← Адаб

Адаб · id 1032

سرور النفس بمدارك الحواس الخمس

أحمد بن يوسف التيفاشي

Полный текст (444 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كأنما هلالُها ... مِقْبَضُ ترسٍ من ذهب ٢٠٩ - عبد المحسن الصوري (١) : فاسقينها ملأى فقد فضح الليل هلالٌ كأنه فتر زَنْدِ ... والثريا خَفَّاقةٌ بجناح ... الغرب تهوي كأنها رأسُ فهد في أوانِ الشبابِ عاجلني الشيبُ فهذا في أوّلِ الدنِّ درُدي ... ٢١٠ - العسكري (٢) : وكأنَّ الهلالَ مرآةُ تبرٍ ... تنجلي كلَّ ليلة إصبعين ٢١١ - أبو الفرج الوأواء (٣) : وكأنَّ الهلالَ تحت الثريا ... ملكٌ فوقَ رأسِهِ إكليلُ ٢١٢ - السري الموصلي (٤) : ضحكتْ أوجُهُ اللذادة بالقط ... ر ولاحتْ طوالعُ السرَّاءِ وكأنَّ الهلالَ نونُ لجينٍ ... عرِّقَتْ في صحيفةٍ زرقاء ٢١٣ - البحراني في الأمير يوسف بن بكتمر ينظر إلى الهلال: تقابلتما فاستجمع الحسنُ كُلُّهُ ... فمن نَظَرٍ يرنو ومن نظر يُغْضي هلالانِ هذا للظلام يُزيلُهُ ... سناهُ وهذا للمظالمِ في الأرضِ ٢١٤ - دخل عبد الله بن عمر بن غانم قاضي أفريقية على أميرها يزيد بن حاتم (٥) ، فجرى بينهما كلام ذُكِرَ فيه هلال رمضان، فقال ابن غانم: أهللنا هلال رمضان فتشايرناه بالأيدي، فقال يزيد: لحنت يا ابن غانم إنما هو تشاورناه، فقال ابن غانم: تشاورنا من الشورى وتشايرنا من الاشارة بالأيدي، قال: ما هو

стр. 107

كذلك، قال: بيني وبينك أيها الأمير قتيبة النحوي (١) ، وكان إذ ذاك قَدِمَ على يزيد، وهو إمامُ الكوفة، فبعث إليه، وكان في قتيبة غفلة، فقال له يزيد: إذا رأيت (٢) الهلال وأشرتَ إليه وأشار غيرك إليه كيف تقول؟ قال: أقول ربى وربك الله، فقال يزيد: ليس هذا أردنا، فقال ابن غانم: دعني أفهمه من طريق النحو، قال: فلا تلقنه إذاً، فقال له ابن غانم: إذا أَشرت وأشار غيرك وقلت تفاعلنا في الإشارة إليه كيف تقول؟ قال: تشايرنا، وأنشد لكثير عزة (٣) : وقلتُ وفي الاحشاءِ داءٌ مخامرٌ ... ألاحبَّذا ياعزُّ ذاكَ التشايرُ قال يزيد: فأين أنت يا قتيبة من التشاور؟ قال: هيهات أيها الأمير، ليس هذا من عملك، هذا من الإشارة وذاك من الشورى، فضحك يزيد وعرف جفاءَ قتيبة فأعرض عنه واستحيى من ابن غانم. ٢١٥ - صعد الرشيد والاصمعي علية ينظران إلى هلال رمضان، فقال الأصمعي: يا أمير المؤمنين، ما معنى قول هند بنت عتبة (٤) : نحنُ بناتِ طارقْ ... نمشي على النمارقْ فقال أصبت يا أصمعي، فقال: يقول أمير المؤمنين، فقال: الطارق الكوكب، تقول نحن في الأرض مثل ذلك الكوكب الذي في السماء، قال: أصبت يا أمير المؤمنين، فأمر له بعشرة آلاف درهم. ٢١٦ - القاضي أبو عبد الله محمد بن النعمان (٥) : انظرْ إلى حُسْنِ ذا الهلالِ وقد ... مضى لسبع مَضَيْنَ من عُمُرِهْ مثل زنادٍ قد صيغ من ذهبٍ ... يقدح ناراً وهنَّ من شروره ثم تولَّى يريدُ مغربه ... في شَفَقِ الشمس وهي في أَثَره

стр. 108

فخلته غائصاً ببحر دم ... يقذفُ بالرائعات من درره ٢١٧ - ابن المعتز (١) : أهلاً بفطرٍ قد أَنارَ هلالُهُ ... الآن فاغدُ على الشرابِ وبكّرِ وانظر إليه كزورق من فضة ... قد اثقلته حمولة من عنبر ٢١٨ - أبو عاصم البصري (٢) : قارن الزهرة الهلالُ وكانا ... في افتراقِ من غير صدٍّ وهِجْرَه فإذا ما تقاربا قلتَ طَوْقٌ ... من لُجَيْنِ قد عُلِّقَتْ فيه دُرَّه ٢١٩ - شاعر من أفريقيه: كأنما النجم قرطٌ صيغ من ورقٍ ... معلق من هلال الأفق في أذنِ ٢٢٠ - ابن الرومي: وكأن الهلالَ نصفُ سوارٍ ... والثريا كفٌّ تشيرُ إليه ٢٢١ - ولم يقلْ أحد في امتلاء نصفه كما قال ابن المعتز، وهو من نادر التشبيهات الملوكية (٣) : ما ذقتُ طعمَ النوم لو تدري ... (٤) لأن احشائي على جَمْر في قمرٍ مُسْتَرَقٍ نصفُهُ ... كأنه مِحْرَقَةُ (٥) العطر ٢٢٢ - وللقمر من أول ظهوره إلى آخر سراره أسماء الهلال والطالع والرمد ونمير والزبرقان والباهر والزمهرير والغاسق وطويس (٦) وأويس وزرين وذخير والبدر والجلم وعفراء والساهور والسهر والعقيب وابن جمير وقيل ان ابن جمير اسمه إذا استسر، والسلتي، وهو اسمه باليونانية وقد نكلموا به، والقمر وسمير.

стр. 109

٢٢٣ - وقيل في تسميته بدراً قولان: أحدهما أنه اشتق له من كونه يبدر بطلوعه غيبوبة الشمس، وقيل سمي بدراً لكماله وتمامه، وذلك يكون في أربع عشرة ليلة من الشهر، كما قالوا بدرة إذا بلغ المال نهاية العدد من الفضة، وهي عشرة الآف ووزنها من الدنانير؛ وقيل في تسميته أيضاً قمراً قولان: أحدهما أنه اشتق له ذلك من القمرة، وهو بياض تعلوه كُدْرَةٌ، وقيل لأنه يقمر النجوم ضياءها، لأنها لا تُرى في ظهوره وانارته كما ترى في مغيبه ونقصانه، ومن ذلك أخذت العرب القمار لأن لاعبه يتغير فمرة له ومرة عليه. ٢٢٤ - والفخت: ضوء القمر أول ما يظهر وبه سميت الفاختة لشبه لونها بذلك. ٢٢٥ - والعرب تسمي الشمس والقمر القمرين، فيغلبون القمر - والشمس أفضل منه - لعلّتين: احداهما التذكير والأخرى انهم أنسوا بالقمر لأنهم يجلسون فيه للسمر، ويهديهم السبل في سرى الليل في السفر، ويزيل عنهم وحشة الغاسق، وينم على المؤذي والطارق؛ وذلك كما قالوا في دولتي أبي بكر وعمر ﵄، فإنهم قالوا: دولتا العمرين فغلبوا اسم عمر ﵁، وإن كان أبو بكر ﵁ أفصل، والسبب في ذلك طول مدة دولة عمر ﵁، وكثرة الفتوحات فيها وما تمهد فيها من قواعد الاسلام. ٢٢٦ - وقيل لأعرابي (١) الشمس أحسن أم القمر؟ فقال: القمر أحسن، والشمس أجهر، قيل: وكيف صار القمر أحسن، قال لأن العيون عليه أجسر. ٢٢٧ - وتقول العرب (٢) في ليالى القمر: سافروا في يمنة الليالي فإن انس القمر يذهب وحشة السفر. ٢٢٨ - ونام اعرابي (٣) عن جمله ففقده فلما طلع القمر وجده فرفع رأسه

стр. 110

إلى السماء وقال: اشهد أنك أعليته، وجعلت السماء بيته، ثم نظر إلى القمر وقال: ان الله صورك ونورك، وعلى البروج دورك، وإذا أراد كورك، وإن أهديت إلى قلبى سروراً، لقد أهدى الله إليك نوراً. ٢٢٩ - وأضلَّ أعرابي ناقته فطلبها أول الليل فلم يجدها، فلما طلع القمر رآها إلى جنب ربوة، فرفع رأسه إلى القمر وأنشد (١) : ماذا أقول وقولي فيك ذو (٢) حَصَرٍ ... وقد كفيتني التفصيلَ والجملا إنْ قلتُ لا زلتَ مرفوعاً (٣) فأنت كذا ... أو قلتُ زانكَ ربّي فهو قد فعلا ٢٣٠ - والعرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم فيقولون: ثلاث غرر، وثلاث نفل، وثلاث تسع، وثلاث عشر، وثلاث بيض، وثلاث درع، وثلاث ظلم، وثلاث حنادس، وثلاث دآدي، وثلاث محاق. والعرب تسمي كل ليلة من لياليه باسم. ٢٣١ - شاعر في ليلة مقمرة: وليلةٍ فضيةِ الأديم ... شعارها أردية النعيمِ صدعتُ فيها كبدَ الهمومِ ... بين رضابَيْ قهوةٍ وريم ٢٣٢ - شاعر: شربنا على النيلِ في ليلةٍ ... بدائعُ أنوارها مُعْجِبَهْ مفضّضةَ اللونِ من قهوة ... مذهبة للأَسى مُذْهِبَه وقد أشرق البدرُ في شرقه ... وغرَّبَ لما أتى مغربه وقد صاغ إذ ذاك من نوره ... على الليل منطقةً مذهبة ٢٣٣ - الموسوي (٤) : يا مَنْ كَغُرَّتِهِ الهلالُ أما ترى ... بدو الهلال وقد بدا في المشرقِ كظريفةٍ نظرتْ إلى عشاقها ... فتنقبتْ خجلاً بكمٍّ أزرق

стр. 111

٢٣٤ - شاعر: وَمُقَرْطَقٍ يسعى إلى الندماءِ ... بعقيقةٍ في دُرَّةٍ بيضاءِ والبدرُ في أفق السماءِ كدرهم ... مُلْقىً على ديباجةٍ زرقاء ٢٣٥ - عبد الله الموصلي الكاتب: كشف البدرُ وجهه لتمامٍ ... فوجوهُ النجومِ مستتراتُ فكأنَّ البدرَ التمامَ عروسٌ ... وكأن النجومَ منتقبات ٢٣٦ - آخر (١) : والبدر في المرآة كاللالآءِ ... حَسَرَ الدجى أَذيالهُ عن ذَيلِهِ كأنه في كبد السماء ... حديقةٌ فيها غديرُ ماء ٢٣٧ - ابن المعتز (٢) : قمرٌ بدا لك مشرقاً في ليله ... حَسَرَ الدجى أَذيالهُ عن ذَيلِهِ خُلِعَتْ على الآفاق من أنواره ... خِلَعَ البياضِ فأَومضت في ليله وإذا تقدَّمَ في النجوم حسبتَهُ ... ملكاً تسير مواكبٌ من حوله ٢٣٨ - السلامي (٣) : َنبَّهْتُ نَدْماني وقد ... عَبَرَتْ بنا الشِّعْرى العبورُ والبدرُ في أفق السما ... ءِ كروضةٍ فيها غدير ٢٣٩ - الوأواء الدمشقي (٤) : ولربِّ ليلٍ فيك ضلَّ صباحُهُ ... فكأنما هو حيرةُ المتفكّرِ والبدرُ أولُ ما بدا متلثماً ... يبدي الضياء لنا بخدٍّ مسفر فكأنما هو خوذةٌ من فضَّةٍ ... قد ركِّبت في هامةٍ من عنبر ٢٤٠ - الشريف ابن دفتر خوان:

стр. 112

أقولُ لذا القمرِ الأَسحم ال ... مشفِّ من الشمس يمتارُ نورا سوادُكَ من حيثُ تمسي هلالاً ... إلى حيث تكملُ بدراً منيراً نقابٌ لتركيةٍ أسودٌ ... تنزّلُ منه يسيراً يسيرا ٢٤١ - الشريف العقيلي (١) : لا تسمعنَّ إلى العذولِ وسقّني ... مشمولةً من خمرة الباذينجِ أو ما ترى زُهْرَ النجوم كجوهرٍ ... نثرته غانيةٌ على فيروزج والبدرُ في (٢) كبدِ السماءِ كوردةٍ ... بيضاءَ تضحكُ في رياضِ بنفسج ٢٤٢ - وله أيضاً (٣) : شربنا على ثوبِ السماء المنيّر ... عُقاراً لها في الكأس أَبهجُ مَنْظَرِ وقد برز البدرُ المنيرُ ووجهُهُ ... كجامِ لجينٍ فيه آثار عنبر ٢٤٣ - ابن المعتز في البدر مع الشمس (٤) : يا ليلةً ما كان أَط ... يبها سوى قِصَرِ البقاء أَحْيَيْتُهَا وأَمَتُّها ... وطويْتُها طيَّ الرداء حتى رأيتُ الشمسَ تت ... لو البدر في أُفُقِ السماء فكأنها وكأنه ... قَدَحان من خمرٍ وماءِ ٢٤٤ - سهل بن المرزبان (٥) : كم ليلةٍ أحييتها ومؤانسي ... طرف الحديث وطيبُ حثِّ الأكؤسِ شبهتُ بدر سمائها لما دنتْ ... (٦) منه الثريا في ملاءة سندسِ ملكاً مهيباً قاعداً في روضةٍ ... حيَّاهُ بعضُ الزائرينَ بنرجس ٢٤٥ - ابن المعتز (٧) :

стр. 113

يا خليليَّ اسقياني ... قهوةً ذاتَ حميا ان يكنْ رشداً فرشدا ... أو يكنْ غيّاً فغيا قد تولَّى الليل عنَّا ... وطواهُ الصبحُ (١) طيا وكأن (٢) البدر لما ... لاحَ من تحت الثريا ملكٌ أقبلَ في التا ... جِ (٣) يفدَّى ويحيا ٢٤٦ - الشريف الموسوي في القمر تحت الشعاع: خُذْ صفاتِ البدر المنير إذا ما ... قارنَ الشمسَ في احتراقٍ وَشَيْنٍ صار تحت الشعاع سراً ففيه الن ... ور منها في عَرْضِ أنملتين مثلَ ياقوتةٍ بكفِّ فتاةٍ ... تحتها نصفُ حَلْقَةٍ من لجين ٢٤٧ - نظر شرف الدين (٤) ابن الوزير عون الدين ليلة إلى القمر يدخل تحت السحاب تارة وينكشف تارة، فقال لمن حضر من الادباء: ليقلْ كلّ منكم في ذلك شعراً، فقال الأديب مفلح: كأنما البدرُ حين يبدو ... لنا ويستحجبُ السَّحابا خريدةٌ من بني هلالٍ ... لاثتْ على وجهها نقابا وقال ابن عون الدين: إذا تطلع هذا البدر (٥) من فرجٍ ... من السحاب وغارتْ حوله الشُّهُبُ تخاله في رقيقٍ (٦) من ملاءته ... خرقاءَ تَسْفِرُ أحياناً وتنتقب وقال الأكرم من بني هبيرة: وكأنَّ هذا البدر حيث تظلّهُ ... سُحُبٌ فيخفى تارةً ويؤوبُ حسناءُ تبدو من خلالِ سجوفها ... طوراً وننطر نحوها فتغيب

стр. 114

٢٤٨ - شرب عبد الملك (١) بن إدريس مع المنصور أبي عامر، والبدر يظهر تارة ويخفى بالسحاب تارة، فقال: أرى بدرَ السماء يلوح حيناً ... فيبدو ثم يلتحفُ السحابا وذاك لأنه لما تبدَّى ... وأبصرَ وجهك استحيا وغابا ٢٤٩ - أبو طاهر إسماعيل بن عمر في غلام مليحٍ بارد الحركات: وممنّع كالظبي في الفلوات ... لكنه مُسْتَبْرَدُ الحركاتِ فكأنه قمرُ الشتاءِ وقد بدتْ ... أنوارُهُ في أبردِ الأوقات ٢٥٠ - شاعر: هذا هلالُ الأُفقِ يشرقُ ضاحكاً ... يحكيكَ في نور وحُسْنِ بهاءِ فكأنه طوقٌ من الذهب ابتدا ... في جيدِ لابسٍ حُلَّةٍ زرقاء ٢٥١ - سعيد المرزباني في محاق القمر: والبدر في كبدِ السماء قد انطوى ... طرفاه حتى عاد مثلَ الزورق تشراه من تحت المحاق كأنما ... غرقَ الجميعُ وبعضه لم يغرق ٢٥٢ - آخر في محاق الشهر (٢) : لقد سرني أنَّ الهلالَ غُدَيَّةً ... بدا وهو محقورُ الخيالِ دقيقُ طواه مرورُ الشهرِ حتى كأنه ... عنانٌ لواه باليدين رفيق وإني بشهرِ الصومِ ما عشتُ شامتٌ ... وإنك يا شوالُ لي لصديقُ ٢٥٣ - ابن الرومي (٣) : شهرُ الصيام مباركٌ لكنَّه ... جُعلَتْ لنا بركاته في طُولِهِ إني ليعجبني كمالُ هلالِهِ ... وَأُسَرّ بعدَ كماله بنحوله

стр. 115

٢٥٤ - شاعر: اسقني الكاسَ يا نديمي فقد عا ... د بُعَيْدَ الصيام عهدُ الوصالِ ما رأينا الهلالَ حتى رأينا ... كلَّ شخص منا شبيهَ الهلال ٢٥٥ - طلع الملك المعظم ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب إلى مئذنة جامع دمشق لرؤية هلال شوال، ومعه القاضي والعدول، فغابت الشمس ولم ير الهلال، ثم رآه مملوك كان حظياً عند الملك المعظم، فقال الملك المعظم لجبريل بن شكر المصري الشاعر المعروف بابن القصار، قل شيئا في ذلك، فقال: توارى هلالُ الأُفْقِ عن أعينِ الورى ... وغطَّى بستر الغيم زهواً محياه فلما أتاة لاجتلاءٍ خليلُهُ ... تبدَّى له دونَ الأنامِ وحياه ٢٥٦ - شاعر: تجلَّى علينا هلالُ الصيام ... بنحسٍ على الكاس والبربطِ وكان نشيطاً فلما رآ ... هـ هم بهمٍّ فلم ينشط فأعرضَ عنه كما أعرَضتْ ... فتاةٌ عن الحاجب الأشمط ٢٥٧ - أبو سعد ابن نصير في خسوف القمر: كأنما البدر به الكسوف ... جامُ لجينٍ أبيضٌ نظيفُ في نصفه بنفسجٌ قطيف (١) ... ٢٥٨ - آخر: انظر إلى البدر في حال الكسوفِ بدا ... مستسلماً لقضاءِ الله والقَدَرِ كأنه وجهُ معشوقٍ أدلَّ على ... عشاقه فابتلاه الله بالشعر ٢٥٩ - آخر (٢) : والبدرُ كالمرآةِ غيَّرَ صَقْلَها ... عَبَثُ العذارى فيه بالأنفاس والليلُ ملتبسٌ بضوءِ صباحه ... مثلَ التباسِ النقْسِ بالقرطاس ٢٦٠ - والعرب تقول في ذم الهلال إذا رأته: لا مرحباً بحجين، مُحِلّ الدَّيْنِ،

стр. 116

ومقرّبِ الحين. قالوا: وفي القمر عيوب عدة، لونه لون الابرص، ووجهه وجه المجذوم، يحلّ الدين ويعجل كراء السكن، وينهك الابدان، ويخلق الكتان، وينمُّ على العاشق، ويفضح السارق. ٢٦١ - ابن المعتز (١) : يا سارقَ الأنوارِ من شمس الضحى ... يا مُثكلِي طيبَ الكرى ومنغّصي أمّا ضياءُ الشمس فيك فناقصٌ ... وأرى حرارةَ حرِّها لم تنقص لم يظفر التشبيهُ منك بطائل ... متسلخ بَهَقاً كجلدِ الابرص ٢٦٢ - على بن سعيد: لَبَذْلُ وجهي إلى لئيمٍ ... أَمَرُّ من وقفةِ الوداعِ فالبدرُ في وجههِ كدوحٌ ... حين اجتدى الشمسَ في الشعاع ٢٦٣ - ابن إلرومي (٢) : ربِّ عِرضَ مُنزَّهٍ عن قبيحٍ ... دنَّسَتْهُ تعرُّضاتُ الهجاءِ لو أراد الأديبُ أن يَهْجُوَ البدرَ رماه بالخطّةِ الشنعاء ... قال يا بدرُ انت تغدرُ بالساري وتغري (٣) بزورةِ الحسناء ... كلفٌ في اديمِ (٤) وجهك يحكي ... نَمَشاً (٥) فوقَ وجنةٍ برصاء يعتريك النقصانُ (٦) ثم يخلّيكَ شبيه القُلامةِ الحنفاء (٧) ... ويليك السرار (٨) في آخر الشهر فيمحوك من أديمِ السماء ...

стр. 117

إذا البدرُ نيلَ بالهجو فليخشَ أولو الفضل (١) ألسنَ الشعراء ... ما بقدر (٢) المديح بل خيفةَ الهجوِ أَخذنا جوائزَ الخلفاء ... ٢٦٤ - ابن طباطبا في ليلة مقمرة: وليلةٍ مثل يومٍ شَمْسُهَا قَمَرٌ ... بدت بدوَّ الضحى ظلاً وآلاءَ يا حُسْنَها ليلةً عاد النهار بها ... أنساً وطيباً وإشراقاً ولألاء

стр. 118

الباب الخامس في انشقاق الفجر ورقة نسيم السحر وتغريد الطير في الشجر وصياح الديك وإيذانه بالصباح ٢٦٥ - الفجر أول ضوء تراه من الصباح ويقال له ابن ذكاء، وذكاء من أسماء الشمس؛ قال الراجز (١) : وردُتهُ قبلَ انبلاجِ الفجرِ ... وابنُ ذكاءٍ كامنٌ في كَفْرِ والكفر ما غطاه، يعني به الليل، والفجر مأخوذ من انفجار الماء، لأنه ينفجر كالماء شيئاً بعد شيء، وهما فجران: الأول منهما ذَنَبُ السرحان تشبيها له بذلك وهو الذي لا يحرم الطعام على الصائم، ويسمى الفجر الكاذب، لأنه يلوح ثم يخفى؛ والثاني هو الفجر الصادق وهو الذي يحرم الطعام على الصائم. ٢٦٦ - والذي يلي الفجر من الليل هو السحر، يقال: أتيته بسحرٍ وبسحرة، وبالسحر الأعلى لآخر السحر، وسحيراً لأوله. ٢٦٧ - والسدفة: ظلمة يخالطها ضوء يكون من أول الليل ومن آخره يذهب إلى بقايا الشفق، لأن الشفق في أول الليل كالفجر في آخره. ٢٦٨ - ويقال انبلج الصبح انبلاجاً فهو أبلج، وتبلج يتبلج، وساح يسيح، وانساح ينساح انسياحاً، وانفسح ينفسح، وانصاح ينصاح انصياخاً، - كل ذلك إذا اتسع وانبسط - وتنفس يتنفس، وفي التزيل العزيز (والصبح إذا تنفّس) وصاح يصيح إذا علا وظهر؛ قال الفرزدق: والشيبُ ينهض في الشباب كأنه ... ليلٌ يصيح بجانبيه نهارُ

стр. 119

لما علا وظهر شبهه بالصائح الذي دل على نفسه بصياحه. فإذا علا بعد ذلك بشيء فعرفت المارَّ وإن كان منك بعيداً قلت: أسفر الصبح. ٢٦٩ - وفي التنزيل العزيز: (حتّى يَتَبيَّنَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفجر) والعرب تشبه رقة البياض البادي من الفجر أولاً ورقة السواد الحافّ به بخيطين أبيض وأسود على جهة الاستعارة والتمثيل. قال أبو دواد: فلما بَصُرْنَ به غُدْوَةً ... ولاح من الفجرِ خيطٌ أَنارا والكتاب العزيز نزل على ما تفهمه العرب في لغتها وتألفه في عرفها. ونزل " الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود "، ولم يكن فيها " من الفجر " ومضى على ذلك عام. فجاء عدي بن حاتم (١) إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني جعلتُ تحت وسادتي عقالين أبيض وأسود أعرف الليل والنهار، فقال له رسول الله ﷺ : إنما هو سواد الليل وبياض النهار. فاستدل الفقهاء بهذا القول على أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وعلى ذلك العمل في الصوم والصلاة والإيمان وغير ذلك من جميع ما يناط به حكم شرعي. وأما على ظاهر اللغة فاختلف فيه. فروى أبو حنيفة الدينوري في " كتاب الأنواء " أن النهار محسوب من طلوع الشمس إلى غروبها، والليل من غروب الشمس إلى طلوعها، ولا يعد شيء قبل طلوعها من النهار ولا شيء فبل غروبها من الليل؛ وقال الزجاج في " كتاب الأنواء " أيضاً: أول النهار ذرورُ الشمس. ومن أهل اللغة من جعل وقت النهار من الإسفار إذا اتسع الضوء وانبسط وهو موافق لمن قال بالذرور. واعتبر في ذلك التسمية اللفظية وقال: النهار مأخوذ من اتساع الضوء واتضاح نوره، وأ نشد (٢) : ملكتُ بها كفي فأَنْهَرتُ فَتْقَهَا ... يرى قائماً من دونها ماوراءَهَا والحكم عند عامة الفقهاء في النهار ما ورد في الحديث وهو: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأما تحديد تبيين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر،

стр. 120

وهو الذي بسببه تجب الأعمال، فقد اختلف فيه ووقع العمل على أنه الفجر المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة. فبطلوع أوله في الأفق يجب الإمساك عن الأكل للصيام. لما خرجه مسلم في صحيحه (١) أنه ﷺ قال: ليس الفجر الذي يقول هكذا وهكذا - وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض - ولكن الذي يقول هكذا - ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه. وروي عن أبن عباس وغيره أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال. وعن علي ﵇ أنه صلّى بالناس الصبح وقال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. وإنما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هم في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس، لأن آخره غروبها فكذلك أوله طلوعها؛ وذكر عن الخليل بن أحمد أن النهار من طلوع الفجر، واستدل بقوله (وأقم الصلاة طرفي النهار) وهذا من أهل اللغة موافق للحديث ومن أكل وهو يشكّ في طلوع الفجر فعليه عند مالك القضاء. ٢٧٠ - ومما نقل من كتاب " ديوان المعاني " للعسكري (٢) : من أجود ما قيل في الصباح، قال الأصمعي: نزلت بقوم من غنيّ قد جاوروا قبائل العرب من بني صعصعة. فحضرت ناديهم وشيخ طويل الصمت عالم بالشعر، يأتونه الناس من كل ناحية ينشدونه أشعارهم، فإذا سمع الشعر الجيد قرع الأرض بمحجنه فينفذ حكمه على من حضر منهم. بشاةٍ إن كان ذا غنم، أو ابنِ مخاض إن كان ذا إبل، فتذبح أو تنحر لأهل النادي، قال: فحضرته يوماً وأنشده بعضهم يصف ليلاً: كأنّ شميطَ الصبح في أخرياته ... ملاءٌ يُنَقَّى من طيالسةٍ خُضْرِ تخالُ بقاياه التي أَسْأَرَ الدجى ... تمدّ وشيعاً فوق أرديةِ الفجر فقام الشيخ كالمجنون مصلتاً سيفه حتى خالط البرك، فجعل يضرب يميناً وشمالاً ويقول: لا تفرغنْ في أذنيَّ بعدها ... ما يستفزّ فأريكَ فقدها إني إذا السيف تولى مدَّها ... لا أستطيع بعد ذاك ردَّها

стр. 121

قال العسكري: وهذا دليل على أن علم الشعر وتمييز جيده من رديئه عزيز عند أهل البوادي، وهم أصوله ومعدنه، واستفزاز هذا الشعر لهذا الشيخ قريب مما روي عن الأمين: " إني لأطرب على جيّد الشعر كما أطرب على حسن الغناء ". ٢٧١ - قال (١) : ومن غريب ما قيل في الصبح قول ذي الرمة: وقد لاح للسّاري الذي كمَّل السُّرى ... على أُخرياتِ الليل فَتْقٌ مُشْهَّرُ كلونِ الحصانِ الأنبطِ البطنِ قائماً ... تمايل عنه الجُلُّ واللونُ أشقر الانبط: الأبيض البطن، شبه بياضَ الصبح تحت حمرته ببياض بطن الفرس الأشقر؛ اخذه ابن المعتز فقال (٢) : وما راعنا إلا الصباحُ كأنَّهُ ... جلالُ قباطيٍ على فَرَسٍ وَرْدٍ (٣) ٢٧٢ - ولغيره (٤) : بدا والصبحُ تحت الليلِ بادٍ ... كمهرٍ أشقرٍ مُرْخى الجلالِ ٢٧٣ - ومن أغرب ما قيل فيه قول ابن المعتز (٥) : وقد رفع الفجرُ الظلامَ كأنه ... ظليمٌ على بَيْضٍ تكشَّفَ جانبه ٢٧٤ - وله (٦) : قد أغتدي والليل في جلبابِهْ ... كالحبشيِّ فرَّ من أصحابه والصبحُ قد كشَّرَ عن أنيابه ... كأنما يضحكُ من ذهابه ٢٧٥ - ولأبي هلال (٧) :

стр. 122

باكرتها والخيرُ في بكوري ... والصبحُ بالليلِ مَلُوثُ النور كما خَلَطْتَ المسكَ بالكافور ... ٢٧٦ - وله: وقد باشر الليلُ النهارَ كأنه ... بقيةُ كحلٍ في حماليق أزرقِ ٢٧٧ - وله: إلى أن طوينا الليلَ الا بقيةً ... يزلُّ ضياءُ الشمسِ عنها فيزلقُ وجلَّلَ وجهَ الشرق بُرْدٌ ممسَّكٌ ... وقابله للغرب بُرْدٌ مُمَشَّقُ فلاح لنا من مشرق الشمس مغربٌ ... وبان لنا من مغربِ الشمسِ مشرق ومدَّ علينا الليلُ ثوباً منمقاً ... وأشعلَ فيه الفجر فهو يحرق وصبَّحنا صبحٌ كأن ضياءَهُ ... تعلَّم منا كيف يَبْهى وَيُشْرِق ٢٧٨ - ابن المعتز (١) : والليل قد رقَّ وأصغى نجمُهُ ... واستوفز الصبحُ ولما يَنْتَصِبْ معترضاً بفجره في ليله ... كفرسٍ دهماءَ بيضاء اللبب ٢٧٩ - العلويّ الأصبهاني: إلى أن تجلّى الصبحُ من خلل الدجى ... كما انخرط السيفُ اليماني من الغمدِ ٢٨٠ - ابن المعتز في النجم يبدو في حمرة الفجر (٢) : قد أغتدي على الجياد الضمَّرِ ... والصبحُ قد أسفرَ أو لم يسفر حتى بدا في ثوبهِ المعصفر ... ونجمه مثلُ السراج الأزهر كأنه غُرَّةُ مُهْرٍ أشقر ... ٢٨١ - الشمردل بن شريك (٣) :

стр. 123

ولاح ضوءُ الصبحِ فاستبينا ... كما رأيتَ المفرِقَ الدَّهينا ٢٨٢ - التنوخي (١) : أسامرُهُ والليلُ أسودُ أزرقٌ ... إلى أن جلا الإصباحُ عن أشقرٍ وَرْدِ تبسَّمَ محمراً خلالَ سواده ... تَبَسُّمَ وردِ الخدِّ في الصُّدُغِ الجعد ٢٨٣ - ابن المعتز في الشفق (٢) : ساروا وقد خضعت شمس الأصيل لهم ... حتى توقد في جنح الدجى الشفق ٢٨٤ - وله في الصبح (٣) : والصبحُ يتلو المشتري فكأنَّهُ ... عريانُ يمشي في الدجى بسراجِ ٢٨٥ - الصنوبري (٤) : وليلةٍ كالرفْرَفِ المُعْلَم ... محفوفةِ الظلماءِ بالأنجمِ تعلَّقَ الفجرُ بأرجائها ... تعَلُّقَ الأشقرِ بالأدهم ٢٨٦ - ابن المعتز (٥) : لما تفرَّى أُفُقُ الضياءِ ... مثلَ ابتسامِ الشفةِ اللمياءِ ٢٨٧ - التنوخي (٦) : كأنَّ سوادَ الليلِ، والفجرُ ضاحكٌ ... يلوحُ ويخفى، أسودٌ يتبسَّمُ ٢٨٨ - شاعر: والفجرُ في روض الدجى جَدْولٌ ... ساحَ ليسقي زَهَرَ الأنجمِ

стр. 124

٢٨٩ - ابن بابك: كَمْ صَحِبنا الظلامَ وهو غلامٌ ... قد تبدَّى عذارُهُ المختَطُّ وسحبنا ذيولَهُ وكأنّ الصبح جَيْبٌ على الظلام يُعَطّ ... ادرعناه والثريَّا وشاحٌ ... وخلعنا سوادَهُ وهيَ قُرْطٌ ٢٩٠ - السري الموصلي (١) : انظر إلى الليلِ كيف يَصْدَعُهُ ... رايةُ صبحٍ مبيضّةُ العَذَبِ كراهبٍ حنَّ للهوى طرباً ... فشقَّ جلبابَهُ من الطرب ٢٩١ - شاعر من أفريقية: وكأنما الصبح المطلُّ على الدجى ... ونجومُهُ المتأخراتُ تقوضا نهرٌ تعرَّضَ في السماء وحوله ... أشجارُ وردٍ قد تفتَّحَ أبيضا ٢٩٢ - الأمير تميم (٢) : شربنا على نَوْحِ المطوقةِ الورقِ ... وأرديهِ الروضِ المفوَّفَةِ البُلْقِ معتقةً أفنى الزمانُ وجودَهَا ... فجاءت كَفَوْتِ اللحظ أو رقَّةِ العشق كأنَّ السحابَ الغُرَّ أصبحنَ أكؤساً ... لنا وكأنَّ الراحَ فيها سنا البرق فبتنا نحثُّ الكاسَ (٣) فينا وإننا ... لنشربها بالحثِّ صرفاً ونستسقي إلى أن رأيت النجم وهو مغرّبٌ ... وأقبلَ راياتُ الصباح من الشرق كأنَّ سوادَ الليلِ (٤) والفجرُ طالعٌ ... بقيةُ لَطْخِ (٥) الكحلِ في الأعينِ الزرق ٢٩٣ - الأرَّجاني (٦) : والليلُ سيف الفجرِ في فَرْقِهِ ... يقتلُهُ والديكُ ينعاهُ

стр. 125

٢٩٤ - أبو العلاء المعري (١) : تخيَّلَتِ الصباحَ مَعينَ ماءٍ ... فما صَدَقتْ ولا كَذَبَ العيانُ فكاد الفجرُ تَشْرَبُهُ المطايا ... وَتُمْلأُ منه أَسقيةٌ شنَان ٢٩٥ - ظافر الحداد (٢) : وصبيحةٍ باكرتُها في فتيةٍ ... أَضحَوْا لكلِّ نفيسةٍ كالأنسِ والليلُ قد ولَّى بعبسةِ راحلٍ ... والصبحُ قد وافى ببشرِ مُعَرِّس والفجرُ قد أخفى النجومَ كأنه ... سيلٌ يفيضُ على حديقةِ نرجس ٢٩٦ - شرف الدين التيفاشي المصنف: نَبِّهْ نديمَكَ إن الديكَ قد صخبا ... والليلُ قَوَّضَ من تخييمه الطُّنبا والفجرُ في كبدِ الليلِ السقيم حكى ... سرَّ المتيم عن أجفانه غلبا كأنه بظلام الليلِ ممتزجاً ... سمراءُ تفترُّ أبدتْ مبسماً شَنِبَا كأنما الفجرُ زندٌ قادحٌ شرراً ... في فحمة الليل لاقى الفحمَ والتهبا كأن أولَ فجرٍ فارسٌ حُمِلَتْ ... راياتُهُ البيضُ في إِثر الدجى فكبا كأن ثانيَ فجرٍ غرةٌ وضحتْ ... تسيلُ في وجهِ طِرْفٍ أدهمٍ وثبا ٢٩٧ - أبو علي ابن رشيق (٣) : كأنما الصبحُ الذي تَفَرَّى ... ضمَّ إلى الشرقِ النجومَ الزهرا فاختلطتْ فيه فصارتْ فجرا ... ٢٩٨ - شاعر من العرب وأبدع فيه: فأَدْبَرَ الليلُ مشمطّاً ذوائبه ... وأقبلَ الصبح موشيًّا أكارعُهُ جعل ذوائب الليل شمطاً ممازجة الصبح، وجعل أكارع الصبح موشيّة من ممازجة الليل، وجعل أخذ الليل من آخره وهو المتصل بأول الصبح، وأخْذَ الصبح من مقادمه وهو المتصل بآخر الليل، وأصاب في التشبيه كأنه أومأ إلى الصبح فجعله كالثور

стр. 126

الوحشي، والثيران الوحشية كلها بيض وأكارعها خاضبة موشية. وهو معنى لم يقع لغيره. ٢٩٩ - عبد الله بن محمد الازدي (١) : يا ربّ كاسِ مدامةٍ باكرتُهَا ... والصبحُ يرشحُ من جبينِ المشرقِ والليلُ يعثرُ بالكواكبِ كلّما ... طردته راياتُ الصباحِ المشرقِ ٣٠٠ - ابن المعتز (٢) : يا ربَّ ليلٍ سحرٌ كلُّهُ ... مفتضَحُ البدرِ عليلُ النسيمْ تلتقط الأنفاسُ بردَ النَّدى ... فيه فتهديه لحرِّ السموم أخذه من أبي تمام (٣) : أيّامُنَا مصقولةٌ أطرافُهَا ... بكَ والليالي كلُّها أسحارُ ٣٠١ - ابن الرومي (٤) : كأنَّ نسيمها أرجُ الخزامى ... ولاها بعد وسميٍّ وليُّ بقيةُ شمألٍ هبَّتْ بليلٍ ... لأفنانِ الغصونِ بها نجيّ إذا أنفاسها نسمتْ سُحَيْراً ... تنفَّسَ كالشجيِّ بها الخليّ ٣٠٢ - شاعر: والفجرُ كالسيف الخفيّ الرونقِ ... أو بدءِ شيبٍ في سوادِ مَفْرِقِ والديكُ قد صاح بهذا (٥) المشرق ... في سَدَفٍ مثلِ الرداءِ المخلق حتى بدا في ثوبه الممزَّق ... كالكسرويّ بارزاً في يلمق قاطع زِرَّيْ طوقِهِ المشقَّق ... أو ثمد من باردٍ مصفّق

стр. 127

صافٍ شعاعيِّ السنا معتق (١) ... في قريات بابلٍ أو جلق ٣٠٣ - شاعر من أفريقية: وكم ليلةٍ هانتْ عليَّ ذنوبها ... بما بات يرويني من الريقِ والخمرِ أقبّلُ منه الوردَ في غير حينه ... وألثمُ بدرَ التمِّ في غَيْبَةِ البدر إلى أن بدا نورُ التبلّجِ في الدجى ... كنورِ جبينٍ لاح في ظلمة الشعر ٣٠٤ - ابن الرومي (٢) : حيَّتك عنا شمالٌ طاف رَيّقُها ... بجنةٍ فَحَوَتْ رَوْحاً وريحانا هبَّتْ سُحَيراً فناجى الغصنُ صاحبهُ ... سرّاً بها وتداعى الطيرُ إعلانا ورقٌ تغني على غُصْنٍ تهدِّلهُ ... يسمو بها وتمسُّ الأرضَ أحيانا تخال طائرها نشوانَ من طربٍ ... والغصنَ من هزّهِ عِطْفَيْهِ سكرانا ٣٠٥ - شاعر: جنَّةٌ من قَرْقَفٍ جَدْوَلُهَا ... وهديرُ الوُرْقِ منها في ارتفاعِ لا تلمْ أغصانها إن سكرتْ ... فهي ما بين شرابٍ وسماع ٣٠٦ - آخر: زارنا سحرةً نسيمٌ عليلٌ ... مبطئُ الخطوِ طيِّبُ الأنفاسِ فكأن السرى على البعدِ أعيا ... هُ وفي جفنه بقايا النعاس ثملٌ من سلافةِ الطلِّ في الزهر وناهيك حُسْنُها من كاس ... ٣٠٧ - ابن الرومي (٣) : وأنفاسٍ كأنفاسِ الخزامى ... قُبَيْلَ الصبحَ بلَّلها السماءُ تنفّسَ نشرها سحراً فجاءتْ ... به سحرية المسرى رُخَاء

стр. 128

٣٠٨ - وفي الخبر أنه ﷺ كان يعجبه أن ينظر إلى الخضرة وإلى الحمام الأحمر؛ وفي حديث آخر: كان يعجبه النظر إلى الأترجّ وإلى الحمام والطير. والطير جماعة مؤنثة واحدها طائر. وجمع الطائر أطيار وطيور، وقيل جمع الطائر طوائر كفارس وفوارس. وجاء تذكير الطير وهو قليل والتأنيث أكثر وأفصح، وجاء في التنزيل العزيز (والطير محشورة) (والطير صافات) وأما في التذكير فعلى قول الشاعر (١) : لقد تركت فؤداك مستجنا ... مطوقةٌ على فَنَنٍ تغنَّى يميل بها ويرفعها بلحنٍ ... إذا ما عنّض للمحزون أنّا فلا يحزنكَ أيامٌ تولَّى ... تذكُّرها ولا طيرٌ أَرَنَّا ٣٠٩ - وكلُّ طائر يهدل ويرجّع، كالقمري والفاختة والورشان واليمامة واليعقوب وما أشبه ذلك، فالعرب تسميه حماماً، والحمام عند العرب القماري والدباسي، وهي التي يصفون بكاءها في بلادهم. والفاختة جنس من القماريّ إلا أنه هجين لا عتق له. ٣١٠ - جهم بن خلف (٢) : تذكرتُ ليلى إذ رميتُ حمامةً ... وأنَّى بليلى والفؤادُ قريحُ يمانية أمستْ بنجرانَ دارها ... وانت عراقيٌّ هواكَ نزوح فإن سجعتْ ورقاءُ في رونق الضحى ... على الأيكِ حمّاءُ العلاطِ صدوح مطوقةٌ طوقاً من الريش لا ترى ... لنائحه طوقاً سواه يبوح وأسْعَدْنَها بالنَّوْحِ من كلِّ جانبٍ ... صواحبُ في أعلى الأراكِ تصيحُ فهيَّجن صبًّا بالعراق مروعاً ... بصوتٍ يُعِلُّ القلبَ وهو صحيحُ وكدتُ من الشوق المبرح إذ بكتْ ... بأسرارِ ليلى في الفؤاد أبوح

стр. 129

٣١١ - عدي بن الرقاع (١) : ومما شجاني أنني كنت نائماً ... أُعَلَّلُ من فرطِ الجوى بالتبسمِ إلى أن بكتْ ورقاءُ في رونق الضحى ... تردّد مبكاها بحسنِ الترنم فلو قبل مبكاها بكيتُ صبابةً ... لسعدي شفيتُ النفسَ قبل التندم ولكنْ بكتْ قبلي فهيحَ لي البكا ... بكاها فقلتُ الفضلُ للمتقدم هذه رواية أهل المغرب، ورواية أهل المشرق هي قول الشاعر: وقد كدت يوم الحزن لما ترنمت ... هتوف الضحى محزونةٌ بالترنّم أموت لمبكاها أسىً ان لوعتي ... ووجدي لسعدي قاتلٌ لي فاعلم ولو قبل مبكاها بكيتُ صبابةً ... البيتان........................... ٣١٢ - ذكر أن مجنون بني عامر نام تحت شجرة فغرد طائر فانتبه فقال (٢) : لقد هتفتْ في جُنْحِ ليلٍ حمامةٌ ... على فَنَنٍ تدعو وإني لنائمُ فقلتُ اعتذاراً عند ذاك وانني ... لنفسي فيما قد رأيتُ للائم أأزعم أني عاشقٌ ذو صبابةٍ ... بليلي ولا أبكي وتبكي البهائم كذبتُ وبيتِ الله لو كنتُ عاشقاً ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم ٣١٣ - شقيق بن سليك (٣) : ولم أبكِ حتى هيجتني حمامةٌ ... تَغَنِّي الحمامِ الورقِ فاستخرجتْ وجدي وقد هيجت مني حمامةُ أيكةٍ ... من الوجد شوقاً كنت أكتمه جهدي تنادي هديلاً فوق أخضرَ ناعمٍ ... لوقتِ ربيع باكرٍ في ثرىً جَعْدِ فقلت تعاليْ نبكِ من ذكر ما خلا ... ونذكرُ منه ما نسِرّ وما نبدي فإن تسعديني نبكِ دمعتنا معاً ... وإلا فإني سوف أسفحها وحدي

стр. 130

٣١٤ - قال أئمة النظم والنثر: هذا كله في باب المحبة ناقص، وأنقص منه قول جحدر الفقعسي (١) : وكنتُ قد اندملتُ فهاج شوقي ... بكاءُ حمامتين تَجَاوبانِ تجاوبتا بلحنٍ أعجميّ ... على غصنين من غَرَبٍ وبان فكان البانُ أنْ بانت سليمى ... وفي الغَرَب اغترابٌ غير داني ٣١٥ - قالوا: فإذا سلا عمن يهواه ولم يبق في قلبه أثر من حبه يكون نوح الحمام أقوى سبب في رد قلبه إلى أحبابه، ولكن الذي قاله أبو صخر الهذلي قول لا يعاب قائله ولا من انتخبه وهو (٢) : وليس المعنَّى بالذي لا يهيجه ... على الشوقِ إلا الهاتفاتُ السواجعُ ولا بالذي إن صدَّ يوماً خليله ... يقولُ ويبدي الصبرَ إني لجازع ولكنه سُقْمُ الجوى ومطاله ... وموتُ الجفا ثم الشؤون الدوامع رشاشاً وتهتاناً ووبلاً وديمةً ... كذلك يبدي ما تجنُّ الاضالع ٣١٦ - آخر (٣) : ألا يا حماماتِ اللوى عُدْنَ عودةً ... فانّي إلى أصواتكنَّ حزينُ فَعُدْنَ فلما عدن كِدْنَ يمتنني ... وكدتُ بأسراري لهنَّ أُبين فلم ترَ عيني مثلَهُنَّ حمائماً ... بكين ولم تدمعْ لهنّ عيون ٣١٧ - آخر (٤) : يا طائرين على غُصْنٍ أنا لكما ... من أنصحِ الناسِ لا أَبغي به ثمنا طِيرا إذا طرتما زوجاً فكأنما ... لا تعدمان إذا أفردتما حزنا هذا أنا لا على غيري أدلكما ... فارقتُ إِلفي فما إِنْ أعرِفُ الوسنا

стр. 131

٣١٨ - الهذلي (١) : ألا يا حمام الأيكِ إلفكَ حاضرٌ ... وغُصْنُكِ ميادٌ ففيمَ تنوحُ أفِقْ لا تنحْ من غيرِ شيءٍ فإنني ... بكيتُ زماناً والفؤادُ صحيح ولوعاً فشطت غربةً دارُ زينبٍ ... فها أنا أبكي والفؤادُ قريح ٣١٩ - آخر (٢) : دعاني الهوى والشوقُ لما تَرَنَّمَتْ ... على الأيكِ من بينِ الغصونِ طروبُ تجاوبها ورقٌ أُرِعْنَ لصوتها ... فكلٌّ لكلٍّ مُسْعِدٌ ومجيبُ ألا يا حمامَ الأيكِ مالكَ باكياً ... أَفارقْتَ إلفاً أم جفاكَ حبيب ٣٢٠ - آخر (٣) : أُلامُ على فيضِ الدموع وانني ... بفيضِ الدموع الجارياتِ جديرُ أيبكي حمامُ الأيْكِ من فَقْد إلفه ... وأحبسُ دمعي، إنني لصبور ٣٢١ - آخر (٤) : لقد هيَّجَتْ شوقاً وما كنتُ سالياً ... وما كنتُ لو رمتُ اصطباراً لأصبرا حمائمُ وادٍ هِجْنَ من بعدِ هجعةٍ ... حمائم ورقاً مسعداً أو معذرا كأن حمامَ الواديين ودومةٍ ... نوائحُ قامتْ في دجى الليل حُسّرا محلاّة طوقٍ ليس يُخْشَى انفصامُهُ ... إذا همَّ أن يبلى تبدَّلَ آخرا دعتْ فوق ساقٍ دعوةً لو تناولتْ ... بها صخرَ أعلى يذبلِ لتحدَّرا ٣٢٢ - قال مصنف " كتاب الزهرة ": هذه الأبيات من نفيس الكلام، ألا ترى إلى احترازه من أن يتوهم أن الحمام أعاد له الشوق بعد سلوته؟! ولقد أحسن القائل (٥) :

стр. 132

وقبليَ أبكى كلَّ من كان ذا هوى ... هتوفُ البواكي والديار البلاقعُ وهنّ على الأطلال (١) من كل جانب ... نوائحُ ما تخضلُّ منها المدامع مزبرجةُ الأعناقِ نُمْرٌ ظهورُهَا ... مخطَّمَةٌ بالدرِّ خضرٌ روائعُ ومن قطع الياقوت صيغتْ عيونها ... خواضبُ بالحنّاء منها الأصابع ٣٢٣ - قال عبد الله محمد بن المكرم مختار هذا الكتاب عفا الله عنه: ولقد عمل محيي الدين عبد الله بن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر كاتب الإنشاء (٢) بعد موت هذا المصنف في هذا المعنى شيئاً ظريفاً اخترتُ إيراده هنا وهو (٣) : نسب الناسُ للحمامة شجواً ... وأَراها في الشجو ليستْ هنالكْ خضبتْ كفَّها وكحَّلتِ العَيْنَ ... وغنتْ وما الحزينُ كذلك ٣٢٤ - حميد بن ثور (٤) : وما هاج هذا الشوق إلا حمامةٌ ... دَعَتْ ساقَ حرٍّ ترحةً وترنّما بكتْ شجوَ ثكلى قد أُصيبَ حميمها ... مخافةَ بينٍ يترك الحبلَ أجْذَما فلم أرَ مثلي شاقه صوتُ مثلها ... ولا عربياً ساقه صوتُ أعجما ٣٢٥ - آخر (٥) : رويدك يا قمريُّ لستَ بمضمرٍ ... من الشوق إلا دونَ ما أنا مضمرُ ليكفِكَ أن القلبَ منذ تنكرتْ ... أُمامةُ عن معروفها متنكر سقى الله أياماً خَلَتْ لأُمامةٍ ... فلم يبقَ إلا عهدها والتذكر لئن كانتِ الدنيا أتتْ باساءَةٍ ... لما أَحْسَنَتْ في سالفِ الدَّهرِ أكثر ٣٢٦ - المنازي البندنيجي الشاعر، وبندنيج قصر بالرافقان بين بغداد وحلوان، وقد اجتاز بسوق باب الطاق ببغداد حيث يباع الطير، فسمع حمامة تلحن في قفص، فاشتراها وأرسلها وقال (٦) :

стр. 133

ناحتْ مطوقةٌ ببابِ الطاقِ ... فجري سوابقُ دمعيَ المُهَراقِ حنَّتْ إلى أرضِ الحجازِ بحرقةٍ ... تُشْجي فؤادَ الهائم المشتاق إن الحمائمَ لم تزلْ بحنينها ... قدماً تبكي أعينَ العشاق كانتْ تفرّخُ في الأراك وربما ... كانت تفرخُ في فروع الساق تَعِسَ الفراق وَجُذَّ حبلُ وتينِهِ ... وسقاه من سُمِّ الأوساد ساقي ياوَيَحْهُ ما بالُهُ قمريةٌ ... لم تدرِ ما بغدادُ في الآفاق فأتى الفراقُ بها العراقَ فأصبحتْ ... بعد الأراكِ تنوحُ في الأسواق فشريتها لما سمعتُ حنينها ... وعلى الحمامة عُدْتُ بالإطلاق بي مثلُ ما بكِ يا حمامةُ فاسألي ... من فكَّ أسرك أَنْ يحلَّ وثاقي ٣٢٧ - أبو تمام (١) : أتصعصعتْ عبراتُ عينِكَ أن دَعَتْ ... (٢) ورقاءُ حين تصعصعَ الإظلامُ لا تنشِجَنَّ لها فان بكاءها ... ضحكٌ وأن بكاءك استغرام هنَّ الحَمامُ فإن كسرتَ عِيافَةً ... من حائِهنَّ فإنهنّ حِمام ٣٢٨ - ابن المعتز (٣) : وبكيتُ من حَزَنٍ (٤) لنوحِ حمامةٍ ... دعتِ الهديلِ فظلَّ غيرَ مجيبها ناحتْ ونُحْنَا غيرَ أنّ بكاءَنَا ... بعيوننا وبكاءَها بقلوبها ٣٢٩ - محمد بن يزيد بن مسلمة (٥) : أشاقك برقٌ أم شَجَتْكَ حمامةٌ ... لها فَوْقَ أطراف الأراكِ رنيم (٦) أَضافَ إليها الهمَّ فقدانُ آلفٍ ... وليلٌ يسدُّ الخافقين بهيم

стр. 134

تداعت (١) على ساقٍ بلَيْلٍ فرجَّعَتْ ... وللوجد (٢) منها مُقْعِدٌ ومقيم تميلُ إذا ما الغصنُ مادَتْ متونُهُ ... كما مالَ من ريِّ المدام نديم فباتت تناديه وأنى يجيبها ... (٣) منوطٌ بأطراف الجناح رميم أتيح له رامٍ بصفراءَ نبعةٍ ... على عَجْسِهَا ماضي الشباةِ صميم رماه فأصماها فطارتْ ولم تَطِرْ ... فظلَّ لها ظلٌّ عليه تحوم وظلَّتْ بأجراعِ (٤) الغوير نهارها ... مولهةً كلَّ المَرام تروم قرينةُ إلفٍ لم تفارفه عن قِلَىً ... غَداةَ غدا يومٌ عليه مشوم وراحتْ بهمٍّ لو تضمّنَ مثله ... (٥) حشا آدميّ ما استطاع يريم فللبرق ايماضٌ وللدمعِ واكفٌ ... وللريح من نحو العراق نسيم فطوراً أَشيمُ البرقَ أين مَصَاُبُه ... وطوراً إلى إعوال تلك أهيم غناء يَروعُ المنصتينَ وتارة ... بكاء كما يبكي الحميم حميم إذا ما استهلّتْ بالغناء تطلَّعَتْ ... وأصغىَ لها طَبٌّ بذاك عليم فمن دون ذا يشتاقُ من كان ذا هوىً ... ويعزبُ عنه الحلمُ وهو حليم ومن ههنا أخذ المنازي قوله (٦) : شجا قلبَ الخلي فقال غنَّى ... وبرَّح بالشجيِّ فقال ناحا ٣٣٠ - شاعر: وآلفةِ التغريدِ قاسمتها الهوى ... فكان عليها النوحُ والدمعُ من عندي وعارضتها بالنوحِ حتى تَشَبِّهَتْ ... بإلفي بلبسِ الطَّوقِ في موضع العقد ٣٣١ - سليمان بن حيان (٧) :

стр. 135

وهتوفٍ ورقاءَ أَرَّقَتِ العي ... نَ وزادتْ خبلَ الفؤاد خبالا ذاتُ طوقِ من الزبرجدِ يحكي ... صَفْوَ عيشٍ عنّا تولَّى فزالا أيقظتني والصبحُ قد خالط الليلَ ... كما خالط الصدودُ وصالا وتراها كأنما خَضَبوها ... بدموعي أو خاضَتِ الجريالا ٣٣٢ - المعتمد بن عباد وهو معتقل بأغمات (١) : بَكَتْ أَنْ رأتْ إِلفينِ ضَمَّهُمَا وَكْرُ ... مساءً وقد أَخنى على إِلفها الدهرُ وناحتْ وباحتْ فاستراحتْ بِسِرِّها ... وما نطقتْ حرفاً يبوحُ به سر فما ليَ لا أبكي أم القلبُ صخرةٌ ... وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر بكتْ واحداً لم يشجها فَقْدُ غيرِه ... وأبكي لألآفٍ عديدهمُ كثر ٣٣٣ - أحمد بن عبد ربه (٢) : ويهتاجُ قلبي كلَّما كان ساكناً ... دعاءُ حمامٍ لم تَبتْ بُوكُونِ وانّ ارتياحي من بكاءِ حمامةٍ ... كذي شَجَنٍ داويتَهُ بشجون كأن حمامَ الأَيْكِ لما تجاوبَتْ ... حزينٌ بكى من رحمةٍ لحزين ٣٣٤ - وللرمادي في الهزار (٣) : وخرساءَ إلاّ في الربيع فإنها ... نظيرةُ قسٍّ في العصور الذواهبِ اتت تمدحُ النوارَ فوقَ غصونها ... كما يمدحُ العشاقُ حُسْنَ الحبائب تبدِّل ألحاناً إذا قيل بدّلي ... كما بَدَّلَتْ ضرباً اكفُّ الضوارب ٣٣٥ - جدّ ابنِ قزمان (٤) : ومما شجاني هاتفٌ يبعثُ الأَسى ... يهيّجُ من قلبي ومن خفقانِهِ يكاد القضيبُ اللدنُ يعشقُ شَدْوَهُ ... فيشغله بالمَيْسَ عن طيرانه ٣٣٦ - عبد الكريم النهشلي:

стр. 136

أواجدةٌ وجدي حمائمُ أَيكةٍ ... تميلُ بها ميلَ النزيف غصونُها نشاوى وما مالَتْ بخمرٍ رقابُهَا ... بواكٍ وما فاضتْ بدمع عيونها أفيقي حمامات اللوى إنّ عندنا ... لِشَجْوِكَ أَمثالاً يعودُ حنينها وكلُّ غريبِ الدارِ يدعو همومَهُ ... غرائبَ محسوداً عليها شجونها ٣٣٧ - الحصري (١) : يا هل بكيتَ كما بَكَتْ ... وُرْقُ الحمائمِ في الغصونِ هتفتْ سُحَيْراً والربى ... للقطرِ رافعةُ العيونِ فكأنَّما صاغَتْ على ... شجوي شجى تلك اللحون ذكَّرنني عهداً مضى ... للأُنْسِ منقطعَ القرين فتصرَّمَتْ أيَّامُهُ ... وكأنها رَجْعُ الجفون ٣٣٨ - قال عوف بن محلم الشيباني (٢) : عاد عبد الله بن طاهر إلى خراسان فدخلنا الريّ في السحر، فإذا قمرية تغرد، فقال عبد الله بن طاهر: أَحسنَ أبو كبير حيث يقول: ألا يا حمامَ الأَيْكِ إلفكَ حاضرٌ ... وغصنُكَ ميّادُ ففيمَ تنوحُ ثم قال: يا عوف أجِزْ فقلت: أعزك الله، شيخ غريب حملته على البديهة، ولا سيما في معارضة أبي كبير، ثم قلت: أفي كلِّ عامٍ غربةٌ ونزوحُ ... أما للنوى من أَوْبَةٍ فتريحُ لقد طلَّحَ البينُ المشتُّ أَحبتى ... فهل أَرَيَنَّ البينَ وهو طليح وأرقَّني بالريِّ صوتُ حمامةٍ ... فنحتُ وذو الشَّجْوِ الحزينُ ينوح على أنها ناحت ولم تُذْرِ دمعة ... وَنُحْتُ وأسرابُ الدموعِ سفوح وناحت وفرخاها بحيثُ تراهما ... ومن دونِ أفراخي مهامهُ فيح عسى جودُ عبدِ الله أن يعكسَ النوى ... فنلقي عصا التطوافِ وهي طريح فإن الغنى يُدْنِي الفتى من صديقِهِ ... وَبُعْدُ الغنى للمقترين طروح

стр. 137

فأذن لي من ساعتي، ووصلني بمائة ألف درهم، وردّني إلى منزلي. ٣٣٩ - حدث رجل من قريش قال: حججنا وعدنا، فأتينا في بعض المنازل امرأة في خبائها، فاستأذنا عليها، فقالت: يا هؤلاء أفيكم أحد من أهل البصرة؟ قلنا نعم، قالت: ههنا رجل لما به، يريد أن يوصي إلى بعضكم وتشهدوا وفاته، فقمنا إليه وإذا رجل مدنف، فكلمناه فنظر إلينا، وإذا طائر سقط على شجرة وصوَّت، فنظر إليه وبكى وأنشد (١) : يا بعيد الدار عن وطنه ... مفرداً يبكي على شَجَنِهْ ولقد زاد الفؤاد شجىً ... هاتف يبكي على سكنه ثم أغمي عليه، فقلنا: قضى نحبه، ثم فتح عينيه والطائر يصوت على حاله فقال: كلما جدَّ البكاءُ به ... زادتِ الأسقامُ في بَدَنِهْ شفه ما شفني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه ثم تنفس وأغمي عليه فظنناها كالأولى وإذا هو قد مات، فسألنا المرأة عنه فقالت: هذا العباس بن الأحنف، فغسلناه ودفناه. ٣٤٠ - قال يوسف بن هرون (٢) : بكرت إلى باب أبي المطرف بن مثنى بقرطبة، وهو أميرها فألفيت يحيى بن هذيل قد بكر قبلي، فقال لي: ما عندك؟ فقلت: ليس عندي كبير معنى، ولكن (٣) ما عندك أنت؟ فأخرج قصيدة منها: وَمُرِنَّةٍ والدَّجْنُ ينسجُفوقها ... بُرْدَيْنِ من حَلَكِ ونوءٍ باكي مالت عن طيِّ الجناح كأنما ... جعلتْ أريكَتَها قضيبَ أراك وترنَّمتْ لحنين قد خلَّتهما ... كغناء مُسْمِعَةٍ وأنّهِ شاكي ففقدتُ من نفسي لفرط صبابتي ... نَفَسَ الحياة وقلتُ من أبكاك فأنشدنيها وأنا أعدّ محاسنها، فلما أكملها قال: أنصرف إلى المكتب وتأدب حتى

стр. 138

تحكم مثل هذا، فحركني كلامه ولم يخرج أبو المطرف ذلك اليوم، فبكرت إليه وأنشدته: أحمامةً فوق الأراكةِ بيّني ... بحياةِ من أبكاك ما أبكاك أما أنا فبكيتُ من حُرَقِ الهوى ... وفراقِ مَنْ أهوى، فأنت كذاك فلما سمعها ابن هذيل قال لي: عارضتني، قلت: لا إنما ناقضتك، فقال: اذهب فقد أخرجتك من المكتب. عارض هاتين القصيدتين أبو مروان المعروف بالبلينة فقال (١) : أحمامةً بكتِ الهديلَ وانما ... طربت فغنتْ فوق غُصْنِ أَراكِ معشوقة التثويبِ ذاتُ قلائدٍ ... غَنِيَتْ جواهرُهَا عن الأسلاك ناحتْ على فَنَنٍ وكلُّ شجٍ بكى ... يوماً بلا دمعٍ فليس بباكي لو كنتِ صادقةً وكنتِ شجيّةً ... جادتْ دموعُكِ حين جدَّ بكاك ٣٤١ - علي بن حصن كاتب المعتضد (٢) : وما هاجني إلا ابن ورقاءَ هاتفٌ ... على فَنَنٍ بين الجزيرة والنهرِ مُفَسْتَقُ طوقٍ لازورديُّ كَلْكَلٍ ... موشَّى الطلا أَحْوى القوادمِ والظهر أَدار على الياقوتِ أجفانَ فضةٍ ... وصاغ من العقيان طوقاً من الشفر حديدُ شبا المنقار داجٍ كأنه ... شبا قلمٍ من فضّةٍ مُدَّ في حبر توسَّدَ من فرع الأراكِ أَريكةً ... ومال على طيِّ الجناح مع النحر ولما رأى دمعي تُؤاماً أَرابَهُ ... بكائيَ فاستولى على الغُصُنِ النضر وحثَّ جناحيه وَصَفَّقَ طائراً ... وطار بقلبي حيثُ طار ولا أدري

стр. 139

٣٤٢ - كشاجم يرقي قمريّاً (١) : وَفُجِعْتُ بالقمرىِّ فجعةَ ثاكلٍ ... وفقدتُ منه أَمتعَ السمَّارِ لونُ الغمامةِ والغمامةُ لونُهُ ... ومناسبُ الأقلامِ بالمنقار ومطوّق من صُنْعِ خِلْقَةِ ربه ... طَوْقَيْنِ خلتُهُمَا من النوار ولطالما استغنيتُ في غلس الدجى ... بهديله عن مُطْربِ الأوتار مرح (٢) الأصائلِ يستحثُّ كؤوسنا ... ويقيمنا للفرضِ في الأسحار لهفي على القمريِّ (٣) يبقى دائماً ... يكوي الحشا بجوىً كلذعِ النار ولقد هجرتُ الصبرَ بعد فراقه ... ولقد مزجتُ دماً بدمع جاري ما كنت في (٤) الأطيار إلا واحداً ... هيهات أودى سيّدُ الأطيار ٣٤٣ - في وصف الحمام: سجعت هاتفةُ الوُرْ ... ق عناها شَحْطُ بينِ ذاتُ طوقٍ مثلِ خط ال ... نون أَقْنى الطرفين وترى ناظرها يل ... معُ في ياقوتتين تخرجُ الأنفاسُ من ثق ... بين كاللؤلؤتين ٣٤٤ - أبو إسحاق الصابى في الببغا (٥) : أنْعِتُهما صبيحةً مليحهْ ... ناطقةً باللغةِ الفصيحه عُدَّتْ من الأطيار واللسانُ ... يوهمنا بأَنها إنسان تُنْهي إلى صاحبها الأَخبارا ... وتهتكُ الأَسرارَ والأستارا صمَّاءُ إلا أنها سميعه ... تعيدُ ما تسمعُهُ طبيعه وربما لُقّنتِ العضيهه ... فتغتدي بذيَّةً سفيهه زارَتْكَ من بلادها البعيدهْ ... واستوطنت عندكَ كالقعيده ضيفٌ قِراهُ الجوزُ والأَرُزّ ... والضيفُ في أَبياتها يُعَزّ

стр. 140

تراه في (١) منقارها الخلوقي ... كلؤلؤٍ يُلْقَطُ بالعقيق تنظرُ من عينين كالفصّين ... في النور والظلماء بصاصين تميسُ في حلّتها الخضراءِ ... مثلَ الفتاةِ الغادةِ العذراء خريدةٌ خدورها الأَقفاصُ ... ليس لها من حبسها خلاص نحبسها وما لها من ذنبِ ... وإنما نحبسها للحبّ تلك التي قلبي بها مشغوفُ ... كَنَيْتُ عنها واسمها معروف ٣٤٥ - عبد الواحد بن فتوح الوراق في الحمام الداجن (٢) : يجتابُ أَوديَةَ السحابِ بخافقٍ ... كالبرق أومضَ في السحاب فأبرقا لو سابقَ الريحَ الجنوبَ لغاية ... يوماً لجاءك مثلها أو أسبقا يستقربُ الأرض البسيطة مذهباً ... والأفْقَ والسُّقُفَ الرفيعة مرتقى ويظلّ يسترقُ السماعَ مخافةً ... في الجوِّ يحسبه الشهابَ المحرقا يبدو فيعجبُ من رآه لحسنه ... وتكادُ آيةُ عِتْقِهِ أن تنطقا مترترقٌ من حيثُ دُرْتَ كأنما ... لبسَ الزجاجةَ أو تجلبَبَ زئبقا ٣٤٦ - أبو العلاء المعري في الخطاف (٣) : ولابسةٍ من حِنْدسِ الليلِ ظُلمةً ... مُفَرجَةً عن صدرها تشبهُ القبا برأسٍ يحاكي شاهَ بلوطَ أعجم ... تُغَني بصوتٍ معجم ليس معربا لها ذنب كالتاجرين وخنجرا ... (٤) جناحين قد قدا بها يَجرح الصبا لقد أتقنَ الصباغُ جَرْيَ سوادها ... وقد طوَّسوا منها قذالاً ومنكبا تراها إذا ما أقبلَ الصبحُ ضاحكاً ... وولَّى الدجى عنها هزيماً مقطبا تسقسق (٥) لا أدري أخزناً على الدجى ... وإمّا إلى ضوءِ الصّباح تطرُّبا إذا أَقبلتْ في دارِ قومٍ تباشروا ... وقالوا لها أهلاً وسهلاً ومرحبا

стр. 141

٣٤٧ - الصابي (١) : وهنديةِ الأَوطانِ زنجيّةِ الخلقْ ... ومسودةِ الأَلوانِ محمّرةِ الحَدَقْ كأن بها حزناً وقد لبست له ... حداداً وأذرت من مدامعها عَلَقْ تصيفُ إلينا ثم تشتو بأرضها ... وفي كلِّ عامٍ نلتقي ثم نفترق ٣٤٨ - أبو الشيص في الهدهد (٢) : لا تأمِنَنَّ على سرّي وَسِرِّكمُ ... غيري وغيرَكِ أو طيَّ القراطيسِ أو طائراً ساجليه وابعثيه لنا ... ما زال صاحبَ تبيينٍ وتأسيس سودٌ ترائبه ميلٌ ذوائبه ... صفرٌ حماليقُهُ في الحبر مغموس وكان همَّ سليمانٌ ليذبَحَهُ ... لولا سياسَتُهُ في مُلْكِ بلقيس ٣٤٩ - روى ابن عباس أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: من الدوابّ أربع لا يقتلن: النحلة والنملة والصرد والهدهد. ٣٥٠ - ومن أعاجيب الخفاش (٣) أنه طائر، وهو مع أنه طائر من عرض الطير، شديد الطيران كثير التكفي في الهواء سريع التقلب فيه، ولا يجوز أن يكون طعمه إلا من البعوض وقوتُهُ إلا من الفراش وأشباه الفراش، ثم لا يصيده إلا في وقت طيرانه في الهواء في وقت سلطانه، لأن البعوض إنما يتسلط بالليل فلا يجوز أن يبلغ ذلك إلا بسرعة اختطاف واختلاس، وشدة طيران ولين اعطاف، وحسن تأت ورفق بالصيد. وهو ليس بذي ريش وإنما هو لحم وجلد، وطيرانه بلا ريش عجب. ومن أعاجيبه (٤) أنه لا يطير في نور ولا ظلمة، وهو قليل شعاع العين، ولذلك لا يظهر في الظلمة لأنها تكون غامرة لضياء بصره، غالبة لمقدار شعاع ناظرة، ولا يظهر نهارا لأن ضعف ناظرة يلمع في شدة بياض النهار، ولأن الشيء المتلألئ ضارّ لعيون من يوصف بحدَّة البصر، ولأن شعاع الشمس لمخالفة مخرج أصوله ومذاهبه يكون

стр. 142

رادعا لشعاع ناظره ومفرقاً له، فهو لا يبصر ليلاً ولا نهاراً، فلما علم ذلك واحتاج إلى الكسب والطعم التمس الوقت الذي لا يكون فيه من الظلام ما يكون قاهراً غالباً ولا من الضياء ما يكون معشياً مانعاً، والتمس ذلك في وقت غروب الشمس وبقية الشفق، لأنه وقت هيج البعوض، وهو وقت ارتفاعها في الهواء وانتشارها وطلب أرزاقها. فالبعوض يخرج للطعم وطعمه دماء الحيوان، والخفافيش تخرج للطعم، فيقع طالب رزق على طالب رزق. وزعموا (١) أن السُّكَّ الآذان والممسوحة من جميع الحيوان أنها تبيض بيضاً، وكل أشرف الآذان يلد ولا يبيض، ولا يدرى علة ذلك. ولآذان الخفافيش حجم ظاهر، وهي وإن كانت من الطير فإن هذا لها، وهي تحبل وتلد وتحيض وترضع. وزعم صاحب المنطق إن ذوات الأربع كلها تحيض على اختلاف في القلة والكثرة والزمان والخضرة والصفرة والغلظ والرقة، وليس في سائر الطير ما يحيض ولا يبيض إلا الخفافيش. وبلغ من ضن أنثى الخفافيش بولدها وخوفها عليه أنها تحمله تحت جناحها. وربما قبضت عليه بفيها قبضاً رفيقاً، وربما أرضعته وهي تطير، وتقوى من ذلك ويقوى ولدها على ما لا يقوى عليه الحمام وسباع الطير. وربما أتأمتِ الخفاش فتحمل معها الولدين جميعاً، فإن عظما عاقبت بينهما. ومن أعاجيب (٢) الخفاش أنه من الطير وليس له منقار مخروط، وله فم فيما بين مناسر السباع وأفواه البوم. وفيه أسنان حداد صلاب مرصوفة من أطراف الحنك إلى أصول الفك إلا ما كان في نفس الخطم، وقد عرفت ذرب أسنانها فإذا عضت على الفرخ جعلته أزماً لا عضّاً. ومن أعاجيبها (٣) تركُها البراري والقفار وقصدها منازل الناس وأرفع مكان وأحصنه من البيوت فتوطنه، وأنها على ضؤولة جسمها طويلة العمر حتى تجوز حدَّ العقاب والورشان إلى النسر، وتجوز حدَّ الفيلة (٤) والأُسْدِ وحمير الوحش إلى أعمار الحيّات، وأن أبصارها تصلح على طول العمر فيقال أن التي يَطِرْنَ في القمر من

стр. 143

المسنّات المعمّرات، وإن أولادهنّ إذا بلغن لم تقو أبصارهن على ضياء النور، وأنها تصبر على فقد الطعام، وأنها تضخم وتجسم وتقبل اللحم على الكبر والسن. والنساء (١) وأشباه النساء يزعمون أن الخفاش إذا عضَّ إنساناً فلا يدع سنَّهُ من لحمه حتى يسمع نهيق حمار وحش. قال: فما أنسى فزعي من مسِّ الخفافيش ووحشتي من قربها إلى أن بلغت. والذي لا يبصر بالليل من الناس تسميه الفرس " شبكور " وتأويله " أعمى ليل "، وليس له في لغة العرب اسم أكثر من أنه يقال للذي لا يبصر بالليل من الناس " به هُدَبْدٌ "، وأما الأغطش فإنه السّيئ البصر بالليل والنهار، وإذا كانت المرأة رديئة البصر بالنهار قيل لها جَهْراء، وقيل: الجهراء التي لا تبصر في الشمس. وقالوا السحاة - مقصور - اسم الخفاش والجمع سِحَاء. وأنشدوا لغزاً في الخفاش: أَبى شعراءُ الناسِ لا يخبرونني ... وقد ذهبوا في الشعرِ في كلِّ مذهبِ بجلدةِ إنسانٍ وصورةِ طائرٍ ... وأظفارِ يربوعٍ وأنيابِ ثعلب وعن عبد الله بن عمر (٢) أنه قال: لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقهنَّ تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش فإنه إذا خرب بيت المقدس قال: يا ربِّ سلطني على البحر حتى أُغرقهم. وفي رواية: لا تقتلوا الخفاش فإنه استأذن البحر أن يأخذ من مائه فيطفئَ بيت المقدس حين حرق. وروي عنه ﷺ أنه نهى عن قتل الوطواط وأمر بقتل الأوزاغ. والخفاش (٣) يأتي الرمانة في شجرتها فينقب عنها فيأكل كلَّ شيء فيها حتى لا يدع إلا القشر وحده، فهم يحفظون الرمان من الخفافيش بكل حيلة. ولحوم الخفافيش موافقة للشواهين والصقور ولكثير من جوارح الطير، وتسمن عليها وتصحُّ أبدانها، ولها في ذلك عمل بيّن الأثر. ٣٥١ - العسكري في الخطاف (٤) :

стр. 144

وزائرةٍ في كلِّ عام تزورنا ... فيخبرُ عن طيبِ الزمان مَزَارُها تخبّرُ أنّ الجوَّ رقَّ قميصُهُ ... وأنَّ الرياضَ قد توشَّى (١) إزارها وإن وجوه الغُدْرِ راقَ بياضها ... وإن وجوه الأرضِ راعَ اخضرارها تحنُّ إلينا وهي من غيرِ شكلنا ... فتدنو على بُعْدٍ من الشكلِ دارها أغارَ على ضوءِ الصباح قميصُهَا ... وفات بألوانِ الليالي خمارها تصيحُ كما صَرَّتْ نعالُ عرائسٍ ... تَمَشَّتْ إلينا هندها ونوارها عاد الحديث إلى الحمام: ٣٥٢ - العرب تقول (٢) : إن نوحاً أرسل الغراب والحمام من السفينة لما استقرت على الجوديّ، فلم يرجع الغراب فدعا عليه، ورجعت الحمامة فدعا لها، فتزينت بالطوق عن سائر الطير. ٣٥٣ - قال جهم بن خلف (٣) : وقد شاقني نوحُ قمريّةٍ ... طروبُ العشيّ هتوفُ الضحى مطوقة كُسِيَتْ زينةً ... بدعوة نوح لها إِذ دعا فلم أَرَ باكيةً مثلها ... تَبَكَّى ودمعتُهَا لا تُرَى ٣٥٤ - عبد الله بن أبي بكر الصديق ﵄ (٤) : ولم أَر مثلي طلَّقَ اليوم مثلَها ... ولا مثلَها في غير جُرْمٍ تُطَلَّقُ أعاتكَ لا أنساكِ ما هبَّتِ الصبا ... وما ناح قمريُّ الحمامِ المطوَّقُ ٣٥٥ - ومن " كتاب الطير " للجاحظ قال (٥) : كل طائرٍ يعرف بالصوت الحَسَن والدعاء والهديل والترجيع فهو حمام، وإن خالف بعضه بعضاً في بعض الصور واللون والقد ولحن الهديل، كما تختلف الإبل والبقر والمعز والدجاج في أنواعها وأشكالها،

стр. 145

ولا يخرجها ذلك عن أن تكون إبلاً أو بقراً أو معزاً أو دجاجاً. والقمريّ والفاختة والورشان والشفنين واليمام واليعقوب وضروب أُخر كلّها حمام؛ وزعم أفليمون صاحب الفراسة أن الحمام تتخذ لضروب: منها ما يتخذ للأُنس، ومنها ما يتخذ للفراخ. ومنها ما يتخذ للطيران والتلهي بذلك، ومنها ما يتخذ للزجال (١) والسباق. ومن مناقب الحمام حُبُّه للناس وأُنس الناس به، وهو أن جميع طبقات الأمم تحبه وتتخده. ثم ذكر قَمْطَ الحمام فقال (٢) : يبتدئ الذكر بالدعاء والطّرد، وتبتدئ الأنثى بالتأني والاستدعاء، ثم تزيف وتتشكَّل، ثم تمكّن وتمنَع، وتجيب وتصدف بوجهها، ثم يتعاشقان ويتطاوعان، ويحدث لهما من التغزل والتفتل (٣) والمص والرشف والتنفج والخيلاء والكبرياء ومن إعطاء التقبيل حقه كله وإدخال الفم في جوف الفم، وذلك هو التطاعم، هذا مع إرسالها جناحيها وكتفيها (٤) على الأرض، وهو مع تدريجها وتنقيلها (٥) ومع تنفجه وتنفخه مع ما يعتريه من الحكة والتفلّي والتنفش، ثم الذي يرى من كسحه بذنبه، وارتفاعه بصدره، وضربه بجناحه، وفرحه ومرحه بعد قمطه والفراغ من شهوته، ثم إنه يعتريه ذلك في الوقت الذي يفترُ فيه أنشطُ الناس، وتلك خصلة يفوق بها جميع الحيوان من الإنسان فمن دونه. ومن عجيب (٦) فطن الحمام أنه في كل حين يقلب بيضه حتى يصير ما كان يلي الأرض منه يلي بدن الحمام من بطنه وباطن جناحيه، حتى يعطي جميع البيضة نصيبها من الحضن. ومما أشبه فيه الحمام الناس أن ساعات الحضن على البيض أكثرها على الأنثى، وإنما يحضن الذكر في صدر النهار يسيراً، كالمرأة التي تكفل الصبي فتقمطه وتمرّخه وتتعاهده بالتمهيد والتحريك، حتى إذا ذهب الحضن وصار البيض فراخاً وصار في البيت عيال وما يحتاجون إليه من الطعام والشراب صار أكثر ساعات الزق على الذكر، كما أن أكثر ساعات الحضن على الأنثى.
следующие страницы →