Полный текст (847 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أحمد، ومن الرابعة أبو حاتم والبخاري وأبو حاتم أشد من البخاري، فقال النسائي لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه، زاد السخاوي فأما إذا وثقه ابن مهدي وضعفه القطان مثلاً فإنه لا يترك لما عرف من تشدد يَحْيَى ومَنْ هُو مثله في النقد اهـ, فظهر بهذا أن ما يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي يجتنب النسائي إخراج حديثه، قاله الحافظ وزاد السخاوي بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الشيخين، حتى قال بعض الحفاظ إن شرطه في الرجال أشد من شرطهما اهـ.
ثم ذكر الأصل السادس المزيد على الخمسة، فقال: (والآخرون) بكسر الخاء أي المحدثون المتأخرون عن زمان من جعل الأصول خمسة، ويحتمل أن يكون بفتح الخاء أي المحدثون غيرُ من عَدَّ الأصول خمسة، وهو مبتدأ خبره جملة (ألحقوا) بالأصول (الخمسة) الصَّحِيحين وأبي داود والترمذي والنسائي (وابن ماجه) مفعول ألحقوا، بسكون الهاء وصلاً ووقفاً ونونه هنا للضرورة، أي سُنَنَ الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجهْ القزويني الرَّبَعِيِّ صاحب السنن والتفسير والتاريخ، ولد سنة تسع ومائتين، وتوفي لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين، عن أربع وستين سنة، وأول من ألحقه بها أبو الفضل محمد بن طاهر حيث أدرجه معها في الأطراف، وكذا في شروط الأئمة الستة ثم الحافظ عبد الغني في كتابه الكمال في أسماء الرجال، وسبب تقديم هؤلاء له على الموطأ كثرةُ زوائده على الخمسة بخلاف الموطأ. ثم ذكر حكم من تفرد بهم ابن ماجه فقال:
(قيل: ومن ماز بهم) أي الرواة الذين امتاز بهم ابنُ ماجه عن غيره, أي انفرد بإخراج أحاديثهم (فإن فيهمو وهن) بفتحتين أي ضَعْفاً، وهو اسم إن مؤخراً وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة، ويحتمل أن تكون إِن عملت في ضمير شأن محذوف تفسره الجملة بعده، والمعنى أن من انفرد بهم ابن ماجه من الرواة فهم ضعفاءُ ولذا جرى كثير من القدماء على إضافة الموطأ أو غيره إلى الخمسة. ثم ذكر تساهل من أطلق على السنن الصحة، فقال:
стр. 72
٩٦ - تَساهَلَ الَّذِي عَلَيْهَا أَطْلَقَا ... صَحِيحَةً وَالدَّارِمِيْ وَالْمُنْتَقَى
(تساهل الذي) أي المحدث الذي (عليها) أي السنن كلها، أو بعضها وجعل الشارح الضمير لابن ماجه، وليس كذلك لأنه ما أطلق عليها بانفرادها أحد أنها صحيحة (أطلقا) بألف الإطلاق (صحيحة) أي هذه الصيغة، كالحاكم والخطيب، حيث أطلقا الصحة على الترمذي، وابن السكن على كتاب أبي داود والنسائي، والحاكم على أبي داود، وجماعة منهم أبو علي النيسابوري وأبو أحمد بن مهدي، والدارقطني، والخطيب، على كتاب النسائي حتى شذ بعض المغاربة ففضله على كتاب البخاري، بل ذكر أبو طاهر السلفي اتفاق علماء المشرق والمغرب على صحة الكتب الخمسة، فكل هذا تساهل صريح، لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفاً، أو منكراً ونحو ذلك من أوصاف الضعف، (و) كذا تساهل من أطلق اسم الصحة على كتاب الحافظ أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن (الدارمي) نسبة إلى دارم بن مالك بطنٍ كبيرٍ من تميم، ولد سنة إحدى وثمانين ومائة، ومات يوم التروية ودفن يوم عرفة سنة خمس وخمسين ومائتين، له مسند كبير ثلاثياته أكثر من ثلاثيات البخاري وفيه من المقطوع، والمعضل، والمنقطع، والمرسل، قال الحافظ: ليس دون السنن في الرتبة، بل لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجه، فإنه أمثل منه بكثير، وبالغ بعضهم فسماه صحيحاً، ولم أر له سلفاً في تسميته، وأما تسميته بالمسند: فلكون أحاديثه مسندة، أي في الغالب، وهو مرتب على الأبواب اهـ. (و) كذا تساهل من أطلق اسم الصَّحِيح على كتاب الإمام الحافظ أبي محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري المجاور بمكة، كان من العلماء المتقنين المجودين، توفي سنة سبع وثلاثمائة المسمى (بالمنتقى) في الأحكام، قال الكتاني في الرسالة المستطرفة هو كالمستخرج على صحيح ابن خزيمة في مجلد لطيف، وأحاديثه تبلغ نحو الثمانمائة وتتبعت فلم ينفرد عن الشيخين منها إلا بيسير، وله شرح يسمى بالمرتقى في شرح المنتقى، لأبي عمرو الأندلسي اهـ.
стр. 73
ويحتمل عطف قوله والدارمي والمنتقى على قوله ابن ماجه، أي ألحق بعض المتأخرين بالأصول الخمسة مسند الدارمي، والمنتقى، وهو الذي ذكره الشارح الترمسي لكن الأول أوضح.
(فائدة): قال العلامة السخاوي: ما حاصله: كتاب النسائي أقلها بعد الصَّحِيحين حديثا ضعيفاً، ولذا قال ابن رُشَيد إنه أبدعُ الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً، وأحسنها ترصيفاً، وهو جامع بين طريقتي البخاري ومسلم، مع حظ كثير من بيان العلل، بل قال بعض المكيين من شيوخ ابن الأحمر إنه أشرف المصنفات كُلِّها، وما وضع في الإسلام مثله.
ويقاربه كتاب أبي داود، بل قال الخطابي إنه لم يصنف في علم الدين مثله، وهو أحسن وضعاً وأكثر فقهاً من الصَّحِيحين ويقاربه كتاب الترمذي، بل كان أبو إسماعيل الهروي، يقول هو عندي أنفع من كتابي البخاري ومسلم، لأنهما لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وهو يصل إلى الفائدة منه كل أحد من الناس. وأما سنن ابن ماجه فإنه تفرد بأحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقةِ الأحاديث مما حُكمَ عليها بالبطلان، أو السقوطِ أو النكارة اهـ، كلام السخاوي.
ولما أنهى الكلام على السنن شرع يبين درجة المسانيد فقال:
٩٧ - وَدُونَهَا مَسَانِدٌ وَالْمُعْتَلِيْ ... مِنْهَا الَّذِي لأَِحْمَدٍ وَالحَنْظَلِيْ
(ودونها) أي الأصول الخمسة وما ألحق بها في الرتبة، أي الصحة كما قال العراقي، أو رتبة الاحتجاج الذي هو أصل بقية الْمُبَوِّبِينَ كما قاله السخاوي. (مساند) جمع مسند لأن مُفْعَلا يجمع على مفاعل، قال الصنعاني: والمعروف في التصريف جمع مُفْعَل على مفاعل ولكن شاع جمعه مع الياء اهـ.
قلت: لكن في القاموس قال: المسند من الحديث ما أسند إلى قائله جمعه مساند ومسانيد اهـ.
стр. 74
فأفاد أنه يجمع بلا ياء أيضاً، وصرف للوزن، وسيأتي تفسيره، وإنما كانت دون السنن لأن شأن المسند أن يذكر فيه ما ورد عن ذلك الصحابي جميعُه، فيجمع الضَّعِيف وغيره، بخلافها، فإن مصنفيها لا يوردون إلا ما يصلح للاحتجاج به من الحديث المقبول. ولكن قال الحافظ السخاوي ما حاصله: اعترض بعضهم على ابن الصلاح في تفضيل السنن على مسند أحمد الذي هو أكثر هذه المسانيد مطلقاً، وأحسنها سياقاً، متمسكاً بكونه لم يدخل فيه إلا ما يحتج به، كما دل عليه عدم استيعاب ما عنده من أحاديث الصحابة فيه، وإنما انتقاه من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث إلى أن قال: وبالجملة فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث من السنن لا سيما ابن ماجه، ومصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، مما الأمر فيه أشد، أو بحديث من المسانيد واحدٌ (١) إذ جميع ذلك لم يشتَرِط من جمعَهُ الصحةَ ولا الحسنَ خاصة. وهذا المحتج إن كان متأهلاً لمعرفة الصَّحِيح من غيره فليس له أن يحتج بحديث من السنن من غير أن ينظر في اتصال سنده وحال رواته، كما أنه ليس له أن يحتج بحديث من المساند حتى يحيط علماً بذلك، وإن كان غير متأهل لذلك فسبيله أن ينظر في كتب الحديث فإن وجد أحداً من الأئمة صححه، أو حسنه، فله أن يقلده، وإن لم يجد ذلك فلا يُقْدِمْ على الاحتجاج به، فيكونَ كحاطب ليل، فلعله يحتج بالباطل، وهو لا يشعر اهـ.
ثم إن المسانيد كثيرة: كمسند أبي داود الطيالسي، ومسند أحمد بن حنبل، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي بكر البزار، وأبي القاسم البغوي، وغيرهم، ومِنْ أوسعها مسندُ بَقِيِّ - بوزن علي - بن مخلد، ومسند الحافظ الحسن بن محمد الماسَرْجِسِي، قال الذهبي فرغ منه مهذباً معللًا في ثلاثة آلاف جزء، وهذه المسانيد هي التي يذكر فيها طرق الأحاديث، وما لها من المتابعات والشواهد التي اختصرها أهل الصحاح، تسهيلًا للطالبين، وهي стр. 75
متفاوتة الرتبة كما أشار إليه بقوله: (والمعتلي) مبتدأ، أي المسند العالي رتبةً (منها) من تلك المسانيد، متعلق بما قبله (الذي) خبر المبتدإ، أي المسند الذي للإمام الحجة أبي عبد الله (أحمد) صرف للضرورة ابن محمد بن حنبل الشيباني، تقدمت ترجمته ومسنده هذا قال الهيثمي: أصَحُّ صحيحاً من غيره، وقال ابن كثير: لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته، وحسن سياقاته، وقد فاته أحاديث كثيرة جداً، بل قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصَّحِيحين قريباً من مائتين، وقال الحسيني في كتابه التذكرة في رجال العشرة: عدة أحاديث المسند أربعون ألفاً بالمكرر، وألف الحافظ في الذب عن الأحاديث التي زعم بعض أهل الحديث أنها موضوعة، وعدتها أربعة وعشرون حديثاً، كتاباً سماه القول المسدد، في الذب عن المسند، وذيل الناظم ما فاته من الأحاديث المذكورة بجزء سماه الذيل الممهد، مع الذب عنها، وعدتها أربعة عشر حديثاً، وقال الحافظ في تعجيل المنفعة في رجال الأربعة: ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها حديث " عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة زحفاً " قال والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهواً، أو ضرب وكُتِبَ من تحت الضرب. (و) المسند الذي للحافظ الحجة أبي يعقوب إِسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطرف المعروف بابن راهويه التميمي. (الحَنظلي) المروزي النيسابوري نزيلها وعالمها، ولد سنة إحدى وستين ومائة، وتوفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين, عن سبع وسبعين سنة، أملى المسند والتفسير من حفظه، ما كان يحدث إلا من حفظه، وكان يحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلب، ومسنده هذا في ست مجلدات. قال أبو زرعة: يخرج فيه أمثل ما ورد عن ذلك الصحابي, وسئل لم قيل له ابن راهويه فقال إن أبي ولد في الطريق، فقالت المراوزة راهويه، يعني أنه ولد في الطريق.
(خاتمة): لما ذكر الناظم هنا السنن والمسانيد، أحببت أن أُبَيِّنَ
стр. 76
معناهما مع بقية ما اصطلحوا عليه من الجوامع والأجزاء والأطراف والمعاجم، فقلت:
فمنها الجامع، وهو في اصطلاحهم ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث المجموعة في قولي:
ألْجَامِعُ الَّذِي حَوَى مَنَاقِبَا ... وَسِيَراً وَفِتَناً وَأدَبَا
تَفْسِيراً الشرُوطَ وَالْعَقَائِدَا ... وَالثَّامِنُ الأحْكَامُ خُذْنِلْتَ الْهُدَى
ومنها السنن، وهي الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية، وليس فيها شيء من الموقوفات، لأن الموقوف لا يسمى عندهم سنة، ويُسمَّى حديثاً أفاده الكتابي.
ومنها المسانيد، وهي ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة ﵃ بحيث يوافق حروف الهجاء، أو يوافق السوابق الإسلامية, أو يوافق شَرَافَةَ النسب.
ومنها المعاجم، وهي ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ سواء يعتبر تقدم وفاة الشيخ، أو توافق حروف التهجي، أو الفضيلة، أو التقدم في العلم والتقوى، ولكن الغالب هو الترتيب على حروف الهجاء، ومن هذا القسم المعاجم الثلاثة للطبراني.
ومنها الأجزاء، وهو تأليف الأحاديث المروية عن رجل واحد سواء كان صحابياً، كجزء حديث أبي بكر، أو غَيرَهُ كجزء حديث مالك، وقد يختارون مطلباً من المطالب الثمانية المذكورة في صفة الجامع، كما صنف أبو بكر بن أبي الدنيا في باب: النية، وذم الدنيا، والآجريُّ في باب رؤية الله. ومنها المستخرجات، وقد مر تفسيرها في النظم.
ومنها المستدركات، وهي كتب استُدرِك فيها ما فات من كتاب آخر على شريطته كمستدرك الحاكم.
стр. 77
ومنها العِلَلُ: وهي الكتب التي تجمع فيها الأحاديث المعلولة مع بيان عللها كعلل الدارقطني.
ومنها كتب الأطراف، وهي التي يذكر فيها طرف الحديث الدالِّ على بقيته، ويجمع أسانيده إما مستوعباً، أو مقيداً بكتب مخصوصة، وتمام البحث في مقدمة تحفة الأحوذي والرسالة المستطرفة للكتاني.
стр. 78
(مسألة)
أي هذا مبحثها، في الكلام على الجمع بين صحيح وحسن في كلام الترمذي في حديث واحد وعلى ألفاظ مستعملة في المقبول.
٩٨ - الحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالحُسْنِ عَلَى ... مَتْنٍ رَواهُ التِّرْمِذِيْ، وَاسْتَشْكَلا
(الحكم) مبتدأ خبره، قوله على متن إلخ (بالصحة) متعلق به، وكذا الغرابة، وإنما لم يذكرها مع أنها واقعة أيضاً في كلامه حيث يقول: هذا حديث حسن صحيح غريب لأنها لا تنافي الصحة والحسن. (على متن) خبر المبتدإ أي كائن على متن إلخ.
(رواه الترمذي) الجملة صفة لمتن (و) لكن هذا الاستعمال (استشكلا) فعل ونائب فاعل والألف للإطلاق.
ومعنى البيت: أن الحكم بالصحة والحسن واقع في كلام الإمام الترمذي في جامعه في حديث واحد، حيث لقول: هذا حديث حسن صحيح، وكذا وقع في كلام غيره كعلي بن المديني، ويعقوب بن شيبة، وأبي علي الطوسي، والبخاري، وإنما خص بالذكر لأنه أكثر استعمال ذلك، ولكن هذا الاستعمال مسششكل قديماً وحديثاً، لأن الحَسَنَ قاصر عن حد الصَّحِيح، كما قدمناه فلا يمكن الجمع بين إثبات القصور ونفيه في حديث واحد، وقد اجتهد النّظَّار في الجواب عنه، وذكر كل أنه أجود ما عنده، ثم تعقبه من جاء بعده كما أشار إلى الأول بقوله:
стр. 79
٩٩ - فَقِيلَ: يعْنِي اللُّغَوِي وَيَلْزَمُ ... وَصْفُ الضَّعِيفِ وَهْوَ نُكْرٌ لَهُمُ
(فقيل) في الجواب عنه (يعني) أي يريد بالحَسَن معناه (اللغوي) وهو ما تميل إليه النفس ولا يأباه القلب، وهذا القول للإمام ابن الصلاح.
وحاصله أنه غير مستنكر أن بعض من قال ذلك عَنَى معناه اللغوي، وهو ما تميل إليه النفس ولا يأباه القلب دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدده. (ويلزم) على هذا الجواب (وصف) الحديث (الضَّعِيف)، بل والموضوع إذا كان حَسَنَ اللفظ بأنه حسن. (وهو) أي الوصف المذكور (نُكْرٌ لَهُمُ) أَي منكر عند المحدثين، وهذا الرد لابن دقيق العيد. وحاصله أنه يلزم وصف الحديث الضَّعِيف والموضوع بالحسن إذا كان اللفظ حسناً وهذا لا يقوله أحد من المحدثين، إذا جروا على اصطلاحهم، لكن اعترض الحافظ على ابن دقيق العيد بأن هذا الإلزام عجيب لأنَّ ابن الصلاح إنما فرض المسألة حيث يجتمع الوصفان الصحة والحسن فحكمه بالصحة يمنع كونه موضوعا، وأشار إلى الثاني بقوله:
١٠٠ - وَقِيلَ: بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ السَّنَدْ ... وَفِيهِ شَيْءٌ حَيْثُ وَصْفُ مَا انْفَرَدْ
(وقيل) في الجواب أيضاً وهو لابن الصلاح أيضاً وتبعه النووي (باعتبار تعداد السَّند) أي الوصفُ بهذين الوصفين إنما يكون إذا تعدد السَّند بأن روي بإسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن، فحينئذ يصح أن يقال فيه ذلك أي صحيح باعتبار إسناد، حسن باعتبار إسناد آخر. (وفيه) أي في هذا الجواب (شيء) من الاعتراض (حيث وصف) بالرفع مبتدأ مضاف إلى قوله (ما انفرد) وما عبارة عن السَّند، موصولة أو موصوفة، والخبر محذوف أي موجود، والجملة مضاف إليه لحيث، والمعنى حيث وجد وصف الترمذي لسند منفرد، وحاصل معنى البيت أنه إنما يقول ذلك لتعدد سنده، لكن هذا معترض لأنه يقول ذلك في الأحاديث التي لا مخرج لها إلا واحد، كالحديث الذي أخرجه من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ " إذا بقى نصف شعبان فلا تصوموا " وقال فيه حسن
стр. 80
صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ، وأشار إلى الثالث بقوله:
١٠١ - وَقِيلَ: مَا تَلْقَاهُ يَحْوِي العُلْيَا ... فَذَاكَ حَاوٍ أَبَدًا لِلدُّنْيَا
١٠٢ - كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ لا يَنْعَكِسْ ... وَقِيلَ: هَذَا حَيِثُ رَأْيٌ يَلْتَبِسْ
(وقيل) في الجواب أيضاً وهو للعلامة أبي الفتح ابن دقيق العيد (ما) مبتدأ أي الحديث الذي (تلقاه) بالقاف من اللُّقِي أي تجده، أيها المحدث (يحوي) أي يجمع الدرجة (العليا) وهي الحفظ والإتقان، وهو معنى الصحة (فذاك) أي الحاوي للعليا مبتدأ (حاو) أي جامع، خبر لذلك، والجملة خبر الأول دخلت الفاء فيه لما في ما من معنى العموم (أبداً) متعلق بما قبله أي لا محالة (للدنيا) أي للدرجة الدنيا تأنيث الأدنى، وهي صفة الحسن التي هي كالصدق.
وحاصل معنى البيت أن الحديث الذي وجدت فيه الصفات العليا وجدت فيه الصفات الدنيا إذ الحسن لا يشترط فيه القصور عن الصحة إلا حيث انفرد الحسن، أما إذا ارتفع إلى درجة الصحة فالحسن حاصل لا محالة، تبعاً للصحة، فعلى هذا يلزم أن يقال (كل صحيح حسن) و (لا ينعكس) ذلك، فلا يقال كل حسن صحيح، ثم أشار إلى الرابع بقوله: (وقيل) في الجواب وهو للحافظ ابن كثير (هذا) أي وصفه بالوصفين (حيث رأى) للمجتهد (يلتبس) عليه، فالجمع بينهما درجة متوسطة، وعلى هذا فما يقول فيه حسن صحيح أعلى رتبة من الحسن ودون الصَّحِيح.
وحاصل هذا الجواب أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين، فيقال فيه حسن باعتبار وصفه عند قوم، صحيح باعتبار وصفه عند قوم آخرين، وغاية ما فيه أنه حَذَفَ منه حرفَ التردد لأن حقه أن يقول حسن أو صحيح، أفاده في شرح النخبة، ثم أشار إلى الخامس بقوله:
стр. 81
١٠٣ - وَصَاحِبُ النُّخْبَةِ: ذَا إِنْ انْفَرَدْ ... إِسْنَادُهُ، وَالثَّانِ حَيْثُ ذُو عَدَدْ
(و) الإمام الحافظ (صاحب النخبة) مبتدأ خبره محذوف أي قائل يعني أن صاحب نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، قال متوسطاً بين كلامي ابن الصلاح وابن كثير (ذا) مبتدأ خبره جملة الشرط وجوابه، والجملة مقول للخبر المقدر، أي جواب ابن كثير (إن انفرد إسناده) أي الحديث إذا لا يتمشى إلا عليه (و) ذلك (الثَّانِ) بحذف الياء للضرورة مبتدأ خبره الظرف أي الجواب الثاني، وهو الذي ذكره بقوله: وقيل باعتبار تعداد السَّند، وهو الجواب الثاني من جوابي ابن الصلاح (حيث ذو عدد) أي حيث رواه ذو تعدد: اثنان فصاعداً، إذ لا يتمشى إلا عليه، وعلى هذا فما قيل فيه ذلك فوق ماقيل فيه صحيح فقط.
وحاصل معنى البيت أن صاحب النخبة قال: إن جواب ابن كثير إنما يتمشى إذا انفرد إسناد الحديث وجواب ابن الصلاح الثاني إذا تعدد إسناده، ثم أشارَ إلى جواب سادس كما في نسخة المحقق أحمد محمد شاكر بقوله:
١٠٤ - وَقَدْ بَدَا لِي فِيهِ مَعْنَيَانِ ... لَمْ يُوجَدَا لأَهْلِ هَذَا الشَّانِ
١٠٥ - أَيْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ صَحِيحُ ... لِغَيْرِهِ، لَمَّا بَدَا التَّرْجِيحُ
١٠٦ - أَوْ حَسَنٌ عَلَى الَّذِيِ بِهِ يُحَدْ ... وَهْوُ أَصَحُّ مَا هُنَاكَ قَدْ وَرَدْ
(وقد بدا) أي ظهر (لي فيه) أي فيما يقول فيه الترمذي وغيره حسن صحيح (معنيان) يكونان جواباً لما استشكل (لم يوجدا) هذان المعنيان (لأهل هذا الشان) ممن تكلم في هذا الموضوع، ثم فسرهما بقوله (أي حسن لذاته) أي الحديث الذي قيل فيه ذلك حسن لذاته على الحد الذي مر بيانه لكون رجاله رجال الحسن (وهو صحيح لغيره) لوجود ما يرقيه إلى درجة الصَّحِيح كما أشار إليه بقوله (لَمَّا) بفتح اللام وتشديد الميم أي حين (بَدَا) أي ظهر (الترجيح) أي المرجح، بمعنى المقوي، فالظرف يتعلق بصحيح
стр. 82
ويحتمل أن تكون اللام جارة وما مصدرية، أي ثبتت له الصحة حين ظهر المرجح، أو لظهور المرجح، وحاصل المعنى أن الحديث الذي قيل فيه حسن صحيح لما وجدت فيه شروط الحَسَنِ سماه حسناً، ولما وجد مقوياً عاضدا كأن تعددت طرقه سماه صحيحاً، فهو جامع للوصفين، وهذا المعنى يتمشى إذا تعددت الطرق (أو) للتقسيم (حسن) أي الحديث المذكور حسن (على) المعنى (الذي به) أي بذلك المعنى (يحد) الحسن على ما تقدم، لاجتماع شروطه (وهو) أي الحديث الموصوف بالحسن (أصح) أي أقوى (ما) أي الحديث (هناك) أي في ذلك الباب الذي قيل فيه ذلك (قد ورد) أي جاء وروي.
وحاصل المعنى أن الحديث الذي قيل فيه صحيح حسن حسن لوجود أوصاف الحسن، وهو أقوى ما روي في ذلك الباب، فكل ما رُوِيَ سواه لا يقوى قوته، وهذا يتمشى على مالم تتعدد طرقه.
والحاصل أن الناظم ﵀ قسم قول الترمذي حسن صحيح إلى قسمين: قسم تعددت طرقه فأجاب عنه بأنه حسن لذاته صحيح لغيره، وقسم لم تتعدد طرقه، فأجاب عنه بأنه حسن لوجود أوصافه وهو أصح ما روي في ذلك الباب. قلت وأقوى الأجوبة عندي كما قال الحافظ في نكته على ابن الصلاح هو جواب ابن دقيق العيد. والله أعلم. ولما كان أهل الحديث تارة يحكمون بالصحة والحسن والضعف على الإسناد دون المتن لعدم التلازم بينهما في ذلك بين ذلك بقوله:
١٠٧ - وَالحُكْمُ بِالصَّحِّةِ لِلإِسْنَادِ ... وَالحُسْنِ دُونَ المَتْنِ لِلنُّقَّادِ
١٠٨ - لِعِلَّةٍ أَوْ لِشُذُوذٍ وَاحْكُمِ ... لِلْمَتْنِ إِنْ أُطْلَقَ ذُو حِفْظٍ نُمِي
(والحكم) مبتدأ (بالصحة) متعلق به وكذا قوله (للإسناد) أي حكم بعض الحفاظ لأيِّ إسناد كان بأنه صحيح كقوله: هذا حديث صحيح الإسناد (والحُسْنِ) عطف على الصحة. كقولهم هذا حديث حسن الإسناد
стр. 83
وكذا الضعف (دون المتن) الظرف حال من الإسناد، أي حال كون الحكم للإسناد بلا متن.
وقوله: (للنقاد) خبر المبتدإِ، وهم البصراء بعلل الحديث جمع ناقد تشبيهاً بالصيرفي الناقد للدراهم والدنانير.
وحاصل معنى البيت أن النقاد يحكمون على الإسناد بالصحة والحسن وكذا الضعف وهو كثير في كلام الدارقطني والحاكم، وذلك كقولهم: هذا حديث إسناده صحيح أو حسن أو ضعيف من غير أن يحكموا بذلك للمتن لأنه لا تلازم بينهما إذ قد يصح الإسناد أو يحسن لاستجماع شروطه من الاتصال والعدالة والضبط دون المتن (لعلة أو لشذوذ) أي لأجل وجود علة قادحة في ذلك المتن، أو لوجود شذوذ فيه ولا يخدش في عدم التلازم ما تقدم من أن قولهم هذا حديث صحيح مرادهم به اتصال سنده مع سائر الأوصاف في الظاهر لا قطعاً لعدم استلزامه الحكم لكل فرد من أسانيد ذلك الحديث، وعلى كل حال فالتقييد بالإسناد ليس صريحاً في صحة المتن ولا ضعفه، بل هو على الاحتمال إن صدر ممن لم يطرد له عمل فيه أو اطرد فيما لم تظهر له صحة متنه ولذلك كان منحط الرتبة عن الحكم للحديث (و) لكن (احكم) أيها المحدث العزيز إن كنت من ذوي التمييز بما حكم به النقاد للإسناد من الصحة والحسن (للمتن) أيضاً (إن أطلق) الحكم للإسناد بواحد منهما (ذو حفظ نمى) بالبناء للمفعول أي نسب إلى الحفظ، وهو إشارة إلى أن ذلك الحافظ مشهور معتمد عليه في التصحيح والتحسين، ممن عرف بعدم التفرقة بين اللفظين خصوصاً إن كان في مقام الاحتجاج.
وحاصل المعنى: أنه إن أطلق ذلك ولم يذكر له علة ولم يقدح فيه، فلك أن تحكم على المتن أيضاً لأن الأصل والظاهر هو عدم العلة.
(تَتِمَّة): قوله لعلة أو لشذوذ من زياداته.
стр. 84
ولما كانت ألفاظ متداولة بين المحدثين يستعملونها في مقبول الحديث ذكر ذلك بقوله:
١٠٩ - وَلِلْقَبُولِ يُطْلِقُونَ جَيِّدَا ... وَالثَّابِتَ الصَّالِحَ وَالمُجَوَّدَا
١١٠ - وَهَذِهِ بَيْنَ الصَّحِّيحِ وَالحَسَنْ ... وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ مِنْ حَسَْن
١١١ - وَهَلْ يُخَصُّ بِالصَّحِيحِ الثَّابِتُ ... أَوْ يَشْمَلُ الْحُسْنَ نِزَاعٌ ثَابِتُ
(وللقبول) أي الحديث المقبول في الأحكام وغيرها من إطلاق المصدر واردة اسم المفعول، أو باق على مصدريته أي الدلالة على قبول الحديث متعلق بقوله (يطلقون) أي يستعمل المحدثون ألفاظاً منها: ما ذكره بقوله: (جيدا والثابت الصالح والمجودا) بفتح الواو المشددة، ومنها القوي، والمعروف، والمحفوظ، والمشبه.
فأما الجيد: فقال الحافظ في الكلام على أصح الأسانيد لما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل أن أصحها الزهري عن سالم عن أبيه: عبارة أحمد: أجود الأسانيد، كذا أخرجه الحاكم قال: وهذا يدل على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصَّحِيح، ولذا قال البلقيني بعد أن نقل ذلك: من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة، وفي جامع الترمذي في الطب هذا حديث جيد حسن، وكذا قال غيره لا مغايرة بين جيد وصحيح عندهم إلا أن الجهبذ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة، كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته ويتردد في بلوغه الصَّحِيح فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح، وكذا القوي.
وأما الصالح: فقد تقدم في شأن سنن أبي داود أنه شامل للصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج، ويستعمل أيضاً في ضعيف يصلح للاختبار.
وأما المعروف: فهو مقابلُ المنكر، والمحفوظُ مقابل الشَّاذ، وسيأتي تقرير ذلك في نوعيهما.
стр. 85
والمجود والثابت يشملان أيضاً الصَّحِيح على خلاف في الثابت يأتي، (وهذه) الألفاظ المذكورة دائرة (بين) الصَّحِيح والحسن) فتستعمل فيهما وكذا القوي، وأما المشبهُ فذكره بقوله (وقربوا مشبهات) أي جعلوها قريبة (من) درجة (حسن) فهي بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصَّحِيح, فتطلق على الحسن وما يقاربه، ولما اختلفوا في لفظ الثابت ذكره فقال:
(وهل يخص بـ) الحديث (الصَّحِيح الثابت) أي لفظه، يعني أنهم إذا قالوا هذا حديث ثابت هل هو مختص بالصَّحِيح فالباء داخلة على المقصور عليه، وهو جائز إلا أن الغالب دخولها على المقصور. (أو يشمل الحسن) أيضاً فيه (نزاع ثابت) بين المحققين وجزم في التدريب بالشمول.
ولما أنهى الكلام على القسم الثاني من الأقسام الثلاثة وهو الحسن أتبعه بالقسم الثالث وهو الضَّعِيف فقال:
стр. 86
(الضَّعِيف)
أي هذا مبحثه وهو النوع الثالث من أنواع علوم الحديث.
١١٢ - هُوَ الَّذِي عَنْ صِفَةِ الحُسْنِ خَلا ... وَهْوَ عَلَى مَرَاتِبٍ قَدْ جُعِلا
١١٣ - وَابْنُ الصَّلاحِ فَلَهُ تَعْدِيدُ ... إِلَى كَثِيرٍ وَهْوَ لا يُفِيدُ
(هو) أي الضَّعِيف مشتق من الضعف بفتح الضاد وضمها، وهو لغة ضد القوة واصطلاحاً هو الحديث (الذي عن صفة) الحديث ذي (الحسن) من الصفات المتقدمة (خلا) سنداً أو متناً، ولا يحتاج لضم الصَّحِيح إليه كما ضمه ابن الصلاح والنووي، لأنه إذا قصر عن الحَسَنِ كان أقصر عن الصَّحِيح، وإن قلنا بتباينهما، (وهو) أي الضَّعِيف (على مراتب) بالصرف للضرورة متفاوتة (قد جعلا) بألف الإطلاق بحسب شدة ضعف رواته وخفته كما تفاوتت صحة الصَّحِيح، وفيه إشارة إلى أن منه أضعف كما أن في الصَّحِيح أصح؛ ثم من الضَّعِيف ما له لقب خاص كالموضوع والشَّاذ وغيرهما وسيأتي. (و) أما الحافظ العلامة أبو عمرو (ابن الصلاح فله تعديد) لأنواع الضَّعِيف في مقدمته (إلى كثير) من الأنواع، وذلك باعتبار فقد صفة من صفات القبول الستة وهي الاتصال، والعدالة، والضبط، والمتابعة في المستور، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، وباعتبار فقد صفة مع صفة أخرى تليها أولاً أو مع أكثر من صفة إلى أن تفقد الستة، فبلغت فيما ذكره العراقي في شرح الألفية اثنين وأربعين قسماً وأوصله غيره إلى ثلاثة وستين، وجمع في ذلك قاضي القضاة شرف الدين المناوي كراسة، ونوع ما فقد الاتصال
стр. 87
إلى ما سقط منه الصحابي أو واحد غيره أو اثنان، وما فقد العدالة إلى ما في سنده ضعيف أو مجهول، وقسمها بهذا الاعتبار إلى مائة وتسعة وعشرين قسماً باعتبار العقل، وإلى واحد وثمانين باعتبار إمكان الوجود، وإن لم يتحقق وقوعها، قال الحافظ: إن ذلك تعب، ليس وراءه أرب، فإنه لا يخلو إِما أن يكون لأجل معرفة مراتب الضَّعِيف وما كان منها أضعف أو لا فإن كان الأول فلا يخلو من أن يكون لأجل أن يعرف أن ما فقد من الشروط أكثر أضعفُ أولاً، فإن كان الأول فليس كذلك لأن لنا ما يفقد شرطاً واحداً ويكون أضعف مما يفقد الشروط الخمسة الباقية، وهو ما فقد الصدق، وإن كان الثاني فما هو؟ وإن كان لأمر غير معرفة الأضعف فإن كان لتخصيص كل قسم باسم فليس كذلك فإنهم لم يسموا منها إلا القليل كالمعضل والمرسل ونحوهما، أو لمعرفة كم يبلغ قسماً بالبسط فهذه ثمرة مُرة، أو لغير ذلك فما هو؟ انتهى. وإلى ما ذكره الحافظ أشار بقوله: (وهو لا يفيد) يعني أن هذا التقسيم لا فائدة فيه.
ثم تكلم على بعض أوهى الأسانيد على نمط ما تقدم في الصَّحِيح تبعاً للحاكم فقال:
١١٤ - ثُمَّ عَنِ الصِّدِّيقِ الأوْهَى كَرَّهْ ... صَدَقَةٌ عَنْ فَرْقَدٍ عَنْ مُرَّهْ
(ثم) بعد أن عرفت تعريف الضَّعِيف وتفاوت مراتبه وانقسامه إلى كثير فاعرف بعض أوهى الأسانيد فمنها (عن) أبي بكر (الصديق) ﵁ متعلق بما بعده، (الأوهى) أي السَّند الأضعف (كره) بفتح الكاف وتشديد الراء المفتوحة بوزن مرة ومعناها، فقوله: الأوهى خبر مقدم، وقوله (صدقة) بالصرف للضرورة، مبتدأ مؤخر، ويحتمل العكس، وهو صدقة بن موسى الدقيقي أبو المغيرة البصري يروي عن أبي عمران الجَوْني، وثابت، وعنه يزيد بن هارون، ومسلم بن إبراهيم، ضعفه النسائي. اهـ خلاصة.
حال كونه راوياً (عن فرقد) هو ابن يعقوب السَّبَخِي، بفتح المهملة والموحدة، وبخاء معجمة، أبو يعقوب البصري، صدوق عابد، لكنه لَيِّنُ
стр. 88
الحديث، كثير الخطأ، مات سنة إحدى وثلاثين، حال كونه راوياً (عن مرة) بن شراحيل، يقال له: مرة الطيب، وتقدمت ترجمته. وذكر في الميزان متن هذا السَّند مرفوعاً " لا يدخل الجنة خِبٌّ ولا بَخِيل، ولا سيئ المَلَكَةِ ".
قال المحقق أبو الأشبال أحمد محمد شاكر في تعليقه: وضَعفُ هذا الإسناد من أجل الكلام في صدقة وفرقد، ولم يحسن المؤلف في هذا إذ يُوهِم أن هذا الإسناد من أوهى الأسانيد، مع أن ضعفهما محتَمَل، بل قد وثقهما بعض الأئمة اهـ.
١١٥ - وَالْبَيْتِ عَمْرٌو ذَا عَنِ الجُعْفِيِّ ... عَنِ حَارِثِ الأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ
(والبيت) بالجر عطف على الصديق، أي أوهى الأسانيد لأهل البيت (عمرو) بالرفع عطفاً على صدقة عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المشهور، وهو عمرو بن شمر الجعفي الشيعي، قال البخاري منكر الحديث، وروى عباس، عن يحيى، ليس بشيء. وقال الجوزجاني: زائغ كذاب، وقال ابن حبان: رافِضيّ يشتم الصحابة، ويروي الموضوعات عن الثقات. وقال يحيى: لا يكتب حديثه، وقال الدارقطني: متروك الحديث. قاله في الميزان، (ذا) أي عمرو يروي (عن) جابر بن يزيد (الجعفي) الكوفي، من علماء الشيعة. قال ابن مهدي عن سفيان، كان جابر الجعفي وَرِعاً في الحديث، ما رأيت أورع منه في الحديث وقال شعبة صدوق، إذا قال أخبرنا وحدثنا وسمعت فهو من أوثق النَّاس، وقال وكيع: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه ترك يَحْيَى القطان جابراً الجعفي، وتركه عبد الرحمن، وَيَحْيَى بأخرة. وقال النسائي وغيره: متروك. وقال أبو داود: ليس عندي بالقوي في حديثه، قاله في الميزان.
وقال البخاري في الضعفاء الصغير: وقال أبو سعيد الحداد سمعت يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال قال الشعبي: يا جابر لا تموت حتى تكذب على رسول الله ﷺ ، قال إسماعيل فما مضت الأيام والليالي حتى اتهم بالكذب اهـ. حال كونه راوياً (عن حارث) بترك الصرف
стр. 89
للوزن ابن عبد الله أو ابن عبيد، أبي زهير (الأعور) الهمداني، الكوفي، من كبار التابعين على ضعف فيه، أورد البخاري في الضعفاء الكبير عن شعبة قال: حدثنا الحارث وأشهد أنه أحد الكذابين. وروى أبو بكر بن عياش عن مغيرة، قال لم يكن الحارث يصدق عن علي في الحديث، وقال ابن المديني: كذاب. وقال ابن معين: ضعيف، ورُوِيَ عنه: ليس به بأس.
وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. اهـ. ميزان والضعفاء الكبير.
حال كونه راوياً (عن علي) بن أبي طالب ﵁. قال المحقق أبو الأشبال: وأشدهم ضعفاً عمرو بن شمر فإنه رافضيٌّ كذاب يشتم الصحابة، وأما جابر والحارث ففيهما خلاف قديم معروف، وللشيعة أسانيد أوهى من هذا جدًّا يراها من يقرأ في كتبهم، ويعجب منها اهـ.
١١٦ - وَلأَبِي هُرَيْرَةَ: السَّرِيُّ عَنْ ... دَاوُدَ عَنْ وَالِدِهِ أَيَّ وَهَنْ
(و) أوهى الأسانيد (لأبي هريرة) ﵁ (السري) بن إسماعيل بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء الهمداني الكوفي يروي عن الشعبي، وعنه حاتم بن إسماعيل. قال أحمد: تركه الناس. وقال النسائي: متروك. وقال غيره: ليس بشيء. اهـ خلاصة.
والذي عند الشارح من أنه البسري بن سليمان خطأ، وكذا ما في الأصل السدي بالدال قاله المحقق أبو الأشبال. (عن داود) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، الزعافري بزاي مفتوحة ومهملة وكسر الفاء أبي يزيد الكوفي الأعرج عم عبد الله بن إدريس، ضعيف، مات سنة ١٥١ روى له البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن ماجه. اهـ، تقريب.
(أي وهن) بالنصب على الحالية، لأن أيًّا الوصفية تكون بعد النكرات صفة وبعد المعارف حالًا، كما أفاده في مغني اللبيب، أي حال كون هذا السَّند كاملَ الوَهَن أي شديد الضعف.
стр. 90
١١٧ - لأَنَسٍ: دَاوُدُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ... أَبَانَ .............
(لأَنَسٍ) متعلق بمحذوف لدلالة ما قبله عليه أي أوهى الأسانيد لأنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري النجاري خادم رسول الله ﷺ عشر سنين شهد بدراً له ١٢٨٦ حديثاً اتفقا على مائة وثمانية وستين حديثاً، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين. مات سنة ٩٠ أو بعدها، وقد جاوز المائة، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. فقولنا أوهى الأسانيد مبتدأ خبره قوله (داود) بن المُحَبَّر، بمهملة وموحدة مشددة مفتوحة بن قَحْذَم، بفتح القاف وسكون المهملة وفتح المعجمة، الثقفي البكراوي أبو سليمان البصري نزيل بغداد متروك وأكثر كتاب العقل الذي صنفه موضوعات. مات سنة ٢٠٦ اهـ تقريب. حال كونه راوياً (عن أبيه) المحبر المذكور, قال الذهبي في الميزان: محبر بن قحذم والد داود يروي عن أبيه، ضعيف اهـ.
حال كونه راوياً (عن أبان) بن أبي عياش، واسمه فيروز أبي إسماعيل، البصري يروي عن أنس كان شعبة سيء الرأي فيه، وقال أحمد متروك الحديث.
وحاصل المعنى أن أوهى أسانيد أنس ﵁ داود بن المحبر عن والده المحبر عن أبان بن أبي عياش. (فائدة) الصَّحِيح الذي عليه الأكثرون صرف أبان والهمزة أصل، والألف زائدة، ووزنه فعال كغَزَال، ومنعه من الصرف بعضهم لوزن الفعل والعلمية، إذ الهمزة عنده زائدة والألف بدل من ياء، فوزنه أفعل. أفادهُ النووي ﵀.
قلت وعلى الأول قيل: من لم يصرف أبان فهو أتان.
.............. ... ...... وَاعْدُدْ لأَسَانِيدِ اليَمَنْ
١١٨ - حَفْصًا عَنَيْتُ العَدَنِيْ عَنِ الحَكَمْ ... ...........
(واعدد) أيها المحدث لأوهى (أسانيد) أهل (اليمن) (حفصاً) مفعول
стр. 91
اعدد، وفيه التضمين من عيوب القافية، إلا أنه مغتفر للمولدين، وهو حفص بن عمر بن ميمون، العدني، كما قال (عنيت) أي قصدت به (العدني) منسوب إلى عدن بفتحتين بلد باليمن الصنعاني، أبو إسماعيل لقبه الفَرْخ بفتح الفاء وسكون الراء بعدها خاء معجمة، ضعيف. أفاده في التقريب، وفي التهذيب: وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم عن عبد الله الطهراني: ثقة، وقال أبو حاتم: لين الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة اهـ.
حال كونه راوياً (عن الحكم) بفتحتين بن أبان العدني، أبي عيسى، صدوق عابد، له أوهام، مات سنة ١٥٤ وكان مولده سنة ٨٠ اهـ تقريب.
وحاصل المعنى أن أوهى الأسانيد لليمانيين، هو حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان، أي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄.
قلت: وإنما لم يستوف الناظم السَّند بذكر عكرمة كما فعل فيما مضى لأن في عكرمة كلاماً، وإن كان ثقة احتج به البخاري، فلو ذكره لتوهم أنه يَرَى كونه ضعيفاً حيث إنه يعدد أوهى الأسانيد، فترك ذكره لذلك والله أعلم.
وأما أوهى الأسانيد لابن عباس مطلقاً فالسدي الصغير محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عنه. قال الحافظ هذه سلسلة الكذب، لا سلسلة الذهب اهـ.
............... ... وَغَيْرُ ذَاكَ مِنْ تَرَاجِمٍ تُضَمْ
(وغير ذاك) المذكور مفعول مقدم لتضم (من تراجم) أي أسانيد، حال من غير ذاك (تضم) أيها المحدث، والمعنى أنك تزيد على ما ذكر من الأسانيد الأوهى غيرها.
ويحتمل كون غير مرفوعاً على الابتداء وتضم صفة لتراجم والخبر محذوف تقديره كذلك، أي غير ما ذكر من تراجم مَضمُومَة إليه كائن
كذلك.
стр. 92
فمنها قول الحاكم أوهى أسانيد العمريين محمد بن عبد الله بن القاسم بن عمر بن حفص بن عاصم عن أبيه عن جده فإن الثلاثة لا يحتج بهم.
وأوهى أسانيد عائشة نسخة عند البصريين عن الحارث بن شِبْل عن أم النعمان عنها.
وأوهى أسانيد ابن مسعود: شريك عن أبي فَزَارة عن أبي زيد عنه، وأوهى أسانيد المكيين عبد الله بن ميمون القَدَّاح، عن شهاب بن خِرَاش، عن إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وأوهى أسانيد المصريين أحمد بن الحجاج بن رشدين، عن أبيه، عن جده، عن قرة بن عبد الرحمن، عن كل من روى عنه. فإنها نسخة كبيرة.
وأوهى أسانيد الشاميين محمد بن قيس المصلوب، عن عبيد بن زحر، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة.
وأوهى أسانيد الخراسانيين عبد الرحمن بن مليحة، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن ابن عباس ﵄.
(تنبيه): الزيادة على العراقي، قوله: وهو على مراتب قد جعلا، وقوله: وهو لا يفيد إلى آخر الباب. ولما أنهى الكلام على الأقسام الثلاثة شرع يذكر بقية أنواع علوم الحديث فقال:
стр. 93
(الْمُسْنَد)
أي هذا مبحثه وهو النوع الرابع لا بخصوص التقسيم المتقدم.
كما قال ابن الصلاح: والملحوظ فيما نورده من الأنواع عموم علوم الحديث لا خصوص التقسيم الذي فرغنا الآن من أقسامه، وكان المناسب له تقديم المرفوع عليه.
ثم إنهم اختلفوا في حقيقته على أقوال ثلاثة: بينها بقوله:
١١٩ - الْمُسْنَدُ: الْمَرْفُوعُ ذَا اتِّصَالِ ... وَقِيلَ: أَوَّلٌ، وَقِيلَ: التَّالِي
(المسند) بفتح النون اسم مفعولِ أسنَد، وله اطلاقات ثلاث: أحدها الكتاب الذي جُمِعَ فيه ما أسنده الصحابة، أي رووه، كمسند أحمد وغيره، الثاني: أن يطلق ويراد به الإسناد، فيكون مصدراً كمسند الشهاب، ومسند الفردوس، أي أسانيد أحاديثهما. الثالث: ما ذكره في هذا الباب وهو: (المرفوع) إلى النبي ﷺ حال كونه (ذا اتصال) في إسناده فخرج الموقوف والمرسل والمعضل والمدلس.
وحاصل المعنى: أن المسند هو الذي جمع الرفع والاتصال، وهذا القول للحاكم. وحكاه ابن عبد البر عن قوم من أهل الحديث وبه جزم الحافظ في النخبة، وهو الأصح، إذ لا تمييز بينه وبين المتصل والمرفوع إِلا من هذه الحيثية، إذ المرفوع ينظر فيه إلى حال المتن مع قطع النظر عن
стр. 94
الإسناد، اتصل أو لا؟ والمتصل ينظر فيه إلى حال الإسناد مع قطع النظر عن المتن مرفوعاً كان أو موقوفاً، والمسند ينظر فيه إلى الحالين معاً، فيجمع شرطي الاتصال والرفع، فيكون بينه وبين كل منهما عموم وخصوص مطلق، فكل مسند مرفوع متصل، ولا عكس، أفاده السخاوي.
(وقيل) المسند (أول) أي المرفوع فقط، وهذا القول للحافظ أبي عمر بن عبد البر ذكره في كتابه التمهيد، وعليه فالمسند والمرفوع شيء واحد يدخلهما الانقطاع والإرسال والإعضال، قال الحافظ: وهو مخالف للمستفيض من عمل أهل الحديث في مقابلتهم بين المرسل والمسند، فيقولون: أسنده فلان وأرسله فلان اهـ.
قال السخاوي: وممن اقتضى كلامه أن المسند هو المرفوع الدارقطني اهـ.
(وقيل) المسند هو (التالي) أي التابع في الذكر للمرفوع في قوله ذا اتصال، يعني المتصل.
وحاصل المعنى أن المسند هو المتصل فقط، سواء كان مرفوعاً، أو موقوفاً أو مقطوعاً، وهذا القول للحافظ أبي بكر الخطيب وتبعه ابن الصباغ.
قال في التدريب: والمراد اتصال السَّند ظاهراً فيدخل ما فيه انقطاع خفي كعنعنة المدلس والمعاصر الذي لم يثبت لقاؤه لإطباق من خَرَّجَ المسانيد على ذلك اهـ. والحاصل أن المسند ينقسم على كل الأقوال إلى صحيح وحسن وضعيف. واللهُ أعلم.
ولما ذكر أن المسند هو المتصل المرفوع أراد أن يبين المرفوع فقال:
стр. 95
(المرفوع والموقوف والمقطوع)
أي هذا مبحثها وهي الأنواع الخامس والسادس والسابع جمعها في باب واحد لتناسبها، وقدم المرفوع لشرفه، ثم الموقوف له أيضاً.
١٢٠ - وَمَا يُضَافُ لِلنَّبِي المَرْفُوعُ لَوْ ... مِنْ تَابِعٍ، أَوْصَاحِبٍ وَقْفًا رَأَوْا
(وما) موصولة أو موصوفة مبتدأ (يضاف) أي ينسب (للنبي) بتخفيف الياء للوزن، أي إليه ﷺ قولًا، أو فعلاً، أو تقريراً أو نحوها كما تقدم في تعريف الحديث (لَوْ مِنْ تَابِعٍ) أي ولو كان الرفع صادر من تابعي، وكذا مَن دونه، وإنما أتى به إشارة إِلى خلاف الخطيب حيث شرط في المرفوع كونه من صحابي لكن المشهور ما في النظم.
وحاصل المعنى أن المرفوع هو المضاف إلى النبي ﷺ سواء كان المضيف صحابياً أو تابعياً أو من دونهما، حتى يدخلُ قول المصنفين: قال رسول الله ﷺ كذا، فدخل المتصل والمرسل والمنقطع والمعضل والمعلق، وخرج الموقوف والمقطوع. (أو) بمعنى الواو (صاحب) معطوف على النبي مجرور، أي وما يضاف إلى صاحب، بمعنى صحابي قولاً له أو فعلاً أو نحوهما مما لا قرينة للرفع فيه (وقفا) حال من المفعول، أو مفعول ثان مقدم لـ (رأوا) أي رأوه موقوفاً، يقال الذي أراه: أي أذهب إليه، قاله في المصباح.
стр. 96
وحاصل المعنى: أن المحدثين ذهبوا إلى أن ما أضيف إلى الصحابي مطلقاً موقوف.
والمراد بالقول هنا ما خلا عن قرينة الرفع، وأما الفعل فعند من يحتج به، والمراد بنحوهما ما يحصل بحضرتهم من قول أو فعل ولا ينكرونه فيكون من باب الإجماع إن كانوا كلهم، وإلا فإن خلا عن سبب مانع من السكوت والإنكار فله حكم الموقوف، ومن الإجماع السكوتي، أفاده الصنعاني.
١٢١ - سَوَاءٌ الْمَوْصُولُ وَالْمَقْطُوعُ فِي ... ذَيْنِ، وَجَعْلُ الرَّفْعِ لِلْوَصْلِ قُفِي
(سواء الموصول والمقطوع) مبتدأ وخبر، أي الموصول مسنداً والمقطوع، أي المنقطع إذ المراد به هنا معناه اللغوي لا الاصطلاحي الذي يأتي، أي المنقطع سنده بسبب حذف بعض الرواة عنه سواء، أي مستويان (في ذَيْنِ) أي في إطلاق المرفوع والموقوف عليه.
وحاصل المعنى أنه لا يشترط في المرفوع والموقوف اتصال السَّند فيطلقان على المتصل والمنقطع ونحوهما كما مر آنفاً.
(وجعل الرفع) مبتدأ أي المرفوع (للوصل) أي الموصول متعلق بـ (قفي)، أي تبع، خبر المبتدإ، أي استعمال المرفوع في خصوص المتصل أمرٌ متبع استعمله بعض أهل الحديث.
وحاصل المعنى: أن بعض أهل الحديث استعمل المرفوع في المتصل فقط حيث يقول في حديث واحد: رفعه فلان، وأرسله فلان، قال السخاوي: فهو رفع مخصوص إذ المرفوع أعم كما قررنا، على أن ابن النفيس مشى على ظاهره فقيد المرفوع بالاتصال اهـ.
١٢٢ - وَمَا يُضَفْ لِتَابِعٍ مَقْطُوُع ... وَالْوَقْفُ إِنْ قَيَّدْتَهُ مَسْمُوعُ
(وما) شرطية (يضف) بالبناء للمفعول أي يسند قولاً أو فعلاً (لتابع)
стр. 97
كبيراً أو صغيراً، أو من بعده (مقطوع) خبر لمحذوف أي هو. والجملة جواب ما بتقدير الفاء، أي فهو مقطوع، ويجمع على مقاطع ومقاطيع كالمساند والمسانيد، ولم يجز البصريون حذف الياء وأجازه الكوفيون واختاره ابن مالك، أفاده الصنعاني.
قال السخاوي: إنما يسمى قولُ التابعي وفعلهُ مقطوعاً حيث لا قرينة للرفع فيه كالموقوف وإلا فله حكم الرفع، وبهذا اندفع منع ادخالهما في أنواع الحديث بكون أقوال الصحابة والتابعين ومذاهِبِهم لا مدخل لها فيه.
بل قال الخطيب يلزم كَتْبُهَا والنظر فيها ليُتَخَيَّرَ من أقوالهم ولا يُشَذَّ عن مذاهبهم، قال السخاوي: لا سيما وهي أحد ما يعتضد به المرسل، وربما يتضح بها المعنى المحتمل من المرفوع، وقال الخطيب في الموقوفات على الصحابة: جَعَلَهَا كثير من الفقهاء بمنزلة المرفوعات من لزوم العمل بها وتَقدِيمِها على القياس اهـ.
ثم إن استعمال الموقوف للصحابي والمقطوع للتابعي هو الغالب في استعمالهم وهناك استعمال آخر أشار إليه بقوله:
(والوقف) مبتدأ أي استعمال الموقوف للتابعي، أو من دونه (إن قيدته) به كقولك موقوف على عطاء، أو ابن المسيب مثلاً (مسموع) خبر المبتدإ أي إن استعمال الموقوف على غير الصحابي مسموع عن المحدثين بشرط التقييد، وإلا فلا للإلباس، وجواب إن دل عليه السابق واللاحق أي فهو مسموع، ولما أنهى الكلام عن أقسام الثلاثة أتبعها بما له حكم الرفع من النوعين الآخرين فقال:
١٢٣ - وَلْيُعَطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ ... نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ، مِنْ صَحَابِي
(وليعط) بالبناء للمفعول (حكم الرفع) مفعول ثان ليعط، أي حكم الحديث المرفوع إليه ﷺ (في) القول (الصواب) أي الحق الراجح من أقوالٍ ثلاثة، وهو الذي عليه الجمهور (نحو من السنة) نائب فاعل يعط وهو
стр. 98
المفعول الأول، أي نحو قوله من السنة كذا حال كونه صادراً (من صحابي)، والمعنى: أن قول الصحابي من السنة كذا، كقول علي ﵁: " من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة " رواه أبو داود: يعطي حكم الرفع في الأصح، وهو الذي عليه جمهور المحدثين والفقهاء والأصوليين.
١٢٤ - كَذَا: أُمِرْنَا، وَكَذَا: كُنَّا نَرَى ... فِي عَهْدِهِ، أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
(كذا) حكم قوله (أمرنا) بكذا بالبناء للمفعول، كقول أم عطية ﵂ " أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور وأُمِرَ الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين " أخرجه الشيخان. وقول أنس ﵁: " أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة " أخرجاه أيضاً.
وكذا نهينا عن كذا كقول أم عطية ﵂: " نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزَم علينا " أخرجاه.
وإنما كان الأصحَّ في قوله من السنة وأمرنا ونهينا إعطاؤُها حكم الرفع لأنه المتبادر إلى الذهن من الإطلاق. قال ابن الصلاح: لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي، ومن يجب اتباع سنته، وهو رسول الله ﷺ .
ومقابل الأصح قول من قال إنه ليس بمرفوع لاحتمال أن يكون الآمر غيره كأمر القرآن، أو الإجماع أو بعض الخلفاء، أو الاستنباط، وأن يريد سنة غيره، وأجيب ببعد ذلك مع أن الأصل الأول.
(وكذا) قوله (كنا نرى) بالبناء للفاعل، أو نفعل، أو نقول، ونحو ذلك فهو في حكم المرفوع سواء نسب ذلك إلى عهده ﷺ ، بأن يقول كنا نرى كذا (في عهده) ﷺ ، كقول جابر ﵁ " كنا نَعزِل على عهد رسول الله ﷺ ". متفق عليه، أو " كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله ﷺ "، رواه النسائي وابن ماجه، وقولِ غيرِه كنا لا نرى بأساً بكذا
стр. 99
ورسول الله ﷺ فينا، أو كان يقال كذا وكذا على عهده، أو كانوا يفعلون كذا وكذا في حياته إلى غير ذلك من الألفاظ المفيدة للتكرار والاستمرار، أو لم ينسبه إليه كما أشار إليه بقوله (أو عن إضافة) إلى عهده ﷺ متعلق بـ (ـعَرَى) أي خلا، يعني أنه خلا عن نسبته إلى عهده ﷺ ، وعَرَى بفتح الراء هنا على لغة من قال بَقَى يَبْقَى بفتح عين الكلمة فيهما، وإلا فأصلها عري كرضي، يقال عرى يعرى بالكسر في الماضي والفتح في المضارع خلا، وأما عرا يعرو كغزا يغزو: نزل عليه وأصابه فلا يوافق هنا.
وحاصل المعنى: أن قول الصحابي كنا نرى كذا ونحوه مرفوع حكماً سواء أضافه إلى عهده ﷺ كالأمثلة السابقة أم لم يضفه كقول عائشة ﵂: " كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه " وقول جابر ﵁: " كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا ".
وهذا القول للحاكم أبي عبد الله، وفخر الدين الرازي، وقواه العراقي، والنووي، وقال: هو ظاهر استعمال كثير من المحدثين والصحابة، واعتمده الشيخان في صحيحيهما، وأكثر منه البخاري.
ومقابله ما ذهب إليه الجمهور من أنه إن أضافه فهو مرفوع وإلا فموقوف لأن ظاهره مشعر باطلاعه ﷺ وهذا القول هو المطوي في قوله:
١٢٥ - ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ لا يَخْفَى ...... ... ...........
(ثالثها) أي الأقوال مبتدأ خبره جملة قوله (إن كان) ذلك الفعل (لا يخفى) فمرفوع وإلا فموقوف.
وحاصل هذا القول أنه إن كان الفعل مما لا يخفى على النبي ﷺ غالباً فمرفوع وإن كان يخفى فموقوف كقول بعض الأنصار: " كنا نجامع فنكسل ولا نغتسل " وهذا القول قطع به أبو إسحاق الشيرازي، وقال به ابن السمعاني وآخرون، وفي المسألة أقوال أُخَرُ. وهذا الاختلاف إذا لم يوجد ما يدل على اطلاعه ﷺ وإلا فمرفوع بلا خلاف كما ذكره بقوله:
стр. 100
........... ... وَفِي: تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
(وفي تصريحه) متعلق بنفي أي تصريح الصحابي (بعلمه) متعلق بتصريح أي عِلْمِ النبي ﷺ بالقضية كقول ابن عمر ﵄: " كنا نقول ورسول الله ﷺ حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان ويسمع ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره " رواه الطبراني في الكبير، والحديث في الصَّحِيح بدون التصريح المذكور. قاله في التدريب. (الخلف) أي الخلاف المتقدم مبتدأ خبره جملة (نفي) بالبناء للمفعول أي انتفى.
وحاصل المعنى: أن الصحابي إذا صرح بعلم النبي ﷺ بأن ذكر ذلك في القصة صار ذلك مرفوعاً إجماعاً لكن دعوى الإجماع منتقض بخلاف داود الظاهري وبعض المتكلمين فتأمل.
١٢٦ - وَنَحْوُ: كَانُوا يَقْرَعُونَ بَابَهُ ... بِالظُّفْرِ، فِيمَا قَدْ رَأَوْا صَوَابَهُ
(وَنَحْوُ) بالرفع عطفاً على نحو من السنة، أي وليعط حكم الرفع في الأصح نحو قول المغيرة بن شعبة ﵁ (كانوا) أي الصحابة ﵃ (يقرعون) من باب فتح، أي يطرقون وينقرون (بابه) ﷺ (بالظفر) فيه لغات أفصحها بضمتين وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: (حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) والثانية الإسكان للتخفيف وقرأ بها الحسن البصري، وهو المتعين هنا للوزن والجمع أظفار، وربما جمع على أظْفُر مثل ركن وَأرْكُن، والثالثة بكسر الظاء وزان حِمْل وهي تجوز هنا أيضاً، والرابعة بكسرتين للاتباع، وقرئ بهما في الشَّاذ، والخامسة أظفور والجمع أظافير مثل أسبوع وأسابيع أفاده في المصباح.
والحديث أخرجه الحاكم في علوم الحديث بلفظ " كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافير " وقوله: (فيما قد رأوا صوابه) خبر لمحذوف أي هذا فيما أي في القول الذي رأى العلماء كونه صواباً، وهو قول ابن الصلاح، قال: بل هو أحرى باطلاعه ﷺ .
والحاصل أن له جهتين: جهة الفعل، وهو صادر من الصحابة فيكون
стр. 101
موقوفاً، وجهة التقرير، وهو مضاف إلى النبي ﷺ من حيث إن فائدة قرع بابه أن يعلم أنه يقرع، ومن لازم ذلك التقرير على ذلك الفعل فيكون مرفوعاً أفاده الحافظ.
ومقابل الأصح قول الحاكم ووافقه الخطيب إنه موقوف.
١٢٧ - وَما أَتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لا ... يُقَالُ إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلا
(وما) موصولة في محل رفع عطف على نحوُ من السنة أيضاً أي وليعط في الأصح حكم الرفع الحديثُ الذي (أتى) أي جاء عن الصحابي من قول له أو فعل (ومثله) مبتدأ خبره الجملة بعده أي مثل ذلك الآتي (بالرأي) أي الاجتهاد متعلق بـ (لا يقال)، أي ولا يفعل، والجملة حال من فاعل أتى.
وحاصل المعنى أن الصحابي إذا قال قولاً أو فعل فعلاً، لا مجال للاجتهاد فيه يحمل على أنه تلقاه من النبي ﷺ مثاله قولا قولُ ابن مسعود ﵁: " من أتى ساحراً أو عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " وكالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الأنبياء، والآتية كالملاحم، والفتن وأهوال يوم القيامة، وعما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص.
ومثاله فعلاً صلاة علي في الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين، ثم ذكر قيداً ذكره العراقي وتبعه الحافظ بقوله: (إذ) ظرفية (عن سالف) متعلق بحُمِلَ قدم على ما النافية للضرورة، أي متقدم من الأمم (ما) نافية (حملا) بالبناء للمفعول أو للفاعل، أي إذا لم يحمل ذلك الصحابي عن أهل الكتاب والألف إطلاقية فيهما، يعني أنه إنما يكون له حكم المرفوع إذا لم يكن الصحابي يروي الإسرائليات عن أهل الكتاب وإلا فلا.
١٢٨ - وَهكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا ... فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَوْ رَأْيًا أَبَى
(وهكذا) أي وليعط حكم الرفع مثل ما تقدم خبر مقدم لقوله (تفسير
стр. 102
من) أي تبيين وتوضيح شخص (صحبا) النبي ﷺ للقرآن (في سبب النزول) جار ومجرور حال من تفسير أي حال كون التفسير واقعاً في سبب نزول الآية.
وحاصل المعنى أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع كالسابق على الأصح، كقول جابر ﵁: " كانت اليهود تقول من أتى امرأته من دبرها في قُبلها جاء الولد أحول فأنزل الله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) الآية، رواه مسلم (أو) فيما (رأيا) أي اجتهاداً (أبى) أي امتنع من أن يناله رأيُ مجتهدٍ بأن كان لا يُعلَم إلا بتوقيف من الشارع، وأما غيره فموقوف، وهذا هو المعتمد الذي ذهب إليه الخطيب وأبو منصور البغدادي وتبعهما ابن الصلاح.
١٢٩ - وَعَمَّمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ... وَخَصَّ فِي خِلافِهِ كَمَا حُكِي
١٣٠ - وَقَالَ: لا، مِنْ قَائِلٍ مَذْكُورِ ... ................
(وعمم) هذا الحكم في كل ما فَسَّرَ به الصحابي (الحاكم) أبو عبد الله محمد بن عبد الله (في) كتابه (المستدرك) بفتح الراء لأنه استَدرَك فيه ما فات الشيخين مما كان على شرطهما أو أحدهما على زعمه، فهو مُسْتَدْرِكٌ والكتاب مستدْرَك فيه، والمعنى أن الحاكم في كتابه المستدرك حكم بأن تفسير الصحابي حديث مرفوع حيث قال: لِيَعْلَمْ طالبُ الحديث أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند اهـ.
(وخص) الحاكم (في خلافه) أي في غير المستدرك، وهو كتابه المسمى معرفة علومٍ الحديث (كما حكى) مفعول مطلق لخص على النيابة أي خصوصاً مشابها لما حكى آنفاً، والمعنى أن الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث لم يعمم الحكم بل خَصَّ كما خَصَّ غيرُه بما كان في سبب النزول، وفيما لا مجال للرأي فيه (وقال) الحاكم (لا) يكون تفسير الصحابي مرفوعاً إن كان صادراً (من قائل مذكور) أي من الصحابي الذي ذكر في سند ذلك التفسير.
стр. 103
وحاصل المعنى أن شرط كون تفسير الصحابي مرفوعاً أن لا يمكن حصوله من الصحابي بأن تعلق بسبب النزول أو بما لا مجال للرأي فيه، وإلا فهو من الموقوفات كتفسير أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) قال: " تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لحماً على عظم ".
لكن قال الناظم ليس هذا من الموقوف لأنه مما يتعلق بذكر الآخرة وما لا مدخل للرأي فيه بل هو من المرفوع.
............... ... وَقَدَ عَصَى الْهَادِيَ فِي الْمَشْهُورِ
(و) ليعط أيضاً حكم الرفع قول الصحابي على من فعل فعلاً من الأفعال بأن هذا (قد عصى) النبي (الهادي) ﷺ ، كقول عمار ﵁: " من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم " رواه الترمذي وغيره، فهذا ونحوه له حكم الرفع (في) القول (المشهور) بين أهل الحديث وجزم به الزركشي وادعى ابن عبد البر الإجماع عليه، ومقابلُ المشهورِ: ما قاله أبو القاسم الجوهري وتبعه عليه البلقيني: إنّ هذا ليس بمرفوع لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد لكن رد هذا ابنُ عبد ِالبر.
١٣١ - وَهَكَذَا: يَرْفَعُهُ، يَنْمِيهِ ... رِوَايَةً، يَبْلُغْ بِهِ، يَرْوِيهِ
(و) ليعط حكم الرفع أيضاً (هكذا) أي مثل ما تقدم من الأنواع قول التابعي فَمَنْ دونه بعد ذكر الصحابي (يرفعه) أي الحديث، أو رَفَعَه كحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: " الشفاء في ثلاثة شَربَة عسل، وشرطة محجم، وَكَيَّة نار، وأنهى أمتي عن الكي، رفع الحديث، رواه البخاري، وكذا يعطي حكم الرفع أيضاً قولهم (ينميه) بفتح الياء من باب رمي أي ينسبه، يعني أنه إذا قال التابعي بعد ذكر الصحابي ينميه أي ينسب الحديث إلى النبي ﷺ فله حكم الرفع كحديث مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: " كان النَّاس يؤمرون أنْ
стр. 104
يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة " قال أبو حازم لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك، وهو من نَمَيت الحديثَ إلى فلان إذا أسندته إليه.
وكذا يعطى حكم الرفع أيضاً قولهم بعد ذكر الصحابي (روايةً) أي ينقل ذلك الحديث نقلًا بمعنى أنه أخذه عن رسول الله ﷺ كحديث الأعرج عن أبي هريرة ﵁ رواية: " تقاتلون قوماً صغار الأعين " أخرجه البخاري.
وكذا يعطى أيضاً حكم الرفع قولهم (يبلغ) بسكون الغين للوزن (به) أي بذلك الحديث بمعنى أنه يصل به إلى النبي ﷺ كحديث الأعرج عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به: " الناس تبع لقريش " متفق عليه.
وكذا يعطى حكم الرفع أيضاً قولهم (يرويه) أو رواه بمعنى ينقله عن النبي ﷺ ، وكذا قولهم يسنده، أو يأثره، فكل هذا وأمثاله مرفوع بلا خلاف بين أهل العلم كما صرح به النووي واقتضاه كلام ابن الصلاح، قال السخاوي: يدل لذلك مجيء بعض المكنى به بالتصريح ففي بعض الروايات لحديث " الفطرة خمس " يبلغ به النبي ﷺ وفي بعضها قال رسول الله ﷺ ، والحامل على عدول التابعي عن قول الصحابي سمعت رسول الله ﷺ ونحوها إلى يرفعه وما يُذْكَرُ معها مع تحققه بأن الصحابي رفعه إلى النبي ﷺ كونه يشك في صيغة الرفع بعينها هل هي سمعت، أو قال رسول الله، أو نبي الله، أو حدثني، أو نحوها، وهو ممن لا يرى الإبدال أو طلَبُهُ التخفيفَ، أو شكه في ثبوته، أو ورعه حيث عَلِمَ أن المؤدي بالمعنى. أفاده السخاوي وغيره.
(تنبيه) وقع في بعض الأحاديث قول الصحابي عن النبي ﷺ يرفعه وهو في حكم قوله عن الله كالحديث الذي رواه الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يرفعه:
" إن المؤمن عندي له كل خير يحمدني وأنا أنزع
стр. 105
نفسه من بين جنبيه " حديث حسن أخرجه الدارمي في مسنده وهو من الأحاديث الإلهية وقد أفردها جمع بالجمع أفاده الصنعاني وغيره.
(تكملة) ومن ذلك الاقتصار على القول مع حذف القائل كقول ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال " أسلم وغفار وشيء من مزينة " الحديث قال الخطيب إلا أن ذلك اصطلاح خاص بأهل البصرة لكن روي عن ابن سيرين أنه قال كل شيء حدثت عن أبي هريرة فهو مرفوع قاله في التدريب.
١٣٢ - وَكُلُّ ذَا مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ ... لا رَابِعٌ جَزْمًا لَهُمْ، وَالأَوَّلُ
١٣٣ - صَحَّحَ فِيهِ النَّوَوِيُّ الْوَقْفَا ... وَالْفَرْقُ فِيهِ وَاضِحٌ لا يَخْفَى
(وكل ذا) مبتدأ خبره قوله مرسلِ أي كل ما تقدم من قوله: " وليعط حكم الرفع، إلى هنا حال كونه صادراَ (من تابعي مرسل) مرفوع، ويحتمل أن يكون اسم الإشارة عائداً إلى البيت الذي قبله، أي كل هذه الألفاظ إذا صدرت عند ذكر التابعي كأن يقول من يروي عن التابعي حدثنا فلان بكذا يرفعه أو ينميه أو يبلغ به ونحوها فهو مرسل مرفوع بلا خلاف، وهو الذي تفيده عبارة شروح الألفية العراقية للسخاوي وغيره. وقوله: (لا رابع) قال الشارح هو التفسير في سبب النزول، قلت: لا وجه لإخراج التفسير عما قبله لأنه يكون المعنى عليه وكل هذه الألفاظ المتقدمة إذا كانت من التابعي فهو مرسل إلا الرابع فإنه ليس كذلك، وهذا معنى فاسد، لأن التفسير الذي يتعلق بسبب النزول مرسل مرفوع أيضاً، ولعل النسخة وقع فيها تصحيف والأصل: وكل ذا من تابعي مرسل مع رفعه إلخ.
وتكون الإشارة إلى البيت الذي قبله، يعني أن هذه الألفاظ إذا ذكرت عند ذكر التابعي فالحديث مرسل مرفوع بلا خلاف كما أشار إليه بقوله (جزما لهم) وفي نسخة جزم بالرفع أي حال كونه مجزوماً به، أي متفقاً عليه بين العلماء، أو هو مجزوم به عندهم، وهذا هو الموافق لما في شروح
стр. 106
الألفية العراقية كما ذكرناه آنفاً، وهو الواضح (والأول) أي قوله من السنة مبتدأ خبره جملة قوله (صحح فيه النووي الوقفا) أي كونه موقوفاً.
والمعنى: أن قول التابعي من السنة كذا كقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: " السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات " صحح الإمام النووي ﵀ كونه متصلًا موقوفاً على الصحابي.
(والفرق فيه واضح) مبتدأ وخبر، أي الفرق بين الأول وبين المسألة المذكورة قبل واضح (لا يخفى) على من تأمله.
وحاصل المعنى: أن الفرق بين قوله من السنة كذا حيث جعلناه موقوفاً متصلاً وبين الألفاظ المتقدمة حيث جعلناها مرفوعاً مرسلاً واضح غير خفي، وذلك لأن " يرفع الحديث " تصريح بالرفع وقريب منه ما ذُكِرَ معه من الألفاظ بخلاف من السنة فيتطرقها احتمال إرادة سنة الخلفاء الراشدين فكثيراً ما يعبرون بها فيما يضاف إليهم، وقد يريدون سنة البلد، وهذا الاحتمال وإن قيل به في الصحابي أيضاً فهو في التابعي أقوى أفادهُ السخاوي ومقابل الصَّحِيح قول من قال إنه مرفوع مرسل والله أعلم.
(تَتِمَّة) الزيادات في هذا الباب قوله: ثالثها إن كان لا يخفى البيت، وقوله: إذ عن سالف ما حملا، وقوله: أو رأياً أبى إلى آخر البيت الذي يليه، وقوله: وقد عصى الهادي في المشهور، وقوله: لا رابع جزما، وقوله: النووي، وقوله: والفرق فيه واضح لا يخفى. والله أعلم.
стр. 107
(الموصول والمنقطع والمعضل)
أي هذا مبحثها وهي النوع الثامن والتاسع والعاشر وجمعها في باب واحد للتناسب بينها إما بالضدية كما في الموصول مع الآخرين أو التشابه كما في المنقطع والمعضل، والموصولُ لغة اسم مفعول من وصله بمعنى بلغه، أو أعطاه، أو ترك هجره وقطيعته. واصطلاحاً ما أشار إليه بقوله:
١٣٤ - مَرْفُوعًا اْوْ مَوْقُوفًا إِذْ يَتَّصِلُ ... إِسْنَادُهُ: الْمَوْصُولُ وَالمُتَّصِلُ
(مرفوعاً) منصوب على الحالية من الموصول أي حال كون الموصول مرفوعاً إلى النبي ﷺ (أو موقوفاً) على الصَّحَابي ويحتمل نصبه بكان المحذوفة أي سواء كان مرفوعاً، أو موقوفاً، ولو قال مرفوع أو موقوف بالرفع لكان أوضح (إذ) منصوبة على الظرفية خبر للمبتدإ المؤخر (يتصل) (إسناده) بسماع كل واحد من رواته عمن فوقه أو بالإجازة كما قاله ابن جماعة إلى منتهاه (الموصول) مبتدأ مؤخر، والتقدير الموصولُ: حاصلٌ إذ يتصل إسناده، أي وقت اتصال سند الحديث (و) يقال له (المتصل) أيضاً فهما اسمان لمسمى واحد.
وحاصل المعنى: أن الحديث إذا اتصل إسناده إلى النبي ﷺ أو إلى أحد من الصحابة فإنه يسمى موصولاً ومتصلاً، ويقال له أيضاً مؤتصل بالفك والهمز كما هي عبارة الشافعي في الأم فخرج بقيد المتصل المرسل والمنقطع والمعضل والمعلق وكذا معنعن المدلس قبل تبين سماعه، وأما
стр. 108
المقطوع إذا اتصل إسناده فلا يسمى موصولاً بالإطلاق للتنافي بين لفظ القطع والاتصال، وأما مع التقييد فيجوز بل هو واقع في كلامهم حيث يقولون: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب أو إلى الزهري، أو إلى مالك ونحو ذلك.
ثم ذكر المنقطع فقال:
١٣٥ - وَوَاحِدٌ قَبْلَ الصَّحابِيِّ سَقَطْ ... مُنْقَطِعٌ، قِيلَ: أَوِ الصَّاحِبِ قَطْ
(وواحد) مبتدأ أي راو واحد (قبل الصحابي) متعلق بما بعده من أي موضع كان، وإنما قيد به لأنه لو كان الساقط صحابياً لكان مرسلاً، وجملة قوله: (سقط) صفة لواحد أي ساقط، وقيد به لأنه لو كان مبهماً كفلان فلا يسمى منقطعاً عند الأكثرين، بل متصل في سنده مجهول (منقطع) خبر لمحذوف أي فالسَّند منقطع، والجملة خبر لواحد بتقدير رابط أي بسببه، وتقدير الكلام وواحد ساقط قبل الصحابي فالسَّند منقطع بسببه ولو قال:
إِنْ وَاحِدٌ قَبْلَ الصَّحَابِيِّ سَقَطْ مُنْقَطِعٌ إلخ لكان أوضح.
وحاصل المعنى: أن المنقطع هو ما سقط من رواته راو واحد قبل الصحابي من أيّ موضع كان فخرج بقيد الواحد المعضل، وبما قبل الصحابي المرسل، فهو مغاير له لكن عند إطلاق الاسم، وأما عند استعمال الفعل المشتق فيستعمل الإرسال فقط فيقال: أرسله فلان سواء كان مرسلاً أو منقطعاً قاله الحافظ ﵀.
وهذا هو المشهور في تعريف المنقطع وفيه أقوال أخر أشار إلى بعضها بقوله:
(قيل أو الصاحب) أي أو سقط الصحابي (قط) أي فحسب.
والمعنى أن بعضهم قال: إن المنقطع يطلق أيضاً على ما سقط منه الصحابي فقط وعلى هذا فالمنقطع يشمل المرسل. وعبارة العراقي أولى،
стр. 109
وهي: وقيل: ما لم يتصل أي أن المنقطع هو الذي لم يتصل إسناده ولو كان الساقط أكثر من واحد فيدخل فيه المرسل والمعضل والمعلق، والحاصل على هذا القول أن المنقطع أعم.
واعلم أنهم اختلفوا في المنقطع على أقوال: الأول أن المنقطع ما سقط من رواته واحد قبل الصحابي. والثاني ما حكي عن الحاكم وغيره من أهل الحديث أنه ما سقط منه قبل الوصول إلى التابعي شخص واحد، وإن كان أكثر من واحد في موضع سمي معضلاً، وإن لا فمنقطع في موضعين ويسمى المعضل أيضاً منقطعاً، فكل معضل منقطع وليس كل منقطع معضلاً قال العراقي: فقول الحاكم قبل الوصول إلى التابعي ليس بجيد فإنه لو سقط التابعي لكان منقطعاً.
الثالث ما قاله ابن عبد البر: المنقطع ما لم يتصل إسناده والمرسل مخصوص بالتابعي فالمنقطع أعم والمرسل بعض صوره.
الرابع ما قاله ابن الصلاح عن بعضهم: إن المنقطع مثل المرسل وكلاهما شامل لكل ما لم يتصل إسناده. قال: وهذا المذهب أقرب صار إليه طوائف من الفقهاء وهو الذي حكاه الخطيب في كفايته أفاده العلامة محمد بن إبراهيم في كتابه تنقيح الأنظار.
ثم إن المنقطع بالتعريف الأول لا يشترط أن يكون الساقط في موضع واحد بل لو كان أكثر من واحد يسمى منقطعاً أيضاً بشرط أن لا يتوالى وإليه أشار بقوله:
١٣٦ - مُنْقَطِعٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ اثْنَيْنِ لا ... تَوَالِيًا وَمُعْضَلٌ حَيْثُ وَلا
(منقطع) خبر لمحذوف أي هو منقطع (من موضعين) متعلق به (اثنين) بالنصب في نسخة المحقق خبراً لكان المحذوفة مع أداة الشرط أي إن كان اثنين واسم كان يعود إلى الساقط المفهوم من سقط السابق.
والمعنى أن الساقط من السَّند إن كان اثنين يقال له منقطع من
стр. 110
موضعين ومثله ما إذا كان أكثر من موضعين بشرط عدم التوالي كما أشار إليه بقوله:
(لا تواليا) صفة لاثنين أي غير متواليين ولو قال بدل هذا البيت:
وَإنْ بِلَا وِلَاءٍ أكْثَرُ حُذِفْ ... فَقَيِّدَنْ أوْلاَ فَمُعْضَلاً عُرِفْ
لكان أوضح.
أي وإن حذف أكثر من واحد بغير توال فَسَمِّهِ منقطعاً بقيد كأن تقول منقطع من موضعين أو ثلاثة أو أربعة، والحاصل أنه إذا كان الساقط أكثر من واحد بشرط عدم التوالي فهو منقطع أيضاً، لكنه مقيد بأنه منقطع من موضعين، أو من ثلاثة أو أربعة وهلم جرا، وأما إذا كان مع التوالي فهو يسمى معضلاً، وهو النوع العاشر كما أشار إليه بقوله (ومعضل) بفتح الضاد المعجمة من الرباعي المتعدي، يقال: أعضله فهو معضل وعضيل كما سمع في أعقدت العسَلَ فهو عَقِيد بمعنى مُعْقَد، وأعله المرض فهو عليل بمعنى معل، وفعيل بمعنى مفعل إنما يستعمل في المتعدي، والعضيل الأمر المستغلق الشديد ففي الحديث " إن عبداً قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم شأنك فأعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبان " الحديث رواه أحمد وابن ماجه. قاله المنذري. قال أبو عبيد: هو من العضال الأمر الشديد الذي لا يقوم له صاحبه انتهى، فكأن المحدث الذي حدث به أعضله حيث ضيق المجال على من يوفيه إليه، وحال بينه وبين معرفة راويه بالتعديل والتجريح وشدد عليه الحال، ويكون ذلك الحديث معضلًا لإعضال الراوي له هذا تحقيق لغته وبيان استعارته هكذا حققه العلامة السخاوي في فتح المغيث.
وأما اصطلاحاً فهو الذي سقط منه اثنان فصاعدا مع التوالي كما أشار إليه بقوله (حيث ولا) بكسر الواو والقصر للضرورة مصدر وَالَى بمعنى تابع نائب فاعل لمحذوف، أي حيث وجد ولاء، أي تتابع بين الساقطين.
следующие страницы →