وأنسابهم إلى قبائلهم وبلدانهم وحرفهم وألقابهم وكناهم وكذا الحال في آبائهم فتدليس الشيوخ دائر بين ما وصفنا فمن أحاط علماً بذلك لا يكون الرجل المدلَّس عنده مجهولًا وتلك أنزل مراتبه.
وقد بلغنا أن كثيراً من الأئمة الحفاظ امتحنوا طلبتهم المهرة بمثل ذلك فشُهِدَ لهم بالحفظ لَمَّا تسارعوا إلى الجواب عن ذلك.
وأقرب ما وقع من ذلك أن بعض أصحابنا كان ينظر في كتاب العلم لأبي بكر بن أبي عاصم فوقع في أثنائه حدثنا الشافعي حدثنا ابن عيينة فذكر حديثاً فقال لعله سقط منه شيء فالتفت إلي فقال ما تقول؟ فقلت الإسناد متصل وليس الشافعي هذا محمد بن إدريس الإمام بل هذا ابن عمه إبراهيم بن محمد بن العباس ثم استدللت على ذلك بأن ابن أبي عاصم معروف بالرواية عنه وأخرجت من الكتاب المذكور روايته عنه وقد سماه ولقد كان ظن الشيخ في السقوط قوياً لأن مولد ابن أبي عاصم بعد وفاة الشافعي الإمام بمدة، وما أحسن ما قال ابن دقيق العيد: إن في تدليس الثقة مصلحةً وهي امتحان الأذهان في استخراج ذلك وإلقاؤه إلى من يُراد اختبار حَفظه ومعرفته بالرجال، وفيه مفسدة من حيث إنه قد يخفى فيصير الراوي المُدَلَّس مجهولًا لا يُعرف فيسقط العمل بالحديث مع كونه عدلا في نفس الأمر.
قال الحافظ: وقد نازعته في كونه يصير مجهولاً عند الجميع لكن مفسدته أن يوافق على ما يدلس به شهرة راو ضعيف يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه فيصير الحديث من أجل ذلك ضعيفاً وهو في نفس الأمر صحيح، وعكس هذا في حق من يدلس الضَّعِيف ليُخْفِيَ أمره فينتقل من رتبة من يرد خبره مطلقاً إلى رتبة من يتوقف فيه فإن صادف شهرة راو ثقة يمكن أخذ ذلك الراوي عنه فمفسدته أشد كما وقع لعطية العوفى تكنيتُهُ محمد بنَ السائب الكلبي أبا سعيد فكان إِذا حدث عنه يقول: حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري لأن عطية كان قد لقيه وروى عنه وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ انتهى وقد نقله في التوضيح.
стр. 177
(كاستكثار) أي كما يكون أخف إذا كان الحامل له على ذلك استكثار الشيوخ أي طلب كثرتهم عند السامعين موهماً لهم كونه يروى عن مشايخ كثيرين بحيث يظن الواحد ببادىء الرأي جماعة.
قال السخاوي: وإلى ذلك أشار الخطيب بقوله أو تكون أحاديثه التي عنده عنه كثيرة فلا يحب تكرار الرواية عنه فغير حاله لذلك.
وقال السخاوي قلت: ولكن لا يلزم كون الناظر قد يتوهم الإكثار أن يكون مقصوداً لفاعله بل الظن بالأئمة خصوصاً من اشتهر إكثاره مع ورعه خلافه لما يتضمن من التشبع والتزين الذي يراعى تجنبه أرباب الصلاح والقلوب ولا مانع من قصدهم به الاختبار لليقظة والالتفات إلى حسن النظر في الرواة وأحوالهم إلى آخر ما قدمناه عن الحافظ.
وفي التنقيح مع التوضيح: وهذا يعنى إيهام كثرة الشيوخ مقصد يلوح على صاحبه بمحبته الثناء وشوب الإخلاص إذ إيهام كثرة الشيوخ دال على محبته لمدحه بكثرة ملاقاة من أخذ عنه وهمته ورغبته، مع أن له محملاً صالحاً إذا تؤمل وهو أن يكون كثير الشيوخ أجل قدراً مع من لا يميز الأكثرون فيكون ذلك داعياً لهم إلى الأخذ عن الراوي وذلك يشتمل على قربة عظيمة وهي إشاعة الأخبار النبوية.
(تنبيه): وممن اشتهر بتدليس الشيوخ الخطيب فقد كان لَهِجاً به في تصانيفه، قال الحافظ: ينبغي أن يكون الخطيب قدوة في ذلك وأن يستدل بفعله على جوازه (١) فإنه إنما يعمى على غير أهل الفن، وأما أهله فلا يخفى ذلك عليهم لمعرفتهم بالتراجم، ولم يكن الخطيب يفعل ذلك إيهاماً للكثرة فإنه مكثر من الشيوخ والمروياتِ والناسُ بعده عيال عليه وإنما يفعل ذلك تفننا في العبارة أفاده في التوضيح.
ثم إن من أقسام التدليس ما هو عكس هذا كما أشار إليه بقوله:
стр. 178
١٧٦ - وَمِنْهُ إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا ... اسْمَ مُسَمًّى آخَرٍ تَشْبِيهَا
(ومنه) أي من تدليس الشيوخ خبر مقدم لقوله (إعطاء شيوخ فيها) أي في الأسانيد (اسم مسمى) مفعول ثان لإعطاء، وقوله: (آخَرٍ) صفة لمسمى، وصرف للضرورة، أي إعطاء شيخ من شيوخ الإسناد اسم شخص آخر وذلك الشخص مشهور (تشبيها) مفعول لأجله أي لأجل تشبيه ذلك الشيخ بذلك الشخص المشهور.
وحاصل المعنى: أن من تدليس الشيوخ إعطاء شخص اسم آخر مشهور تشبيهاً، ذكر هذا ابن السبكي في جمع الجوامع قال كقولنا: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ يعني الذهبي تشبيهاً بالبيهقي حيث يقول ذلك يريد به الحاكم.
وكقول الناظم: حدثنا أبو الفضل الحافظ يعني ابن فهد تشبيهاً بالحافظ ابن حجرٍ حيث يقول ذلك ويريد به العراقي، وكذا إيهام اللقي والرحلة. كحدثنا من وراء النهر يوهم أنه جيحون ويريد نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر، وليس ذلك بجرح قطعاً كما قاله جماعة من المحققين لأن ذلك من باب المعاريض لا من باب الكذب قاله الآمدي في الأحكام وابن دقيق العيد في الاقتراح.
(تنبيهات): الأول: قال الحافظ ويلحق بقسم تدليس الشيوخ تدليس البلاد كما إذا قال المصري: حدثني فلان بالأندلس فأراد موضعاً بالقرافة، أو قال بزقاق حلب وأراد موضعاً بالقاهرة، أو قال البغدادي: حدثني فلان بما وراء النهر وأراد نهر دجلة، أو قال بالرقة وأراد بستاناً على شاطئ دجلة، أو قال الدمشقي: وحدثني بالكرك وأراد كرك نوح وهو بالقرب من دمشق، ولذلك أمثلة كثيرة، وحكمه الكراهة لأنه يدخل في باب التشبع، وإيهام الرحلة في طلب الحديث إلا أن تكون هناك قرينة تدل على عدم إرادة التكثر فلا كراهة انتهى كلام الحافظ. اهـ توضيح.
(الثاني): قال في التدريب: استدل على أن التدليس ليس بحرام بما أخرجه ابن عدي عن البراء قال: " لم يكن فينا فارس يوم بدر إلا المقداد "
стр. 179
قال ابن عساكر قوله فينا يعني المسلمين لأن البراء لم يشهد بدراً اهـ.
قلت في استدلاله بهذا على عدم الحرمة نظر إذ هذا قول صحابي لا يدل على الجواز ولا على عدمه.
(الثالث): قال الحافظ في كتابه تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس: هم على خمس مراتب:
الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً كيحيى بن سعيد الأنصاري.
الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه في جنب ما روى كالثَّوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة.
الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ومنهم من قبلهم كأبي الزبير المكي.
الرابعة: من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد.
الخامسة: من ضعف بأمر آخر سوى التدليس فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيرا كابن لهيعة اهـ.
ونظمت ذلك في منظومتي المسماة بالجوهر النفيس في نظم أسماء ومراتب ذوي التدليس، فقلت:
أولها من ليس يُوصف بذا ... إلا بِنُدَرة فنِعْمَ ما احتَذَا
والثاني من تَحْتَمِلُ الأئمةُ ... لكونه قَلَّلَ وَهْوَ قدوَةُ
ثالثُها من أكثروا فَأُهْمِلُوا ... إلا إذا السماعُ منهم يُنقَل
ورَدَّهُم بعضٌ وبعض قَبِلَا ... منهُم على الإطلاقِ فيهما انجَلَى
رابعُها مَن باتفاقٍ طُرِحُوا ... إلا إذا السَّمَاعَ حقاً صَرَّحُوا
لِكَثرةِ التدليسِ عمن جُهِلَا ... والضعفاءِ فَاحذَرَنْ لا تُنْقلَا
خامِسُها مَن ضَعفُهمُ قَدِ ارتَقَى ... بِمَا سِوىَ التدليسِ فَاردُدْ مُطلَقا
إلاَّ إذا وُثّقَ مَن ضَعفُهُ قَلّ ... فَاقبَل لِمَا سَمَاعُهُ نَصًّا حَصَلْ
الرابع: قال الحاكم أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان
стр. 180
والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر لا نعلم أحداً من أئمتهم دلسوا قال: وأكثر المحدثين تدليساً أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة، قال وأما أهل بغداد فلم يذكر عن أحد من أهلها التدليس إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي فهو أول من أحدث التدليس بها ومن دلس من أهلها إنما تبعه في ذلك. وقد أفرد الخطيب كتاباً في أسماء المدلسين ثم ابن عساكر. اهـ تدريب.
وقال الحافظ في تعريف أهل التقديس ما حاصله قد أفرد أسماء المدلسين من القدماء الكرابيسي صاحب الشافعي ثم النسائي ثم الدارقطني ثم نظم الحافظ الذهبي أرجوزة في ذلك وتبعه في ذلك الحافظ أحمد بن إبراهيم المقدسي فزاد عليه ثم ذيل الحافظ العراقي كتاب العلائي المسمى " جامع التحصيل في أحكام المراسيل " ثم ولده الحافظ أبو زرعة في تصنيف مستقل ومن المتأخرين أيضاً برهان الدين الحلبي سبط ابن العجمي. اهـ ملخصاً.
قلت ثم جمع الجميع الحافظ في الكتاب المذكور فجملة ما فيه مائة واثنان وخمسون شخصاً.
ونظمت الكتاب في أرجوزة سميتها " الجوهر النفيس في نظم أسماء ومراتب ذوي التدليس " وعدتها مائة وثمانية عشر بيتاً.
(تَتِمَّة): الزيادات على العراقي من قوله: وقيل في البيت الثالث إلى قوله طرا، وقوله: وما أتانا في الصَّحِيحين البيت، ولفظ التجويد، وقوله إسقاط إلى قوله جرح، وقوله ومنه إعطاء شيوخ البيت.
стр. 181
(الإرسال الخفي والمزيد في متصل الأسانيد)
أي هذا مبحثهما وهما النوع الخامس عشر والسادس عشر من أنواع علوم الحديث. وهذان النوعان مهمان عظيما الفائدة عميقا المسلك لم يتكلم فيهما قديماً وحديثاً إلا نُقَّاد الحديث وجَهَابذته وهما متجاذبان إذ يعترض بكل منهما على الآخر فربما كان الحكم للزائد وربما كان بالعكس فلذلك قرن بينهما.
فأما أولهما فليس المراد به قول التابعي، قال رسول الله ﷺ كما هو المشهور في المرسل الظاهر ولا الانقطاع بين راويين لم يدرك أحدهما الآخر كرواية القاسم عن ابن مسعود، وإبراهيم بن أبي عبلة عن كل من عبادة بن الصامت وابن عمر، ومالكٍ عن سعيد بن المسيب بل المعتمد في تعريفه على ما حققه الحافظ هو الانقطاع في أي موضع كان من السَّند بين راويين متعاصرين لم يلتقيا وكذا لو التقيا ولم يقع بينهما سماع فهو انقطاع مخصوص يندرج في تعريف من لم يتقيد في المرسل بسقط خاص وإلى ذلك الإشارة بقول البلقيني إن تسميته بالإرسَال هو على طريقة سبقت في نوع المرسل وبهذا التعريف يباين التدليس إذ هو على المعتمد كما تقدم رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، فأما على تعريف من عرف ما هنا برواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه أو عمن لقيه ولم يسمع منه أوعمن عاصره ولم يلقه فيكون بينهما عموم وخصوص مطلق والمعتمد ما حققناه أولاً أفاده السخاوي.
стр. 182
وبهذا التقرير ظهر مناسبة ذكر هذا الباب بعد باب التدليس فهو أولى من فعل العراقي تبعاً لابن الصلاح حيث ذكره بين مختلف الحديث ومعرفة الصحابة.
ثم ذكر رحمه الله تعالى ما يعرف به الإرسال الخفي وهي أمور فقال:
١٧٧ - وَيُعْرَفُ الإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ ... بِعَدَمِ السَّمَاعِ وَاللِّقَاءِ
١٧٨ - وَمِنْهُ مَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِ ... مِنْ جِهَةٍ بِزيْدِ شَخْصٍ وَاعِ
١٧٩ - وَبِزِيَادَةٍ تَجِي، وَرُبَّمَا ... يُقْضَى عَلَى الزَّائِدِ أَنْ قَدْ وَهِمَا
١٨٠ - حَيْثُ قَرِينَةٌ وَإِلاَّ احْتَمَلا ... سَمَاعُهُ مِنْ ذَيْنِ مَا قَدْ حَمَلا
(ويعرف الإرسال) فعل مغير ونائب فاعله (ذو الخفاء) صفة للإرسال وهو الذي قدمنا تعريفه عن الحافظ واحترز به عن الإرسال الظاهر وهو أن يروي الرجل عمن لم يعاصره بحيث لا يشتبه إرساله باتصاله على أهل الحديث كأن يروي مالك مثلاً عن سعيد بن المسيب وكحديث رواه النسائي من رواية القاسم بن محمد عن ابن مسعود قال: " أصاب النبي ﷺ بعض نسائه ثم نام حتى أصبح " الحديث. فإن القاسم لم يدرك ابن مسعود قاله العراقي.
وإنما سمي هذا بالخفي لخفائه على كثير من أهل الحديث لاجتماع الراويين في عصر واحد. والمعنى أن الإرسال الخفي يعرف (بعدم السماع) أي سماع الراوي من المروي عنه مطلقاً لا هذا الحديث ولا غيره ولو تلاقيا (و) يعرف أيضاً بعدم (اللقاء) بينهما حيث علم ذلك إما بالإخبار عن نفسه أو بإخبار إمام مطلع كما يأتي قريباً.
ويعرف أيضاً (بزيادة) أي بسبب زيادة اسم وقوله: (تجي) صفة زيادة أي تجىء تلك الزيادة في السَّند بين الراويين الذين كان يظن الاتصال بينهما، والمعنى أن الإرسال الخفي يعرف أيضاً بزيادة اسم رَاوٍ بَيْنَ رَاوِييْنِ يظن الاتصال بينهما على رواية أخرى حذف منها ذلك الاسم لكن بشرط أن يكون الخالي عن الزائد بما لا يقتضى الاتصال كعن وقال ونحوهما، وأما إن كان بلفظ يقتضى الاتصال كالتحديث فسيأتي حكمه.
стр. 183
وحاصل ما أشار إليه: أن الإرسال الخفي يعرف بأحد أمور ثلاثة، الأول عدم سماع الراوي من المروي عنه مطلقاً ولو تلاقيا كحديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه وهي في السنن الأربعة فقد روى الترمذي أن عمرو بن مرة قال لأبي عبيدة: هل تذكر من عبد الله شيئاً؟ قال: لا.
أو لذلك الحديث فقط وإن سمع غيره، الثاني عدم اللقاء بينهما وقد تعاصرا بأن أخبر عن نفسه بذلك أو جزم إمام به كحديث ابن ماجه من رواية عمر بن عبد العزيز عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: " رحم الله حارس الحرس " فإن عمر لم يلق عقبة كما قال المزي في الأطراف، قلت: هكذا نسب العراقي والسخاوي والناظم في التدريب هذا القول إلى المزي في الأطراف كأنه هو الذي حكم بأن عمر لم يلق عقبة وليس كذلك بل الذي حكم به هو الدارمي في مسنده فإنه بعد سوق هذا الحديث قال ما نصه: قال عبد الله يعني نفسه: وعمر لم يلقه، فعلى هذا يكون المزي تبعاً له فافهم.
الثالث بأن يرد في بعض طرق الحديث زيادة اسم راو بينهما كحديث رواه عبد الرزاق عن سفيان الثَّوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع (١) عن حذيفة مرفوعاً: " إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين " فهو منقطع في موضعين لأنه روي عن عبد الرزاق، قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة عن الثَّوري، وروى أيضاً عن الثَّوري عن شريك عن أبي إسحاق.
وحاصل هذا الثالث أن تأتي روايتان في إحداهما زيادة اسم راو بين راويين وكانت الناقصة مروية بما لا يقتضى الاتصال كعن ونحوها فإن الرواية الناقصة تكون معلة بالإسناد الزائد لأن الزيادة من الثقة مقبولة، وأما إذا كانت الناقصة بما يقتضى الاتصال كتحديث أو سماع أو نحوهما فلا
стр. 184
تعل الناقصة بالزائدة بل يكون بالعكس فيكون الحكم للناقص لأن معه زيادة وهي إثبات سماعه وإليه أشار بقوله (وربما يقضى) بالبناء للمفعول ونائب فاعله قوله (على) الراوي (الزائد) راوياً بين الراويين (أن) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير محذوف يعود إلى الزائد وقوله: (قد وهما) خبرها كما قال ابن مالك.
وإنْ تُخَفَّف أنَّ فاسمُها استكن ... والخَبَر اجعَلْ جملةً من بعدِ أنْ
أي بأنه قد وهم أي غلط يقال: وهم في الحساب يوهم وهما مثل غلط يغلط غلطا وزناً ومعنا، وجملة أن وصلتها في تأويل المصدر مجرور بحرف محذوف أي بالوهم.
وحاصل المعنى أنه ربما كان الحكم للناقص وهذا إذا كان حذف الزائد بتحديث أو نحوه مما يقتضي الاتصال وراويه أتقن ممن زاد كما قيده به الحافظ فحينئذ يكون الحكم له لأن مع راويه كذلك زيادة وهي إثبات سماعه، وهذا هو النوع المسمى بالمزيد في متصل الأسانيد المحكوم فيه بكون الزيادة غلطا من راويها.
مثاله حديث رواه مسلم والترمذي من طريق ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر بن عبيد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني قال: سمعت واثلة يقول سمعت أبا مرثد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها " فذكر أبي إدريس في هذا الحديث وَهَم من ابن المبارك، لأن جماعة من الثقات رووه عن ابن جابر عن بسر عن واثلة بلفظ الاتصال بين بسر وواثلة رواه مسلم والترمذي أيضاً والنسائي عن علي بن حجر عن الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن بسر قال: سمعت واثلة ورواه أبو داود عن إبراهيم بن موسى عن عيسى بن يونس عن ابن جابر كذلك، وحكى الترمذي عن البخاري قال: حديث ابن المبارك خطأ إنما هو عن بسر بن عبيد الله عن واثلة هكذا روى غير واحد عن ابن جابر، قال: وبسر قد سمع من واثلة. وقال أبو حاتم
стр. 185
الرازي: يرون أن ابن المبارك وهم في هذا قال: وكثيراً ما يحدث بسر عن أبي إدريس فغلط ابن المبارك وظن أن هذا مما روي عن أبي إدريس عن واثلة قال: وقد سمع هذا بسر من واثلة نفسه، وقال الدارقطني: زاد ابن المبارك في هذا أبا إدريس ولا أحسبه إلا أدخل حديثاً في حديث فقد حكم هؤلاء الأئمة على ابن المبارك بالوهم في هذا ذكره العراقي في شرحه على الألفية.
وقد وقع في هذا الحديث وهم آخر لمن دون ابن المبارك بزيادة راوٍ آخر في السَّند فقال فيه عن ابن المبارك قال: حدثنا سفيان عن ابن جابر حدثني بسر قال: سمعت أبا إدريس قال: سمعت واثلة فذكر سفيان في هذا وهم ممن دون ابن المبارك لأن جماعة ثقات رووه عن ابن المبارك عن ابن جابر من غير ذكر سفيان منهم عبد الرحمن بن مهدي وحسن بن الربيع وهناد بن السري وغيرهم وزاد فيه بعضهم التصريح بلفظ الإخبار بينهما ذكره العراقي أيضاً.
وهذا الحكم للناقص (حيث) توجد (قرينة) أي علامة قوية تدل على أن الزائد وَهِمَ في زيادته مثل ما ذكره أبو حاتم في المثال المذكور وأيضاً فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك أن يذكر السماعين فإذا لم يجىء عنه ذكره حملناه على الزيادة المذكورة قاله ابن الصلاح: (وإلَّا) أي إن لم توجد قرينة تدل على الوهم (احتملا) بالبناء للفاعل والألف للإطلاق أي جاز وأمكن، وقوله: (سماعه) فاعله أي سماع ذلك الراوي (من ذين) أي هذين الراويين المزيد وشيخه، إذ لا مانع من أن يسمعه من واحد عن آخر ثم يسمعه عن الآخر (ما) مفعول به لسماع أي الحديث الذي (قَدْ حَمَلا) بالبناء للفاعل والألف إطلاقية أي نقله، وفي نسخة المحقق لما حملا أي حين حمل ذلك عنهما، والمعنى متقارب.
وحاصل المعنى أنه إذا لم توجد قرينة تدل على الوهم حمل على أنه سمع هذا الحديث من شيخه وسمعه أيضاً من شيخ شيخه فرواه مرة هكذا ومرة هكذا.
стр. 186
قال السخاوي: وذلك موجود في الروايات والرواة بكثرة، ومنه قول ابن عيينة: قلت لسهيل ابن أبي صالح: إن عمرو بن دينار حدثني عن القعقاع عن أبيك أبي صالح عن عطاء بن يزيد بحديث كذا قال ابن عيينة ورجوت أن يسقط عني سهيل رجلًا وهو القعقاع ويحدثني به عن أبيه فقال سهيل بل سمعته من الذي سمعه منه أبي ثم حدثني به سهيل عن عطاء اهـ.
ويتأكد الحمل المذكور بوقوع التصريح في الطريقين بالتحديث ونحوه.
أفاده السخاوي أيضاً.
(تنبيه): يوجد في نسخة الشارح قبل هذين البيتين ما نصه:
ومِنْهُ مَا يُحكَمُ بِانْقِطَاعٍ ... مِنْ جِهَةٍ بزَيْدٍ شخص واعٍ
قال المحقق ابن شاكرٍ: ولم يوجد في الأصل وأرى أنه لا داعي له لفهم معناه مما في الأبيات بعده ولعله من مسودة المؤلِّفِ ثم حذفه في النسخة الأخيرة اهـ.
قلت هو مفهوم قوله: وبزيادة تجيء فقط. ثم ذكر ما يعرف به عدم السماع واللقاء فقال:
١٨١ - وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالإِخْبَارِ ... عَنْ نَفْسِهِ وَالنَّصِّ مِنْ كِبَارِ
(وإنما يعرف) عدم السماع واللقاء بأحد أمرين إما (بالإخبار) أي إخبار الراوي (عن نفسه) بأنه لم يلق فلاناً أو لم يسمع منه، (و) إما با (لنص) أي الإظهار أو التعيين يقال: نص الشيء أظهره، وعلى الشيء عينه أفاده في " ق " (من) أئمة (كبار) مطلعين على دقائق الأسانيد أي بإظهارهم، أو تعيينهم على أنه لم يلق فلاناً أولم يسمع منه.
وحاصل معنى البيت أن ما ذكره من عدم السماع واللقاء يعرف بأحد الأمرين " الأول " إخبار الشخص عن نفسه في بعض طرق الحديث به كما قدمنا
стр. 187
في قول أبي عبيدة لَمَّا سئل هل تذكر من أبيك شيئاً قال: لا " الثاني " جزم إمام مطلع من أئمة الحديث بكونه لم يثبت عنده من وجه يحتج به أنهما تلاقيا مثل أبي زرعة الرازي وغيره في قولهم: إن الحسن البصري لم يلق عليًّا.
ومثل المزي في المتأخرين وكان في هذا عجباً من العجب في قوله إن عمر بن عبد العزيز لم يلق عقبة بن عامر قاله السخاوي.
قلت: لكن في هذا نظر كما قدمناه فإنه تقدمه الدارمي في هذا.
(تنبيه) ألَّفَ في هذين النوعين أبو بكر الخطيب تأليفين مفردين سَمَّى الأول: " التفصيل لمبهم المراسيل "، والثاني: " تمييز المزيد في متصل الأسانيد ".
(تَتِمَّة) الزيادة على العراقي في هذا الباب قوله: حيث قرينة، والبيت الأخير بتمامه. والله أعلم.
ولما كان في الباب المتقدم أنه يحكم على الزيادة بالوهم حيث كان راوي الناقص أتقن كعكسه وهذا هو معنى الشَّاذ والمحفوظ ناسب ذكرهَما بعده ولذا أتبعهما فقال:
стр. 188
(الشَّاذ والمحفوظ)
أي هذا مبحثهما وهما النوع السابع عشر والثامن عشر وجمع بينهما لتقابلهما.
١٨٢ - وَذُو الشُّذُوذِ مَا رَوَى المَقْبُولُ ... مُخَالِفًا أَرْجَحَ، وَالمَجْعُولُ
١٨٣ - أَرْجَحَ مَحْفُوظٌ وَقِيلَ مَا انْفَرَدْ ... لَوْ لَمْ يُخَالِفْ، قِيلَ: أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ
(وذو الشذوذ) مبتدأ خبره ما، والشَّاذ لغة المنفرد عن الجماعة يقال شذ يشذ ويشذ بضم الشين المعجمة وكسرها شذوذاً إذا انفرد واصطلاحاً هو (ما) أي الحديث الذي (روى) أن نقله الراوي (المقبول) أي الثقة حال كونه (مخالفاً) بالزيادة أو النقص في السَّند أو المتن وقوله: (أرجح) مفعول به لمخالفاً أي أولى منه إما لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات (والمجعول) مبتدأ وقوله: (أرجح) مفعول ثانٍ له أي الحديث الذي جعل أرجح من مُقَابِلِهِ لرجحان راويه (محفوظ) خبر المبتدإ أي يقال له: محفوظ لأن الغالب أنه محفوظ عن الخطأ.
وحاصل المعنى: أن الشَّاذ هو ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه لما ذكر، ومقابله هو المحفوظ.
وهذا التعريف هو المعتمد بحسب الاصطلاح كما قاله الحافظ في شرح النخبة، وهو المنقول عن الشافعي ﵀ كما أخرجه الحاكم من
стр. 189
طريق ابن خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي الشافعي: ليس الشَّاذ أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره إنما الشَّاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى النَّاس ذكره في التوضيح، وكذا حكاه أبو يعلى الخليلي عن جماعة من أهل الحجاز وغَيرُهُ عن المحققين، قال السخاوي: ومن هنا يتبين أنه لا يحكم في تعارض الوصل والرفع مع الإرسال والوقف بشيء معين بل. إن كان من أرسل أو وقف من الثقات أرجح قدم وكذا بالعكس.
مثال الشذوذ في السَّند: ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس: " أن رجلاً توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثاً إلا مولى هو أعتقه " الحديث. فإن حماد بن زيد رواه عن عمرو مرسلاً بدون ابن عباس لكن تابع ابن عيينة على وصله ابن جريجٍ وغيره، ولذا قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة. هذا مع كون حماد من أهل العدالة والضبط لكنه رجح رواية من هم أكثر عدداً منه.
ومثاله في المتن زيادة يوم عرفة في حديث: " أيام التشريق أيام أكل وشرب " فإن الحديث من جميع طرقه بدونها وإنما جاء بها موسى بن عُلَيّ بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر كما أشار إليه ابن عبد البر قال الأثرم: والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشَّاذ وقد يهم الحافظ أحياناً على أنه قد صحح حديثَ موسى هذا ابنُ خزيمة وابنُ حبان والحاكمُ وقال: إنه على شرط مسلم، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح وكان ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة. . اهـ كلام السخاوي.
وبما تقرر علم أن شرط الشذوذ أمران الثقة والمخالفة. ولما خالف في هذا بعضهم ذكر ذلك بقوله: (قيل) الشَّاذ هو (ما انفرد) أي الحديث الذي انفرد بروايته المقبول أي الثقة و (لو لم يخالف) من هو أرجح منه، والمعنى: أن الشَّاذ على هذا القول هو ما انفرد به الثقة وإن لم يكن مخالفاً للأرجح.
стр. 190
وهذا القول للحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك قال: هو ما انفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل متابع لذلك الثقة فاقتصر على قيد الثقة وحده، وزاد أيضاً قوله: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على هذا، قال الحافظ: وهذا القيد لا بدَّ منه قال: وإنما يغاير المعلل من هذه الجهة، قال: وهو على هذا أدق من المعلل بكثير فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة وكان في الذروة من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة ورزقه الله نهاية الملكة انتهى كلام الحافظ. ونقله في التوضيح.
قال الناظم: قلت ولعسره لم يفرده أحد بالتصنيف، ومن أوضح أمثلته ما أخرجه في المستدرك من طريق عبيد بن غَنَّام النخعي عن علي بن حكيم، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قال: " في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى" وقال: صحيح الإسناد، ولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم له حتى رأيت البيهقي قال: إسناده صحيح ولكنه شاذ بمرة. اهـ تدريب.
وقال السخاوي: ثم إن الحاكم لم ينفرد بهذا التعريف بل قال النووي في شرح المهذب: إنه مذهب جماعة من أهل الحديث. قال: وهذا ضعيف اهـ.
فعلم بما قررناه أن شرط الشذوذ عند الحاكم كون المنفرد ثقة.
وخالف بعضهم في الشرطين المذكورين أيضاً وإليه أشار بقوله: (قيل) الشَّاذ ما انفرد به واحد سواء كان ضابطاً (أو ضبطاً فقد) أي أو لم يكن ضابطاً.
والمعنى: أن الشَّاذ على هذا القول هو ما انفرد بروايته واحد سواء كان ثقة أم غير ثقة، فقوله: " أو ضبطاً فقد " بمعنى قوله: أم غير ثقة، ولو قال بدله: قِيلَ مَا فَرْداً وَرَدْ: لكان أوضح، يعني أن الشَّاذ هو الفرد مطلقاً سواء
стр. 191
كان الراوي ثقة أو غير ثقة خالف أو لم يخالف وهذا القول للحافظ أبي يعلى الخليلي (١)، قال: والذي عليه حفاظ الحديث أن الشَّاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة أو غيره فما كان عن غير ثقة فمتروك وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به فجعل الشَّاذ مطلق التفرد لا مع اعتبار المخالفة. اهـ تدريب.
وملخص الأقوال الثلاثة: أن القول الأول قَيَّدَ الشَّاذ بقيدين الثقة والمخالفة، والثاني بالثقة فقط على ما قال الناظم.
والثالث لم يقيده بشيء أي سوى التفرد، وحاصل كلامهم كما قال الحافظ: أن الخليلي يسوي بين الشَّاذ والفرد المطلق فيلزم على قوله أن يكون في الشَّاذ الصَّحِيح وغيره فكلامه أعم، وأخص منه كلام الحاكم لأنه يخرج تفرد غير الثقة، ويلزم على قوله أن يكون في الصَّحِيح الشَّاذ وغيره، بل اعتمد ذلك في صنيعه حيث يذكر في أمثلة الشَّاذِّ حديثاً أخرجه البخاري في صحيحه من الوجه الذي حكم عليه بالشذوذ، وأخص منه كلام الشافعي لتقييده بالمخالفة مع كونه يلزم عليه ما يلزم على قول الحاكم لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح وأن الرواية الراجحة أولى، وهل يلزم من ذلك عدم الحكم عليه بالصحة محل توقف أشير إليه في الكلام على الصَّحِيح وأنه يقدح في الاحتجاج لا في التسمية، ويستأنس لذلك بالمثال الذي أورده الحاكم مع كونه في الصَّحِيح فإنه موافق على صحته، إلا أنه يسميه شاذًّا ولا مشاحة في التسمية أفاده العلامة السخاوي ﵀.
وقال العلامة الصنعاني ﵀: فإن قلت قد تقدم لهم في رسم الصَّحِيح قيدُ أن لا يكون شاذًّا وهو يفيد أن الشَّاذ لا يكون صحيحاً لعدم شمول رسمه له قلتُ: لا عذر لمن اشترط نفي الشذوذ عن الصَّحِيح أن يقول: بأن الشَّاذ ليس بصحيح بذلك المعنى.
стр. 192
إن قلت: من كان رأيه أنه إذا تعارض الوصل والإرسال وفسر الشَّاذ بأنه الذي يخالف راويه من هو أرجح منه أنه يقدم الوصل مطلقاً سواء كان رواة الإرسال أقل أو أكثر أحفظ أم لا فإذا كان راوي الإرسال أرجح ممن روى الوصل مع اشتراكهما في الثقة فقد ثبت كون الوصل شاذا فكيف نحكم له بالصحة مع شرطهم في الصَّحِيح أن لا يكون شاذًّا هذا في غاية الإشكال.
قلت: قال الحافظ ابن حجرٍ: إنه يمكن بأن يجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في رسم الصَّحِيح إنما يقوله المحدثون وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك فأهل الحديث يشترطون أن لا يكون الحديث شاذًّا ويقولون: إن من أرسل من الثقات فإن كان أرجح ممن وصل من الثقات قدم العكس، ويأتي فيه الاحتمال عن القاضي وهو أن الشذوذ إنما يقدح في الاحتجاج لا في التسمية. اهـ كلام الصنعاني رحمه الله تعالى.
ثم إن ما ذكره الحاكم والخليلي مشكل كما قال ابن الصلاح وتبعه النووي بافراد العدل الضابط كحديث: " إنما الأعمال بالنيات " والنهي عن بيع الولاء وغير ذلك مما في الصَّحِيحِ، فالصَّحِيح التفصيل فإن كان بتفرده مخالفاً أحفظ وأضبط كان شاذًّا مردوداً وإن لم يخالف الراوي فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بضبطه كان تفرده صحيحاً وإن لم يوثق بضبطه ولم يبعد عن درجة الضابط كان حسناً وإن بعد كان شاذًّا منكراً مردوداً.
والحاصل أن الشَّاذ المردود هو الفرد المخالف والفرد الذي ليس في رواته من الثقة والضبط ما يجبر به تفرده. اهـ تقريب.
(تَتِمَّة): الزيادة هنا قوله أرجح محفوظ فقط والله أعلم.
ولما كان الشَّاذ والمنكر بمعنى واحد على قولٍ، ويجتمعان في اشتراط المخالفة ويفترقان في كون الشَّاذ راويه ثقة، والمنكر راويه ضعيفاً على قول المحققين، ناسب أن يذكر المنكر بعده فلذا قال:
стр. 193
(المُنْكَرُ وَالْمَعْرُوفُ)
أي هذا مبحثهما وهما النوع التاسع عشر والعشرون وجمعها في باب واحد لتقابلهما.
١٨٤ - المُنْكَرُ الَّذِي رَوَى غَيْرُ الثِّقَهْ ... مُخَالِفًا، فِي نُخْبَةٍ قَدْ حَقَّقَهْ
١٨٥ - قَابَلَهُ المَعْرُوفُ، وَالَّذِي رَأَى ... تَرَادُفَ المُنْكَرِ وَالشَّاذِ نَأَى
(المُنْكَرُ) اسم مفعول من أنكره بمعنى جحده، أو لم يعرفه يقال أنكر إنكاراً، خلاف عرفته، ونَكِرته مثال تعبت كذلك، غير أنه لا يتصرف، وأنكرت عليه فعله إنكاراً إذا عبته ونهيته وأنكرت حقه جحدته أفاده في المصباح، وهو مبتدأ خبره قوله (الذي روى) أي الحديث الذي نقله، وحدث به (غير الثقة) من الرواة فاعل روى حال كونه (مخالفاً) لغيره من الثقات.
والمعنى: أن المنكر هو الحديث الذي رواه غير ثقة مخالفاً للثقات (في نخبة) متعلق بحققه أي في كتاب مسمى بنخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (قد حققه) أي ذكره على الوجه الحق مؤلفها الحافظ أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني المصري الشافعي حافظ الدنيا في عصره قاضي القضاة عرف بابن حجرٍ وهو لقب لبعض آبائه ولد بمصر العتيقة ثاني عشر شعبان سنة ٧٧٣ هـ، وتوفي ٢٨ ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ.
стр. 194
(قابله) أي المنكر الذي عرف بهذا التعريف (المعروف) أي النوع المسمى به لكونه معروفاً عندهم.
وحاصل المعنى أن المنكر هو ما رواه الضَّعِيف مخالفاً للثقة، ويقابله المعروف وهكذا حققه الحافظ في نخبته، ونصه فيها: وزيادة راوي الصَّحِيح والحسن مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ ومقابله الشَّاذ، ومع الضَّعِيف فالراجح المعروف ومقابله المنكر. اهـ.
فتحصل من هذا أنه يشترط في المنكر شرطان:
أحدهما أن يكون راويه ضعيفاً.
وثانيهما أن يخالف بذلك الثقة.
مثاله ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حُبَيّب (١) بن حَبِيب وهو أخو حمزة الزيات المقرئ عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: " من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج وصام وقرى الضيف دخل الجنة " قال أبو حاتم: هذا حديث منكر لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفاً.
(والذي رأى) أي اعتقد مبتدأ خبره نأى (ترادف المنكر والشَّاذ) بتخفيف الذال للوزن أي كونهما بمعنى واحد وهو الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ (نأى) أي بَعُدَ عن الصواب، ومقتضى الاصطلاح، لأن الصواب التفريق بينهما على الوجه الذي حررناه أولاً، وحاصل المعنى أن من سوى بين الشَّاذ والمنكر فقد غفل عن منهج الصواب.
وعبارة ابن الصلاح بعد نقل كلام البرديجي - أعني: قوله هو أي المنكر الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه -: والصواب التفصيل الذي
стр. 195
تقدم في الشَّاذ وعند هذا نقول المنكر ينقسم إلى قسمين على ما ذكرناه في الشَّاذ فإنه بمعناه اهـ.
فأفاد أن المنكر والشَّاذ مترادفان، وكتَبَ الحافظُ على قول ابن الصلاح هذا ما نصه: هما مشتركان في كون كل منهما على قسمين وإنما اختلافهما في مراتب الرواة، فالضَّعِيف إذا انفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصَّحِيح والحسن فهذا أحد قسمي الشَّاذ فإن خولف مَن هذه صفتُهُ مع ذلك كان أشد شذوذاً وربما سماه بعضهم منكراً وإن بلغ تلك المرتبة في الضبط لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط فهذا القسم الثاني من الشَّاذ وهو المعتمد في تسميته.
وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ في بعض دون بعض أو الضَّعِيف في بعض مشايخه بشيء لا متابع له ولا شاهد عليه فهذا أحد قسمي المنكر وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث فإن خولف في ذلك فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين فَبَان بهذا فصل المنكر من الشَّاذ وأن كلا منهما قسمان يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة. اهـ من التوضيح.
ثم إن لكل قسم من قسمي المنكر أمثلة كثيرة: فمن أمثلة الأول وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ عمرو قال: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " فخالف مالك غيره من الثقات في قوله عمر بن عثمان بضم العين وذكر مسلم في كتاب التمييز أن كل من رواه من أصحاب الزهري قاله بفتح العين وذكر أن مالكاً كان يشير إلى دار عمر بن عثمان كأنه علم أنهم يخالفونه وعُمَر وعَمرو جميعاً ولدا عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو بفتح العين وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه ذكره ابن الصلاح.
стр. 196
واعترضه العراقي قائلًا: إن الحديث ليس بمنكر ولم يطلق عليه أحد اسم النكارة فيما رأيت وغايته أن يكون السَّند منكراً أو شاذا لمخالفة الثقات لمالك في ذلك ولا يلزم من شذوذ السَّند ونكارته وجود ذلك الوصف في المتن قال: فالمثال الصَّحِيح ما رواه أصحاب السنن الأربعة من رواية همام بن يَحْيَى عن ابن جريجٍ عن الزهري عن أنس قال: " كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه " قال أبو داود بعد تخريجه: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريجٍ عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: " أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه " قال: والوهم فيه من همام ولم يروه إِلا همام، وقال النسائي بعد تخريجه هذا حديث غير محفوظ فهمام بن يَحْيَى ثقة احتج به أهل الصَّحِيح ولكنه خالف النَّاس فروى عن ابن جريجٍ هذا المتن بهذا السَّند وإنما روى النَّاس عن ابن جريجٍ الحديث الذي أشار إليه أبو داود فلهذا حكم عليه بالنكارة. اهـ.
قال السخاوي: ولم يوافق أبو داود على الحكم عليه بالنكارة فقد قال موسى بن هاورن: لا أدفع أن يكونا حديثين ومال إليه ابن حبان فصححهما معاً، ويشهد له أن ابن سعد أخرج بهذا السَّند أن أنساً نقش في خاتمه محمد رسول الله قال: فكان إذا أراد الخلاء وضعه. لا سيما وهمام لم ينفرد به بل تابعه عليه يَحْيَى بن المتوكل عن ابن جريجٍ وصححه الحاكم على شرط الشيخين ولكنه متعقب فإنهما لم يخرجا لهمام عن ابن جريجٍ وإن أخرجا لكل منهما على انفراده وقول الترمذي إنه حسن غريب فيه نظر.
ونقل عن الحافظ أنه قال: إنه لا علة له إلا تدليس ابن جريجٍ فإن وجد عنه التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته انتهى.
ومن أمثلة الثاني وهو الفرد الذي ليس في رواته من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده ما رواه النسائي وابن ماجه من رواية أبي زكير يَحْيَى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً: " كلوا البلح بالتمر فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان " الحديث. قال النسائي: هذا
стр. 197
حديث منكر تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالح أخرج له مسلم في المتابعات غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده بل قد أطلق عليه الأئمة القول بالتضعيف فقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يحتج به، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وأورد له ابن عدي أحاديث مناكير أفاده في التدريب.
(تنبيهان): الأول: أنه وقع في عباراتهم أنكر ما رواه فلان كذا وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفاً، وقال ابن عدي: أنكر ما روى بريد بن عبد الله ابن أبي بردة: " إذا أراد الله بأمة خيراً قبض نبيها قبلها " قال: وهذا طريق حسن رواته ثقات وقد أدخله قوم في صحاحهم انتهى.
والحديث في صحيح (١) مسلم. وقال الذهبي: أنكر ما للوليد بن مسلم من الأحاديث حديث حفظ القرآن وهو عند الترمذي وحسنه وصححه الحاكم على شرط الشيخين. اهـ تدريب.
الثاني: أشار العلامة ابن شاكرٍ في نسخته إلى أن هذا الباب زائد على العراقي حيث كتب البيتين بين قوسين قلت: ليس الأمر كذلك فإنه مذكور في العراقي أيضاً غايته أنه ذكر قول البرديجي وابن الصلاح، والناظم ذكر قول الحافظ بل الزائد قوله قابله المعروف فتفطن. ولما كان بين المنكر والمتروك مناسبة في اشتراط الفردية وكون راويهما غير ثقة ناسب ذكر المتروك بعده فلذا قال:
стр. 198
(المتروك)
أي هذا مبحثه وهو النوع الحادي والعشرون وهو في اللغة الساقط واصطلاحاً ما رواه متهم بالكذب ولا يعرف ذلك الحديث إلا من جهته وهو مخالف للقواعد المعلومة وكذا من عرف به في غير الحديث النبوي أو كثير الغلط أو الفسق أو الغفلة وإلى ذلك أشار بقوله:
١٨٦ - وَسَمِّ بِالْمَتْرُوكِ فَرْدًا تُصِب ... رَاوٍ لَهُ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ
١٨٧ - أَوْ عَرَفُوهُ مِنْهُ فَي غَيْرِ الأَثَرْ ... أَوْ فِسْقٌ اْوْغَفْلَةٌ اْوْ وَهْمٌ كَثُرْ
(وَسَمِّ) أيها المحدث (بالمتروك فرداً) أي حديثاً فرداً (تُصِب) أي تنل الحق، مجزوم جواباً للأمر وكسرت الباء للوزن (رَاوٍ لَهُ) أي لذلك الحديث الفرد، مبتدأ خبره قوله (متهم بالكذب) في الحديث النبوي والجملة صفة فرداً.
والمعنى أن الحديث الذي انفرد بروايته من هو متهم بالكذب في حديث رسول الله ﷺ بأن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، وهو مخالف للقواعد المعلومة يسمى بالمتروك (أو عرفوه) أي الكذب (منه) أي من ذلك الراوي (فَي غَيْرِ الأَثَرْ) النبوي، والجملة معطوفة على متهم، والمعنى أنه إذا عرف ذلك الراوي بالكذب بأن ظهر الكذب في كلامه وإن لم يظهر في الحديث النبوي يسمى بالمتروك أيضاً قال الحافظ: لكن هذا دون الأول (أو فسق) أي فسق ذلك الراوي والمراد بالفسق ما لا يبلغ حد الكفر سواء كان
стр. 199
بالفعل أو القول وبينه وبين الكذب عموم وخصوص مطلقاً وإنما أفرد الكذب لكونه أشد في هذا الفن، وسيأتي حكم الفسق بالمعتقد في باب من تقبل روايته ومن ترد، إن شاء الله تعالى (أو غفلة) أي غفلة ذلك الراوي أي ذهوله عن الإتقان والحفظ، والمراد كثرته، لأن مجرد الغفلة ليس سبباً للطعن في الرواية لقلة من يعافيه الله منه (أو وهم) بسكون الهاء أي رواية الحديث على سبيل التوهم وجملة قوله (كثر) صفة له، حُذِفَ نظيره لغفلة، ويحتمل كون الوهم هنا بفتح الهاء بمعنى الغلط، إلا أنه سكن للوزن فيكون بمعنى قول النخبة أو فحش غلطه.
(تنبيه): قوله أو فسق أو غفلة أو وهم، الظاهر أنه بالجر عطفاً على الكذب، وليس كذلك لأن مجرد الاتهام بهذه الأمور لا يكون سبباً لترك الحديث بل المراد ظهورها وكونها معلومة فالأولى كونها فاعلاً لفعل محذوف أي ظهر فسق أو غفلة.
(تَتِمَّة): هذا الباب من زياداته على العراقي، ولما بقي من أحكام الأفراد أشياء، وإن كان جلها معلوماً من الأبواب السابقة ذكرها بترجمة مستقلة بعدها استيفاء لما بقي وتبعاً لغيره حيث أفردوها بترجمة لما ذكر فقال:
стр. 200
(الأفراد)
بفتح الهمزة جمع فرد، أي هذا مبحثها، وهو النوع الثاني والعشرون من أنواع علوم الحديث.
١٨٨ - الْفَرْدُ إِمَّا مُطْلَقٌ مَا انْفَرَدَا ... رَاوٍ بِهِ فَإِنْ لِضَبْطٍ بَعُدَا
١٨٩ - رُدَّ، وَإِذْ يَقْرُبُ مِنْهُ فَحَسَنْ ... أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ حَيْثُ عَنْ
١٩٠ - وَمِنْهُ نِسْبِيٌّ بِقَيْدٍ يُعْتَمَدْ ... بِثِقَةٍ أَوْ عَنْ فُلانٍ أَوْ بَلَدْ
١٩١ - فَيَقْرُبُ الأَوَّلُ مِنْ فَرْدٍ وَرَدْ ... وَهَكَذَا الثَّالِثُ إِنْ فَرْدًا يُرَدْ
(الفرد) مبتدأ خبره قوله (إما) فرد (مطلق) أي عن التقييد بشيء مما يأتي في مقابله (ما) موصولة بدل من مطلق أو خبر لمحذوف أي هو الحديث الذي (انفردا) بألف الإطلاق (راو) واحد عن جميع الرواة (به) أي برواية ذلك الحديث.
وحاصل المعنى: أن الفرد على قسمين أحدهما ما تفرد بروايته راوٍ واحد ولو تعدد الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي، وهو التابعي، لا الصحابي لأن المقصود ما يترتب عليه من القبول والرد، والصحابة كلهم عُدُول، وهذا هو المسمى بالفرد المطلق، ثم بين حكمه فقال (فإن) كان ذلك المتفرد (لضبط) أي عنه فاللام بمعنى عن متعلقه بـ (بعدا) بألف الإطلاق أي إن بعد عن درجة الضبط (رد) بالبناء للمفعول جواب إن أي يكون مردوداً لضعف راويه (وإن قرب) ذلك المنفرد (منه) أي الضبط وفي نسخة
стр. 201
المحقق وإذ يقرب منه، والمعنى واحد، فحديثه (حسن) يجوز الاحتجاج به (أو بلغ) المنفرد (الضبط) أي درجة الضبط والإتقان فحديثه (صحيح) يحتج به وفي نسخة فصحح (حيث عن) بتخفيف النون للوزن، يقال عنَّ الشيء إذا ظهر، أي في أي حكم ورد ذلك الحديث سواء كان في التحليل والتحريم أم في الفضائل والزهد.
وحاصل المعنى أن الفرد المطلق وهو الذي انفرد به راوٍ واحد سواء تعددت الطرق إليه أم لا، حكمه أن ينظر في راويه المتفرد به فإن كان قد بلغ حد الضبط والإتقان فحديثه صحيح يحتج به مع تفرده به كحديث النهي عن بيع الولاء وهبته، فقد تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر وهو رجل ضابط متقن.
وإن كان لم يبلغ حد الضبط والإتقان لكنه قريب من هذا الحد فحديثه حسن يحتج به أيضاً.
وإن كان بعيداً من حد الضبط والإتقان كان حديثه ضعيفاً مردوداً.
قال الحافظ: وقد يتفرد به راوٍ عن ذلك المتفرد كحديث شعب الإيمان تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم وفي مسند البزار والمعجم الأوسط للطبراني أمثلة كثيرة لذلك اهـ.
ثم ذكر القسم الثاني وهو النسبي فقال: (ومنه نسبي) مبتدأ وخبر أي بعض الأفراد نسبي أي فرد بالنسبة إلى جهة خاصة وإن كان مشهوراً في نفسه كما قال: (بقيد يعتمد) أي بسبب قيد يذكر معه، فيعتمد بالبناء للمفعول صفة لقيد، أي يعتمده المحدث بمعنى يذكره، وذلك القيد: إما أن يكون بثقة كأن يقال: لم يروه ثقة إلا فلان، ومعناه أنه قد رواه غيره لكنه من غير الثقات.
(أو) إما أن يكون بقيد فلان (عن فلان) كأن يقال: لم يروه عن فلان
стр. 202
إلا فلان، فمعناه أنه قد رواه غيره لكن عن غير الذي رواه عنه (أو) إما أن يكون بقيد (بلد) كمكة والمدينة والبصرة والكوفة كان يقال: لم يروه إلا أهل مكة.
قال الحافظ: وإطلاق اسم الفرد على النسبي قليل، وأكثر ما يطلق اسم الفرد على المطلق، ويقال للنسبي غريب لكنه لما كان الغريب والفرد مترادفين لغة واصطلاحاً أُطلِقَ عليه الفرد.
قال: وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان أو أغرب به فلان وقريب من هذا اختلافهم في المنقطع والمرسل هل هما متغايران أو لا فأكثر المحدثين على التغاير لكنه عند إطلاق الاسم، وأما عند استعمال الفعل المشتق فيستعملون الإرسال فقط فيقولون أرسله فلان سواء كان ذلك مرسلًا أو منقطعاً، ومن ثم أطلق غير واحد ممن لم يلاحظ مواقع استعمالهم على كثير من المحدثين أنهم لا يغايرون بين المرسل والمنقطع، وليس كذلك لما حررناه، وقَلَّ مَنْ نبَّهَ على النكتة في ذلك اهـ كلام الحافظ.
ثم بين حكمه فقال: (فيقرب) من باب كرم وقتل وتعب (الأول) أي المقيد بالثقة (من فرد) مطلق (ورد) أي أتى وذكر فيما قبل وهو القسم الأول.
والمعنى: أن الفرد المقيد بالثقة يكون قريباً من الفرد المطلق لأن رواية غير الثقة كلا راوية هكذا قال تبعاً للعراقي، لكن الذي حققه السخاوي أن ينظر إلى رواية غير الثقة فإن كان ممن بلغ رتبة من يعتبر بحديثه كان حديث هذا الثقة قريباً من المطلق وإن كان ممن لا يعتبر به كان كالمطلق لأن روايته كلا رواية فتأمل.
مثاله: حديث مسلم وغيره أنه ﷺ : " كان يقرأ في الأضحى والفطر بقاف واقتربت الساعة " تفرد به ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله،
стр. 203
عن أبي واقد الليثي. ولم يروه أحد من الثقات غير ضمرة، ورواه من غيرهم عبد الله بن لهيعة، وهو ممن ضعفه الجمهور لاحتراق كتبه، عن خالد بن يزيد، عن عروة عن عائشة ﵂.
(وهكذا الثالث) مبتدأ وخبر، أي يقرب القسم الثالث من النسبي وهو المقيد بالبلد من الفرد المطلق، وترك الثاني لكونه معروفاً من بيان الأول والثالث (إن فرداً يرد) بالبناء للمفعول من الإرادة، أي إن أريد بتفرد أهل البلد انفراد واحد منهم، ولو قال فردٌ بالرفع لكان أولى، ويحتمل أن يكون من الورود، أي إن ورد فرداً ففرداً مفعول لفعل محذوف مفسر بيرد.
والمعنى أن الفرد المقيد بالبلد يقرب من القسم الأول، وعبارة غيره أنه من المطلق. وحاصل عبارة العراقي فإن يريدوا بِقَوْلِهِمْ انفرد به أهل البصرة أو هو من أفراد البصريين ونحو ذلك واحداً من أهل البصرة انفرد به متجوزين بذلك كما يضاف فعل واحد من قبيلة إليها مجازاً فهو من القسم الأول وهو الفرد المطلق. اهـ بتغيير يسير.
مثاله حديث النسائي: " كلوا البلح بالتمر " قال الحاكم: هو من أفراد البصريين عن المدنيين تفرد به أبو زكير عن هشام.
ومثال ما تفرد به فلان عن فلان ما في السنن الأربعة من طريق ابن عيينة عن وائل بن داود عن ابنه بكر بن واثل عن الزهري عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ : " أَوْلَمَ على صفية بسويق وتمر " قال الحافظ ابن طاهر: تفرد به وائل عن ابنه، ولم يروه عنه غير ابن عيينة، وقد رواه محمد بن الصلت التَّوَّزِي عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، ورواه جماعة عن ابن عيينة عن الزهري بلا واسطة.
(تنبيهات): الأول: قال السخاوي ﵀ ما حاصله: أنه تحصل مما ذكر أن القسم الثاني يعني النسبي أنواع منها ما يشترك الأول معه فيه كإطلاق تفرد أهل بلد بما يكون راويه منها واحداً فقط، وتفرد الثقة بما
стр. 204
يشترك معه في روايته ضعيف، ومنها ما هو مختص به، وهو تفرد شخص عن شخص، أو عن أهل بلد، أو أهل بلد عن شخص، أو عن أهل بلد أخرى اهـ.
(الثاني): أنه صنف في الأفراد الدارقطني، وابن شاهين، وغيرهما، وكتاب الدارقطني حافل في مائة جزء حديثية، وعمل أبو الفضل بن طاهر أطرافه، ومن مظانها الجامع للترمذي وزعم بعض المتأخرين أن جميع ما فيه من القسم الثاني، ورده الحافظ بتصريحه في كثير منه بالتفرد المطلق، ومن مظانها أيضاً مسند البزار والمعجمان الأوسط والصغير للطبراني، وصنف أبو داود السنن التي تفرد بكل سنة منها أهل بلد، كحديث طلق في مس الذكر، قال: تفرد به أهل اليمامة، وحديث عائشة في صلاة النبي ﷺ على سهيل بن بيضاء، قال الحاكم: تفرد أهل المدينة بهذه السنة، وكل ذلك لا ينهض به إلا متسع الباع في الرواية والحفظ، وكثيراً ما يقع التَّعَقُّب في دعوى الفردية حتى أنه يوجد عند مدعيها المتابع لكن إنما يحسن الجزم بالتعقب حيث لم يختلف السياق، أو يكون المتابع ممن يعتبر به لاحتمال إرادة شيء من ذلك بالإطلاق.
(الثالث): قال ابن دقيق العيد: إنه إذا قيل في حديث تفرد به فلان عن فلان احتمل أن يكون تفرداً مطلقاً، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعين خاصة، ويكون مروياً عن غير ذلك المعين، فليتنبه لذلك، فإنه قد يقع فيه المؤاخذة على قوم من المتكلمين على الأحاديث ويكون له وجه كما ذكرناه الآن انتهى فتح المغيث.
(الرابع): قال السخاوي: قولهم: لا نعلم أحداً روى هذا الحديث غير فلان جوز ابن الحاجب في غير الرفع والنصب وأطال في تقريره اهـ.
ولما أنهى الكلام على الأفراد، ذكر الغريب وما معه بعده لأن الغريب منها فقال:
стр. 205
(الغريب، والعزيز، والمشهور، والمستفيض، والمتواتر)
أي هذا مبحثها وهي النوع الثالث والعشرون، والرابع والعشرون، والخامس والعشرون والسادس والعشرون، والسابع والعشرون، ثم إن الناظم ﵀ رتبها بالترقي، وأتبعها بالأفراد لأن الغريب منها، وجمعها في ترجمة واحدة لما بينها من الصلة إذ باجتماع بعضها إلى جانب بعض تتضح حقيقة كل واحد منها تمام الاتضاح، وصنيعُهُ أولى من صنيع العراقي وغيره تبعاً لابن الصلاح فإنهم ذكروها بعد العالي والنازل، وذلك لأن ابن الصلاح أملى كتابه شيئا فشيئاً فرأى ذكر ما يناسب الحال أولى بالتقديم من مراعات الترتيب على الوضع المناسب.
وقال الحافظ: وكلها سوى الأخير وهو المتواتر آحاد، ويقال لكل منها: خبر واحد، وهو في اللغة ما يرويه شخص واحد، وفي الاصطلاح ما لم يجمع شروط المتواتر اهـ ثم رتبها مُفَصلًا فذكر الأول بقوله:
١٩٢ - الأَوَّلُ الْمُطْلَقُ فَرْدًا ... ..................
(الأول) أي الغريب، وهو لغة صفة مشبهة بمعنى المنفرد أو البعيد عن أقاربه، واصطلاحاً ما أشار إليه بقوله: (المطلق فرداً) أي الفرد المطلق، فقوله الأول: مبتدأ خبره المطلق وفرداً تمييزاً (١).
والمعنى: أن الغريب هو الفرد المطلق الذي تقدم في الأفراد أنه ما رواه واحد فقط، والحاصل أن الغريب في الاصطلاح عبارة عن الحديث الذي تفرد راويه بروايته عمن يجمع حديثه لضبطه وعدالته، كالزهري وقتادة وأشباههما وإنما سمي غريباً لأنه حينئذ كالغريب الواحد الذي لا أهل عنده، أو لبعده عن مرتبة الشهرة فضلًا عن التواتر.
وقال بعضهم: الغريب من الحديث على وِزَانِ الغريب من الناس
стр. 206
فكما أن غربة الإنسان في البلد تكون حقيقة بحيث لا يعرفه فيها أحد بالكلية، وتكون إضافية بأن يعرفه البعض دون البعض، ثم قد يتفاوت معرفة الأقل منهم تارة والأكثر أخرى، وقد يستويان وكذا الحديث قاله السخاوي.
وقال في التنقيح نقلاً عن ابن الصلاح: الغريب هو الذي يتفرد به بعض الرواة، وسواء انفرد بالحديث كله، أو بشيء منه، أو في سنده، وقال ابن منده ما معناه: الغريب من الحديث انفراد الراوي بالحديث عن إمام قد جمع حديثه وحفظ مثل قتادة والزهري، فإذا انفرد الراوي عن أحدهم من بين من أخذ عنهم بحديث سمي غريباً. اهـ بزيادة من التوضيح.
وقال السخاوي ما نصه: والحاصل أن الغريب على قسمين مطلق ونسبي، وحينئذ فهو والأفراد على حد سواء اهـ لكن قدمنا عن الحافظ: أن أهل الاصطلاح فرقوا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فانظر تحقيقه في بحث الأفراد.
ثم ذكر القسم الثاني وهو العزيز بقوله:
............ وَالَّذِي ... لَهُ طَرِيقَانِ فَقَطْ لَهُ خُذِ
١٩٣ - وَسْمَ الْعَزِيزِ ............ ... ...................
(والذي) مبتدأ خبره جملة الطلب أي الحديث الذي (له طريقان) أي راويان (فقط) أي فحسب (له) أي لهذا الحديث متعلق (بخذ) بكسر الذال للراوي، وقوله (وسم العزيز) بالفتح بوزن الوعد، أي علامة العزيز بمعنى أنك تجعل له اسم العزيز علامة يعرف بها.
وحاصل المعنى: أن الحديث الذي يرويه اثنان عن اثنين فقط يسمى بالعزيز. وسمي بذلك إما لقلة وجوده، لأنه يقال عَزَّ الشيء يَعِزُّ بكسر العين في المضارع عِزًّا (١) وَعَزَازَة إذا قل بحيث لا يكاد يوجد، وإما لكونه قوي
стр. 207
واشتد بمجيئه من طريق آخر من قولهم عَزَ يَعَزُّ بفتح العين في المضارع عِزًّا وعَزَازَةً أيضاً إذا اشتد وقوي، ومنه قوله تعالى: (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) أي قوينا وشددنا، وجمع العزيز أعزة وعِزَاز مثل كريم وكرام، ولا يقال عُزَزَاء ككرماء كراهية التضعيف أفاده في التاج.
قال الحافظ: المراد برواية اثنين أن لا يَرِدَ بأقل منهما فإن ورد بأكثر في بعض المواضع من السَّند الواحد لا يضر إذ الأقل في هذا العلم يقضي على الأكثر.
قال وادعى ابن حبان أن رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلاً قال الحافظ: إن أراد به أن رواية اثنين فقط عن اثنين فقط لا توجد أصلاً فيمكن أن يسلم وأما صورة العزيز التي حررناها فموجودة بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين.
مثاله ما رواه الشيخان من حديث أنس والبخاريُّ من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده " الحديث ورواه عن أنس قتادة وعبد العزيز بن صهيب ورواه عن قتادة شعبة وسعيد ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن علية وعبد الوارث ورواه عن كُلًّ جماعة.
وقال أيضاً: وليس - يعني العزيز - شرطاً للصحيح خلافاً لمن زعمه، وهو أبو علي الجبائِي من المعتزلة وإليه يومئ كلام الحاكم أبي عبد الله في علوم الحديث حيث قال: الصَّحِيح أن يرويه الصحابي الزائل عنه اسم الجهالة بأن يكون له راويان ثم يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة.
وصرح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح البخاري بأن ذلك شرط البخاري وأجاب عما أورد عليه من ذلك بجواب فيه نظر لأنه قال: فإن قيل حديث: " إنما الأعمال بالنيات " فرد لم يروه عن عمر إِلا علقمة قال: قلنا: قد خطب به عمر ﵁ على المنبر بحضرة الصحابة فلولا أنهم
стр. 208
يعرفونه لأنكروه، كذا قال: وتعقب بأنه لا يلزم من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه من غيره وبأن هذا لو سلم في عمر منع في تفرد علقمة ثم تفرد محمد بن إبراهيم عن علقمة ثم تفرد يَحْيَى بن سعيد به عن محمد على ما هو الصَّحِيح المعروف عند المحدثين، وقد وردت لهم متابعات لا يعتبر بها لضعفها، وكذا لا نسلم جوابه في غير حديث عمر ﵁.
قال ابن رشيد: ولقد كان يكفي القاضي في بطلان ما ادعى أنه شرط البخاري أولُ حديث مذكور فيه. اهـ كلام الحافظ.
ثم ذكر الثالث وهو المشهور بقوله:
........... وَالَّذِي رَوَاهُ ... ثَلاثَةٌ مَشْهُورُنَا، رَآهُ
١٩٤ - قَوْمٌ يَسَاوِي الْمُسْتَفِيضَ وَالأَصَحْ ... هَذَا بِأَكْثَرَ، وَلَكِنْ مَا وَضَحْ
١٩٥ - حَدُّ تَوَاتُرٍ ......... ... ...............
(والذي) مبتدأ أي الحديث الذي (رواه ثلاثة) من الرواة (مشهورنا) خبر المبتدإ، ويجوز العكس أي مشهور المحدثين.
والمعنى أن المشهور عندنا أيها المحدثون، وإنما خصهم احترازاً من المشهور عند العامة كما يأتي: هو الذي يرويه ثلاثة فأكثر وسمي مشهوراً لوضوح أمره يقال شهرت الأمر أشْهَرهُ (١) شَهْراً بالفتح وشُهْرَة بالضم أبرزته، وشَهَرتُ الحديثَ شهراً وشُهرة أفشيته فاشتهر أفاده في المصباح. وهذا التعريف لجماعة منهم الحافظ فإنهم خصوا الثلاثة فما فوقها بالمشهور، والاثنين بالعزيز، وقال ابن الصلاح تبعاً لابن منده: هو ما رواه جماعة عن الأئمة الذين يجمع حديثهم، وعبارته: فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة واشتركوا في حديث يسمى عزيزاً فإذا روى الجماعة عنهم حديثاً سمي مشهوراً. ومقتضى هذا أن بين العزيز والمشهور عموماً وخصوصاً
стр. 209
وجهياً. يجتمان فيما إذا رواه ثلاثة ويختص العزيز في الأثنين والمشهور في أكثر من الثلاثة قاله السخاوي.
ثم إن من العلماء من جعل المشهور والمستفيض واحداً وإليه أشار بقوله: (رآه) أي المشهور (قوم) من العلماء بمعنى ذهبوا إليه قال في المصباح: الذي أراه بالبناء للفاعل بمعنى الذي أذهب إليه. اهـ المقصود منه، والمعنى أنه ذهب جماعة من أئمة الفقهاء والأصوليين وبعض المحدثين إلى أن المشهور (يساوي) في المعنى الحديث الذي سمي (المستفيض) اسم فاعل من استفاض الخبر، أي شاع كما في التاج وفي شرح النخبة من فاض الماء يفيض فيضاً. اهـ أي كثر حتى سال على طرف الوادي. اهـ لقط الدرر.
وحاصل المعنى أن المشهور هو المستفيض على رأي جماعة من العلماء لكن الأصح أن بينهما مغايرة كما ذكره بقوله: (والأصح) من أقوال العلماء أن (هذا) أي المستفيض يكون (بأكثر) من ثلاثة (ولكن ما) نافية (وضح) أي ظهر فيه (حد تواتر) يعني أنه لم يوجد فيه حد التواتر، وحاصل المعنى: أن الأصح في حد المستفيض هو ما رواه أكثر من ثلاثة ما لم يبلغ إلى حد التواتر على ما يأتي بَيَانه.
وقال السخاوي: نقلاً عن الحافظ ما حاصله: ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض يكون من ابتدائه إلى انتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك بحيث يشمل ما كان أوله منقولاً من الواحد كحديث " إنما الأعمال بالنيات " فقد ثبت عن أبي إسماعيل الهروي أنه كتبه عن سبعمائة رجل من أصحاب يَحْيَى بن سعيد، واعتنى الحافظ أبو القاسم بن منده بجمعهم وترتيبهم بحيث جمع نحو النصف من ذلك، ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض ما تلقته الأمة بالقبول دون اعتبار عدد، ولذا قال أبو بكر الصيرفي والقفال: إنه هو والمتواتر بمعنى واحد اهـ كلام السخاوي.
قال الحافظ في المستفيض: إنه ليس من مباحث هذا الفن.
стр. 210
ثم إن هذه الأقسام الأربعة لا تختص بصحيح ولا ضعيف بل تعمهما إلا أن الغالب على الغريب الضَّعْفُ وإليه أشار بقوله:
.............. وَكُلٌّ يَنْقَسِمْ ... لِمَا بِصِحَّةٍ وَضَعْفٍ يَتَّسِمْ
١٩٦ - وَالْغَالِبُ الضَّعْفُ عَلَى الْغَرِيبِ ... ..............
(وكل) من الأقسام المذكورة مبتدأ خبره (ينقسم لما) إلى الحديث الذي (بصحة) متعلق بيتسم، والمراد ما يشمل الحسن (وضعف) بفتح الضاد وضمها (يتسم) أي يتحلى ويتصف.
والمعنى أن كلا من الأقسام المذكورة ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف إذ لا ينافي واحداً منها، وإن لم يصرح ابن الصلاح بذلك، إلا في الغريب لكثرته، ولذلك قال الناظم (و) لكن (الغالب الضعف) بالفتح والضم (على الغريب) أي النوع المسمى به يعني أن الغريب غالباً يكون ضعيفا، ويندر فيه الصحة ولذا كره جمع من الأئمة تتبع الغرائب.
فقد قال أحمد رحمه الله تعالى: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها من الضعفاء، وسئل عن حديث ابن جريجٍ عن عطاء عن ابن عباس " تردين عليه حديقته " فقال: إنما هو مرسل فقيل له إن ابن أبي شيبة زعم أنه غريب فقال أحمد: صدق، إذا كان خطأ فهو غريب، وقال أبو حنيفة ﵀: من طلبها كذب، وقال مالك ﵀: شر العلم الغريب وخيره الظاهر الذي قد رواه النَّاس، وعن عبد الرزاق قال: كنا نرى أن الغريب خير فإذا هو شر. ذكره السخاوي.
وفي التدريب وقال ابن المبارك: العلم الذي يجيئك من ههنا وههنا يعني المشهور، رواه البيهقي في المدخل، وعن الزهري قال: حدثت علي بن الحسين بحديث فلما فرغت قال: أحسنت بارك الله فيك، هكذا حدثنا، قلت ما أراني إِلا حدثتك بحديث أنت أعلم به مني قال: لا تقل ذلك فليس العلم ما لا يعرف إنما العلم ما عرف وتواطئت عليه الألسن،
стр. 211
وروى ابن عدي عن أبي يوسف، قال: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيماء أفلس اهـ المقصود من التدريب.
مثال المشهور الصَّحِيح حديث " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من النَّاس " الحديث.
ومثال المشهور الحسن حديث " طلب العلم فريضة على كل مسلم " فقد قال الحافظ المزي إن له طرقاً يرتقي بها إلى رتبة الحسن، ومثال المشهور الضَّعِيف حديث " الأذنان من الرأس " قلت الصَّحِيح أنه صحيح كما بينته في شرح النسائي.
وأما مثال الغريب الصَّحِيح فأفراد الصَّحِيح كثيرة كحديث " السفر قطعة من العذاب ". ومثال الغريب غير الصَّحِيح فهو غالب الغرائب ثم شرع في تقسيم آخر للغريب فقال:
............... ... وَقُسِّمَ الْفَرْدُ إِلَى غَرِيبِ
.................. ... ..................
١٩٧ - فِي مَتْنِهِ وَسَنَدٍ، وَالثَّانِ قَدْ ... وَلا تَرَى غَرِيبَ مَتْنٍ لا سَنَدْ
(وقسم) بالبناء للمفعول (الفرد) أي المطلق الذي هو الغريب، (إلى) قسمين (غريب في متنه وسند) له معاً كالحديث الذي ينفرد برواية متنه راو واحد فقط (و) غريب في (الثاني) أي السَّند (قد) أي فحسب كأن يكون المتن معروفاً برواية جماعة من الصحابة فينفرد بها راو من حديث صحابي آخر فهو من جهته غريب مع أن متنه غير غريب.
ومن أمثلته حديث أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه رَفَعَهُ " الكافر يأكل في سبعة أمعاء " فإنه غريب من حديث أبي موسى مع كونه معروفاً من حديث غيره، قال ابن الصلاح: من ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصَّحِيحة. قال السخاوي: يعني كأن ينفرد به من حديث شعبة بخصوصه غندر، قال: وهو الذي يقول فيه الترمذي: غريب من هذا
стр. 212
الوجه، قال ابن الصلاح: ولا أرى يعني القسم الثاني ينعكس فلا يوجد إذاً يعني فيما يصح، ما هو غريب متناً لا سنداً. اهـ. وإليه أشار بقوله (ولا نرى) بالنون والبناء للفاعل أي لا نعرف معاشر المحدثين، وفي نسخة المحقق بالتاء، أي لا تعرف أيها المحدث ولا تجد بالبحث (غريب متن) بالنصب مفعول نرى (لا سند) أي دونه يعني أنه لا يوجد حديثٌ غريبٌ متناً لا سنداً، قال ابن الصلاح إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرد به فرواه عنه عدد كثيرون فإنه يصير غريباً مشهوراً وغريباً متناً وغير غريب إسناداً لكن بالنظر إلى أحد طرفى الإسناد فإن إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول ومتصف بالشهرة في طرفه الآخر كحديث " إنما الأعمال بالنيات " وكسائر الغرائب التي اشتمل عليها التصانيف المشهورة اهـ.
قال العراقي بعد نقل كلام ابن الصلاح هذا ما نصه:
هكذا قال ابن الصلاح إنه لا يوجد ما هو غريب متناً لا سنداً إلا بالتأويل الذي ذكره، وقد أطلق أبو الفتح اليعمري ذكر هذا النوع في جملة أنواع الغريب من غير تقييد بآخر السَّند، فقال في شرحٍ الترمذي: الغريب على أقسام: غريب سنداً ومتناً، ومتناً لا سنداً، وسنداً لا متناً، وغريب بعض السَّند فقط، وغريب بعض المتن فقط، فالقسم الأول: واضح، والقسم الثاني: هو الذي أطلقه أبو الفتح ولم يذكر له مثالاً، والقسم الثالث: حديث رواه عبد المجيد بن عبد العزيز ابن أبي رَوَّاد عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: " الأعمال بالنية " قال الخليلي: في الإرشاد أخطأ فيه عبد المجيد وهو غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه قال: فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة، وقال أبو الفتح اليعمري هذا إسناد غريب كله والمتن صحيح.
والقسم الرابع: مثاله حديث رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي، ومن رواية عباد بن منصور كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بحديث أم زرع والمحفوظ ما رواه عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أخيه عبد الله بن عروة عن أبيه عن
стр. 213
عائشة هكذا اتفق عليه الشيخان، وكذا رواه مسلم من رواية سعيد بن سلمة بن أبي الحسام عن هشام، قال أبو الفتح فهذه غرابة تخص موضعاً من السَّند، والحديث صحيح، قال العراقي: ويصلح ما ذكرناه من عند الطبراني مثالاً للقسم الخامس لأن عبد العزيز وعَبَّادا جَعَلا جميع الحديث مرفوعاً وإنما المرفوع منه قوله ﷺ " كنت لك كأبي زرع لأم زرع " فهذا غرابة بعض المتن أيضاً. اهـ كلام العراقي في شرح ألفيته.
ولما كان المشهور له إطلاق آخر غير ما مر في الأقسام وهو ما اشتهر على ألسنة النَّاس ذكره بقوله:
١٩٨ - وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ لِلَّذِي اشْتَهَرْ ... فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَرْ
(ويطلق المشهور للذي) أي على الحديث الذي (اشتهر في الناس) أي بينهم (من غير شروط تعتبر) أي من دون أن توجد فيه الشروط المعتبرة عند المحدثين في المشهور المصطلح عليه.
والمعنى أن اسم المشهور قد يطلق على الأحاديث التي اشتهرت على ألسنة النَّاس سواء كانت صحيحة أم ضعيفة أم مكذوبة.
والحاصل أنه ربما يطلق على ما ليس له إلا إسناد واحد أو إسنادان أو لا إسناد له أصلًا، كعلماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل، وولدت في زمن الملك العادل كسرى، وتسليم الغزالة، فقد اشتهر على الألسنة، وفي المدائح النبوية قاله السخاوي.
وقد صنف في هذا القسم الزركشي التذكرة في الأحاديث المشتهرة، والناظم كتاباً استدرك فيه ما فات الزركشي، والعلامة السخاوي المقاصد الحسنة وغيرهم.
ومن أمثلة المشهور عند أهل الحديث خاصة حديث أنس " أن رسول الله ﷺ قنت شهراً بعد الركوع يدعوا على رِعْل وذَكْواَن " أخرجه الشيخان من رواية سليمان التيمي عن أبي مِجْلَزٍ عن أنس وقد رواه عن
стр. 214
أنس غير أبي مجلز، وعن أبي مجلز غير سليمان، وعن سليمان جماعة، وهو مشهور بين أهل الحديث، وقد يستغربه غيرهم لأن الغالب على رواية التيمي عن أنس كونها بلا واسطة، ومن المشهور عند أهل الحديث والعلماء والعوام " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ".
ومن المشهور عند الفقهاء " أبغض الحلال عند الله الطلاق " صححه الحاكم " من سئل عن علم فكتمه " الحديث حسنه الترمذي " لا غيبة لفاسق " حسنه بعض الحفاظ وضعفه البيهقي وغيره " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " ضعفه الحفاظ.
" استاكوا عرضاً وادهنوا غبا واكتحلوا وتراً " قال ابن الصلاح بحثت عنه فلم أجد له أصلاً ولا ذكراً في شيء من كتب الحديث.
قلت قال السخاوي في المقاصد الحسنة: والجملة الثانية من أصل الحديث عند أحمد وأبي دواد والترمذي مما صححه هو وابن حبان، وقال والجملة الثالثة عند أبي دواد وغيره.
ومن المشهور عند النحاة " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " قال العراقي وغيره لا أصل له ولا يوجد بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث.
ومن المشهور عند الأصوليين " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما اسْتكْرِهُوا عليه " صححه ابن حبان، والحاكم بلفظ إن الله وضع.
ومن المشهور بين العامة " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " أخرجه مسلم، " مدارة النَّاس صدقة " صححه ابن حبان، " البركة مع أكابركم " صححه ابن حبان والحاكم " ليس الخبر كالمعاينة " صححاه أيضا " المستشار مؤتمن " حسنه الترمذي، " العَجَلة من الشيطان " حسنه الترمذي أيضاً، " اختلاف أمتي رحمة " " نية المرء خير من عمله " " من بورك له في شيء فليلزمه " " الخير عادة "، " عَرّفوا ولا تعنفوا "، " جبلت القلوب على حب من
стр. 215
أحسن إليها "، " أمرنا أن نكلم النَّاس على قدر عقولهم "، وكلها ضعيفة، " من عرف نفسه فقد عرف ربه "، " كنت كنزاً مخفياً لا أعرف "، " الباذنجان لما أكل له، يوم صومكم يوم نحركم، من بَشَرَني بآذار بشرته بالجنة "، وكلها باطلة، لا أصل لها، ذكرها كلها في التدريب، ولما أنهى الكلام على الآحاد شرع يبين المتواتر، وهو القسم الخامس فقال:
١٩٩ - وَمَا رَوَاهُ عَدَدٌ جَمٌ يَجِبْ ... إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكَذِبْ
٢٠٠ - فَالمُتَوَاتِرُ، وَقَوْمُ حَدَّدُوا ... بِعَشْرَةٍ، وَهْوَ لَدَيَّ أَجْوَدُ
٢٠١ - وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ اْوْ عِشْرِينَا ... يُحُكَى وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَا
(وما) اسم موصول مبتدأ أي الحديث الذي (رواه عدد) أي جماعة من النَّاس (جم) بفتح الجيم وتشديد الميم صفة عدد أي كثير، قال في " ق " الجم الكثير من كل شيء كالجمم محركة، والجمع جمام بالكسر، وجموم بالضم. اهـ بزيادة من التاج (يجب) عادة (إحالة اجتماعهم) وتواطئهم (على الكذب) بفتح فكسر أفصح من سكون الذال مع كسر الكاف وهو الموافق للوزن أيضاً، وجملة يجب صفة بعد صفة لعدد بمعنى أن العادة تمنع اتفاقهم على الكذب عمداً أو وقوعه منهم من غير قصد، قال السخاوي: وبالنظر لهذا خاصة يكون العدد في طبقة كثيراً وفي أخرى قليلاً إِذِ الصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه اهـ.
والحاصل: أن الخبر الذي ورد بلا حصر عدد معين بل تكون العادة قد أحالت تواطئهم على الكذب وكذا وقوعه منهم اتفاقاً من غير قصد وانضاف إليه أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه والمراد بالاستواء أن لا تنقص الكثرة المذكورة في بعض المواضع لا أن تزيد إذ الزيادة هنا مطلوبة من باب أولى، وأن يكون مستند انتهائه الأمر المشاهد، أو المسموع لا ما ثبت بقضية العقل الصرف (١) فإذا جمع هذه