الأصل. وسَمَّى كتابه الملخص " الدر النثير " ويوجد في هامش الأصل في بعض طبعاته، وكذا لخصه محمد بن المتقي الهندي، والسيد عيسى بن محمد الصفوقي، في قريب من نصف حجمه.
ثم حث الطالب على الاعتناء بالغريب وعدم الخوض بالظن، ولا تقليد غير أهله فقال:
٦٢٥ - فَاْعْنَ بِهِ، وَلا تَخُضْ بِالظَّنِّ ... وَلا تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ
٦٢٦ - وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ اوْ ... عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا
(فَاْعْنَ بِهِ) أمر من عَنَيت به عِناية من باب رمى إذا اشْتَغَلْتَ به، والأكثر فيه عُنِيَ بالبناء للمفعول،. اهـ مصباح بتغيير.
أي اجتهد أيها الطالب في معرفة غريب الحديث تحفظاً وتدبراً فإنه مهم، يقبح جهله بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامة.
(ولا تخض) أي لا تدخل فيه، يقال: خاض في الأمر خوضاً دخل فيه، قاله في المصباح. (بالظن) أي متلبساً به فإنه أمر ليس بالهَيِّنِ، والخائض فيه حقيق بالتحري، جدير بالتوقي.
وقد قال أحمد ﵀ مع جلالته في العلم لَمّا سئل عن حرف منه: اسألوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن فأخطئَ، وقال شعبة في لفظةٍ: خذوها عن الأصمعي فإنه أعلم بهذا مِنا.
(ولا تقلد) أي لا تتبع في معرفته أحداً (غير أهل الفن) الماهرينْ به إن وجدتهم، وإلا فكتبهم لأنَّ من لم يكن من أهله أخطأ في تصرفه، وإذا كان الأصمعي مع جلالته يقول: أنا لا أفسر حديث رسول الله ﷺ ، ولكن العرب تزعم أن السَّقَبَ اللزيقُ فكيف بغيره ممن لا يعرف بالفن؟ أم كيف بما يُرَى من ذلك بهوامش الكتب مما يجهل كاتبه؟ بل شَرَطَ بعضهم فيمن يقلد اطلاعه على أكثر استعمالات ألفاظ الشارع حقيقة ومجازاً، فقال: ولا
стр. 597
يجوز حمل الألفاظ الغريبة من الشارع على ما وجد في أصل كلام العرب، بل لا بد من تتبع كلام الشارع، والمعرفة بأنه ليس مراد الشارع من هذه الألفاظ إلا ما في لغة العرب، وأما إذا وجد في كلام الشارع قرائن بأن مراده من هذه الألفاظ معان اخترعها هو فيحمل عليها، ولا يحمل على الموضوعات اللغوية كما هو في أكثر الألفاظ الواردة في كلام الشارع.
انتهى. وهذا هو المسمى عند الأصوليين بالحقيقة الشرعية. قاله السخاوي.
(وخيره) مبتدأ أي أحسن ما فسر به الغريب (ما) موصولة خبر المبتدإ أي التفسير الذي (جاء) أي ورد مبيناً (من طريق) أخرى، كالدخ بضم الدال، وحكى فتحها، الوارد في القصة المشهورة لابن صياد، فإنه جاء مفسراً في رواية أخرى بأنه الدخان، ووهم من فسره بالجماع.
(أو) جاء (عن الصحابي) راوي ذلك الحديث (أو) عن (راو) آخر غير الصحابي، والواو بمعنى أو، وقوله: (قد حكوا) جملة مستأنفة، أي حكى العلماء أن هذه الوجوه كلها من خير ما فسر به الغريب.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب: قوله: وابن الأثير الآن البيت ....
وقوله: أو عن الصحابي وراو قد حكوا.
стр. 598
(المُصَحَّفُ وَالمُحَرَّفُ)
الواقعان في المشتبه من السَّند والمتن، أي هذا مبحثهما، وهما النوع السادس والأربعون والسابع والأربعون، ولكونهما تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها كانا فنًّا مهماً لا ينهض بأعبائهما إلا الحفاظ الحذاق، كالدارقطني وأبي أحمد العسكري كما أشار إليه بقوله:
٦٢٧ - وَالْعَسْكَرِيْ صَنَّفَ فِي التَّصْحِيفِ ... وَالدَّارَقُطْنِيْ أَيَّمَا تَصْنِيفِ
(والعسكري صنف) مبتدأ وخبر، أي الإمام اللغوي الحجة أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، المتوفى في صفر سنة ٢٨٣، (في) فن (التصحيف) والتحريف وشَرْحِ ما يقع فيه، وهو من أنفس الكتب وأكثرها فائدة كما قاله ابن شاكر.
وقال السخاوي: له عدة كتب أكبرها لسائر ما يقع فيه التصحيف من الأسماء والألفاظ غير مقتصر على الحديث، ثم أفرد منه كتاباً يتعلق بأهل الأدب وهو ما يقع فيه التصحيف من ألفاظ اللغة والشعر وأسماء الشعراء أو الفرسان، وأخبار العرب وأيامها، ووقائعها، وأماكنها، وأنسابها.
ثم آخر فيما يختص بالمحدثين من ذلك غير متقيد بما وقع فيه التصحيف فقط بل ذكر فيه ما هو معرض لذلك، وفي بعض المحكي مما وقع لبعض المحدثين ما يكاد اللبيب يضحك منه. اهـ.
стр. 599
(والدارقطني) عطف على الضمير في صنف هو الإمام الحافظ نَسِيج وحده، وقَرِيع دهره في صناعة الحديث، ومعرفة رجاله، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي المتوفى سنة ٣٨٥ عن ٧٩ سنة، منسوب إلى دارقطن محلة ببغداد.
وقوله: (أيما تصنيف) بالنصب وما زائدة صفة لمحذوف أي تصنيفاً كاملًا في بابه، قال ابن هشام في المغني في أثناء تعداد معاني أي: والرابع أن تكون دالة على معنى الكمال فتقع صفة للنكرة نحو زيد رجلٌ أيُّ رجلٍ، أي كامل في صفات الرجال، وحالاً للمعرفة كمررت بعبد الله أيَّ رجل اهـ.
والمعنى: أنه صنف في هذا الفن كتاباً مفيداً جِدًّا قال الناظم: أورد فيه كل تصحيف وقع للعلماء حتى في القرآن، من ذلك: ما رواه عن عثمان بن أبي شيبة قرأ على أصحابه في التفسير جعل السفينة في رحل أخيه، فقيل له: إنما جعل السقاية فقال أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم.
وقرأ أيضاً (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) قالها ألف لام ميم، يعني: كأول البقرة، قال الذهبي: لعله سبق في لسانه وإلا فقطعاً أنه يحفظ سورة الفيل.
وقرأ أيضاً فضرب لهم بِسِنَّورٍ لَهُ نَابُ فردوا عليه فقال: قراءة حمزة عندنا بدعة، قال الذهبي: فكأنه كان صاحب دعابة ولعله تاب وأناب.
ثم بيّن معنى التصحيف والتحريف فقال:
٦٢٨ - فَمَا يُغَيَّرْ نُقْطُهُ مُصَحَّفُ ... أَوْ شَكْلُهُ لا أَحْرُفٌ مُحَرَّفُ
(فما) الفاء فصيحية، وما شرطية لجَزْمِ الفعل بعدها، مبتدأ (يغير) بالبناء للمفعول (نقطه) نائب فاعله، وهو بضم ففتح جمع نقطة كغرفة وغرف، إلا أنه خففه بتسكين القاف للوزن، أي أيُّ حَرْفٍ غُيِّرَت نُقْطَةٌ من نُقَطِهِ (مصحف) خبر لمحذوف مع الرابِطِ، أي فهو مصحف بصيغة اسم المفعول.
стр. 600
(أو شكله) بالرفع عطف على نقطه، أي أو غير شكله أي حركاته، يقال: شَكَلْت الكتاب شَكْلًا من باب قتل أعلمته بعلامات الإعراب، قاله في المصباح. (لا أحرف) أي ليست الأحرف منه مغيرة (محرف) أي فهو محرف.
وحاصل معنى البيت: أن ما كان فيه تغيير حرف أو حروف بتغيير النقط مع بقاء صورة الخط يسمى تصحيفاً، وما كان فيه ذلك في الشكل يسمى خريفاً، وستأتي أمثلة كل منهما وهكذا قسمه الحافظ ﵀.
ثم ذكر أقسامه فقال:
٦٢٩ - فَقَدْ يَكُونُ سَنَدًا وَمَتْنَا ... وَسَامِعًا وَظَاهِرًا وَمَعْنَى
(فقد يكون) أي المذكور من التصحيف والتحريف (سنداً) أي فيه (ومتناً) أي فيه ويكون أيضاً (سامعاً): أي خَطَأ سَمْعِ سَامِعِ، وذلك بأن يكون الاسم واللقب، أو الاسم واسم الأب على وزن اسم آخَرَ ولَقَبِهِ، أو اسم آخر واسم أبيه، والحروف مختلفة شكلًا ونقطاً فيشتبه على السامع فيغيره (و) يكون أيضاً (ظاهراً) يعني: لفظاً بدليل ما بعده (و) يكون (معنى) أي من جهة المعنى، قال المحقق: لكنه ليس من التصحيف على الحقيقة بل هو من باب الخطأ في الفهم.
ثم ذكر أمثلة هذه الأقسام بالترتيب فقال:
٦٣٠ - فَأَوَّلٌ: " مُرَاجِمٌ " صَحَّفَهُ ... يَحْيَى " مُزَاحِمًا " فَمَا أَنْصَفَهُ
(فأول) الفاء فصيحية أي إذا أردت أمثلة هذه الأقسام، فأقول لك: (أَوَّلٌ) منها وهو مبتدأ على حذف مضاف أي مثال أول، وهو التصحيف في السَّند (مراجم) بضم الميم فراء فجيم والد العَوَّام، وابنُهُ هذا يروي عن أبي عثمان النَّهْدِيّ وروى عنه شعبة.
(صحفه) أي مراجماً هذا (يَحْيَى) بن معين بن عَوْن الإمام الجليل، إمام الجرح والتعديل المتوفى سنة ٢٣٣ فجعله (مزاحماً) بالزاي والحاء
стр. 601
المهملة، وذلك في حديث شعبة عن العوَّام بن مراجم، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان بن عفان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " لتؤدون الحقوق إلى أهلها " الحديث.
(فما) نافية (أنصفه) أي ما أعطاه حقه، يقال: أنصف الرجل صاحبه أعطاه حقه، أفاده في اللسان، يعني: أن يَحْيَى ما أعطى هذا الاسم ما يستحقه من الضبط.
ثم ذكر مثال الثاني بقوله:
٦٣١ - وَبَعْدَهُ: " يُشَقِّقُونَ الْخُطَبَا " ... صَحَّفَهُ وَكِيعُ قَالَ: " الْحَطَبَا "
(وبعده) أي بعد تصحيف السَّند، أو بعد مراجم، وهو خبر مقدم، وقوله (يشققون الخطبا) مبتدأ مؤخر محكى لقصد لفظه.
(صحّفه وكيع) بن الجراح الإمام الحافظ المتوفى سنة ١٩٦ هـ، يعني: أن هذا الكلام يذكر بعدما تقدم مثالاً لتصحيف المتن، حال كونه صحفه وكيع (قال الحطبا) أي حال كونه قائلاً فيه الحطب بدل الخطب، وهو حديث روى عن معاوية ﵁ قال: " لعن رسول الله ﷺ الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر " أي الذين يتكلفون تحسينه كما يتكلفون تحسين الشعر، فصحفه وكيع بالحاء المهملة المفتوحة بدل الخاء المعجمة المضمومة.
ونقل ابن الصلاح أن ابن شاهين صحف هذا الحرف مرة في جامع المنصور فقال بعض الملاحين: يا قوم فكيف نعمل والحاجة مَاسَّة.
ثم ذكر مثال الثالث فقال:
٦٣٢ - وَثَالِثٌ: كَـ " خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَهْ " ... شُعْبَةُ قَالَ مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَهْ
(وثالث) أي مثال ثالث الأقسام، وهو التصحيف في السمع مبتدأ خبره (كخالد بن علقمة شعبة) بن الحجاج مبتدأ خبره جملة قوله: (قال) فيه (مالك بن عرفطة) بالتصحيف، والحديث في مسند الإمام أحمد، قال:
стр. 602
حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن مالك بن عرفطة، عن عبد خير، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : " نهى عن الدباء والمزفت " قال أحمد: صحف شعبة فيه فإنما هو خالد بن علقمة، وقد رواه زائدة بن قدامة وغيره على ما قاله أحمد، قاله ابن الصلاح، وذكر المحقق ابن شاكرٍ ههنا اعتراضاً فيه نظر، وكحديث عاصم الأحول رواه بعضهم فقال واصل الأحدب.
ثم ذكر مثال الرابع فقال:
٦٣٣ - وَرَابِعٌ: مِثْلُ حَدِيثِ احْتَجَرَا ... صَحَّفَهُ بِالمِيمِ بَعْضُ الْكُبَرَا
(ورابع) أي رابع الأقسام، رهو التصحيف في اللفظ مبتدأ خبره قوله: (مثل حديث احتجرا) بألف الإطلاق حال كونه (صَحَّفَهُ بالميم) بدل الراء (بعض الكبرا) فاعل صحف، وهو عبد الله بن لهيعة بن عقبة المصري المتوفى سنة ١٧٤، وهو ما رواه ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة إليه بإسناده، عن زيد بن ثابت: " أن رسول الله ﷺ احتجم في المسجد " وإنما هو بالراء احتجر في المسجد بخُصّ وحصير حُجْرَة يصلى فيها فصحفه ابن لهيعة لكونه أخذه من كتابٍ بغير سماع، ذكر ذلك مسلم في كتاب التمييز له.
ثم ذكر مثال الخامس فقال:
٦٣٤ - وَخَامِسٌ مِثْلُ حَدِيثِ الْعَنَزَهْ ... ظَنَّ الْقَبِيلَ عَالِمٌ مِنْ عَنَزَهْ
(وَخَامِسٌ) أي خامس الأقسام وهو التصحيف في المعنى وإعرابه كسابقه (مِثْلُ حَدِيثِ الْعَنَزَهْ) في حديث: " أن النبي ﷺ صلى إلى العنزة " والعنزة بفتحتين عصا أقصر من الرمح، ولها زجٌّ من أسفلها، والمراد أنها كانت تغرز بين يديه إذا صلى في الفضاء لتستره.
(ظن القبيل) أي توهم أن المراد بالعنزة في هذا الحديث القبيلة المشهورة (عالم) التنوين للتعظيم أي عالم جليل (من) قبيلة (عنزة) وهو، الحافظ الحجة أبو موسى محمد بن المثنى أحد شيوخ الأئمة الستة المذكورين في قولي:
стр. 603
اشْتَرَكَ الأئمَّةُ الْهُدَاةُ ... ذَوُو الأصولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِْ الْمَهَرَهْ ... الْحَافِظِين النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أوْلَئِكَ الأشَجُّ (١)، وَابنُ مَعْمَرٍ (٢)، ... نَصْرٌ (٣)، وَيَعْقُوبُ (٤) وَعَمْروٌ (٥) السَّرِي
وَابنُ (٦) الْعَلاَءِ، وَابْنً (٧) بَشَّارٍ كَذَا ... ابنُ (٨) الْمُثَنَّى وَزِيَاد (٩) يُحْتَذَى
وحاصل معنى البيت: أن أبا موسى محمد بن المثنى العنزي المتوفى سنة ٢٥٢ توهم أن العنزة في حديث أن النبي ﷺ صلى إلى عنزة المراد بها القبيلة التي هو منها، فقال: نحن قوم لنا شرف نحن من عنزة قد صلى النبي ﷺ إلينا.
وقال الناظم: وأعجب من ذلك ما ذكره الحاكم عن أعرابي زعم أن النبي ﷺ صلى إلى شاة.
صحفها عنْزة بسكون النون، ثم رواها بالمعنى على وهمه فأخطأ من وجهين.
وقال ابن الصلاح: وكثير من التصحيف المنقول من الأكابر الجِلِّةِ لهم فيه أعذار لَمْ ينقلها ناقلوها.
قال الإمام أحمد: ومن يَعرَى من الخطأ والتصحيف؟
(تَتِمَّة): الظاهر أنه ليس في هذا الباب زيادة كما هو صنيع المحقق في نسخته والله أعلم.
стр. 604
(الناسخ والمنسوخ من الحديث)
أي هذا مبحثه وهو النوع الثامن والأربعون من أنواع علوم الحديث، النسخ لغة يطلق على الإزالة، وعلى النقل، والتحويل، واصطلاحاً عَرَّفَهُ بقوله:
٦٣٥ - النَّسْخُ: رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ وَالصَّوَابْ ... فِي الْحَدِّ رَفْعُ حُكْمِ شَرْعٍ بِخِطَابْ
(النسخ رفع) مبتدأ وخبر، أي رفع للحكم أي لتعلق الخطاب التنجيزي الحادث المستفاد تأبيده من إطلاق اللفظ، على معنى أن المزيل لحكم الأول هو الناسخ، إذ لولا وروده لاستمرّ، وهذا قول القاضي أبي بكر ومتابعيه (أو) لتنويع الخلاف (بيان) أي قيل: النسخ بيان لانتهاء أمد الحكم، وهذا قول الأستاذ أبي إسحاق ومتابعيه.
(والصواب) مبتدأ، أو خبر مقدم، أي القول الحق (في الحد) أي في تعريف النسخ متعلق بما قبله، وقوله: (رفع حكم شرع بخطاب) خبر أو مبتدأ مؤخر، محكى لقصد لفظه.
وحاصل المعنى: أن المختار في تعريف النسخ هو أنه رفع حكم شرعي بخطاب، أي رفع الشارع حكماً منه متقدماً بحكم منه متأخر، فالمراد برفع الحكم قَطعُ تعلقه عن المكلفين، واحترز به عن بيان المُجْمَلِ، وبإضافته للشارع عن إخبار بعض من شاهد النسخ من الصحابة
стр. 605
فإنه لا يكون نسخاً، وإن لم يحصل التكليف به لمن لم يبلغه قبل ذلك إلا بإخباره، وبالحكم عن رفع الإباحة الأصلية فإنه لا يسمى نسخاً، وبالمتقدم عن التخصيص المتصل بالتكليف كالاستثناء ونحوه، وبقوله: بحكم منه متؤخر عن رفع الحكم بموت المكلف أو زوال تكليفه بجنون ونحوه، وعن انتهائه بانتهاء الوقت كقوله ﷺ : " إنكم ملاقوا العدو غداً والفطر أقوى لكم فأفطروا " (١) فالصوم بعد ذلك اليوم ليس نسخاً. اهـ تدريب.
٦٣٦ - فَاعْنَ بِهِ فَإِنَّهُ مُهِمُّ ... وَبَعْضُهُمْ أَتَاهُ فِيهِ الْوَهْمُ
(فاعن) أمر من عَنَى بكذا يَعني من باب رَمَى إذا شُغِلَ به، أو من عُنَيِ بكذا مغير الصيغة أي اشتَغِلْ، واجتَهِدْ (به) أي بمعرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث (فإنه) أي هذا النوع (مهم) فقد مَرّ علي ﵁ على قاص فقال: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ فقال؛ لا، فقال: هلكت وأهلكت، وقال الزهري: أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه.
(وبعضهم) مبتدأ أي بعض من اعتنى بالتصنيف في هذا النوع (أتاه فيه الوهم) خبر المبتدإ، أي حصل له الخطأ فيه حيث أدخل فيه ما ليس منه لخفاء معنى النسخ وشرطه.
ثم ذكر ما يعرف به النسخ فقال:
٦٣٧ - يُعْرَفُ بِالنَّصِّ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ ... صَاحِبِهِ أَوْ عُرِفَ الْوَقْتُ، وَلَوْ
٦٣٨ - صَحَّ حَدِيثٌ وَعَلَى تَرْكِ الْعَمَلْ ... أُجْمِعَ فَالْوَفْقُ عَلَى النَّاسِخِ دَلّ
(يعرف) بالبناء للمفعول، أي النسخ (بالنص) أي التصريح (من الشارع) أي النبي ﷺ بذلك كقوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ". " وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة فكلوا ما بدا لكم ". " وكنت نهيتكم عن الظروف " الحديث. (أو) قول (صاحبه) بأن هذا
стр. 606
منسوخ، أو نحوه، كقول جابر ﵁: " كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار ".
وشرط أهل الأصول في هذا أن يخبر بتأخره، فإن قال: هذا ناسخ لم يثبت به النسخ، لجواز أن يقوله عن اجتهاد، واعترض العراقي عليهم وصوب إطلاق أهل الحديث.
(أو عرف الوقت) أي تاريخ ورود الحديثين كحديث شدّاد بن أوس مرفوعاً: " أفطر الحاجم والمحجوم " ذكر الشافعي أنه منسوخ بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ : " احتجم وهو محرم صائم " لأن ابن عباس إنما صَحِبَه محرماً في حجة الوداع سنة عشر، وفي بعض طرق حديث شداد أن ذلك كان زمن الفتح سنة ثمان.
ثم ذكر أن الإجماع يدل على النسخ فقال:
(ولو صح حديث) باستيفاء شروط الصحة (و) لكن (على ترك العمل) متعلق بقوله (أجمع) بالبناء للمفعول، أي أجمع العلماءُ على ترك العمل بذلك الحديث (فالوقف) بالفتح مبتدأ، أي اتفاقهم عليه (على الناسخ) متعلق بـ (ـدل) خبر المبتدإ، أي أرشد على أن هذا الحديث له ناسخ، وإن لم نقف عليه، وإنما لم نقل أن الإجماع هو الناسخ لأنه لا ينسخ ولا ينسخ، بل يستدل له به على وجود خبر معه يقع به النسخ، إذ لا ينعقد إلا بعد الرسول ﷺ ولا نسخ بعده.
ومثاله حديث الترمذي عن جابر ﵁ قال: " حججنا مع النبي ﷺ فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان " قال الترمذي: أجمع أهل العلم أن المرأة لا يلبي عنها غيرها.
وإنما قيد بقوله: صح أنه لا يحكم عليه بالنسخ بذلك إلا إذا عرفت صحته، وإلا فيحمل على أنه غلط.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله: رفع أو بيان. وقوله: وبعضهم أتاه فيه الوهم. وقوله: صح حديث.
стр. 607
(مختلف الحديث)
أي هذا مبحثه، وهو النوع التاسع والأربعون من أنواع علوم الحديث، أي باب معرفة مختلف الحديث وحكمه.
٦٣٩ - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الْمُخْتَلِفِ ... الشَّافِعِي، فَكُنْ بِذَا النَّوْعِ حَفِي
٦٤٠ - فَهْوَ مُهِمٌّ، وَجَمِيعُ الْفِرَقِ ... فِي الدِّينِ: تَضْطَرُّ لَهُ فَحَقِّقِ
(أول) مبتدأ أي أسبق (من صنف) أى جمع (في المختلف) أي النوع المسمى بمختلف الحديث (الشافعي) خبر المبتدإ، ويحتمل العكس أي إن أسبق مَنْ جَمَع في مختلف الحديث هو الإمام الحجة علم الأئمة ومُقتدَى الأمة محمد بن إدريمس بن العباس المتوفى سنة ٢٠٤ عن ٥٤ سنة، فإنه ﵀ صنف فيه كتاب اختلاف الحديث لكنه لم يقصد استيعابه، بل إنما ذكر جملة ينبه بها على طريق الجمع في ذلك، ثم صنف ابن قتيبة فأتى فيه بأشياء حسنة وأشياء قصر باعه فيها، وكذا صنف أبو جعفر بن جرير الطبري، وأبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الآثار، وهو من أجل كتبه، وكذا صنف فيه أبو بكر بن فُورك، وأبو محمد القصري، وبينه وبين الناسخ والمنسوخ عموم وخصوص مطلق، فكل ناسخ ومنسوخ مختلف ولا عكس أفاده السخاوي.
(فكن) الفاء فصيحية أي إذا كان مختلف الحديث مما يُعتَنَى به،
стр. 608
فكن أيها المحدث (بذا النوع) أي مختلف الحديث (حفي) خبر كن، وقف عليه على لغة ربيعة أي مبالغاً في تحقيقه (فهو مهم) جملة تعليلية، أي لأنه مهم (وجميع الفرق) جمع فرقة أي طوائف العلماء من المحدثين، والمفسرين، والفقهاء (في الدين) متعلق بقوله: (تضطر إليه) أي تحتاج إلى هذا الفن في معرفة أمور الدين (فحقق) أي إذا كان الأمر كذلك فينبغي لك أن تحقق معرفته وتغوص في أسراره.
ثم ذكر أن كل أحد لا يصلح لتحقيقه بل له أهل يَقْدُرُون قدره فقال:
٦٤١ - وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِيهِ مَنْ كَمَلْ ... فِقْهًا وَأَصْلاً وَحَدِيثًا وَاعْتَمَلْ
(وإنما يصلح) فيه لغات ثلاث صَلَح يصلُح من باب قعد، وصلُح يصلحُ بالضم فيهما، وصلَح يصلَح بالفتح فيهما: خلاف فسد. (فيه) أي للكلام على مختلف الحديث (مَن) فاعل يصلح (كمل) من باب قرب، وضرب، وتعب، وهذه أردؤها. (فقهاً وأصلاً وحديثاً) منصوبات على التمييز، أي من كان كاملًا في فن الفقه والأصل، والمراد أصول الدين، وأصول الفقه، والحديث (واعتمل) افتعال من العمل، أي بالَغَ في تحقيقها، وغاص في بحر معانيها الدقيقة، فإنه لا يشكل عليه من ذلك إلا النادر في بعض الأحيان. ثم ذكر تعريفه فقال:
٦٤٢ - وَهْوَ: حَدِيثٌ قَدْ أَبَاهُ آخَرُ ... فَالْجَمْعُ إِنْ أَمْكَنَ لا يُنَافِرُ
(وهو) أي مختلف الحديث (حديث قد أباه) أي عارضه في الظاهر حديث (آخر) مثله في القوة، وإلا فلا معارضة أصلاً. ثم إنه ينقسم إلى قسمين: أحدهما ما يمكن فيه الجمع أشار إليه بقوله: (فالجمع) مبتدأ خبره جملة الشرط، أي الجمع بين مدلولي الحديثين المتعارضين ظاهراً (إن أمكن) بوجه صحيح (لا ينافر) في نسخة الشارح بصيغة المضارع أي لا ينافي أحد الحديثين الآخر، وفي نسخة المحقق لا تنافر بصيغة المصدر ولا عاملة عمل ليس وخبرها محذوف، أي بينهما وجواب " إن " محذوف، أي فهو متعين، وجملة لا تنافر علة للتعين أي لعدم التنافر.
стр. 609
وحاصل المعنى: أن الجمع بين الحديثين إن أمكن بوجه صحيح تعين المصير إليه لعدم التنافر بينهما، ولا يصار إلى التعارض، ولا النسخ، بل يجب العمل بهما معاً.
ثم ذكر مثالاً لما يمكن فيه الجمع بقوله:
٦٤٣ - كَمَتْنِ " لا عَدْوَى " وَمَتْنِ فِرَّا " ... فَذَاكَ لِلطَّبْعِ، وَذَا لاِسْتِقْرَا
٦٤٤ - وَقِيلَ: بَلْ سَدُّ ذَرِيعَةٍ، وَمَنْ ... يَقُولُ مَخْصُوصٌ بِهَذَا: مَا وَهَنْ
(كمتن لا عدوى) خبر لمحذوف أي ذلك كمتن " لا عدوى ولا طيرة " فإنه يدل على نفي الإعداء مطلقاً، وعدوى اسم من الإعداء، يقال: أعداه الداء إعداء، وهو أن يصيبه مثلُ ما أصاب صاحبَ الداء.
(ومَتْنِ فِرَّا) بألف الإطلاق وهو حديث " فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد " فإنه يدل على إثبات الإعداء، وكلاهما في الصَّحِيح، فقد سلك العلماء في وجه الجمع بينهما مسالك أشار إلى الأول بقوله: (فـ) ـقال بعضهم: (ذاك) أي الحديث الأول (للطبع) أي ناف له يعني: أن الأمراض لا تُعدِي بطبعها (وذا) أي الحديث الثاني (لاستقرا) أي كائن لأجل التتبع، يقال: استقرأت الأشياء تتبعت أفرادها لمعرفة أحوالها وخواصها. اهـ مصباح، أي أن التتبع لما أجراه الله من العادة جعل مخالطة المريض بالصَّحِيح سبباً لإعدائه مرضه.
والحاصل: أن الحديث الأول نَفَى لما يعتقده أهل الجاهلية، وبعض الحكماء من أن هذه الأمراض من الجذام والبرص تُعدِي بالطبع، ولهذا قال: " فمن أعدى الأول "؟
والحديث الثاني: بَيَّنَ أن الله تعالى جعل مخالطة المريض الصَّحِيح سبباً لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب فحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجود سببه بفعله تعالى.
وهذا المسلك هو الذي سلكه ابن الصلاح. وأشار إلى الثاني بقوله:
стр. 610
(وقيل بل سد ذريعة) أي الأمر بالفرار من باب سد الذرائع، جمع ذريعة: وهي الوسيلة، أي منع الوسائل التي تؤدي إلى تعدي هذه الأمراض.
وحاصل هذا القول: أن نفي العدوى باق على عمومه، وقد صح قوله ﷺ : " لا يعدي شيء شيئاً " وقوله ﷺ لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون في الإبل الصَّحِيحة فيخالطها فتجرب، حيث رَدَّ عليه بقوله: " فمن أعدى الأول "؟ وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع لئلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى فيقع في الحرج فأمر بتجنبه حسماً للمادة.
وهذا المسلك سلكه جماعة واختاره الحافظ في شرح النّخْبةِ.
ثم أشار إلى الثالث بقوله:
(ومن) مبتدأ موصول (يقول) في الجمع بينهما (مخصوص) خبر لمحذوف، أي العدوى مخصوص (بهذا) أي الجذام (ما) نافية (وهن) من باب وعد ضعف، أي ما ضعف قوله، والجملة خبر المبتدإِ، وحاصله أن إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون معنى قوله: لا عدوى أي إلا في الجذام ونحوه فكأنه قال لا يُعدِي شيء شيئاً إلا فيما تقدم تبيني له.
وهذا المسلك سلكه القاضي أبو بكر الباقلاني. وبقي رَابع وهو أن الأمر بالفرار رعاية لخاطر المجذوم لأنه إذا رأى الصَّحِيح تعظم مصيبته، وتزداد حسرته.
ويؤيده حديث: " لا تديموا النظر إلى المجذومين " فإنه محمول على هذا المعنى وفيه مسالك أخَر. والمحقق ابن شاكرٍ جعل الرابع أضعف الأقوال وقَوَّى الأولَ.
والقسم الثاني ما لا يمكن الجمع فيه وأشار إليه بقوله:
стр. 611
٦٤٥ - أَوْ لا فَإِذْ يُعْلَمُ نَاسِخٌ قُفِي ... أَوْ لا فَرَجِّحْ وَإِذَا يَخْفَى قِفِ
(أولا) يمكن الجمع بين مدلوليهما بوجه فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يعلم ناسخه، وإليه أشار بقوله: (فَإِذْ) بمعنى إذا (يعلم) بالبناء للمفعول (ناسخ) بطريقة من الطرق المشروحة فيما تقدم (قفي) بالبناء للمفعول، أي تبعَ ذلك الناسخ فينسخ الآخر. وإلى الثاني أشار بقوله: (أَوْ لا) يعلم ناسخه، ولكن فيه مرجح من المرجحات (فرجح) أيها المحدث أي اسلك مسلك الترجيح بصفات الرواة، وكثرتهم، والمرجحاتُ أكثر من مائة، ولخصها الناظم في التدريب في سبعة أقسام فارجع إليه.
وإلى الثالث أشار بقوله: (وإذا يخفى) وجه الترجيح (قف) أمر من وقف يقف، يقال: وقفت الشيء أقفه من باب وعد إذا أمسكت عنه، أي أمسك عن العمل بأحد الحديثين حتى يتبين لك أمره، وهذأ أولى من التعبير بالتساقط لأن خفاء ترجيح أحدهما عن الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه، أوْ لَهُ فيما بَعْدُ.
ولما أنهى الكلام على ما ظاهره التعارض شرع يبين ما لا تعارض فيه أصلًا فقال:
٦٤٦ - وَغَيْرُ مَا عُورِضَ فَهْوَ الْمُحْكَمُ ... تَرْجَمَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ الْحَاكِمُ
(وغير ما عورض) أي الحديث الذي خلا عن معارض، يعني أنه لم يأت خبر يضاده في المعنى ظاهراً، فغير مبتدأ، خبره جملة قوله (فهو المحكم) ودخلت الفاء في الخبر لما في المبتدإ من معنى العموم.
والمعنى: أن الحديث الذي سَلِمَ من معارض يسمى بالمحكم، وهو ما اتضح المراد منه (ترجم) أي عقد باباً له (في علم الحديث) أي في كتابه المسمى بعلوم الحديث، وغَيَّرَهُ هنا للنظم (الحاكم) فاعل ترجم أي بوب الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله المشهور بابن البَيِّع الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى المتوفى سنة ٤٠٥ هـ في كتابه المذكور، وعده
стр. 612
نوعاً مستقلًا من جملة أنواع علوم الحديث، وأمثلته كثيرة منها حديث: " إن أشد النَّاس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله ". وحديث: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ". وحديث: " إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء ". وحديث: " لا شغار في الإسلام ". وقد صنف فيه عثمان بن سعيد الدارمي كتاباً كبيراً.
ثم ذكر المتشابه فقال:
٦٤٧ - وَمِنْهُ ذُو تَشَابُهٍ لَمْ يُعْلَمِ ... تَأْوِيلُهُ، فَلا تَكَلَّمْ تَسْلَمِ
٦٤٨ - مِثْلُ حَدِيثِ " إِنَّهُ يُغَانُ " ... كَذَا حَدِيثُ " أُنْزِلَ الْقُرآنُ "
(ومنه ذو تشابه) مبتدأ وخبر، أي بعض الحديث النبوي صاحب تشابه (لم يعلم تأويله) صفة ذو، أو حال منه، أي غير معلوم التأويل بأن لم يتبين المراد منه كما أن من القرآن ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، كذلك الحديث، إذكل من عند الله (فلا تكلم) الفاء فصيحية، وتكلم بحذف إِحدَى التاءين، أي إذا كان الأمر كذلك فلا تتكلم أيها المحدث في المتشابه (تسلم) جواب الطلب أي تكون سالماً من الذم الذي دلت عليه آية (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) الآية.
ثم مثل للمتشابه فقال:
(مثل حديث) خبر لمحذوف، أو مفعول لفعل محذوف، أي ذلك مثلُ، أو أعني مثلَ حديث (إنه يغان) ونصه كما رواه مسلم من حديث الأغر المزني وكانت له صحبة أن رسول الله ﷺ قال: " إنه ليُغَانُ على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة " وكذا رواه أبو داود وغيره.
وُيغان مضارع غِينَ بالبناء للمفعول، يقال: غِين على قلبه غَيناً تغشته الشهوة، وقيل غُطِّي عليه وأُلْبِسَ. اهـ لسان.
فهذا الحديث مثل به الناظم للمتشابه تبعاً للأصمعي، فإنه سئل عنه فقال: لو كان قلبَ غير النبي ﷺ لتكلمت عليه، ولكن العرب تزعم أن
стр. 613
الغين الغيم الرقيق، وقال بعضهم: أراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر، لأن قلبه أبداً كان مشغولًا باللهِ تعالى، فإن عرض له وقتاً ما عارض بشريّ يشغله، من أمور الأمة والملة ومصالحهما عَدَّ ذلك ذنباً وتقصيراً فيفزع إلى الاستغفار، ذكره في اللسان وفيه أقوال أُخر.
(كذا حديث أنزل القرآن) أي من المتشابه أيضاً قوله ﷺ : " أُنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر " فهو من المتشابه الذي لا يُدْرَى معناه لأن الحرف يصدق لغة على حرف الهجاء، وعلى الكلمة، وعلى المعنى، وعلى الجهة، قاله ابن سعدان النحوي.
هكذا جعله الناظم من المتشابه، لكن اعترض عليه المحقق ابن شاكر، وذكر في الإتقان اختلاف العلماء في معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولاً فانظره.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله: أول من صنف إلى قوله وجميع الفرق، وقوله: وإنما يصلح البيت. وقوله: وقيل بل سد ذريعة البيت. وقوله: وإذا يَخْفَى قِفِ إلى آخر الباب.
стр. 614
(أسباب الحديث)
أي هذا مبحثه وهو النوع الخمسون من أنواع علوم الحديث.
٦٤٩ - أَوَّلُ مَنْ قَدْ أَلَّفَ الْجُوبَارِي ... فَالْعُكْبِرِيْ فِي سَبَبِ الآثَارِ
(أول) أي أقدم (من ألف) أي جَمَعَ مبتدأ خبره (الجوبارِي) بضم الجيم وفتح الباء نسبة إلى موضع، هو أبو حامد بن كزناه الجوباري، قال المحقق ابن شاكرٍ: وكزناه وجدته مضبوطاً بالقلم بإسكان الزاي في مقدمة المتبولي، ولم أجد لهذا الرجل ترجمة اهـ. وقال الذهبي: لم يُسبَقْ إلى ذلك. اهـ يعني إلى تأليف هذا النوع.
(فالعكبري) أي ثم بعده ألَّف العلامة أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء العكبري بضم العين وسكون الكاف وفتح الباء وآخره راء نسبة إلى عكبر بليدة على دجلة فوق بغداد بعشر فراسخ. اهـ لباب. وهو من تلاميذ عبد الله بن أحمد بن حنبل توفي سنة ٣٣٩ هـ.
(في سبب الآثار) متعلق بِألَّفَ أي في سبب ورود الأحاديث النبوية ثم ذكر بعض فوائده بقوله:
٦٥٠ - وَهْوَ كَمَا فِي سَبَبِ الْقُرْآنِ: ... مُبَيِّنٌ لِلْفِقْهِ وَالْمَعَانِي
(وهو) مبتدأ، أي سبب الحديث أي معرفته (كما) في (سبب القرآن) أي حال كونه مشابهاً لمعرفة أسباب نزول القرآن (مبين) خبر المبتدإ، أي موضح (للفقه) أي فهم معاني الحديث (والمعاني) عطف تفسير للفقه، فكما أن
стр. 615
معرفة سبب نزول الآية يوضح معناه كذلك معرفة سبب الحديث يوضح معناه، فهو فن مهمّ ينبغي الاعتناء به، ومن زعم أنه لا طائل تحته لجريانه مجرى التاريخ، فهو مخطئ في فهمه، بل له فوائد منها: ما ذكره الناظم، ومنها أنه قد يكون اللفظ عامًّا، ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته، ومنها غير ذلك.
ثم ذكر له مثالاً بقوله:
٦٥١ - مِثْلُ حَدِيثِ: " إِنَّمَا الأَعْمَالُ " ... سَبَبُهُ فِيمَا رَوَوْا وَقَالُوا:
٦٥٢ - مُهَاجِرٌ لأُمِّ قَيْسٍ كَيْ نَكَحْ ... مِنْ ثَمَّ ذِكْرُ امْرَأَةٍ فِيهِ صَلَحْ
(مثل) أي ذلك مثلُ، أو أعني مثل (حديث: " إنما الأعمال) بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " متفق عليه. (سببه) مبتدأ أي سبب وروده (فيما رووا) أي حكى العلماء المحدثون (وقالوا) عطف تفسير لرووا، وفي نسخة: فيما روى النُّقَالُ، وإنما أسنده إليهم تبرياً، لأن التمثيل به غير صحيح، إذ ليس في شيء من طرق الحديث ما يقتضى التصريح بذلك، ومن ثم أنكر ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم أن تكون هذه القصة سبباً للحديث، وإن اشتهر هذا، وذكره كثير من المتأخرين في كتبهم، قال: ولم نر لذلك أصلاً. (مهاجر) خبر المبتدإ أي رجل مهاجر من مكة إلى المدينة (لأم قيس) أي لأجلها (كي) تعليلية (نكح) أي ليتزوجها (من ثم) أي من أجل كون ما ذكر سبب ورود حديث: " إنما الأعمال " (ذكر امرأة فيه) أي في الحديث المذكور (صلح) أي حسن حيث قال: " أو امرأة يتزوجها "، والمعنى: أنه لما كان سبب حديث: " إنما الأعمال " هو مهاجر أم قيس حسن ذكر امرأة فيه.
وحديث قصة مهاجر أم قيس قال الحافظ في الفتح: رواه سعيد بن منصور عن عبد الله هو ابن مسعود قال: " من هاجر يبتغي شيئاً فإنما له
стр. 616
ذلك، هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فكان يقال له مهاجر أم قيس ".
ورواه الطبراني بلفظ: " كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها: أم قيس فَأبَتْ أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس " قال الحافظ بعد أن ساق سنده: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سِيقَ بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضى التصريح بذلك اهـ.
(تَتِمَّة): هذا الباب من زياداته على العراقي، كما أشار إليه صنيع المحقق ابن شاكرٍ.
стр. 617
(معرفة الصحابة ﵃ -)
أي هذا مبحثه، وهو النوع الحادي والخمسون من أنواع علوم الحديث.
وهو علم جليل عظيم الفائدة إذ به يعرف المتصل من المرسل كما يأتي في قول الناظم:
وَمِنْ مُفَادِ عِلْمِ ذَا وَالأَوَّلِ ... مَعْرِفَةُ الْمُرْسَلِ وَالْمُتَّصِلِ
٦٥٣ - ثُمَّ الصَّحَابِي مُسْلِماً لَاقِي الرَّسُولْ ... وَإِن بِلَا رِوَايَةٍ عَنْهُ وَطُولْ
(ثم) بعد أن عرفت ما تقدم من أنواع علوم الحديث ينبغي أن تتهيأ لمعرفة ما بقي من الأنواع، منها: معرفة الصحابة ﵃، و (الصحابي) بتخفيف الياء للوزن مبتدأ، وفي نسخة المحقق حدُّ الصحابي، أي تعريف الصحابي (مسلماً) حال من قوله: (لاقى الرسول) اسم فاعل خبر المبتدإ، قال المحقق: ضبطت في النسخة المقروءة على المصنف بكسر القاف، والأولى فتحها اهـ.
قلت: بل المقروء على المصنف: هو الأولى، كما لا يخفي، يعني: أن الصحابي هو من لقي رسول الله ﷺ مسلماً (وإن) كانت الملاقاة (بلا رواية) أي نقل حديث (عنه) ﷺ (و) بلا (طول) زمان.
стр. 618
يعني: أن الشرط فيه كونه ملاقياً له مؤمناً به، ولو لم يرو عنه، أو تطل مدة اجتماعه به فيشمل المجالسة، والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، وتدخل رؤية أحدهما الآخر، سواء كان بنفسه، أو بغيره، فاللقي: كالجنس، و " مسلماً " كالفصل يخرج من حصل له اللقاء في حاله كفره، و " به " فصل ثان يخرج من لقيه مؤمناً بغيره من الأنبياء.
والتعبير باللقاء أولى من التعبير بمن رأى لئلا يخرج العميان.
٦٥٤ - كَذَاكَ الاتْبَاعُ مَعَ الصَّحَابَةِ ... وَقِيلَ: مَعْ طُولٍ وَمَعْ رِوَايَةِ
٦٥٥ - وَقِيلَ: مَعْ طُولٍ، وَقِيلَ: الْغَزْوِ أَوْ ... عَامٍ، وَقِيلَ: مُدْرِكُ الْعَصْرِ وَلَوْ
(كذاك الأتباع) مبتدأ وخبر، أي التابعون (مع الصحابة) مثل الصحابة مع النبي ﷺ في جميع ما تقدم إلا الإيمان به فإنه خاص بالنبي ﷺ .
فالتابعي من لقي الصحابي مطلقا، وهذا هو المختار، خلافاً لمن اشترط فيه طول الملازمة، أو صحة السماع، أو التمييز. قال العراقي: وقد أشار ﷺ إلى الصحابة والتابعين بقوله: " طوبى لمن رآني وآمن بى وطوبى لمن رأى من رآني " الحديث فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية.
(وقيل) الصحابي من لقي النبي ﷺ مسلماً (مع) بسكون العين (طول) في الصحبة (ومع رواية) للحديث عنه نظراً في الطول إلى العرف، وفي الرواية إلى أنها المقصودة من صحبته ﷺ لتبليغ الأحكام عنه. وهذا القول للجاحظ المعتزلي.
(وقيل) هو من لقي النبي ﷺ (مع طول) في المجالسة له، وهذا القول محكي عن أصحاب الأصول، أو بعضِهِم، وحاصله: أن الصحابي من طالت مجالسته له ﷺ على طريق التبع له والأخذ عنه بخلاف من وَفَدَ عليه، وانصرف بلا مصاحبة، ولا متابعة قالوا: وذاك معنى الصحابي لغة، وَرُدَّ بإجماع أهل اللغة على أنه مشتق من الصحبة لا من قدر منها مخصوص، وذلك يطلق على كل من صحب غيره قليلًا كان أو كثيراً (وقيل
стр. 619
الغزو) أي قال بعضهم: هو من لاقاه ﷺ وأقام معه حتى غزا غزوة فأكثر، فقوله: الغزو بالجر بحذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله، أي اللقاء مع الغزوِ (أو عام) بالجر أيضاً أي مع عام، يعني: أنه لاقاه وجالسه سنة فأكثر، وهذا القول مروى عن سعيد بن المسيب، وحاصله: أنه كان لا يعد صحابياً إلا من أقام معّ رسول الله ﷺ سنة، أو سنتين، أو غزا معه غزوة، أو غزوتين، لأن لصحبته ﷺ شرفاً عظيماً فلا ينال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلُق المطبوع عليه الشخص، كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب، وَالسَّنَة المشتملة على الفصول الأربعة التى يختلف بها المزاج.
قال العراقي: ولا يصح هذا عن ابن المسيب ففي إسناده إليه محمد بن عُمَر الواقدي ضعيف في الحديث اهـ.
وعلى تقدير صحته فهو مردود إذ مقتضاه أن لا يَعدَّ جريراً البجلي وشبهه صحابياً إذ هو أسلم عام وفاة النبي ﷺ على الصَّحِيح، ولا خلاف أنهم صحابة.
(وقيل) الصحابي (مدرك العصر) أي من أدرك زمنه ﷺ (ولو) لم يلق، ولم يرَ، فمدخُولُ " لَوْ " محذوف، يعني: أن الشخص يسمى صحابياً ولو لم يلقه، ولم يره ﷺ ، وهذا القول محكي عن يحيى بن عثمان بن صالح المصري، وعَدّ من ذلك عبد َاللْه بن مالك الجيشاني أبا تميم، ولم يرحل إِلى المدينة المنورة إلا في خلافة عمر باتفاق.
فجملة الأقوال في النظم خمسة، وبقي سادس كره في التدريب، وهو أنه من رآه بالغاً حكاه الواقدي وهو شاذ، والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول.
قال الحافظ: لا خفاء في رجحان رتبة من لازمه ﷺ وقاتل معه أو قُتِل تحت رايته على من لم يلازمه أو لم يحضر معه مَشْهَداً، وعلى من كلمه يسيراً، أو ماشاه قليلاً، أو رآه على بعد، أو فى حال الطفولة، وإن كان
стр. 620
شرف الصحبة حاصلاً للجميع، ومن ليس له منهم سماع منه فحديثه مرسل من حيث الرواية، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة لما نالوه من شرف الرؤية اهـ.
٦٥٦ - وَشَرْطُهُ الْمَوْتُ عَلَى الدِّينِ وَلَوْ ... تَخَلَّلَ الرِّدَّةُ. وَالْجِنُّ رَأَوْا
٦٥٧ - دُخُولَهُمْ دُونَ مَلائِكٍ. وَمَا ... نَشْرِطْ بُلُوغًا فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا
(وشرطه الموت على الدين) مبتدأ وخبر، أي شرط الصحابي في دوام اسم الصحبة له موته على الإسلام فلا يعد من الصحابة من ارتد بعد الصحبة، ومات مرتداً، والعياذ بالله، كعبيد الله بن جحش، وعبد الله بن خطل.
(ولو تخلل الردة) يحتمل أن يكون فعلاً ماضياً، وأن يكون فعلاً مضارعاً بحذف إحدى التاءين، وحذفت تاء التأنيث في الماضي لأن الفاعل ليس حقيقي التأنيث، أي وإن فَصَلَتِ الردّةُ بين لُقِيِّه ﷺ وبين موته مؤمناً، فإن اسم الصحبة باق له في الأصح، سواء رجع إلى الإسلام في حياته ﷺ أم بعد وفاته، وسواء لقيه ثانياً أم لا، كالأشعث بن قيس، فإنه ممن ارتد وأُتِيَ به إلى أبي بكر ﵁ أسيراً فعاد إلى الإسلام، فقبل منه ذلك، وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها قاله الحافظ.
(والجن) مبتدأ، يعني: الذين لاقوه ﷺ مؤمنين به، وخبره جملة قوله: (رأوا دخولهم) أي ذهب العلماء إلى دخولهم في جملة الصحابة لأنهم مكلفون شملتهم الرسالة (دونك ملائك) أي دون الملائكة الذين رأوه ﷺ وكذا الأنبياء لأن الرؤية المعتبرة هي التي في عالم الشهادة.
(وما) نافية (نشرط) من باب ضرب وقتل، وجُزِمَ للضرورة (بلوغاً في الأصح فيهما) أي لا نشترط البلوغ في المسألتين مسألةِ الصحابي ومسألة التابعي، يعني: أن الأصح أنه لا يشترطُ كون الصحابي بالغاً عند اللقاء وإلا لخرج من أُجمِعَ على عده في الصحابة كالحسن، والحسين، وابن الزبير، ونحوه. وكذلك الحكم في التابعي.
стр. 621
ثم ذكر طرق معرفة صحبة الصحابي فقال:
٦٥٨ - وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ بِالتَّوَاتُرِ ... وَشُهْرَةٍ وَقَوْلِ صَحْبٍٍ آخَرِ
٦٥٩ - أَوْ تَابِعِيٍّ، وَالأَصَحُّ: يُقْبَلُ ... إِذَا ادَّعَى مُعَاصِرٌ مُعَدَّلُ
(وتعرف الصحبة) فعل ونائب فاعله أي يعلم كون الشخص صحابياً بواحد من هذه الأمور الآتية: إما (بالتواتر) كالخلفاء الأربعة وبقية العشرة ونحوهم (و) إما بـ (ـشهرة) أي استفاضة قاصرة عن التواتر. كضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن.
(و) إما بـ (ـقَوْلِ صَحْبٍٍ آخَرِ) بصحبته أي بإخبار صحابي غيره عنه أنه صحابي. كحُمَمَة ابن أبي حُمَمَة الدوسي الذي مات بأصبهان مبطوناً فشهد له أبو موسى الأشعري أنه سمع النبي ﷺ حكم له بالشهادة.
(أو) إما بـ (ـقول تابعي) بذلك أي بإخبار تابعي واحدٍ بأنه صحابي، وهذا قاله الحافظ بناء على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح.
(والأصح يقبل) مبتدأ وخبر بتقدير حرف مصدري أي الأرجح من الأقوال أن يقبل (إذا ادعى) الصحبة (معاصر) للنبي ﷺ (معدل) أي منسوب إلى العدالة.
وحاصل المعنى: أنه إذا ادعى الصحبة من عاصر النبي ﷺ قُبِلَ قوله بشرط أن لا تمضي عليه مائة وعشر سنين من هجرة النبي ﷺ ، لقوله ﷺ : " أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد " متفق عليه. زاد مسلم من رواية جابر: " أن ذلك كان قبل موته بشهر ". ومقابل الأصح قول من قال: لا تثبت صحبته بقوله لدعوا مرتبة يثبتها لنفسه، وقول من قال بالتفصيل: إذا ادعى صحبة يسيرة يقبل لتعذر إثباتها إذ ربما لا يحضره عندها أحد، أو طويلةً فلا لعدم التعذر.
٦٦٠ - وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ لا يَشْتَبِهْ ... النَّوَوِيْ: أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهْ
стр. 622
(وهم عدول) مبتدأ وخبر (كلهم) توكيد للمبتدإ، أي إن كل الصحابة عدول، مَن لابَسَ الفتن، وغيرهم (لا يشتبه) يحتمل كونه نفياً، وأن يكون نهياً، أي لا يشتبه هذا الحكم على من له بصيرة في الدين، أو لا يشتبه عليك أيها الطالب للنجاة.
فعلى الأول الفعل مرفوع سكن للوقف، وعلى الثاني مجزوم.
والمعنى: أن كل الصحابة ﵃ عدول مطلقاً، كبيرهم وصغيرهم، لابس الفتنة، أوْ لا.
(النووي) مبتدأ خبره محذوف، أي قائل، أو فاعل لمحذوف، أي قال النووي ﵀: (أجمع) على عدالة الصحابة ﵃ (مَنْ) فاعل أجمع (يعتد به) أي يعتبر بإجماعه، وأشار به إلى أن الأقوال المخالفة لا يعتد بها، كقول من قال: هم كغيرهم يجب البحث عنهم، أو من قال: هم عدول إلى قتل عثمان، أو من قال: إلا من قاتل علياً، أو من قال: بعدالة من لابَسَ الفتنة إذا انفرد، أو من قال: بغير المُقاتِل والمُقاتَلَ، فكلها أقوال ساقطة.
فعدالتهم ثابتة بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) الآية. وقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية. وقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) الآية وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ) الآية. وقال: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) الآية. وقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) الآية. في آيات كثيرة.
والأحاديث كثيرة فمنها ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن مُغَفُّلٍ قال: قال رسول الله ﷺ : " اللهَ اللهَ في أصحابي لا تتخذوهم غَرَضاً، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن أذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللهَ، ومن آذى اللهَ فيوشك أن يأخذه " قال الحافظ: وهذا أدل حديث على تفضيلهم.
ومنها حديث: " خيرُ النَّاس قرني " المتواتر المتفق عليه. ومنها حديث: " لا تسبوا أصحابي " متفق عليه.
стр. 623
ومنها حديث: " أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله " رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم.
ومنها حديث: " إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين " أخرجه البزار بسند رجاله موثوقون، قاله السخاوي.
٦٦١ - وَالْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ: ... أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
(والمكثرون في رواية الأثر) النبوي وهو مبتدأ، خبره قوله: أبو هريرة وما عطف عليه، أو محذوف تقديره سبعة، أي الذين أكثروا في رواية الحديث النبوي، والمكثر هو الذي روى فوق الألف هؤلاء السبعة أولهم (أبو هريرة) الدوسي ﵁ المتوفى سنة ٥٩ فإنه أكثر الكل رواية، روى خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً (يليه) أي يلي أبا هريرة في الإكثار عبد الله (ابن عمر) ﵄ المتوفى سنة ٧٣ فإنه روى ٢٦٣٠ حديثاً.
٦٦٢ - وَأَنَسٌ وَالْبَحْرُ كَالْخُدْرِيِّ ... وَجَابِرٌ وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ
ويلي ابنَ عمر (أنس) بن مالك خادم رسول الله ﷺ المتوفى سنة ٩٣ عن ٩٩ سنة فإنه روى ٢٢٨٦ حديثاً، ويلي أنساً (البحر) عبد الله بن عباس ﵄ المتوفى سنة ٦٨ عن ٧١ سنة، فإنه روى ١٦٩٦ حديثاً (كالخدري) أي كما يلي الخدريُّ البحرَ، وهو أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان الأنصاري ﵄ فإنه روى ١١٧٠ حديثاً.
(وجابر) بالرفع عطفاً على المرفوعات، أو بالجر عطفاً على ما قبله، أي كما يلي جابر فإنه روى ١٥٤٠ حديثاً.
(وزجة النبي) بالرفع أو بالجر، أي كما تلي زوجة النبي ﷺ وهي أم المؤمنين عائشة ﵂، أطلقها لشهرتها بكثرة الرواية من بين أمهات المؤمنين ﵅، توفيت سنة ٧ أو ٨ أو ٥٩ عن ٦٧ سنة فإنها روت ٢٢١٠ حديثاً.
стр. 624
(تنبيه): ترك الناظم ﵀ الترتيب، وكان الأولى له أن يرتبهم، فلو قال بعد البيت الأول:
فَأنَسٌ فَزَوجَةُ النَّبِيِّ ثُم ... بَحْرٌ فَجَابِرٌ فَخدْرِي يُضَمّ
لوفَى بالترتيب.
(تنبيه آخر): هذه الأعداد مأخوذة من الحافظ ابن الجوزي فإنه ﵀ ذكرها في تلقيح فهوم أهل الأثر معتمداً على ما وقع لكل صحابي في مسند أبي عبد الرحمن بَقِيّ بن مَخْلَد، لكونه أجمع ما ألِّفَ من المسانيد، فاتَّبَعه العلماء في ذلك، وقد تتبع العلامة المحقق ابن شاكرٍ ما وقع لكل صحابي في مسند الإمام أحمد، وهو أقل حديثاً إلا في بعضهم كابن عباس ﵄ فإنه في مسند بقي ١٦٦٥ حديثاً وفي مسند أحمد ١٦٩٦ حديثاً.
٦٦٣ - وَالْبَحْرُ أَوْفَاهُمْ فَتَاوَى وَعُمَرْ ... وَنَجْلُهُ وَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرّ
٦٦٤ - ثُمَّ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدٌ وَعَلِي ... ...................
(والبحر) عبد الله بن عباس ﵄، مبتدأ خبره (أوفاهم) أي أتمهم، من وَفَى الشيءُ فهو وَافٍ إذا تم، يعني أكثرهم (فتاوى) بكسر الواو على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف جمع فتوى بفتح الفاء وبالواو، أو فُتياً بضم الفاء، وبالياء اسم من أفتى العالم: إذا بَيَّنَ الأحكام، أفاده في المصباح، وهو منصوب على التمييز.
والمعنى: أن عبد الله بن عباس ﵄ أكثر الصحابة فتوى على الإطلاق، قاله الإمام أحمد بحيث كان كبار الصحابة يحيلون عليه في الفتوى، وقال ابن حزم أكثر الصحابة فتوى مطلقاً سبعة فذكرهم كما ذكرهم الناظم هنا. (وعمر) بن الخطاب (ونجله) بفتح فسكون يطلق على الوالد، والولد، ضِدّ، والمراد به هنا الثاني: أي ابنه عبد الله، (و) عائشة (زوجة) النبي ﷺ (الهادي)، الخلق، إلى الحقّ (الأبر) أي الأصدق، أو الأتقى،
стр. 625
والأكثر إحساناً، يقال: بَرَّ الرجلُ يَبَرُّ، وِزَانَ عَلِمَ يعلم، فهو بَرّ وبَارّ أي صادق، أو تقي، وهو خلاف الفاجر، وبررت والدي أبره براً وبروراً أي أحسنت إليه، أفاده في المصباح. (ثم) بمعنى الواو عبد الله (ابن مسعود) الهُذَلي ﵁ المتوفى سنة ٣٢ هـ عن بضع وستين سنة. (وزيد) بن ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁ المتوفى سنة ٤٥ هـ (وعلي) بن أبي طالب الهاشمي ﵁ المتوفى سنة ٤٠ هـ عن ٦٣ سنة. قال ابن حزم: ويمكن أن يجمع من فُتيا كلِّ واحد من هؤلاء مجلد ضخم.
....................... ... وَبَعْدُهُمْ عِشْرُونَ لا تُقَلِّلِ
(وبعدهم) أي بعد هؤلاء السبعة في كثرة الفتوى خبر مقدم لقوله: (عشرون) صحابياً (لا) ناهية (تُقَلِّل) أيها المحدث عِدَّتهم عن عشرين، أي لا تنقصها، أو لا تعد فتاواهم قليلة، فإنَّها كثيرة بالنسبة لغيرهم.
وهم أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة ﵃، قال ابن حزم: يمكن أن يجمع من فتوى كل منهم جزء صغير.
ونظمت هؤلاء العشرين بقولي (من الرجز):
صِدِّيقُهُم عُثْمَانً سَعْدٌ أنَسُ ... سَلْمَانُ جَابِرٌ مُعَاذُ الأكْيَسُ (١)
وَالأشْعَرِيُّ وَالزُّبَيْرُ طَلْحَةُ ... أبُو هُرَيْرَةَ يَلِي عُبَادَةُ
وَنَجْلُ وَابنُ وَكَذَا ... نَجْلُ حُصَيْنٍ وَنُفَيعٌ حَبَّذَا
سَعْدٌ (٢) مُعَاوِيَةُ أمُّ سَلَمَهْ ... وَابْنُ الزُّبَيْرِ هُم حَلِيفُوا (٣) الْمَكْرَمَهْ
стр. 626
فَهَولَاءِ مَرْجِعُ الأنَامِ ... فِي عَصْرِهِمْ لِمُعْضِلِ الأحْكَامِ
٦٦٥ - وَبَعْدَهُمْ مَنْ قَلَّ فِيهَا جِدَّا ... عِشْرُونَ بَعْدَ مِاْئَةٍ قَدْ عُدَّا
(وبعدهم) أي بعد هؤلاء العشرين (من قل فيها) أي في الفتاوى، وكان الأولى أن يقول أقل لأن قل غير مناسب هنا، يقال: قل الشيءُ صار قليلاً، وأقل الشيءَ جعله قليلاً كقلله، صادفه قليلاً، وأتى بقليلِ أفاده في " ق "، فالمعنى المناسب هنا هو الإتيان بالقليل من الفتاوى، فلو قال بدل الشطر، وَبَعْد مَن أقَلَّ مِنْهَا جِدًّا، لكان أحسن (جدًّا) بالكسر، أي مبالغة يقال: فلان محسن جدًّا، أي نهاية ومبالغة، قاله في المصباح.
والمعنى: أن بعد العشرين صحابِيًّا صَحَابَةً قلَّت فتاويهم جدَّا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة الواحدة، والمسألتان، والثلاث، (عشرون) خبر لمحذوف أي هم عشرون صحابياً، أومبتدأ خبره عُدّا. (بعد مائة) حال من عشرين، أي حال كون العشرين بعد مائة من الصحابة، يعني: أنهم مائة وعشرون صحابياً، كأُبي بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد، وسرد الباقين في التدريب، هكذا قال، لكن الذي ذكره ابن حزم في إحكام الأحكام أنهم مائة وأربعة وعشرون فليتأمل. (قد عدا) بالبناء للمفعول، أي ذكر عددهم عند العلماء.
ثم ذكر الصحابة الذين كانوا يفتون في عهد رسول الله ﷺ بقوله:
٦٦٦ - وَكَانَ يُفْتِي الْخُلَفَا ابْنُ عَوْفٍ ايْ ... عَهْدَ النَّبِي زَيْدٌ مُعَاذٌ وَأُبِيْ
(وكان يفتي) النَّاس أي يبين لهم الأحكام (الخلفا) جمع خليفة قُصِرَ للضرورة، وكان شانية، وجملة يفتي الخلفا، خبرها، يعني: أن الخلفاء الأربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلياً، ﵃ كانوا يفتون الناس، وقوله: (ابن عوف) عطف بحذف عاطف على الخلفاء، أي وعبد الرحمن ابن عوف (أي) تفسيرية (عهد) منصوب على الظرفية متعلق بيفتي، أي في زمن (النبي) ﷺ .
стр. 627
(زيد) معطوف على الخلفاء أيضاً بحذف عاطف أي وزيد بن ثابت الأنصاري المتقدم (معاذ) هو ابن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي المتوفى سنة ١٨ هـ عن ٣٥ سنة (أُبي) بتخفيف الياء للوزن هو ابن كعب بن قيس أبو المنذر الأنصاري الخزرجي المتوفى سنة ١٩ هـ وقيل: غير ذلك.
والمعنى: أنه كان يفتي النَّاس في زمن رسول الله ﷺ الخلفاء الأربعةُ، وعبدُ الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، ﵃.
(تنييه): هذا البيت لم يوجد في نسخة الشارح.
ثم ذكر الذين حفظوا القرآن بقوله:
٦٦٧ - وَجَمَعَ الْقُرْآنَ مِنْهُمْ عِدَّهْ ... فَوْقَ الثَّلاثِينَ فَبَعْضٌ عَدَّهْ
(وجمع القرآن) أي كله حفظا عن ظهر قلب (منهم) أي الصحابة (عدة) أي جماعة معدودون (فوق الثلاثين) الظرف صفة لعدة، أي بالغة فوق الثلاثين صحابياً (فَبَعْضٌ عَدَّهْ) مبتدأ وخبر، والهاء ضمير راجع إلى المذكور، أي بعض العلماء عد العدد المذكور.
فمنهم الخلفاء الأربعة، والعبادلة الأربعة، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعيد بن عبيد، وأبو زيد قيس بن السكن، وسعيد بن المنذر، وقيس بن أبي صعصعة، ومُجَمّع بن جارية، وعبادة بن الصامت، وتميم الداري، وعقبة بن عامر، وسلمة بن مخلد، وأبو موسى الأشعري، وغيرهم.
فقد قال القرطبي: قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، وذكر الناظم أنه ظفر بامرأة من الصحابيات جمعت القرآن لم يعدها أحد ممن تكلم في ذلك، وهي أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث كانت تسمى الشهيدة وقصتهما مشهورة.
стр. 628
ونظمت أسماء هؤلاء فقلت (من الرجز):
قَدْ حَفِظَ الْقُرآنَ كُلًّا عِدَّةُ ... مِنَ الصَّحَابَةِ فَنِعْمَ الْعُدَّةُ
الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ طَلْحَةُ ... وَنَجْلُ مَسْعُودٍ سَعْدٌ حُذَيْفَةُ
أبو هُرَيْرَةَ وَزَيْدٌ حَفْصَةُ ... وَنَجْلُ سَائِبِ كَذَا عَائِشَةُ
عُوَيْمِرٌ قَيْسٌ وَأمُّ سَلَمَهْ ... قَيْسٌ معَاذٌ وَسَعِيدٌ سَلَمَهْ
وَسَالِمٌ وَالأشْعَرِي عُبَادَةُ ... مُجَمع مَعَ سَعِيدٍ عُقْبَةُ
تَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَالعَبَادِلَهْ ... كَذَا أُبيٌّ ذُو الْمَزَايَا الْفَاضِلَهْ
شَهِيدَةُ الدَّارِ لَدَى مَنْ حَقَّقَهْ ... أيْضاً لَهَا ذَا الْفَضْلُ أمُّ وَرَقَهْ
فَهُمْ ثَلَاثُونَ مَعَ الثَّلاَثَةِ ... أكْرِمْ بِهمْ قَوْماً خِيَارَ الأُمَّةِ
وَغَيْرُ هَولَاءِ أيْضاً قَدْ وَرَدَ ... فَاتْبَعْ طَرِيقَهُمْ فَإِنَّهُ الرَّشَدْ
(تنبيه): لا ينافي هذا ما ثبت في صحيح البخاري عن أنس ﵁ أنه قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة أبو الدرداء، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ﵃ لأنه أجيب عنه بأجوبة: منها: أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس فلا ينفي ذلك عن المهاجرين وغيرهم، لما أخرجه ابن جرير عن أنس قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقال الأوس: منا أربعة من اهتز له العرش سعد بن معاذ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حَمَته الدبر عاصم بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكروهم.
٦٦٨ - وَشُعَرَاءُ الْمُصْطَفَى ذَوُو الشَّانْ ... ابْنُ رَوَاحَةَ وَكَعْبٌ حَسَّانْ
(وشعراء المصطفى) ﷺ مبتدأ (ذوو الشان) مخفف الشأن بالهمز أي أصحاب الحال المرضية صفة للشعراء وصفهم به إشارة إلى أنهم هم المرادون في قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الآية حيث استثناهم من قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) الآية. (ابن رواحة) خبر المبتدإ، هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأكبر الأنصاري
стр. 629
الخزرجي، نزل دمشق، وهو عَقِبَيّ، بدري، نقيب، أمير، شهيد، له أحاديث انفرد له البخاري بحديث موقوف استشهد بمؤتة ﵁ اهـ خلاصة باختصار، وعبد الله بن رواحة شاعر مشهور.
أخرج ابن سعد بسنده عن مدرك بن عمارة قال: قال عبد الله بن رواحة: مررت في مسجد الرسول، ورسول الله ﷺ جالس وعنده أناس من الصحابة في ناحية منه، فلما رأوني قالوا: يا عبد الله بن رواحة، فجئت فقال: " اجلس " فجلست بين يديه فقال: " كيف تقول الشعر " قلت: أنظر في ذلك، ثم أقول: " قال فعليك بالمشركين " ولم أكن هيأت شيئاً فنظرت، ثم أنشدته فذكر الأبيات فيها (من البسيط):
فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيْتَ مُوسَى وَنَصْراً كَالَّذِي نُصِروا
قال: فأقبل بوجهه مبتسماً وقال: " وإياك فثبتك الله ". ومن أحسن ما مدح به النبي ﷺ قوله (من البسيط):
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَة ... كَانَتْ بَدِيهَتُهُ تُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ
وأخرج أبو يعلى بسند حسن عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: دخل النبي ﷺ مكة في عمرة القضاء وابن رواحة بين يديه وهو يقول:
خَلًّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ... الْيَوم نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
ضَرْباً يُزِيلَ الهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ ... وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
فقال عمر: يا ابن رواحة أفي حرم الله، وبين يدي رسول الله ﷺ تقول هذا الشعر؟ فقال: خَلّ عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل. اهـ الإصابة باختصار.
(وكعب) عطف على الخبر هو كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين بن كعب أبو عبد الله الأنصاري السلمي، بفتحتين، الشاعر المشهور أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، قال ابن سيرين: قال كعب بن مالك بيتين كانا سبب إسلام دوس وهما (من الوافر):
стр. 630
قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَة كُلَّ وَتْر ... وَخَيْبَرَ ثُمَّ أغْمَدْنَا السُّيُوفَا
تحَبِّرُنَا وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ ... قَوَاطِعُهُنَّ دَوْساً أو ثَقِيفَا
فلما بلغ ذلك دوساً قالوا: خذوا لأنفسكم، لا ينزل بكم ما نزل بثقيف، مات أيام قتل علي بن أبي طالب، وقيل في خلافة معاوية ﵃. اهـ الإصابة باختصار.
(حسان) عطف بحذف عاطف على الخبر أيضاً هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري الخزرجي، ثمَّ النَّجاري شاعر رسول الله ﷺ .
أخرج الشيخان من طريق سعيد بن المسيب قال: مر عمر بحسان في المسجد وهو ينشد فلحظ إليه فقال: كنت أنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت النبي ﷺ يقول: " أجب عني اللهم أيده بروح القدس ". وأخرجا أيضاً عن البراء ﵁ أن النبي ﷺ قال لحسان: " اهجهم، أو هاجهم وجبريل معك ".
وأخرج أبو داود بسنده عن عائشة أن النبي ﷺ : " كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائماً يهجو الذين كانوا يهجون النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله ﷺ ".
(تنبيه): هذا البيت ليس في نسخة الشارح.
٦٦٩ - وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍٍ وَعَمْرو ... وابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَار ٍ يَجْرِي
٦٧٠ - دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَهُمْ " عَبَادِلَهْ " ... وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
(والبحر) عبد الله بن عباس، مبتدأ، خبره جملة يجري (وابنا) بصيغة التثنية مضاف إلى (عمر) بالصرف للضرورة (وعمرو) بفتح العين، أي عبد الله بن عمر بن الخطاب المتوفى سنة ٧٤ هـ وعبد الله بن عمرو بن العاص المتوفى سنة ٦٥ هـ (وابن) بالرفع عطف على المبتدإ، أي عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي المتوفى سنة ٧٣ هـ (في اشتهار) أي في وضوح، متعلق بيجري بين العلماء (دون) عبد الله (بن مسعود) الهذلي، والظرف حال
стр. 631
من الضمير في (لهم) متعلق بيجري أي لهؤلاء الأربعة، حال كونهم دون عبد الله بن مسعود فإنه ليس من العبادلة (عبادلة) فاعل يجري، أي يجري هذا اللقب لهم دون ابن مسعود وهو جمع عبد الله على النحت لأنه أخذ من المضاف وبعض المضاف إليه، لا أنه جمع لعبدل كما توهمه بعضهم، وإن كان صحيحاً في اللفظ إلا أن المعنى يأباه وأطلق على هؤلاء للتغليب ذكره في التاج.
وحاصل المعنى: أنه يجري لقب العبادلة مشتهراً بين العلماء لابن عباس وابن عمر، وابن عمرو وابن الزبير فقط، وليس منهم ابن مسعود، قاله الإمام أحمد بن حنبل. قال البيهقي: لأنه تقدم موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل هذا قول العبادلة.
(وَغَلَّطُوا) بتشديد اللام أي نسب العلماء إلى الغلط (من) مفعول به لغلطوا (غير هذا) القول منصوب على الاشتغال، أي من رأى غير هذا (مال له) أي اعتمده.
والمعنى: أن المحققين من العلماء حكموا على من مال إلى غير هذا القول المروي عن الإمام أحمد بأنه غلط من قائله غير جَارٍ على اصطلاحهم، وإن كان لا يمتنع من حيث المعنى، وذلك كقول بعضهم هم ثلاثة بإسقاط ابن الزبير.
وقولِ بعضهم هم ابن مسعود وابن عمر وابن عباس. وكذا لا يُسَمَّى سائر من يسمي عبد الله من الصحابة بالعبادلة اصطلاحاً، وهم نحو ثلاثمائة رجل.
٦٧١ - وَالْعَدُّ لا يَحْصُرُهُمْ، تُوُفِّي ... عَمَّا يَزِيدُ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفٍ
(وَالْعَدُّ لا يَحْصُرُهُمْ) مبتدأ وخبر، أي لا يضبط الصحابة ﵃ عدد معين لكثرتهم جِدًّا.
стр. 632
(توفي) أي النبي ﷺ (عما) أي عدد، ولو قال عمن، أي صحابةٍ لكان أولى (يزيد) العدد (عشر ألف ألف) أي مائة ألف.
وحاصل المعنى: أن النبي ﷺ توفي عن صحابة يزيد عددهم على مائة ألف، وهذا البيت مأخوذ عن قول أبي زرعة الرازي في جواب من قال له: أليس يقال حديث النبي ﷺ أربعة آلاف حديث؟ فقال: ومن قال ذا؟ قَلقَلَ الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله ﷺ ؟ قُبِضَ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة ممن روي عنه وسمع منه.
فقيل له: هؤلاء أين كانوا، وأين سمعوا؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما والأعراب، ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه بعرفة.
٦٧٢ - وَأَوَّلُ الْجَامِعِ لِلصَّحَابَةِ ... هُوَ الْبُخَارِيُّ وَفِي الإِصَابَةِ
٦٧٣ - أَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ وَتَحْرِيرٍ، وَقَدْ ... لَخَّصْتُهُ مُجَلَّدًا فَلْيُسْتَفَدْ
(وَأَوَّلُ الْجَامِعِ) أي أقدم من جمع في تصنيفه (للصحابة) ﵃، فأول مبتدأ خبر، جملة قوله: (هو) الإمام العلم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (البخاري) صاحب الصَّحِيح فإنه أفرد في ذلك تصنيفاً، والمراد التصنيف المستقل فسقط ما اعترض به المحقق ابن شاكرٍ حيث قال: إن محمد بن سعد أقدم من البخاري، وهو جمع في الطبقات تراجم الصحابة ومَن بعدَهم إلى عصره.
ثم تلا البخاري من بعده كابن حبان، وابن منده، وأبي موسى المديني، وأبي نعيم، والعسكري، وابن عبد البر، وابن فتحون، وابن الأثير، والحافظ ابن حجرٍ، وكتابه أجمع وأنقح كما أشار إليه بقوله: (وفي الإصابة) متعلق بأكثر، وفيه التضمين أي في الكتاب المسمى بالإصابة في تمييز الصحابة (أكثر) فعل ماض وفاعله مقدر، أي مؤلفه الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الشهير بابن حجرٍ العسقلاني (من جمع)
стр. 633
للصحابة (وتحرير) أي تنقيح لهم وتهذيب، فإنه ﵀ جمع فيه ما تفرق في كتب من تقدمه، وحرره تحريراً بالغاً، وقد ذكر في آخر الجزء السادس منه أنه مكث في تأليفه نحو أربعين سنة، وكانت الكتابة فيه بالتراخي وأنه كتبه في المسودات ثلاث مرات.
ومجموع التراجم التي فيه ١٢٢٧٩ بما فيه من المكرر للاختلاف في اسم الصحابي أو شهرته بكنية أو لقب أو نحو ذلك وبما فيه مَنْ ذَكَرَهُ بعض المؤلفين في الصحابة وليس منهم وغير ذلك قاله المحقق.
قال الناظم رحمه الله تعالى: (وقد لخصته) أي الكتاب المذكور، والتلخيص يطلق على التبيين، والشرح، والتلخيص، ذكره في " ق " والمناسب هنا المعنى الثالث، أي أتيت بخلاصته (مجلداً) حال من التلخيص المفهوم من لخص أي حال كون ذلك الملخص مجلداً واحداً، مع كون أصله مجلدات وسماه عين الإصابة (فليستفد) بالبناء للمفعول أي فإذا كان هذا الملخص حاوياً مقاصد الأصل مع صغر حجمه فينبغي الاستفادة منه لقرب تناوله، لكن مع هذا لم يشتهر كاشتهار أصله.
ثم ذكر طبقات الصحابة ﵃ فقال:
٦٧٤ - وَهُمْ طِبَاقٌ، قِيلَ: خَمْسٌ وَذُكِرْ ... عَشْرٌ مَعَ اثْنَيْنِ وَزَائِدٌ أُثِرْ:
(وهم) أي الصحابة باعتبار سبقهم إلى الإسلام، أو الهجرة، أو شهود المشاهد الفاضلة، مبتدأ خبره (طباق) بالكسر جمع طبقة بالفتح وهي جماعة متفقة في شيء واحد (قيل خمس) أي قال بعضهم: طبقتهم خمس، وعليه عمل ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى، الأولى: البدريون، الثانية: مَن أسلم قديماً ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة، وشهدوا أُحداً فما بعدها.
والثالثة: من شهد الخندق فما بعدها، الرابعة: مسلمة الفتح فما بعدها، الخامسة: الصبيان والأطفال ممن لم يغز سواء حفظ عنه وهم الأكثر أم لا (وَذُكِرْ) بالبناء للمفعول أي ذكر بعضهم أنها (عشر مع اثنين) أي اثنا عشر طبقة، وهذا ما ذكره الحاكم في معرفة علوم الحديث.
стр. 634
(وزائد) على اثني عشر مبتدأ خبره جملة (أُثِرْ) بالبناء للمفعول أي نقل عن بعضهم أنهم يزيدون عليها، ثم رجح الناظم قول الحاكم ولذا فصله بقوله:
٦٧٥ - فَالأَوَّلُونَ أَسْلَمُوا بِمَكَّةِ ... يَلِيهِمُ أَصْحَابُ دَارِ النَّدْوَةِ
٦٧٦ - ثُمَّ الْمُهَاجِرُونَ لِلْحَبَشَهْ ... ثُمَّ اثْنَتَانِ انْسُبْ إِلَى الْعَقَبَهْ
٦٧٧ - فَأَوَّلُ الْمُهَاجِرِينَ لِقُبَا ... فَأَهْلُ بَدْرٍ وَيَلِي مَنْ غَرَّبَا
٦٧٨ - مِنْ بَعْدِهَا فَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ ثُمّْ ... مَنْ بَعْدَ صُلْحٍ هَاجَرُوا وَبَعْدُ ضُمّْ
٦٧٩ - مُسْلِمَةَ الْفَتْحِ فَصِبْيَانٌ رَأَوْا ... ..............
(فالأولون) من الطبقات قوم (أسلموا بمكة) أي تقدم إسلامهم في مكة كالخلفاء الأربعة، فالأولون مبتدأ، وجملة أسلموا خبره (يليهموا) أي يتبعهم في الطبقة (أصحاب دار الندوة) أي الصحابة الذين أسلموا قبل تشاور قريش في دار الندوة للمكر بالنبي ﷺ ، وهي كما قال الحلبي من جهة الحِجْر، وكان لها باب إلى المسجد أُعِدَّت للاجتماع للمشورة (ثم) تلي الطبقة الثالثة وهم (المهاجرون للحبشة) وهي أول مُهَاجَرِ في الإسلام في رجب سنة خمس من النبوة هاجر إليها عدد كثير منهم من هاجر بنفسه وحده، ومنهم من هاجر بأهله كما هو مفصل في السير.
(ثم اثنتان) من الطبقات مبتدأ خبره قوله: (انسب) هما (إلى العقبة) علم بالغلبة على عقبة منى، والمراد أهل البيعة فيها.
والمعنى: أن الطبقة الرابعة هم أصحاب العقبة الأولى، والطبقة الخامسة هم أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.
(فأول المهاجرين لقبا) أي ثم الطبقة السادسة أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله ﷺ بقباء قبل أن يدخل المدينة ويبني المسجد.
(فأهل بدر) أي ثم الطبقة السابعة أهل غزوة بدر وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا (ويلي) ما تقدم من الطبقات (من غربا) أي اغترب عن وطنه
стр. 635
مهاجراً إلى المدينة (من بعدها) متعلق بما قبله أي غزوة بدر وهذه هي الثامنة.
(فبيعة الرضوان) أي ثم الطبقة التاسعة أهل بيعة الرضوان وهم أهل الحديبية الذين نزل فيهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية. (ثم) تلي الطبقة العاشرة وهم (من بعد صلح) أي صلح الحديبية (هاجروا) إلى المدينة المنورة، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص (وبعدهم) أي هؤلاء تلي الطبقة الحادية عشرة، وفي نسخة المحقق وبعدُ ضم أي بعد هؤلاء ضم أيها المحدث مسلمة الفتح، وبحتمل أن يكون فعلاً ماضياً مغير الصيغة ونائب الفاعل قوله: (مسلمة الفتح) أي الصحابة الذين أسلموا يوم فتح مكة (فصبيان رأوا) أي ثم تلي الطبقة الثانية عشرة وهم الصبيان بالكسر وتضم كما في " ق " جمع صبي، وهو الصغير الذي لم يفطم.
والمعنى: أن الصبيان الذين رأوا النبي ﷺ يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرها آخر الطبقات.
ثم ذكر ترتيبهم في الفضل فقال:
................. ... وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ إِجْمَاعًا حَكَوْا
(وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ) مبتدأ وخبر، أي أفضل الصحابة أبو بكر عبد الله بن عثمان القرشي التيمي لأدلة كثيرة منها قوله ﷺ : " ألا إني أبرأ إلى كل خل من خله، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً إن صاحبكم خليل الله ". أخرجه مسلم والترمذي، وابن ماجه.
وقيل له الصديق لمبادرته إلى تصديق رسول الله ﷺ قبل النَّاس كلهم قال رسول الله ﷺ : " ما دعوت أحداً إلى الإيمان إلا كانت له كبوة إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم ".
(إجماعاً) أي حال كون هذا الحكم مجمعاً عليه أو ذا إجماع، أو مفعول لقوله: (حكوا) أي حكى العلماء هذا الإجماع عن جميع أهل السنة