Полный текст (374 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
مصدقًا لما سبقه من الكتب، ويحيى ﵇ مصدقًا بكلمة من الله، كما جاءت في موضع واحد في سورة "الصافات" في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ (الصافات: ٥١ - ٥٣) وفي المتصدقين والمتصدقات نقرأ قول الله في أخوة يوسف ليوسف: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (يوسف: ٨٨)، وفي ثناء الله على المتصدقين والمتصدقات، وما لكل منهما من الأجر نقرأ في سورة الحديد ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ﴾ (الحديد: ١٨)، وفي الأحزاب ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ إلى أن يقول: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥).
وإذا كنا نتحدث عن الصدق في القرآن، فإن ماله صلة بموضوعنا هو الآيات التي تتحدَّث عن الصدق في سلوك البشر فتُعلي من قيمة الصدق، وتدعو إلى أن يكون خلقًا لبني الإنسان، ومنهجًا تقوم عليه حياتهم، وقد جاء كتاب الله في هذا الجانب من الجوانب التي تأصّل لحياة آمنة مطمئنة.
وفي هدي النبوة ما يضيف بُعدًا أخر لهذا الذي جاء به كتاب الله فماذا جاء في سنة رسول الله ﷺ ؟ نقرأ من (صحيح البخاري) ما رواه بسنده عن طلحة بن عبيد الله: ((أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ سائر الرأس فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة. فقال: الصلوات الخمس إلا أن تتطوع شيئًا. فقال: أخبرني بما فرض علي من الصيام. فقال: شهر رمضان إلا أن تتطوع شيئًا. فقال: أخبرني بما فرض الله على من الزكاة فقال: فأخبره رسول الله ﷺ شرائع الإسلام قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا. فقال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق)).
стр. 107
فهذا صدق مع الله في أداء فرائضه، ولا شك أن الصدق في أداء الفرائض سوف يؤدِّي إلى أداء النوافل، فهذا منهج رسول الله ﷺ في تعليم المسلمين أن يبدأ بالفرائض، ثم تأتي النوافل بعد ذلك.
أيضًا يروي الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما ثلاثة نفر ممن كان قبلهم يمشون إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا يُنجيكم إلا الصدق، فليدعو كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه، فأخذ كل واحد منهم يذكر أمرًا ذكره)) الحديث؛ ففرج الله عنهم فخرجوا، فهذا الحديث الطويل الذي رواه ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ يبيّن عاقبة الصدق مع الله فيما فرض، وفيما شرع، وأيضًا يبيّن عاقبة الصدق فيما يؤدِّي الإنسان للناس من أمور هي من حقّهم مخلصًا لله في ذلك، وملتزمًا في التعامل مع الآخرين بشرع الله، وهدي الله؛ طاعة لله وطلبًا لثواب الله.
ويروي لنا الإمام البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب بن مالك قال: "سمعت كعب بن مالك يُحدّث حين تخلف عن قصة تبوك: فوالله ما أعلم أحدًا أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يوم هذا كذبًا، وأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (التوبة: ١٧) إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩) "، فهذا الصحابي الجليل صدق الله وصدق رسوله فكان سببًا لقبول توبته، وأصبح حديثه قرآنًا يُتلى على مر الزمان.
стр. 108
يروي لنا الإمام مسلم أيضًا بسنده عن أنس بن مالك قال: ((نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا. قال: صدق. قال: ثم ولَّى، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد علينهنَّ ولا أنقص منهنَّ. فقال النبي ﷺ : لئن صدق ليدخلنَّ الجنة)) وهذا الحديث شبيه وكأنه هو الحديث الذي رواه الإمام البخاري، وذكرناه من قبل.
وعن أبي الدرداء قال: ((كنا مع رسول الله ﷺ فشَخَص ببصره إلى السماء، ثم قال: هذا أَوَانٌ يُختلس العلم من الناس حتى لا يقدر منه على شيء، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا، وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدُّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟ قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت قلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء، فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء إن شئت لأحدثنَّك
стр. 109
بأول علم يُرفع من الناس الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا)) هذا الحديث رواه الإمام الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.
وروى بسنده عن الحارث قال: "مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث، قال: وقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قسمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرّدّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إن سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم".
يقول الإمام الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث -أي: راوي هذا الحديث- مقال.
على أية حال الذي يعنينا من هذا الحديث الطويل هو قوله ﷺ : "من قال به صدق"؛ فالذي يريد الصدق ويريد أن يتحلَّى بالصدق عليه أن يلتزم بهذا القرآن الكريم في آدابه وأخلاقه ومعاملته، وما جاء به فهذا هو طريق الصدق.
стр. 110
أيضًا يروي لنا بسنده عن أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((رأيت في المنام أن أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب، فرأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته بأخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر)).
الشاهد في هذا الحديث هو قوله ﷺ : ((ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق)) فثواب الصدق ثواب عظيم، نصر في هذه الدنيا، وتمكين لأهل الإسلام، وربما نعود إلى الحديث عن جزاء الصادقين، كما جاء في كتاب الله .
وفي الحديث أيضًا عن النبي ﷺ قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا)) فهذا الصدق هو طريق السعادة، وطريق الجنة، وهو يدل الإنسان على كل ألوان البر.
والبر -كما نعلم- كلمة جامعة تشمل كثيرًا من شرائع الإسلام، لعل قول الله في سورة "البقرة": ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٧).
стр. 111
فانظر إلى ختام الآية في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فهؤلاء الذين صدقوا فيما آمنوا به، وفيما التزموا به من شرائع الله، هذا الصدق يهديهم دائمًا إلى البر، ولا شك أن هذا البر الذي التزموا به سوف يؤدّي بهم إلى دخول الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون عند الله صديقًا، له جزاء الصديقين، والكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ... إلى آخر ما جاء في هذا الحديث.
أيضًا يروي لنا الإمام الترمذي بسنده عن أبي الجوزاء السعدي قال: قلت للحسن بن علي: ما حفظت من رسول الله ﷺ ؟ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : ((دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة))، وفي قوله: ((فإن الصدق طمأنينة)) ما يُبيّن جزاء الصادقين في الدنيا، وجزاؤهم طمأنينة في القلوب، وهذه الطمأنينة يُحرم منها أهل الكذب، فهم دائمًا في حالة ارتياب وفي حالة هلع، فهذا إذا هو ما أعدَّ الله للصادقين في هذه الدنيا.
أيضًا يروي لنا الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر: ((أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما عمل الجنة؟ قال: الصدق، وإذا صدق العبد برَّ، وإذا برَّ آمن، وإذا آمن دخل الجنة. قال: يا رسول الله؛ ما عمل النار؟ قال: الكذب، إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل)) يعني: النار.
الصدق إذًا هو طريق الجنة، وهو باب البر، وهو وسيلة الإيمان، والكذب بخلاف ذلك، وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئ، ولا يجتمع الصدق والكذب جميعًا، ولا تجتمع الخيانة والأمانة جميعًا)) فهذا الصدق وهذا الكذب لا يجتمعان على الإطلاق في قلب إنسان مؤمن؛ لذلك كان الصدق وسيلة إلى حياة آمنة مستقرة مطمئنة.
стр. 112
أهل الصدق في القرآن
نرجع إلى كتاب الله لنرى الآيات التي تختم ببيان أن هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات المعينة هم الصادقون، رأينا سورة "البقرة" وآية البر التي ذكرناها الآن، وفي نهايتها قرأنا قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٧)، فهذا إذا تعريف الصادقين كما ذكرته سورة البقرة، والآية ذكرناها تجمع خمسة عشرة صفة هي صفات أهل الصدق.
نقرأ أيضًا في سورة "الحجرات" قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: ١٥).
وفي سورة "الحشر" يقول سبحانه في صفة المهاجرين: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر: ٨).
وفي سورة "الحديد" يقول عز من قائل: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (الحديد: ١٨، ١٩).
وإذا كنا قد عرفنا ما في آية سورة "البقرة" من المعاني على وجه الإجمال، فلنقف عند ما جاء في سورة "الحجرات" من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات: ١٥) فهنا نجد الصفتين: الإيمان، والجهاد: الإيمان بالله ورسوله إيمانًا جازمًا لا ارتياب فيه ولا شك فيه ولا شبهة،
стр. 113
والجهاد بالمال والنفس جهادًا مبرأً من كل هون، جهادًا خالصًا لله وفي سبيله، ومن أجل إعلاء كلمته.
وقد نزلت هذه الآية الكريمة في معرض الرّدّ على الأعراب من بني أسد، الذين ادَّعوا الإيمان دون أن يحقّقوه بالأعمال، فإنما الإيمان قول وعمل، فبين الله لهم الحق، وأوضح لهم الطريق قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: ١٤)، ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات: ١٥).
وقال ابن زيد في قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ قال: لم يُصدقوا إيمانهم بأعمالهم فردَّ الله عليهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، وأخبرهم أن المؤمنين: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ صدقوا إيمانهم بأعمالهم، فمن قال منهم أنا مؤمن فقد صدق، قال وأما من انتحل الإيمان بالكلام ولم يعمل؛ فقد كذب وليس بصادق، فهذا تحديد جيد وتوضيح بين لمن هم الصادقون.
كذلك نجد في سورة "الحشر" بعض ملامح هؤلاء الصادقين؛ حيث يقول ربنا في صفة المهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، فهنا أيضًا صفتان قريبتان من الصفات الأولى المذكورة في سورة البقرة والحجرات، فهؤلاء المهاجرون -رضوان الله عليهم- آمنوا بالله ورسوله إيمانًا لا تزحزحه العواصف، ولا تؤثر فيه وطأة الظالمين من جبابرة الكفر، إنهم بالإيمان عاشوا،
стр. 114
وعلى الإيمان ثبتوا، وإلى الإيمان ركنوا، وبه تعلقوا؛ فتحملوا في سبيل الله ذلك الإيذاء كل الإيذاء، لقد أُخرجوا من ديارهم وأموالهم أخرجهم الطغاة من بلدهم الحبيب مكة المكرمة، فتركوا ديارهم وأموالهم، وخرجوا ليس لهم من حُطام الدنيا شيء، لا يريدون بهذا كله إلا وجه الله والدار الآخرة، وهم بعد أن خرجوا قبل أن خرجوا إنما أوقفوا حياتهم على نُصرة الله ورسوله، ولذلك قال: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ هكذا بالفعل المضارع الذي يدلّ على التجدّد والاستمرار، فهؤلاء وقفوا مع رسول الله ﷺ لينصرونه بكل ألوان النصر قبل الهجرة وبعد الهجرة، فكانوا صادقين فيما فعلوا وفيما كانوا عليهم من ثبات على الإيمان، ولذلك خصَّهم الله بهذه الصفة حين قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ هكذا بتعريف الطرفين، وقوله: ﴿هُمُ﴾ التي تفيد حصر الصدق فيهم، وكأنهم هم الصادقون وحدهم.
كما نجد في سورة "الحديد" بعض ملامح صفات الصادقين ذلكم حين قرأنا ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (الحديد: ١٨، ١٩) ففي هذا بيان قرآني يوضح لنا من هم الصادقون إنهم المؤمنون إيمانًا راسخًا ثابتًا بالله ورسله، والإيمان -كما نعلم- إذا استقر في القلب أثمر ثماره وآتى أكله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم: ٢٥).
هذه إذًا صفات الصادقين، وهؤلاء هم الصادقون، فماذا لهؤلاء الصادقين من جزاء في الدنيا، وفي الآخرة،
стр. 115
أشرنا فيما سبق إلى قول رسول الله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)) فهذا أول جزاء للصادقين في الدنيا إنه طمأنينة القلب، وإصلاح البال والشعور بالرضا والسكينة، وهناك أمر آخر جعله الله للصادقين، هذه البركة في الرزق والبركة في العمر والبركة في الأبناء والبركة في الحياة، وهذا ما يرشد إليه قول الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه عن أبي خالد حكيم بن حزام ﵁ حيث قال: قال رسول الله ﷺ : ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كَتَما وكذبا مُحقت بركة بيعهما)) فانظر إلى المعاملات بين الناس لتعلم أن الصدق هو الأساس في التعامل بين البشر، مسلمهم وغير مسلمهم، وأن البيعان إذا صدقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وليست البركة كلمة هائمة ليس لها حقيقة، وإنما هي واقع ملموس مشاهد، يُراه الفرد في واقعه وتعرف الأمم ذلك في حياتها، حين يشيع الصدق والإخلاص ترى نماءً في كل بين يديه وإشراقًا في كل ما حولك، وحين ينتشر الكذب ويغيظ معين الإخلاص يشعر الناس بوطأة الحياة، وضياع الأعمار، وذهاب الخير من نفوسهم ومما حولهم، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٦).
وإذا كان هذا هو جزاء الصادقين في الدنيا طمأنينة في القلب، وبركة في الرزق، فإن جزاءهم عند الله في الآخرة أعظم، فإن الصدق -كما ذكرنا- يهدي الإنسان إلى طُرق الخير، وهذا الطريق الذي هو طريق الخير يؤدِّي به إلى الجنة، كما ذكرنا في قوله ﷺ : ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة))، وفي كتاب الله بشارات عظيمة للصادقين بما لا عينٌ ولا آذن
стр. 116
سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فلنلتقط من جواهر القرآن ولآلئه ما يبين ذلك، نقرأ في سورة "الأحزاب" قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧، ٨).
فالله يسأل الصادقين عن صدقهم على رءوس الأشهاد ليعطي هؤلاء الصادقين؛ جزاء صدقهم، ودليل ذلك ما جاء في قوله وما نقرأه في ختام الآية: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ومقتضى هذا أنه أعد للصادقين جزاءً عظيمًا.
أيضًا نقرأ في سورة "الأحزاب" قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٢ - ٢٤).
فهؤلاء أصحاب النبي ﷺ صدقوا ما عاهدوا عليه، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: قضى ما عليه فمات شهيدًا، ومنهم من يتشوف، ومن ينتظر أن يموت شهيدًا، إنها الغايات العظمى التي يحيا لها هؤلاء الرجال، ولذلك استحقُّوا نصر الله ومدد الله وتأييد الله، وما بدلوا تبديلًا، يقول ربنا: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ لم يذكر لنا جزاء الصادقين هنا، وإنما سيذكره في آيات أخرى، ولكنه تركه هكذا لتذهب فيه النفس فيه كل مذهب حين تتخيل ما يمكن أن يعطيه الإله الكريم للصادقين مع الله ، وهؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
стр. 117
ومرة أخرى تعود سورة "الأحزاب" فتذكر لنا جزاء الصادقين، ولكنها في هذه المرة تضع هذه الصفة بين صفات كلها صفات عظيمة؛ حيث يقول ربنا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥) فهذه عشر صفات في آية واحدة: الإسلام، والإيمان، والقنوت، وهو العبودية والطاعة لله وحده، والصدق، والصبر، والخشوع، وهو التواضع والخوف من الله، والتصدق، والصيام فرضًا ونفلًا، وحفظ الفروج عن الحرام، والإكثار من ذكر الله من جمع هذه الصفات العشر فلينتظر جزاءه الأوفى، ولينتظر منزلته العظمى ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وأخيرًا نقرأ في نهاية سورة "الأحزاب" قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠، ٧١) والقول السديد هو القول الصائب الذي لا يلتوي كالسهم يصيب الهدف في وضوح، ولذلك قالوا بأن القول السديد هو الذي يوافق ظاهره باطنه، وهذا هو الصدق بعينه، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩). والجزاء كما نرى هنا إصلاح الأعمال بتسديدها وتوفيقها، ومغفرة الذنوب، والفوز العظيم في الدنيا والآخرة.
أيضًا نقرأ في كتاب الله في جزاء الصادقين ما يستحق أن نقف عنده لنرى عظم ما فيه من الثواب، ذلكم ما نقرأه في أواخر سورة "المائدة" من قول الله تعالى:
стр. 118
﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (المائدة: ١١٩) الآية، ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فأنت ترى أن الله منحهم جنات، وليست جنة واحدة، وفي حديث الإمام البخاري عن أنس قال: ((أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال: ويحك أوجنة واحدة هي، إنها جنان كثيرة، وإنه لفي جنة الفردوس))، ومن طريق قتادة: ((وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى)) إنها جنان كثيرة، وفي كل جنة ما لا عين رأت ولا أذنت سمعت ولا خطر على قلب بشر. وهي جنات يصفها الله بأنها تجري من تحتها الأنهار، فيها أنهار جارية، وقوله ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يشير إلى منازل أهل الجنة العالية، وأنهم في قصور قال تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ (الزمر: ٢٠).
وفي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : ((إن أهل الجنة لا يتراءون أهل الغرف من فوقكم، كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق -أي: الكوكب المضيء الذاهب بعيدًا في السماء من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم- قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين)) وإذا كانت الأنهار تجري من تحت تلك القصور، فهي بلا شك أيضًا تجري بين الأشجار، وهي أنهار وليست نهرًا واحدًا؛ قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (محمد: ١٥).
стр. 119
وأيضًا من جملة هذا النعيم هذا الخلود الذي لا يزول ولا يفنى، ولا يفنى أصحابه، كما قال ربنا وكما استمعنا في الآية: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، فهم إذا في نعيم باقٍ، كما ورد في الحديث عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا دخل أهل الجنة ينادي منادٍ إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تصحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تشبّوا -أي: تصيروا شبابًا- فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا))، وفي رواية: ((فلا تبتئسوا)) فذلك قوله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: ٤٣).
هذه إذا منازل الصادقين وهؤلاء هم الصادقون، فهل لنا أن نكون من هؤلاء الصادقين الذين يقولون ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: ١٦) إنهم كما قال ربنا: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: ١٧) ... أسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء الصادقين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 120
الدرس: ٨ الآداب الاجتماعية في القرآن الكريم .
стр. 121
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(الآداب الاجتماعية في القرآن الكريم)
تعريف الأسرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم، إلى يوم الدين، أما بعد:
فنتناول نظام الأسرة في الإسلام:
هل وردت كلمة الأسرة في أيِّ آية من كتاب الله؟ أو هل وردت في أي حديث من أحاديث رسول الله ﷺ ؟ لعلكم لم تجدوا ذكرًا لهذه الكلمة في القرآن. وأما في السنة فلم ترد إلا في حديث واحد رواه أبو داود والإمام أحمد من حديث أبي هريرة في قصة محاولة اليهود أن يحصلوا على حكم من رسول الله ﷺ يُبيح لهم عدم رجم الزاني المحصن، مع أن الموجود في التوراة هو هذا، وفي سياق هذا الحديث يذكر الراوي: ((أن ملكًا من بني إسرائيل زنى فلم يقيموا عليه الحد، ثم زنى رجل في أسرة من الناس، فأراد -أي: الملك- رجمه فحال قومه دونه، وقالوا: لا يُرجم صاحبنا حتى يرجم صاحبكم فنرجمه)).
فالأسرة هنا في هذا الحديث ليست هي الأسرة التي نريد أن نتحدث عنها في القرآن الكريم وإنما الأسرة في الحديث جماعة الرجل وأهله وعشيرته، ولذلك فنحن سنبحث عن الأسرة من حيث دلالتها في لغتنا العربية وما لذلك من وجود بارز في كثير من آيات القرآن، وعناية فائقة في سنة رسول الله ﷺ ، وفي بيان أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم- ومن بعدهم من فقهاء الإسلام وعلمائه إلى يومنا هذا.
يقول علماء اللغة أسرة الرجل: رهطه؛ لأنه يتقوى بهم، وفي (المعجم الوسيط) وهو من المعاجم الحديثة: الأسرة: الدرع الحصين، وأهل الرجل وعشيرته والجماعة يربطها أمر مشترك، وليس في كتب اللغة أكثر من ذلك، ولكننا من هذا المنطلق نقول في مقدمة أهل الرجل زوجه وأبناؤه، وآيات القرآن شاهدة على ذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
стр. 122
الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: ٣٣)، قال تعالى لنوح ﵇: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾ (هود: ٤٠).
وقال ربنا: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (هود: ٤٥، ٤٦).
وقال أعز من قائل في لوط ﵇: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امرأتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (هود: ٨١)، وقال سبحانه لنبينا محمد ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (طه: ١٣٢).
فإذا كنا نريد أن نتحدث عن نظام الأسرة في القرآن وما شرع الله لها في كتابه مما يضمن سعادتها وبقاءها، فإننا نستطيع ذلك من خلال الآيات التي وردت فيها كلمة الزوج والزوجة، والأب والأم، والوالدين، والأقارب على اختلاف درجاتهم من الأبناء والإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، ولكن هذا يحتاج إلى مؤلفات تبيِّن هداية القرآن في كل هذه العلاقات الثلاث، والمكتبة القرآنية عامرة بهذا الفيض بحمد الله.
الأسس التي بنى عليها الإسلام العلاقة الأسرية
ما هي الأسس التي بنا عليها الإسلام، وبنى عليها القرآن هذه العلاقة؟
الأساس الأول: يتمثَّل في هذا الإنسان الذي تربى في أحضان دين الله فأضحى هو الإنسان بالإنسان ينبض وجدانه وقلبه وكيانه إيمانًا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، ويتحرك أو يسكن وفق منهج الاستسلام لله والرضا به ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣). فكل خُلُق جميل، وكل قول
стр. 123
وكل فعل يشع نورًا من محيَّ الإنسان المسلم، وهذا الإنسان هو الذي يكوِّن الأسرة المسلمة، وهو الذي أوصى الرسول ﷺ بتزويجه فقال: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، أو وفساد عريض)).
فإذا كان هذا هو الأساس الأول فإن الأساس الثاني يقوم على أن العلاقة التي ستكون بين الرجل والمرأة ليست كالعلاقة التي تقوم بين ذكر وأنثى في عالم الحيوان، والطيور، وما إلى ذلك، وليست لمجرَّد قضاء متعة ينطلق كل منهما لشأنه، فإذا ما كان هناك حملٌ وأبناء تولَّت الدولة القيام على أمرهم؛ ظنًّا منها أن هذا الأسلوب يُمكن أن يوجد أسوياء، وما علم هؤلاء أن الأبناء في عالم الإنسان في حاجة إلى دفء الأمومة ورعاية الأبوة، والتنشئة من خلال الأسرة الممتدة مع الإخوة والأخوات والأقارب والأهل، يقول أبو الأعلى الموجود في كتاب له عنوانه (نظام الحياة في الإسلام): إن البيت هو المؤسسة التي تدرّب فيها كل سلالة أخلافها؛ لتعدهم لتحمل تبعات التمدّن الإنساني العظيمة بغاية من الحب والمواساة والتودد والنصح.
فهذه المؤسسة لا تُهيّئ الأفراد لبقاء التمدن البشر ونموه فحسب، بل هي مؤسسة يودّ أهلها من صميم قلوبهم وأعماق صدورهم أن يخلفهم من هو خيرٌ منهم وأصلح شأنًا، وأقوم سبيلًا؛ فالحقيقة التي لا تُنكر على هذا الوجه أن البيت هو جذر التمدن البشري وأصله، وأنه يتوقف على صحة الجذر وقوته صحة التمدن البشري نفسه وقوته، ومن ثَمَّ نرى أول ما يهتم به الإسلام ويعتني به من وسائل الاجتماع إنما هو أن يقيم مؤسسة البيت، ويقرها على أصح الأسس وأقومها.
стр. 124
ويقول العقاد في (الفلسفة القرآنية): ليست العلاقة بين الرجل والمرأة صفقة تجارية بين شريكين في المعيشة، ولا ضرورة لإسكات صيحات الجسد والاستراحة من غوايته الشيطانية، ولا تسويغ الشهوة بمسوغ الشريعة، ولا هي علاقة عدمها خير من وجودها إذا تأتَّى للرجل أو للمرأة أن يستغني عنها.
أقول: ولكنها قبل هذا وبعده علاقة إنسانية جديرة بالاحترام والتقديس، فهي علاقة بين الزوج والزوجة، وبين الزوجين والأبناء، وبين هؤلاء جميعًا والأبوين، إلا أنها مع هذه العلاقات المتعدَّدة التي تُشكّل حجر الأساس في البناء الاجتماعي، وتشمل الزوجين والأبناء والآباء تبدأ في حقيقتها باجتماع رجل وامرأة في حياة واحدة ذات هدف مشترك، هو إسراء الحياة بمزيد من الحبّ والنسل الصالح.
وهذا هو الأساس الذي وضعه الإسلام لنظام الأسرة في القرآن، والذي يتلخص في أن الزواج علاقة من نوع خاص، علاقة باقية وصحبة دائمة ممتدَّة عبر أيام الحياة وبعد الممات في دار الخلود، ولذلك سمى الزوجة صاحبة فقال: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ (المعارج: ١١ - ١٤)، وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: ٣٣ - ٣٧).
وقال في إثبات وحدانيته، وأنه ليس له ولد؛ لأنه ليست له زوجة، ومحال أن يكون له زوجة وقد وصفها -جل وعلا- بأنها صاحبة فقال: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: ١٠١). فأنت ترى لم يسمِّ أبًا ولا أخًا ولا ابنًا ولا أحدًا بأنه صاحب، إنما سمى الزوجة صاحبة.
стр. 125
أما الأساس الثالث: فهو الإحساس بعمق هذه العلاقة وأصالتها، وأنها علاقة يشعر فيها كل من الزوجين بأنه جزء من الأخر يحنّ إليه وينجذب إليه، فالرجل مهما حصل من مال وجاه، ووفر لنفسه من ألوان المتع المادية لا يستغني عن زوجة صالحة تعينه على أمر دينه ودنياه، وتؤنسه في وحدته، وتُذهب عنه وحشته، وكذلك الفتاة في حاجة إلى زوج تعيش معه أيام العمر، وإن عانت معه مشقات الحياة مع أن أبويها ربما كان على حال من اليسار فغمروها بالمال والمتاع، فليست في حاجة إلى مال ولا إلى متاع، ولكنها في الحقيقة في حاجة إلى شريك العمر تشاركه أيام عمرها، وأيام عمره، وقد جاءت الآيات تذكر أن الله خلق الناس من نفس واحدة، وأنه خلق منها أو جعل منها زوجها ليسكن إليها.
وقد ذكرنا الآية الأولى في سورة "النساء" والتي ينادي فيها ربنا الإنسانية لتئوب إلى واحة التقوى بتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأن تلتزم بما ينبني على هذا التوحيد من أخلاق وآداب وعبادات ومعاملات، وما إلى ذلك مما جاءت به شريعة الله، وتوضح الآية سبب استحقاق الله لأن يعبد وحده، فتذكر أنه الخالق للناس وحده، وفي كيفية خلق الناس دليل على قدرته وعلمه وحكمته، وما اتصف به من صفات الجلال والكمال؛ إذ خلق الناس من نفس واحدة هي آدم ﵇ وقد ذكر في عدة مواضع من القرآن كيف خلق آدم، ومن آدم خلق حواء، خلقها من ضلع آدم الأيسر فوجدها آدم بجانبه، فأنس لها وسكن إليها قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (الأعراف: ١٨٩)، وقال: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (الزمر: ٦).
стр. 126
وقال أعز من قائل: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (النحل: ٧٢)، إلى غير ذلك من الآيات التي تُبرز هذه الحقيقة؛ لتكون معلمًا يهدي السائرين إلى خالقهم، ويرشدهم إلى أن أمرهم كله بيده؛ لأنه هو الذي خلقهم على هذا النحو البارع، فعليهم أن يعبدوه وحده.
كما أن هذه الحقيقة منارة للزوجين، فتعلم الزوجة أنها جزء من زوجها، وهل يستغني الجزء عن أصله، ويعلم الزوج أن زوجه جزء انفصل منه فهو دائمًا يشعر بحاجته إلى أن يعود إليه هذا الجزء، وهذه هي الفطرة التي خلق الله الناس عليها، فمن تنكَّر من الزوجين لصاحبه ولم يشعر بحاجته إليه؛ فقد تنكر لهذه الفطرة. وهذا الذي قرره القرآن أساس مهم في بناء الأسرة في القرآن.
الأساس الرابع: هو أن العلاقة التي تربط بين الزوجين ليست كما قال العقاد: صفقة تجارية يساوم كل منهما الآخر؛ لينال منه أقصى ما يستطيع من أرباح مادية، إنما هي علاقة السكن والمودة والرحمة، والقرآن حين يذكر ذلك يذكره في سياق بيان آياته في خلقه، والتي تُثبت أنه الإله الواحد الأحد، وأنه قادر على بعث خلقهم بعد موتهم يقول : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: ٢١)، والسكن راحة واطمئنان، والمودة محبة تجمع بين القلوب، والرحمة عطف وحنان ورعاية، وكل من الزوجين يؤدِّي هذا إلى صاحبه دون أن تكون هناك سابق معرفة من قرابة، أو رحم قبل الزواج، فلمَّا تمَّ هذا الارتباط بعقد الزواج كان ما ترى من التجانس والالتقاء والمحبة والرحمة، أليست هذه آية من آيات الله تدعو إلى التفكر في قدرة الله التي تُصرّف القلوب
стр. 127
وفق ما تشاء، وقد قالوا بأن المودة تكون في أيام الشباب، والرحمة في مرحلة الكبر، ولو أن هذه العلاقة كانت قائمة على مجرد استمتاع كل منهما بالآخر، وحاجة كل منهما لقضاء وطره؛ لما بقي بيت قائم، وإلا فماذا يكون عليه حال زوجين كبر سنّ واحد منهما، أو أصيب أحدهما بما يجعله غير قادر على إعطاء الآخر ما يطلبه من متعة الفراش، وكثيرًا ما يحدث فتور في هذا الأمر للانشغال بتربية الأولاد وكثرة مشاكل الحياة، فتبقى المودة التي جمعت بين الزوجين في سنوات الشباب نبراسًا يضيء جوانب الرحمة، ويدعو إليها وفاء لأيام وسنوات عمر خلت، فما أجمل هذا المنهج الرباني، وما أعظمه.
وقارن بين هذا الذي تراه من رعاية كلٍّ من الزوجين لصاحبه في سنوات العجز والكبر والمرض، وما هناك في دول تدَّعي الحضارة والمدنية من ضياع للكبار والمرضى، حتى أنشأت هذه الدول لهؤلاء دُورًا تُعرف بدور المسنين لرعايتهم، فهل تغني رعاية هذه الدور عن رعاية زوج لزوجته، أو زوجة لزوجها، وكل ما في هذه الرعاية من مودة ورحمة، واحترام لإنسانية الإنسان، وصون لكرامته، وهو بين زوجه وأبنائه وأحفاده وإخوته وأخواته، وأهله وعشيرته، وكل منهم حريص على أن يُقدِّم العون، ويواسي بالنظرة والكلمة، وما يستطيع من كل ما يخفّف الألم، ويدخل السعادة والسرور على القلوب.
هذه بعض الأسس التي تقوم عليها الأسرة في القرآن الكريم، فإن بداية تكوين هذه الأسرة يبدأ بالتفكير في الزواج، ومَن هذه التي تصلح لتكون رفيقة ضرب الحياة، وقد وضع الرسول الكريم ﷺ مؤشرات ترشد من يريد الزواج إلى حسن الاختيار، فقال ﷺ : ((تنكح المرآة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين الدين تربت يداك)) وجعل هذا الدين هو الأساس أيضًا
стр. 128
في الموافقة من جانب ولي الفتاة على من يتقدم إلى لخطبة ابنته، ذلكم في الحديث الذي ذكرناه من قبل، رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)).
وهذه المؤشرات التي وضعها رسول الله ﷺ في مسألة من يريد أن يتزوَّج الشاب بها، أو الرجل بها، وهي -كما نرى- لمالها ونسبها وحسبها وجمالها ودينها، فأوصى الرسول ﷺ بالتركيز على ذات الدين فقال: ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)) لكن هذا لا يمنع من أن يختار الإنسان الذي يريد الزواج مَن تتوافر فيها هذه الصفات أو بعضها؛ فالمال قد يكون مطلبًا لبعض الناس لتساعده هذه الزوجة على أعباء الحياة، لكن لا بد أن يكون معلومًا أن النفقة إنما هي على الزوج، وهي عنوان قوامة الرجل على المرأة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤).
ومن المعلوم أنه لا حق للزوج في مال زوجته مهما بلغ هذا المال، إلا أن يكون ذلك عن طريق الرضا، فهذا جائز كما قال ربنا: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (النساء: ٤)، كما أن الجمال أيضًا مطلب، ومن حق من يريد أن يقترن بفتاة أو امرأة أن يختار ذات الجمال؛ ليكون في هذا ما يُعينه على العفَّة، لكن هذا الأمر أيضًا لا بد أن يكون في حدود المطلوب الذي يؤدِّي إلى غضّ البصر، وألا يكون هو المطلب الأساسي في الموضوع؛ لأن هذا قد يكون فيه ما فيه من الخطر عليه. فلا بد أن يكون هذا الجمال محصنًا بالدين، وإلا كان أمرًا خطيرًا كما هو معلوم.
أما الحسب والنسب فمن شأن الإنسان أن يطلب الأسرة الأصيلة الكريمة التي تشتهر بأدبها وأخلاقها وحسبها ونسبها، لكن يجب ألا يكون هذا المطلب مطلب
стр. 129
من المطالب الأساسية، فقد يختار الرجل فتاة أو امرأة من بيت مغمور فقير، لا جاه له، فيكون في هذا الاختيار، وفي هذه الفتاة، وفي هذه المرأة الخير والبركة، لكن الأساس الذي يجب أن يكون هو المطلب الأساسي الذي يحمي هذه الأشياء، هو الدين؛ فبالدين تطيب الحياة، وفي ظلال الدين يتربَّى الأبناء وتحلو الحياة مع زوجة تعرف حق ربها، فتعرف حق زوجها؛ ليكون من ذلك السعادة في الدنيا وفي الآخرة.
فإذا ما اقتنع الشاب أو الرجل ووجد المرأة الصالحة بادر فتقدم لوليّها؛ لتتم الخطبة، وليتم الزواج بإذن الله تعالى، هذا الذي تقدم إلى وليّ الفتاة كما ذكرنا أيضًا من الواجب على وليّ الفتاة أن يُحسن اختيار من يتقدَّم لخطبة ابنته والزواج منها؛ لأن الإنسان الذي يتزوج من السهل عليه أن يغيِّر وأن يطلق، لكن الفتاة إذا ما ارتبطت كرجل كان من الصعب عليها أن تفارقه، ولهذا كان السلف يعرضون بناتهم على الصالحين؛ لأنهم يبحثون عن أهل الصلاح، ولا حرج في ذلك. فالأساس هو هذا الذي ذكرناه، ولذلك كان ﷺ يُعلّم أصحابه هذا اقرؤوا في (صحيح البخاري) ما ورد من أنه: ((مر رجل على رسول الله ﷺ فقال ﷺ لأصحابه: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال أن لا يُستمع. فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا)) وهذا الذي ذكره رسول الله ﷺ تقرير لأهل الإسلام بأن الواجب عليهم أن لا يأخذوا الناس بما ظهر منهم، وإنما عليهم أن يبحثوا عن الصلاح فإن وجدوا الرجل صالحًا؛ كان هذا الرجل حريًّا إن خطب أن يُنكح وإن شفع أن يُشفع، وإن قال يستمع لقوله.
стр. 130
وللخطبة -كما أوضح الإسلام- آداب منها أنه لا يجوز أن يخطب على خطبة أخيه، كما ورد من قول رسول الله ﷺ في أنه قال: ((لا يبع حاضر لبادٍ، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على يبيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها))، وحدثنا -هكذا يقول البخاري- مكي بن إبراهيم حدثنا ابن جريج قال: سمعت نافعًا يُحدّث أن ابن عمر ﵄ كان يقول: ((نهى النبي ﷺ أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب))، فقد ورد هذا النهي، وهذا التوجيه النبوي في عدة أحاديث، منها ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((لا يَخْطِب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه، ولا تُنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ صحفتها، ولتنكح -أي: ولتتزوج- فإنما لها ما كتب الله لها))، ومثل هذا الحديث رواه أيضًا البخاري في ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ((لا يخطب الرجل على خطبة ولا يسوم على سوم أخيه، ولا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ صحفتها، ولتنكح فإنما لها ما كتب الله لها)).
وروى الإمام الترمذي بسنده عن أبي هريرة قال: قال قتيبة: يبلغ به النبي ﷺ ، وقال أحمد: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه)) قال -أي: الإمام الترمذي-: وفي الباب عن سمرة وابن عمر قال أبو عيسى -أي: الترمذي-: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. قال مالك بن أنس: إنما معنى كراهية أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، إذا خطب الرجل المرآة فرضيت به؛ فليس لأحد أن يخطب على خطبتها.
стр. 131
قال الشافعي: معنى هذا الحديث ((لا يخطب الرجل على خطبة أخيه)) هذا عندنا إذا خطب الرجل المرأة فرضيت به وركنت إليه؛ فليس لأحد أن يخطب على خطبته.
فأما قبل أن يعلم رضاها أو ركونها إليه فلا بأس أن يخطبها، والحجة في ذلك حديث فاطمة بنت قيس: ((حيث جاءت النبي ﷺ فذكرت له أن أبا جهل ابن حذيفة ومعاوية بن أبي سفيان خطبها، فقال -أي: رسول الله ﷺ : أما أبو جهل فرجل لا يرفع عصاه عن النساء، أي: كثير الضرب إلى النساء، وأما معاوية فصعلوك أي: رجل فقير لا مال له، ولكن انكحي أسامة)) أي: تزوجي أسامة، فمعنى هذا الحديث عندنا -والله أعلم- أن فاطمة لم تخبره برضاها بواحد منهما، ولو أخبرته لم يُشر عليها بغير الذي ذكرت؛ لأن النبي ﷺ هو الذي قال بأنه لا يخطب الرجل على خطبة أخيه. فهذه توجيهات من رسول الله ﷺ في هذا الباب.
أيضًا يُشترط أن تكو ن من يريد خطبتها ألا تكون معتدَّة عدَّة رجعية، فقد يراجعها زوجها، ولا في عدة وفاة؛ حفاظًا على حق الأخوة إلا أن يكون ذلك تلميحًا لا تصريحًا في عدة الوفاة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٣٥)
فإذا ما اتضح أنه ليس هناك مانع من الخطبة بدأ كلٌّ من الخاطب والمخطوبة ووليها في البحث عن مدى صلاحية كل منهما للآخر؛ ليكون زوجًا لها، فإذا ما توافرت الشروط، واقتنع كل منهما بالآخر تمت الخطبة، وهي طلب والتماس من خاطب من وليّ الفتاة يطلب منه أن يزوجه ابنته،
стр. 132
وهذه الخطبة مشروعة لمن أراد الزواج، وهي في الحقيقة من الأمور المستحبة، ووجه الاستحباب فيها أن النبي ﷺ فعلها في زواجه من أم المؤمنين عائشة ﵂؛ حيث خطبها من أبي بكر ﵁ كما خطب ﵊ أم المؤمنين حفظة ﵂، فهذا وجه الاستحباب في هذه المسألة، وهي في الحقيقة فترة مهمة؛ لأنها هي الطريق ليتعرَّف كل من الخاطبين على الأخر، إذ تتيح الفرصة لمعرفة أخلاق وطبائع وميول الطرفين، ولكن هذا لا بد أن يكون في حدود ما جاءت به شريعة الإسلام.
والتعدي في هذه المرحلة على حدود الله، والخروج عما جاء به دين الله يؤدّي إلى ما لا تُحمد عقباه، فما هي الأسس والمبادئ والأخلاق التي وضعها ربنا ، وجعلها رسولنا ﷺ منهجًا للطرفين حتى تتمّ أيام الخطبة فتؤدي إلى النتيجة المرجوة من زواج قائم على هدي الله، وعلى دين الله .
هناك بعض الجاهلين بدينهم قد يُبيحون لبناتهم الخلوة، وأحاديث لهوًا لتستطيع الفتاة أن تختار عن معرفة بمن تُريد أن ترتبط به برباط الزواج، وقد لا تتم الخطبة فتصل إلى نهايتها، والبعض لا يتورَّع عن ذلك إذا تمت الخطبة، فترى الخاطب يخلو بمخطوبته ويخرج بها، ويسافر هنا وهناك، وقد لا يتمّ الزواج لأمر ما، فيكون الندم والتعاسة والضياع، ولات ساعة مندم؛ فقد حدث ما لا تُحمد عقباه، وبعض أولياء أمور الفتيات يسارعون بعقد الزواج؛ خروجًا من هذا الحرج، وهذا مر جيد لو تم الدخول بعد العقد بوقت قصير، ولكن الدخول قد يتأخَّر لزمن بعيد، لما اعترى المجتمعات الإسلامية من ظروف اقتصادية، وقد تجدّ مشكلات تؤدِّي إلى الانفصال، فماذا تصنع الفتاة، وماذا يصنع أهلها؟ والرجل الذي ارتضوه لابنتهم يُنكره أنه دخل بها، حتى لا يتحمل ما يلزم الزواج من حقوق، وقد تكون حملت منه وهو يُنكر هذا، والعرف قد جرى أن الرجل لا
стр. 133
يدخل بمن عقد عليها إلا في جوّ من الفرج والبهجة والسرور، وإقامة وليمة تُعرف بوليمة العرس يحضرها الأهل والأحباب، فإذا حدث لقاء بين الزوجين قبل هذا الإعلان؛ فهذا أمر مستعجل لما فيه من ضرر بالغ، إذ كيف يكون الحال وقد انتقلت المرأة إلى بيت زوجها وهي حامل فوضعت مولودها بشهور قلائل، وما هو أشد أن يحدث خلاف فيتم الطلاق، وينكر الزوج أنه قد دخل بها؛ لذلك كثيرًا ما أنصح أولياء الأمور بأن يؤخروا عقد الزواج إلى قُبيل الزفاف حتى لا يكون هذا العقد بابًا للوقوع في الكثير من المشاكل. فقد أصبحت بهذا العقد حلالًا له، وقد لا يصبر إلى أن يُعلن دخلوهما، فيحدث ما لا نُحبه وما لا نرضاه.
ومن الآثار المترتبة على هذه الخطبة أنه يجوز للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته؛ لأن هذا النظر مما يحببه ويرغّبه في الزواج منها، وقد قال النبي ﷺ للمغيرة بن شعبة ﵁: ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما))، لكن لا بد أن يعلم هذا الخاطب، وأن تعلم المخطوبة، وأن يعلم الجميع أن هذه الفتاة ما زالت أجنبية عن هذا الخاطب، فهي تُعامل كما تُعامل المرأة الأجنبية. بمعنى: أنه لا يجوز له أن يخلو بها، ولا أن يسافر معها، وأن يخرج معها إلا إذا كان هناك محرم، وإذا حدَّثها حدثها في حدود الضوابط الشرعية التي فيها قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (الأحزاب: ٣٢).
وأن هذه المحادثة وهذا الخروج وهذه الخلوة في وجود المحرم إنما تتمّ إذا كان الخاطب عازمًا على خطبته لا لاهيًا ولا عابثًا، فهذه مسألة شاعت في هذا الزمان في بعض الشباب يُريد المتعة، وأن يحقق رغبة، وليس عازمًا على الزواج.
يبقى في مسألة الزواج أمر على جانب كبير من الأهمية، وهو التعرف على المخطوبة عن طريق الوسائل الحديثة، ومن ذلك مثلًا النظر إلى الصورة
стр. 134
الفوتوغرافية للمخطوبة، يجوز للخاطب أن ينظر للصورة الفوتوغرافية للمخطوبة؛ بشرط أن تكون الصورة لا تُظهر إلا الوجه والكفين؛ لأن هذا سوف يدخل في توجيه النبي ﷺ : ((إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلي ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)).
لكن لا بد أن ننبّه إلى أن هذه الصورة يمكن أن تنتقل إلى عدد كبير من الأشخاص، فالأمر لا يقتصر على الخاطب إنما سوف يرى هذه الصورة أمه وأخته وخالته وعمته وغيرهم من الرجال، وفي هذا -كما ترى- ضررٌ كبير للمخطوبة وأسرتها، وهناك أمر آخر وهو ما يكون محادثة بين المخطوبة وخطيبها، وهذه مسألة لا بد أن نعرف ما فيها من خطر، ولنبتعد عن هذا الخطر، لا بد أن تكون المحادثة جادة، وتؤدِّي إلى المقصود، وأن تكون بعلم وليّ الفتاة، بل وبحضور واحد منهم أثناء المحادثة، ومن الواضح أن المحادثة التي تكون بعيدة عن معرفة الأهل، وعلمهم تجلب الشك والظنون، كما أن الشيطان قد يلعب، وقد يتلاعب بعقول الخاطب ومخطوبته؛ فيؤدّي إلى ما لا تُحمد عقباه، لذلك لا بد أن نكون على بينة من أمرنا.
هذه هي بعض الأمور المتعلقة بالخطبة وما فيها من آداب، وما جاء فيها من هدي رسول الله ﷺ ، فإذا ما تمَّت هذه الخطبة، واقتنع كل من الطرفين بصاحبه، بدأت إجراءات عقد الزواج.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدَا وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 135
الدرس: ٩ عشرة الرجل مع أهله .
стр. 136
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(عِشرة الرجل مع أهله)
المقصود بالعشرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فما هي العشرة في لغتنا العربية حتى نعرف المقصود بعشرة الرجل مع أهله؟:
يقول ابن فارس في معجم (مقاييس اللغة): "العين والشين والراء أصلان صحيحان؛ أحدهما في عدد معلوم، ثم يُحمل عليه غيره، والآخر يدل على مداخلة ومخالطة". والذي يعنينا أيها الأبناء هو الثاني وفيه يقول: "فأما الأصل الآخر الدال على المخالطة والمداخلة فالعشرة والمعاشرة، وعشيرك الذي يعاشرك، وإنما سميت عشيرة الرجل لمعاشرة بعضهم بعضًا، حتى الزوج عشير امرأته.
وجاء في الحديث في ذكر النساء: ((إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير)). ويقال: عاشره معاشرة جميلة. وقال زهير:
لعمرك والخطوب مغيرات ... وفي طول المعاشرة التقالي
ويقول ابن منظور في (لسان العرب): "العشرة: المخالطة، وعشيرة الرجل بنو أبيه الأَدْنَون، والعشير: المعاشر، والعشير: القريب والصديق، وعشير المرأة: زوجها؛ لأنه يعاشرها وتعاشره كالصديق والمصادق.
وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (الحج: ١٣) أي: لبئس المعاشرة".
أما الراغب في مفرداته فيقول: "العشيرة: أهل الرجل الذين يتكثر بهم، أي: يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وذلك أن العشرة هو العدد الكامل. قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ فصار العشيرة اسمًا لكل جماعة من أقارب الرجل الذين يتكثر بهم، وعاشرتُه صرت له كعشرة في المصاهرة. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ والعشير: المعاشر قريبًا كان أو معارف".
стр. 137
إذا نظرنا إلى هذه الأقوال التي ذكرها أئمة اللغة نرى أن العشرة: مخالطة بين أناس، هذه المخالطة تعنى الكثرة، وفي الكثرة قوة، وهذه المخالطة تؤدي إلى التجاذب والتصافي والمودة والمحبة، وهذه حال الأصدقاء والأزواج، بالمخالطة تقاربت المشاعر واختلطت الأحاسيس، مما يجعل كل طرف يحن للآخر إذا غاب عنه، ويشتاق إليه إذا بعد عنه، وبهذه المعاشرة يحيا الناس في أسرهم ومع أهاليهم وفي بيوتهم ومع أزواجهم في مودة ومحبة، ويتحقق للزوجين على وجه الخصوص ما شرع الله الزواج من أجله، وهو السكن والمودة والرحمة.
ولكن هذه المخالطة بكل ما فيها من إحساس بالأنس والاطمئنان والقوة -التي هي من مقتضيات الجماعة- قد تؤدي إلى تعارض المصالح وتنافر الطباع، مما يؤدي إلى التعادي والتناكر. قد رأينا قول زهير:
...................... ... وفي طول المعاشرة التقالي
ولذلك جاءت الآيات والأحاديث وأقوال السلف ترغب في أن تكون المعاشرة بالمعروف؛ لأنها إذا كانت بغير المعروف كانت بلاء شديدًا يجلب الأمراض والهموم، ويؤدي إلى تشريد الأبناء والقضاء على كل أسباب السعادة، كما ترى في البيوت التي يدب فيها دبيب الشقاق والخلاف وتنافر الطباع.
الآيات الواردة في كتاب الله ليس فيها ما يتحدث عن عشرة الرجل مع زوجه إلا ما جاء من قول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ١٩) وما عدا ذلك حديث عن عشيرة الرجل الذين هم أهله، وهذا ما تراه في قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤).
وفي قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ
стр. 138
كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: ٢٤) إلى آخر الآية. وقد وردت أيضًا بمعنى الصاحب الملازم لصاحبه، وهذا قول الله تعالى في المشركين وعبادتهم لأصنامهم: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (الحج: ١٣).
لكنك قد تجد الحديث عن حسن العشرة حين تقرأ الآيات التي تتحدث عن الطلاق فتقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: ٢٢٩). وتقول: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: ٢٣٦، ٢٣٧). ويقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٢٨).
وهكذا نجد هذا التوجيه القرآني في الآيات التي تتحدث عن حضانة الأم لطفلها، وما لها من حقوق في ذلك، وعن المطلقات وما لهن من متعة بالمعروف، وهذه توجيهات تأتي في حالة الطلاق، وأن الواجب أن يتم هذا دون ضرر لأحد الطرفين؛ لتبقى المودة بين الناس وإن انتهت بهذا الطلاق، ونحن كما تعلمون نتناول موضوع العشرة التي تعني أسرة من زوج وزوجة، يعيشان في جو من السعادة والأمان.
ولا يتم ذلك إلا إذا قامت الحياة بينهما على المعروف، بأن يؤدي كل واحد منهما لصاحبه ما يُدْخِل السرور على قلبه، ولا يكون هذا إلا بأن يعرف كل منهما ما عليه من حقوق للآخر، وما بينهما من حقوق مشتركة، فتؤدى هذه الحقوق في إطار من المحبة، وحرص كل منهما أن يؤديها لصاحبه على وجه التمام والكمال.
стр. 139
بداية العشرة الزوجية
وقبل أن نعرف هذه الحقوق علينا أن نتوقف قليلًا لنرى بداية العشرة الزوجية وكيف تتم، إنها تتم بعقد الزواج، وبعد أن تم اقتناع كل طرف بصاحبه، تأتي الخطوة التالية وهي عقد النكاح، وعقد النكاح لا بد أن يكون قائمًا على رضا طرفي العقد.
وهناك عبارات تعرب عن هذا الرضا يسميها الفقهاء بالإيجاب والقبول، بأن يقول ولي الفتاة في حضور شاهدي عدل: زوجتك ابنتي، ويقول الخاطب: قبلت منك زواجها وبهذا يتم العقد، ولا يصلح أن يكون العقد لفترة زمنية محدودة، كما ترى في زواج المتعة وزواج التحليل؛ لأن الغاية من الزواج ليست مجرد الاستمتاع.
وإنما مقصد الزواج استقرار الأسرة وإنجاب الأولاد والمحافظة على النسل، فمن تزوج لفترة من الزمان فزواجه باطل، ومن تزوج امرأة بانت من زوجها ليحللها له فزواجه باطل، فإذا ما تم الزواج وأصبح كل من الزوجين في بيت الزوجية، فلا بد أن يؤدي كل طرف للآخر ما عليه من حقوق، وجماع هذه الحقوق قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: ٢٢٨).
ومن المعروف أن أول هذه الحقوق على الزوج أن يدفع الزوج مهرًا، فقد سمى الله المهر صداقًا، ولعل هذا لأن المهر ليس ثمنًا للمرأة، إنما هو دليل على الرغبة الصادقة في الزواج ودليل تكريم لها، ولذلك رغب الإسلام في عدم المغالاة فيه
стр. 140
حتى لا يكون عقبة في طريق الناس، ليحيوا حياة العفة والطهر بزواج سعيد لا مشقة فيه.
ومن المعروف أن كثيرًا من المشكلات الاجتماعية في عالمنا الإسلامي سببها مغالاة الكثير من الناس في المهور، ومع أن المهر حق واجب على الزوج إلا أن الله سماه نحلة -أي: عطية وهبة وهدية- فقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ وجعل من حق المرأة أن تتنازل عن جزء منه لزوجها فقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (النساء: ٤).
وما دام حقًّا لها فهو دين تطالب بها، ومن حقها ألا تنتقل إلى بيت الزوج حتى يؤدي لها ما تم الاتفاق عليه في مقدم الصداق، والمؤخر منه يبقى في ذمة الزوج تستوفيه في أقرب الأجلين الطلاق أو موت الزوج، فإن طلقها قبل الدخول والخلوة الصحيحة وجب لها نصف المهر إن كان قد سمى مهرًا، وإلا وجبت لها متعة بقدر وسع الزوج ويساره أو عدم يساره.
اقرءوا في هذا قول الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: ٢٣٦، ٢٣٧).
فإذا ما ساق لها مهرها وعقد عليها ودخل بها وجبت عليه النفقة لها، مِن مأكل ومشرب وملبس ومسكن وما إلى ذلك، ما ييسر للناس حياة كريمة بقدر طاقة الزوج. قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: ٧).
стр. 141
كما يجب عليه أن يعدل في النفقة والمبيت إن كانت له زوجة أو زوجات أخريات. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (النساء: ٣). ولا يكلف بما لا يقدر عليه من العدل في الميل القلبي لواحدة منهن. قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ١٢٩).
وبهذا نرد على من فهم أن الإسلام لا يجيز التعدد؛ لأنه اشترط لذلك العدل، ولكنه قال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فنقول لهم: هذا في الميل القلبي، والمطالب به الرجل هو العدل في المبيت والنفقة، وما إلى ذلك مما هو في مقدور كل إنسان، فإذا ما أدى ما افترض الله عليه وجبت عليها طاعته في غير معصية له، فلا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تسافر دون رضاه، ولا تتصرف في ماله إلا بموافقة منه، ولا تدخِل في بيته من لا يرغب فيه.
ولا يعني هذا تسلطًا وتجبرًا وإذلالًا للمرأة وإنقاصًا من كرامتها ومنزلتها ومكانتها، إنما هو نابع من فلسفة الإسلام في القيادة: ((إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)) وربما كان هؤلاء الثلاثة في سفر لأيام معدودات، لكن أمرهم لا ينتظم إلا بأن يكون لهم أمير يأتمرون بأمره، فما بالنا وهذه رفقة الحياة بكل ما فيها، ولَكَم تحتاج إلى من يتولى أمرها، فلمن تكون الإمارة في مملكة البيت؟ لعل النظر الصحيح يقول: الرجل هو الأجدر والأحق بذلك. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
стр. 142
فالتعبير القرآني: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ليس فيه أن الرجال أفضل من النساء، وإنما يشير إلى أن الرجل أفضل من المرأة في جوانب، وهي أفضل منه في جوانب أخرى، فليس في قدرتها إلا بمشقة شديدة أن تقوم بما يقوم به الرجال من أعمال تحتاج إلى جهد ومجالدة وتعب، وليس في قدرة الرجل أن يقوم بما تقوم به المرأة من حمل وإرضاع وسهر وجهد في رعاية الأبناء، وما إلى ذلك مما لا يتحمله الرجال.
فهذه القوامة إذًا مسئولية يقوم بها الرجل بشروطها، مِن العدل والحكمة والمشورة والمودة، وفي النساء بحمد الله كثرة عظيمة لهن حسن الرأي وصدق المشورة، مما جعل أزواجهن يأخذون برأيهن في كل أمر، والمسلمون لا ينسون مشورة أم سلمة أم المؤمنين ﵂ في الحديبية، حين أشارت على رسول الله ﷺ بما أشارت به، فكان في رأيها الخير للمسلمين.
الحقوق المشتركة بين الزوجين
وإذا كانت هذه حقوق كل من الزوجين على الآخر، فإننا لا ننسى أن هناك حقوقًا يشترك فيها الزوجان، ويؤديها كل واحد منهما للآخر، ومن هذه: الحقوق حق الاستمتاع، وثبوت النسب، وحرمة المصاهرة، وحسن المعاشرة، والتوارث، فلكل من الزوجين أن يستمتع بالآخر، وهذا أيضًا من حسن العشرة، ولا يقال بأن هذا حق للزوجة فحسب، وعلى زوجها أن يؤدي لها هذا الحق، بل هو حق عليها لزوجها كذلك.
وهنا نجد كلامًا للأئمة والباحثين في تحديد المدة التي يحق للزوجة التي تطالب فيها بهذا الحق، وهل هي ما زاد على أربعة أشهر أو في كل طهر أو في ليلة من أربع
стр. 143
ليالٍ؟ وأولى الآراء أن ذلك لا ضابط له إلا الابتعاد عن قصد الضرر، وتعمد الحرمان، وعلى الزوج أن يجتهد في إعفاف زوجته بقدر طاقته، كما يسوقون كثيرًا من الأحاديث التي توجب على الزوجة أن تستجيب لزوجها إذا ما دعاها لفراشه على أية حال كانت، وأنها إن أبت لعنتها الملائكة حتى تصبح، ما دام ليس لديها مانع شرعي من حيض أو نفاس أو صيام فرض، أو ما إلى ذلك، وسواء كانت مشغولة بعمل أم لا في ليل أو نهار.
ولكن ثقة التوجيهات النبوية والآيات القرآنية في هذا الأمر، وأن الزواج سكن ومودة ورحمة وعلاقة أبدية في الدنيا والآخرة، ترشدنا إلى ما يجب على الزوج إذا ما رغب في ذلك من التلطف والمداعبة؛ حتى لا يكون لقاء الرجل بامرأته وكأنه حالة اغتصاب وقهر.
وقد قال بذلك أعداء الإسلام في مؤتمراتهم، وطالبوا بالتحرر من قيد الزواج لتكون العلاقة بين الذكر والأنثى بعيدة عن فراش الزوجية، ومن هنا كان البحث في هذه المؤتمرات عن حكم الإجهاض لو حملت المرأة من هذه العلاقة الفاسدة، التي لا يترتب عليها أي حق لطرف منهما على الآخر، وتؤدي إلى خراب الدنيا وفساد أجيالها وهدم بيوتها.
أما في الإسلام فيستطيع كل من الزوجين أن يصل إلى ما يريد من صاحبه بالوسائل التي رسمها ديننا العظيم؛ ليكون لقاء الزوجين متعة وسعادة وأنسًا وودًا وحبًّا، تتوثق به القلوب وتنمو العواطف، وتحل به المشكلات، وينشأ في ظله الأبناء، ويبقى حنين كل منهما للآخر مشبوبًا، لا يؤدي كل منهما لصاحبه ما يؤديه على أنه حق شرعي يريد أن يتخلص منه، فيسلم جسده للآخر لقضاء وطره.
وإنما هناك تعانق الأرواح وتلاقي القلوب، ولحظات الرضا التي تذوب فيها الهموم، وتشفى بها الجروح، وتستقيم بها الحياة، ويشرق دين الإسلام على
стр. 144
أرض الله نورًا يشع في كل مكان وفي كل زمان، ليقول للدنيا بأن هذا هو المنهج الذي هو واحة الإنسانية، وإلا لفح الإنسانية هجير صحراء مجدبة يؤدي بهم إلى الهلاك.
وإذا كان هذا هو الحق الأول المشترك بين الزوجين وهو حق الاستمتاع، فهناك حق ثانٍ وهو ثبوت النسب، إذا ما حملت الزوجة ووضعت حملها نسب هذا المولود لأبيه، فيقال: هذا ولد فلان، كما يقال بأن هذه أُمه، وقد قال رسول الله ﷺ : ((الولد للفراش وللعاهر الحَجَر)) أي: لمن يزنى له الحجر وهو حد الرجم.
ومعناه أن النسب إنما يثبت بعقد النكاح لا بمجرد اتصال رجل بامرأة، فولد الزنا لا نسب له، والزاني والزانية إن كانا محصنين لهما الحجر، أي: الرجم بالحجارة، والمسلمون يحفظون المولود من الزنا، ويقومون بتربيته، ولا يحاسب نفسيًّا ولا اجتماعيًّا، ولا في الدنيا ولا في الآخرة عما كان قد حدث في الحرام، فأدى إلى وجوده في هذه الدنيا، ومَن عيّره بذلك فهو قاذف يقام عليه حد القذف.
أيضًا يثبت بعقد النكاح حق ثالث وهو حرمة المصاهرة، وهذه الحرمة المترتبة على عقد الزواج أو على الدخول بعقد الزواج. والمثال الأول: حرمة أم الزوجة بمجرد العقد على الزوجة. ومثال الثاني: حرمة بنت الزوجة بالدخول بالزوجة، فالقاعدة أن العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات، كما قال تعالى في تحريم من حرم الزواج بهن: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: ٢٣).
стр. 145
ومن ذلك تحريم الزواج من زوجة الابن، وتحريم الجمع بين المرأة وأختها، كما قال تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ٢٣). وقد حرم رسول الله ﷺ الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.
أما الحق الرابع فهو حق التوارث، فكل من الزوجين يرث صاحبه وفق قاعدة الإسلام في الميراث، والتي تقوم على أن الغُرْم بالغُنم، وما دام الإسلام قد حمّل الرجال مسئولية الإنفاق، فإنه بعدله أعطاهم في الميراث غالبًا ضعف ما أعطى النساء. يقول تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: ٢٤).
يبقى لنا الحق الخامس وهو حسن المعاشرة، حسن المعاشرة يعني حسن الخلق مع الوثاق واحتمال الأذى منهن. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ومن المعلوم أن العقد الذي تم بين الزوج وزوجه ميثاق غليظ، كما قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء: ٢١).
وقال في المرأة حين أوصى بالإحسان إلى من أوصى بهن في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ (النساء: ٣٦) قالوا: أن الصاحب بالجنب هي الزوجة.
ولعلنا نذكر أن آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ في مرضه الأخير كان يقول: (((الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، لا تكلفوهم ما لا يطيقون، الله الله في
следующие страницы →