ذلوا ذلة اليتيم وكفوك شرهم واشتد خزيهم وغيظهم وربما اثر ذلك في بعضهم؛ فاذكروني امر هذه الطائفة على كثرتهم في الناس ما قاله بعض قدماء الأطباء: ان ذا الطبع الشديد الذي لا تخدره الأدوية القوية [٧١ ظ] فان قرص بنفسج يخدره. ومثال ذلك أقوام تراهم إذا نصرت عندهم القول الصحيح بالمقدمات الصحاح التي هي منصوصة في القرآن والحديث الذي يقرون بصحته لم يؤثر ذلك فيهم أصلاً وكذلك لو وقفتهم عليه حسا وعقلا حتى إذا فلت لهم فلان يقول هذا القول وذكرت لهم رجلا من عرض الناس موسوما بخير انقادوا له وتوقفوا جدا وسهل جانبهم، ولا سيما ان ذكرت لهم جماعة يقولون بذلك فقد كفيت التعب معهم، فهؤلاء ينبغي ان يردعوا بما يؤثر فيهم فالطبيب الحاذق لا يعطي الدواء الا على قدر احتمال بنيه المتداوي، ومداواة النفوس أولى بالتلطف لاصلاحها من مداواة الاجسام.
وأما طلب تقديم المقدمات فاما ان يطلب على وجهه الذي وضعه فيكون الطالب على يقين وثلج واما ان يتفق هو وخصمه على مقدمات لم يثبت بالعمل الذي قدمنا لكن بتراض منهما؛ وهذا ينقسم قسمين: أحدهما ان توقف المقدمات [على] حق فيدخلان في القسم الذي قدمنا ببختهما لا ببحثهما وبجدهما لا بجدهما وبحظهما لا بتفتيشهما؛ والثاني ان يتفقا على مقدمة فاسدة أو مقدمتين فذلك وهذا ينقسم قسمين: أحدهما ان يتراضيا على ذلك معا فيما ظالمان لانفسهما، وما أنتجت تلك البلايا التي التطخا فيها فلازم لهما في قوانين المناظرة لا في الحقيقة، والحقيقة باقية بحسبها لا يضرها تراضي الجهال بالباطل وذلك كثير جدا في الملل والآراء الطبيعية والنحل كاتفاق المنانية على قدم الاصلين والنصارى على التثليث وقوم من
стр. 172
المعتزلة على ان أشياء في العالم محدثة غير مخلوقة وهذا نسميه نحن " عكس الخطأ على الخطأ " ومما حضرنا من ذلك على كثرته رد اخواننا الحكم في جنين الأمة على خطائهم في تقويم الغرة في جنين الحرة.
والقسم الثاني ان يوافق الخصم العالم المحقق خصمه على مقدمة فاسدة بقدمها لا راض بها ولكن ليريه فساد انتاجها وأنها تؤديه إلى محال فساد أصيل. واعلم ان هذا الحكم ينبغي ان يلزم الراضي به ان التزمه وليس يلزم المتسامح فيها بشرط تبين فسادها مالذي ألزم أدرباذ بن مارا كسنفد الموبذ ماني بن حماني في نفس قوله قبله وهو ضد ما حقق ماني اولا.
وكثيرا ما نلزم نحن في الشرائع اهل القياس المتحكمين اشياء من مقدماتهم تعود إلى التناقض لو إلى ما يلزمونه فيلوح بذلك فساد [٧٢ و] مقالتهم وكالذي قدمه عظيم [من] أسلافنا (١) نحبه لفضله ولكن الحق أحب الينا منه وافضل فانه قال: من بلغ الحلم من رجل أو امرأة ولم يعلم الله في اول بلوغه بجميع صفاته علم استدلال ونظر وبحث فهو كافر حلال دمه، ونحن نقسم الله خالقنا قسما لا نستثني فيه أن الرئيس قد انتج حكمه هذا عليه ان يكون كافرا حلال الدم والمال؛ ونعيد القسم بالله تعالى ثانية انه ما دخل قبره الا جاهلا بتمام صحة ما ضيق غب علمه هذا التضييق، على انه قد تجاوز في عمره خمسة وثمانين (٢) عاما يرحمنا الله واياه ويغفر لنا وله ولولا ان مقدمته هذه فاسدة لوجب عليه ما وجب على من هو محدود بحده ومرسوم برسمه ولكنها ولله الحمد قضية باطل فلا يجب ما انتجت عليه ولا على غيره، وقد غيره، وقد ذكرنا هذا الباب في النوع الخامس من البرهان.
واعلم ان من وافقنا في هذه الاوائل ثم كذب موجباتها لو خالفنا في الاوائل فلم يثبتها تركناه وكنا إن كلمناه كمن كلم السكران الا في حالتين: احدهما ان يضطر [نا] إلى الكلام معه خوف إذا ما إن تركنا الكلام معه. والثانية الرجاء في أوبته وأوبة غيره من حاضر أو غائب يبلغه كلامنا أو تثبت حاضر أو غائب يبلغه كلامنا، فأي ذلك كان فواجب علينا الكلام حينئذ بما نرجو له المنفعة
стр. 173
اما لأنفسنا وأما لمن يلزمنا تبصيره من أهل نوعنا فقد قال الأول الواحد الخالق خالق الصدق والآمر به في عهوده الينا: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ (١٣٥ النساء: ٤﴾ وقال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (١٢٥ النمل: ١٦) وقال لنا رسوله المتوسط بيننا وبينه تعالى، ﷺ ، في وصاياه لنا " لان يهدي الله بهداك رجلا واحدا أحب اليك من حمر النعم ". حتى إذا ارتفع خوفنا أو رجاؤنا لزمنا حينئذ ان نفعل ما أمرنا به الواحد الأول في عهوده الينا ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ (١٠٥ المائدة: ٥) فنقول لمن لزمنا ان نقول له من هذه الطائفة ولعمري انهم لكثير كما وصف الواحد الأول تعالى إذ يقول مخبرا لنا عمن تاه في الاباطيل: ﴿قل هل أنبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ (١٠٤ الكهف ١٨) وقال تعالى ﴿أم لهم أعين يبصرون بها ام لهم آذان يسمعون بها﴾ (١٥٩ الاعراف: ٧) فنقول لمن هذه صفته: ان كنتم تنكرون الحقائق [٧٢ ظ] وما شهده الحس والعقل وأدياه إلى النفس فلا تستحيون من قبيح هذه الصفة فدعوا التعب في أكل الطعام والسعي فيه وانتظروا كما انتم واخرجوا افرادا إلى مضارب العدو من أطراف الثغور والشعاري الموحشة رافلين في ثيابكم وابقوا هناك مطمئنين ظاهرين حتى تروا صحة ما نحدثكم به تستبين النفس انه يحل بكم، واقذفوا بأنفسكم على امهات رؤوسكم من أعلى المنار وارموا السكاكين والحجارة على لحومكم ثم جذوا بها فان امتنعوا من كل هذا فقد حققوا الاوائل الدالة على عواقب الامور وان تمادوا اعرضنا عنهم إلى ما هو اجدى علينا واولى بنا مما نرجو به التقرب من خالقنا يوم جمعنا للقضاء في عالم الجزاء، نسأله ضارعين ان يمن علينا وان يثبتنا في عداد العقلاء الابرار في هذه الدار وان يدخلنا في عداد الفائزين هنالك، ونعوذ به من ضد ما سألناه آمين.
وأتم من هؤلاء الذين ذكرنا رقاعة وأوقح وجوها المدعون للالهام وما يعجز صفيق الوجه ان يدعي انه ألهم بطلان قولهم بلا دليل ومثل هؤلاء يرحمون لذهابهم عن الحق، وبالله تعالى نستعين.
وقد شغب قوم فقالوا: بأي شيء ثبتت عندكم هذه الامور التي صحت بالعقل
стр. 174
وبماذا علمتم صحة العقل وهذا فساد في العقل وقد قلنا ان صحة ذلك ثابتة ضرورة في النفس بلا دليل على صحة ذلك أصلاً. وكفانا ما عارضناهم به ان انصفوا انفسهم والا فلا كلام لنا مع من أقر انه لا يصح وأنه لا عقل له.
١٣ - ذكر أشياء تلتبس على قوم في طريق البرهان
واعلم ان قوما قدروا ان البرهان يقوم مما ذكرنا في باب الاضافة من كون احد الشيئين يقتضي الآخر فلم يفرقوا بين الواجب من ذلك وغيره، ونحن نفرق ان شاء الله بين الصحيح من ذلك والفاسد فنقول وبالله تعالى التوفيق وبه نتأيد: ان هذا الشيء يسميه المتقدمون " برهان الدور " مثال ذلك: ان يقول القائل: الدليل على ان كون القصد في الامور موجود ان الافراط موجود. فيقال له: وما الدليل على ان الافراط موجود؟ فيقول: لما كان القصد موجودا وجب ان الافراط موجود فقام من هذا الكلام: لما كان الافراط موجودا كان الافراط موجودا، وهذا باطل فاسد في الرتبة وهو ان يستشهد على الشيء بنفسه وإنما الصواب [٧٣ و] ان يستشهد على مجهول بمتيقن فإذا كان الشيء مجهولا فليس متيقنا عند الذي هو عنده مجهول وأنت تروم ان يبين ها هنا بنفسه التي هي ذلك المجهول بعينه. واذا كان الشيء متيقنا فالمتيقن لا يحتاج فيه إلى برهان فهذا استدلال فاسد كما ترى. وكل شيء فأما معلوم واما مجهول فالمعلوم يصحح غيره من المجهولات والمجهول يصحح بغيره من المعلومات، وكون كل واحد من المضافين مقتضيا وجود صاحبه امر معلوم بأول العقل فطلب الاستدلال عليه خطأ. واما الخطأ في بيان المجهول فكنحو إنسان قال له إنسان: ما صفة الفيل؟ فيقول له: صفة الخنزير، والسائل لا يعرف صفة الخنزير فيقول له: وما صفة الخنزير؟ فيقول له: صفة الفيل. فهذا فساد شديد وهو راجع إلى ان صفة الفيل صفة الفيل. ويدخل في هذا الحبال من رام ان يثبت القياس بالقياس أو الخبر بالخبر وما اشبه ذلك.
وأما كون الشيء مستدلا به على بطلانه فلا يجوز ذلك أيضاً الا من وجه واحد، وهو ان يكون مؤديا إلى فساد أو تناقض ابطله حينئذ فليس
стр. 175
هو ابطل نفسه ولو صحح إبطاله لنفسه لكان صحيحا، ولو كان صحيحا لم يكن باطلا، وقد قدمنا ان صحة موجب العقل لم يعلم لها سبب اكثر من ثباتها في النفس ضرورة ولا محيد عنها، ولم يثبت العقل بالعقل لكن بالضرورة التي لاقت التمييز الذي [لا] يتقدمها (١) البتة. وقد يدخل أيضا في الاستدلال شيء يسمى " بالاستدلال بالمعلوم على العلة " كمن اراد ان يقيم البرهان على وجود النار بالدخان الذي هو متولد عن النار وعن فعلها، والعلة اظهر في العقول من المعلول، الا انه إذا كان السائل جاهلا بكون العلى علة، وكان عالما بأن المعلول متولد عن العلة فواجب حينئذ ان يحقق عنده بأن هذا الشيء علة لهذا الآخر باستنباط المعلول بها وكونه موجودا بوجودها. ولو أن امرءا رأى دخانا على بعد فقال: في ذلك المكان نار ولا بد لأني ارى هنالك دخانا قد سطع لكان مستدلا بحقيقة الاستدلال. وهذا لم يستدل على أن كلية النار موجودة من اجل الدخان لكن علم ان المعلول لا يوجد الا وعلته موجودة، فلما رأى الدخان وهو المعلول علم أن العلة هناك وهي النار، وبالله تعالى التوفيق [٧٣ ظ] .
١٤ - ذكر اشياء عدها قوم براهين وهي فاسدة
وبيان خطأ من عدها برهانا
فمن ذلك شيء سماه الاوائل " الاستقراء " وسماه اهل ملتنا " القياس " فنقول وبالله تعالى التوفيق: إن معنى هذا اللفظ هو ان تتبع بفكرك اشياء موجودات يجمعها نوع واحد وجنس واحد ويحكم فيها بحكم واحد فتجد في كل شيء من اشخاص ذلك النوع أو في كل نوع من انواع ذلك الجنس صفة قد لازمت كل شخص مما تحت النوع أو في كل نوع تحت الجنس أو في كل واحد من المحكوم فيهم، الا انه ليس وجود تلك الصفة مما يقتضي العقل وجودها في كل ما وجدت فيه، ولا تقتضيه طبيعة ان تكون تلك الصفة فيه ولا بد، بل قد يتوهم وجود شيء من ذلك
стр. 176
النوع خاليا من تلك الصفة. وكذلك أيضاً لم يأت لفظ في الحكم بأنه ملازم لكل شيء مما فيه تلك الصفة فيقطع قوم من اجل ما ذكرنا على ان كل اشخاص ذلك النوع، وان غابت عنهم، ففيها تلك الصفة وان كل ما فيه تلك الصفة من الاشياء فمحكوما فيه بذلك الحكم. ولعمري لو قدرنا على تقصي تلك الاشخاص أولها عن آخرها حتى نحيط علما بأنه لم يشذ عنا منها واحدة فوجدنا هذه الصفة عامة لجميعها لوجب أن نقتضي بعمومها لها، وكذلك لو وجدنا الاحكام منصوصة على كل شيء فيه تلك الصفة لقطعنا به أنها لازمة لكل ما فيه تلك الصفة، واما ونحن لا نقدر على استيعاب ذلك ولا نجده أيضاً في الحكم منصوصا على كل ما فيه تلك الصفة فهذا تكهن من المتحكم به وتخرص وتسهل في الكذب وقضاء بغير علم وغرور للناس ولنفسه أولا التي نصيحتها (١) عليه اوجب. ونمثل لذلك مثالا عيانيا فنقول وبالله التوفيق:
وصف الموصوف بالصفة ينقسم قسمين: احدهما صفة لا بد للموصوف منها ضرورة كعلمنا يقينا ان كل ذي روح فمتنفس وكل متنفس فذوا آلة يتنفس بها اما بقبض الهواء أو يدفعه واما يقبض بها فيدفعه ان كان من سكان الماء فهذا قسم قائم في العقل معلوم ضرورة ولا محيد عنه ولو عدمت النفس الآلة لفارقت الجسد. والقسم الثاني قد توجد ملازمة للموصوف بها ولو عدمت لم تضره كالمرارة فانك ان بقرت اكثر اصناف الحيوان وجدتها فيها الا الجمل فانه لا مرارة له، وقد ذكر قوم أن الفرس لا [٧٤و] طحال له. وكالعلم الفاشي بين الناس اننا لم نشاهد بغلة ولا بغلا (٢) يولد، وككوننا لم نجد قط كبشا من الضأن ذا لحية. وقد اخبرني مخبر في مجلس بعض الرؤساء أنه شاهد بغلة ولدت في بلد وشهد له صحة ذلك قوم كانوا في تلك الناحية.
واخبرني من اثق به أنه رأى كباشا بلحى وتيوسا بلا لحى وأنا رأيت سنينيرا صغيرا ولد جسدين متميزين منحازين تامين لا ينقص منهما عضو أصلا، في كل جسد ذنب ويدان ورجلان يجمعهما رأس واحد ليس فيه عينان وأذنان وفم واحد، ورأيت أيضاً فروجا وفرخ اوزة تفقست البيضتان عنهما ولكل واحد منهما أربعة أرجل وأريت الفروج جماعة كانوا معي. فالقطع على أن هذا لا يكون هو التحكم المذموم الذي قد يخون.
стр. 177
وقد غلط في هذا الباب جماعة من أهل مللنا وطوائف من أهل نحلتنا فاما المخالفون لنا في النحلة وهم موافقون لنا في الملة فانهم تتبعوا الفاعلين فلم يجدوا فاعلا البتة مختارا، الا جسما، فقطعوا على ان الفاعل الأول جسم لانهم لم يشاهدوا فاعلا الا جسما. فتحفظ من مثل هذا الشغب عظم فيه غلط كثيرة من الناس. وقد أريتك الطريق التي أغروا بها فاجتنبها، وهو القول مع قيام البرهان على بطلانه ومع انه دعوى مجردة فعلى كل ذلك قد نوقضوا فيه وذلك أنهم [إن] يغالطوا أنفسهم ويغروها وتتبعوا ما وجدوا تتبعا صحيحا لم يجدوا فاعلا مختارا غير محدث وغير مركب إما من ولادة واما من رطوبات مستحيلة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا فقد ناقضوا وأبطلوا دليلهم. وليعلموا انهم في بلية شنعاء وهم يقرون بلا خلاف منهم أن اعتقد هذا فمفارق للملة مباح دمه متبرئ من خالقه فلازم لهم إذا كان حكمهم صحيحا إذ لم يشاهدوا قط فاعلا مختارا الا مركبا من ولادة أو من رطوبات مستحيلة ان يقطعوا في الواحد الأول تعالى أنه محدث مركب والا فقد ناقضوا؛ أفلا يستحيي من له أدنى فهم وعقل من أن يشهد على نفسه بأنه ثابت على شيء باطل؟
وأما الذي غلط فيه الموافقين لنا في النحلة من اصحابنا الاخباريين فاهم تتبعوا كل موصوف في العالم فرأوه إنما استحق ذلك الاسم بصفة فيه اشتق له [٧٤ظ] منها ذلك الاسم فقطعوا من اجل ذلك على أن الواحد الأول ذو سمع وبصر وحياة وارادة وأنه متكلم لا يسكت، بأنه تعالى موصوف بأنه سميع بصير حي مريد له كلام، ولو انهم انصفوا انفسهم ولم يقتحموا فيما يعيرون به خصومهم لكانوا إذا فتشوا هذا التفتيش قد وجدوا يقينا انهم لا يرون أبدا ولا يشاهدون موصوفا بشيء الا وتلك الصفة عرض في الموصوف محمول وأن الصفة لا يحملها الا جوهر، على أن هذا الذي نذكر لا يتوهم متوهم في العالم رتبة سواها؛ فلازم لهم إذ لم يشاهدوا قط موصوفا بصفة الا وهو جوهر يحمل عرضا في ذاته ان يقولوا: ان الأول الذي ايس كمثله شيء جوهر يحمل الاعراض ولم يفارقها قط، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. لكنهم قد حجلوا عن هذا الخطأ وشردوا عنه، ولم يختلفوا في أن قائل ذلك معتقدا له جاحد للخالق تعالى مباح دمه، لخروجه من الملة. والعجب واقع على هؤلاء كوقوعه على المذكورين
стр. 178
قبل ولا فرق. فينبغي لكل طالب حقيقة أن يقر بما اوجبه العقل، ويقر بما شاهد واحس وبما قام عليه برهان راجع إلى الناس المذكورين، وأن لا يسكن إلى الاستقرار أصلاً الا ان يحيط علما بجميع الجزئيات التي تحت الكل الذي يحكم فيه. فان لم يقدر فلا يقطع في الحكم على ما لم يشاهد ولا يحكم الا على مت أدركه دون ما لم يدرك. وهذا إذا تدبرته في الاحكام الشرعية نفعك جدا ومنعك من القياس الذي غر كثيرا من الناس ومن الأئمة الفضلاء الذين غلط بغلطهم ألوف ألوف من الناس، وانت إذا فعلت ذلك كنت على يقين من الصواب لأنك لم تقطع بتحلل ولا تحريم ولا ايجاب الا على ما أتاك عن الله تعالى الحكم عليه وأما ما لم تجد فيه نصا فامسك عنه ولا تقطع عليه فانه [غير] داخل في حكم ما وجدت فيه نصا فأمسك عنه.
واعلم ان قوما غلطوا في هذا النوع غلطا لم يخرجوا به من هذا المنتسب الا أنهم بسوء النظر ظنوا أنفسهم خارجين منه فسموا فعلهم في هذا الباب باسم آخر، وهو أن سموه " الاستدلال بالشاهد على الغائب " وبالحقيقة لو حصلوا البحث لعلموا أن الغائب عن الحواس من الاشياء المعلومة ليس بغائب عن العقل بل هو شاهد فيه كشهود ما أدرك بالحواس ولا فرق. واذا ايقن المرء ان الحواس موصلات إلى النفس وان النفس إنما [٧٥وٍ يصح حكمها بالمحسوسات، إذا صح عقلها من الآفات، وبان تتفرغ من كل ما يشغل عقلها، وانفردت بان تستبين به وتفكر فيما دلها عليه لم يجد المرء حينئذ لما يشاهد بحواسه فضلا على ما شاهده بعقله دون حواسه، فلا غائب من المعلومات أصلاً إذا ما غاب عن العقل لم يجز ان يعلم البتة، ونحن نجد الاعمى الذي ولد أكمه موقفا بان الالوان موجودة، كايقان المبصر ها ولا فرق؛ وكذلك تيقنا بوجود الفيل وان كنا لم نره قط كيقين من رآه ولا فرق. وإنما افترق الاعمى والبصير في كيفية الالوان فقط، واما في ان اللون صحيح موجود فلا فرق بينهما في يقين العلم بذلك. وكذلك نحن إنما يفضلنا من رأى الفيل بالكيفية فقط، وإنما صحة وجوده فلا فضل له علينا في المعرفة بانه حق. ونحن وان كنا لم نشاهد؟ ولا اخبرنا من شاهد - ولا بلغنا ان في الناس اليوم إنسانا يرفع من الارض ستمائة رطل، فلسنا ننكر وجوده، ان وجد، كانكارنا وجود إنسان يرفع ستة آلاف
стр. 179
رطل، وكلاهما لم نشاهده ولم نشاهد مثله. فليس وجودنا اشياء كثيرة مشتركة في بعض صفاتها اشتراكا صحيحا، ثم وجودنا بعض تلك الاشياء، ينفرد بحكم ما نتيقنه منها بموجب ان نحكم على سائر تلك الاشياء باستوائها في هذا الحكم الثاني من قبيل استوائها (١) في الحكم الأول. وهذه الدعوى سمجة وتحكم فاحش، وإنما يلزم هذا إذا اقتضت طبيعة ما يوجد شيء فيما هو فيه وعلمنا وجوب ذلك بعقولنا، فإذا كان ذلك، حكمنا ضرورة على ما لم نشاهد من أجزاء ذلك الشيء بحكمنا على ما شاهدناه منها، كاقتضاء طبيعة ذرع كل جسم متحرك ان يكون متناهي الاقطار، وهذا معلوم باولية العقل وموجب حكم الكمية. وكاقتضاء طبيعة بني الإنسان ان لا يتولد منه بغل ولا يحمل، ولكن جسم (٢) بشكل ما، فيه نفس ناطقة تقبل التعليم والتصرف والصناعة. فليست معرفتنا بان اجسامنا متناهية لأن طبيعة العقل توجب ذلك بأقوى من معرفتنا بان جسم الفلك متناه إنما صد عندنا لأن اجسامنا متناهية، لكن الوجه الذي صح ان اجسامنا متناهية، به صح ان جسم الفلك متناه. وكذلك أيضاً علمنا بان كل شيء رخو لاقى شيئا صلبا ملاقاة شديدة صدم، فان الصلب يؤثر في الرخو ضرورة، إما بتفريق اجزائه واما باحالته عن شكله، ليس من اجل انا شاهدناه ذلك في اجسام معدودة لكن طبيعة العقل تقتضي ذلك [٧٥ ظ] ومثل هذا كثير.
وأما ما لا تقتضيه طبيعة العقل ولا تنفيه، فانا إن وجدناه صدقناه، وإن لم نجده لم نمنع منه. فانا قد شاهدناه في الناس من لا يأكل اللبن أصلا، ولو أكله لقذف قذفا شديدا، وآخر لا يأكل الشحم أصلا، فليس من أصل وجودنا ذلك يجب أن نقطع قطعا على أن الناس أيضا من لا يأكل التمر أصلا، ولا يجب أن نمنع من وجود ذلك أصلا. وكذلك إذا وجدنا حجرا يجذب الحديد فليس يجب أن نقطع على أنه يوجد، ولا بد، حجر يجذب الناس، ولا أن نقطع أيضا أنه لا يوجد. ومثل ذلك كثير.
وأشد من هذا كله التحكم على الخالق الأول بأنه قد حرم هذا وحلل هذا،
стр. 180
بلا حكم وارد منه عنه تعالى بذلك، لكن بشهوات النفوس، لأنه قد حرم شيئا آخر يشبه هذا الذي تحرم أنت في بعض صفاته. بلى، ولقد لعن الله تعالى أناسا عصاة معتدين، لأفتراه يلعن كل إنسان لأنهم مثل أولئك الملعونين في انهم ناس وأنهم عصاة معتدون؟ وأحرق قوما لانهم خانوا المكيال، وأحرق معهم أطفالهم ونساءهم أفترى كل خائن للمكيال والميزان يحرق هو وولده وامرأته؟ إن هذا لهو الضلال البعيد.
ومن بديع ما يقع للمغرورين بهذا النوع الفاسد أنهم إذا أحبوا أن يبدوا لهم في هذا الحكم الذي حكموا به لم يصعب عليهم تركه، فيخرجون اشياء من المشتبهات عن حكم وجد في بعضها ويقولون: هذا خرج عن أصله وشذ، والشاذ لا يقاس عليه. ونحن نقول: لو كان هذا الحكم المشذوذ أصلا للشاذ لما شذ عنه ما شذ، ولا يجوز أن ينبعث فرع من غير أصله. ولو كان ذلك، لما كان الأصل أصلا للمتأصل به، ولا كان المتأصل متأصلا منه. ولا تظن أن من خالف صورة نوعه الجامعة له أنه شاذ نوعه وأصله فتخطئ. لأنك إذا علمت أنه لا يشذ عن أصله البتة، وان تلك الزوائد إنما هي من زيادة في مادة العنصر على مقدار ما يقوم منه الشخص التام فكذلك النقص أيضا، هو نقص من مادة العنصر. فهكذا تكون الأصول الصحاح.
ومثل هذا ما يستعمله النحويون في عللهم فانها كلها فاسدة لا يرجع منها شيء إلى الحقيقة ألبتة. وإنما الحق من ذلك ان هذا سمع من أهل اللغة الذين يرجع اليهم في ضبطها ونقلها، وما عدا هذا فهو، مع انه [٧٦ و] تحكم فاسد متناقص، فهو أيضاً كذب، لان قولهم كان الاصل كذا، فاستثقل فنقل إلى كذا، شيء يعلم كل ذي حس أنه كذب لم يكن قط، ولا كانت العرب عليه مدة، ثم انتقلت إلى ما سمع منها بعد ذلك.
وقد قال الخالق الأول قولا كفى كل ذي تعب إذ يقول تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين﴾ (١١١ البقرة ٢) ثم زاد بيانا فقال تعالى: ﴿فان شهدوا فلا تشهد معهم﴾ (١٥٠ الانعام: ٦) ثم زاد بيانا فقال تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (٢٣ الانبياء ٢١) فالذي قلنا من تمييز العقل والحواس هو فعل الله فلا يسأل لم كان ذلك، وما عداه ففعل