النوع خاليا من تلك الصفة. وكذلك أيضاً لم يأت لفظ في الحكم بأنه ملازم لكل شيء مما فيه تلك الصفة فيقطع قوم من اجل ما ذكرنا على ان كل اشخاص ذلك النوع، وان غابت عنهم، ففيها تلك الصفة وان كل ما فيه تلك الصفة من الاشياء فمحكوما فيه بذلك الحكم. ولعمري لو قدرنا على تقصي تلك الاشخاص أولها عن آخرها حتى نحيط علما بأنه لم يشذ عنا منها واحدة فوجدنا هذه الصفة عامة لجميعها لوجب أن نقتضي بعمومها لها، وكذلك لو وجدنا الاحكام منصوصة على كل شيء فيه تلك الصفة لقطعنا به أنها لازمة لكل ما فيه تلك الصفة، واما ونحن لا نقدر على استيعاب ذلك ولا نجده أيضاً في الحكم منصوصا على كل ما فيه تلك الصفة فهذا تكهن من المتحكم به وتخرص وتسهل في الكذب وقضاء بغير علم وغرور للناس ولنفسه أولا التي نصيحتها (١) عليه اوجب. ونمثل لذلك مثالا عيانيا فنقول وبالله التوفيق:
وصف الموصوف بالصفة ينقسم قسمين: احدهما صفة لا بد للموصوف منها ضرورة كعلمنا يقينا ان كل ذي روح فمتنفس وكل متنفس فذوا آلة يتنفس بها اما بقبض الهواء أو يدفعه واما يقبض بها فيدفعه ان كان من سكان الماء فهذا قسم قائم في العقل معلوم ضرورة ولا محيد عنه ولو عدمت النفس الآلة لفارقت الجسد. والقسم الثاني قد توجد ملازمة للموصوف بها ولو عدمت لم تضره كالمرارة فانك ان بقرت اكثر اصناف الحيوان وجدتها فيها الا الجمل فانه لا مرارة له، وقد ذكر قوم أن الفرس لا [٧٤و] طحال له. وكالعلم الفاشي بين الناس اننا لم نشاهد بغلة ولا بغلا (٢) يولد، وككوننا لم نجد قط كبشا من الضأن ذا لحية. وقد اخبرني مخبر في مجلس بعض الرؤساء أنه شاهد بغلة ولدت في بلد وشهد له صحة ذلك قوم كانوا في تلك الناحية.
واخبرني من اثق به أنه رأى كباشا بلحى وتيوسا بلا لحى وأنا رأيت سنينيرا صغيرا ولد جسدين متميزين منحازين تامين لا ينقص منهما عضو أصلا، في كل جسد ذنب ويدان ورجلان يجمعهما رأس واحد ليس فيه عينان وأذنان وفم واحد، ورأيت أيضاً فروجا وفرخ اوزة تفقست البيضتان عنهما ولكل واحد منهما أربعة أرجل وأريت الفروج جماعة كانوا معي. فالقطع على أن هذا لا يكون هو التحكم المذموم الذي قد يخون.
стр. 177
وقد غلط في هذا الباب جماعة من أهل مللنا وطوائف من أهل نحلتنا فاما المخالفون لنا في النحلة وهم موافقون لنا في الملة فانهم تتبعوا الفاعلين فلم يجدوا فاعلا البتة مختارا، الا جسما، فقطعوا على ان الفاعل الأول جسم لانهم لم يشاهدوا فاعلا الا جسما. فتحفظ من مثل هذا الشغب عظم فيه غلط كثيرة من الناس. وقد أريتك الطريق التي أغروا بها فاجتنبها، وهو القول مع قيام البرهان على بطلانه ومع انه دعوى مجردة فعلى كل ذلك قد نوقضوا فيه وذلك أنهم [إن] يغالطوا أنفسهم ويغروها وتتبعوا ما وجدوا تتبعا صحيحا لم يجدوا فاعلا مختارا غير محدث وغير مركب إما من ولادة واما من رطوبات مستحيلة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا فقد ناقضوا وأبطلوا دليلهم. وليعلموا انهم في بلية شنعاء وهم يقرون بلا خلاف منهم أن اعتقد هذا فمفارق للملة مباح دمه متبرئ من خالقه فلازم لهم إذا كان حكمهم صحيحا إذ لم يشاهدوا قط فاعلا مختارا الا مركبا من ولادة أو من رطوبات مستحيلة ان يقطعوا في الواحد الأول تعالى أنه محدث مركب والا فقد ناقضوا؛ أفلا يستحيي من له أدنى فهم وعقل من أن يشهد على نفسه بأنه ثابت على شيء باطل؟
وأما الذي غلط فيه الموافقين لنا في النحلة من اصحابنا الاخباريين فاهم تتبعوا كل موصوف في العالم فرأوه إنما استحق ذلك الاسم بصفة فيه اشتق له [٧٤ظ] منها ذلك الاسم فقطعوا من اجل ذلك على أن الواحد الأول ذو سمع وبصر وحياة وارادة وأنه متكلم لا يسكت، بأنه تعالى موصوف بأنه سميع بصير حي مريد له كلام، ولو انهم انصفوا انفسهم ولم يقتحموا فيما يعيرون به خصومهم لكانوا إذا فتشوا هذا التفتيش قد وجدوا يقينا انهم لا يرون أبدا ولا يشاهدون موصوفا بشيء الا وتلك الصفة عرض في الموصوف محمول وأن الصفة لا يحملها الا جوهر، على أن هذا الذي نذكر لا يتوهم متوهم في العالم رتبة سواها؛ فلازم لهم إذ لم يشاهدوا قط موصوفا بصفة الا وهو جوهر يحمل عرضا في ذاته ان يقولوا: ان الأول الذي ايس كمثله شيء جوهر يحمل الاعراض ولم يفارقها قط، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. لكنهم قد حجلوا عن هذا الخطأ وشردوا عنه، ولم يختلفوا في أن قائل ذلك معتقدا له جاحد للخالق تعالى مباح دمه، لخروجه من الملة. والعجب واقع على هؤلاء كوقوعه على المذكورين
стр. 178
قبل ولا فرق. فينبغي لكل طالب حقيقة أن يقر بما اوجبه العقل، ويقر بما شاهد واحس وبما قام عليه برهان راجع إلى الناس المذكورين، وأن لا يسكن إلى الاستقرار أصلاً الا ان يحيط علما بجميع الجزئيات التي تحت الكل الذي يحكم فيه. فان لم يقدر فلا يقطع في الحكم على ما لم يشاهد ولا يحكم الا على مت أدركه دون ما لم يدرك. وهذا إذا تدبرته في الاحكام الشرعية نفعك جدا ومنعك من القياس الذي غر كثيرا من الناس ومن الأئمة الفضلاء الذين غلط بغلطهم ألوف ألوف من الناس، وانت إذا فعلت ذلك كنت على يقين من الصواب لأنك لم تقطع بتحلل ولا تحريم ولا ايجاب الا على ما أتاك عن الله تعالى الحكم عليه وأما ما لم تجد فيه نصا فامسك عنه ولا تقطع عليه فانه [غير] داخل في حكم ما وجدت فيه نصا فأمسك عنه.
واعلم ان قوما غلطوا في هذا النوع غلطا لم يخرجوا به من هذا المنتسب الا أنهم بسوء النظر ظنوا أنفسهم خارجين منه فسموا فعلهم في هذا الباب باسم آخر، وهو أن سموه " الاستدلال بالشاهد على الغائب " وبالحقيقة لو حصلوا البحث لعلموا أن الغائب عن الحواس من الاشياء المعلومة ليس بغائب عن العقل بل هو شاهد فيه كشهود ما أدرك بالحواس ولا فرق. واذا ايقن المرء ان الحواس موصلات إلى النفس وان النفس إنما [٧٥وٍ يصح حكمها بالمحسوسات، إذا صح عقلها من الآفات، وبان تتفرغ من كل ما يشغل عقلها، وانفردت بان تستبين به وتفكر فيما دلها عليه لم يجد المرء حينئذ لما يشاهد بحواسه فضلا على ما شاهده بعقله دون حواسه، فلا غائب من المعلومات أصلاً إذا ما غاب عن العقل لم يجز ان يعلم البتة، ونحن نجد الاعمى الذي ولد أكمه موقفا بان الالوان موجودة، كايقان المبصر ها ولا فرق؛ وكذلك تيقنا بوجود الفيل وان كنا لم نره قط كيقين من رآه ولا فرق. وإنما افترق الاعمى والبصير في كيفية الالوان فقط، واما في ان اللون صحيح موجود فلا فرق بينهما في يقين العلم بذلك. وكذلك نحن إنما يفضلنا من رأى الفيل بالكيفية فقط، وإنما صحة وجوده فلا فضل له علينا في المعرفة بانه حق. ونحن وان كنا لم نشاهد؟ ولا اخبرنا من شاهد - ولا بلغنا ان في الناس اليوم إنسانا يرفع من الارض ستمائة رطل، فلسنا ننكر وجوده، ان وجد، كانكارنا وجود إنسان يرفع ستة آلاف
стр. 179
رطل، وكلاهما لم نشاهده ولم نشاهد مثله. فليس وجودنا اشياء كثيرة مشتركة في بعض صفاتها اشتراكا صحيحا، ثم وجودنا بعض تلك الاشياء، ينفرد بحكم ما نتيقنه منها بموجب ان نحكم على سائر تلك الاشياء باستوائها في هذا الحكم الثاني من قبيل استوائها (١) في الحكم الأول. وهذه الدعوى سمجة وتحكم فاحش، وإنما يلزم هذا إذا اقتضت طبيعة ما يوجد شيء فيما هو فيه وعلمنا وجوب ذلك بعقولنا، فإذا كان ذلك، حكمنا ضرورة على ما لم نشاهد من أجزاء ذلك الشيء بحكمنا على ما شاهدناه منها، كاقتضاء طبيعة ذرع كل جسم متحرك ان يكون متناهي الاقطار، وهذا معلوم باولية العقل وموجب حكم الكمية. وكاقتضاء طبيعة بني الإنسان ان لا يتولد منه بغل ولا يحمل، ولكن جسم (٢) بشكل ما، فيه نفس ناطقة تقبل التعليم والتصرف والصناعة. فليست معرفتنا بان اجسامنا متناهية لأن طبيعة العقل توجب ذلك بأقوى من معرفتنا بان جسم الفلك متناه إنما صد عندنا لأن اجسامنا متناهية، لكن الوجه الذي صح ان اجسامنا متناهية، به صح ان جسم الفلك متناه. وكذلك أيضاً علمنا بان كل شيء رخو لاقى شيئا صلبا ملاقاة شديدة صدم، فان الصلب يؤثر في الرخو ضرورة، إما بتفريق اجزائه واما باحالته عن شكله، ليس من اجل انا شاهدناه ذلك في اجسام معدودة لكن طبيعة العقل تقتضي ذلك [٧٥ ظ] ومثل هذا كثير.
وأما ما لا تقتضيه طبيعة العقل ولا تنفيه، فانا إن وجدناه صدقناه، وإن لم نجده لم نمنع منه. فانا قد شاهدناه في الناس من لا يأكل اللبن أصلا، ولو أكله لقذف قذفا شديدا، وآخر لا يأكل الشحم أصلا، فليس من أصل وجودنا ذلك يجب أن نقطع قطعا على أن الناس أيضا من لا يأكل التمر أصلا، ولا يجب أن نمنع من وجود ذلك أصلا. وكذلك إذا وجدنا حجرا يجذب الحديد فليس يجب أن نقطع على أنه يوجد، ولا بد، حجر يجذب الناس، ولا أن نقطع أيضا أنه لا يوجد. ومثل ذلك كثير.
وأشد من هذا كله التحكم على الخالق الأول بأنه قد حرم هذا وحلل هذا،
стр. 180
بلا حكم وارد منه عنه تعالى بذلك، لكن بشهوات النفوس، لأنه قد حرم شيئا آخر يشبه هذا الذي تحرم أنت في بعض صفاته. بلى، ولقد لعن الله تعالى أناسا عصاة معتدين، لأفتراه يلعن كل إنسان لأنهم مثل أولئك الملعونين في انهم ناس وأنهم عصاة معتدون؟ وأحرق قوما لانهم خانوا المكيال، وأحرق معهم أطفالهم ونساءهم أفترى كل خائن للمكيال والميزان يحرق هو وولده وامرأته؟ إن هذا لهو الضلال البعيد.
ومن بديع ما يقع للمغرورين بهذا النوع الفاسد أنهم إذا أحبوا أن يبدوا لهم في هذا الحكم الذي حكموا به لم يصعب عليهم تركه، فيخرجون اشياء من المشتبهات عن حكم وجد في بعضها ويقولون: هذا خرج عن أصله وشذ، والشاذ لا يقاس عليه. ونحن نقول: لو كان هذا الحكم المشذوذ أصلا للشاذ لما شذ عنه ما شذ، ولا يجوز أن ينبعث فرع من غير أصله. ولو كان ذلك، لما كان الأصل أصلا للمتأصل به، ولا كان المتأصل متأصلا منه. ولا تظن أن من خالف صورة نوعه الجامعة له أنه شاذ نوعه وأصله فتخطئ. لأنك إذا علمت أنه لا يشذ عن أصله البتة، وان تلك الزوائد إنما هي من زيادة في مادة العنصر على مقدار ما يقوم منه الشخص التام فكذلك النقص أيضا، هو نقص من مادة العنصر. فهكذا تكون الأصول الصحاح.
ومثل هذا ما يستعمله النحويون في عللهم فانها كلها فاسدة لا يرجع منها شيء إلى الحقيقة ألبتة. وإنما الحق من ذلك ان هذا سمع من أهل اللغة الذين يرجع اليهم في ضبطها ونقلها، وما عدا هذا فهو، مع انه [٧٦ و] تحكم فاسد متناقص، فهو أيضاً كذب، لان قولهم كان الاصل كذا، فاستثقل فنقل إلى كذا، شيء يعلم كل ذي حس أنه كذب لم يكن قط، ولا كانت العرب عليه مدة، ثم انتقلت إلى ما سمع منها بعد ذلك.
وقد قال الخالق الأول قولا كفى كل ذي تعب إذ يقول تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين﴾ (١١١ البقرة ٢) ثم زاد بيانا فقال تعالى: ﴿فان شهدوا فلا تشهد معهم﴾ (١٥٠ الانعام: ٦) ثم زاد بيانا فقال تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (٢٣ الانبياء ٢١) فالذي قلنا من تمييز العقل والحواس هو فعل الله فلا يسأل لم كان ذلك، وما عداه ففعل
стр. 181
لنا، لا بد فيه من السؤال. بلم، فان صح به برهان قبل والا رفض.
وقد سمى بعضهم هذا الباب: " إجراء العلة في المعلول " ولعمري لو صح ان ذلك علة ككون القتل علة للموت، والجوع علة لارادة الغذاء، والعطش علة لارادة الماء العذب، إن ذلك لواجب اجراؤها في معلولاتها وحتى لا سبيل إلى ان يوجد أبدا قط في الدهر علة إلا ومعلولها موجود. واما ان لم يكن هكذا فاعلم انها ليست علة. وأما ما ادعى متحكم انها علة دون برهان فغير واجب اجراؤها مما ليس معلولا بها.
وبالجملة فليس في الشرائع علة أصلا بوجه من الوجوه ولا شيء يوجبها الا الاوامر الواردة من الله فقط، إذ ليس في العقل ما يوجب تحريم شيء مما في العالم وتحليل آخر، ولا ايجاب عمل وترك ايجاب آخر. فالاوامر أسباب موجبة لما وردت به. فإذا لم ترد فلا سبب يوجب شيئا أصلا ولا يمنعه. واذا لم تكن العلة الا التي لم توجد قط الا وموجبها معها فليس ذلك الا في الطبيعات فقط؛ واذا كان ذلك فلا يجوز ان يرفع اسم علة على غير هذا المعنى فيقع التلبيس بايقاع اسم واحد على معنيين مختلفين؛ وهذا أقوى سبيل لاهل المخرقة. واعلم وتنبه بما انا موروده عليك، إن شاء الله : ان هذا الشيء الذي سموه استدلالا بالشاهد على الغائب واجراء العلة في المعلول إنما يصح به إبطال المتساوي في الحكم لا إثباته، لأنك متى وجدت أشياء مستوية في صفات ما وهي مختلفة الاحكام فلا تشك في اختلافها، بل معرفتنا باختلافها علم ضروري. ولذلك نكون حينئذ غير قاطعين على ان ما غاب عن حواسنا من تلك الاشياء الغائبة التي تساوي هذه الحاضرة وفي الصفة التي استوت هذه الحاضرة كلها فيها على انه موافق لحكم هذه [٧٦ ظ] الحاضرة ولا انه مخالف. وذا مما لا يخالفنا فيه خصومنا لأنه ضروري. فثبت أن المنفعة عظيمة صحيحة باختلاف المشاهدات في ابطال القطع بتساوي الغائبات عن الحواس معها، واننا لا ننتفع ياستواء المشاهدات في إبطال القطع بتساوي الغائبات عن الحواس معها، واننا لا ننتفع باستواء المشاهدات فيما لم توجبه طبيعة العقل لها في مفرفته حكم الغائبات. ألا ترى أننا إذا لم نجد حمارا يجتر لا تنطع على انه لا يوجد، بل ان وجد لم ننكره ولقد
стр. 182
اخبرني [مخبر] انه عنده وجود فرس يجتر، ولم يوجد قط ذو قرن الا وهو مشقوق الحافز حاشا الحمار الوحشي فهو ذو قرن غير مشقوق الحافر؛ ومثل هذه الامور التي لا توجبها الطبيعة فهي في حد الممكن الا انها على قدر قلة وجودها وكثرته تدخل في الممكن البعيد أو المتساوي القريب. ونجد مضيئة حمراء حارة، فمن قال ان الضياء علة الاحراق أريناه اشياء مضيئة كالمرايا وغيرها وهي غير محرقة، ومن قال الحمرة علة الاحراق أريناه الدم غير محرق، ومن قال الحرارة علة الاحراق اريناه اشياء تحر الجسم ولا تحرق. فوجب ضرورة ان لا يكون شيء مما ذكرناه علة وهي صفات مطردة كما ترى؛ لكن كل عنصر بسيط حار يابس صعاد مضيء مصعد للرطوبات يسفل بالقهر ويستحيل هواء فهو محرق بلا شك، لان طبيعة العقل تقتضي ذلك. ومن سلك الطريق التي نهينا عنها لم يسلم من حيرة أو تناقض أو تحكم بلا دليل. ومما قاد إليه أيضاً هذا الاستدلال الفاسد قوما أن قالوا: لما كنا احياء ناطقين وكانت الكواكب اعلى منا وفي اصفى مكان كان تأثيرها ظاهرا فينا وكانت اولى بالحياة والنطق منا فهي احياء ناطقة عاقلة. فيلزمهم على هذا البرهان الفاسد انهم لما وجدوا كل عاقل مميز ناطق حي فيما بيننا إنما هو لحم ودم وذو دماغ وقلب لا يجوز غير ذلك ولا شاهدوا قط حيا الا هكذا الا أن يقطعوا ان الكواكب والملائكة مركبون من لحم ودم وذوو أدمغة وقلوب لأنها أحياء ناطقة. وكل هذا خطأ لأنه ليس من اجل شرفنا على الحجارة وأننا نؤثر فيها وجب لنا النطق والحياة، ولا من اجل اننا ناطقون احياء وجب ان نكون لحما ودما. ولكنا لما كنا مميزين متعرفين حساسين وجب [٧٧و] لنا اسم النطق والحياة عبارة عن حالنا تلك وتسمية لها. وموه أيضاً بعضهم فقال مثبتا لسكنى النفس في الدماغ ان الملك ابدا إنما يسكن في القصاب العالية، والنفس ملك البدن، والدماغ أعلى البدن، فالنفس فيه. وكم رأينا ملكا لا يسكن الا الحضيض من عمله ويدع القصاب. فعارضه محير مثله فقال مثبتا لأنها في القلب: ان الملك ابدا إنما يسكن وسط عمله، والقلب وسط البدن، [لذا] وجب ان تكون النفس فيه. وكم ملك سكن طرف عمله أو قرب عمله وترك الوسط. وهذا كله تحكم ضعيف. وكمن قال: وجدت الكلب طويل الذنب فيصلح أيضاً لحراسة الغنم،.
стр. 183
والسبع طويل الذنب فيصلح أيضاً لحراسة الماشية. وهذا يكثر جدا وفيما ذكرنا كفاية. ومثل هذا قد استعمله خلق كثير فحرموا به وأحلوا وتحكموا في دين الله تعالى. وذلك مثل حكمهم بأن الكيل علة التحريم في الربا، وتحكم آخرين بأن الادخار علة التحريم في الربا، وقال آخرون: الاكل (١) هو علة التحريم في الربا؛ فهل هذا [إلا] كالذي ذكرنا قبل سواء. وكذلك ان وجدنا صفة في موصوف ولذلك الموصوف حكم ما، فإذا ارتفعت تلك الصفة ارتفع ذلك الحكم فانه ليس واجبا من اجل هذا فقط أن يكون ذلك الموصوف متى وجدت له تلك الصفة وجدله ذلك بل لعله قد توجد له تلك الصفة ولا يوجد له ذلك الحكم. مثال ذلك: إن الحياة إذا لم تكن موجودة قط في جسم ما فواجب ضرورة أن ذلك الجسم ليس لنسانا بلا شك؛ فان اراد امرؤ ان يجري على الطريق الذي ذممته لزمه ان يقول: فالحياة إذا وجدت في جسم ما وجب ان يكون إنسانا وهذا كذب بحث. ومثال ذلك في الشريعة: ان ملكك إذا ارتفع عن شيء فقد صار ملكه إلى غيرك، أو صح انه لا ملك لمخلوق عليه، فهو أحق؛ فإذا ارتفع ملك غيرك عنه لم يلزم ان يصح ملكه لك أو انه لا ملك لمخلوق عليه، بل لعله يملكه ثالث غيركما.
وأعلم ان المساحة في طلب الحقائق لا تجوز البتة، وإنما هو حق أو باطل لا يجوز ان يكون الشيء حقا باطلا، ولا باطلا حقا، ولا باطلا لا حقا. فإذا بطل هذان القسمان ببديهة العقل ضرورة ثبت القسم الثالث إذ لم يبق قسم سواه وهو اما حق واما باطل. ولذلك قال لنا الأول الواحد في عهوده الينا: (فما [٧٧ظ] ذا بعد الحق الا الضلال) (٣٢ يونس: ١٠) .
ولعل جاهلا يعترض علينا في شيئين فيقول: انتم تقولون باباحة اشياء كالغناء وغير ذلك فحق هي ام باطل؟ فالجواب وبالله تعالى التوفيق: ان كل ما أنجناه إذا فعله الفاعل ترويحا لنفسه وعونا على الصحة والنشاط ليقوى على انفاذ اوامر خالقه فهذا كله حق؛ واذا فعله عبئا وأشرا فكل ذلك ضلال. الا ان من الضلال ما هو لغو غير معدود علينا رفقا بنا، ومنه ما هو معدود
стр. 184
علينا عدلا فينا. وقد قال لنا الخيرة المرسل من قبل الواحد الأول، ﷺ : " إنما الاعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى ".
والشيء الثاني ان يقول الناقد. قلتم لا شيء الا حق أو باطل، فالحق برهاني: اما اول واما منتج عن اول واما بقرب واما ببعد، وما عدا هذين الطريقين فباطل. وانتم بخبر الواحد في الاحكام وبشهادة الشاهدين، وتقرون ان حكمكم ذلك لعله باطل. فالجواب وبالله تعالى التوفيق: ان الحكم بخبر الواحد في الاحكام وبشهادة الشاهدين حق برهاني ضروري نقطع على غيبه؛ واما الجزئيات من ذلك، يعني من الشهادة، فلا ندري أموافقة هي التي تيقنا انه حق أولا وهذا من تقصيرنا عن علم الغيب. الا اننا محققون بلا شك كل قضية منها فاما حق واما باطل في ذاتها لا بد من ذلك، ولم ندع على كل حق وعلى باطل، بل كثير من الامور يخفى علينا الحكم فيها وهي في ذواتها اما حق واما باطل.
ومن بديع ما غلط فيه اخواننا الموافقون لنا في الخلة والملة المخالفون لنا في الفتى ان حكمين وردا في الشعير والتمر فنقلوا احدهما إلى الزيتون والتين، ومنعوا من نقل الآخر إلى الزيتون والتين: وهو ان التحريم جاء في الشعير بالشعير والتمر بالتمر في البيع الا مثلا بمثل كيلا بكيلا يدا بيد، وأمرنا باخراج الشعير أو التمر في زكاة الفطر. فقالوا قول من تحكم: اما التحريم في البيع الا مثلا بمثل ويد بيد فمنقول إلى الزيتون والتين، اما الاعطاء في الزكاة فغير منقول إلى الزيتون والتين. ولهم من مثل هذا واشنع آلاف قضايا مما نبينه في كتبنا في احكام الديانة، ان شاء الله. والتحكم باللسان لا يعجز عنه من رضيه لنفسه [٧٨و] والباطل كثير. واما الذي نحمد الواهب المنعم عليه اهله، فالحق، والذي يجب ان يفرح له الحاصل فما اوجبه البرهان.
واعلم أنه لا فرق فيما تصح به الأحكام الشرعية وبين ما تصح به القضايا الطبيعية في مراتب البرهان الذي قدمنا؛ بل الخطأ في الشرائع أضر وأشد فسادا في الدنيا، وأرادأ عاقبة في الأخرى، وأحق بالنظر فيه والاحتيال بتصحيحه، وأولى بترك المسامحة وأحظى بتحري الصواب، وأن لا يقدم فيها الا على ما أوجبته مقدمات موجودة عن مثلها إلى أن تبلغ أوائل العقل والحس، وبالله
стр. 185
تعالى التوفيق، وله الحمد ومنه الاستزادة من جميل مواهبه. والخطأ في ذلك يشمله الباطل وتنفرد هذه الجملة بالنكال في الدار الآخرة لمن عاند وترك البحث وهو قادر عليه.
واعلم أن المتقدمين سموا المقدمات " قياسا ". فتحيل اخواننا القياسون حيلة ضعيفة سوفسطانية أوقعوا اسم القياس على التحكم والسفسطة، فسموا تحكمهم بالاستقرار المذموم قياسا، وسموا حكمهم فيما لم يرد فيه نص بحكم شيء آخر مما ورد فيه نص لاشتباههما في بعض أوصافهما قياسا واستدلالا واجراء للعلة في المعلول. فأرادوا تصحيح بأن الباطل بأن سموه باسم أوقعه غيرهم على الحق الواضح كالذي بلغنا عن بعض جهال البربر أنه أراد استحلال أكل خنوس صاده بأن سماه باسم ولد الأيل. وقد جاء عن الرسول، ﵇، أنه أنذر بقوم يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها. وهذه حيلة مموهة لا تثبت على التخليص. وقد قلنا قبل انه ليس في العالم شيئان الا وبينهما شبه وافتراق ما ضرورة لا بد من ذلك. فان كان الشبه يوجب استواء الحكم فلنحكم لكل ما في العالم بحكم واحد في كل حال من أجل اشتباهه في صفة ما ولم كان الاجتماع في الشبه يوجب استواء الحكم ولم يكن الافتراق في الشبه يوجب اختلاف الحكم؟ فيجب على هذا أن لا نحكم لشيئين أصلا بحكم واحد لأجل اختلافهما في صفة ما. وكل هذا خطأ وحيرة ومؤد إلى التناقض والضلال، ونعوذ بالله من ذلك كله، ولا حول ولا قوة الا بالله.
١٥ - باب زيادة الكلام في بيان السفسطة
وسمت الأوائل ما أخذ من مقدمات فاسدة " سفسطة ". ونحن نبين منها وجوها كافية بحول الله الواهب للعلم وقوته، لا إله الا هو.
واعلم أن المشغب الناصر للباطل أعظم سلاحه التلبيس وذلك يكون اما بايجاب مالا يجب، واما باسقاط قسم من الأقسام أو لأكثر من قسم، واما زيادة قسم فاسد [٧٨ ظ] ، أو بأن يأتي بأقسام كلها فاسدة، واما أن يتعلق بلفظ مشترك متفق على صحته يعطي أشياء كثيرة مختلفة الأحكام والصفات ومتفقة أيضا في أشياء كثيرة مختلفة الأحكام والصفات ومتفقة أيضا في أشياء؛ فيريد أن
стр. 186
يخص ما اتفقت فيه بعض ما يعطي دون جميعها، ويريد أن يعم جميع ما يقع عليه ذلك الاسم مما يخص بعض ما يقع عليه ذلك الاسم، أو يأتي به وهو ابتداء.
فايجاب ما لا يجب هو أن يقول: لو كان الباري تعالى غير جسم لكان عرضا فلما ثبت أن الباري تعالى ليس عرضا صح أنه جسم. فهذا علق أنه تعالى غير جسم بكونه عرضا وهذا لا يجب، ولو علق ذلك بما يوجب قضيته لكان صادقا وذلك لو قال: لو كان الباري تعالى محدثا وكان غير جسم لكان عرضا. فهذا تقديم صحيح، لكن الباري تعالى ليس محدثا فليس جسما ولا عرضا. وإنما نحن الآن في بيان صحة عمل القرائن لا في بيان الجزئيات، ولذلك مكانه. س
وأما اسقاط قسم فكقول القائل: لا يخلو هذا اللون من ان يكون أحمر أو أخضر أو أصفر أو اسود بعد اسقاط الابيض واللازوردي وغير ذلك.
وأما زيادة قسم فاسد فكقول القائل: لا يخلو هذا الشيء من أن يكون هو هذا الشيء أو هو غيره أو لا هو ولا غيره. فهذا قسم فاسد زائد. وأما المجيء بأقسام كلها فاسدة فكقول القائل: لا يخلو الباري تعالى من أن يكون فعل الاشياء لدفع مضرة أو الاجتلاب منفعة أو لطبيعة أو لآفة أو لجوده وكرمه. فهذه كلها اقسام فاسدة. والصحيح انه فعلها لا لعلة ولا لسبب أصلا. فمن ادعى على خصمه أنه أتاه بشيء من هذه الوجوه فعليه أن يبين ذلك.
واما الغلط الواقع في اشتباه الاسماء فيكون من جاهل ومن عامد فأما الجاهل فمعذور واما العامد فمذموم. فالجاهل غلطه في ذلك نحو عدي بن حاتم إذ سمع الآية: ﴿فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود﴾ (١٨٧ البقرة: ٢) فظنها من الخيوط المعهودة. واما العامد فنحو الذين قيل لهم " راعنا " من المراعاة فقالوا راعنا من الرعونة؛ ومثل ما قاله بعض الاكابر وقد سئل عن اللفظ بالقرآن فقال: هذا السؤال محال واللفظ بالقرآن لا يجوز لأنه لا يلفظ، فأضرب عن اللفظ الذي هو القول والكلام وتعدى إلى الذي هو القذف كلفظ الرجل لقمة من فيه. فهذا ونحوه شعاوذ مضمحلة.
وكذلك ينبغي لك أن تتحفظ من اشتباه الخط ولا سيما في العربي فان
стр. 187
ذلك فيه فاش لان أكثر حروفه لا يفرق بينها في الصور الا بالنقط كزبد [٧٩ و] وزيد وزند ورند وما أشبه ذلك. وقد كتب بعض الخلفاء إلى عامله: احص المؤنثين قبلك، يريد احصاء العدد، فقرأها الكاتب " اخص " فخصى كل من كان قبله منهم. ولهذا صار طالب الحقائق مضطرا الي النحو. ألا ترى ان قارئا لو قرأ: إنما يخشى الله من عباده العلماء، فرفع الهاء من الله ونصب الهمزة من العلماء قاصدا إلى ذلك وهو عالم لكان ذلك خروجا عن الملة؟ وكذلك لو قرأ: ان الله بريء من المشركين ورسوله بكسر اللام من رسوله. فتحفظ من مثل هذا تحفظا شديدا على ما نصف لك بعد هذا، ان شاء الله .
ومن ذلك اشياء تقع في المعطوف محيرة كنحو ما غلط فيه جماعة من العلماء في قول الله : ﴿وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ (٧ آل عمران: ٣) فظنوا ان " الراسخون في العلم " معطوفون على الله ، وليس كذلك وإنما هو ابتداء كلام وقضية وعطف جملة على جملة لبرهان ضروري قد ذكرناه في موضعه.
ومن السفسطة أيضاً تصحيح شيء آخر وبطلانه ببطلان شيء آخر بلا برهان يوجب اضافتهما فذلك فاسد جدا، كقول من قال: لو جاز ان يكون الباري مرئيا [لكانت] رؤية غير المعهود؛ وكقول القائل: لما صح التحريم في البر بالبر متفاضلا صح التحريم في الارز بالأرز متفاضلا. وهذا كله تحكم ودعوى. وليس يعجز احد عن ربط شيء بشيء لا رباط بينهما بلسانه إذا استجاز القطع بما اشتهى. وكقول من قال من العميان: لو كان اللون مرئيا لكان العقل مرئيا، فلما كان العقل غير مرئي وجب ان اللون غير مرئي، فتأمل هذا تجده بهتانا وجهلا ودالة على غير موضعها كدالة الصبيان على آبائهم ولا فرق.
فلذلك قد اتينا على ما تحتاج إليه من بيان البرهان الصحيح وذكر جمل الجدليات الفاسدة والشغبيات الساقطة وبيان كثير منها بمقدار ما يميزها به الطالب إذا رآها؛ وقلنا ان ما عدا البرهان على غير الطريق التي قدمنا فواجب
стр. 188
اجتنابه. ولعمري لقد اكثرنا من البيان وكررنا لأن خطأ اصحابنا كثر في ذلك وفحش جدا فاحتجنا إلى المبالغة في البيان، فلنقتصر على ذلك، ولنأخذ في الزيادة في فضل ما ادراكنا بالعقل. وبالله تعالى نعتصم ونتأيد لا إله الا هو.
١٦ - الكلام في فضل قوة ادراك العقل على ادراك الحواس.
واعلم أن الحواس السليمة قد تقصر عن كثير من مدركاتها وقد تضعف عنها وقد تخطئ ثم لا يلبث أن يستبين للنفس [٧٩ظ] غلطها وتقصيرها وما خفي عنها وتدركه ادراكا تاما على حقيقته. وادراك العقل في كل ذلك ادراك واحد وبالجملة فالعقل قوة أفرد الباري تعالى به النفس ولم يجعل فيه شركة لشيء من الجسد. وادراك النفس من قبل الحواس فيه للجسد شركة، والجسد كدر ثقيل فادراكها بالعقل إذا نظرت به ولم تغلب عليه الشهوات الجسدية أو سائر أخلاقها المذمومة إدراك صاف تام غير مشوب. ومن أقرب ما نمثل لك به كدر النفس بمشاركتها الجسد وصفائها بانفرادها عنه وخفة الجسد بمشاركة النفس وثقله بانفراده عنها مترى من حال النائم فان جسده حينئذ أثقل وزنا (١) ويعلم ذلك من اكتري من الحمالين فانهم يكثرون نهيه عن النوم حتى إذا استيقظ خف وزنه واستقل. وترى النفس في حال النوم قد تشاهد جزءا من النبوة بالرؤيا الصحيحة مما لا سبيل إلى مشاهدته في حال اليقظة. وهكذا كلما انفردت وتخلت عن الجسد أدركت غوامض الأشياء وصحيح العواقب في الآراء حتى إن المرء في تلك الحال لا يسمع كلام من معه ولا يرى كثيرا مما يحضره.
ثم نعود إلى ما بدأنا به فنقول، وبالله تعالى التوفيق: انك ترى الإنسان من بعيد صغير الجرم جدا كأنه صبي، وانت لا تشك بعقلك انه اكبر مما تراه، ثم لا تلبث ان يقرب منك فتراه على قدره الذي هو عليه الذي لم يشك العقل قط في انه عليه. وكذلك يعرض لك في الصوت. وايضا فأن الشيء إذا بعد عن الحاسة جدا بطل ادراكها جملة، فان الإنسان إذا كان منك على خمسة اميال
стр. 189
أو نحوها نظرت شبحه ولم تستبين عينه وسمعت عينه وسمعت صوته أصلا، حتى إذا قرب استبنت كل ذلك وميزت عينه وسمعت كلامه. وكهدم رأيته من بعيد ولم تسمع صوته لم يشك العقل ان له صوتا مرعبا لو قربت منه. فالعقل في كل ما ذكرنا لا يخون. وأما في حس الجسم فكخردلة تزداد في حمل الإنسان فلا يحس بها البتة، حتى إذا كثر صب الخردل لم يلبث ان يعجز عن الاستقلال به ولو صب على ظهر فيل أو سفينة بحرية. والعقل يعلمك أن تلك الخردلة المصبوبة لها نصيب من الثقل ضرورة، إلا ان الحس قصر عن ادراكه لتأخر ادراك الحس عن ادراك العقل وأنه لا يدرك الا ما ظهر ظهورا قويا وقد يخفى عليه كثير من الحقائق كما ترى. والعقل يدرك، كما بينت لك، حصة الخردل من الثقل ادراكا لا فرق بينه وبين ادراك ما ظهر إلى الحس من ثقل القناطير المجتمعة. وهكذا الشم فان مقدار فلس من حليت يكون معك في لبيت فلا تشمه أصلا [٨٠ و] حتى إذا كثرت أجزاء الحلتيت لم يلبث الشم أن يجده ويضجر منه؛ والعقل موقن أن لذلك الفلس جزءا من النتن، وهكذا القول في المسك. والعقل يعلمك أن قوة الرائحة في القليل والكثير واحدة ولكن الكثير إذا كثر افترق ما يتحلل منه في الهواء فشغل مكانا واسعا. وكذلك السماء، لا تراها متحركة والعقل يوقن أنها متحركة مما ترى من اختلاف حركتي الاجرام التي فيها من شرق إلى غرب بحركة السماء لها من غرب إلى شرق وبانتقالها في الدرج وحركتها بذاتها. وكذلك العين لا تستبين حركة الشمس أصلا حتى إذا بقيت مدة لاحت لها حركتها يقينا بأن تراها في كبد السماء بعد تراها في افق المشرق. وكنماء الأجسام من الحيوان والنبات فانك لا تستبين نموه على انه بين يديك ونصب عينيك حتى إذا مضت مدة رأيت النماء بعينيك ظاهرا وعلمت نسبة زيادته على ما كان، والعقل يشهد أن لكل ساعة حظا من نمو ذلك الشجر لم تتبينه ببصرك. وهذا إذا تدبرته كثير جدا.
وقد بينا في باب الكلام في الكيفية من هذا الديوان مشاركة العقل للحواس في جميع مدركاتها وانفراده دونها باشياء كثيرة؛ فلولا العقل ما عرفنا الغائبة عن الحواس ولا عرفنا الله . ومن كذب عقله فقد كذب شهادة
стр. 190
الذي لولاه لم يعرف ربه، وحصل في حال المجنون، ولم يحصل على حقيقة. وبالفكر والذكر تؤخذ المقدمات أخذا صحيحا بان تنظر النفس في ضم طباع الاشياء بعضها إلى بعض حتى يقوم مرادها فيما تريد علمه وهذا الذكر مثبوت في الحيوان. والحيوان قد يتفاضل فيه: فمن الحيوان ما يميز ربه ويذكر عليه وان غاب عنه، ويهش إليه إذا قدم عليه؛ واقواها في ذلك الفيل والكلب والقرد والدب ثم السنور؛ ومن الحيوان ما يذكر ذكرا دون كالفرس والبعير؛ ومن الحيوان سائر ما ذكرنا ى يذكر شيئا من ذلك كالديك وغيره.
واعلم ان الحس والعقل والظن والتخيل قوى من قوى النفس. واما الفكر فهو حكم النفس فيما ادته إليها هذه القوى فتجد النفس إذا افتقدت بالنسيان شيئا مما اختزنته تطلبه وتفتش في مذكراتها بالفكر كما يفتش رب المتاع متاعه إذا اتلفه واختلط له بين شتى فيبحث عنه في وجه ومكان مكان حتى يجده فيؤوب إليه، أو لا يجده أصلاً. وهكذا سواء سواء سبحان المدبر لذلك ومخترعه لا إله الا هو. وليس في القرى التي ذكرنا شيء [٨٠ ظ] يوثق به ابدا على كل حال غير العقل ففيه تمييز مدركات الحواس السليمة والمخذولة بالمرض وشبهه كوجود المريض العسل مرا كالعلقم والعقل يشهد بالشهادة الصحيحة الصادقة انه حلو وكما يرى الشيء في الماء بخلاف شكله الذي يشهد العقل انه شكله على الحقيقة. واما الظن فأكذب دليل لأنه يصور لك الرجل الضخم المتسلح شجاعا ولعله في غاية الجبن، ويصور لك المتفاوت الطلعة بليدا ولعله غاية في الذكاء. وقد نبه الله تعالى على هذا فقال: ﴿انها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (٤٦ الحج: ٢٢) . فأخبر ان الحواس تبع للعقل، وان ذا العقل الذي يغلب هواه عليه لا ينتفع بما ادركت حواسه؛ وقال تعالى: ﴿ان بعض الظن إثم﴾ (١٢ الحجرات: ٤٩) ؛ وروي عن رسول الله، ﷺ ، انه قال: " الظن اكذب الحديث ".
وأما التخيل فقد يسمعك صوتا حيث لا صوت، ويريك شخصا ولا شخص قال تعالى: ﴿يخيل اليهم من سحرهم أنها تسعى﴾ (٦٦ طه: ٢٠) فأخبر تعالى بكذب التخيل. والعقل صادق ابدا، قال تعالى مصدقا لاعتراض من رفض
стр. 191
شواهد عقله بالخطأ: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نبصر أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. فاعترفوا فسحقا لاصحاب السعير﴾ (١٠ - ١١ الملك: ٦٧) . وقال تعالى ذاما لمن أعرض عن استعمال عقله: ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾ (١٠٥ يوسف: ١٢) . وقال تعالى لكل ما لم يقم عليه برهان: ﴿قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين﴾ (١١١البقرة: ٢) وقال ذاما لمن تكلم بغير علم: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ (٦٦ آل: ٣) . وقال تعالى في مثل ذلك: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾ (٣٩ يونس: ١٠) فهذه وصايا الواحد الأول التي أتانا بها رسوله، ﷺ ، وهذه موجبات العقول فأين المذهب عن الخالق تعالى وعن العقل المؤدي إلى معرفته إلا إلى الشيطان الرجيم والجنون المودي والضلال المبين، نسأل الممتن بالنعمة أن يزيدنا من المعرفة الفاضلة، وأن لا يسلبنا ما منحنا من العقل ومحبة استعماله وتصديق شهاداته؛ وإلى العقل نرجع في صحة الديانة وصحة العمل الموصلين إلى فوز الآخرة والسلامة الأبدية، وبه نعرف حقيقة العلم، ونخرج من ظلمة الجهل، ونصلح تدبير المعاش والعالم والجسد.
ومن الناس من يستشهد بالعقل على تصحيح شيء ليس في العقل الا إبطاله، كمتطلب في العقل عللا موجبة لجزئيات الشرائع فانه ليس في العقل الا وجوب الائتمار للأول الخالق فقط في أي شيء [٨١ و] أمر به، ولو بأنواع قتل أنفسنا فمن دونها السل (١) ؛ أو علة موجبة لتحريم لحم الخنزير واباحة لحم التيس، أو لايجاب الصلاة بعد زوال الشمس والمنع منها حين طلوعها، أو لم تكون صلاة أربع ركعات وأخرى ثلاثا، أو صيام رمضان دون ذي الحجة، أو الحج إلى مكة في ذي الحجة إلى غيرها في أشهر أخر، وقتل من زنا وهو محصن عفا عنه زوج المزني بها أو أبوها أو لم (٢) يعفوا، أو تحريم قتل من قتل النفس المحرمة إذا عفا عنه الولي. ولا تحريم المشقوق البطن أو المجنون وتحليل المذبوح
стр. 192
أو المنحور، فليس ابتداء هذا كله في العقل أصلاً. وهكذا الشرائع، وهكذا، جميع أفعال الخالق تعالى فانه خلق الحمار خلقا مهينا للسخرة، وخلق الفرس للركوب، وحبا صورة الإنسان بالعقل، وسلط الكلب على الظني، وأباح ذبح الحيوان دون بعض للأكل، وخلق بعض الحيوان طيارا وبعضه مائيا وبعضه طعاما لبعض ناطقا وبعضه جاهلا وبعضه ذا رجلين وبعضه ذا أرجل أربع (١) وبعضه ذا ست أرجل وبعضه ذا أكثر من ذلك وبعضه بلا رجل أيضا، وخلق الاسد شجاعا جريئا والقرد جبانا هلوعا، وخلق أشياء حادة الأبصار وخلق الخلد أعمى، وخلق ذوات السموم المؤذية للحيوان. وهكذا رتب الخالق الكريم الأشياء كلها. ويلزم من فر من هذا إلى أن النفس فعلت ذلك [؟.] في ايجاب العجز أو المسامحة في العبث على أصله للباري، تعالى عن ذلك. وقد بينا ذلك في " الفصل " بيانا شافيا. وإنما العقل قوة تميز بها النفس جميع الموجودات على مراتبها أو تشاهد بها ما مر عليه من صفاتها الحقيقية لها فقط وتنفي بها عنها ما ليس فيها. فهذه حقيقة حد العقل ويتلوه في ذلك الحواس سواء سواء وهذا التمييز هو إدراك العقل الذي لا ادراك غيره. وأما حد منفعة العقل في استعمال الطاعات والفضائل، فهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل، والكلام في هذا وغيره مما هو متصل [به] مستوعب، ان شاء الله تعالى، في كتابنا " في أخلاق النفس ".
وأعلم أن الاكثر من الناس جدا فالغالب عليهم الحمق وضعف العقول والعاقل الفاضل نادر وقليل البتة، وهذا يؤخذ حسا. وقد ورد النص بذلك من الخالق الأول وعن خيرته المبتعث الينا ﷺ ، قال تعالى: ﴿وإن تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله﴾ (١١٦ الانعام: ٦) . وقال رسول الله [٨١ ظ] ﷺ : " الناس كأبل مائة لا تجد فيها راحلة ". وأما [ما] يظنه أهل ضعف العقول من أنه عقل وليس عقلا ولا مدخل للعقل فيه فقد غلطوا في ذلك كثيرا فانهم يظنون العقل إنما هو م حيطت به السلامة في الدنيا ووصل به إلى الوجاهة والمال؛ وهذا إذا كان بطرق محمودة مما لا معصية فيه
стр. 193
ولا زيادة فهو عاقل، وأما إذا كان بما أمكن بما أمكن من كذب ونافقة وتضييع فرض وظلم إنسان ومساعدة على باطل فهو ضد العقل بعد نهي الله تعالى الوارد علينا بذم هذه الحال ذما صحيحا. فكيف يكون عقلا ما يذمه العقل ويفسده وينهى عنه؟ ولم يوجد العقل ذاما لهذه الرذائل ولا ورد الامر من الله قط الا بذمها. وكذلك ما ظنه آخرون من أن العقل المحمود الذي لا ينبغي خلافه التزام أزياء معهودة لا معنى له افليس إذا حصلته الا سخفا وجهلا وليس هذا من العقل في شيء. وبيان هذا مذكور في كتابنا في " أخلاق النفس والسيرة الفاضلة " وفي كتابنا في " السياسة " ان شاء الله ، والله تعالى الموفق لكل فضيلة.
واعلم انه لا يدرك الاشياء على حقائقها الا من جرد نفسه عن الاهواء كلها ونظر في الآراء كلها نظرا واحدا مستويا لا يميل إلى شيء منها، وفتش أخلاق نفسه بعقله تفتيشا لا يترك فيها من الهوى والتقليد شيئا ألبتة، ثم سلك بعقله الطريق التي وصفنا في هذا الديوان واجتنب ما عداها مما قد رأينا اعلام كل ذلك، فانه من فعل ما قلنا فضمان له ادراك الحقائق على وجوهها في كل مطلوب وقد نبه الله على ذلك في عهود الينا فقال: ﴿ان يتبعون الا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ (٢٣ النجم ٥٣) وقال تعالى: ﴿ان يتبعون الا الظن وان الظن لا ينبغي من الحق شيئا﴾ . (٢٨ النجم ٥٣) وقال تعالى: ﴿فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولو الالباب﴾ (١٨ الزمر ٣٩) .
واعلم ان الناس الا من عصم الله تعالى، وقليل ما هم، يقبحون فعل من حكم بالهوى ويضللون من قلد ويبطلون التقليد وهم لا ينطقون بكلمة بعد هذا الا وهي راجعة إلى احد هذين الوجهين الخبيثين اللذين قد شهدوا بقبحهما وخطأ من اتبعهما؛ فتأمل هذا تجده كثيرا وكفى بذم الله تعالى هؤلاء إذ يقول: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان [٨٢ و] تقولوا ما لا تفعلون﴾ (٢ - ٣ الصف: ٦١) نعوذ بالله من مقته. الا انا نقول من احسن من وجه واساء من آخر افضل ممن اساء من كل وجه فهؤلاء ممقوتون لفعلهم خلاف
стр. 194
قولهم فلو انهم مع اساءتهم من فعلهم يذمون الحقائق لتضاعف مقتهم لتضاعف اساءتهم، نعوذ بالله من الخذلان. واذ قد اتينا من هذا الغرض بجملة كافية؟ على ان الكلام في ذلك يطول جدا ويتسع - فلنقطع، على مذهبنا في هذا الديوان في الاختصار والبيان ان شاء الله ، ولنأخذ بحول خالقنا في كيفية المناظرة ووجوهها المحمودة والمذمومة ومراتبها فهي متعلقة بما تقدم اشاء الله تعالى.
١٧ - باب اقسام السؤال عما تريد معرفة حقيقته مما يرتقى إليه
بالدلائل الراجعة إلى الاوائل التي قدمنا
اعلم انه لا يوصل إلى معرفة حقيقة بالاستدلال الا بالبحث والبحث يكون عن فكر الواحد ويكون عن تذكر من اثنين اما من معلم إلى متعلم واما من متناظرين مختلفين متباحثين وهذا الوجه هو آخر ما نتوصل به إلى بيان الحقائق بكثرة التقصي فيه وانه لا يبقى توفيته حقه بقية أصلاً. فنقول وبالله تعالى التوفيق وبه نتأيد:
اعلم انه لا بد اول السؤال عن كل مسئول عنه مما يترقى إليه بالدلائل الراجعة إلى الاوائل التي قدمنا سؤالات اربع ولكل منها من الجواب: فاولها السؤال " بهل " فنقول: هل هذا الشيء موجودا اولا وهل امر كذا حق ام لا فلا بد للمسئول حينئذ من جواب ضرورة بلا أو نعم؛ فان قال لا أو قال لا ادري سقط السؤال عنه، على كل حال، لان الشيء المسئول عنه لا يخلو من ان يكون مما يدرك بالعقل وبالحواس أو مما يدرك بالتوالي من المقدمات التي وصفنا، فان كان مما يدرك بالحواس أو العقل فالكلام مع منكر ذلك عناء وكذلك مع من شك فيه. وان كان مما يدرك بالتوالي فالسؤال أيضاً عنه ساقط لا لأنه مغلوب ولكن [لأنه] لم يثبت شيئا فيتمادى (١) معه في البحث عنه ولانه قد صدق عن نفسه إذ قال لا ادري؛ ولا سبيل إلى ان يقال لأحد فيما ليس
стр. 195
مدركا باول العقل والحواس لم لم تدر هذا لكن حتى يثبت عنده بالدلائل ثم حينئذ يلزمه الاقرار بموجبها؛ فعلى من اراد الزامه الاقرار بأمر ما تبينه له وتثبيته لديه، فإذا الواجب ان لا يصدق احد بشيء لم يقم عليه دليل [٨٢ظ] وان يصدق به إذا قام عليه الدليل.
واما إبطال المرء بالبراهين ما اثبته مثبت بلا برهان فهو تبرع منه وقوة وذلك غير لازم له إذ المثبت للشيء بلا برهان مدع والدعوى ساقطة إذا لم يؤيدها (١) دليل. والاصل في البنية ان المرء ولد وهو لا يعلم شيئا ثم سمع الاقوال، وكل احد يحسن عنده رأيه فلا سبيل إلى الزامه الاقرار بشيء منها أصلا إلا بان يوجب برهان صحة شيء منها فيلزمه حينئذ والا فليس بعضها اولى بالتصديق من بعض، ولا سبيل إلى ان تكون كلها حق فتصدق بجميعها. ونفيها كلها والشك فيها ممكن حتى يقوم البرهان على صحة الصحيح منها.
فان اجاب بنعم وصحح ما سئل عنه سئل حينئذ بالمرتبة الثانية وهو السؤال " بما " وهو تال للسؤال بهل فيقال له إذا حققه فما هو أي اخبرنا بجوهره أو حده أو رسمه لو ما يمكن ان تخبرنا به عنه من صفات ذاته الملازمة له.
فإذا اخبر بما اخبر به من ذلك سئل بالمرتبة الثالثة وهو السؤال " بكيف " أي هذا الذي حققه حاله أي شيء وكيف هيئته وكيف وجود ما اثبت له فيه.
فإذا اخبرنا بما اخبر به سئل بالمرتبة الرابعة وهي " لم " فيقال له لم كان ما اتيت كما وصفت وما برهانك على صحة ما ادعيت مما ذكرت؟ ولا سؤال عليه فيما لم يذكر اخل أو [لم] يخل الا بان يدعي عليه تناقضا أو نقضا. فعلى من اثبت عليه ذلك ان يقيم البرهان على نسب إليه من صحة مناقضة أو نقض. وفي هذه الرابعة يقع الاعتراض وطلب الدلائل أو إبانتها (٢) ؛ ومثال ذلك ان تقول: هل يوجد كسوف قمري ام لا فيقول المجيب: نعم هو موجود، فلو قال لا قيل هـ: فهذا السواد الذي يعرض في ليلة النصف من الشهر ما هو؟ فان انكر العيان صار (٣) في نصاب من لا يكلم، وان أقر به قيل له هو الذي نريد بقولنا " كسوف "
стр. 196
فإذا حققت المعنى لم تنازعك في الاسم وسألناك بعبارة ترضاها وهي ان نقول لك: هل يوجد سواد في القمر ليلة النصف من الشهر ام لا؟ فإذا حقق قيل له لما هو؟ فيقول: هو ذهاب النور عن القمر لدخول الارض بينه وبين الشمس التي منها يقبل النور؛ فيقول السائل: كيف تدخل الارض بين الشمس والقمر؟ فيقول المجيب: بان تكون الشمس في درجة مقابلة للدرجة التي فيها القمر مع تقاطع فلكيهما فيقول السائل: لم كان ذلك؟ فيقول المجيب حينئذ: هيئة الفلك وانتقال الشمس وقطعها [٨٣و] وانتقال القمر ومدة قطعه (١) وما يتم من هذا المعنى وهذا القول في كل مسئول عنه من كل علم.
واعلم انه لا يجوز ان يقدم مؤخر من هذه المراتب الأربع (٢) على مارتبنا قبله لأنه كلام على غير معهود.
واعلم ان المسئول بما وبكيف وبلم في الجواب يجيب بما امكنه مما لا يخرج به عن مقتضى السائل الا ان اللازم في السؤال [بما] ان يخبر السائل بحد الشيء المسئول عنه أو رسمه واذا بكيف: هو ان يجيب باحوال الشيء العامة ولغيره أو الخاصة الشائعة أو ما يخصه به من غيره ان كان المسئول عنه شخطا. وان كان سئل بلم ان يجيب بالعلة الموجبة لكون ما أخبر بكونه ويرسم العلة برسمها الذي لا يشاركها فيه غيرها. وينبغي ان تكون العلة لازمة لما يستدل بها عليه كالقتل فانه علة الموت القتلي إذ لا يجوز ان يكون قتل ولا يكون موت والموت معلول للقتل ولكن ليس كل موت معلولا للقتل إذ يكون موت بلا قتل وكذلك أيضا ليس الموت علة للقتل. والحد مأخوذ من صفة الشيء الذي هو صفة عنصره ومأخوذ من تمامه أيضاً كقولك إذا سئلت عن حد الطب ان تقول: صناعة، فهذا عنصر الطب، ثم تقول: مبرثة لأبد ان الناس وبهذا يتم [حد] الطب ويكون طبا. واذا سئلت عن المرض ان تقول: ضعف يكون في الجسم بتعادي اخلاطه وخروجها عن الاعتدال فالضعف عنصر المرض وتعادي الاخلاط تمامه وبه يسمى مرضا. وكذلك قولك في حد المتنفس: انه
стр. 197
حيوان يجذب الهواء والماء بآلة طبيعية ويخرجه بها. وينبغي ان يكون الحد والرسم في كل ما ذكرنا وفي كل ما يسأل عنه فتجيب بما يدل على محدوده ومرسومه كقولك: كل خط اما مستقيم واما معوج وكل ما هو اما مستقيم واما معوج خط، وكل جسم طويل عريض عميق وكل طويل عريض عميق جسم فهذا واجب لكل ما وصفته في كل زمان وكل مكان وعلى كل حال. فإذا اردت ان تحقق فليكن ذلك بلفظ الايجاب ومعناه فانك إذا قلت حار أو قلت بارد فقد أثبت معنى واجبا، واذا اردت ان تنفي فليكن ذلك لفظ النفي ومعناه فانك إذا قلت لا حار فلم تثبت معنى أصلاً بوجه من الوجوه وكذلك إذا قلت لا جسم لا عرض وقد يكون غير الحار باردا وقد يكون معتدلا وقد يكون طبيعة علوية لا يدخل فيها شيء من هذه الصفات. واذا اردت ان تقسم فينبغي لك [٨٣ ظ] التحفظ من مثل هذا بان لا تدع قسما الا حققته إما بحرف النفي فتكفى المؤونة أو بتفتيش الاقسام كلها قسما قسما والنظر هل فيها فاسد أو زائد (١) أو نفي محتمل، ومن ما ذكرنا في شروط وضع حرف النفي في موضعه، واهتم (٢) بالاسماء للمسميات والكلية والجزئية وبالموصوف والصفة والكيفية والكمية والزمان وسائر الشروط فانك ان نظرت نظرا صحيحا ام تخف عليك الحقائق ولا تجاوزت عليك المخارق، وملاك ذلك عون الله اياك وتوفيقه لك. وكمال العلم ليس الا لخالق العلم والعلوم، لا إله إلا هو.
١٨ب - اب الكلام في رتبة الجدال وكيفية المناظرة
الموجبتين إلى معرفة الحقائق
من حكم الجدال ان لا يكون الاثنان (٣) طالبي حقيقة ومريدي بيان اما ان يكون احدهما على يقين من امره ببرهان قاطع لا بايهام نفسه ولا بأمر اقنعها به ويكون الآخر متوهما انه على حق مثبتا لنفسه ما لم يحصل له وكالعامه في
стр. 198
الظلمة خادعا لنفسه مغالطا لعقله أو مغرورا كالحلم لا يدري انه نائم حتى ينتبه. فهذا الذي انه على يقين من أمره ببرهان قاطع يريد ان يوصل إلى مناظره من الحقيقة مثل ما عنده منها ويحاول ان يحل شك هذا الغالط المخالف له أو المغالط ويفصح بسره في المغالطة ويدفع شره. أو يكون احدهما موقنا كما قدمناه، والثاني لم يقف على بيان الحقيقة فهو بيان الحقيقة فهو يطلب الحقيقة والوقوف عليها. فإذا اتفق ان يكون المتناظران هكذا فتلك مناظرة فاضلة حميدة العاقبة يوشك ان تنحل عن خير مضمون أو آخر موفور وهي التي امر الله تعالى بها إذ يقول: ﴿وجادلهم بالتي هي احسن﴾ (١٢٥ النحل: ١٦) واذ يقول تعالى ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ (١٢٥ النحل: ١٦) واذ يقول تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (١١١ البقرة ٢ - ٦٤ النمل: ١٩) ولم يذم قط هذه المناظرة الا سخيف جاهل مذموم الطبع مفسد على الناس قد جعل هذا النفار ستارة دون جهله فلم يقنع بان حرم نفسه الخير حتى سعى في ان يحرمه سواه. وأما إذا كان المتناظران معا غالطين أو كان احدهما جاهلا [٨٤ و] طالبا والثاني غالطا أو مغالطا فتلك مناظرة يكثر فيها الشغب ويعظم النصب ويكثر الصخب ويشتد الغضب ويوشك ان تشتد مضرتها واما المنفعة فلا منفعة؛ وربما كان الجاهل فيها مسارعا إلى قبول ما قرع سمعه دون برهان صحيح فيهلك باعتقاد الباطل وقبوله. واما ان كان عاقلا موقنا فالمضمون له انتقاض البنية بالأسف والغيظ الا انه محمود في نصرة الحق مأجور بذلك ولعله ان ينفع سامعا منه. وملاك ذلك ان لا ينطق بينهما ثالث بكلمة الا ان يرى حيفا ظاهرا فيشهد به والا يقطع احدهما كلام صاحبه حتى يتمه وان لا يطول الكلام منهما لا فائدة فيه وان يفضيا إلى الاختصار الذي لا يقصر عن البيان الموعب. فان اخطأ احدهما واراد الاقالة فذلك له وواجب على الآخر أن يقيله لان المرء ليس قوله جزءا منه لكنه واجب عليه ترك الخطأ إذا عرف انه خطأ فالمانع من الاقالة ظالم مشغب جاهل. وكذلك ان رأى حجته فاسدة فاراد تركها واخذ غيرها فذلك له وهو محسن في ذلك وليس في ذلك انقطاع (١) في القول المناظر عنه؛
стр. 199
والمانع من ذلك جاهل ضيق الباع ن العلم متغفل لخصمه وذلك قبيح جدا. فان تنازعا الكلام أو تنازعا التكلم مثل ان يقول كل واحد منهما: انا اسأل أو يقول كل واحد منهما للآخر: انت السائل فهذا عجز من كليهما وقلة ثقة، اما بالقوة على نصر القول الذي يريد بيانه واما بصحة القول بنفسه؛ فان كان من قلة ثقة بقوة نصره فليتسع في العلم ولا يتعرض للمناظرة حتى يقوى وهو كالجبان لا يحضر القتال فيوهن طائفته؛ فان كان من قلة ثقته بصحة القول فهذا ملوم جدا في الاقامة على قول لا يثق بصحته وواجب عليهما بالجملة الاتفاق على أمر يفتتحان به الكلام.
واما نحن فطريقنا في ذلك تخيير الخصم ان يكون سائلا أو مسئولا فايهما تخير اجبناه، فان رد الخيار الينا اخترنا بأن يكون هو السائل لان هذا العمل هو اكثر قصد الضعفاء وعمدة مرغوبهم وهم يضعفون إذا سئلوا، فنختار حسم أعذارهم وتوفيتهم اقصى مطالبهم التي يظنون انهم فيها اقوى ليكون ذلك اقوى في قطع معالقهم. ثم انه ان بدا له في ذلك واختار ان يسأل أجبناه إلى ذلك أيضاً، إلا اننا لا نقضى بذلك على غيرنا لأنه ليس واجبا فمن تخير ان يكون سائلا واذن له خصمه من ذلك فله ان يسأل وليس ان يتحكم فيترك ذلك [٨٤ ظ] وينتقل إلى ان يكون مسؤولا؛ فان فعل فهذا عجز وخرق في حكم المناظرة ونحن نختار للفاضل ان لا يضايق في ذلك رغبة منا في اظهار الحق، وقلة سرور بالغلبة. وهكذا يجب لكل من اتبع طريقنا. ومن اذن لخصمه في ان يكون السائل فواجب عليه في حكم المناظرة ان يجيب فان لم يفعل فعن ظلم أو جهل الا ان يكون هناك امير مخوف يمنع من البوح بالجواب فلسنا نتكلم مع المخاوف، وإنما المناظرة مع الامن، الا من بذل نفسه لله تعالى وعرف ما يطلب وما يبذل من ذلك فله الفوز ان اراد نصر الاسلام أو الحق فيما اختلف فيه المسلمون فقط. ولا ارى ان ينزل المسلم العاقل عن نفسه، فلا شيء موجود في وقته من الخالق اعز عليه منها ولا أوجب حرمة الا فيما فيه فوزها الابدي فقط، فالعاقل لا يرى لنفسه ثمنا الا الجنة.
ومن سأل فأجابه خصمه فسكت عن المعرضة فهذا مكان قد انقطعت فيه المناظرة التي ابتدآها الا ان تستأنف أخرى، اللهم الامن خوف كما قدمنا، الا ان
стр. 200
يكون المجيب يأتي بما لا يعقل أو بقحة (١) أو مباهتة أو بما هو من غير ما سئل عنه، جهلا أو مكابرة، فمن هذه صفته فسكوت الخصم عن معارضته جواب، الا باخبار بأن الذي اتى به ليس مما هما فيه ويبين الدليل على ذلك فقط، إلا ما كان من ذلك لا يحتاج إلى دليل لوضوحه واستواء السامعين في علمه. والفلج (٢) في المناظرة هو ظهور البرهان الحقيقي فقط وليس انقطاع الخصم فلجا (٣) ، فقد ينقطع جهلا أو خوفا أو لشغل بال طرقه، وكل ذلك ليس قطعا للحق ان كان بيده. وليست شهادة الحاضرين بالغلبة لاحدهما شيئا إذ قد يكونون موافقين في رأيهم لرأيه الذي شهدوا له فسبيلهم وسبيله واحد، والانصاف في الناس قليل. وقد يكونون غير محصلين ما يقولون ولا فهماء بما يسمعون وهذا كثير جدا. واما من انقطع عن معارضة خصمه عجزا عن الجواب لا لخوف مانع فهو المغلوب لا قوله، وان كان ذلك عن حقيقة برهان فهو مغلوب وقوله معا، ولا يضر ماصح من البرهان عجز معتقده عن نصره، ولا يقوى ما لم يصح ببرهان لتمويه من مموه في نصره بالسفطة. والبرهان لا يتعارض أبدا فما صح ببرهان فلا يبطله برهان آخر ابدا الا ان يكون مما يستحيل، كبرهان صح بحياة زيد امس ثم صح اخر بموته اليوم. وهكذا كل ما يمكن تنقله لا ينتقل بشيء مما ذكرنا مما صح [٨٥ و] ببرهان الا برهان آخر، والا فحكم البرهان الأول باق (٤) . ولا ينتقل الشيء عن الامكان إلى الوجوب الا ببرهان، ولا ينتقل بعد الوجوب إلى الامكان الا ببرهان، والمعاندة والمكابرة عار واثم وسخف.
واعلم ان السائل إذا قال لخصمه: ما قولك في كذا؟ فالجواب مفوض إلى المسئول يجيب بما يشاء. واما إذا قال له: امر كذا احق هو؟ فلا بد بان يجيب اما بنعم أو لا، كسائل سأل فقال: ما تقول في الارض كريه ام لا فلا بد له من نعم أو لا. ما تقول في الخمر أحلال ام لا فكذلك أيضاً أو قال له هل الخلاء موجود أو لا فلا بد من نعم أو لا. وكذلك إذا سأل السائل
стр. 201
بتقسيم فقال: ما قولك في كذا وكذا: أكذا أو كذا، مثل قوله: ما تقول في الورد أبارد ام حار ام معتدل؟ وما تقول في كسب الحجام امستحب ام حرام ام مكروه؟ فان كانت الاقسام مستوفاة فلا بد للمسئول من التزام احد تلك الاقسام فان لم يفعل فهو منقطع بالحقيقة، وان كانت غير مستوفاة فالسائل جاهل أو معاند، فان ظهر انقطاع الخصم فالمتقدمون: ليس على السائل بيان الحقيقة، واما نحن فنقول: إن ذلك عليه ومن أبطل حكما ما فعليه أن يبين قوله، فاما ان يدخل في مثل ما أبطل واما أن يجلى الحيرة. وبيان الحقائق فرض وقد اخذ الله تعالى ميثاق العلماء ان يبنوا ما علموه ولا يكتمونه.
واذا استوفى الخصم الاقسام وزاد فيها قسما فاسدا فليس للآخر ان يدع ما هما فيه ويأخذ في الاحتجاج في بيان القسم الزائد الذي زاد لكن يقول له: زدت قسما فاسدا وهو كذا، وإنما ذكرته لك لئلا تور علي فيكون سكوتي عنه عند من لا ينصف مثل اقراري به ولكني استضر بذلك والتزم الاقسام التي ذكرت قسما كذا، وهو الصحيح.
واعلم ان ترك ما هو فيه مع خصمه من المناظرة وخرج إلى مسألة اخرى فجاهل مشغب مقنع (١) كمثل ما شاهدناه كثيرا ممن ترك ما هما بسبيله وجعل يتبع لحن صاحبه في كلامه، ولسنا نقول هذا نصرا للحن وتركا للاشغال بغير ما شرعا فيه وليس للخصم اكثر من ان يعبر عن مراده بما يفهم به خصمه ولا مزيد باي لفظ كان وبأي لغة كان الا اننا نختار الاختصار ولكن نصرا للحق الجامع [٨٥ ظ] لكثير المعان من قليل الألفاظ وسبطها وسهلها وفضيحها لمن قدر على ذلك، والا لا لوم عليه الا في مكان واحد، وهو ان يسأله السائل والمسئول يدري ان السائل يقول بقول يعود به إلى التزام الخصم أو إلى التناقض فجوابه ها هنا بان يقول له: ما تقول انت في كذا أي فاني اقول بقولك فان قال له الذي عورض بهذا: لست اقول ما تظن ولا اقول شيئا ولا أنصر طامعا جوابا وإنما انا طالب برهان ولا عليك من خطأي أنا فانصر قولك أو اقر بالخطأ، فواجب حينئذ ان لا يعارضه بسؤال أصلاً لكن ببرهان يبين به صحة قوله فقط.
стр. 202
وقد يكون الخصم يسامح خصمه في ان يريه الاقرار بفساد قوله ثم يقول له: فدع قولي وهات قولك وبين وجه الصواب. وهذا الفعل خطأ من وجهين: احدهما ان يكون صادقا في اقراره ببطلان قوله ورجوعه عنه وطلبه معرفة الحق فهذا فضل عظيم وفاعله محمودا جدا. والثاني ان يكون قد علم ان خصمه يأتي بمثل ذلك فيريد ان يلزمه مثل ما ألزمه هو ليكف من نفسه شغبه وهذا انصاف. ومثال ذلك ان يقول احد الخصمين: الجدال مكروه فيقول الآخر: فإذا هو مكروه فبأي شيء يوصل عندك إلى معرفة الحق مما اختلف فيه من هو عندك رضا من اهل ملتك؟ هات [ما] عندك ودع الجدال الآن جانبا. وهذا برجع إلى ما قلناه قبل من وجوه اقسام تبطل كلها الا واحدا فيصح ذلك الواحد فان الخصم حينئذ لا بد له من ان يذكر التقليد أو الايهام أو ترك طلب الحق. وكل هذه الوجوه باطل فاسد فإذا بطلت صح الجدال. فهذا الذي قلنا حصر للخصم إلى هذا الوجه من وجوه البرهان فيراجع الحق أو ينقطع اما بسكوت أو بهتان يأتي به.
وقد ذكرنا في باب اقسام المعارف ما يعارض به الخصم الجاهل من اشياء يعدها الجهال (١) حجة وليس حجة أصلاً فواجب ان يكف ضرر جهلهم بها على كل حال.
واعلم ان من الخطأ معارضة الخطأ بالخطأ في المناظرة مثل ان يقول السائل للمسئول. انت تقول كذا لأولم تقول كذا فيقول المجيب: وانت تقول أيضاً كذا أو لأنك انت أيضا تقول كذا، فيأتيه بمثل ما أنكر هو عليه أو أشنع، فهذا كله خطأ فاحش وعار عظيم واقتداء بالخطأ اللهم الا في [٨٦ و] مكانين: احدهما ان يكون القول الذي اعترض به المجيب قولا صحيحا ينتج ما يقول هو فهذا وجه فاضل وقطع للسائل. وذلك كمعتزلي قال الآخر: لم قلت ان الله تعالى خالق الشر؟ فقال لأنك تقول معي ان تعالى خلق جميع العالم من جواهره وأعراضه، والشر عرض، فالله تعالى خالق الشر. فهذه معارضة صحيحة الا ان ظاهر لفظها غير محكم لأنه في الظاهر إنما جعل علة قوله ما يقول قول خصمه بما يقول، فلزمه انه لولا قول خصمه بذلك لم يقل هو بما قال. وهذا خطأ وإنما الصواب ان يقول:
стр. 203
لقيام البرهان على ان الله تعالى خالق الجوهر والعرض ثم يمضي في مسألته. والوجه الثاني هو ان يكون السائل مشغبا يقصد التشنيع والاغراء والتوبيخ ولا يقصد طلب حقيقة فهذا واجب ان يكسر فربه ويردع عيبه بمثل هذا فقط ولا يناظر باكثر من ذلك إذ الغرض كف فقط ولا يكف ضرره بمناظرة صحيحة أصلا فلا شيء أكف لضرره مما ذكرنا.
واعلم انه لا يجوز ان يصحح الشيء بنفسه البتة وجائز ان يبطل بنفسه، ولا تظن ان الاوائل التي منها يؤخذ البرهان صححت بأنفسها فتخطئ بل تلك اشياء قد ذكرنا ان الخلقة صححتها وانه لم يخل ذو الفهم قط من معرفة صحتها. ولا تظن أيضا ان إبطال الشيء بنفسه تصحيح له فتخطئ ولم يبطل بنفسه من اجل انه صحح ابطاله به فكان حينئذ يكون مصححا مبطلا وذلك محال، لكن لما ابطل بنفسه أيقنا انه باطل لأن الحق الصحيح لا يبطل أصلاً ولأنه نقض حكمه فكل ما انتقض فباطل. وليس قول من قال مبطلا للنظر: ان النظر لا يصح الا بالنظر، قولا صحيحا، لأن النظر الذي به تصح الاشياء هو ردها إلى المقدمات الأوائل التي قضى الطبع بصحتها فما رجعت إليها فشهدت له فهو صحيح وما لم يرجع إليها فهو فاسد، فهذا هو النظر الذي به تصح الاشياء لأن النظر إنما يصح بنظر آخر. واذا انقطع الحكم فقد انقطعت المناظرة فلهما حينئذ ان يبتدئا سؤالا ثانيا. وللمنقطع حينئذ ان يقول: انا اسألك سؤالا يتصل بمسألتنا والزمك انك قائل كقولي الذي انكرت علي. وليس للآخر أن يمتنع من ذلك فان امتنع فهذا متسلل ضعيف فان وفى الآخر بشرط فكلاهما ملوم ان لم يرجعا إلى الحق إذا عجز المسئول عن التفريق بين القولين، وكما نلوم من ظهر إليه برهان فتمادى على الباطل ولم يرجع [٨٦ ظ] إلى موجب البرهان، فكذلك نلوم من سارع إلى القبول لما سمع بلا برهان، وكما نحمد من رجع إلى موجب البرهان فكذلك نحمد من ثبت على موجبه ولم يرجع لاقناع سمعه أو سفسطة؛ فان عجز عن كسرهما فحصل لمتناظرين (١) هذه المقدمات حمد من لم يعتقد الا ما اوجبه البرهان فقط.
стр. 204
والتكثير من الادلة قوة وليس عجزا الا جاهل منقطع. وحقق كل ما تسمعه من خصمك ولا تغفله وأقله ان أخطأ ولا تدع مشكلا الا وقفته عليه فإذا استقر سليما من النقص والاشكال فأجب حينئذ. وكل ما تطالب خصمك بذلك فالتزم له مثله سواء سواء. وبين سؤالك سليما عن النقص والاشكال. واياك وادخال ما ليس من المناظرة فهذا من فعل اهل الجنون أو من يريد ان يطيل الكلام حتى ينسي آخره اوله لينسى غلطه وسقطه. وتأمل مقدماته ومقدماتك وعكسك وعكسه ونتائجه ونتائجك فلا ترض لنفسك من خصمك الا بالحق الواضح.
واعلم انه ليس على المرء اكثر من نصر الحق وتبيينه ثم ليس عليه ان يصور للحواس أو في النفوس مالا سبيل إلى تصويره ولا مالا صورة له أصلاً كمن اثبت ان الواحد الأول لا جوهر ولا عرض ولا جسم ولا في زمان ولا في مكان ولا حاملا ولا محمولا فاراد الخصم منه ان يشكل له ذلك فهذا لا يلزم؛ وهذا كأعمى كلف بصيرا ان يصور له الالوان فهذا ما لا سبيل إليه، وهذا تكليف فاسد لا تنقص في العجز عنه على التكليف. واما ما دام ذلك ممكنا فواجب على المكلف بيانه بأقصى ما يقدر عليه. ولقد اخبرني مؤدبي أحمد بن محمد بن عبد الوارث ﵀ أن أباه صور لمولود كان له أعمى ولد أكمه حروف الهجاء أجراما من قير ثم ألمسه اياها حتى وقف على صورها بعقلة وحسه، ثم ألمسه تراكبها وقيام الاشياء منها حتى تشكل الخط وكيف يستبان الكتاب ويقرأ في نفسه ورفع بذلك عنه غصة عظيمة. واما الالوان فلا سبيل إلى ذلك فيها وليس الا بما قام به البرهان وان لم يتشكل في النفس أصلاً.
ولقد امتحنت مرة ببعض اصدقائنا فانه سامنا ان نريه العرض منخولا عن الجوهر قائما بنفسه، وقال لي ان لم ترني ذلك فاني لا اصدق بالعرض. فلست احصي كم مثلث له تربيع ثم تدويره وذهاب [٨٧ و] التربيع وبقاء الطين بحسبه، وحركات المرء من قيامه وقعوده وحمرة الثوب بعد بياضه، فأبى كل ذلك إلا ان أريه العرض مزالا عن الجوهر باقيا بحسبه يراه في غير جوهر، فلا أحصي كم قلت له: إن العرض لو قام بنفسه وكان كما تريد مني لم يكن عرضا وإنما هو
стр. 205
عرض لأنه بخلاف ما تريد، فلج (١) فعدت إلى ان قلت له مهازلا: لو امكنك اخراجي عن كرة العالم فربما كان يمكن حينئذ لو امكن انخزال العرض عن الجوهر ولا سبيل إلى كل ذلك أن تراه في غير جوهر؛ فأما العالم كله كرة مصمتة وجوهرة متصلة متجاوزة الاجزاء لا تخلخل فيها ولا خلل (٢) ، فحتى لو انفصل العرض من جوهر ما وجاز ان يبقى بعد انفصاله عنه لما صار الا في جوهر آخر. فما ردعه هذا الهزء عما هجس في نفسه وفارقته آبيا فما ادري أوفق بعدي لرفض هذا المراد الهائج ام لا. فليس مثل هذا التكليف الفاسد وكون المرء لا تشكل له الحقائق بقادح في البرهان ولا بملتفت إليه. وكفى من ذلك وحسبنا قيام صحة ذلك في النفس بدلالة العقل على أنه حق فقط ولو جاز لكل من لا يتشكل في نفسه شيء ان ينكره لجاز للاخشم أن ينكر الروائح والذي ولد أعمى أن ينكر الألوان ولنا ان ننكر الفيل والزرافة وكل هذا باطل. وإنما يجب على العاقل أن يثبت ما أثبت البرهان ويبطل ما أبطل البرهان ويقف فيما لم يثبته ولا أبطله برهان حتى يلوح له الحق. وكذلك ليس علينا قسر الالسنة إلى الاقرار بالحق لكن علينا قسر النفوس إلى الاقرار به وقطع الالسنة عن المعارضة الصحيحة لعدم وجودها، إذ لا يتعارض البرهان واذا أقمناه فقد أمنا أن يقيمه خصمنا وكذلك أيضاً ان قصر مقصر عن اقامة البرهان على حق يعتقده فذلك لا يضر الحق شيئا. ولا يفرح بهذا من خصمه الا الذي يفرح بالاماني وهو الاحمق المضروب به المثل. ولا تقنع بغفلة خصمك في كل ما يمكن ان يصح قوله فان وجدت حقا ببرهان فارجع إليه ولا تتردد ولا ترض لنفسك ببقاء ساعة آبيا من قبول الحق. وأن وجدت تمويها فبينه ولا تغتر بذهاب خصمك عنه فلعل غيره من أهل مقالته يتفطن لما غاب عنه. هذا ولا تقنع الا بحقيقة الظفر ولا تبال أن قيل عنك انك مبطل فلك فيمن نسب إليه ذلك من المحققين أكرم اسوة من الانبياء ﵈ ومن دونهم. نعم حتى إن كثيرا منهم قتل دفعا [٨٧ ظ] لحقه ونسبا للباطل إليه. ولا تستوحش مع الحق إلى احد فمن كان معه الحق فالخالق تعالى معه. ولا تبال بكثرة خصومك ولا بقدم أزمانهم ولا
стр. 206
بتعظيم الناس إياهم ولا بعدتهم فالحق اكثر منهم واقدم واعز عند كل أحد واولى بالتعظيم.
واذا شئت ان تتيقن فساد مراعاة ما ذكرنا فتأمل اهل كل ملة وكل أمة فانك تجحدهم مطبقين على أسلافهم وصفتهم بكل فضيلة وبكل خير وذم أسلاف من خالفهم. وتأمل كل قول يقال فقد كان القائلون به في أول أمره قليلا، واكثر ذلك يرجع إلى واحد ثم كثر أتباعه. وفتش كل قول قديم تجده قد كان ابن ساعة بعد أن لم يكن، ثم مرت عليه الايام والشهور والسنون والدهور.
واعلم ان مراعاة هذه الأمور من ضعف العقل أو قلة العلم ولا تبال أيضا وان كانوا فضلاء على الحقيقة فقد يخطئ الفاضل ما لم يكن معصوما. ولو ان ذلك الفاضل لاح له ما لاح لك لرجع اليك ولو لم يفعل لكان غير فاضل. واخبرك بحكاية لولا رجاؤها في ان يسهل بها الانصاف عن من لعله ينافر ما ذكرناها وهي أني ناظرت رجلا من اصحابنا في مسألة فعلوته فيها لبكوء كان في لسانه وانتفض المجلس على اني ظاهر، فلما اتيت منزلي حاك في نفسي منها شيء فتطلبتها بعض الكتب فوجدت برهانا صحيحا يبين بطلان قولي وصحة قول خصمي، وكان معي احد اصحابنا ممن شهد ذلك المجلس فعرفته بذلك ثم اني قد علمت على المكان من الكتاب فقال لي ما تريد؟ حمل هذا الكتاب وعرضه على فلان واعلامه بأنه المحقق واني المبطل وأني راجع (١) إلى قوله. فهجم عليه من ذلك أمر مبهت وقال لي: وتسمح نفسك بهذا؟! فقلت له نعم، ولو أمكنني ذلك في وقتي هذا ما أخرته إلى غد.
واعلم أن هذا الفعل يكسبك اجمل الذكر مع تحليك بالانصاف الذي لا شيء يعدله. ولا يكن غرضك ان توهم نفسك أنك غالب أو توهم من حضرك ممن يغتر بك ويثق بحكمك انك غالب وانت بالحقيقة مغلوب، فتكون، فتكون خسيسا وضيعا جدا وسخيفا البتة وساقط الهمة بمنزلة من يوهم نفسه انه ملك مطاع وهو شقي منحوس، أو في نصاب من يقال له انك ابيض مليح وهو أسود مشوه فيحصل مسخرة ومهزأة عند اهل العقول الذين قضاؤهم هو الحق.
стр. 207
واعلم ان من رضي بهذا فهو مغرور (١) سبيله سبيل صاحب الأماني وإنها بضائع النوكى؛ والمغرى بها يلتذ فيها [٨٨و] حتى إذا ثاب إليه عقله ونظر في حاله علم انه في أضاليل وانه ليس في يده شيء.
واياك والالتفات إلى من يتبجح بقدرته في الجدل فيبلغ به الجهل إلى ان يقول: إني قادر على ان اجعل الحق باطلا والباطل حقا فلا تصدق مثل هؤلاء الكذابين فانهم سفلة أرذال أهل كذب وشر ومخرقة.
واعلم انه سبيل إلى ذلك لأحد ولا هو في قوة مخلوق أصلاً والتمويهات كلها قد بينتها لك وهي مضمحلة إذا حصلت وفتشت لم توجد الا دعاو وحماقات. ومن فاحش ما يعرض في هذه السبيل يلوح البرهان للمرء فيحدوه الالف بما قد ألفه من المذاهب إلى أن يقول: لا بد ها هنا حجة برهان تعارض هذا البرهان وان خفيت عني. واعلم ان هذا مغرور شقي جدا لأنه غلب ظنه على يقينه وصدق ما لم يصح عنده وكذب ما صح عنده واثبت ما لعله ان لا يكون وترك حاصلا قد كان؛ وهذا غاية الخذلان ومثله من ترك برهانا قد صح عنده لتمويه لم يتدبره فحمله التهور على اعتقاده.
وبالجملة فالجهل لا خير فيه والعلم إذا لم يستعمله صاحبه فهو اسوأ من الجاهل، وعلمه حجة زائدة عليه. واياك وتقليد الآباء فقد ذم الله ذلك ولو كان محمودا لعذر من وجد آباءه زناة أو سراقا أو على بعض الخلال التي هي اخبث مما ذكرنا ان يقتدي بهم. واياك والاغترار بكثرة صواب الواحد فتقبل له قولة واحدة بلا برهان، فقد نخطر في خلال صوابه بما هو أبين واوضح من كثير مما اصاب فيه. واقنع من خصمك بالجد على أن ينصر قوله ولا تطالبه بالاقرار بالغلبة فليس ذلك من فعال أهل القوة. وهذا باب لا ينتج الا العداوة وان يوصف بلؤم الظفر ولتكن رغبتك في ان تكون محقا عالما في الحقيقة، وان سميت مبطلا جاهلا أحمق مغلوبا، اكثر من رغبتك في ان تسمى محقا عالما عاقلا غالبا وانت في الحقيقة مبطل جاهل مغلوب؛ بل لا ترغب في هذا أصلا واكرهه جدا ولك فيمن وصفه الجهال بذلك قبلك من المرسلين ﵈ والأفاضل
стр. 208
المتقدمون افضل اسوة واكرم قدوة، وكذلك أن توصف بالفستق وانت فاضل خير من ان توصف بالفضل وانت فاسق.
وتحفظ من الخروج من مسألة إلى مسألة قبل تمام الاولى وبيانها (١) فهذا من فعال اهل الجهل.
واحذر مكالمة من ليس مذهبه الا [٨٨ ظ] المضادة والمخالفة أو الصياح والمغالبة، فلا تتعن به ولو أمكنك صرفه عن ضلالة بالوعظ لكان حسنا، فان لم يكن فبالزجر والقدع (٢) فان كان ممتنع الجانب فليجنب كما يجتنب المجنون فأذاه اكثر من أذى المجانين. وتحفظ من الكلام بحيث يتعصب عليك ظلما وتحفظ من أن تجيب نفسك عن خصمك مثل ان تقول له: إن قلت كذا ألزمك كذا فلعله لا يقول ذلك فتخزى، إلا أن يكون مؤلفا، فلا بد لك من إنصاف خصمك وتقصى حججه والا كنت ظالما. وتحفظ ان تقول خصمك ما لم يقل فتكذب. وتحفظ من ان تجيب من لم يسألك فتحصل على الخزي؛ واقل ذلك ان يعرض عنك فكيف إن قال لك: لم اسألك. ولا تتكلم على لسان مناظر غيرك حق يدع الكلام ويبيح لك مناظره ان تكلمه، فأقل ما في هذا يقول لك: انا غني عن نصرك، ويقول له خصمه: انا اقويك به مباركا لك فيه فتخزى جدا. واياك والكلام في علم من العلوم حتى تتبحر فيه إلا على سبيل الاستفهام والتزيد الا ما احسنت منه فقط. واعترف لمن هو أعلم منك فهذا زين لك ولا تبخسه حقه فان تنقصك اياه (٣) [ليس نقصا له] بل هو نقص فيك.
واياك والامتداح بما تحسن واترك ذلك فهو من غيرك فيك أحسن. ولا تحقر احدا حتى تعرف ما عنده فربما فجأك منه ما لم احتسب، وليس ذلك الامن فعل اهل النوك الذين لا يحصلون. واحذر كل من لا ينصف وكل من لا يفهم، ولا تكلم الا من ترجو انصافه وفهمه، وانفق الزمان الذي يمضي ضياعا في مكالمة من لا يفهم ولا ينصف فيما هو أعود عليك تعش غانما سالما من المغالط
стр. 209
وهذان حظان جليلان جدا. واجعل بدل كلامك حمد الله على السلامة من مثل حاله ولا تتكلم الا في ابانة حق واستبانته.
واعلم انه انه لا يقدر أحد على هذه الشروط الا بخصلة واحدة وهي ان يروض نفسه على قلة المبالاة بمدح الناس له أو ذمهم إياه ولكن يجعل وكده طلب الحق لنفسه فقط.
وقد ذكرت الاوائل في صفة المنقطع وجوها نذكرها وهي: منها أن يقصد إبطال الحق أو التشكك فيه ومن هذا النوع ان يحيل في جواب ما يسأل عنه على انه ممتنع غير ممكن. والثاني ان يستعمل البهت والرقاعة والمجاهرة بالباطل ولا يبالي بتناقض قوله ولا بفساد ما ذهب إليه ومن ذلك ان يحكم بحكم ثم ينقضه. والثالث الانتقال من قول وسؤال إلى [٨٩ و] سؤال على سبيل التخليط لا على سبيل الترك والابانة. والرابع ان يستعمل كلاما مستغلقا يظن العاقل انه مملوء حكمة وهو مملوء هذرا. ومن أقرب ما حضرني ذكره حين كتابي هذا الشأن من كتب الناس فكتاب ابي الفرج القاضي المسمى " باللمع " فانه مملوء كلاما معقدا مغلقا لا معنى له الا التناقض والبناء والهدم لما بنى. وفي زماننا من سلك هذه الطريق في كلامه فلعمري لقد أوهم خلقا كثيرا انه ينطق بالحكمة واعمري ان اكثر كلامه ما يفهمه هو فكيف غيره. والخامس ان يحرج خصمه ويلجئه إلى تكرار بلا زيادة فائدة لأنه يرجع إلى الموضوع الذي طرد عنه ويلوذ حواليه ولا تقوى ولا مزيدا اكثر من وصف قوله بلا حجة. والسادس الايهام بالتضاحك والصياح والمحاكاة والتطييب (١) والاستجهال والجفاء وربما بالسب والتكفير واللعن والسفه والقذف بالامهات والآباء وبالحري إن لم يكن لطام وركاض. واكثر هذه المعاني ليست تكاد تجد في اكثر اهل زماننا غيرها. والله المستعان.
والناس في كلامهم الذين فضلوا به على البهائم والذي لولاه كانوا من اشباه الحمير والبقر، على ثلاثة أصناف: فصنف لا يبالي فيما صرف كلامه مبادرا إلى الانكار أو التصديق أو المكابرة أو المكابرة دون تحقيق فان سألته إثر انقضاء كلامه عن
стр. 210
القول الذي نصر دون تحقيق لم يدر ولا عرف من نصر ولا قوله، وهذا هو الأغلب في الناس، وتجد من هذه صفته يضن على أخيه وجاره بزبل منتن عند رجل حماره يبذله لمن ينتفع به وهو أسمح الناس بالنطق الذي بان به عن التيوس والكلاب في غير اجر ولا بر لكن في الباطل والوزر والافساد وان لم يحصل من ذلك ظاهرا الا على تحسن انابيب صدره وتصديع رأسه واحتدام طبعه وان سفه وسفه عليه. وصنف آخر ينصر ما عقد عليه بنيته واعتقده بغير برهان فلا يبالي بما نصره من حق أو باطل أو محال أو مكابرة أو أذى، وكذلك لا تجده اعتقد ما اعتقد إلا إلفا أو تقليدا أو شهوة، دون تحري حق ولا مجانبة باطل، وهؤلاء كثير وهم دون الأولين. وصنف ثالث لا يقصدون الا إلى نصر الحق وقمع الباطل وهؤلاء قليل جدا ولا أعلم في الموجودات شيئا أقل [٨٩ظ] منه البتة، نسأل الله تعالى ان يثبتنا في عددهم ولا يخلينا عن هذه الصفة الكريمة بمنه آمين، فان العاقل ينبغي له أن يبغض نفقة حياته ونطقه اللذين بهما أبانه خالقه عن الجمادات وسائر الحيوانات في غير ما ينتفع بع لمعاده أثر مما يبغض انفاق ماله الذي هو غاد عنه ورائع.
واعلم ان ماذكرنا من الوقوف على الحقائق لا يكون الا بشدة البحث، وشدة البحث لا تكون الا بكثرة المطالعة لجميع الآراء والاقوال والنظر في طبائع الاشياء وسماع حجة كل محتج والنظر فيها والتفتيش، والاشراف على الديانات والنحل والمذاهب والاختيارات واختلاف الناس وقراءة كتبهم، فمن ذم من الجهال ما ذكرنا خالف ربه تعالى، فقد أعلمنا في كتابه المنزل أقوال المختلفين من اهل الجحد القائلين بأن العالم لم يزل، ومن اهل الثنوية، ومن اهل التثليث والملحدين في صفة كل ذلك ليرينا تعالى تناقضهم وفسادهم أقوالهم.
ثم نرجع فنقول: ولا بد لطالب الحقائق من الاطلاع على القرآن ومعانيه ورواية الفاظه وأحكامه وحديث النبي ﷺ وسيره الجامعة لجميع الفضائل المحمودة في الدنيا والموصلة إلى الآخرة. ولا بد مع ذلك من مطالعة الاخبار القديمة والحديثة والاشراف على قسم البلاد ومعرفة الهيئة والوقوف على اللغة التي تقرأ الكتب المترجمة بها والتحري في وجوده المستعمل منها ولا بد له من مطالعة النحو ويكفيه
стр. 211
منه ما يصل به إلى اختلاف المعاني بما يقف عليه من اختلاف الحركات في الألفاظ ومواضع الاعراب منها، وهذا مجموع في كتاب " الجمل " لأبي القاسم عبد الرحمن بن [اسحاق] الزجاجي الدمشقي. واما كل ما تقدم فليستكثر منه ما امكنه ولذلك حدان: حد هو الغاية وحد هو الذي لا ينبغي ان يقتصر على اقل منه. فالحد الاكبر هو الاتخلو من النظر في العلوم التي قدمنا الا في أوقات اداء الفرائض والنظر فيما لا بدلك منه من المعاش وترك كل ما يمكن ان تستغني عنه من أمور الدنيا. واعلم ان نظرك في العلوم على نية ادراك الحقائق في انكار الباطل ونصر الحق وتعليمه للناس وهدي الجاهل ومعرفة ما تدين به خالقك لئلا تعبده على جهل فتخطئ اكثر مما تصيب من ملة الله تعالى ونحلة الحق والمذهب المصيب في اداء ما تعبدك به تعالى [٩٠و] ونفعك الناس في اديانهم وابدانهم وتدبير امورهم وانقاذ احكامهم وسياستهم، وتبصير من يتولى شيئا من ذلك وتعديل طبعه ونصيحته في ذلك بالحق وتفهيمه وتقبيح القبيح لديه، افضل عند الله من كل ما يتقرب به إلى الله واعظم أجرا واعود عليك من كل ما تكسبه بعد ما لا قوام لجسمك وعينك الا به مما لعلك تتركه لمن لو شاهدت فعله فيه بعدك لغاظك، ومن كل جاه لعله لا يكسبك الا الاثم والخوف والتعب والغيظ، واعلم ان ذلك اعظم ثوابا وافضل عاقبة واكثر منفعة من صلتك الناس بالدنانير والدراهم؛ وضرر الجهل والخطأ أشد واعظم من ضرر الفقر والخمول.
واعلم انك لا تورث العلو الا من يكسبك الحسنات وانت ميت، والذكر الطيب وانت رميم، ولا يذكرك الا بكل جميل. ولا تورثه بعدك ولا تصحب في حياتك في طريقه الا كل فاضل، وليست تصحب في طلب المال والجاه الا اشباه الثعالب والذئاب. واحدثك في ذلك بما نرجو ان ينتفع بع قارئه ان شاء الله تعالى، ذلك اني كنت معتقلا في يد الملقب بالمستكفي محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر في مطبق وكنت لا أومن قتله لأنه كان سلطانا جائرا ظالما عاديا قليل الدين كثير الجهل غبر مأمون ولا متثبت، وكان ذنبنا عنده صحبتنا للمستظهر رضي الله عنه
стр. 212
وكان العيارون قد انتزوا بهذا الخاسر على المستظهر فقتله، واستولى على الامر واعتقلنا حيث ذكرنا. وكنت مفكرا في مسألة عويصة من كليات الجمل التي تقع تحتها معان عظيمة كثر فيها الشغب قديما وحديثا في احكام الديانة وهي متصرفة الفروع في جميع ابواب الفقه، فطالت فكرتي فيها أياما وليالي إلى ان لاح لي وجه البيان فيها وصح لي وحق يقينا في حكمها وانبلج، وانا في الحال الذي وصفت فبالله الذي لا اله الا هو الخالق مدبر الامور كلها اقسم، الذي لا يجوز القسم بسواه، لقد كان سروري يومئذ وانا في تلك الحال بظفري بالحق فيما كنت مشغول البال به واشراق الصواب لي اشد من سروري باطلاقي مما كنت فيه، وما الفنا كتابنا هذا وكثيرا مما ألفنا الا ونحن مغربون مبعدون عن الوطن والاهل والولد، مخافون مع ذلك في انفسنا ظلما وعدوانا، لا نستر هذا بل نعلنه، ولا نمكن الطالب إبطال قولنا في ذلك، إلى الله نشكو، واياه نستحكم لا سواه، لا اله الا هو.
واما الحد الاصغر الذي ينبغي للعاقل ان [٩٠ ظ] [لا] يقصر دونه فلينظر الوقت الذي ينفرد به للفضول من الحديث الذي لا يجزي مع جيرانه أو القعود متبطلا بلا شغل لا من عمل اخرى ولا من عمل دنيا، أو حين مشيه في الارض مرحا، وقد نهاه خالقه عن ذلك، فليجعل هذه الاوقات للتعلم والنظر في العلوم التي قدمنا ورياضة طبعه على العدل الذي هو رأس كل فضيلة، فان العدل يقتضى ان لا يميل لقول على قول الا ببرهان واضح، ويقتضى له أيضاً ان لا يشتغل بالادنى ويترك الافضل، فانه ان فعل هكذا اوشك ان يظفر بما فيه الفوز في الدارين. واما الاوقات التي يشتغل فيها اهل الجهل اما بالذات بالمعاصي واما بظلم الناس في اموالهم واليعي بالفساد في سياستهم والنيل من اعراضهم والجور عليهم، فان اشتغالهم بالامراض المؤلمة لانفسهم المؤذية لابدانهم أعود عليهم من ذلك وافضل فكيف الاشتغال بالعلوم المؤدية إلى خير الدنيا وفوز الآخرة؟ وقد قال الواحد الأول: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (٢٨ فاطر: ٣) وقال رسول الله ﷺ " من يرد الله به خيرا يفقه في الدين " ولا فقه الا بمعرفة ما ذكرنا
стр. 213
والاشراف عليه. فمن حرم ما ذكرت فما أخوفنا عليه ان يكون الله لم يرد به خيرا، نعوذ بالله من ذلك لأنفسنا ولابنائنا ولاخواننا واهل الخير والفضل، وما توفيقنا إلا بالله .
واعلم ان من فضل العلم والاكباب على طلبه والعمل بموجبه انك تحصل على طرد الهم الذي هو الغرض الجامع لجميع المقاصد من كل قاصد اولها عن آخرها وبالله تعالى التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل لا اله الا هو.
١٩ - باب كيفية اخذ المقدمات من العلوم
الظاهرة عند الناس بايجاز
العلوم الدائرة بين الناس اليوم المقصودة اثنا عشر علما، وينتج علمان زائدان، وهذه الرتبة هي غير الرتبة التي كانت عند المتقدمين، ولكن إنما نتكلم على ما ينفع به الناس في كل زمان مما يتصلون به إلى مطلوبهم من ادراك العلوم بحول الله تعالى وقوته. فالعلوم التي ذكرنا: علم القرآن. وعلم الحديث. وعلم المذاهب. وعلم الفتيا. وعلم المنطق. وعلم النحو. وعلم اللغة. وعلم الشعر. وعلم الخبر. وعلم الطب. وعلم العدد. وعلم الهندسة. وعلم النجوم. وينتج من هذه علوم العبارة وعلم البلاغة.
فاما علم القرآن فينقسم أقساما [٩١و] وهي علم قراءاته واعرابه وغريبه وتفسيره واحكامه؛ فالرجوع إليه من علم قراءات القرآن ومقدمات مقبولة راجعة إلى قراء مرضيين معلومين، راجعة إلى النبي ﷺ الذي قامت البراهين على صحة نقلها عنه وعلى صحة ثبوته. واما اعرابه فهو مقدمة صحيحة فيه إذا اخذ اللفظ فيه على حركات ما وهيئة ما فهو أصل مرجوع إليه. واما لغته فالمعهود منها في اللغة العربية. واما احكامه فالى مفهوم ألفاظها والى بيان النبي ﷺ لها. واما الحديث فينقسم قسمين: علم رواته وعلم احكامه. فاما رواته فالمرجع إليه فيهم مقدمات منقولة عن ثقات شهدوا عليهم بالعدالة والحجة والشهادة مأخوذة من القرآن الذي ذكرنا صحته. وأما احكامه فالى مفهوم ألفاظها والى [دلالة] بعضها على بعض، على ما قد شرحنا في غير هذا المكان.
стр. 214
وأما علم المذهب فما كان منها خارجا عن الملة الإسلامية فالى مقدمات راجعة إلى أوائل العقل والحس ماذكرنا في كتاب " الفصل ".
وأما علم المنطق فقد بيناه في هذا الديوان وهو العبارة على كل علم.
وأما علم الفتيا فالى مقدمات مأخوذة من القرآن والحديث اللذين صحا بالبراهين، والى اجماع العلماء الأفاضل الذي صح بالقرآن على ما بينا في سائر كتبنا. س
واما علم النحو فإلى مقدمات محفوظة عن العرب الذين تزيد معرفة تفهمهم (١) للمعاني يبلغتهم؛ واما العلل فيه ففاسدة جدا.
واما علم اللغة فالى ما سمع أيضاً من العرب بنقل الثقات المقبولين لن هذه لغتهم.
واما علم الشعر فالى ما سمع أيضا من استعمالهم في الأوزان خاصة دون كل وزن يستعمل عند غيرهم، إذ إنما يسمى الناس شعرا ما ضمنته الاعاريض فقط التي ذكر النديم في كتابه. واما في مستحسنه ومستقبحه فالى أشياء اصطلح عليها اهل الاكثار من روايته والاكباب على تفتيش معانيه من لفظ عذب سهل ومعنى جامع للحسن واصابة تشبيه وكناية مليحة ونظم بديع.
واما علم الخبر فالى مقدمات قد اضطر تواتر النقل إلى الاقرار بصحتها من كون البلاد المشهورة والملوك المعلومين ووقائعهم وسائر اخبارهم مما لا شك فيه.
واما علم الطب فالى مقدمات صححتها التجربة اوما بدا وظهر من قوى الامراض وما يولدها عن اضطراب المزاج ومقابلة ذلك بقوى الادوية [٩١ ظ] وذلك كله راجع إلى اوائل العقل والحس.
واما علم العدد والهندسة فمقدماته من أوائل العقل كلها.
واما علم النجوم فينقسم قسمين: أحدهما هيئة الأفلاك وقطع الكواكب والشمس والقمر والسماوات وأقسام الفلك ومراكزها. فهذا القسم مقدماته راجعة إلى العدد والهندسة وأوائل العقل والحس. والقسم الثاني القضايا الكائنة بنصب انتقال الكوكب والشمس والقمر في البروج ومقابلة بعضها بعضا، فان صححت التجربة شيئا من ذلك صدق، والا فليس هناك الا أقوال عن قوم متقدمين فقط.
стр. 215
واما علم البلاغة فعلى ما نذكره في بابها ان شاء الله .
واما علم العبارة فالى اشياء رويت عن رسول الله ﷺ وعن افاضل اهل هذا العلم. وملاك هذين العلمين التوسع في جميع العلوم مع الطبع والموافقة في اصل الخلقة.
وقد انتهينا إلى ما أردنا من احكام القول في البرهان وتوابعه وما تشبه به مما ليس ببرهان.
والحمد لله رب العالمين كثيرا لا شريك له وحسبنا الله ونعم الوكيل