قال: ومدينتنا بلغي من شرقي ثغور الأندلس وما بعدها مدينة يوحد الله فيها ملاصقة الأفرنج، وكان شيخاً صالحاً ومقرئاً محققاً.
- ٧٢ -
توفي صديقنا أبو عبد الله محمد بن فرج بن عبد الله الأندلسي المعروف بابن أبي سعيد في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وكان من أهل الحديث، سمع ببغداد على نفر من شيوخنا كابن البطر وابن الطيوري وأبي زكريا اللغوي وغيرهم، وحدث بكتاب أبي عيسى الترمذي عن ابن الطيوري، وقد شهد بالإسكندرية وانتفع به، ومولده دانية من مدن الأندلس.
قال لي: قرأت بها على أبي الحسن الحصري وآخرين، ومن جملة ما أرويه عن الحصري المعشرات التي له، وأنشدني من أولها أبياتاً من حفظه.
стр. 107
- ٧٣ -
سمعت (١) أبا عبد الله محمد بن الحسن بن سعد (٢) المقرئ الداني، قدم علينا الثغر، قال: سمعت عبد العزيز بن عبد الملك المقرئ بالأندلس، يقول: أملى الحسن الحصري القروي سائلاً قراء الأندلس والمغرب:
سألتكم يا مقرئي الغرب كله ... وما لسؤال الحبر عن علمه بد
بحرفين مدوا ذا وما المد أصله ... وذا لم يمدوه ومن أصله المد
وقد جمعا في كلمة مستبينة ... على مثلكم تخفى ومن مثلكم تبدو قال أبو عبد الله: هما قوله " سواءتهما " و " سواءتكم "
стр. 108
أبو عبد الله (١) هذا مقرئ كامل مشهور بالأندلس بالمعرفة، ويعرف بابن غلام الفرس، ومن شيوخه في القراءات أبو الحسن ابن البياز القرطبي وأبو الحسن بن الدش الشاطبي وأبو داود المؤيدي وآخرون، وأجاز هؤلاء الثلاثة له جميع رواياتهم وتواليفهم. وقرأ اللغة والآداب على مالك العتبي وابن العواد بقطربة، وبها تفقه، وسمع علي الحديث الكثير وكتب، ومن جملة ذلك كتاب " المحتسب " لابن جني وكتبه، قال: لم أره بالأندلس مع جدي في طلبه.
стр. 109
- ٧٤ -
سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الرزاق بن يوسف الحمصي، حمص الأندلس، وكان ثقة ومن أهل المعرفة بالحديث يقول: جرى بيني وبين صاحب لنا أندلسي كلام في الفرق بين صاحب الحديث وصاحب الكلام، فرأيت تلك الليلة فيما يرى النائم كأن رجلاً من أهل الحديث أعرفه باسمه، قاعد على سرير وعليه ثياب فاخرة، وبين يديه رجل من المتكلمين على الأرض بفرد عين، وهو يتكلم معه ويغلبه، فانتبهت وحمدت الله تعالى، وعلمت أن الحق مع أصحاب الحديث.
أبو عبد الله هذا من أهل العلم وله أنس تام بالحديث ورجاله وقرأ علي كثيراً وكتبن وعلى ابن الحطاب وابن المشرف، ورجع إلى الأندلس وأنتفع به وبروايته هناك، نفعه الله بذلك في الدنيا والآخرة، وإيانا.
стр. 110
- ٧٥ -
قال ابن عبد الرزاق (١) وأنشدني أبو الحسن علي بن الأخضر التنوخي النحوي بحمص الأندلس، قال أنشدني أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ لنفسه:
من لم ير العلم أعلى ... من كل شيء يصاب
فليس يفلح حتى ... يحثى عليه التراب وبعد أن أنشدني ابن عبد الرزاق هذين البيتين كتب إليّ شريح ابن محمد بن شريح الرعيني من الأندلس قال: أنبأناه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري لنفسه....
стр. 111
- ٧٦ -
أنشدني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى بن وضاح المرسي بالثغر قال أنشدني أبو جعفر أحمد بن مسلمة بن محمد بن وضاح الأديب بالأندلس، لنفسه:
ولما مر ليس لغير قتلي ... وقد ملئت ملاءته مراحا
لوى أعطافه عني وخلى ... ذوائبه يلاعبن الرياحا وأنشدني لنفسه:
ولما مر للميداني أضحى ... يعلم لحظه شق الصفوف
لوى أعطافه قبل العوالي ... وشق جفونه قبل السيوف قال وأنشدني لنفسه في لابس ثوب أحمر:
ومروع من لحظ رامقه ... إن الظباء تروعها الإنس
في حلة حمراء تحسبها ... خجلت على أعطافها الشمس
стр. 112
ابن وضاح هذا قدم المشرق حاجاً وطالباً للعلم، وكان من أظرف الناس وأحسنهم أدباً، وكتب عني كثيراً وسمع بقراءتي على شيوخ الإسكندرية جملة صالحة، ورجع إلى الأندلس وانتفع به وبما رواه وتوفي على ما حكاه لي عمر بن عيسون الأنصاري سنة أربعين وخمسمائة بالإسكندرية.
وقد رأيت في تأليف لختنه أبي الحجاج بن الدباغ رواية عنه عني، وكان أبو الحجاج من الحفاظ ﵀، وبيني وبينه مكاتبات في شيوخ الحديث بالأندلس.
стр. 113
- ٧٧ -
أنشدني أبو عبد الله بن علي بن ظنة السهمي الأندلسي بالثغر قال أنشدني القاضي أبو الفضل جعفر بن محمد بن يوسف الأعلم (١) لنفسه بالأندلس:
عزفت عزوف وأنكرت لما بدا ... برد برأسي للمشيب مفوف
وتميزت وقد استرابت قولها ... فاحمر وضاح وغمض أو طف
ما حل وفد الشيب ساحة معشر ... إلا تنكر منهم ما يعرف
стр. 114
إن انكرت شيبي فليس بمنكر ... ماء الفرند بصفحتيه المرهف
والروض لا يغتم في أوطانه ... إلا إذا ولى الربيع الصيف أبو عبد الله هذا من أهل الأدب البارع والشعر الرائع، قدم الثغر وكتب عني من الحديث جملة صالحة، وله إليّ قصائد ومقطعات كثيرة وحج وكتب بمكة، وكان من أذكى الناس وبلغني أنه توفي وقت توجهه إلى المغرب قبل وصوله إلى وطنه.
وهو محمد بن علي بن ظنه وربما كتب بالذال بدلاً عن الظاء وهو اسم رومي وتفسيره " سيد " وقد يكتب بواو بين الظاء والنون، فيقال أو ذونه، وهو الأكثر الأشهر ...
وقد علقت عنه جملة من أشعار متأخري شعراء الأندلس الذين رآهم، وجعفر الذي أنشدني عنه هذا المقطوع هو حفيد أبي الحجاج الأعلم، علم العلم في عصره بقرطبة نحواً ولغة ومعرفة بأنواع الأدب، وحفيده جعفر كذلك يشار إليه في فنون الأدب، وكان قاضي بلده
стр. 115
وأنشدني لنفسه يبعني ابن ظنه بعد أن قرأ علي مشكل القرآن لابن قتيبة:
إن كنت ترغب في اتباع السنة ... فارغب؟ فديتك؟ عن طريق البدعة
واسلك طريقي فاضلين هما إلى ... ما أبتغيه من الديانة بغيتي
الرأي يعزى والحديث لمالك ... والنحو والآداب لابن قتيبة
стр. 116
- ٧٨ -
سمعت أبا بكر محمد بن الحسين بن يحيى الأنصاري الميرقي (١) الأصم بالإسكندرية وكان من أهل المعرفة بالحديث يقول: ابن العنان الأندلسي منسوب إلى عمل الأعنة، وكذلك ابن الرسان إلى عمل الأرسان.
وسمعته يقول (٢) : الزاب الكبير منه بسكره وتوزر وقسطيلية وطولقة وقفصة ونفزاوة ونفطه وبادس.
قال: وبقرب فاس على البحر مدينة يقال لها بادس؛ والزاب الصغير يقال له ريغ؟ كلمة بالبربرية ومعناها السبخة فمن يكون منها يقال له الريغي.
стр. 117
الميرقي هذا صحح الصحاح على ابن سكرة بالأندلس، وكان يقوم بها، ونسخته معه أينما توجه، وسمع غلي وعلى غيري، وكان ذكياً متفنناً، رجع إلى المغرب ومات هناك، ﵀، ببجاية، ومولده بميرقة، وكان ظاهري المذهب.
- ٧٩ -
أنشدني أبو عمران موسى بن محمد بن خطاب الكندي السبتي بديار مصر أنشدنا أبو بحر يوسف بن عبد الصمد الخولاني الأندلسي (١) بسبتة لنفسه من قصيدة طويلة طائلة:
لئن مطلتني الليالي بوعد ... فكم أمسك الغيث ثم انهمل
وإن نلت من بعد لأي مراداً ... فما أحسن الحلى بعد العطل
وقد يمكن الوصل بعد الصدود ... وقد يدرك الأمن بعد الأجل
стр. 118
وتمرض تصح ثم الجسوم ... وتصعب ثم تزول العلل
ولابد للريح من أن تهب ... ولابد للروض من أن يطل أبو عمران قد كان من أعيان العدوة بالمغرب، وقد زوجه مروان ابن سمحون اللواتي الطنجي ابنته، وسمع الحديث عليه وعلى أبي إسحاق الفاسي؛ وأنشدنا مقطعات مثيرة من شعر المغاربة الذين رآهم كأبي الحسن علي بن بياع السبتي والمرادي المتكلم وأبي بحر الخولاني الأندلسي. سمع كثيراً طول إقامته بالثغر، وكان شيخاً موقراً حسن الأدب، آثار الرياسة بينة عليهن ورجع إلى المغرب وهناك توفي، ﵀.
стр. 119
- ٨٠ -
أنشدني أبو الفضل المبارك بن جعفر الطبيب الأندلسي بديار مصر أنشدني أبو القاسم خلف بن الفرج اللبيري المعروف بالسميسير الشاعر لنفسه بالأندلس (١) :
تحفظ عن ثيابك ثم صنها ... وإلا سوف تلبسها حدادا
وظن بسائر الأجناس خيراً ... وأما بابن آدم (٢) فالبعادا المبارك هذا كان من الأطباء والحكماء وفي الدين متابعاً للعلماء، مات بالإسكندرية ﵀.
стр. 120
- ٨١ -
أنشدني أبو مروان مبشر بن عبد الله الطبيب الأندلسي بالإسكندرية للأديب غانم بن الوليد المخزومي الاشوني (١) - وأشونة حصن من نظر قرطبة بالأندلس:
ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل عنهم كل ركب وهم معي
فيبكي دماً طرفي وهم في سواده ... ويشكو جوى قلبي وهم بين أضلعي (٢)
стр. 121
المبشر بن محمود هذا توفي في أواخر سنة تسع وأربعين وخمسمائة بثغر تنيس، وكان من أحسن الناس تلاوة للقرآن، قدم علينا الإسكندرية وسمع علي كثيراً وعلى غيري، وسمعت عليه جزءاً سمعه على ابن أبي داود الفارسي بمصر عن ابن نظيف الفراء، وقد كتب وقرأ على شيوخ مصر وغيرها القرآن بروايات، والحديث ﵀.
стр. 122
- ٨٢ -
سمعت مكية بنت عمر بن هاني التجيبي الأندلسي بالإسكندرية تقول: سمعت الحكيم أبا عبد الله الأشقر الطبيب بالمرية من مدن الأندلس يقول: من أكل الخبز بالزبيب لم يحتج أبداً إلى طبيب.
مكية هذه امرأة صالحة كبيرة السن، قدمت الإسكندرية راغبة في الحج، وكانت تأوي عندنا إلى أن توجهت إلى الحجاز، وانقطع عنا خبرها، ثم بلغنا أنها حجت وتوفيت بعد قفولها من الحجاز بمدينة قوص من الصعيد الأعلى.
стр. 123
- ٨٣ -
سمعت أبا حبيب نصر بن أبي القاسم بن نصر بن عمران الخزرجي الغرناطي بالإسكندرية، يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد المؤمن القاضي بالأندلس يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن فرج الطلاعي بقرطبة، وروى لنا قول النبي ﷺ الذي في الموطأ: " الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر " فقال: الخيول ثلاثة: فرس الرحمان وفرس الإنسان وفرس الشيطان، فالذي للرحمان فرس الغازي في سبيل الله المجاهد في الكفار، وفرس الإنسان الذي يتصرف عليه في حوائجه، بالليل والنهار، وفرس الشيطان ما يربط للزينة والافتخار لا التقرب إلى الجبار.
أبو حبيب هذا أندلسي وفد علينا الإسكندرية وقرا علي كتاب السيرة لابن هشام، وقابل نسخته بأصلي، ومسند الموطأ للجوهري، وغير ذلك، سنة ثلاثين وخمسمائة، وكان رجل الجد، ليس للهزل
стр. 124
عنده شيء، ويحفظ كثيراً من متون الحديث ومسائل الفقه ورجع إلى الأندلس بعد قضاء فرضه وانقطع عني خبره، وكانت همته مصروفة إلى طلب الحديث.
- ٨٤ -
أنشدني أبو الحسن نفيس بن عبد الخالق بن محمد الهاشمي القشبي (١) المقرئ بالإسكندرية بعد رجوعه من الحجاز وتوجهه إلى الأندلس؟ وقشب حصن من نظر سرقسطة؟ قال: أنشدني أبو حفص القرطبي بالأندلس ولم يسم قائله:
أفوض إن أراد الله أمراً ... وأترك ما أريد لما يريد
وما لإرادتي معنى إذا ما ... أراد الله بي ما لا أريد
стр. 125
نفيس هذا رجل دين من أهل القرآن والمعرفة بالقراءات، وقد قرأ بالأندلس والحجاز على شيوخ، وسمع الحديث، وقرأ عليّ رسالة ابن أبي زيد وغيرها بعد رجوعه من مكة وتوجهه إلى الأندلس، وكان قد جاور بمكة مدة.
- ٨٥ -
سمعت (١) أبا الحسين هبة الله بن علي بن الحسن الكاتب الفرضي بمصر يقول: سمعت أبا القاسم علي بن جعفر بن علي اللغوي الصقلي (٢) يقول: كتب إليّ أبو الفضل يوسف بن حسداي الهاروني (٣) الوزير بسرقسطة من مدن الأندلس حين دخلتها:
стр. 126
أعيذك بالله من فاضل ... أريب تداهي على صحبه
فأعرض محتقراً برهم ... وكل تنافس في جلبه
فلما أذاع لدينا سرا ... ئر ما كان أودع في قلبه
جلا كل معجزةٍ من نظيم ... لآلئه وحلى عصبه
فهل جاز سمعاً ولم يلهه ... ومر بقلبٍ ولم يصبه فأجبته مرتجلاً:
بدأت بفضل أتاه الكريم ... ولا غرو منك ابتداء به
لأنك مغرىً بفعل الجميل ... مهين لما عز في كسبه
стр. 127
أتتني أبياتك الرائقات ... بشأو بعيد على قربة
ونظمٍ حكى النظم في أفقه ... وخلى له الجدي عن قطبه
فأنطقني حسنه واجترأت ... وقلت من الشعر في ضربه
وعولت فيه على فضله ... وما خصه الله من إربه
стр. 128
- ٨٦ -
أنشدني أبو الوليد هشام بن عيسى بن محمد اليحصبي القرطبي بمصر قال أنشدني أبو الحسين سراج بن عبد الملك بن سراج الوزير اللغوي العلامة (١) بقرطبة لنفسه:
لما تبوأ من فؤادي منزلاً ... وغدا يسلط مقلتيه عليه
ناديته مسترحماً من زفرةٍ ... أفضت بأسرار الضمير إليه
رفقاً بمنزلك الذي تحتله ... يا من يخرب بيته بيديه
стр. 129
أبو الوليد هشام بنت عيسى هذا من وجوه أهل الأندلس، ومن بيت كبير مشهور بالرياسة وجده كان صاحب الأحكام بقرطبة، واجداده كانوا رؤساء نبهاء لا فقهاء، وهو كان نبيهاً فقيهاً، وقد سمع علي لما قدم مصر للحج كثيراً، وقبل ذلك على أبي محمد بن عتاب وصهره أبي الحسين ابن سراج العلامة وغيرهما بقرطبة، وتوجه إلى الحجاز وجاور بمكة والمدينة مدة إلى أن توفي؟ ﵀؟ هناك، ويعرف بالحفيد، وكان قد ترك الدنيا عن قدرة.
قال لي أبو بكر يحيى بن محمد بن غزوان القيسي القرطبي بالإسكندرية: ما كنا نظن أن أحداً يترك ما ترك الحفيد من الدنيا ويختار الآخرة عليه، والله ما خرج إلا من ملك الدار العظيمة التي ليس لها بقرطبة، دار الملك بالأندلس، نظير، والأملاك الطائلة، ﵀ رحمة واسعة.
وقال لي إبراهيم بن المتقن الشبتي: لم يشرب الحفيد طول مقامه بمكة إلا من ماء زمز، ولم يمش في المسجد الحرام منتعلاً قط.
стр. 130
وقال لي عبد الرحمنن بن إبراهيم بن خاطب الباجي: توفي الحفيد بالمدينة سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.
وقال لي أبو عبد الله محمد بن عبيد الميري بعد رجوعه من الحجاز: زار الوليد الحفيد معنا ماشياً من مكة إلى المدينة، وحمله معه، فسألناه في الركوب فأبى وقال: والله لا ركبت من بيت ربي إلى تربة نبيي ﷺ ولا كنت إلا ماشياً.
стр. 131
- ٨٧ -
أنشدني أبو الحسن هانئ بن عبد الرحمن بن هانئ اللخمي الغرناطي (١) بمصر، قال: أنشدني أبو عمرو عثمان بن عمرده الالبيري بغرناطة، قال أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود الفقيه الالبيري (٢) لنفسيه:
لا شيء أخسر صفقةً من عالمٍ ... لعبت به الدنيا مع الجهال
стр. 132
فغدا يفرق دينه أيدي سبا ... ويزيله حرصاً لجمع المال
من لا يراقب ربه ويخافه ... (١) تبت يداه وما له من وال هانئ هذا من أعيان رؤساء بلده بالأندلس وفقهائها قدم مصر حاجاً، وكان يحضر عندي لسماع الحديث، وكتب عني غير جزء، واستنشدته فأنشدني مقطعات ظريفة، من جملتها ما تقدم.
стр. 133
- ٨٨ -
أبو الحسن الوليد بن الموفق بن أبي شداد الازدي البسطي كهل من أهل الأندلس مالكي المذهب، سمع عليّ وعلى نفر من شيوخ الإسكندرية، وكان يتفقه على أبي بكر الطرطوشي، علقت عنه فوائد ثم رجع إلى بسطة (١) بلده سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وانقطع عنا خبره.
- ٨٩ -
أنشدني أبو مروان الوليد بن إسماعيل بن صبرة الغافقي الدروقي، قدم علينا الثغر، قال: أنشدني أبو العرب مصعب بن محمد بن أبي
стр. 134
الفرات الصقلي لنفسه بالأندلس (١) :
وكم سهم بغيٍ لم أخف أن يصيبني ... أصيب به ممن رماني به النحر
ولم يعد [ني] حفظ الاله ولطفه ... وليداً وكهلاً لو وفى بهما الشكر أبو مروان هذا من قدماء الشعراء ونبلاء الأدباء مدح الملوك، بالمغرب وعلقت عنه شيئاً من شعر أبي العرب ومن شعره هو، ومدحني بقصائد ﵀، ومما أنشدني من شعره على لسان القوس:
أنا القوس قبل النزع أبدو كأنني ... هلال وعند النزع بدر تمام
فبي تدرك الأرواح يوم كريهةٍ ... إذا بعدت عن ذابلٍ وحسام
стр. 135
وأن رد عن روحٍ حساماً وذابلاً ... دلاص فما تستطع رد سهام
كأن سهامي لحظ عفراء في الوغى ... وكل رمي عروة بن حزام - ٩٠ -
سمعت أبا بكر يحيى بن محمد بن هانئ الثعلبي الغرناطي بالثغر يقول: رأيت رجلاً من أصحابنا في المقام بعد موته وسألته عن أبي الحسن بن الباذش المقرئ فقال: لا تشك انه من أهل الجنة.
ابن هانئ قدم الثغر وكتب عني كثيراً وهو من أعيان الأندلسيين بيتاً وعلماً.
وفي أخرى: أبو بكر يحيى بن محمد بن هانئ بن ذي النون بن محمد
стр. 136
ابن سعيد بن عمر الثعلبي أندلسي من أعيان أهل غرناطة بيتاً وعلماً، سمع بها أبا الوليد بن بقوة، وبقرطبة أبا بحر البلنسي، وكتب بمكة عن نفر من المتأخرين، وكان يحضر عندي بالإسكندرية، ويقرأ ما يكتبه، ورأيته مجتهداً بطاشاً قادراً على الكتابة، سمع بمصر أيضاً، والله ينفعه بذلك، ورجع إلى الأندلس وانقطع عني خبره.
стр. 137
- ٩٢ -
قال لي أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن خيرة الدروقي المقرئ بالإسكندرية (١) : أجاز لي أبو محمد عبد الله محمد بن إسماعيل القاضي بسرقسطة جميع مروياته ومن جملة شيوخه أبو عمر الطلمنكي، أجاز له في صغره. (ونسبته مستفادة مع الدورقي (٢)) . وسألته عن مولده فقال سنة أربع وستين واربعمائة بدورية، وقرأت القرآن على أبي الحسين يحيى بن إبراهيم بن البيار القرطبي بمرسية، ولم أر أعلى إسناداً منه، وعلى أبي الحسن سعيد بن محمد قوطة الحجاري بمدينة سالم، وعلى أبي زكريا يحيى بن محمد بن حسان القلعي بقلعة أيوب، وعلى أبي زيد عبد الرحمن بن سعد بن هارون الفهمي المعروف
стр. 138
بابن الوراق بسرقسطة، وغيرهم. ثم انتقلت من الأندلس إلى العدوة، وجدي من موالي بني أمية وذكر لي هذا كله عند قدومه الإسكندرية سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وكان يحضر عندي الحديث وفي المواعيد الجمعية، ويعظ بعد فراغ المجلس، ويتلو القرآن تلاوة حسنة.
وقال أبو العباس الغافقي الجرار؟ وهو الذي حمله إليّ أولاً؟ رأيت الدروقي هذا يقرئ في جامع فاس، ويؤم فيه الناس، وأثنى عليه بخير ثم قال: توفي بقفط من الصعيد الأعلى سنة ثلاثين وهو متوجه إلى مكة، ﵀.
стр. 139
- ٩٢ -
سألت أبا بكر يحيى بن منبه بن عمر الغافقي المريي الأندلسي، قدم علينا الثغر، عن أخيه أبي أمية، وكان قد قرأ عليّ قديماً: أنت اكبر أم أخوك؟ فقال: أنا أبكر وهو اكبر، وأنا أسن وهو أسنى، فاستحسنت منه قوله.
ابن منبه يحيى هذا كان كثير الملازمة لي عند قدومه الثغر للسماع، متنبهاً.
стр. 140
- ٩٣ -
حدثني (١) أبو الوليد يوسف بن المفضل بن الحسن الأنصاري القبذاقي بالإسكندرية بعد قفوله من الحجاز، وتوجهه إلى الأندلس، حدثني أبو بكر يحيى بن محمد بن زيدان القرطبي بها قال: حضرت مجلس أبي الحسين سراج بن عبد الملك بن سراج اللغوي فقرئ عليه في الموطأ: " لا قطع في ثمر ولا كثر "، فأنشد لصاعد بن الحسن الربعي (٢) .
ومهفهف أبهى من القمر ... قمر الفؤاد بفاتر النظر
خالسته تفاح وجنته ... فأخذتها منه على غرر
فأخافني قوم فقلت لهم: ... لا قطع في ثمر ولا كثر (٣)
стр. 141
هذا ما حدثني أبو الوليد، وقد كتب إليّ أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب القرطبي من الأندلس، أنبأنا أبو مروان حيان بن لف ابن حيان التاريخي قال: أنشدنا أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعي البغدادي لنفسه، فذكر الأبيات الثلاثة، وكذلك أنشدنيها أبو الوليد محمد بن خيره القرطبي، أنشدنا أبو الوليد مالك بن عبد الله العتبي المعروف [بالسهلي] (١) اللغوي بقرطبة، أنشدنا مروان بن حيان قال أنشدنا صاعد لنفسه.
وكان أبو الوليد القبذاقي رجلاً صالحاً سمع بقرطبة نفراً من المتأخرين، وكان حريصاً على الأخذ فكتب عني جزيات، واستجازني للأمير بن علي بن يوسف بن تاشفين الصنهاجي، سلطان المغرب رحمه الله تعالى، وسألني في كتب كتاب إليه في معناه ففعلت وتوجه إلى بلده، ولم اسمع عنه بعد ذلك خبراً.
وقبذاق مدينة من مضافات قرطبة.
стр. 142
- ٩٤ -
أبو البقا يعيش من أهل الأدب البارع، وناظم الشعر الرائع، قدم الإسكندرية حاجاً وسمع علي كثيراً وأنشدني مقطعات من شعره وشعر غيره من متأخري أهل الأندلس، وهو يا بري المولد، اشبيلي المنزل، ومن شعره الذي أنشدني قطعة في وصف عشر تفاحات أهداها الصديق له. قال عبد العظيم: نقلت الأبيات من خط منشئها:
بعثت إليك أبا قاسمٍ ... بعشرٍ ترد فؤاد العميد
جنتها أكف المنى من غضونٍ ... حكى لينهن آنثناء القدود
تجللن من شفق حمرةً ... منمنمةً مثل وشي البرود
يذكرك المسك أنفاسها ... وحمرتها لون ورد الخدود
وإن لمست أي رمانة ... بعضٍ تنسيك عض النهود
أتتك بعدة أبياتها ... فخذها إليك كنظم الفريد
стр. 143
وخذها على نزرها واصلاً ... بذاك أخاك الصفي الودود
فلو كنت تهدى بمقدار ما ... يواتيك أهديت دار الخلود
بقيت على الدهر ما غردت ... على أليك ورق وما اخضر عود وبخط البلنسي: أنشدني الشيخ أبو البقا يعيش بن مفرج بن سعيد اللخمي اليابري نزيل حمس الأندلس، قدم علينا الإسكندرية حاجاً، هذه الأبيات لنفسه، وكتب لي بخطه.
стр. 144
- ٩٥ -
أبو الحسن يبقى بن خلف بمن سليمان الأسدي الزندي (١) ، وكان يتردد إليّ بعد رجوعه من الحجاز ومدة إقامته بالإسكندرية يكتب ويسمع ما يقرأ سنة ثلاثين وخمسمائة.
ورندة على ما قاله لي حصن بين إشبيلية ومالقة.
وكان ظاهر الخير، وقد سمع بالأندلس شيوخها ورجع إلى بلده وانقطع عني خبره.
стр. 145
- ٦٩ -
أنشدني أبو يحيى اليسع بن عيسى بن حزم اليسع الغافقي الأندلسي (١) بديار مصر لنفسه:
قل لمن تاه بدنيا ساعدته ... وترقى فوق أفلاك المعالي
ذاك القطب يقلب العالي سفلاً ... ويرد السفل في الأغلب عالي
لو توسطت سماه كنت نجماً ... آمناً من صرفه في كل حال