← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 10312

شرح الأثيوبي على ألفية السيوطي في الحديث = إسعاف ذوي الوطر بشرح نظم الدرر في علم الأثر

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (847 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الألفية العراقية كما ذكرناه آنفاً، وهو الواضح (والأول) أي قوله من السنة مبتدأ خبره جملة قوله (صحح فيه النووي الوقفا) أي كونه موقوفاً. والمعنى: أن قول التابعي من السنة كذا كقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: " السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات " صحح الإمام النووي ﵀ كونه متصلًا موقوفاً على الصحابي. (والفرق فيه واضح) مبتدأ وخبر، أي الفرق بين الأول وبين المسألة المذكورة قبل واضح (لا يخفى) على من تأمله. وحاصل المعنى: أن الفرق بين قوله من السنة كذا حيث جعلناه موقوفاً متصلاً وبين الألفاظ المتقدمة حيث جعلناها مرفوعاً مرسلاً واضح غير خفي، وذلك لأن " يرفع الحديث " تصريح بالرفع وقريب منه ما ذُكِرَ معه من الألفاظ بخلاف من السنة فيتطرقها احتمال إرادة سنة الخلفاء الراشدين فكثيراً ما يعبرون بها فيما يضاف إليهم، وقد يريدون سنة البلد، وهذا الاحتمال وإن قيل به في الصحابي أيضاً فهو في التابعي أقوى أفادهُ السخاوي ومقابل الصَّحِيح قول من قال إنه مرفوع مرسل والله أعلم. (تَتِمَّة) الزيادات في هذا الباب قوله: ثالثها إن كان لا يخفى البيت، وقوله: إذ عن سالف ما حملا، وقوله: أو رأياً أبى إلى آخر البيت الذي يليه، وقوله: وقد عصى الهادي في المشهور، وقوله: لا رابع جزما، وقوله: النووي، وقوله: والفرق فيه واضح لا يخفى. والله أعلم.

стр. 107

(الموصول والمنقطع والمعضل) أي هذا مبحثها وهي النوع الثامن والتاسع والعاشر وجمعها في باب واحد للتناسب بينها إما بالضدية كما في الموصول مع الآخرين أو التشابه كما في المنقطع والمعضل، والموصولُ لغة اسم مفعول من وصله بمعنى بلغه، أو أعطاه، أو ترك هجره وقطيعته. واصطلاحاً ما أشار إليه بقوله: ١٣٤ - مَرْفُوعًا اْوْ مَوْقُوفًا إِذْ يَتَّصِلُ ... إِسْنَادُهُ: الْمَوْصُولُ وَالمُتَّصِلُ (مرفوعاً) منصوب على الحالية من الموصول أي حال كون الموصول مرفوعاً إلى النبي ﷺ (أو موقوفاً) على الصَّحَابي ويحتمل نصبه بكان المحذوفة أي سواء كان مرفوعاً، أو موقوفاً، ولو قال مرفوع أو موقوف بالرفع لكان أوضح (إذ) منصوبة على الظرفية خبر للمبتدإ المؤخر (يتصل) (إسناده) بسماع كل واحد من رواته عمن فوقه أو بالإجازة كما قاله ابن جماعة إلى منتهاه (الموصول) مبتدأ مؤخر، والتقدير الموصولُ: حاصلٌ إذ يتصل إسناده، أي وقت اتصال سند الحديث (و) يقال له (المتصل) أيضاً فهما اسمان لمسمى واحد. وحاصل المعنى: أن الحديث إذا اتصل إسناده إلى النبي ﷺ أو إلى أحد من الصحابة فإنه يسمى موصولاً ومتصلاً، ويقال له أيضاً مؤتصل بالفك والهمز كما هي عبارة الشافعي في الأم فخرج بقيد المتصل المرسل والمنقطع والمعضل والمعلق وكذا معنعن المدلس قبل تبين سماعه، وأما

стр. 108

المقطوع إذا اتصل إسناده فلا يسمى موصولاً بالإطلاق للتنافي بين لفظ القطع والاتصال، وأما مع التقييد فيجوز بل هو واقع في كلامهم حيث يقولون: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب أو إلى الزهري، أو إلى مالك ونحو ذلك. ثم ذكر المنقطع فقال: ١٣٥ - وَوَاحِدٌ قَبْلَ الصَّحابِيِّ سَقَطْ ... مُنْقَطِعٌ، قِيلَ: أَوِ الصَّاحِبِ قَطْ (وواحد) مبتدأ أي راو واحد (قبل الصحابي) متعلق بما بعده من أي موضع كان، وإنما قيد به لأنه لو كان الساقط صحابياً لكان مرسلاً، وجملة قوله: (سقط) صفة لواحد أي ساقط، وقيد به لأنه لو كان مبهماً كفلان فلا يسمى منقطعاً عند الأكثرين، بل متصل في سنده مجهول (منقطع) خبر لمحذوف أي فالسَّند منقطع، والجملة خبر لواحد بتقدير رابط أي بسببه، وتقدير الكلام وواحد ساقط قبل الصحابي فالسَّند منقطع بسببه ولو قال: إِنْ وَاحِدٌ قَبْلَ الصَّحَابِيِّ سَقَطْ مُنْقَطِعٌ إلخ لكان أوضح. وحاصل المعنى: أن المنقطع هو ما سقط من رواته راو واحد قبل الصحابي من أيّ موضع كان فخرج بقيد الواحد المعضل، وبما قبل الصحابي المرسل، فهو مغاير له لكن عند إطلاق الاسم، وأما عند استعمال الفعل المشتق فيستعمل الإرسال فقط فيقال: أرسله فلان سواء كان مرسلاً أو منقطعاً قاله الحافظ ﵀. وهذا هو المشهور في تعريف المنقطع وفيه أقوال أخر أشار إلى بعضها بقوله: (قيل أو الصاحب) أي أو سقط الصحابي (قط) أي فحسب. والمعنى أن بعضهم قال: إن المنقطع يطلق أيضاً على ما سقط منه الصحابي فقط وعلى هذا فالمنقطع يشمل المرسل. وعبارة العراقي أولى،

стр. 109

وهي: وقيل: ما لم يتصل أي أن المنقطع هو الذي لم يتصل إسناده ولو كان الساقط أكثر من واحد فيدخل فيه المرسل والمعضل والمعلق، والحاصل على هذا القول أن المنقطع أعم. واعلم أنهم اختلفوا في المنقطع على أقوال: الأول أن المنقطع ما سقط من رواته واحد قبل الصحابي. والثاني ما حكي عن الحاكم وغيره من أهل الحديث أنه ما سقط منه قبل الوصول إلى التابعي شخص واحد، وإن كان أكثر من واحد في موضع سمي معضلاً، وإن لا فمنقطع في موضعين ويسمى المعضل أيضاً منقطعاً، فكل معضل منقطع وليس كل منقطع معضلاً قال العراقي: فقول الحاكم قبل الوصول إلى التابعي ليس بجيد فإنه لو سقط التابعي لكان منقطعاً. الثالث ما قاله ابن عبد البر: المنقطع ما لم يتصل إسناده والمرسل مخصوص بالتابعي فالمنقطع أعم والمرسل بعض صوره. الرابع ما قاله ابن الصلاح عن بعضهم: إن المنقطع مثل المرسل وكلاهما شامل لكل ما لم يتصل إسناده. قال: وهذا المذهب أقرب صار إليه طوائف من الفقهاء وهو الذي حكاه الخطيب في كفايته أفاده العلامة محمد بن إبراهيم في كتابه تنقيح الأنظار. ثم إن المنقطع بالتعريف الأول لا يشترط أن يكون الساقط في موضع واحد بل لو كان أكثر من واحد يسمى منقطعاً أيضاً بشرط أن لا يتوالى وإليه أشار بقوله: ١٣٦ - مُنْقَطِعٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ اثْنَيْنِ لا ... تَوَالِيًا وَمُعْضَلٌ حَيْثُ وَلا (منقطع) خبر لمحذوف أي هو منقطع (من موضعين) متعلق به (اثنين) بالنصب في نسخة المحقق خبراً لكان المحذوفة مع أداة الشرط أي إن كان اثنين واسم كان يعود إلى الساقط المفهوم من سقط السابق. والمعنى أن الساقط من السَّند إن كان اثنين يقال له منقطع من

стр. 110

موضعين ومثله ما إذا كان أكثر من موضعين بشرط عدم التوالي كما أشار إليه بقوله: (لا تواليا) صفة لاثنين أي غير متواليين ولو قال بدل هذا البيت: وَإنْ بِلَا وِلَاءٍ أكْثَرُ حُذِفْ ... فَقَيِّدَنْ أوْلاَ فَمُعْضَلاً عُرِفْ لكان أوضح. أي وإن حذف أكثر من واحد بغير توال فَسَمِّهِ منقطعاً بقيد كأن تقول منقطع من موضعين أو ثلاثة أو أربعة، والحاصل أنه إذا كان الساقط أكثر من واحد بشرط عدم التوالي فهو منقطع أيضاً، لكنه مقيد بأنه منقطع من موضعين، أو من ثلاثة أو أربعة وهلم جرا، وأما إذا كان مع التوالي فهو يسمى معضلاً، وهو النوع العاشر كما أشار إليه بقوله (ومعضل) بفتح الضاد المعجمة من الرباعي المتعدي، يقال: أعضله فهو معضل وعضيل كما سمع في أعقدت العسَلَ فهو عَقِيد بمعنى مُعْقَد، وأعله المرض فهو عليل بمعنى معل، وفعيل بمعنى مفعل إنما يستعمل في المتعدي، والعضيل الأمر المستغلق الشديد ففي الحديث " إن عبداً قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم شأنك فأعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبان " الحديث رواه أحمد وابن ماجه. قاله المنذري. قال أبو عبيد: هو من العضال الأمر الشديد الذي لا يقوم له صاحبه انتهى، فكأن المحدث الذي حدث به أعضله حيث ضيق المجال على من يوفيه إليه، وحال بينه وبين معرفة راويه بالتعديل والتجريح وشدد عليه الحال، ويكون ذلك الحديث معضلًا لإعضال الراوي له هذا تحقيق لغته وبيان استعارته هكذا حققه العلامة السخاوي في فتح المغيث. وأما اصطلاحاً فهو الذي سقط منه اثنان فصاعدا مع التوالي كما أشار إليه بقوله (حيث ولا) بكسر الواو والقصر للضرورة مصدر وَالَى بمعنى تابع نائب فاعل لمحذوف، أي حيث وجد ولاء، أي تتابع بين الساقطين.

стр. 111

فقوله معضل خبر لمحذوف أي هو معضل أي السَّند الذي سقط منه اثنان يسمى بالمعضل والظرف خبر لمحذوف أيضاً أي وذلك كائن حيث وجد ولاء. والحاصل أن المعضل هو الذي سقط من إسناده اثنان فأكثر مع التوالي، ويسمى المعضلُ أيضاً منقطعاً، ويسمى مرسلاً عند الفقهاء وغيرهم قاله النووي، وقال السخاوي: ولعدم التقييد باثنين قال ابن الصلاح: وقول المصنفين قال رسول الله ﷺ من قبيل المعضل، يعني كما قيل بمثله في المرسل والمنقطع، وسواء في سقوط اثنين الصحابي والتابعي أو اثنان بعدهما من أي موضع كان كل ذلك مع التقييد بالرفع الذي استغنى عن التصريح به بما يفهم من القسم الثاني. وعلم بهذا أنه أعم من المعلق من وجه ومباين للمقطوع والموقوف وكذا مباين للمرسل والمنقطع بالنظر لكثرة استعمالهم فيهما اهـ كلام السخاوي. ولما كان للمعضل قسم آخر غير ما تقدم أشار إليه بقوله: ١٣٧ - وَمِنْهُ حَذْفُ صَاحِبٍ وَالْمُصْطَفَى ... وَمَتْنُهُ بِالتَّابِعِيِّ وُقِفَا (ومنه) أي من المعضل خبر مقدم لقوله (حذف صاحب) أي صحابي من السَّند، وحذف الرسول (المصطفى) ﷺ (ومتنه) أي متن ذلك السَّند مبتدأ (بالتابعي) أي عليه متعلق بـ (وقفا) بالبناء للمفعول والألف للإطلاق خبر المبتدإ والجملة حال من حذف أي والحال أن ذلك المتن موقوف على التابعي. وحاصل معنى البيت أن من المعضل ما حذف منه الصحابي والنبي ﷺ معاً ووقف متنه على التابعي، وهكذا أطلقه الناظم تبعاً للعراقي، ولكن لا بد من كون ذلك الحديث متصلاً مرفوعاً عند ذلك التابعي من جهة أخرى وإلا فقد يكون ذلك من كلام ذلك التابعي فيكون مقطوعاً أو منقولاً

стр. 112

عن الإسرائليات، فالأولى ما عبر به النووي في التقريب حيث قال: وإذا روى تابع التابعي عن التابعي حديثاً وقفه عليه وهو عند ذلك التابعي مرفوع متصل فهو معضل أفاده المحقق، قال في التدرب نقلًا عن الحافظ أن شرط ما ذكر أمران: أحدهما أن يكون مما يجوز نسبته إلى غير النبي ﷺ ، فإن لم يكن فمرسل، الثاني: أن يروي مسنداً من طريق ذلك الذي وقف عليه فإن لم يكن فموقوف لا معضل لاحتمال أنه قاله من طريق عنده فلم يتحقق شرط التسمية من سقوط اثنين. اهـ، بتغيير يسير، وهذا الرأي للحاكم ﵀ نقله عنه ابن الصلاح، ومثاله حديث الأعمش عن الشعبي: " يقال للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا فيقول ما عملته فيختم على فيه " الحديث أعضله الأعمش وهو عند الشعبي متصل مسند أخرجه مسلم في صحيحه وساقه من حديث فضيل بن عمرو عن الشعبي عن أنس قال كنا عند رسول الله فذكر الحديث، قال ابن الصلاح وهذا جيد حسن لأن الانقطاع بواحد مضموماً إلى الوقف يشتمل على الانقطاع باثنين النبي ﷺ والصحابي وذلك باستحقاق اسم الإعضال أولى اهـ. وقال ابن جماعة: وفيه نظر أي لأن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي فحكمه حكم المرسل وذلك ظاهر لا شك فيه قاله في التدريب، قلت لكن قدمنا عن الحافظ أنه يشترط لما قاله ابن الصلاح شرطان فمسقط الاعتراض، فتأمل. وقال السخاوي ﵀ ثم إنه قد يكون الحديث معضلاً ويجيء من غير طريق من أعضله متصلاً كحديث خليد بن دعلج (١) عن الحسن " أخَذَ المؤمن عن الله أدباً حسناً إذا وسع عليه وسع وإذا قتر عليه قتر " فهو مروي من حديث معاوية بن عبد الكريم الضال عن أبي حمزة عن ابن عمر ﵄ رفعه به. ذكره الحاكم اهـ. قلت لكن هذا لا يتمشى مع ما ذكرنا عن الحافظ من اشتراط كونه متصلاً عمن أعضله فتدبر.

стр. 113

(واعلم) أنه قد وقع كما قال الحافظ التعبير بالمعضل في كلام جماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه شيء ألبتة بل لا إشكال في معناه، وذكر لذلك أمثلة، قال: فإما أن يكون يطلق على كل من المعنيين، أو يكون المعرف به وهو المتعلق بالإسناد بفتح الضاد، والواقع في كلامهم بكسرها ويعنون به المستغلِقَ الشديدَ أي الإسناد والمتن، قال: وبالجملة فالتنبيه عليه كان متعيناً قاله السخاوي ﵀. (تنبيه) لم يذكر الناظم حكم المنقطع والمعضل كما ذكر حكم المرسل كما يأتي، قال الحافظ: وقد قال ابن السمعاني: من منع قبول المراسيل فهو أشد منعاً من قبول المنقطعات ومَن قَبِلَ المراسيل اختلفوا. ونقل عن الجُوزجاني أنه قال: المعضل أسوأ حالًا من المنقطع، وهو أسوأ حالاً من المرسل وهو لا تقوم به حجة. قال الصنعاني: إنما يكون المعضل أسوأ حالاً من المنقطع إذا كان الانقطاع في موضع واحد من الإسناد فأما إذا كان في موضعين أو أكثر فإنه يساوي المعضل في سوء الحال. اهـ، كلام الصنعاني. (تَتِمَّة) قوله من موضعين اثنين لا تواليا من زياداته.

стр. 114

(الْمُرسَل) أي هذا مبحثه وهو النوع الحادي عشر من أنواع علوم الحديث وإنما أخره الناظم عن المنقطع والمعضل مع أن غيره قدمه لأنه ذكر المتصل مع المنقطع والمعضل للمناسبة فكانا أولى بالتقديم وإن كانا أسوأ حالاً من المرسل لذلك، والمرسل اسم مفعول جمعه مراسيل بإثبات الياء وحذفها مأخوذ من الإرسال وهو الإطلاق وعدم المنع، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ) الآية. فكان المُرسِلَ أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف، أو من قولهم ناقة مِرْسَال أي سريعة السير كأن المُرسِلَ أسرع فيه عَجِلا فحذف بعض إسناده، قال كعب بن زهير من البسيط: أمسَتْ سُعَادُ بِأرْض لَا يُبَلِّغُهَا ... إِلَّا العِتَاقُ النَجِيبَاتُ الْمَرَاسِيل أو من قولهم جاء القوم أرسالاً أي متفرقين لأن بعض الإسناد منقطع من بقيته أفاده السخاوي، هذا معناه لغة، وأما اصطلاحاً ففيه أقوال أشار إليها الناظم بقوله: ١٣٨ - الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ بِالتَّابِعِ، أَوْ ... ذِي كِبَرٍ، أَوْ سَقْطُ رَاوٍ قَدْ حَكَوْا ١٣٩ - أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ ......... ... ................... القول الأول ما أشار إليه بقوله (المرسل المرفوع) مبتدأ وخبر أي

стр. 115

المرسل في اصطلاح أهل الحديث هو الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ قولاً أو فعلاً أو نحوهما (بالتابع) متعلق بالمرفوع والباء سببية أي بسببه أو بمعنى مع على حذف مضاف أي مع ذكر التابع في السَّند، وفي نسخة الشارح باللام وهو واضح. وحاصلِ المعنى أن المرسل اصطلاحاً هو قول التابعي مطلقاً كبيراً كان أو صغيراَ قال رسول الله ﷺ كذا أو فَعَل كذا أو فُعِلَ بحضرته كذا أو نحو ذلك. قال السخاوي: وعبر عنه بعضهم بإسقاط الصحابي من السَّند وليس بمتعين فيه، ونقل الحاكم تقييدهم له باتصال سنده إلى التابعي، وقيده في المدخل بما لم يأت اتصاله من وجه آخر، وكذا قيده الحافظ بما سمعه التابعي من غير النبي ﷺ لِيُخْرِجَ مَن لقيه كافراً فسمع منه كالتَّنُوخِيِّ رسول هرقل فَإِنه مع كونه تابعياً محكوم لما سَمِعَه بالاتصال لا الإرسال وهو متعين وكأنهم أعرضوا عنه لندوره وخرج بقيد التابعي مرسل الصحابي كبيراً كان أو صغيراً وسيأتي، والتابع والتابعيّ هو من لقي الصحابي، والكبير هو الذي لقي جماعة من الصحابة وجالسهم وكانت جُلُّ روايته عنهم، كعُبَيد الله بن عَدِيّ بن الخِيَار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، والصغير هو الذي لم يلق منهم إلا العدد اليسير، أو لقي جماعة إلا أن جُلَّ روايته عن التابعين: كالزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري. اهـ كلام السخاوي بتغيير. وحاصل هذا القول أن المرسل مرفوع التابعي مطلقاً، وأشار إلى القول الثاني بقوله (أو) لتنويع الخلاف أي قال بعضهم المرسل هو مرفوع تابعي (ذي كبر) أي كبير فذي معطوف على التابع أي تابع ذي كبر فكأنه قال المرسل المرفوع بالتابع مطلقاً أو بالتابع الكبير وتقدم معناه. وحاصل المعنى على هذا القول: أن المرسل هو مرفوع التابعي الكبير قال السخاوي: كما هو مقتضى القول بأن مرفوع صغير التابعين إنما

стр. 116

يسمى منقطعاً، قال ابن عبد البر في مقدمة التمهيد: المرسل أوقعوه بالإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي ﷺ ، ومثل بجماعة منهم، قال وكذلك من دونهم وسمى جماعة قال: وكذلك سمي من دونهم أيضاً ممن صح له لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم، قال: ومثله أيضاً مرسل من دونهم فأشار بهذا الأخير إلى مراسيل صغار التابعين ثم قال: وقال آخرون: لا، " يعني لا يكون حديث صغار التابعين مرسلاً " بل يسمى منقطعاً لأنهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد أو الاثنين، فأكثر روايتهم عن التابعين. وإلى هذا الاختلاف أشار ابن الصلاح بقوله: وصورته التي لا خلاف فيها حديث التابعي الكبير الذي لقي جماعة من الصحابة وجالسهم؛ قال الحافظ: ولم أر التقييد بالكبير صريحاً عن أحد منهم نعم قيد الشافعي المرسل الذي يقبل إذا اعتضد بأن يكون من رواية التابعي الكبير، ولا يلزم من ذلك أنه لا يسمى ما رواه التابعي الصغير مرسلاً بل الشافعي صرح بتسمية رواية من دون كبار التابعين مرسلة. اهـ كلام السخاوي بتغيير يسير. ثم أشار إلى القول الثالث بقوله: (أو) لتنويع الخلاف أيضاً (سقط) بفتح فسكون بمعنى سقوط وهو عطف على المرفوع على حذف مضاف أي المرسلُ ذو وسقوطِ (راوٍ) من سنده، يعني أن بعضهم قال: إن المرسل هو ما سقط من سنده راو سواء كان في أوله أو آخره أو بينهما واحداً أو أكثر، كما يومئ إليه تَنكيرُ رَاوٍ وجَعْلُهُ اسمَ جنس ليشمل راوياً فأكثر بحيث يدخل فيه المنقطع والمعضل والمعلق. وهذا القول حكاه ابن الصلاح عن الفقهاء والأصوليين، بل وعن الخطيب فإنه قال: والمعروف في الفقه وأصوله أن ذلك كله أي المنقطع والمعضل يسمى مرسلاً، قال: وإليه ذهب من أهل الحديث الخطيبُ وقطع به، ونحوُهُ قولُ النووي في شرح مسلم: المرسل عند الفقهاء والأصوليين

стр. 117

والخطيبِ وجماعةٍ من المحدثين: ما انقطع إسناده على أي وجه كان فهو عندهم بمعنى المنقطع فإن قوله على أي وجه كان يشمل الابتداء والانتهاء وما بينهما والواحد فأكثر اهـ. وممن صرح بنحوِهِ من المحدثين الحاكم، في المدخل، ولكن مشى في علومه بخلافه، وصرح به أيضاً البغوي في شرح السنة، وأبو نعيم في مستخرجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ثم الدارقطني، ثم البيهقي، بل صرح البخاري في حديث لإبراهيم بن يزيد النخعي عن أبي سعيد الخدري بأنه مرسل لكون إبراهيم لم يسمع منه، وكذا صرح أبو داود في حديث لعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود بأنه مرسل لكونه لم يدركه، والترمذي في حديث لابن سيرين عن حكيم بن حزام، ومشى عليه أبو داود في مراسليه وغيرهم أفادهُ السخاوي. وقوله (قد حكوا) جملة حالية مما تقدم من الأقوال أي حال كون العلماء قد حكوها في تعريف المرسل (أشهرها الأول) مبتدأ وخبر، أي أشهر الأقوال الثلاثة عند المحدثين، والأكثر في استعمالهم هو القول الأول، كما قاله الخطيب في كفايته، قال عقب حكايته الثالث إلا أن أكثر ما يوصف الإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي ﷺ أما ما رواه تابع التابعي فيسمونه المعضل. وصرح الحاكم في علومه بأن مشايخ الحديث لم يختلفوا أنه هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، ثم يقول التابعي قال رسول الله ﷺ ، ووافقه غيره على حكاية الاتفاق، قاله السخاوي. قلت لكن في دعوى الاتفاق نظر لما تقدم من القول الثالث إلا أن يقال: أن المراد اتفاق الأكثرين فتأمل، ثم ذكر حكمه فقال: .................. ثُمَّ الْحُجَّةُ ... بِهِ رَأَى الأَئِمَّةُ الثَّلاثَةُ ١٤٠ - وَرَدُّهُ الأَقْوَى، وَقَوْلُ الأَكْثَرُ ... كَالشَّافِعِيْ، وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ

стр. 118

(ثم) بعد أن عرفت الأقوال في تعريفه (الحجة به) بالضم في الأصل هو الدليل والبرهان، واستعمله هنا بمعنى المصدر أي الاحتجاج بالمرسل، وهو مبتدأ خبره جملة قوله (رأى) أي ذهب إليه، يقال: الذي أراه بمعنى أذهب إليه أفاده في المصباح (الأئمة الثلاثة) الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك في المشهور عنه، وجمهور أتباعهما، والإمام أحمد في رواية عنه، وحكاه النووي في شرح المهذب عن كثير من الفقهاء أو أكثرهم، قال: ونقله الغزالي عن الجماهير، وقال أبو داود في رسألته: وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى، مثل سفيان الثَّوري، ومالك، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي ﵀ فتكلم في ذلك وتابعه عليه أحمد وغيره انتهى. قال السخاوي فكأرْ من لم يذكر أحمد في هذا الفريق رأى ما في الرسالة أقوى مع ملاحظة صنيعه في العلل وكونه يعمل بالضَّعِيف الذي يندرج فيه المرسل فذاك إذا لم يجد في الباب غيره اهـ. ثم إن قبوله مشروط كما قال ابن عبد البر وغيره بما إذا لم يكن المرسل ممن لا يحترز ويرسل عن غير الثقات، وإلا فلا خلاف في رده قاله النووي في شرح المهذب، وقال غيره: محل قبوله عند الحنفية إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة المفضلة، فإن كان من غيرها فلا، لحديث " ثم يفشوا الكذب ". ثم إن المحتجين به اختلفوا أهو أعلى من المسند، أو دونه، أو مثله، وتظهر فائدة الخلاف عند التعارض، والذي ذهب إليه أحمد وأكثر المالكية والمحققون من الحنفية كالطحاوي وأبي بكر الرازي تقديم المسند، قال ابن عبد البر: وشبهوا ذلك بالشهود يكون بعضهم أفضل حالًا من بعض وأقعد وأتم معرفة وإن كان الكل عدولاً جائِزِي الشهادة انتهى. وذهب آخرون إلى أنه أعلى وأرجح من المسند ووجهوا ذلك بأن من أسند فقد أحالك على إسناده والنظرِ في أحوال رواته والبحثِ عنهم ومن

стр. 119

أرسل مع علمه ودينه وإمامته وثقَتِهِ فقد قطع لك بصحته، وكفاك النظرَ فيه، ومحل الخلاف فيما قيل إذا لم ينضم إلى الإرسال ضعف في بعض رواته، وإلا فهو حينئذ أسوأ حالاً من مسند ضعيف جزما، ولذا قيل: إنهم اتفقوا على اشتراط ثقة المُرْسِلِ وكونه لا يرسل إلا عن الثقات قاله ابن عبد البر وأبو الوليد الباجيُّ من المالكية، وأبو بكر الرازي من الحنفية. ومن الحجج لهذا القول أن احتمال الضعف في الواسطة حيث كان تابعياً لا سيما بالكذب بعيد جداً، فإنه ﷺ أثنى على عصر التابعين وشهد له بعد الصحابة بالخيرية ثم للقرنين بعده بحيث استدل بذلك على تعديل أهل القرون الثلاثة وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، فإرسال التابعي بل ومن اشتمل عليه باقي القرون الثلاثة الحديث بالجزم من غير وثوق بمن قاله منافٍ لها مع كون المرسل عنه ممن اشترك معهم في هذا الفضل قاله السخاوي. (ورده الأقوى) مبتدأ وخبر أي رد الاحتجاج بالمرسل هو الرأي الأقوى لقوة دليله (و) هو (قول الأكثر) من العلماء المحققين وذلك (كـ) الإمام القدوة رأس الفقهاء والمحدثين أبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع (الشافعي) فإنه ﵁ أول من رد المرسل على ما قيل إلا أنه يرد بما نُقِل عن سعيد بن المسيب ومالك في رواية عنه، وإن كان المشهور خلافها وبما نقل عن الزهري وابن سيرين وابن مهدي ويحيى القطان، إلا أن يقال أن اختصاص الشافعي به لمزيد التحقيق فيه، (وأهل علم الخبر) بالجر عطف على الشافعي، أي وكأهل علم الحديث كما حكاه عنهم مسلم في صدر صحيحه وابنُ عبد البر في التمهيد، وحكاه الحاكم عن ابن المسيب ومالك وهو قول كثير من الفقهاء والأصوليين وأهل النظر. واستدلوا بجهل حال المحذوف لأنه يحتمل أن يكون غير صحابي، وإذا كان كذلك فيحتمل أن يكون ضعيفاً، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حَمَلَ عن تابعي آخر وهكذا فيعود الاحتمال

стр. 120

المذكور ويتعدد إِمَّا بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له، أو بالاستقراء فإلى ستة، أو سبعة وهو أكثرُ مَا وُجِدَ من رواية التابعين بعضهم عن بعض أفاده الحافظ. وإن اتفق أن يكون المُرْسِلُ لا يروي إلا عن ثقة فالتوثيق مع الإبهام غير كاف كما سيأتي ولأنه إذا كان المجهول المسمى لا يقبل حتى يوثق فالمجهول عينا وحالًا أولى أفاده في التدريب، ثم إن ما ذكر من رد المرسل ليس على إطلاقه بل له حالات يعمل به فيها كما أشار إلى ذلك بقوله. ١٤١ - نَعَمْ بِهِ يُحْتَجُّ إِنْ يَعْتَضِدِ ... بِمُرْسَلٍ آخَرَ أَوْ بِمُسْنَدِ ١٤٢ - أَوْ قَوْلِ صَاحِبٍ أَوْالْجُمْهُورِ أَوْ ... قَيْسٍ وَمِنْ شُرُوطِهِ كَمَا رَأَوْا ١٤٣ - كَوْنُ الَّذِي أَرْسَلَ مِنْ كِبَارِ ... وَإِنْ مَشَى مَعْ حَافِظٍ يُجَارِي ١٤٤ - وَلَيْسَ مِنْ شُيُوخِهِ مَنْ ضُعَّفَا ... كَنَهْيِّ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالأَصْلِ وَفَا (نعم) بفتحتين وقد تكسر العين كلمة كبلى إلا أنه في جواب الواجب. اهـ " ق "، وقال في التاج، نقلا عن المغني وشروحه: إنه حرف تصديق بعد الخبر وَوَعْدَ بَعْدَ افْعَل ولا تفعل، وبعد استفهام كهل تعطيني، وإعلام بعد استفهام ولو مقدراً اهـ. قلت: والمناسب هنا من هذه المعاني هو الأخير بتقدير الاستفهام كأنه قيل هل يحتج بالمرسل بشرط فأجاب بقوله نعم (به) أي بالمرسل (يحتج) بالبناء للمفعول أي يحتج به عند القائلين بعدم حجيته لما تقدم، بشرطٍ أشار إليه بقوله (إن) شرطية (يعتضد) بالبناء للفاعل يقال عَضَده من باب نصر: إذا أعانه واعتضدت به استعنت (ق) باختصار. والمراد هنا إن تقوى يعني أنه يحتج به إن تقوى بأحد أمور تأتي، وشذ القاضي أبو بكر (١) فقال: لا أقبل المراسيل ولا في الأماكن التي قبلها

стр. 121

الشافعي حسماً للباب بل ولا مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي وهو مردود، ثم شرع يذكر العاضد وهو أمور الأول ما ذكره بقوله (بمرسل آخر) متعلق بما قبله أي يحتج به إن اعتَضَدَ بمرسل آخر يرويه المرسل من غير شيوخ الأول كما نقل عن نص الشافعي ﵀ واحترز به كما قال بعض المحققين عن مثل مرسل أبي العالية في انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة فإنه روي من مرسلات غيره لكن تتبعت فوجدت كلها ترجع إلى مرسل أبي العالية ذكره الشارح. ثم ذكر العاضد الثاني بقوله: (أو) يعتضد (بمسند) أي مرفوع متصل يجيء من وجه آخر صحيح أو حسن أو ضعيف، وفائدة قبول المرسل إذا جاء مسنداً عن ثقات انكشاف صحته فيكونان حديثين فإذا عارضهما مسند آخر كانا أرجح منه لاعتضاد المرسل بالمسند. والحاصل أن المسند إن كان صحيحاً أو حسناً يتبين به صحة المرسل فيصيران دليلين يرجحان على مسند آخر ليس له إلا طريق واحد. وإن كان ضعيفاً حصل به لهما قوة فيتقوى كل منهما بالآخر، ثم ذكر العاضد الثالث فقال (أو) يعتضد بقول (صاحب) أي صحابي لأن الظن يقوى عنده فيدل على أن له أصلاً في الشريعة، وقد احتج بعضهم بالمرسل، وبعضهم بقول الصحابي، فإذا اجتمعا تأكد أحدهما بالآخر قاله الشارح، ثم ذكر العاضد الرابعِ فقال (أو) يعتضد بقول (الجمهور) بالضم هو من النَّاس جُلُّهم ومعظمُ كُل شيء كما في " ق " أي أكثر العلماء يعني أنه إذا أفتى أكثر العلماء بموافقة المرسل قبل. ثم ذكر العاضد الخامس فقال (أو) يعتضد بـ (قيس) بفتح فسكون مصدرٌ، يقال قاسه بغيره، وعليه يقيسه قَيْساً وقِيَاساً واقتاسه قدره على مثاله أفاده في " ق " هذا في اللغة، وأما اصطلاحاً فهو إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما كإلحاق النبيذ بالخمر في الحرمة للإسكار. قال بعضهم ولو قياسَ معنى وهو ما فُقِد فيه العلة، وكان الجمع بنفي

стр. 122

الفارق، كما روى الشافعي عن الثقة عن الزهري قال: كان رسول الله ﷺ يأمر المؤذنين في العيد فيقولون الصلاة جامعة، قال الحافظ في الفتح وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوت ذلك فيها اهـ. وهذا العاضد زاده الأصوليون كما أفاده في التدريب. فهذه جملة العاضدات المشهورة وهي خمسة أكثرها مأخوذ من كلام الشافعي ﵁ وصرح بعضهم بأنها بضعة عشر. والله أعلم. ولما كان الشافعي ﵀ قيد المرسل الذي اعتضد بمرسل كبار التابعين ومن إذا سمى من أرسل عنه سمى ثقة وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه أشار إليه بقوله: (ومن شروطه) جار ومجرور خبر مقدم لكونُ، أي شروط قبول المرسل المعتضدِ للاحتجاج به (كما رأوا) أي العلماء المحققون من نص الشافعي ﵀ في الرسالة (كون) الشخص (الذي أرسل) الحديث (من كبار) التابعين وتقدم تعريفه، وأما صغار التابعين فلا يقبل مرسلهم مطلقاً لأمور: منها أنهم أشد تجوزاً فيمن يروون عنه، ومنها أنهم يوجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مَخْرَجه، ومنها كثرة الإحالة في الأخبار، وإذا كثرت الإحالة فيها كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه كما نقل معنى ذلك من كلام الشافعي ﵀. (و) كون الذي أرسل (إن) شرطية (مشى) في حديثه (مع حافظ) من الحفاظ (يجاري) بالجيم يقال جاراه مُجَاراة جرى معه " ق " والمراد يوافقه ولا يخالفه وهو جواب الشرط، ورفع لكون فعل الشرط ماضياً، قال ابن مالك. وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ والمعنى أن من شروط قبول المرسل المعتضد أيضاً كونَ المرسل إذا شارك أهل الحفظ في أحاديثهم وافقهم، ولم يخالفهم، نعم لو خالفهم بنقصِ لفظٍ لا يختل معه المعنى، فإن ذلك لا يضر كما يؤخذ من نص الشافعي ﵀.

стр. 123

وهذا الذي شرحنا به هذا الشطر هو ما في نسخة المحقق، وهو الموافق لما في العراقي، والمفهوم من كلام الشافعي، وأما الشارح فجعل أنْ بفتح الهمزة مصدرية وجعل يجاري " بخاري " في صحيحه فشرحه على هذا المنوال فأورثه ركاكة لا تخفى على بصير فتنبه. (و) كونه أيضاً (ليس في شيوخه) خبر مقدم أي الذين يروي عنهم الحديث، أو الذين أرسل عنهم بحيث إذا عين شيخه في مرسله في رواية أخرى (من) اسم ليس مؤخراً (ضعفا) ككرم أي شخص ضعيف، ويجوز تشديد عينه، أي شخص منسوب إلى الضعف. والمعنى أنه يلتزم الرواية عن الثقات بحيث إذا عين شيخه في مرسله في رواية أخرى أو في مطلق حديثه حسبما يحتمله كلام الشافعي لا يسمى مجهولاً ولا مرغوباً عن الرواية عنه. والحاصل أن الشروط ثلاثة: الأول: كونه من كبار التابعين، والثاني كونه إذا شارك أهل الحفظ في أحاديثهم وافقهم إلا بما لا يضر كنقص لفظ لا يختل معه المعنى، والثالث روايته عن الثقات. قال السخاوي ﵀: وكل من هذه الشروط صفة للمرسِل بالكسر دالة على صحة مرسَله بالفتح أي المروي عنه، وثالثها يعني روايته عن الثقات جَارٍ في كل راوٍ أرسل أو أسند .. ثم ذكر مثالاً للمعتضد المستوفي للشروط فقال (كنهي بيع اللحم) خبر لمحذوف تقديره وذلك كائن كنهي بيع اللحم (بالأصل) أي الحيوان، وذلك ما قاله الشافعي ﵀ في مختصر المزنى: أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ : " نهى عن بيع اللحم بالحيوان " وعن ابن عباس ﵁ " أن جزورا نُحِرَت على عهد أبي بكر ﵁ فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني جزءاً بهذه العناق فقال: أبو بكر لا يصلح هذا " وكان القاسم بن محمد وابن المسيب

стр. 124

وعروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان، قال: وبهذا نأخذ ولا نعلم أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ خالف أبا بكر الصديق ﵁، وإرسال ابن المسيب عندنا حسن انتهى. قال في التدريب: واختلف أصحابنا في معنى قول الشافعي: وإرسال ابن المسيب عندنا حسن على وجهين: أحدهما: أنها حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل، لأنها فُتِّشَتْ فوُجِدَت مسندة، والثاني: أنها ليست بحجة كغيرها وإنما رجح بها، والترجيح بالمرسل جائز، قال الخطيب: وهو الصواب والأول ليس بشيء، لأن في مراسيله ما لم يوجد مسنداً بحال من وجه يصح وكذا قال البيهقي اهـ. ولما كان هذا الحديث الذي أورده الشافعي من مراسيل سعيد يصلح مثالاً لأقسام المرسل المقبول أشار إلى ذلك بقوله: (وفى) أي أن هذا المثال الواحد تم به المثال لكلها، يقال: وَفَى الشيءُ وُفِيَّاً بالضم، فهو وفى، وواف: إذا تم أفاده في " ق " يعني أنه مثال تام لا يحتاج معه إلى أمثلة أخرى لصلاحه (١) لها، وذلك لأنه عضده قول صحابي، وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه، وله عاضد آخر أرسله من أخَذَ العلمَ عن غير رجال الأول، وعاضد آخر مسند، فروى البيهقي من طريق الشافعي: عن مسلم بن خالد، عن ابن جريح، عن القاسم بن أبي بَزَّة قال: قدمت المدينة فوجدت جزوراً قد نحرت فجزءت أربعة أجزاء كل جزء منها بعناق فأردت أن أبتاع منها جزءاً فقال رجل من أهل المدينة: إنه ﷺ : " نهى أن يباع حي بميت " فسألت عن ذلك الرجل فأُخْبِرْتُ عنه خيراً، فالظاهر أن هذا الرجل غيرُ ابن المسيب، إذ هو أشهر من أن لا يعرفه ابن أبي بَزة حتى يسأل عنه.

стр. 125

قال البيهقي: ورويناه من حديث الحسن عن سمرة عنه ﷺ ، إلا أن الحفاظ اختلفوا في سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة، فمنهم من أثبته، فيكون مثالاً للفصل الأول يعني ما له شاهد مسند ومنهم من لم يثبته فيكون أيضاً مرسلًا انضم إلى مرسل سعيد انتهى. (فائدة) جملة الأقوال في الاحتجاج بالمرسل عشرة: حجة مطلقاً، لا يحتج به مطلقاً، يحتج به أن أرسله أهل القرون الثلاثة، يحتج به إن لم يرو إلا عن عدل، يحتج به إن أرسله سعيد فقط، يحتج به إن اعتضد، يحتج به إن لم يكن في الباب سواه، هو أقوى من المسند، يحتج به ندباً لا وجوباً، يحتج به إن أرسله صحابي. أفاده في التدريب. ونظمت ذلك بقولي: وَجُمْلَةُ اْلأقْوَالِ فِي اْلمَرَاسِلِ ... عَشَرَة كَامِلَةٌ فاسْتَفْصِلِ بهِ احْتِجَاجٌ مُطْلَقَاً وَقِيلَ لَا ... أوْ إنْ أتَى عَن اْلقُرُونِ اْلفُضَلَا أَوْ إِن رَوَى مَن بِثِقَاتٍ قُيِّدَا ... أوْ عَنْ سَعِيدٍ أوْ يَجِي مُعْتَضِداً أوْ لَمْ يَكُنْ فِي اْلبَابِ جَا سِواهُ ... وَبَعْضُهُمْ مِنْ مُسْنَدٍ أعْلَاهُ أوْ حُجةٌ نَدْباً أوِ الصَّحَابِي ... أرْسَلَهُ فَذَا تَمَامُ الْبَابِ ثم إن ما تقدم كله في مرسل غير صحابي، وأما مرسله فذكره بقوله: ١٤٥ - وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحْ ... ................... (ومرسل الصاحب) أي الصحابي كلام إضافي مبتدأ خبره قوله (وصل) على حذف مضاف أي ذو وصل، أو موصول، أي محكوم بأنه موصول صحيح يحتج به. والمعنى: أن مرسل الصحابي، وهو الذي يرويه صحابي عن النبي ﷺ وتدل الدلائل على أنه لم يسمعه منه، كما إذا كان متأخر الإسلام، وروى حكايةً عن صدر الإسلام أو كان من صغار الصحابة كابن عباس وابن الزبير فإنه حجة له حكم الوصل المقتضِي للاحتجاج به لأن

стр. 126

غالب روايتهم عن الصحابة وروايتهم عن غيرهم نادرة فإذا رووها بينوها وحيث أطلقوا فالظاهر أنهم عن الصحابة، ولا شك أنهم عدول لا يقدح فيهم الجهالة بأعيانهم، وأيضاً فما يروونه عن التابعين غالبه بل عامته إنما هو من الإسرائيليات وما أشبهها من الحكايات والموقوفات. وهذا الحكم (في) المذهب (الأصح) الذي قطع به الجمهور وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف المرسل، وفي الصَّحِيحين منه ما لا يحصى قاله في التدريب. قال السخاوي: بل أهل الحديث وإن سموه مرسلاً لا خلاف بينهم في الاحتجاج به، وإن نقل ابن كثير عن ابن الأثير وغيره فيه خلافاً اهـ. ومقابل الأصح قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني وغيره من أئمة الأصول: إِنه لا يحتج به. ثم بين حكم من سمع في كفره فاداه بعد ما أسلم فقال: ............... ... . كَسَامِعٍ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ اتَّضَحْ ١٤٦ - إِسْلامُهُ بَعْدَ وَفَاةٍ ......... ... ................. (كسامع) خبر لمحذوف أي الحكم المذكور كحكم سامع من النبي ﷺ (في) حال (كفره) متعلق بما قبله (ثم) أسلم و (اتضح) أي ظهر (إسلامه) أي ذلك السامع (بعد وفاة) أي موت النبي ﷺ . والمعنى: أن من سمع من النبي ﷺ شيئاً قبل إسلامه ثمَّ أسلم بعد وفاة النبي ﷺ فإنه وإن كان تابعياً إلا أن حديثه موصول ليس بمرسل لا خلاف في الاحتجاج به لأن العبرة بالرواية عنه ﷺ ، وهذا قد روى عنه وهو وإن كان غير عدل حال التحمل لكنه صار عدلًا عند الأداء وهو المعتبر كما يأتي في باب تحمل الحديث. وذلك كالتنوخي رسولِ هرَقْل، وقيل قيصر، فقد أخرج حديثه الإمام أحمد، وأبو يعلى في مسنديهما وساقاه مساق الأحاديث المسندة.

стр. 127

ثم ذكر حكم رواية صغار الصحابة الذين لا تمييز لهم فقال: ............ وَالَّذِي ... رَآهُ لا مُمَيِّزًا لاَ تَحْتَ ذِي (والذي) مبتدأ: خبره جملة قَولِهِ لا تحت ذي، أي الصحابي الذي (رآه) أي النبي ﷺ (لا مميزاً) حال من الفاعل، أي حال كونه غير مميز (لا تحت ذي) أي لا يدخل حكم روايته تحت المسألة المتقدمة، فلا يقال: إنه مرسل صحابي بل مرسل كسائر المراسيل. والمعنى: أن الصحابي الذي رأى النبي ﷺ غير مميز: كعبيد الله بن عدي بن الخيار، فإن أباه قتل يوم بدر كافراً على ما قال ابن ماكولا، وعد ابن سعد أباه في مسلمة الفتح، وكمحمد بن أبي بكر ﵄، فإنه ولد عام حجة الوداع فإنهما وأمثالهما يعدون من صغار الصحابة من حيث الرؤية، وأما من حيث الرواية فليست مراسيلهم، كمراسيل الصحابة، فلا يقال: إنها مقبولة كمراسيلهم لأن غالب روايتهم عن التابعين فيقوى احتمال كون الساقط غير صحابي، ويجيء احتمال كونه غير ثقة. (فوائد): الأولى: أنه قد تكلم العلماء في عدة الأحاديث التي صرح ابن عباس ﵄ بسماعها عن النبي ﷺ ، قيل: أربعة. وهو غريب، وقيل تسعة، وقيل عشرة، وقيل دون العشرين، وقيل خمسة وعشرون. قال السخاوي ﵀: قد اعتنى شيخنا، يعني الحافظ ابن حجر ﵀ بجمع الصَّحِيح والحسن فقط من ذلك فزاد على الأربعين سوى ماهو في حكم السماع، كحكاية حضور شيء فعل بحضرة النبي ﷺ اهـ. الثانية: قال السخاوي ﵀: المراسيل مراتب أعلاها ما أرسله صحابي ثبت سماعه ثم صحابي له رؤية فقط، ولم يثبت سماعه، ثم المخضرم، ثم المتقن كسعيد بن المسيب ويليها من كان يتحرى في شيوخه كالشعبي ومجاهد ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد كالحسن. اهـ.

стр. 128

الثالثة: قال الحاكم في علوم الحديث أكثر ما تروى المراسيل من أهل المدينة عن ابن المسيب، ومن أهل مكة عن عطاءبن أبي رباح، ومن أهل البصرة عن الحسن، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مكحول قال: وأصحها كما قال ابن معين مراسيل ابن المسيب لأنه من أولاد الصحابة وأدرك العشرة وفقيه أهل الحجاز ومفتيهم وأول الفقهاء السبعة الذين يعتد مالك بإجماعهم كإجماع كافة النَّاس، وقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره، قال: والدليل على عدم الاحتجاج بالمرسل غير المسموع من الكتاب قوله تعالى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) الآية ومن السنة حديث: " تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم " نقله في التدريب. قلت وفي قوله وقد تأمل الأئمة إلخ ما قدمنا عن الخطيب بأن في مراسيله ما لم يوجد مسنداً بحال من وجه يصح فتأمل. ثم ذكر حكم قولهم عن رجل فقال: ١٤٧ - وَقَوْلُهُمْ: عَنْ رَجُلٍ مُتَّصِلُ ... وَقِيلَ: بَلْ مُنْقَطِعٌ أَوْ مُرْسَلُ (وقولهم) مبتدأ أي قول المحدثين وقوله: (عن رجل) مقول القول لقصد لفظه، أي حدثنا فلان عن رجل، وقوله (متصل) خبر المبتدإ، أي هو حديث متصل في إسناده، مجهول، وهو قول الأكثرين، وهو الراجح (وقيل) لا يكون متصلًا (بل) هو (منقطع) ولا يسمى أيضاً مرسلاً، وهذا منقول عن الحاكم أبي عبد الله في معرفة علوم الحديث (أو) لتنويع الخلاف، أي قال بعضهم إنه (مرسل) من المراسيل، وهو منقول عن بعض الأصوليين. وحاصل معنى البيت أنه إذا وقع في الإسناد لّولهم عن رجل أو شيخ أو نحو ذلك مما يبهم الراوي فيه وأمثلته كثيرة ففيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه

стр. 129

متصل في إسناده مجهول، وهذا هو الراجح الذي عليه أكثر المحدثين، وأرباب النقل كما حكاه الرشيد العطار في كتابه الغرر المجموعة عنهم، واختاره العلائي في كتابه جامع التحصيل. قال السخاوي: ولكن ذلك ليس على إطلاقه بل هو مقيد بأن يكون المبهم (١) صرح بالتحديث ونحوه لاحتمال أن يكون مدلساً، وهو ظاهر، وكذا قُيِّد القول بإطلاق الجهالة بما إذا لم يجيء مسمى في رواية أخرى، وإذا كان كذلك فلا ينبغي المبادرة إلى الحكم عليه بالجهالة إلا بعد التفتيش لما ينشأ عنه من توقف الفقيه عن الاستدلال به للحكم مع كونه مسمى في رواية أخرى وليس بإسناده ولا متنه ما يمنع كونه حجة ولذا كان الاعتناء بذلك من أهم المهمات كما سيأتي. وقال السخاوي ﵀ أيضاً: ما نصه، ثم إن صورة المسألة في وقوع ذلك من غير التابعي، فأما لو قال التابعي عن رجل فلا يخلوا إما أن يصفه بالصحبة أم لا فإن لم يصفه بها فلا يكون ذلك متصلًا لاحتمال أن يكون تابعياً آخر بل هو مرسل على بابه، وإن وصفه بالصحبة فلا يجري عليه حكم الإرسال في نفي الاحتجاج كما صرح به البيهقي في معرفته بل إسناد صحيح لأن الصحابة كلهم ثقة فترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا يضر. اهـ كلام السخاوي باختصار. القول الثاني: أنه منقطع وهذا القول منقول عن الحاكم ونسب إلى عرف المحدثين كما قال ابن الصلاح، وقال العراقي: وصرح به ابن القطان في بيان الوهم والإيهام. الثالث: أنه مرسل وهذا القول حكاه ابن الصلاح عن البرهان لإمام الحرمين. قال العراقي ﵀: وكل من هذين القولين خلاف ما عليه الأكثرون من العلماء وأرباب النقل كما حكاه الرشيد العطار عنهم واختاره

стр. 130

العلائي. اهـ. أي فإنهم على القول الأول وأشار إلى ذلك بعضهم بقوله: قُلْتُ الأصَح أنَّهُ مُتَّصِلُ ... لَكِنَّ فِي إسْنَادِهِ مَنْ يُجْهَلُ فتبين بهذا أن ما صححه المحقق ابن شاكرٍ في تعليقه هنا من أنه منقطع، وجعل قول من قال: إنه متصل أبعد الأقوال عن الصواب ليس مما يلتفت إليه فإن المحققين على خلاف قوله، فافهم. ثم ذكر حكم الكتب التي أرسلها النبي ﷺ ولم يعرف حاملها فقال: ١٤٨ - كَذَّاكَ فِي الأَرْجَحِ كُتْبٌ لَمْ يُسَمْ ... حَامِلُهَا أَوْ لَيْسَ يُدْرَى مَا اتَّسَمْ (كذاك) أي مثل ما تقدم في قولهم عن رجل خبر مقدم (في الأرجح) أي القول الأقوى حال، أو خبر لمحذوف، أي ذلك في الأرجح، والجملة معترضة بين المبتدإ والخبر، (كتب) مبتدأ مؤخر، وهو بسكون التاء مخفف كتب بضمها جمع كتاب، أي كتب النبي ﷺ إلى الآفاق، وقوله (لَمْ يُسَمْ) بتخفيف الميم للوزن، مضارع سمى مغير الصيغة، وقوله (حاملها) نائب الفاعل ليسم والجملة صفة كتب. والمعنى: أن كتب النبي ﷺ التي أرسلها إلى الملوك وغيرهم حكمها إذا لم يسم حاملها أنها متصلة في سندها مجهول في الأرجح، وقيل بل منقطعة، وقيل: بل مرسلة، قال في البرهان: وإنما ألحق هذا القسم بالمرسلات من جهة الجهل بناقل الكتب، ولو ذكر من يَعْزُو الخبر إلى الكتاب ناقل الكتاب وحامله التحق بالمسندات. اهـ نقله في التوضيح. قلت: هذا هو التقرير الذي يقتضيه حل النظم من إجراء الأقوال الثلاثة في هذه المسألة، إِلا أني لم أجد أحداً أجرى الخلاف السابق في هذه صريحاً فيما لدي من المراجع، بل كلهم نقل المسألة عن البرهان لإمام الحرمين، وأنه قال: إنها مرسلة ولم يحكي الأقوال الثلاثة فليحرر (أو ليس) حاملها (يدرى) بالبناء للمفعول، أي يعلم (ما اتسم) به، أي ما وصف به، وهو

стр. 131

افتعل من الوسم، يقال: وسمت الشيء وسماً من باب وعد إذ أعلمته أي جعلت له علامة فاتسم بها، يعني أن ذلك الحامل للكتاب سمي باسم لا يعرف به، فاسم ليس ضمير يعود إلى حاملها، وجملة يدرى خبرها، وجملة ليس معطوفة على " لم يسم حاملها ". وحاصل المعنى: أن الكتب المذكورة إذا سمي حاملها باسم لا يعرف به فحكمها كذلك أي أنها متصلة في إسنادها مجهول في الأرجح، وهذا زاده في المحصول وجعله من المرسل. قال السخاوي: وهذا يشمل المهمل كعن محمد، وهو يحتمل جماعة يسمون بذلك، وكذا المجهول إذ لا فرق، قال وممن أخرج المبهمات في المراسيل أبو داود، وكذا أطلق النووي في غير موضع على رواية المبهم مرسلاً اهـ. ثم إن ما ذكر في غير الصحابي، وأما إذا قال التابعي: عن رجل من الصحابة فقد أشار إليه بقوله: ١٤٩ - وَرَجُلٌ مِنَ الصِّحَابِ، وَأَبَى ... الصَّيْرَفِيْ مُعَنْعَنًا، وَلْيُجْتَبَى (ورجل من الصحاب) الظاهر أنه عطف على سابقه. فيجري فيه الخلاف السابق، وليس كذلك فالصواب جعله مبتدأ خبره محذوف أي متصل فالأقوال الثلاثة لا تتأتى هنا، وقوله: ورجل يحتمل الرفع والنصب والجر على حكاية الأحوال الثلاثة أي حدثني رجل، أو سمعت رجلًا، أو عن رجل، وقوله: من الصحاب نعت له وهو بالكسر جمع صاحب بمعنى صحابي. والمعنى: أن قولهم: رجل من الصحابة حكمه أنه متصل بلا خلاف، سوى ما يأتي عن الصيرفي، وأما جعل البيهقي له من المرسل في سننه فحملوه على أن مراده مجرد التسمية فلا يجري عليه حكم الإرسال في نفي الاحتاج به، كما صرح بذلك في القراءة خلف الإمام من معرفته عقب حَدِيث رواه عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من الصحابة فإنه قال: وهذا

стр. 132

إسناد صحيح وأصحاب النبي ﷺ كلهم ثقات، فترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا يضر إذا لم يعارضه ما هو أصح منه. انتهى. وبهذا القيد ونحوه يجاب عما توقف عن الاحتجاج به من ذلك لا لكونه لم يسم ولم يصرح به بل لوجود معارض، ويتأيد كون مثل ذلك حجة بما روى البخاري عن الحميدي قال: إذا صح الإسناد إلى رجل من الصحابة فهو حجة دان لم يسم، وكذا قال الأثرم قلت لأحمد: إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من الصحابة، ولم يسمه فالحديث صحيح، قال نعم. قاله السخاوي ﵀. ولما قيد الصيرفي المسألة بالسماع ذكر ذلك بقوله (وأبى) يقال أبي الشيء يأباه ويأبيه إباء وإباءة بكسرهما كرهه. اهـ " ق " أي كره قبول ما أبهم به الصحابي الإمام البارع المتفنن أبو بكر محمد بن عبد الله (الصيرفي) البغدادي الشافعي كان فَهِماً عالماً له تصانيف في أصول الفقه وسمع الحديث من أحمد بن منصور الرمادي لكنه لم يرو كبير شيء، توفي يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثمائة وثلاثين هـ. (معنعناً) حال من مفعول أبى، أو هو مفعول أبى، أي قبول ما ذكر حال كونه معنعناً، أو قبول ما روي بعن وما أشبه ذلك مما لم يصرح بالتحديث فيه ونحوه، وحاصل كلام الصيرفي: أنه يقبل ما أبهم فيه الصحابي بشرط أن يصرح التابعي بالتحديث ونحوه، وأما إذا قال عن رجل من الصحابة وما أشبه ذلك فلا يقبل، قال: لأني لا أعلم أسَمِعَ ذلك التابعي منه أم لا إذ قد يحدث التابعي عن رجل وعن رجلين عن الصحابي ولا أدري هل أمكن لقاء ذلك الرجل أم لا فلو علمت إِمكانه فيه لجعلته كمدرك العصر قال العراقي: وهو حسن متجه وكلام من أطلق محمول عليه اهـ. قال الناظم مرجحاً تفصيل الصيرفي المذكور تبعاً للعراقي: (وَلْيُجْتَبَى) بالبناء للمفعول، أي ليختر هذا التفصيل لحسنه، وتوقف الحافظ في هذا

стр. 133

لأن التابعي إذا كان سالماً من التدليس حملت عنعنته على السماع وهو ظاهر، قال: ولا يقال: إنما يتأتى هذا في حق كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جل روايتهم عن التابعين فلا بد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي لأنا نقول سلامته من التدليس كافية في ذلك إذ مدار هذا على قوة الظن وهي حاصلة في هذا المقام أفاده السخاوي. (تنبيه) هذه الرواية أعنى وأبى الصيرفي إلخ بالواو العاطفة والصيرفي فاعل أبى، ومعنعناً مفعول، أوْ حَال من مفعوله هي نسخة المحقق، وهي واضحة المعنى والتركيب. وفي نسخة الشارح تصحيف عجيب، وأعجب منه شرحه، فانظره ترى العجب. نسأل الله أن يلهمنا الصواب. ثم ذكر حكم ما إذا تعارض الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف بقوله: ١٥٠ - وَقَدِّمِ الرَّفْعَ كَالاْتِّصَالِ ... مِنْ ثِقَةٍ لِلْوَقْفِ وَالإِرْسَالِ ١٥١ - وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقِيلَ: الأَكْثَرُ، ... وَقِيلَ: قَدِّمْ أَحْفَظًا. وَالأَشْهَرُ ١٥٢ - عَلَيْهِ لا يَقْدَحُ هَذَا مِنْهُ فِي ... أَهْلِيَةِ الْوَاصِلِ وَالَّذِي يَفِي (وَقَدِّمِ) أيها المحدث الطالب لأِرْجَحِ الأقوال، ويحتمل أن يكون فعلًا ماضياً مغير الصيغة، وقوله (الرفع) بالنصب مفعول به على الأول، أو بالرفع نائب فاعل على الثاني أي قدم رواية الرفع على رواية الوقف إذا تعارضا بأن رفع بعض الثقات ووقفه بعضهم لأن راويه مثبت وغيره ساكت ولو كان نافياً فإن المثبت مقدم عليه لأنه علم ما خفي عليه (كالاتصال) أي كما يتقدم الاتصال إذا تعارض مع الإرسال بأن وصله بعض الثقات وأرسله بعضهم لما قدمنا. (من ثقة) حال من الرفع والاتصال أي حال كونهما صادرين من ثقة ضابط سواء كان المخالف له واحداً أو جماعة أحفظ أو لا؟ وقوله (للوقف)

стр. 134

راجع للرفع واللام بمعنى على أي عليه (والإرسال) أي عليه راجع للاتصال. وحاصل معنى البيت أنه إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرفوعاً وبعضهم موقوفاً، أو بعضهم موصولاً وبعضهم مرسلاً ففيه أربعة أقوال للعلماء: الأول: - وهو الصَّحِيح عند أهل الحديث، والفقه، والأصول - ما ذكره في هذا البيت، وهو أن الحكم لمن رفعه أو وصله سواء كان المخالف له مثله في الحفظ والإتقان أو أكثر منه لأن ذلك زيادة ثقة وهي مقبولة. وقد سئل البخاري عن حديث " لانكاح إلا بولي " وهو حديث اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي فرواه شعبة والثَّوري عنه عن أبي بردة عن النبي ﷺ مرسلاً، ورواه إسرائيل بن يونس في آخرين عن جده أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى متصلاً، فحكم البخاري لمن وصله، وقال الزيادة من الثقة مقبولة، هذا مع أن من أرسله شعبة وسفيان وهما جبلان في الحفظ والإتقان. والقول الثاني: أن الحكم لمن وقف وأرسل وإليه أشار بقوله (وقيل عكسه) أي المعتبر عكس هذا الحكم، وهو تقديم الوقف والإرسال، قال الخطيب: وهو قول أكثر المحدثين. والقول الثالث: ما أشار إليه بقوله (وقيل الأكثر) أي يقدم ما قاله الأكثر من وقف أو رفع، ووصل أو إرسال، وهذا القول نقله الحاكم في المدخل عن أئمة الحديث لأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد. والقول الرابع ما أشار إليه بقوله (وقيل قدم) فعلى أمر من التقديم (أحفَظاً) بالصرف للوزن مفعول قَدِّمْ، أي ما قاله الأحفظ من رفع ووقف، أو وصل وإرسال، فهذه أربعة أقوال في المسألة ذكرت في النظم. قال السخاوي ﵀: وبقي في المسألة قول خامس، وهو التساوي قاله السبكي. ومحل هذه الأقوال فيما لم يظهر فيه ترجيح كما أشار إِليه الحافظ، ومن تتبع آثار متقدمي هذا الفن كابن مهدي والقطان والبخاري وأحمد يظهر له أنهم لم يحكموا في هذه المسألة بحكم كلي بل

стр. 135

جعلوا المعول في ذلك على المرجح، فمتى وجد كان الحكم له، ولذلك تراهم يرجحون تارة الوصل وتارة الإرسال كما يرجحون تارة عدد الذوات على الصفات وتارة العكس، ومن راجع أحكامهم الجزئية تبين له ذلك، والحديث المذكور يعني حديث " لا نكاح إلا بولي " لم يحكم له البخاري بالوصل لمجرد أن الوصل معه زيادة بل انضم لذلك من قرائن رجحته، ككون يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولاً، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم لا سيما وإسرائيل قال فيه ابن مهدي إنه كان يحفظ حديث جده كما يحفظ سورة الحمد. اهـ كلام السخاوي بتغيير. ثم إن مشينا على القول الأخير من أن المعتبر الأحفظ فهل يقدح ذلك في أهلية غيره فيه اختلاف أشار إليه بقوله (والأشهر) من قولي العلماء (عليه) أي إذا مشينا على القول الرابع، وكذا الثالث، كما أفاده في التنقيح، فقوله: الأشهر مبتدأ خبره قوله الا يقدح) أي لا يجرح (هذا) فاعل يقدح أي تقديم الأحفظ في وقفه أو إرساله (في أهلية الواصل) والرافِع من ضبطٍ حيث لم تكثر المخالفة، وعدالةٍ (و) لا يقدحِ أيضاً في الحديث (الذي يفي) بسنده، يعني الحديث الذي يرويه مسنداً، والمراد جنس الحديث الذي رواه بسنده لا الحديث المختلف فيه الذي هو محل النزاع فإنه يقدح فيه بلا شك. ثم إن قوله والذي يفي تأكيد لما قبله، وإلا فقد يقال إن التصريح بعدم القدح في الضبط والعدالة يغني عن التصريح بعدم القدح في مرويه لاستلزامهما ذلك غالباً. فإن قيل: كيف اجتمع الرد لمسنده هذا مع عدم القدح في عدالته، فالجواب أن الرد للاحتياط وعدم القدح فيه لإمكان إصابته، ووَهَمِ الأحفظ. وعلى تقدير تحقق خطئه مرة لا يكون مجروحاً به كما صرح به الدارقطني أفاده السخاوي ﵀.

стр. 136

ومقابل الأشهر: قول من قال إن ذلك يقدح، وعبارة ابن الصلاح: ومنهم من قال من أسند حَديثاً قد أرسله الحفاظ فإرسالهم له يقدح في مسنده وعدالته وأهليته. هذا كله فيما إذا كان التعارض من أكثر من واحد، فأما إذا كان من واحد فحكمه ما أشار إليه بقوله. ١٥٣ - وَإِنْ يَكُنْ مِنْ وَاحِدٍ تَعَارَضَا ... فَاحْكُمْ لَهُ بِالْمُرْتَضَى بِمَا مَضَى (وإن يكن من) راو (واحد تعارضا) كل من الرفع والوقف والوصل والإرسال فاسم يكن ضمير الشأن، وقوله من واحد متعلق بتعارض وهو فعل ماض والألف إطلاقية والفاعل ضمير يعود على المذكور من الرفع والوقف والوصل والإرسال، أي إن يكن هو أي الشأن تَعَارَضَ المذكور من الرفع والوقف والوصل والإرسال (فاحكم) أيها المحدث، جوابُ إن (له) أي لهذا المتعارض (في المرتضى) أي في القول المرضي الذي عليه الجمهور، وصرح ابن الصلاح بتصحيحه (بما مضى) أي بالحكم الذي مر قريباً، وهو الحكم للرفع والوصل، فقوله له والجاران بعده تتعلق باحكم، أو قوله في المرتضى خبر لمحذوف أي ذلك في المرتضى. وفي نسخة المحقق بالمرتضى بالباء بدل في، وعليها فالباء بمعنى في. ولو قال بدل هذا البيت: وإن يكُن تعارُض من واحد ... فاحكم بما مضى بقول المهتدي لكان أوضح وخلا من التعقيد. وحاصل معنى البيت أنه إذا وقع التعارض المذكور من راو واحد بأن رواه مرة مرفوعاً أو متصلاً ومرة موقوفاً أو مرسلًا فالذي عليه الجمهور وصححه ابن الصلاح أن الحكم للرفع والوصل لأن معه في حالة الرفع والوصل زيادة قاله العراقي، هذا هو الراجح عند أهل الحديث. ومقابله قول من قال من الأصوليين أن الاعتبار في المسألتين بما وقع منه أكثر. قال السخاوي وزعم بعضهم أن الراجح من قول المحدثين في كليهما

стр. 137

التعارض، ونقل الماوردي عن الشافعي ﵀ أنه يحمل الموقوف على مذهب الراوى والمسند على أنه روايته يعني فلا تعارض. لكن خص الحافظ هذا بأحاديث الأحكام، أما ما لا مجال للرأي فيه فيحتاج إلى نظر، ومحل الخلاف إذا اتحد السَّند، وأما إذا اختلف فلا يقدح أحدهما في الآخر إذا كان ثقة جزما، كرواية ابن جريجٍ عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رفعه " إذا اختلطوا فإنما هو التكبير، والإشارة بالرأس " الحديث في صلاة الخوف ورواه ابن جريجٍ أيضاً عن ابن كثير عن مجاهد من قوله: فلم يعدوا ذلك علة لاختلاف السَّندين فيه بل المرفوع في صحيح البخاري. وللحافظ " بيانُ الفصل لما رجح فيه الإرسال على الوصل "، و " مزيد النفع لمعرفة ما رجح فيه الوقف على الرفع ". اهـ. كلام السخاوي باختصار وتغيير. (تَتِمَّة): الزيادة في هذا الباب قوله: في البيت الثاني " الثلاثة " وفي البيت الخامس " أو قول صاحب أو الجمهور أو قيس " وفي السابع " كنهي بيع اللحم " إلخ وفي الثامن " كسامع في كفره " إلى آخر البيت التاسع، وفي العاشر " متصل " ثم البيتان بعده. ولما أنهى الكلام في المرسل شرع يبين المعلق فقال:

стр. 138

(الْمُعَلَّق) أي هذا مبحثه وهو النوع الثاني عشر من أنواع علوم الحديث. واعلم أن ابن الصلاح وتبعه النووي فرق أحكام المعلق فذكر بعضها هنا وهو حقيقته وبعضها في نوع الصَّحِيح وهو حكمه وأحسن من صنيعهما صنيع العراقي إذ جمعها في موضع واحد في نوع الصَّحِيح وأحسن من ذلك صنيع الناظم تبعاً لابن جماعة حيث أفرده بنوع مستقل هنا كما أفاده في التدريب. قلت والمناسبة بينه وبين المرسل ظاهرة إذ في كل منهما حذف من السَّند. ولما كان المرسل يحتج به أكثر الأئمة الأربعة بخلاف المعلق كان أحق بالتقديم. ١٥٤ - مَا أَوَّلُ الإِسْنَادِ مِنْهُ يُطْلَقُ ... ـ وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ ـ مُعَلَّقُ (ما) موصولة مبتدأ أي الحديث الذي (أول الإسناد) من جهة الراوي كشيخه فمن فوقه وهو مبتدأ (منه) أي من ذلك الحديث متعلق بـ (يطلق) أي يحذف ويسقط من قولهم أطلقت الأسير إذا حللت أسره وخليت عنه، والجملة خبر المبتدإ، والجملة صلة ما. والمعنى أن ما حذف من أول سنده شيء من رواته سواء كان الساقط واحداً أم أكثر، ولو لم يبق من رواته أحد، كما أشار إليه بقوله (ولو إلى

стр. 139

آخره) أي ولو كان الحذف من أول السَّند إلى آخره بأن اقتصر على الرسول ﷺ في المرفوع وعلى الصحابى في الموقوف (معلق) خبر ما أي فهذا النوع يسمى معلقاً أخذا من تعليق الجدار والطلاق ونحوه لما يشترك فيه الجميع من قطع الاتصال، قال السخاوي: واستبعد شيخنا يعني الحافظ ابن حجرٍ أخْذَهُ من تعليق الجدار وأنه من تعليق الطلاق وغيره أقرب وشيخه البلقيني على خلافه اهـ. فقوله: أول الإسناد أخرج المرسل. وقال الحافظ وبينه وبين المعضل عموم وخصوص من وجه فمن حيث تعريف المعضل بأنه ما سقط منه اثنان فصاعدا يجتمع مع بعض صور المعلق ومن حيث تقييد المعلق بأنه من تصرف المصنف من مبادئ السَّند يفترق منه إذ هو أعم من ذلك اهـ. وحاصله أنك إذا حذفت اثنين من أول السَّند يقال له معضل لحذف اثنين ويقال له معلق لأنك حذفت أول السَّند وينفرد المعضل بحذف اثنين من وسط السَّند. وينفرد المعلق فيما إذا حذف من أول السَّند واحد فقط، قال السخاوي ﵀: وهل يلتحق بالمعلق ما يحذف فيه جميع الإسناد مع عدم الإضافة لقائل، كقول البخاري في صحيحه: وكانت أم الدرداء تجلس في الصلاة جِلْسَةَ الرجل وكانت فقيهة، وهو عنده في تاريخه الصغير، وعند غيره عن مكحول، الظاهر نعم اهـ. وقال النووي في التقريب: ولم يستعملوا التعليق في غير صيغة الجزم كيروى عن فلان كذا، ويقال عنه، ويذكر، ويحكى، وشبهها بل خصوا به صيغة الجزم كقال وفعل وأمر ونهى وذكر وحكى. قاله ابن الصلاح. وقال العراقي: وقد استعمله غير واحد من المتأخرين في غير المجزوم به، ومنهم الحافظ أبو الحجاج الِمزِّيُّ حيث أورد في الأطراف ما

стр. 140

في البخاري من ذلك معلماً عليه علامة التعليق. قال في التدريب: بل النووي ﵀ استعمله حيث أورد في الرياض حديث عائشة " أمِرْنَا أنْ نًنزل النَّاس منازلهم "، قال ذكره مسلم في صحيحه تعليقاً، فقال: وذكر عن عائشة. ثم إن حكم المعلق من غير ملتزمي الصحة الضعف للجهل بحال الساقط إلا أن يجىء مسمى من وجه آخر، وأما إذا أتى من ملتزمي الصحة فقد ذكره بقوله: ١٥٥ - وَفِي الصَّحِيحِ ذَا كَثِيرٌ، فَالَّذِي ... أُتِيْ بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ خُذِ ١٥٦ - صِحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافِ عَنْهُ ... وَغَيْرَهُ ضَعِّفْ وَلا تُوهِنْهُ (وفي الصَّحِيح) أي صحيح البخاري لأنه المراد عند الإطلاق متعلق بكثير (ذا) أي التعليق مبتدأ خبره قوله (كثير) وقد تقدم عند قوله: (٥٣ - وَعِدَّةُ الأَوَّلِ بِالتَّحْرِيرِ ... أَلْفَانِ وَالرُّبْعُ بِلا تَكْرِيرِ) (٥٤ - وَمُسْلِمٍ أَرْبَعَةُ ألافِ ... وَفِيهِمَا التَّكْرَارُ جَمًّا وَافِ) عِدّةُ معلقات البخاري، وأما مسلم: ففي موضع واحد في التيمم فقط، وما سواه من التعليقات فهو يذكره بعد ذكره موصولاً للاستشهاد (فالذي) الفاء فصيحية، والذي مبتدأ أي إذ عرفت أن معلقات البخاري كثيرة وأردت حكمها فأقول لك المعلق الذي (أتى به) أي المعلِّقِ، وفاعله ضمير يعود إلى الصَّحِيح مجازاً لأن الآتي هو صاحب الصَّحِيح، ويحتمل أن يكون أتى بصيغة المجهول، ونائب فاعله الجار والمجرور (بصيغة) أي صورة (الجزم)، والصيغة: أصلها الواو، مثل القيمة، والصيغة العمل والتقدير، وهذا صَوْغُ هذا إذا كان على قدر، وصيغةُ القول كذا، أي مثاله وصورته على التشبيه بالعملِ والتقديرِ، أفاده في المصباح، والمراد هنا بصورة الجزم كقال وفعل وأمر وذكر فلان. وخبرُ المبتدإ قولة (خذ) أيها المحدث (صحته) أي صحة ما أتى به مجزوماً (عن المضاف عنه) أي عن الشخص الذي أضاف الحديث إليه، فعن الأولى صلة صحته، وعن الثانية بمعنى " إلى " صلة المضاف.

стр. 141

وحاصل المعنى أن ما في الصَّحِيح من التعاليق بصيغة الجزم كالأمثلة المتقدمة فهو محكوم بصحته عن المضاف إليه لأنه لا يستجيز أن يجزم بذلك عنه إلا وقد صح عنده عنه. وإنما قيد بقوله عن المضاف إليه لأنه لا يحكم بصحة الحديث مطلقاً بل يتوقف على النظر فيمن أبرز من رجاله، وذلك أقسام: أحدها: ما يلتحق بشرطه، والسبب في عدم إيصاله إما الاستغناء بغيره عنه مع إِفادة الإشارة إليه، وعدم إهماله بإيراده، معلقاً اختصاراً، وإما كونه لم يسمعه من شيخه، أو سمعه مذاكرة، أو شك في سماعه فما رأى أن يسوقه مساق الأصول. ومن أمثلته قوله في الوكالة: قال عثمان بن الهيثم، حدثنا عون، حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: " وكلني رسول الله ﷺ بزكاة رمضان " الحديث. وأورده في فضائل القرآن، وذِكْرِ إبليس، ولم يقل في موضع منها: حدثنا عثمان فالظاهر عدم سماعه له منه. الثاني: ما لا يلتحق بشرطه ولكن صحيح على شرط غيره، كقوله في الطهارة: وقالت عائشة " وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه " أخرجه مسلم في صحيحه. الثالث: ما هو حسن صالح للحُجِّيَّةِ، كقوله فيه: وقال بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، " الله أحق أن يستحى منه " وهو حديث حسن مشهور أخرجه أصحاب السنن. الرابع: ما هو ضعيف لا من جهة قَدْح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إِسناده كقوله في الزكاة، قال طاوس: قال معاذ بن جبل لأهل اليمن: " ائتوني بعرض ثياب " الحديث فإسناده إلى طاوس صحيح إلا أن طاوساً لم يسمع من معاذ اهـ تدريب باختصار. (وغيره) مفعول مقدم لِضَعِّفْ، أي غير ما أتى به بصيغة الجزم بأن أتى به بصيغة التمريض، كيُرْوَى، ويُذكَرُ، ويحكى، وذُكِر وحُكِيَ عن

стр. 142

فلان، أو في الباب عنه ﷺ ، كما قال ابن الصلاح (ضعف) أي احكم بضعفه عن المضاف إليه، قال ابن الصلاح: لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضَّعِيف أيضاً، وأشار بقوله أيضاً إلى أنه ربما يورد ذلك فيما هو صحيح إِمَّا لكونه رواه بالمعنى، كقوله في الطب: ويذكر عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الرقى بفاتحة الكتاب فإنه أسنده في موضع آخر، أوليس على شرطه كقوله في الصلاة ويذكر عن عبد الله بن السائب قال: " قرأ النبي ﷺ المؤمنون في صلاة الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أخذته سعلة فركع " وهو صحيح أخرجه مسلم، إلا أن البخاري لم يخرج لبعض رواته. أو لكونه ضَمَّ إليه ما لم يصح فأتى بصيغة تستعمل فيهما كقوله في الطلاق ويذكر على علي بن أبي طالب وابن المسيب وذكر نحواً من ثلاثة وعشرين تابعياً، وقد يورده أيضاً في الحسن كقوله في البيوع ويذكر عن عثمان بن عفان أن النبي ﷺ قال له " إذا بِعتَ فِكلْ وإذا ابتعت فاكتل " رواه الدارقطني من طريق عبيد الله بن المغيرة، وهو صدوق، عن منقذ مولى عثمان، وقد وثق، عن عثمان، وتابعه سعيد بن المسيب، ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند، إلا أن في إسناده ابن لهيعة، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عطاء عن عثمان وفيه انقطاع، والحديث حسن لما عضده من ذلك. ومن أمثلة ما أورده من ذلك وهو ضعيف قوله في الوصايا: ويذكر عن النبي ﷺ " أنه قضى بالدين قبل الوصية " وقد رواه الترمذي موصولًا من طريق الحارث الأعور عن علي والحارث ضعيف. وقوله في الصلاة ويذكر عن أبي هريرة رفعه: " لا يتطوع الإمام في مكانه " وقال عقبه: ولم يصح، وهذه عادته في ضعيف لا عاضد له من موافقة إجماع أو نحوه على أنه فيه قليل جداً، والحديث أخرجه أبو داود من طريق الليث بن أبي سليم، عن الحجاج بن عبيد، عن إِبراهيم بن

стр. 143

إسماعيل، عن أبي هريرة، وليث ضعيف، وإبراهيم لا يعرف، وقد اختلف عليه فيه أفاده في التدريب. ثم إن إيراد صاحب الصَّحِيح للمعلق الضَّعِيف كذلك في أثناء صحيحه مشعر بصحة الأصل له إشْعَاراً يؤنس ويركن إليه، فلا ينبغي أن نحكم بكونه واهياً كما أشار إليه بقوله: (ولا) ناهية (توهنه) مضارع أوهنته إذا أضعفته، وفي نسخة الشارح تَهِنْه مضارع وهنته ثلاثياً، يقال: وهنته من باب وعدته إذا أضعفته ولكن الأجود أن يتعدى بالهمز كما في النسخة الأولى أفاده في المصباح، أي لا تَحْكُم على ما أورده بصيغة التمريض بأنه واهن ساقط جداً لإدخاله إياه في الكتاب الموسوم بالصَّحِيح. (تنبيهان): الأول: قال ابن الصلاح: إذا تقرر حكم التعاليق المذكورة فقول البخاري: ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وقول الحافظ أبي نصر السجزي: أجمع الفقهاء وغيرهم أن رجلًا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في البخاري صحيح قاله رسول الله ﷺ لا شك فيه لم يحنث: محمول على مقاصد الكتاب، وموضوعه، ومتون الأبواب المسندة دون التراجم ونحوها. قاله في التدريب. الثاني: حاصل ما تقدم في تعاليق البخاري أنها على قسمين على ما حققه الحافظ في هدي الساري، الأول: المعلق بصيغة الجزم، وينقسم إلى صحيح على شرطه وهذا في الحقيقة معلق صورة لاحقيقة، وإلى حسن تقوم به الحجة، وإلى ضعيف بسبب انقطاع يسير. والثاني: ما علقه بصيغة التمريض فإنه قسمه إلى خمسة أقسام صحيح على شرطه، صحيح على شرط غيره جزماً لا إمكاناً، حسن، ضعيف غير منجبر، ضعيف منجبر، فهذه خمسة أقسام هذا مجمل ما في الهدي. قال الصنعاني: إذا عرفت هذا عرفت أن تعاليق البخاري لا يتم الحكم على المروي منها بشىء من الصحة ولا الحسن ولا الضعف إلا بعد الكشف والفحص، عن حال ما علقه.

стр. 144

وقد بين الحافظ ﵀ مجمل ما في الهدي في نكته على ابن الصلاح فقال: الأحاديث المرفوعة التي لم يوصل البخاري إسنادها في صحيحه: منها ما يوجد في محل آخر من كتابه موصولًا، ومنها ما لا يوجد إلا معلقاً. فأما الأول: فالسبب في تعليقه أن البخاري من عادته في صحيحه أن لا يكرر شيئاً إلا لفائدة وإذا كان المتن يشتمل على أحكام كرره في الأبواب بحسبها أو قطعه في الأبواب إذا كانت الجملة يمكن انفصالها من الجملة الأخرى، ومع ذلك لا يكرر الإسناد بل يغاير بين رجاله إما بشيوخه أو بشيوخ شيوخه، أو نحو ذلك، فإذا ضاق مخرج الحديث ولم يكن له إلا إسناد واحد واشتمل على أحكام واحتاج إلى تكريرها فإنه والحال هذه إما أن يختصر المتن، أو يختصر الإسناد، وهذا أحد الأسباب في تعليقه للحديث الذي وصله في موضع آخر. وأما الثاني: وهو ما لا يوجد فيه إلا معلقاً فهو على صورتين: إما بصيغة الجزم، وإما بصيغة التمريض. فأما الأول: فهو صحيح إلى من علق عنه، وبقي النظر فيما أبرز من رجاله فبعضه يلتحق بشرطه، والسبب في تعليقه له إما لكونه لم يحصل له مسموعاً وإنما أخذه على طريق المذاكرة، أو الاجازة، أو كان قد خرَّج ما يقوم مقامه فاستغنى بذلك من إيراد هذا المعلق مستوفي السياق، أو لِمَعنىً غيرِ ذلكَ أو لتقاعده عن شرطه وإن صححه غيره أو حسنه وبعضه يكون ضعيفاً من جهة الانقطاع خاصة. وأما الثاني: وهو المعلق بصيغة التمريض مما لم يورده في مواضع أخر فلا يوجد ما يعلق بغير شرطه إلا مواضع يسيرة قد أوردها بهذه الصيغة لكونه ذكرها بالمعنى، نعم فيه ما هو صحيح وإن تقاعد عن شرطه، إما لكونه لم يخرج لرجاله أو لوجود علة فيه عنده ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، وهو على قسمين: أحدهما ما ينجبر بأمر آخر، وثانيهما ما لا

стр. 145

يرتقي عن مرتبة الضَّعِيف، وحيث يكون بهذه المثابة فإنه يبين ضعفه ويصرح به حيث يورده في كتابه ثم ذكر أمثله لذلك. ثم قال: فقد لاح بهذه الأمثلة واتضح أن الذي يتقاعد عن شرط البخاري من التعليق الجازم جملة كثيرة، وأن الذي علقه بصيغة التمريض حين أورده في معرض الاحتجاج والاستشهاد فهو صحيح أو حسن أو ضعيف ينجبر، وإن أورده في موضع الرد فهو ضعيف عنده، وقد بينا كونه يبين كونه ضعيفاً. قال: وجميع ما ذكرناه يتعلق بالأحاديث المرفوعة، وأما الموقوفات فإنه يجزم بما صح عنده منها ولم يبلغ شرطه، ويمرض ما كان فيه ضعف وانقطاع، وإذا علق عن شخصين وكان لهما إسنادان مختلفان مما يصح أحدهما ويضعف الآخر فإنه يعبر فيما هذا سبيله بصيغة التمريض. وهذا كله فيما صرح بنسبته إلى النبي ﷺ وإلى أصحابه، أما ما لم يصرح بإضافته إلى قائل، وهي الأحاديث التي يوردها في تراجم الأبواب من غير أن يصرح بكونها أحاديث، فمنها ما يكون صحيحاً وهو الأكثر، ومنها ما يكون ضعيفاً كقوله: " اثنان فما فوقهما جماعة " لكن ليس شيء من ذلك ملتحقاً بأقسام التعليق التي قدمناها إذ لم يسقها مَسَاقَ الأحاديث، وهي قسم مستقل ينبغي الاعتناء بجمعه والتكلم عليه، وبه وبالتعاليق يظهر كثرة ما اشتمل عليه البخاري من الأحاديث، ويوضح سعةَ اطلاعه ومعرِفَتِهِ بأحاديث الأحكام جملة وتفصيلًا. انتهى كلام الحافظ، ونقله الصنعاني في توضيح الأفكار. ثم ذكر حكم ما يورده البخاري عن شيوخه بقال، ونحوها، فقال: ١٥٧ - وَمَا عَزَا لِشَيْخِهِ بِقَالا ... فَفِي الأَصَحِّ احْكُمْ لَهُ اتِّصَالا (وما) موصولة مبتدأ أي الحديث الذي (عزا) أي نسبه صاحب الصَّحِيح في كتابه (لشيخه) أي إليه (بِقَالا) أي بهذه الكلمة، والألف
следующие страницы →