وحاصل المعنى أن ما في الصَّحِيح من التعاليق بصيغة الجزم كالأمثلة المتقدمة فهو محكوم بصحته عن المضاف إليه لأنه لا يستجيز أن يجزم بذلك عنه إلا وقد صح عنده عنه.
وإنما قيد بقوله عن المضاف إليه لأنه لا يحكم بصحة الحديث مطلقاً بل يتوقف على النظر فيمن أبرز من رجاله، وذلك أقسام:
أحدها: ما يلتحق بشرطه، والسبب في عدم إيصاله إما الاستغناء بغيره عنه مع إِفادة الإشارة إليه، وعدم إهماله بإيراده، معلقاً اختصاراً، وإما كونه لم يسمعه من شيخه، أو سمعه مذاكرة، أو شك في سماعه فما رأى أن يسوقه مساق الأصول.
ومن أمثلته قوله في الوكالة: قال عثمان بن الهيثم، حدثنا عون، حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: " وكلني رسول الله ﷺ بزكاة رمضان " الحديث. وأورده في فضائل القرآن، وذِكْرِ إبليس، ولم يقل في موضع منها: حدثنا عثمان فالظاهر عدم سماعه له منه. الثاني: ما لا يلتحق بشرطه ولكن صحيح على شرط غيره، كقوله في الطهارة: وقالت عائشة " وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه " أخرجه مسلم في صحيحه.
الثالث: ما هو حسن صالح للحُجِّيَّةِ، كقوله فيه: وقال بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، " الله أحق أن يستحى منه " وهو حديث حسن مشهور أخرجه أصحاب السنن.
الرابع: ما هو ضعيف لا من جهة قَدْح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إِسناده كقوله في الزكاة، قال طاوس: قال معاذ بن جبل لأهل اليمن: " ائتوني بعرض ثياب " الحديث فإسناده إلى طاوس صحيح إلا أن طاوساً لم يسمع من معاذ اهـ تدريب باختصار.
(وغيره) مفعول مقدم لِضَعِّفْ، أي غير ما أتى به بصيغة الجزم بأن أتى به بصيغة التمريض، كيُرْوَى، ويُذكَرُ، ويحكى، وذُكِر وحُكِيَ عن
стр. 142
فلان، أو في الباب عنه ﷺ ، كما قال ابن الصلاح (ضعف) أي احكم بضعفه عن المضاف إليه، قال ابن الصلاح: لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضَّعِيف أيضاً، وأشار بقوله أيضاً إلى أنه ربما يورد ذلك فيما هو صحيح إِمَّا لكونه رواه بالمعنى، كقوله في الطب: ويذكر عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الرقى بفاتحة الكتاب فإنه أسنده في موضع آخر، أوليس على شرطه كقوله في الصلاة ويذكر عن عبد الله بن السائب قال: " قرأ النبي ﷺ المؤمنون في صلاة الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أخذته سعلة فركع " وهو صحيح أخرجه مسلم، إلا أن البخاري لم يخرج لبعض رواته.
أو لكونه ضَمَّ إليه ما لم يصح فأتى بصيغة تستعمل فيهما كقوله في الطلاق ويذكر على علي بن أبي طالب وابن المسيب وذكر نحواً من ثلاثة وعشرين تابعياً، وقد يورده أيضاً في الحسن كقوله في البيوع ويذكر عن عثمان بن عفان أن النبي ﷺ قال له " إذا بِعتَ فِكلْ وإذا ابتعت فاكتل " رواه الدارقطني من طريق عبيد الله بن المغيرة، وهو صدوق، عن منقذ مولى عثمان، وقد وثق، عن عثمان، وتابعه سعيد بن المسيب، ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند، إلا أن في إسناده ابن لهيعة، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عطاء عن عثمان وفيه انقطاع، والحديث حسن لما عضده من ذلك.
ومن أمثلة ما أورده من ذلك وهو ضعيف قوله في الوصايا: ويذكر عن النبي ﷺ " أنه قضى بالدين قبل الوصية " وقد رواه الترمذي موصولًا من طريق الحارث الأعور عن علي والحارث ضعيف.
وقوله في الصلاة ويذكر عن أبي هريرة رفعه: " لا يتطوع الإمام في مكانه " وقال عقبه: ولم يصح، وهذه عادته في ضعيف لا عاضد له من موافقة إجماع أو نحوه على أنه فيه قليل جداً، والحديث أخرجه أبو داود من طريق الليث بن أبي سليم، عن الحجاج بن عبيد، عن إِبراهيم بن
стр. 143
إسماعيل، عن أبي هريرة، وليث ضعيف، وإبراهيم لا يعرف، وقد اختلف عليه فيه أفاده في التدريب.
ثم إن إيراد صاحب الصَّحِيح للمعلق الضَّعِيف كذلك في أثناء صحيحه مشعر بصحة الأصل له إشْعَاراً يؤنس ويركن إليه، فلا ينبغي أن نحكم بكونه واهياً كما أشار إليه بقوله: (ولا) ناهية (توهنه) مضارع أوهنته إذا أضعفته، وفي نسخة الشارح تَهِنْه مضارع وهنته ثلاثياً، يقال: وهنته من باب وعدته إذا أضعفته ولكن الأجود أن يتعدى بالهمز كما في النسخة الأولى أفاده في المصباح، أي لا تَحْكُم على ما أورده بصيغة التمريض بأنه واهن ساقط جداً لإدخاله إياه في الكتاب الموسوم بالصَّحِيح.
(تنبيهان): الأول: قال ابن الصلاح: إذا تقرر حكم التعاليق المذكورة فقول البخاري: ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وقول الحافظ أبي نصر السجزي: أجمع الفقهاء وغيرهم أن رجلًا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في البخاري صحيح قاله رسول الله ﷺ لا شك فيه لم يحنث: محمول على مقاصد الكتاب، وموضوعه، ومتون الأبواب المسندة دون التراجم ونحوها. قاله في التدريب.
الثاني: حاصل ما تقدم في تعاليق البخاري أنها على قسمين على ما حققه الحافظ في هدي الساري، الأول: المعلق بصيغة الجزم، وينقسم إلى صحيح على شرطه وهذا في الحقيقة معلق صورة لاحقيقة، وإلى حسن تقوم به الحجة، وإلى ضعيف بسبب انقطاع يسير. والثاني: ما علقه بصيغة التمريض فإنه قسمه إلى خمسة أقسام صحيح على شرطه، صحيح على شرط غيره جزماً لا إمكاناً، حسن، ضعيف غير منجبر، ضعيف منجبر، فهذه خمسة أقسام هذا مجمل ما في الهدي.
قال الصنعاني: إذا عرفت هذا عرفت أن تعاليق البخاري لا يتم الحكم على المروي منها بشىء من الصحة ولا الحسن ولا الضعف إلا بعد الكشف والفحص، عن حال ما علقه.
стр. 144
وقد بين الحافظ ﵀ مجمل ما في الهدي في نكته على ابن الصلاح فقال: الأحاديث المرفوعة التي لم يوصل البخاري إسنادها في صحيحه: منها ما يوجد في محل آخر من كتابه موصولًا، ومنها ما لا يوجد إلا معلقاً. فأما الأول: فالسبب في تعليقه أن البخاري من عادته في صحيحه أن لا يكرر شيئاً إلا لفائدة وإذا كان المتن يشتمل على أحكام كرره في الأبواب بحسبها أو قطعه في الأبواب إذا كانت الجملة يمكن انفصالها من الجملة الأخرى، ومع ذلك لا يكرر الإسناد بل يغاير بين رجاله إما بشيوخه أو بشيوخ شيوخه، أو نحو ذلك، فإذا ضاق مخرج الحديث ولم يكن له إلا إسناد واحد واشتمل على أحكام واحتاج إلى تكريرها فإنه والحال هذه إما أن يختصر المتن، أو يختصر الإسناد، وهذا أحد الأسباب في تعليقه للحديث الذي وصله في موضع آخر.
وأما الثاني: وهو ما لا يوجد فيه إلا معلقاً فهو على صورتين: إما بصيغة الجزم، وإما بصيغة التمريض.
فأما الأول: فهو صحيح إلى من علق عنه، وبقي النظر فيما أبرز من رجاله فبعضه يلتحق بشرطه، والسبب في تعليقه له إما لكونه لم يحصل له مسموعاً وإنما أخذه على طريق المذاكرة، أو الاجازة، أو كان قد خرَّج ما يقوم مقامه فاستغنى بذلك من إيراد هذا المعلق مستوفي السياق، أو لِمَعنىً غيرِ ذلكَ أو لتقاعده عن شرطه وإن صححه غيره أو حسنه وبعضه يكون ضعيفاً من جهة الانقطاع خاصة.
وأما الثاني: وهو المعلق بصيغة التمريض مما لم يورده في مواضع أخر فلا يوجد ما يعلق بغير شرطه إلا مواضع يسيرة قد أوردها بهذه الصيغة لكونه ذكرها بالمعنى، نعم فيه ما هو صحيح وإن تقاعد عن شرطه، إما لكونه لم يخرج لرجاله أو لوجود علة فيه عنده ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، وهو على قسمين: أحدهما ما ينجبر بأمر آخر، وثانيهما ما لا
стр. 145
يرتقي عن مرتبة الضَّعِيف، وحيث يكون بهذه المثابة فإنه يبين ضعفه ويصرح به حيث يورده في كتابه ثم ذكر أمثله لذلك.
ثم قال: فقد لاح بهذه الأمثلة واتضح أن الذي يتقاعد عن شرط البخاري من التعليق الجازم جملة كثيرة، وأن الذي علقه بصيغة التمريض حين أورده في معرض الاحتجاج والاستشهاد فهو صحيح أو حسن أو ضعيف ينجبر، وإن أورده في موضع الرد فهو ضعيف عنده، وقد بينا كونه يبين كونه ضعيفاً.
قال: وجميع ما ذكرناه يتعلق بالأحاديث المرفوعة، وأما الموقوفات فإنه يجزم بما صح عنده منها ولم يبلغ شرطه، ويمرض ما كان فيه ضعف وانقطاع، وإذا علق عن شخصين وكان لهما إسنادان مختلفان مما يصح أحدهما ويضعف الآخر فإنه يعبر فيما هذا سبيله بصيغة التمريض.
وهذا كله فيما صرح بنسبته إلى النبي ﷺ وإلى أصحابه، أما ما لم يصرح بإضافته إلى قائل، وهي الأحاديث التي يوردها في تراجم الأبواب من غير أن يصرح بكونها أحاديث، فمنها ما يكون صحيحاً وهو الأكثر، ومنها ما يكون ضعيفاً كقوله: " اثنان فما فوقهما جماعة " لكن ليس شيء من ذلك ملتحقاً بأقسام التعليق التي قدمناها إذ لم يسقها مَسَاقَ الأحاديث، وهي قسم مستقل ينبغي الاعتناء بجمعه والتكلم عليه، وبه وبالتعاليق يظهر كثرة ما اشتمل عليه البخاري من الأحاديث، ويوضح سعةَ اطلاعه ومعرِفَتِهِ بأحاديث الأحكام جملة وتفصيلًا. انتهى كلام الحافظ، ونقله الصنعاني في توضيح الأفكار.
ثم ذكر حكم ما يورده البخاري عن شيوخه بقال، ونحوها، فقال:
١٥٧ - وَمَا عَزَا لِشَيْخِهِ بِقَالا ... فَفِي الأَصَحِّ احْكُمْ لَهُ اتِّصَالا
(وما) موصولة مبتدأ أي الحديث الذي (عزا) أي نسبه صاحب الصَّحِيح في كتابه (لشيخه) أي إليه (بِقَالا) أي بهذه الكلمة، والألف
стр. 146
للإطلاق، ونحَوِها كزاد، وذكر. والجاران يتعلقان بعزا، وذلك كقوله: قال فلان، وزاد فلان، وذكر فلان، ونحوها (ففي الأصح) أي القول الأصح الذي جزم به ابن الصلاح، وصوبه العراقي، متعلق بـ (ـاحْكمْ له) أي لهذا المعزو لشيخه (اتصالا) منصوب بنزع الخافض على قلة، أي باتصال، وجملة احكم خبر عن ما، ودخلت الفاء لما في المبتدإ من معنى الشرط.
وحاصل معنى البيت أن صاحب الصَّحِيح إذا عزا الحديث إلى شيخه بصيغة قال ونحوها فالأصح وفاقا لابن الصلاح والعراقي والنووي أن له حكمَ المتصل بالعنعنة بشرط لقاء الراوي لمن عنعن عنه، وسلامتِهِ من التدليس، فهو صحيح وليس تعليقاً، ومقابل الأصح قول الحميدي في مثله: إنه تعليق، وصوبه ابن دقيق العيد مع حكمه بصحته عن قائله، ومشى المزي في أطرافه على كونه تعليقاً أيضاً، ولم يقل بانقطاعه، ولكن حكم عبد الحق وابن العربي بعدم اتصاله، وقال الذهبي: حكمه الانقطاع، ونحوه قول أبي نعيم: أخرجه البخاري بلا رواية، وهو مقتضى كلام ابن منده حيث صرح بأن قال: تدليس، قال العراقي: ولم يوافق عليه، وقال ابن حزم في المحلى في حديث المعازف لقول البخاري: قال هشام بن عمار، حدثنا صدقة، إنه حديث منقطع بين البخاري وصدقة بن خالد، ورَدَّ عليه الحُذَّاقُ، انظر التنقيح والتوضيح، ثم ذكر حكم قال لغير البخاري فقال:
١٥٨ - وَمَا لَهَا لَدَى سِوَاهُ ضَابِطُ ... فَتَارَةً وَصْلٌ وَأُخْرَى سَاقِطُ
(وما) نافية (لها) أي لقال (لدى سواه): أي عند غير البخاري من المحدثين: وهو متعلق بـ (ضابط) وهو مبتدأ وخبره الجار والمجرور المتقدم، أو الخبر الظرف والجار متعلق به. والمعنى أنه ليس لهذه الكلمة عند غير البخاري ضابط يرجع إليه كما كان له ذلك فيما تقدم بل اصطلاحهم مختلف، فمنهم من يستعملها في السماع دائماً، كحجاج بن موسى المِصيصِيّ الأعورِ، وإليه أشار بقوله (فتارة وصل) خبر لمحذوف على
стр. 147
حذف مضاف أي هي ذات وصل بمعنى أنها مستعملة في الوصل، ومنهم من عكس فاستعملها فيما لم يسمعه دائماً، وإليه أشار بقوله (وأخرى) أي تارة أخرى هي (ساقط) أي ساقط ما دخلت فيه فوصفها بالسقوط مجازاً يعني أن ما استعملت فيه ليس موصولاً بالسماع.
وحاصل معنى البيت أن قال في استعمالِ غيرِ البخاري لا ضابط لها، فتارة تستعمل في الموصول، وتارة تستعمل في غيره، هذا حاصل معنى كلامه.
لكن هذا الاستعمال ليس لشخص واحد بل لأكثر كما يتبين فيما بعد، وعلى هذا فمن استعملها للوصل فموصولة، ومن استعملها للانقطاع فمنقطعة، وهذا هو معنى الضبط، وسيجىء عن الخطيب ما يوضح ذلك.
وإيضاح المسألة ما ذكره في التدريب، ونصه: أما ما عزاه البخاري لبعض شيوخه بقوله: قال فلان وزاد فلان ونحو ذلك فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم، بل حكمه حكم العنعنة من الاتصال بشرط اللقاء والسلامة من التدليس، كذا جزم به ابن الصلاح، قال: وبلغني عن بعض المتأخرين من المغاربة أنه جعله قسماً من التعليق ثانياً وأضاف إليه قول البخاري: وقال لي فلان وزادنا فلان، فَوَسَمَ كُل ذلك بالتعليق.
قال العراقي: وما جزم به ابن الصلاح ههنا هو الصواب، وقد خالف ذلك في نوع الصَّحِيح فجعل من أمثلة التعليق قولَ البخاري: قال عفان كذا، وقال القعنبي كذا، وهما من شيوخ البخاري، والذي عليه عملُ غيرِ واحد من المتأخرين كابن دقيق العيد والمزي أن لذلك حكمَ العنعنة.
قال ابن الصلاح هنا: وقد قال أبو جعفر بن حمدان النيسابوري، وهو أعرف بالبخاري: كل ما قال البخاري: قال لي فلان، أو قال لنا فهو عرض ومناولة.
стр. 148
وقال غيره: المعتمد في ذلك ما حققه الخطيب من أن قال ليست كعن، فإن الاصطلاح فيها مختلف، فبعضهم يستعملها في السماع دائماً كحجاج بن موسى المصيصى الأعور، وبعضهم بالعكس لا يستعملها إلا فيما لم يسمعه دائماً، وبعضهم تارة كذا، وتارة كذا، كالبخاري فلا يحكم عليها بحكم مطرد. اهـ ما في التدريب.
فظهر بهذا أن استعمالها تارة في الموصول وتارة في غيره هو للبخاري لا لغيره، وأما غيره فبعضهم يستعملها في الموصول، وبعضهم في عكسه كما يفيده كلام الخطيب، فقول الناظم: وَمَا لَهَا لَدَى سوَاهُ إلخ قلب للمسألة، وكذا ما قرر به المحقق في تعليقه غير محرر فتنبه لذلك.
والحاصل أن قال عند البخاري: يحكم لها بالاتصال على رأي ابن الصلاح وكثيرين كما تقدم في قوله: ومَا عَزَا لِشَيْخِهِ الخ وهو الأصح.
ولا يحكم لها بحكم مطرد على رأي الخطيب كما ذكرنا آنفا، وأما غير البخاري فله حكم مطرد لإطراد استعماله فمن استعملها في الموصول كحجاج بن موسى حُكِمَ بالاتصال، ومن استعملها في غيره حكم عليه بالانقطاع. هذا ما ظهر للعاجز الفقير عفا الله عنه في التقصير. ولو قال بدل هذا البيت:
وَمَنْ سِوَاهُ بَعْضُهُمْ يَسْتَعْمِلُ ... لِلْوَصْلِ وَالْبَعْضُ لِقَطْعٍ يَعْمَلُ
لكان موضحاً لاصطلاح البخاري واصطلاح غيره.
(فائدة): قال في التدريب ومثل قال ذَكَرَ استعملها أبو قرة في سننه في السماع، لم يذكر سواها فيما سمعه من شيوخه في جميع الكتاب اهـ.
"تَتِمَّة" الزيادة هنا هذا البيت فقط.
стр. 149
(الْمُعَنْعَن)
أي وما الحق به من المؤنن.
أي هذا مبحثه وهو النوع الثالث عشر من أنواع علوم الحديث.
والعنعنة مصدر عنعن الحديث إذا رواه بعن من غير بيان للتحديث أو الإخبارِ أو السماعِ.
قال الصنعاني: أي مصدر جعلي مأخوذ من لفظ عَنْ فُلاَنٍ، كأخذهم
حَوْقَلَ وحَوْلَقَ من قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وسبحل من قول سبحان الله، والمناسبة بينه وبين المعلق من حيث أن بعض المعنعن، وهو الذي لم يستوف الشروط حكمه الانقطاع كالمعلق الذي ليس في الصَّحِيح أو فيه ولم يكن بصيغة الجزم، وقدم المعلق لمناسبته للأبواب السابقة من حيث الحذفُ قال ﵀:
١٥٩ - وَمَنْ رَوَى بِـ " عَنْ " وَ " أَنَّ " فَاحْكُمِ ... بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ يُعْلَمِ
١٦٠ - وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا، وَقِيلَ: لا ... وَقِيلَ " أَنَّ " اقْطَعْ وَأَمَّا " عَنْ " صِلا
(ومن) شرطية أو موصولة مبتدأ (روى) الحديث عن شيخه بصيغةِ عَنْ كأن يقول عن فلان من غير تصريح بالتحديث، أو الإخبار، أو السماع (و) بصيغة (أن) بفتح الهمزة، وتكسر وتشديد النون كان يقول: حدثنا فلان أن فلاناً قال كذا ونحو ذلك، وجوابُ مَنْ، أو خبر المبتدإ قوله: (فاحكم) بكسر
стр. 150
الميم للوزن أيها المحدث على حديثه (بوصله) أي بكونه موصولًا مسنداً أتى عن رواة مُسَمَّينَ معروفينَ إلا أن يتبين خلاف ذلك لكن هذا مشروط بشرطين ذكرهما بقوله:
(إن اللقاء) أي لقاء المعنعِن بكسر العين الثانية والمُعَنعَن عنه بفتحها، وكذا في المؤنن، فقوله: اللقاء فاعل لفعل محذوف وهو فعل الشروط يفسره قوله: (يعلم) بكسر الميم للروي، أي إن يعلم اللقاء المذكور المكنى به عن السماع، بأن يثبت ذلك، ولو مرة، وهذا هو الشرط الأول (ولم يكن) المعنعن بالكسر وكذا المؤنّنُ (مدلسا) اسم فاعل من التدليس، وهو كما سيأتي أن يروي المحدث عمن عاصره، ولم يلقه، أو لقيه ولم يأخذ منه موهماً أنه سمعه كأن يقول: قال فلان أو عن فلان، وهذا هو الشرط الثاني.
وحاصل معنى الكلام أن من روى الحديث معنعناً أو مؤنناً يحكم لإسناده بالاتصال إذا ثبت لقاء الراوي لمن روى عنه، وسَلِمَ من التدليس، وزاد ابن عبد البر شرطاً ثالثاً، وهو عدالة المخبرين، وهذا القول الصَّحِيح الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول، قال ابن الصلاح: ولذا أودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم.
وقد ادعى أبو عمرو الداني إجماع أهل النقل عليه، وكذا ابن عبد البر في مقدمة التمهيد، والحاكم والخطيب، قال السخاوي: ويخدش في دعوى الإجماع قول الحارث المحاسبي وهو من أئمة الحديث والكلام: ما حاصله: اختلف أهل العلم فيما يثبت به الحديث على ثلاثة أقوال: أولها: أنه لا بد أن يقول كل عدل في الإسناد، حدثني، أو سمعت إلى أن ينتهي إلى النبي ﷺ فإن لم يقولوا أو بعضهم ذلك فلا لما عرف من روايتهم بالعنعنة فيما لم يسمعوه.
إلا أن يقال إن الإجماع راجع إلى ما استقر عليه الأمر بعد انقراض
стр. 151
الخلاف السابق، فيتخرج على المسألة الأصولية في ثبوت الوفاق بعد الخلاف اهـ.
وممن صرح باشتراط اللقاء علي بن المديني والبخاري وجعلاه شرطاً في أصل الصحة، وإن زعم بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه فقط، وكذا عزا اللقاء للمحققين النوويُّ بل هو مقتضى كلام الشافعي كما قال الحافظ واقتضاه ما في شرح الرسالة لأبي بكر الصيرفي أفاده السخاوي، ومقابل الأصح ما أشار إليه بقوله:
(وقيل) أن المعنعن والمؤنن (لا) يحكم باتصالهما بل منقطعان سواء وصف الراوي بالتدليس أم لا حتى يتبين اتصاله بمجيئه من طريق الراوي نفسه بالتحديث ونحوه.
وهذا القول عزاه الرامهرمزي في المحدث الفاصل إلى بعض المتأخرين من الفقهاء، ووجهه بعضهم بأن " عن " لا إشعار لها بشيء من أنواع التحمل ويصح وُقوعها فيما هو منقطع كما إذا قال الواحد منا مثلاً عن رسول الله ﷺ أو عن أنس، أو نحوه أفاده السخاوي.
قلت لا يخفى ضعف هذا التعليل إذ المسألة مفروضة في المتلاقين وغير المدلس.
وما أشار إليه بقوله (وقيل أن) مفعول مقدم، أو مبتدأ، لقصد لفظه، خبره جملة (اقطع) والجملة مقول القول أي احكم أيها المحدث بانقطاع ما روى بأنَّ حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى (وأما عن صلا) عطف على مقول القول فعن مبتدأ وجملة صلا خبره، وحذف الفاء بعد أما بدون القول قليل في النثر قال ابن مالك.
وحذف ذي الفاقَلَّ فِي نَثْرٍ إِذا ... لم يَكُ قول معها قد نُبِذَا
والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة.
والمعنى أنك تحكم باتصال ما روى بعن بالشرطين السابقين،
стр. 152
وحاصل هذا القول أنه يرى التفرقة بين اللفظين فيحكم على أنَّ بالانقطاع وعلى عَنْ بالاتصال، وهذا القول للحافظ أبي بكر البرديجي (١) حكاه ابن عبد البر، وقال: وعندي أنه لا معنى له لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء قال فيه الصحابي قال رسول الله ﷺ ، أو أن، أو عن، أو سمعت فكله عند العلماء سواء انتهى، ورد عليه بأن للصحابي مزية حيث يعمل بمرسله بخلاف غيره على أن البرديجي لم ينفرد بذلك بل قال أبو الحسن الحصار نحوه، وقال الذهبي بعد قول البرديجي: إنه قوي، وما تقدم من اشتراط اللقاء هو الذي عليه المحققون، وخالف في ذلك مسلم ﵀ كما أشار إليه بقوله:
١٦١ - وَمُسْلِمٌ يَشْرِطْ تَعَاصُرًا فَقَطْ ... وَبَعْضُهُمْ طُولَ صَحَابَةٍ شَرَطْ
١٦٢ - وَبَعْضُهُمْ عِرْفَانَهُ بِالأَخْذِ عَنْ ... ...............
(و) الإمام الحافظ الحجة أبو الحسين (مسلم) بن الحجاج القشيري صاحب الصَّحِيح، فقوله مسلم مبتدأ خبره (يشرط) من باب ضرب وقتل، سكن طاءه فأدغم في التاء بعده، وهو جائز في سعة الكلام، ويتعين هنا للوزن (تعاصراً) مفعول يشرط (فقط) أي فحسب.
والمعنى أن مسلماً رحمه الله تعالى اكتفى في الحكم على الحديث المعنعن بالاتصال بالمعاصرة أي كون المعنعن بالكسر والمعنعن عنه بالفتح في عصر واحد وإن لم يعلم اجتماعهما في خبر قط تحسيناً للظن بالثقة، وقد أطال الرد والتهجين على من شرط اللقاء في مقدمة صحيحه، إلا أن المحققين كما قال النووي أنكروا عليه ذلك، وقالوا: إنه ضعيف والذي رده هو الصَّحِيح المختار الذي عليه أئمة هذا الفن علي بن المديني والبخاري وغيرهما.
стр. 153
ومن العلماء من شدد في هذا الباب فاشترط طول الصحبة أو عرفانه بالأخذ كما أشار إليه بقوله:
(وبعضهم) أي بعض العلماء، وهو أبو المظفر بن السمعاني الشافعي، وهو مبتدأ خبره جملة شرط، وقوله: (طول صحابة) مفعول مقدم لـ (شرط) والصحابة بالكسر والفتح مصدر صحبه، والمعنى أن بعض العلماء شرط زيادة على اللقاء طول صحبة المعنعن للمعنعن عنه ولم يكتف بثبوت اللقاء (وبعضهم) مبتدأ، خبره محذوف لدلالة ما قبله أي شرط (عرفانه) بكسر فسكون مصدر عرف مفعول به لشرط المقدر، أي كون الراوي معروفاً (بالأخذ) أي الرواية (عن) أي عمن روى عنه، وحذف مجرور عن ضرورة، والمعنى أن بعضهم شرط لقبول العنعنة ونحوها زيادة على ما تقدم كونه معروفاً بالأخذ عمن عنعن عنه، وهذا القول لأبي عمرو عثمان بن سعيد المقرئ الداني (١)، وحاصله أنه يشترط زيادة على اللقاء وطول الصحبة كونه معروفاً بالأخذ عمن روى عنه كما حكاه ابن الصلاح بلفظ إذا كان معروفاً بالرواية عنه.
وحكى الزركشي عنه ونقل عن أبي الحسن القابسي أيضاً اشتراط إدراك الناقل للمنقول عنه إدراكاً بينا، قال السخاوي بعد أن حكى القولين عنه ما نصه: فإما أن يكون أحدهما وَهْماً أو قالهما معاً فإنه لا مانع من الجمع بينهما، بل قد يحتمل الكناية بذلك عن اللقاء، إذ معرفة الراوي بالأخذ عن شيخ بل وإكثاره عنه قد يحصل لمن لم يلقه إلا مرة اهـ.
وقال الحافظ: من حكم بالانقطاع شدد. ويليه من شرط طول الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة سهل، والوسط الذي ليس بعده إلا التعنت مذهب البخاري ومن وافقه، والدليل له أن الظاهر من غير المدلس أنه لا يطلق ذلك إلا على السماع، والاستقراءُ يدل عليه أن عادتهم عدم إطلاق
стр. 154
ذلك إلا في المسموع فإذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال، والباب مبني على غلبته فاكتفينا به، وهذا غير موجود بمجرد إمكان اللقي ولم يثبت فإنه لا يغلب على الظن الاتصال بل يُشَكّ في حاله، وأما ما أورده مسلم عليهم من لزوم رد المعنعن دائماً لاحتمال عدم السماع فليس بوارد، إذ المسألة مفروضة في غير المدلس، ومن عنعن ما لم يسمعه فهو مدلس اهـ كلام الحافظ.
وما تقدم كله هو عرف المتقدمين، وأما المتأخرون فقد اصطلحوا على أنهما للإجازة كما أشار إليه بقوله:
............... ... وَاسْتُعْمِلا إِجَازَةً فِي ذَا الزَّمَنْ
(واستعملا) بالبناء للمفعول، والضمير عائد على عَن وأنَّ (إجازة) مفعول لأجله، أو منصوب بنزع الخافض أي لأجل إجازة أو في إجازة (في ذا الزمن) أي في هذا الوقت المتأخر، وهو بعد الخمسمائة كما قاله الحافظ وتبعه السخاوي.
وحاصل المعنى: أن المتأخرين قد اصطلحوا على أن عَن وأنَّ للإجازة فهي عندهم بمنزلة أخبرنا لكنه إخبار جُمْلِيّ كما قاله الحافظ.
فإذا قال أحدهم مثلًا: قرأت على فلان عن فلان أو أن فلاناً حدثه فمراده بذلك أنه رواه بالإجازة وذلك لا يخرجه عن الاتصال.
لكن قال في التدريب هذا في المشارقة، وأما في المغاربة فيستعملونها في السماع والإجازة معاً اهـ.
وحاصل الكلام على عَنْ كما حققه الحافظ ﵀ قائلاً: إن للفظ عن ثلاثةَ أحوال: أحدها: بمنزلة حدثنا وأخبرنا بالشرط السابق.
الثاني: أنها ليست بتلك المنزلة إذا صدرت من مدلس وهاتان الحالتان مختصة بالمتقدمين، وأما المتأخرون وهم من بعد الخمسمائة وهلم جرا فاصطلحوا عليها للإجازة فهي بمنزلة أخبرنا لكنه إخبار جملي كما
стр. 155
سيأتي تقريره في الكلام على الإجازة. وهذه هي الحالة الثالثة، إلا أن الفرق بينها وبين الحالة الأولى مبني على الفرق فيما بين السماع والإجازة لكون السماع أرجح، وبقي حَالَة أخرى لهذه اللفظة وهي خفية جداً لم ينبه أحد عليها في علوم الحديث مع شدة الحاجة إليها، وهي أنها ترد ولا يتعلق بها حكم باتصال ولا انقطاع بل يكون المراد بها سياق قصة سواء أدركها الناقل أو لم يدركها ويكون هناك شيء محذوف فيقدر.
مثال ذلك ما أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبيه قال أبو بكر بن عياش: حدثنا أبو إسحاق عن أبي الأحوص أنه خرج عليه خوارج فقتلوه.
لم يرد أبو إسحاق بقوله عن أبي الأحوص أنه أخبره بما وإنما فيه شيء محذوف تقديره عن قصة أبي الأحوص أو عن شأن أبي الأحوص وما أشبه ذلك، لأنه لا يكون أبو الأحْوصَ حدثه بعد قتله، ثم ذكر أمثلة لذلك، ثم قال وأمثله هذا كثيرة، ومن تتبعها وجد سبيلًا إلى التعقب على أصحاب المسانيد ومصنفي الأطراف في عدة مواضع يتعين الحمل فيها على ما وصفنا من المراد بهذه العنعنة، انتهى كلام الحافظ ونقله الصنعاني في التوضيح.
ثم ذكر قاعدة مهمة وهي أن الراوي إذا روى حديثاً في قصة أو واقعة فإن أدرك ذلك فهو متصل وإن لم يُعلَم أنه شاهدها وإن لم يدرك ذلك فهو مرسل إن كان صحابياً ومنقطع إن كان دونه فقال:
١٦٣ - وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ رَوَى ... مُتَّصِلٌ، وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى
(وكل) مبتدأ على حذف مضاف أي حديث كل (من أدرك) من الرواة سواء كان صحابياً أو من دونه (ما) مفعول به لأدرك واقعة على قصة أو واقعة (له) مفعول قولِهِ (روى) زيدت فيه اللام للتقوية لتقدمه فإنه متعد، يقال: رويت الحديث إذا حملته ونقلته، مأخوذ من روى البعير الماء يرويه من باب رمى: حمله فهو راوية والهاء فيه للمبالغة.
(متصل) خبر كل، والمعنى: أن كل من روى قصة أو واقعة أدركها
стр. 156
فحديثه متصل لكن بشرط السلامة من التدليس فيمن دون الصحابي سواء كان رواه بقال أو بعن أو بأن أو ذكر أو حدث أو فعل أو نحوها.
(وغيره) أي غير ما ذكر وهو كل من لم يدرك ما رواه من الواقعة متبدأ خبره حوى وقوله: (قطعا) أي انقطاعاً بالمعنى اللغوي فيشمل المرسل مفعول مقدم لـ (حوى) أي جمع، والمعنى أن كل من روى واقعة لم يدركها فروايته منقطعة بالمعنى اللغوي فإن كان صحابياً فمرسل صحابي، وإلا فمنقطع بالمعنى الاصطلاحي.
وَحَاصل معنى البيت: أن الراوي إذا روى حديثاً فيه قصة أو واقعة فإن أدرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين النبي ﷺ وبين بعض الصحابة والراوي لذلك صحابي أدرك تلك الواقعة فهو محكوم له بالاتصال وإن لم يعلم أنه شاهدها، وإن لم يدرك تلك الواقعة فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي تابعياً فهو منقطع.
وإن روى التابعي عن صحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلًا وإن لم يدرك وقوعها وأسندها إلى الصحابي كانت متصلة، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي فهي منقطعة.
مثال ذلك ما في مسند يعقوب بن شيبه من رواية أبي الزبير عن محمد بن الحنفية عن عمار قال: أتيت النبي ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي السلام فجعله مسنداً موصولًا.
وذكر رواية قيس بن سعد كذلك عن عطاء ابن أبي رباح عن ابن الحنفية أن عماراً مَرَّ بالنبي ﷺ وهو يصلي فجعله مرسلاً.
فجعل يعقوب الأول من المتصل لأن ابن الحنفية أسند الحكاية إلى عمار حيث قال عن عمار قال: أتيت النبي ﷺ وجعل الثاني من المرسل لأنه لم يسند الحكاية إلى عمار بل إلى نفسه مع أنه لم يدرك مروره.
ولا بد من اعتبار السلامة من التدليس في التابعين ومن بعدهم، وقد
стр. 157
حكى أبو عبد الله بن المَوَّاق اتفاق أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك في كتابه بغية النقاد، عند ذكر عبد الرحمن بن طرفة " أن جده عرفجة قطع أنفه يوم الكلاَبِ " الحديث فقال الحديث عند أبي داود مرسل، وقد نبه ابن السكن على إرساله فقال: فذكر الحديث مرسلاً، قال ابن المواق: وهو أمر بين لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا الشأن في انقطاع ما يروى كذلك إذا علم أن الراوي لم يدرك زمان القصة كما في هذا الحديث.
أفاده العراقي في شرح ألفيته. وما ذكر من تسوية الحكم سواء نقله بأن أو عن أو قال أو نحوها صرح به ابن عبد البر.
ولكن ينبغي تقييده بمن لم يعلم له استعمال خلافه كالبخاري فإنه قد يورد عن شيوخه بقال ما يرويه في مواضع أخر بواسطة عنهم كما تقدم في التعليق، وبمن عدا المتأخرين كما مر قريباً أفاده السخاوي رحمه الله تعالى.
ولما أنهى الكلام على المعنعن شرع يبين ما يشترط انعدامه فيه وهو التدليس إذ شرط قبول المعنعن عدم التدليس فقال:
стр. 158
(التدليس)
أي هذا مبحثه وهو النوع الرابع عشر من أنواع علوم الحديث.
والمناسبة بينه وبين سابقه واضحة مما ذكرناه في التمهيد.
واشتقاقه من الدلس بالتحريك وهو اختلاط الظلام كأنه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره، قاله السخاوي وقال الصنعاني نقلاً عن الحافظ: إنه مشتق من الدلس وهو الظلام، قاله ابن السيد، وكأنه أظلم أمره على الناظر لتغطيته وجه الصواب، وقال البقاعي: إنه مأخوذ من الدلس بالتحرك وهو اختلاط الظلام الذي هو سبب لتغطيته الأشياء عن البصر، ومنه التدليس في البيع يقال دلس فلان على فلان أي ستر عنه العيب الذي في متاعه كأنه أظلم عليه الأمر. اهـ كلام الصنعاني.
ثم إن التدليس على قسمين تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وتحتهما أنواع يأتي تفصيلها فذكر الأول بقوله:
١٦٤ - تَدْلِيسُ الاِسْنَادِ بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْ ... مُعَاصِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْهُ بِـ " أَنْ "
١٦٥ - يَأْتِي بِلَفْظٍ يُوهِمُ اتِّصَالا ... كَـ " عَنْ " وَ " أَنَّ " وكذاك " قالا "
١٦٦ - وَقِيلَ: أَنْ يَرْوِيَ مَالَمْ يَسْمَعِ ... بِهِ وَلَوْ تَعَاصُرًا لَمْ يَجْمَعِ
(تدليس الإسناد) مبتدأ أي النوع المسمى به (بأن يروي) الباء
стр. 159
للتصوير، والجار والمجرور خبر المبتدإ، يعني أن تدليس الإسناد مصور برواية شخص (عن معاصر) متعلق بيروي، أي شيخ معاصر له، أو ملاق كما زاده ابن الصلاح (ما) مفعول به ليروي، أي الحديث الذي (لم يحدثه) أي ذلك المعاصر، فالضمير المستتر يعود إلى معاصر، والبارز إلى ما يعني أن ذلك المعاصر، وكذا الملاقى لم يحدث ذلك الراوي بالحديث، وإنما حدثه رجل آخر عنه (بأن يأتي) الباء بمعنى مع متعلق بيروي، أي مع إتيان ذلك الراوي (بلفظ) من ألفاظ الأداء (يوهم) أي يوقع في الوهم أي الذهن (اتصالا) بذلك الشيخ ولكن لا يقتضيه (كعن) خبر لمحذوف، أي ذلك كلفظة عن، مثل عن فلان لشخص عاصره (و) كلفظة (أن) مثل أن فلاناً قال كذا، (وكذاك) أي مثل عن وأن في إيهام الاتصال بلا اقتضاء وهو خبر مقدم لـ (قالا) أي لفظة قال، مثل قال فلان كذا والألف يحتمل أن تكون إطلاقية، أو ضميراً للمثنى.
وحاصل معنى البيتين أن تدليس الإسناد هو أن يروي شخص عمن عاصره أو لقيه ما لم يسمعه منه موهماً سماعه بإتيانه بلفظ يوهم الاتصال ولا يقتضيه مثل عن فلان أو أن فلاناً أو قال فلان أو نحوها.
والحاصل أن شرط التدليس أمران الإتيان بلفظ محتمل غير كذب كما ذكرنا، والمعاصرة لأنه إن لم يعاصر زال التدليس وصار كذباً أو مرسلًا محضاً، وهذا هو المشهور في تعريف التدليس.
وقيل: لا تشترط المعاصرة وإليه أشار بقوله (وقيل) التدليس (أن) مصدرية (يروى) الرجل عن الرجل (ما لم يسمع) أي الحديث الذي لم يسمعه (منه) أي من المحدث المفهوم من المقام، وفي نسخة المحقق به بالباء بدل الميم، وعليه فالضمير يعود إلى قوله بلفظ يوهم الخ، والمعنى: أن التدليس هو أن يروي ما لم يسمعه بلفظ يوهم اتصالاً كعن الخ (ولو) كان الراوي (تعاصراً) مفعول مقدم ليجمع، أي معاصرة مع من روى عنه (لم يجمع) أي ولو لم يجمع المعاصرة وكسرت العين فيه وفي يسمع للوزن.
стр. 160
وحاصل المعنى: أن التدليس على هذا القول هو أن يحدث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضي تصريحاً بالسماع ولو لم يتعاصرا، وهذا القول نقله ابن عبد البر في التمهيد عن بعضهم. قال: وعلى هذا فما سلم من التدليس لا مالك ولا غيره.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: هو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه، وكذا قال الحافظ أبو الحسن القطان في بيان الوهم والإيهام. قال: والفرق بينه وبين الإرسال هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه ولما كان في هذا أنه قد سمع كانت روايته عنه بما لم يسمع منه كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء فلذلك يسمى تدليساً.
وارتض هذا القول الحافظ لتضمنه الفرق بين النوعين قال: ويؤيده كلام الخطيب في كفايته، وعبارتُهُ فيها: هو تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه أنه سمعه منه ويعدل عن البيان لذلك.
وقال: ولو بين أنه سمعه من الشيخ الذي دلسه عنه وكشف ذلك لصار بيانه مرسلاً للحديث غير مدلس فيه.
لأن الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعاً ممن لم يسمع منه وملاقياً لمن لم يلقه إلا أن التدليس الذي ذكرناه متضمن الإرسال لا محالة لإمساك المدلس عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه فقط، وهو الموهن لأمره، فوجب كون التدليس متضمناً للإرسال والإرسال لا يتضمن التدليس لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا لم يذم العلماء من أرسل أي لظهور السقط، وذَمُّوا من دلس ذكره السخاوي في الفتح.
ثم إن تدليس الإسناد كما ذكرنا على أنواع فمنه تدليس القطع وإليه أشار بقوله:
стр. 161
١٦٧ - وَمِنْهُ أَنْ يُسَمِّيَ الشَّيخَ فَقَطْ ... قَطْعٌ بِهِ الأَدَاةُ مُطْلَقًا سَقَطْ
(ومنه) أي من تدليس الإسناد، وهو خبر مقدم (أن) مصدرية (يسمى) الراوي (الشيخ) أي يذكر اسم الشيخ (فقط) أي فحسب، يعني أنه ما ذكر صيغ الأداء كما بينه ما بعده، وأن وصلتها مبتدأ مؤخر، أي تسمية الشيخ بدون الصيغ كائن من تدليس الإسناد (قطع) خبر لمحذوف على حذف مضاف أي هو تدليس قطع يعني أنه يسمى (به) متعلق بسقط والباء بمعنى من أي من ذلك الحديث (الأداة) مبتدأ أي صيغ التحديث (مطلقا) حال من الأداة أي سواء كان حدثنا أو أخبرنا أو عن أو نحو ذلك وقوله (سقط) أي حذف من السَّند خبر المبتدإ، والجملة مستأنفة لتوضيح معنى فقط، أو حال من المبتدإ، ويحتمل أن يكون قوله منه خبراً مقدما وقطع مبتدأ مؤخراً، وقوله أن يسمى الخ خبر لمحذوف، والجملة معترضة بين المبتدإ والخبر، والتقدير ومنه تدليس قطع وهو تسميته الشيخ فقط، وجملة الأداة مطلقا سقط حال من تسيمة الشيخ.
وحاصل معنى البيت: أن من تدليس الإسناد ما يسمى تدليس القطعٍ سماه به الحافظ في تصنيفه في المدلسين، وهو أن يسقط أداة الرواية أصلاً مقتصراً على اسم شيخه ويفعله أهل الحديث كثيراً.
ومن أمثلته ما قال علي بن خشرم: كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري فقيل له حدثك الزهري، فسكت ثم قال: الزهري، فقيل له أسمعته من الزهري، فقال لا لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أخرجه الحاكم، ونحوه أن رجلًا قال لعبد الله بن عطاء الطائفي، حَدِّثنا بحديث " من توضأ فأحسن الوضوء دخل من أيِّ أبواب الجنة شاء " فقال عقبة بن عامر: فقيل: سمعته منه قال لا حدثني سعد بن إبراهيم، فقيل لسعد فقال: حدثني زياد بن مخراق، فقيل لزياد، فقال: حدثني رجل، عن شهر بن حوشب يعني عن عقبة ذكره السخاوي.
стр. 162
ومن أنواع تدليس الإسناد أيضاً تدليس العطف وإليه أشار بقوله:
١٦٨ - وَمِنْهُ عَطْفٌ، وَكَذَا أَنْ يَذْكُرَا ... " حَدَّثَنَا " وَفَصْلُهُ الاِسْمَ طَرَا
(ومنه عطف) مبتدأ وخبر أي ومن تدليس الإسناد تدليس عطف أي ما يسمى به، زاده الحافظ أيضاً.
وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه ويكون قد سمع من أحدهما دون الآخر فيصرح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه فيوهم أنه حدث عنه بالسماع أيضاً وإنما حدث بالسماع عن الأول ونوى القطع فقال: فلان أي حدث فلان.
مثاله ما في علوم الحديث للحاكم قال اجتمع أصحاب هشيم فقالوا: لا نكتب عنه اليوم مما يدلسه ففطن لذلك فلما جلس قال حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم فحدث بعدة أحاديث فلما فرغ قال هل دلست لكم شيئاً قالوا: لا قال: بلى كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئاً انتهى.
ومن أنواع تدليس الإسناد أيضاً تدليس الحذف وإليه أشار بقوله: (كذا) أي مثل ما تقدم من تدليس القطع والعطف في كونه من أنواع تدليس الإسناد، وهو خبر مقدم عن قوله: (أن) مصدرية (يذكرا) بالبناء للفاعل أي الراوي والألف إطلاقية وقوله: (حدثنا) منصوب على المفعولية لقصد لفظه، أي لفظ حدثنا مثلاً (وفصله) مبتدأ أي فصل الراوي (الاسم) أي اسم الشيخ مفعول فصل، وقوله: (طرا) بقلب الهمزة ألفاً للوقف أي وقع وحصل، خبر المبتدإ، والجملة حال من فاعل يذكر، والتقدير ومثل ما تقدم من الأنواع ذكر الراوي ألفاظ الأداء والحال أن فصله اسم الشيخ عن صيغ الأداء طارئ بأن يسكت بعد ذكر الأداة ثم يذكر اسم الشيخ.
مثاله ما ذكر محمد بن سعيد عن أبي حفص عمر بن علي المُقَدَّمِيّ أنه كان يدلس تدليساً شديداً يقول: سمعت وحدثنا ثم يسكت ثم يقول
стр. 163
هشام بن عروة، الأعمش، وقال أحمد بن حنبل: كان يقول حجاج سمعته يعني حدثنا آخر.
وقال جماعة: كان أبو إسحاق يقول: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، فقوله: عبد الرحمن تدليس يوهم أنه سمعه منه قاله في التدريب. وفيه نظر.
(تنبيه): كان الأولى للناظم تقديم قوله وكذا أن يذكر إلخ قبل تدليس العطف لأنه من تدليس القطع فإنه كما قال السخاوي على نوعين:
الأول: إسقاط أداة الرواية مقتصراً على اسم شيخه كما قدمنا عن ابن عيينة أنه قال الزهري إلخ.
الثاني: أن يذكر الأداة مثل حدثنا ثم يسكت وينوي القطع ثم يذكر اسم الشيخ كما في المثال المذكور آنفا، ولو قال بدل البيتين:
ومنهُ إسقاطُ أداةٍ ذاكرا ... اسْماً لِشَيخِهِ أو الفَصلُ جَرَى
قَطْعٌ وإِن يعَطِف على مَن سَمِعَا ... سوَاهُ عَطفٌ دُلْسَةً قَد أُتبِعَا
لكان أوضح مع بيان تعريف تدليس العطف.
والمعنى أن من تدليس الإسناد إسقاط أداة التحديث مع ذكر اسم الشيخ وقولي: أو الفصل جرى، أي فصل الأداة عن اسم الشيخ وكلاهما يسمى تدليس القطع.
وتدليس العطف هو أن يذكر شيخاً سمع منه الحديث ويعطف عليه آخر لم يسمع منه ذلك الحديث.
وقولي: ودلسة بالضم اسم من الدلس بمعنى التدليس يعني أن كُلاً من القطع والعطف قد أتبع التدليس بمعنى أنه يضاف اليهما فيقال تدليس القطع وتدليس العطف.
стр. 164
(تنبيه): قسم الحاكم التدليس إلى ستة أقسام:
الأول: قوم لم يميزوا بين ماسمعوه وما لم يسمعوه.
الثاني: قوم يدلسون فإذا وقع لهم من ينقر عنهم ويُلحُّ في سماعاتهم ذكروا له، ومثله بما حكى ابن خشرم عن ابن عيينة.
الثالث: قوم دلسوا عن مجهولين لا يدرى من هم ومثله بما روي عن ابن المديني قال: حدثني حسين الأشقر حدثنا شعيب بن عبد الله عن أبي عبد الله عن نوف قال: بت عند علي فذكر كلاماً، قال ابن المديني فقلت لحسين ممن سمعت هذا فقال: حدثنيه شعيب عن أبي عبد الله عن نوف فقلت لشعيب من حدثك بهذا فقال: أبو عبد الله الجصاص فقلت عمن قال عن حماد القصار فلقيت حماداً فقلت له: من حدثك بهذا قال بلغني عن فرقد السَّبَخِي عن نَوْفٍ فإذا هو قد دلس عن ثلاثة أبو عبد الله مجهول، وحماد لا يدرى من هو، وبلغه عن فرقد، وفرقد لم يدرك نوفاً.
الرابع: قوم دلسوا عند قوم سمعوا منهم الكثير وربما فاتهم الشيء فيدلسونه.
الخامس: قوم رووا عن شيوخ ولم يروهم فيقولون قال فلان فحمل ذلك عنهم على السماع وليس عندهم سماع، قال البلقيني: وهذه الخمسة كلها داخله تحت تدليس الإسناد وذكر السادس: وهو تدليس الشيوخ الآتي. انتهى. ونقله في التدريب ثم ذكر حكمه فقال:
١٦٩ - وَكُلُّهُ ذَمٌّ، وَقِيلَ: بَلْ جَرَحْ ... فَاعِلَهُ، وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَضَحْ
(وكله) مبتدأ أي جميع أنواع التدليس لا خصوص هذا القسم كما قاله السخاوي، وقال النووي في التقريب أما الأول فمكروه جداً ذمه أكثر العلماء. وأما الثاني فكراهته أخف. اهـ باختصار وقوله (ذم) يحتمل كونه فعلاً ماضياً مغيراً الصيغة أي ذمه العلماء، ويحتمل كونه مصدراً بمعنى اسم المفعول أي مذموم وهو الخبر.
والمعنى أن التدليس كله ذمّهُ أكثر العلماء كما في التقريب، ولم ير
стр. 165
به بأساً جماعة من المحدثين كما قاله يعقوب بن شيبة، قال السخاوي يعنى وهم الفاعلون له أو معظمهم.
وممن بالغ في ذمه شعبة بن الحجاج فروى الشافعي عنه أنه قال: التدليس أخو الكذب، وقال غندر عنه: أشد من الزنا، ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إليَّ من أن أدلس، وقال أبو الوليد الطيالس عنه: لأن أخِرَّ من السماء إلى الأرض أحب إليَّ من أن أقول زعم فلان ولم أسمع ذلك الحديث منه، وكذا قال ابن المبارك وزاد: إن الله لا يقبل التدليس، وممن أطلق على فاعله الكذب أبو أسامة، وكذا قرنه به بعضهم، وقرنه آخر بقذف المحصنات، وقال سليمان بن داود المنقري: التدليس والغش والغرور والخداع والكذب تحشر يوم تبلى السرائر في نِفَار واحد (بالمعجمة أي طريق).
وقال عبد الوارث بن سعيد: إنه ذل يعني لسؤاله أسمع أم لا، قال ابن معين: إني لأزين الحديث بالكلمة فأعرف مذلة ذلك في وجهي فأدعه، وقال حماد بن زيد: هو متشبع بما لم يُعطَ، ونحوه قول أبي عاصم النبيل: أقل حالاته عندي أنه يدخل في حديث " المتشبعُ بما لم يعط كلابس ثوبي زور " وقال وكيع: الثوب لا يحل تدليسه فكيف الحديث، وقال بعضهم: أدنى ما فيه التزين. وقال يعقوب بن شيبة: وكرهه جماعة من المحدثين ونحن نكرهه. زاد غيره وتشتد الكراهة إذا كان المتروك ضعيفاً فهو حرام ولكن اختص شعبة منه مع تقدمه بالمزيد كما ترى على أن شعبة قد عيب بقوله: لأن أزني أحب إليَّ من أن أحدث عن يزيد بن أبان الرقاشي. فقال يزيد بن هارون: راوي ذلك عنه ما كان أهون عليه الزنا.
قال الذهبي: وهو أي التدليس داخل في قوله ﵇ " من غشنا فليس منا ". لأنه يوهم السامعين أن حديثه متصل وفيه انقطاع، هذا إن دلس عن ثقة فإن كان ضعيفاً فقد خان الله ورسوله، بل هو كما قال بعض الأئمة حرام إجماعاً: وأماما نقله ابن دقيق العيد عن الحافظ أبي بكر أنه قال:
стр. 166
التدليس اسم ثقيل شنيع الظاهر لكنه خفيف الباطن سهل المعنى، فهو محمول على غير المحرم منه، ذكر ذلك كله العلامة السخاوي ﵀.
ثم إن فريقا ممن ذمه جرحوا بسببه فاعله كما أشار إليه بقوله (وقيل) أي قال فريق من أهل الحديث والفقهاء زيادة على ذمه (بل) للإضراب الانتقالي (جرح) بالبناء للفاعل، والفاعلُ ضمير يعود إلى التدليس وقوله (فاعله) مفعوله أي جرح التدليس فاعلَه، ويحتمل ضبط جرح بالبناء للمفعول وفاعِلُهُ نائب الفاعل أي جرح فاعل التدليس بسببه فردت روايته كلها (ولو) للتقليل كما في " التمس ولو خاتماً من حديد " (بمرة) واحدة (وضح) أي ظهر التدليس قال الشافعي ﵀: من عُرِف بالتدليس ولو مرة لا يقبل منه ما يقبل من أهل النصيحة في الصدق حتى يقول حدثني أو سمعت اهـ قال السخاوي: وبيان ذلك أنه بثبوت تدليسه مرة صار ذلك هو الظاهر من حاله في معنعناته، كما أنه إذا ثبت اللقاء مرة صار الظاهر من حاله السماع، وكذا من عرف بالكذب في حديثٍ واحدٍ صار الكذب هو الظاهر من حاله وسقط العمل بجميع حديثه مع جواز كونه صادقاً في بعضه. اهـ كلام السخاوي.
وحاصل المعنى: أن التدليس جرح لفاعله يرد به ما رواه مطلقا سواء بين السماع أم لا دلس عن الثقات أم لا ولو ظهر منه مرة واحدة، وهو منقول كما قال ابن الصلاح تبعاً للخطيب وغيره عن فريق من المحدثين والفقهاء حتى بعض من احتج بالمرسل لما فيه من التهمة والغش حيث عدل عن الكشف إلى الاحتمال وكذا التشبعُ بما لم يُعطَ حيث يوهم السماع لما لم يسمعه والعلو وهو عنده بنزول الذي، قال ابن دقيق العيد: إنه أكثر قصد المتأخرين به، وممن حكى هذا القول القاضي عبد الوهاب في المخلص وقيده ابن السمعاني في القواطع بما إذا استكشف فلم يخبر باسم من يروي عنه قال لأن التدليس تزوير وإيهام لما لا حقيقة له أما إذا أخبر فلا. قاله السخاوي.
والقول الثاني: القبول مطلقاً صرحوا أم لا حكاه الخطيب عن خلق كثيرين من أهل العلم قال وزعموا أن نهاية أمره أن يكون مرسلاً.
стр. 167
والثالث: وعزاه ابن عبد البر لأكثر أئمة الحديث التفصيل، فمن كان لا يدلس إلا عن الثقات قبل ومن لا فلا قاله البزار، وبه أشعر قول ابن الصباغ وصرح به أبو الفتح الأزدي وأشار إليه أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة وجزم أبو حاتم بن حبان وابن عبد البر وغيرهما في حق سفيان بن عيينة وبالغ ابن حبان في ذلك حتى قال: إنه لا يوجد له تدليس قط إلا وجد بعينه قد بين سماعه فيه عن ثقة.
والرابع: إن كان وقوع التدليس منه نادراً قبلت عنعنته ونحوها وإلا فلا وهو مروي عن ابن المديني أفاده السخاوي.
قلت وهذان التفصيلان غير التفصيل المذكور في قوله:
١٧٠ - وَالْمُرْتَضَى قَبُولُهُمْ إِنْ صَرَّحُوا ... بِالْوَصْلِ فَالأَكْثَرُ هَذَا صَحَّحُوا
(والمرتضى) أي القول المرضى من أقوال العلماء في التدليس مبتدأ خبره (قبولهم) من إضافة المصدر إلى فاعله، أي قبول العلماء حديث المدلسين، أو من إضافة المصدر إلى مفعوله أي قبول المدلسين في روايتهم (إن) شرطية (صرحوا) أي المدلسون فيما رووه (بالوصل) أي بكون ما رووه موصولاً بالسماع بأن قالوا: سمعت أو حدثنا أو أخبرنا أو نحوها (فالأكثر) من أئمة الحديث والفقه والأصول مبتدأ خبره الجملة بعده (هذا) القول مفعول مقدم لقوله (صححوا) أي صحح أكثر العلماء هذا القول المفصل.
وحاصل معنى البيت أن الصَّحِيح المرضي من الأقوال في المدلسين هو التفصيل فما صرحوا فيه بالسماع مقبول محتج به وما رووه بلفظ محتمل فحكمه حكم المرسل ونحوه، وعُزِيَ هذا التفصيل إِلى الشافعي وابن المديني وابن معين وآخرين.
وممن صحح هذا القول الخطيب وابن الصلاح ونفى ابن القطان الخلاف فيه وكذا ابن عبد البر لكن نفي الخلاف مُنَتقَد بما مر من الخلاف.
стр. 168
وهذ التفصيل هو خامس الأقوال في المدلسين (واعلم) أن في رواة الصَّحِيحين جماعة من المشاهير بالتدليس كالأعمش وهشيم وقتادة والثَّوري وابن عيينة والحسن البصري وعبد الرزاق والوليد بن مسلم وغيرهم وإليه أشار العراقي حيث قال:
وفي الصَّحِيح عِدَّة كالأعمش ... وكهشيم بعده ففتش
فقال النووي ﵀: إن ما فيهما وفي غيرهما من الكتب الصَّحِيحة بعن محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى وإليه أشار بقوله:
١٧١ - وَمَا أَتَانَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِـ " عَنْ " ... فَحَمْلُهُ عَلَى ثُبُوتِهِ قَمَنْ
(وما) شرطية أو موصولة مبتدأ أي الحديث الذي (أتانا) أي وصل إلينا عن المدلسين كقتادة والسفيانين (في الصَّحِيحين) حال من الفاعل أي حال كونه في كتابي البخاري ومسلم وكذا غيرهما ممن التزم الصحة (بعن) حال من الفاعل أيضاً أي حال كونه مروياً بصيغة تحتمل السماع وعدمه كعن ونحوها (فحمله) أي حمل ذلك الحديث مبتدأ (على ثبوته) أي ثبوت ذلك الحديث بالسماع له من جهة أخرى متعلق بقوله (قمن) أي حقيق قال في " ق " وشرحه القمين كأسير، والقمن ككتف، وجبل: الخليق، والجدير قال ابن سيده هو قَمِن بكذا وقَمِن منه، وقَمِينٌ: أي حَرِيٌّ وخَلِيق، وجَدِير، والمُحرَّكَةُ لا تثني ولا تجمع ولا تؤنث إن أريد بها المصدر يقال هما قمن وهم قمن وهن قمن، وإن أريد بها النعت تثنى وتجمع وتؤنث وكذا المكسورة الميم والتي فيها الياء. اهـ بتصرف. وهو خبر المبتدإ والجملة جواب الشرط، أو خَبَرُ المَوصُولِ ودخلت الفاء في الخبر لما في المبتدإ من معنى العموم.
وحاصل معنى البيت أن ما جاء في الصَّحِيحين ونحوهما من المدلسين بعن ونحوها فهو محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى وإنما اختار صاحب الصَّحِيح طريقة العنعنة على طريق التصريح بالسماع لكونها على شرطه دون تلك، وقال القطب الحلبي في القدح المُعلَّى: أكثرُ العلماء أن المعنعنات التي في الصَّحِيحين منزلة منزلة السماع.
стр. 169
قال السخاوي: يعني إما لمجيئها من وجه آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة أو عن بعض شيوخه أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها، ولذا استثنى من هذا الخلاف الأعمش وأبو إسحاق وقتادة بالنسبة لحديث شعبة خاصة عنهم فإنه قال: كفيتكم تدليسهم، فإذا جاء حديثهم من طريقه بالعنعنة حمل على السماع جزماً، وأبو إسحاق فقط بالنسبة لحديث القطان عن زهير عنه، وأبو الزبير عن جابر بالنسبة لحديث الليث خاصة، والثَّوري بالنسبة لحديث القطان عنه، بل قال البخاري: لا يعرف لسفيان الثَّوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، ولا عن كثير من مشايخه تدليس، ما أقل تدليسه، اهـ كلام السخاوي.
(تنبيهات): الأول: قد اعترض استثناءَ ما في الصَّحِيح صدرُ الدين بن المُرَجَّل في كتاب الإنصاف فقال في هذا الاستثناء غصَّة لأنها دعوى لا دليل عليها لا سيما أنا قد وجدنا كثيراً من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت في الصَّحِيحين أو أحدهما بتدليس رواتها وكذلك استشكل ذلك قبله المحقق ابن دقيق العيد فقال: لا بد من الثبوت على طريق واحدة إما القبول مطلقاً في كل كتاب أو الرد مطلقاً في كل كتاب وأما التفرقة بين ما في الصَّحِيح من ذلك وما خرج عنه فغاية ما يوجه به أحد أمرين: إما أن يُدَّعَى أن تلك الأحاديث عَرَفَ صاحب الصَّحِيح صحة السطع فيها، قال: وهذا إحالة على جهالة وإثبات أمر بمجرد الاحتمال، وأما أن يُدَّعى أن الإجماع على صحة ما في الصَّحِيحين دليل على وقوع السماع في هذه الأحاديث وإلا لكان أهل الإجماع مجمعين على خطأ وهو ممتنع، قال: لكن هذا يحتاج إلى إثبات الإجماع الذي يمتنع أن يقع في نفس الأمر خلاف مقتضاه، قال: وهذا فيه عسر، قال: ويلزم على هذا أن لا يستدل بما جاء من رواية المدلس خارج الصَّحِيح ولا نقول هذا على شرط مسلم مثلاً لأن الإجماع المدعى ليس موجوداً في الخارج انتهى، نقله الصنعاني في التوضيح.
стр. 170
الثاني: قد سال الإمام تقي الدين السبكي شيخه أبا الحجاج المِزِّيَّ عما وقع في الصَّحِيحين من حديث المدلسين معنعنا هل نقول إنهما اطلعا على اتصالها؟ قال: كذا يقولون، وما فيه إلا تحسين الظن بهما، وإلا ففيهما أحاديث من رواية المدلسين ما يوجد من غير تلك الطريق التي في الصَّحِيح، ذكره في التوضيح أيضاً.
الثالث: قال الحافظ: ليست الأحاديث التي في الصَّحِيحين بالعنعنة عن المدلسين كلها في الاحتجاج، فيحمل كلامهم هنا على ما كان منها في الاحتجاج فقط، وأما ما كان في المتابعات فيحتمل التسامح في تخريجها كغيرها. اهـ ذكره في التوضيح أيضاً.
ثم ذكر شر أقسام التدليس وهو التجويد فقال:
١٧٢ - وَشَرُّهُ " التَّجْوِيدُ " وَالتَّسْوِيَةُ ... إِسْقَاطُ غَيْرِ شَيْخِهِ وَيُثْبِتُ
١٧٣ - كَمِثْلِ " عَنْ " وَذَاكَ قَطْعًا يَجْرَحُ ... .................
(وشره التجويد) مبتدأ وخبر أي شر أقسام التدليس النوع المسمى عند المتقدمين بالتجويد حيث يقولون: جوده فلان، أي ذكر من فيه من الأجواد وحذف غيرهم (و) هو (التسوية) سماه به أبو الحسن بن القطَّان فمن بعده فقال سَوَّاة فلان، وهذه تسوية، فالتجويد والتسوية اسمان لمسمى واحد، وهو الذي عرفه بقوله: (إسقاط) خبر لمحذوف أي هو إسقاط (غير شيخه) أي حذف الراوي من السَّند غير شيخه كشيخ شيخه أو من فوقه لكونه ضعيفاً أو صغيراً وقوله (ويثبت) خبر لمحذوف أي وهو يثبت والجملة حالية (١) كما قال ابن مالك.
وذاتُ واوٍ بعدها انو مبتدا ... له المضارعَ اجعلنَّ مُسنَدا
стр. 171
أي يذكر في محل الإسقاط (كمثل عن) أي لفظا محتملاً للسماع كعن ونحوها فالكاف زائدة ومثل مفعول به ليثبت.
وحاصل المعنى: أن أفحش أنواع التدليس ما يسمى بالتجويد والتسوية، وصورته كما قال العراقي: أن يروي حديثاً عن شيخ ثقة وذلك يرويه عن ضعيف عن ثقة فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول فيسقط الضَّعِيف الذي في السَّند ويجعل الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل فيستوي الإسناد كله ثقات، ولهذا سمى تدليس التسوية، وإنما كان شر أقسام التدليس لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفاً بالتدليس ويجده الواقف على السَّند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة وفي هذا غَرَر شديد، ولذا صار من يفعله مجروحاً كما أوضحه بقوله: (وذاك) أي التجويد والتسوية المذكور مبتدأ خبره جملة يجرح (قطعاً) حال من ذاك على رأي، أو مفعول مطلق، أي جرحاً قطعاً، أي مقطوعاً به بين العلماء، يعني أنه لا خلاف فيه (يجرح) بالبناء للفاعل، ومفعوله محذوف أي فاعله، أو بالبناء للمفعول، واسم الإشارة عائد على المجود (١) المفهوم من التجويد أي المجود مجروح بلا خلاف بين العلماء.
وحاصله أن هذا النوع قادح في عدالة فاعله لأنه خيانة لمن ينقل إليهم وغرور.
قال الحافظ: لا شك أنه جرح وإن وصف به الثَّوري والأعمش فأحسن ما يعتذر به عنهما أنهما لا يفعلان ذلك إلا في حق من يكون ثقة عندهما ضعيفاً عند غيرهما.
قال: ثم إن ابن القطان إنما سماه تسوية بدون لفظ التدليس، قال والتحقيق أن يقال متى قيل تدليس التسوية لا بد أن يكون كل من الثقات الذين حذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد قد اجتمع الشخص منهم
стр. 172
بشيخ شيخه في ذلك الحديث، وإن قيل تسوية بدون لفظ التدليس لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه كما فعل مالك فإنه لم يقع في التدليس أصلاً، ووقع في هذا فإنه يروي عن ثور بن زيد عن ابن عباس وثور لم يلقه، وإنما رَوَى عن عكرمة عنه فأسقط عكرمة لأنه غير حجة عنده، وعلى هذا يفارق المنقطع بأن شرط الساقط هنا أن يكون ضعيفاً فهو منقطع خاص قاله في التدريب وقال الحافظ أيضاً: فتعريف العراقي المتقدم غير جامع بل الحق أن يقول هو أن يجيء الراوي ليشمل المدلس وغيره إلى حديث قد سمعه من الشيخ وسمعه ذلك الشيخ عن آخر فيسقط الواسطة بصيغة محتملة فيصير الإسناد عالياً وهو في الحقيقة نازل، ثم ذكر أن من التسوية في اصطلاحهم أن يسقط من السَّند واحد وإن كان ثقة فيكون عالياً مثلاً فلا تختص التسوية بإسقاط الضَّعِيف ذكره في التوضيح.
وممن نقل عنه أنه يفعل هذا النوع بقية بن الوليد والوليد بن مسلم إذا أتى بعن عن الأوزاعي وابن جريجٍ.
(تنبيه): هذا النوع زاده العراقي على ابن الصلاح وجعله قسماً ثالثاً ولكن الأولى كما قال الحافظ أنه نوع من تدليس الإسناد وليس قسماً مستقلاً فالتحقيق أنه ليس إلا قسمان: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، ولكن قال البقاعي: إن تدليس التسوية يدخل في القسمين فتارة يسقط الضعفاء فتكون تسوية السَّند، وتارة يصف الشيوخ بما لا يعرفون به من غير إسقاط فتكون تسوية الشيوخ، نقله عنه في التوضيح، ونقل في التدريب عن الحافظ مثله.
ثم ذكر القسم الثاني: وهو تدليس الشيوخ فقال:
.................. ... وَدُونَهُ تَدْلِيسُ شَيْخٍ يُفْصِحُ
١٧٤ - بِوَصْفِهِ بِغَيْرِ وَصْفٍ لا يُعْرَفُ ... فَإِنْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ يُضَعَّفُ
١٧٥ - فَقِيلَ: جَرْحٌ أَوْ لِلاسْتِصْغَارِ ... فَأَمْرُهُ أَخَفُّ كَاسْتِكْثَارِ
стр. 173
(ودونه) أي دون تدليس الإسناد بأنواعه وإنما فصله عنه كما قال السخاوي: لعدم الحذف فيه وإنما كان دون الأول لأنه قد زال الغرر فإن شيخه الذي دلس اسمه إما أن يعرف فيزول الغرر أو لا يعرف فيكون في الإسناد مجهول قاله في التنقيح، والظرف خبر مقدم لقوله (تدليس شيخ) من شيوخ الراوي أي ما يسمى بذلك وقوله (يفصح) بالبناء للمفعول أي يُبَيَّن وُيذكرُ ذلك الشيخ يقال: أفصح عن الشيء بينه وكشفه، والجملة صفة شيخ أي يظهر في السَّند، ولا يحذف، أو بالبناء للفاعل أي يظهره الراوي ولا يحذفه (بوصفه) متعلق بيفصح، والباء بمعنى مع أي مع وصفه (بصفة) من صفاته (لا يعرف) بها بين النَّاس، وفي نسخة المحقق بوصفه بغير وصف يعرف والمعنى واحد.
وحاصل المعنى أن تدليس الشيوخ هو أن يصف المدلس شيخه الذي سمع منه بصِفةٍ لا يعرف بها من اسم أو كنية أو قبيلة أو بلد أو صنعة أو نحو ذلك لكي يوعر الطريق إلى معرفة السامع له.
من أمثلته قال: أبي بكر بن مجاهد المقرئ حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله يريد به الحافظ أبا بكر بن أبي داود صاحب السنن الحافظ.
وقوله أيضاً: حدثنا محمد بن سند يريد به أبا بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقاش نسبة لجد له، قال الحافظ: ليس قوله بصفة لا يعرف بها قيداً بل إذا ذكره بما يعرف به إلا أنه لم يشتهر به كان ذلك تدليساً، كقول الخطيب: أخبرنا علي بن أبي علي البصري، ومراده بذلك أبو القاسم علي بن أبي علي الحسن بن علي التنوخي وأصله من البصرة فقد ذكر بما يعرف به لكنه لم يشتهر بذلك وإنما اشتهر بكنيته واشتهر أبوه باسمه واشتهرا بنسبتهما إلى القبيلة لا إلى البلد ولهذا نظائر كصنيع البخاري في الذهلي فإنه تارة يسميه فقط فيقول حدثنا محمد وتارة يقول محمد بن عبد الله فينسبه إلى جده وتارة يقول محمد بن خالد فينسبه إلى والد جده وكل ذلك صحيح إلا أن شهرته بمحمد بن يَحْيَى الذهلي ذكره في التوضيح.
стр. 174
قال ابن الصلاح وفيه أي في تدليس الشيوخ تضييِع للمروي عنه بعدم معرفة عينه ولا حاله، وقال العراقي: وللحديث أيضاً بأن لا يتنبه له فيصير بعض رواته مجهولًا فهذه مفسدة عظيمة قاله الصنعاني.
ثم إن هذا الفعل يختلف في الكراهة باختلاف القصد الحامل له على ذلك فشره أن يكون لضعفه وإليه أشار بقوله: (فإن يكن) أي التدليس (لكونه) أي ذلك الشيخ (يضعف) أي يحكم عليه بالضعف (فقيل) أي قال بعضهم هذا (جرح) أي جارح فاعله، أو مجروح فاعله.
والمعنى أن السبب الحامل للتدليس إن كان لضعف المروي عنه فيدلسه حتى لا يظهر روايته عن الضعفاء فهذا يَجرَح فاعله لكونه غَشًّا للمسلمين.
وهذا القول لابن الصباغ فإنه جزم في العدة بأن من فعل ذلك لكون شيخه غير ثقة عند النَّاس فغَيَّره ليقبلوا خبره يجب أن لا يقبل خبره وإن كان هو يعتقد فيه الثقة لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو (١)، وقال الآمدي: إن فعله لضعفه فجرح أو لضعف نسبه أو لاختلافهم في قبول روايته فلا، وقال ابن السمعاني إن كان بحيث لو سئل عنه لم يبينه فجرح وإلا فلا.
والأصح أنه ليس بجرح، بل منع بعضهم إطلاق اسم التدليس عليه، فقد روى البيهقي في المدخل عن محمد بن رافع قال: قلت لأبي عامر كان الثَّوري يدلس قال: لا قلت: أليس إذا دخل كُورَة يعلم أن أهلها لا يكتبون حديث رجل قال: حدثني رجل إذا عُرِفَ الرجل بالاسم كناهُ وإذا عرف بالكنية سماه، قال: تزيين ليس بتدليس أفاده في التدريب.
وقال في التنقيح: وشرحه إذا كان يعتقد أن ضعف من دلسه ضعف يسير يحتمل وعرفه بالصدق والأمانة واعتقد وجوب العمل بخبره لما له من
стр. 175
التوابع والشواهد وخاف من إظهار الرواية عنه وقوع فتنة من غَالٍ مقبولٍ عند النَّاس يَنْهَى عن حديث هذا الْمُدَلَّسِ ويترتب على ذلك سقوط جملة من السنن النبوية فله أن يفعل مثل هذا ولا جرح عليه لأنه قصد بتدليسه نصح المسلمين في الحقيقة وإيثار المصلحة على المفسدة، وقد دلس عن الضعفاء إمام أهل الرواية والدراية ومن لا يُتَّهَمُ في نصحه للأمة سفيان بن سعيد الثَّوري فمَنْ مِثلُ سفيان في منقبة واحدة من مناقبه؟ أو من يَبْلُغُ من الرُّواة إلى أدنى مراتبه؟ ولولا هذا العذر ونحوه من الضروريات ما دلس الحديثَ أكابرُ الثقات من أهل الديانة والأمانة والنصيحة للَّه ولرسوله ﷺ ولجميع أهل الإسلام.
وقد روى أن رواة الحديث وأهل العلم في بعض أيام بني أمية وبعض بلدانهم كانوا لا يقدرون على إظهار الرواية عن عليٍّ ﵇. اهـ، ما في التنقيح وشرحه التوضيح.
قلت هذا كلام منقح ورأى مصحح والله أعلم.
ثم ذكر ما هو أخف مما قبله وهو ما كان الحامل له على التدليس الاستصغار أو الاستكثار فقال (أو) يكن التدليس لأجل (الاستصغار) أي عد المروي عنه صغير السن إما بأن يكون أصغر منه أو أكبر لكن بيسير أو بكثير لكن تأخرت وفاته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه، والجار والمجرور عطف على قوله لكونه (فأمره) أي شأن هذا التدليس وحكمه وهو مبتدأ خبره قوله: (أخف) أي أسهل مما قبله، والجملة عطف على الجواب السابق عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه خلاف مشهور.
وحاصل المعنى أنه إذا كان الحامل على هذا التدليس كون المروي عنه صغيراً في السن أو غيره فهو أسهل مما كان الحامل له ضعفه.
وقد ذكر العراقي نقلاً عن ابن الصباغ أنه إذا كان لصغر سنه يكون رواية مجهول لا يجب قبول خبره حتى يُعْرَفَ من رَوَى عنه. فتعقبه الحافظ، فقال: فيه نظر، لأنه يصير مجهولاً عند من لا خِبْرَةَ له بالرجال وأحوالهم
стр. 176
وأنسابهم إلى قبائلهم وبلدانهم وحرفهم وألقابهم وكناهم وكذا الحال في آبائهم فتدليس الشيوخ دائر بين ما وصفنا فمن أحاط علماً بذلك لا يكون الرجل المدلَّس عنده مجهولًا وتلك أنزل مراتبه.
وقد بلغنا أن كثيراً من الأئمة الحفاظ امتحنوا طلبتهم المهرة بمثل ذلك فشُهِدَ لهم بالحفظ لَمَّا تسارعوا إلى الجواب عن ذلك.
وأقرب ما وقع من ذلك أن بعض أصحابنا كان ينظر في كتاب العلم لأبي بكر بن أبي عاصم فوقع في أثنائه حدثنا الشافعي حدثنا ابن عيينة فذكر حديثاً فقال لعله سقط منه شيء فالتفت إلي فقال ما تقول؟ فقلت الإسناد متصل وليس الشافعي هذا محمد بن إدريس الإمام بل هذا ابن عمه إبراهيم بن محمد بن العباس ثم استدللت على ذلك بأن ابن أبي عاصم معروف بالرواية عنه وأخرجت من الكتاب المذكور روايته عنه وقد سماه ولقد كان ظن الشيخ في السقوط قوياً لأن مولد ابن أبي عاصم بعد وفاة الشافعي الإمام بمدة، وما أحسن ما قال ابن دقيق العيد: إن في تدليس الثقة مصلحةً وهي امتحان الأذهان في استخراج ذلك وإلقاؤه إلى من يُراد اختبار حَفظه ومعرفته بالرجال، وفيه مفسدة من حيث إنه قد يخفى فيصير الراوي المُدَلَّس مجهولًا لا يُعرف فيسقط العمل بالحديث مع كونه عدلا في نفس الأمر.
قال الحافظ: وقد نازعته في كونه يصير مجهولاً عند الجميع لكن مفسدته أن يوافق على ما يدلس به شهرة راو ضعيف يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه فيصير الحديث من أجل ذلك ضعيفاً وهو في نفس الأمر صحيح، وعكس هذا في حق من يدلس الضَّعِيف ليُخْفِيَ أمره فينتقل من رتبة من يرد خبره مطلقاً إلى رتبة من يتوقف فيه فإن صادف شهرة راو ثقة يمكن أخذ ذلك الراوي عنه فمفسدته أشد كما وقع لعطية العوفى تكنيتُهُ محمد بنَ السائب الكلبي أبا سعيد فكان إِذا حدث عنه يقول: حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري لأن عطية كان قد لقيه وروى عنه وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ انتهى وقد نقله في التوضيح.
стр. 177
(كاستكثار) أي كما يكون أخف إذا كان الحامل له على ذلك استكثار الشيوخ أي طلب كثرتهم عند السامعين موهماً لهم كونه يروى عن مشايخ كثيرين بحيث يظن الواحد ببادىء الرأي جماعة.
قال السخاوي: وإلى ذلك أشار الخطيب بقوله أو تكون أحاديثه التي عنده عنه كثيرة فلا يحب تكرار الرواية عنه فغير حاله لذلك.
وقال السخاوي قلت: ولكن لا يلزم كون الناظر قد يتوهم الإكثار أن يكون مقصوداً لفاعله بل الظن بالأئمة خصوصاً من اشتهر إكثاره مع ورعه خلافه لما يتضمن من التشبع والتزين الذي يراعى تجنبه أرباب الصلاح والقلوب ولا مانع من قصدهم به الاختبار لليقظة والالتفات إلى حسن النظر في الرواة وأحوالهم إلى آخر ما قدمناه عن الحافظ.
وفي التنقيح مع التوضيح: وهذا يعنى إيهام كثرة الشيوخ مقصد يلوح على صاحبه بمحبته الثناء وشوب الإخلاص إذ إيهام كثرة الشيوخ دال على محبته لمدحه بكثرة ملاقاة من أخذ عنه وهمته ورغبته، مع أن له محملاً صالحاً إذا تؤمل وهو أن يكون كثير الشيوخ أجل قدراً مع من لا يميز الأكثرون فيكون ذلك داعياً لهم إلى الأخذ عن الراوي وذلك يشتمل على قربة عظيمة وهي إشاعة الأخبار النبوية.
(تنبيه): وممن اشتهر بتدليس الشيوخ الخطيب فقد كان لَهِجاً به في تصانيفه، قال الحافظ: ينبغي أن يكون الخطيب قدوة في ذلك وأن يستدل بفعله على جوازه (١) فإنه إنما يعمى على غير أهل الفن، وأما أهله فلا يخفى ذلك عليهم لمعرفتهم بالتراجم، ولم يكن الخطيب يفعل ذلك إيهاماً للكثرة فإنه مكثر من الشيوخ والمروياتِ والناسُ بعده عيال عليه وإنما يفعل ذلك تفننا في العبارة أفاده في التوضيح.
ثم إن من أقسام التدليس ما هو عكس هذا كما أشار إليه بقوله:
стр. 178
١٧٦ - وَمِنْهُ إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا ... اسْمَ مُسَمًّى آخَرٍ تَشْبِيهَا
(ومنه) أي من تدليس الشيوخ خبر مقدم لقوله (إعطاء شيوخ فيها) أي في الأسانيد (اسم مسمى) مفعول ثان لإعطاء، وقوله: (آخَرٍ) صفة لمسمى، وصرف للضرورة، أي إعطاء شيخ من شيوخ الإسناد اسم شخص آخر وذلك الشخص مشهور (تشبيها) مفعول لأجله أي لأجل تشبيه ذلك الشيخ بذلك الشخص المشهور.
وحاصل المعنى: أن من تدليس الشيوخ إعطاء شخص اسم آخر مشهور تشبيهاً، ذكر هذا ابن السبكي في جمع الجوامع قال كقولنا: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ يعني الذهبي تشبيهاً بالبيهقي حيث يقول ذلك يريد به الحاكم.
وكقول الناظم: حدثنا أبو الفضل الحافظ يعني ابن فهد تشبيهاً بالحافظ ابن حجرٍ حيث يقول ذلك ويريد به العراقي، وكذا إيهام اللقي والرحلة. كحدثنا من وراء النهر يوهم أنه جيحون ويريد نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر، وليس ذلك بجرح قطعاً كما قاله جماعة من المحققين لأن ذلك من باب المعاريض لا من باب الكذب قاله الآمدي في الأحكام وابن دقيق العيد في الاقتراح.
(تنبيهات): الأول: قال الحافظ ويلحق بقسم تدليس الشيوخ تدليس البلاد كما إذا قال المصري: حدثني فلان بالأندلس فأراد موضعاً بالقرافة، أو قال بزقاق حلب وأراد موضعاً بالقاهرة، أو قال البغدادي: حدثني فلان بما وراء النهر وأراد نهر دجلة، أو قال بالرقة وأراد بستاناً على شاطئ دجلة، أو قال الدمشقي: وحدثني بالكرك وأراد كرك نوح وهو بالقرب من دمشق، ولذلك أمثلة كثيرة، وحكمه الكراهة لأنه يدخل في باب التشبع، وإيهام الرحلة في طلب الحديث إلا أن تكون هناك قرينة تدل على عدم إرادة التكثر فلا كراهة انتهى كلام الحافظ. اهـ توضيح.
(الثاني): قال في التدريب: استدل على أن التدليس ليس بحرام بما أخرجه ابن عدي عن البراء قال: " لم يكن فينا فارس يوم بدر إلا المقداد "
стр. 179
قال ابن عساكر قوله فينا يعني المسلمين لأن البراء لم يشهد بدراً اهـ.
قلت في استدلاله بهذا على عدم الحرمة نظر إذ هذا قول صحابي لا يدل على الجواز ولا على عدمه.
(الثالث): قال الحافظ في كتابه تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس: هم على خمس مراتب:
الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً كيحيى بن سعيد الأنصاري.
الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه في جنب ما روى كالثَّوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة.
الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي.
الرابعة: من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد.
الخامسة: من ضعف بأمر آخر سوى التدليس فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيرا كابن لهيعة اهـ.
ونظمت ذلك في منظومتي المسماة بالجوهر النفيس في نظم أسماء ومراتب ذوي التدليس، فقلت:
أولها من ليس يُوصف بذا ... إلا بِنُدَرة فنِعْمَ ما احتَذَا
والثاني من تَحْتَمِلُ الأئمةُ ... لكونه قَلَّلَ وَهْوَ قدوَةُ
ثالثُها من أكثروا فَأُهْمِلُوا ... إلا إذا السماعُ منهم يُنقَل
ورَدَّهُم بعضٌ وبعض قَبِلَا ... منهُم على الإطلاقِ فيهما انجَلَى
رابعُها مَن باتفاقٍ طُرِحُوا ... إلا إذا السَّمَاعَ حقاً صَرَّحُوا
لِكَثرةِ التدليسِ عمن جُهِلَا ... والضعفاءِ فَاحذَرَنْ لا تُنْقلَا
خامِسُها مَن ضَعفُهمُ قَدِ ارتَقَى ... بِمَا سِوىَ التدليسِ فَاردُدْ مُطلَقا
إلاَّ إذا وُثّقَ مَن ضَعفُهُ قَلّ ... فَاقبَل لِمَا سَمَاعُهُ نَصًّا حَصَلْ
الرابع: قال الحاكم أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان
стр. 180
والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر لا نعلم أحداً من أئمتهم دلسوا قال: وأكثر المحدثين تدليساً أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة، قال وأما أهل بغداد فلم يذكر عن أحد من أهلها التدليس إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي فهو أول من أحدث التدليس بها ومن دلس من أهلها إنما تبعه في ذلك. وقد أفرد الخطيب كتاباً في أسماء المدلسين ثم ابن عساكر. اهـ تدريب.
وقال الحافظ في تعريف أهل التقديس ما حاصله قد أفرد أسماء المدلسين من القدماء الكرابيسي صاحب الشافعي ثم النسائي ثم الدارقطني ثم نظم الحافظ الذهبي أرجوزة في ذلك وتبعه في ذلك الحافظ أحمد بن إبراهيم المقدسي فزاد عليه ثم ذيل الحافظ العراقي كتاب العلائي المسمى " جامع التحصيل في أحكام المراسيل " ثم ولده الحافظ أبو زرعة في تصنيف مستقل ومن المتأخرين أيضاً برهان الدين الحلبي سبط ابن العجمي. اهـ ملخصاً.
قلت ثم جمع الجميع الحافظ في الكتاب المذكور فجملة ما فيه مائة واثنان وخمسون شخصاً.
ونظمت الكتاب في أرجوزة سميتها " الجوهر النفيس في نظم أسماء ومراتب ذوي التدليس " وعدتها مائة وثمانية عشر بيتاً.
(تَتِمَّة): الزيادات على العراقي من قوله: وقيل في البيت الثالث إلى قوله طرا، وقوله: وما أتانا في الصَّحِيحين البيت، ولفظ التجويد، وقوله إسقاط إلى قوله جرح، وقوله ومنه إعطاء شيوخ البيت.