الثانية: النظر إلى هذا القطب وما حوله من الكواكب يشفي من اليرقان الشديد، وذلك بأن يقوم العليل حيال هذا القطب، وينظر إليه كأنه يتناول منه شيئاً، ثم يضع يده التي مدها على كبده ويقول: يا كوكب القطب الشمالي اشفني من علتي هذه آمين؛ وليبتدئ من ليلة الجمعة إلى ليلة الجمعة، وإن صعبت العلة فليقل الكلام ويضع يده اليسرى على كبده، ويتمرغ على الأرض سبع مراتٍ وعليه ثيابه، ثم يقوم عقيب كل مرة يتمرغ، ويضع يسراه على كبده ويقول الكلام، فإنه يستجاب له ويبرأ.
الثالثة: قالوا إن الأسد والببر والنمر والذئب إذا مرضت قامت حيال هذا القطب، وأطالت النظر إليه فشفيت، واللبوة إذا حملت أو نالها شيء، وربما بقيت ثلاثة أيام لا تأكل شيئاً، فتأتي إلى نهر فيه ماء جار له عين ينبع منها ماء، فتقوم في الماء إلى نصف ساقيها، وتنظر إلى القطب الشمالي فتبرأ من وجعها.
الرابعة: أيّ جرحٍ كان بإنسان أو خراج أو ورم وآذاه، فعمد إلى ذلك الموضع من بدنه، فصوَّر فيه صورة سمكة بزرقة أو خضرة، ونقط بدنها كلّه بنقط خضر وزرق، وقام بالليل حيال القطب الشمالي، ووضع في نفسه أنه يخاطب الكواكب المطبقة السبعة، فقال: أيتها الكواكب المقدسة الشمالية الباعثة بالروح والحياة إلى أبناء البشر، كفوا هذا الورم عن الزيادة واشفوني منه واعفوني غائلته وسوء عاقبته ويتفل على السمكة المصورة، يفعل ذلك ليالي أولها ليلة الأحد إلى ليلة الأحد المقبل، فإن الورم إما ان يقف وإما أن يزول بالكلية.
الخامسة: قالوا أكثر نفع هذين القطبين وما حولهما من الكواكب في شفاء العين، أما الباردة - رطبة كانت أو يابسة - فتعالج بالقطب الجنوبي بما ذكرناه من العلاج، وأما الحارة فإنها تعالج بالنظر إلى القطب الشمالي؛ وبالجملة فجميع العلل الباردة تعالج بالجنوبي، والحارة بالشمالي، وهذا قانون مطرد.
٥٧٩ - القول في الدراري السبعة:
اتفق المنجمون على توزيع كل ما في هذا العالم، من الألوان والطبائع والروائح والطعوم والخواص والأفعال والأخلاق وغيرها من الأحوال، على الكواكب السبعة المتحيرة، إلا أنهم قالوا: قلما ينفرد كوكب واحد بالدلالة على الشيء، وإنما يشترك فيه كوكبان أو أكثر، وذلك لوجود كيفيتين فيه، كالذي يكون لزحل بسبب
стр. 212
برودته، ولعطارد يبوسته. وربما اشترك في الشيء الواحد عدة كواكب لحصول عدة كيفيات فيه، وقد يكون الجنس الواحد مضافاً إلى كوكب واحد بحسب جنسية آخر، كالزهرة الدالة على جهة الرياحين لأجل طيب روائحها، ثم شركها المريخ في الورد: الشوك في شجرته، والحمرة في لونه، والحدة المثيرة للزكام في رائحته، ويشاركها المشتري في النرجس، وزحل في الآس، والشمس في اللينوفر، وعطارد في الشاهسفرم، والقمر في البنفسج، وقد تنقسم أبعاضُ الشيء الواحد على الكواكب مثل شجرة واحدة، فإن أصلها للشمس، وعروقها لزحل، وأغصانها وشوكها وقشورها للمريخ، وزهرها للزهرة، وثمرها للمشتري، وورقها للقمر، وحبها لعطارد، فهذا هو القول الكلي في هذا الباب. ونذكر الآن ما لكل واحد على التفصيل وهو مقسوم إلى ثلاثين نوعاً.
١ - النوع الأول: في الطعوم (١) .
زحل: له البشاعة والعفوصة والحموضة الكريهة والنتن.
المشتري: له الحلاوة والمذاقة الطيبة.
المريخ: له المرارة.
الشمس: لها الحرافة.
الزهرة: لها الدسومة.
عطارد: له ما اختلط من طعمين (٢) .
القمر: له الملوحة والتفه (٣) والحموضة اليسيرة.
٢ - النوع الثاني: في الألوان:
زحل: له السواد الحالك وما مازج سواده صفرة واللون الرصاصي والظلام.
المشتري: له الغبرة والبياض المشوب بصفرة وسمرة والضياء والبريق.
المريخ: له الحمرة المظلمة.
стр. 213
الشمس: لها الضياء والشقرة والصفرة.
الزهرة: لها البياض الناصع والشقرة (١) والأدمة، وقيل لها الخضرة.
عطارد: له ما تركب من لونين كالدكنة والاسمانجونية.
القمر: له الزرقة والبياض الذي لم يخلص من حمرة أو صفرة أو كدورة (٢) أو كمودة.
٣ - النوع الثالث: في الكيفيات الملموسة (٣) .
زحل: له أبرد الأشياء وأصلبها وأيبسها وأمتنها (٤) .
المشتري: له أعدل الأشياء وأتمها (٥) وأحسنها وأطيبها وأسلسها.
المريخ: له أخشن الأشياء وأخبثها وأحدُّها (٦) .
الشمس: لها أكمل الأشياء وأشرفها وأشهرها وأكرمها.
الزهرة: لها أنعم الأشياء وألذّها وأجملها.
عطارد: له الممتزج من الكيفيتين من هذه الكيفيات.
القمر: له أغلظ الأشياء وأكثفها وأرطبها.
٤ - النوع الرابع: في المقادير:
زحل: له القصر واليبوسة والصلابة والثقل.
المشتري: له الاعتدال والخثورة والملاسة.
المريخ: له الطول والجفاف والخشونة.
الشمس: لها الاستدارة واللمعان والتخلخل.
الزهرة: لها السيلان واللين.
عطارد: له ما يتركب من كيفيتين بين هذه الكيفيات.
القمر: له الغلظ والرطوبة والتكاثف.
٥ - النوع الخامس: في الأمكنة:
стр. 214
زحل: له الجبال اليابسة التي لا تنبت.
المشتري: له الأرضون السهلة.
المريخ: له الأرضون الخشنة.
الشمس: لها الجبال ذوات المعادن.
الزهرة: لها الأرضون الكبيرة والأنهار والمياه (١) .
عطارد: له الرمال.
القمر: له كل قاعٍ وأرضٍ مستوية.
٦ - النوع السادس: فى المساكن (٢) :
زحل: له الأسراب والنواويس والآبار والأبنبة العتيقة والصحاري والسجون (٣) ومرابط الثيران والحمير والخيل ومرابط الفيلة.
المشتري: له المساكن العامرة ومنازل الأشراف والمساجد والبيع والكنائس وطرق العبادة (٤) وبيوت المعلمين.
المريخ: مواضع النيران وحيث يصنع الفخار.
الشمس: لها بيوت الملوك والسلاطين.
الزهرة: الأماكن المرتفعة والطرق التي فيها المياه الكثيرة.
عطارد: الأسواق والدواوين وبيوت المصورين وما يقرب من البساتين.
القمر: له المكان الندي (٥) ومضارب اللبن والمساكن التي يبرد فيها الماء والأنهار التي تنبت فيها الأشجار.
٧ - النوع السابع: في البلاد (٦) :
زحل: له السند والهند والزنج (٧) والحبشة والقبط والسودان ما بين الجنوب والمغرب واليمن والعرب والنبط.
المشتري: له أرض بابل وخراسان والترك والبربر إلى المغرب (٨) .
стр. 215
المريخ: له الشام والروم ومن كان فيما بين المغرب والشمال.
الشمس: لها الحجاز (١) وبيت المقدس وجبل لبنان وأرمينية وإيلان والديلم وخراسان إلى الصين.
الزهرة: لها بابل والعرب والحجاز وكل بلد في جزيرة أو وسط أجمة.
عطارد: له مكة والمدينة وأرض العراق والديلم وجيلان وطبرستان.
القمر: له الموصل وأذربيجان وعوام الناس في كل موضع.
٨ - النوع الثامن: في المعادن:
زحل: له المرتك وخبث الحديد والحجارة الصلبة.
المشتري: له المرقشيثا والنوشاذر (٢) والكباريت والزرنيخ الأحمر وكل حجر أبيض وأصفر وحجر مرارة البقر.
المريخ: له المغناطيس والسنباذج (٣) والزنجفر.
الشمس: لها اللازورد والرخام والكباريت والزجاج الفرعوني (٤) والسندروس والزفت.
الزهرة: لها اللؤلؤ والزمرد والجزع والمغنيسيا والكحل.
عظارد: له النورة والكهربا والزرنيخ والزئبق (٥) .
القمر: له الزجاج النبطيّ والأحجار المتشققة (٦) وكل حجر أبيض والمروسنج (٧) .
٩ - النوع التاسع: في الأحجار (٨) :
زحل: له الأسرب.
المشتري: الرصاص القلعي والاسبيذرية والشبه الفائق والماس.
المريخ: له الحديد والنحاس.
الشمس: لها الذهب الابريز والمناطق المحلاة باليواقيت والبجادي وكل حجر ثمين.
стр. 216
الزهرة (١) : لها النحاس واللؤلؤ والزبرجد والجزع والحلي المرصع بالجواهر وأواني البيت من ذهب وفضة أو رصاص أو نحاس إلا الحديد.
عطارد: له الفيروزج والصفر الرديء وكل آنية معيبة والزئبق المعقود.
القمر: له اللؤلؤ والبلور والخرز والفضة والدراهم والاسورة والخواتم.
١٠ - النوع العاشر: فى الفواكه والحبوب:
زحل: له الفلفل والشاه بلوط والزيتون والزعرور والرمان الحامض والعدس والكتان والشاهدانج.
المشتري: له الرمان الحلو الامليسي والتفاح والحنطة والشعير والذرة والارز والحمص والسمسم.
المريخ: له اللوز المر والحبة (٢) الخضراء.
الشمس: لها الاترج والارز الهندي.
الزهرة: لها التين والعنب والشعير والحلبة.
عطارد: له الباقلا والماش والكراويا والكزبرة.
القمر: له الحنطة والشعير والقثاء والخيار والبطيخ.
١١ - النوع الحادي عشر: فى الأشجار (٣) :
زحل: له العفص والهليلج والزيتون والفلفل والخروع وكل شجرة كريهة الطعم نتنة الريح وكل شجرة ذات ثمر خشنة القشر صلبة كالجوز واللوز. المشتري: له كل شجرة لها ثمرة حلوة قليلة الدسم كالتين والخوخ والمشمش والاجاص والنبق، وهو شريك الزهرة في الفواكه.
المريخ: له كل شجرة لها ثمرة حارة كثيرة الشوك لثمرها نوى أو قشر، ويكون طعمه حريفاً أو حامضاً، كالكمثرى الخشن (٤) والعوسج.
الشمس: لها كل شجرة جافية (٥) لثمرها دسم كثير يكسبها يبوسة كالنخيل والفرصاد والكرم.
стр. 217
الزهرة: لها كل شجرة لينة اللمس طيبة الرائحة حسنة المنظر كالسرو والساج والتفاح (١) والسفرجل.
عطارد: له كل شجرة قوية الرائحة.
القمر: له كل شجرة صغيرة الساق ذات شعب، وله الرمان الحلو والعنب.
١٢ - النوع الثاني عشر: في النبات والزرع:
زحل: له كل حبٍّ بارد يابس (٢) .
المشتري: له الزهر والورد وكل نبات أرج الرائحة.
المريخ: له الخردل والكراث والبصل والثوم والسذاب والجرجير والحرمل والفجل والباذنجان.
الشمس: لها قصب السكر والمن والترنجبين.
الزهرة: لها الحبوب اللينة والادهان والحلوى وكل نبت أرج ذي ألوان له بهجة في المنظر.
عطارد: له البقول والقصب.
القمر: له العشب والحلفاء والبردي ومزارع القطن والكتان وما لا يقوم على ساق كالقثاء والبطيخ.
١٣ - النوع الثالث عشر: في الأغذية والأدوية (٣) :
زحل: له الأغذية والأدوية الباردة اليابسة التي في الدرجة الرابعة لا سيما المخدرة.
المشتري: له ما يكون معتدلاً في الحرارة والرطوبة ويكون نافعاً محبوباً.
المريخ: له ما يكون سمياً ضاراً وتكون حرارته في الدرجة الرابعة.
الشمس: لها ما نقصت حرارته عن الدرجة الرابعة وتكون نافعة ومستعملة.
الزهرة: لها ما يكون معتدلاً في البرد والرطوبة ويكون نافعاً لذيذاً.
عطارد: له ما تفضل يبوسته على برودته وليست في الغاية وتكون مجتنبة لا تنفع إلأ أحياناً.
القمر: له ما برودته مثل رطوبته وهي تنفع أحياناً وتضرّ أحياناً ولا تستعمل دائماً.
١٤ - النوع الرابع عشر: في القوى:
زحل: له القوة الماسكة.
стр. 218
المشتري: له القوة النفسانية والغازية والنامية والريح التي في الفؤاد.
المريخ: له القوة الغضبية.
الشمس: لها القوة الحيوانية.
الزهرة: لما القوة الشهوانية.
عطارد: له القوة الفكرية.
القمر: له آلقوة الطبيعية.
١٥ - النوع الخامس عشر: فى دلالتها على ذوات الأربع (١) :
زحل: له الحيوانات السود وما يأوي إلى جحر تحت الأرض، والبقر والمعز والنعام والسنجاب والببور (٢) والسنانير والفأر واليرابيع والحيات العظام السود والعقارب والبراغيث والخنافس.
المشتري: له الناس والبهائم الأهلية وذوات الأظلاف والأخلاف من الضأن والثيران والابل، وكل دابة حسنة اللون أو طيبة اللحم مما يؤكل، وما كان متعلماً وذا حياء من الأسود والببور والفهود.
المريخ: له الأسود والنمور والذئاب (٣) والخنازير البرية كلّها المتوحشة والكلاب، وكل سبع خبيث وكلب كذلك والحيات والأفاعي.
الشمس: لها الغنم والخيول العراب والأسود والتماسيح.
الزهرة: لها كل ذي حافر أبيض أو أصفر من الوحوش ولها الحيتان.
عطارد: له الكلاب المعلَّمة والحمير والبغال والثعالب والأرانب، وكل حيوان صغير أرضي أو مائي.
القمر: له الابل والبقر والشاء وكل مايستأنس بالناس.
١٦ - النوع السادس عشر: في الطيور (٤) :
زحل: له طير الماء وطير الليل والغربان والخطاطيف السود والذبان.
المشتري: له كل طير مشوي المنقار يأكل الحبّ الذي لا يكون أسود، والحمام والدراج والطواويس والديوك والدجاج.
المريخ: له كل الطيور المعقفة المناقير، وكل طائر أحمر، والزنابير.
стр. 219
الشمس: لها العقاب والبازي والديوك والقماري.
الزهرة: لها الفواخت والوراشين والعندليب والجراد وما يؤكل من الطير.
عطارد: له الحمام والصقور (١) والبزاة وطيور الماء.
القمر: له البط والكراكي وكل طائر ضخم، وله الدجاج والعصافير والدراج.
١٧ - النوع السابع عشر: في الأعضاء البسيطة:
زحل: له الشعر والجلد والظفر والريش والصوف والعظام والمخ والقرن.
المشتري: له الشرايين النابضة والنطفة والمخ.
المريخ: له الأوردة (٢) .
الشمس: لها الدماغ والعصب والجانب الأيمن من البدن.
الزهرة: لها الشحم واللحم والمني.
عطارد: له العروق النابضة.
القمر: له الجانب الأيسر من البدن.
١٨ - النوع الثامن عشر: في الأعضاء المركبة (٣) :
زحل: له الأليتان والدبر والمصارين والبول والعذرة والركبتان.
المشتري: له الفخذان والأمعاء والرحم والحلق.
المريخ: له الساقان والمرارة والكليتان.
الشمس: لها الصدر والرأس والجنب والفم والأسنان.
الزهرة: لها الرحم والمذاكير وآلات المباضعة واليدان والأصابع.
عطارد: له اللسان.
القمر: له العنق واليدان والرئة والمعدة والطحال.
١٩ - النوع التاسع عشر: في آلات الحسّ:
زحل: له السمع.
المشتري: له اللمس.
المريخ: له الشم.
الشمس: لها البصر.
الزهرة: لها الشم وآلات الاستنشاق.
стр. 220
عطارد: له الذوق.
القمر: له البصر والذوق أيضاً.
قالوا: والأذن اليمنى لزحل، واليسرى للمشتري، والمنخر الأيمن للمريخ والعين اليمنى للشمس (١) والمنخر الأيسر للزهرة، واللسان لعطارد يشركه القمر، والعين اليسرى للقمر.
٢٠ - النوع العشرون: في الأسنان:
زحل: له الشيخوخة.
المشتري والقمر والمريخ: لهم الثلاثة الشباب.
الشمس: لها وسط العمر.
الزهره: لها وقت البلوغ.
عطارد والقمر: لهما الطفولة.
قال أبو الحسن كوشيار في كتابه " مجمل الأصول في علم النجوم " (٢) المولود تولَّى أمره من وقت مولده القمر أربع سنين، لأن بدن المولود خينئذٍ رطب سريع النمو، وأكثر غذائه مائي؛ ثم يتولاه عطارد عشر سنين، فيقوى فيه سهم النفس وتنغرس فيه غروس التعاليم، وتبتدئ فيه أصول الأخلاق وخواص الأعمال التي يحدث منها التعلم والأدب؛ ثم تتولاه الزهرة ثماني سنين فتبتدئ فيه حركة مجاري المني، وتحركه (٣) إلى أمور الجماع والعشق والانخلاع (٤) ، ثم تتولاه الشمس تسع عشرة سنة فتصير النفس مستولية على الأعمال قادرة عليها، وينتقل من الهزل واللعب إلى الوقار وصيانة النفس؛ ثم يتولاه المريخ خمس عشرة سنة، فيحدث فيه صعوبة المعاش والهموم والفكر، ونفسه تحس (٥) بالانحطاط ويزيد في حرصه؛ ثم يتولاه المشتري ثنتي عشرة سنة فينصرف عن مباشرة الأعمال بنفسه والكدّ والاضطراب، ويلزم حُسْنَ المذهب (٦) واكتساب الذِّكر الجميل، ثم يتولاه زحل إلى آخر العمر فيعرض لبدنه البرد
стр. 221
والكسل وعسر الحركة إلى الشهوات، ويتبين فيه الانحطاط (١) ، وقلة الاحتمال، فأيّ كوكب من هذه الكواكب كان أقوى في أصل المولد وأسعد، كان تأثيره ومايدل عليه في وقت التربية أظهر وأبين. قال: وهذه سنون ومقادير اتفق عليها أهل هذه الصناعة والفرس يسمونها: " ابردارات ".
٢١ - النوع الحادي والعشرون في الأنساب:
زحل: له الآباء والأجداد والإخوة الأكابر والعبيد.
المشتري: له الأولاد وأولاد الأولاد.
المريخ: له الاخوة الأوساط.
الشمس: لها الآباء والاخوة الأوساط والموالي.
الزهرة: لها النساء والأمهات.
عطارد: له الاخوة الأصاغر.
القمر: له الأمهات والخالات والأخوات الأكابر والدايات.
٢٢ - النوع الثاني والعشرون: فى الصور (٢) :
أما زحل فإنه إذا كان في درجة طالع مولود، دلّ على أن صاحبه قبيح (٣) المنظر، ممشوق عبوس عظيم الرأس أقرن، صغير العينين، واسع الفم، غليظ الشفتين، كثير الشعر، أسود متغير اللون إلى الادمة والسواد، أوقص ضخم الكفين، قصير الأصابع، ملتوي الساقين، عظيم القدمين.
المشتري: صاحبه حسن الجسم، مكلثم (٤) الوجه، غليظ الأرنبة، ناتئ الوجنتين، عظيم العينين. فيهما شهلة (٥) ، خفيف اللحية.
المريخ: صاحبه طويل الظهر، عظيم الهامة، صغير العينين والأذنين والجبهة، حديد النظر أزرق، قليل اللحم، أحمر الشعر سبطه.
الشمس: لها عظيم الهامة سمين أبيض مشرب بحمرة (٦) ، سبط الشعر، في بياض عينيه شقرة (٧) ، قوي البدن.
стр. 222
الزهرة: صاحبها صبيح مكلثم (١) الوجه أبيض مشرب بحمرة، سمين ذو تمكّن (٢) كثير اللحم (٣) حسن العينين أسودهما، وسوادهما أكثر من بياضهما، صغير الأسنان، مليح العنق (٤) ، قصير الأصابع، غليظ الساقين.
عطارد: صاحبه حسن القامة آدم يضرب إلى الحمرة، مليح ضيّق الجبهة، غليض الأذنين، حسن الحاجبين مقرون، حسن (٥) الأنف. واسع الفم، صغير الأسنان، خفيف اللحية، رجل (٦) الشعر دقيقه، حسن النطق (٧) ، طويل القدمين.
القمر: صاحبه أبيض جميل صافي اللون، صبيح الوجه (٨) مدور الوجه، تام اللحية، في رأسه قرع (٩) وله فيه ذؤابة، مليح الشعر.
٢٣ - النوع الثالث والعشرون: في الأخلاق الباطنة (١٠) :
زحل: صاحبه متوحش (١١) فزع مقلب جبان بخيلط مكّار حقود منقبض جبار موسوس، لا يعلم أحد ما في نفسه، ولا يحبّ الخير لأحد.
المشتري: حسن الخلق ملهم بالعقل حليم عظيم الهمة ورع منصف، موصوف بالرئاسة على الأمصار (١٢) ، حريص على العمارات.
المريخ: له اضطراب الرأي وقلة الثبات والخرق والجهل والحمق والشر وقلة الورع.
الشمس: لها العقل والمعرفة والفهم والبهاء والزهو والاستطالة والعظمة وحب الثناء الحسن ومخالطة الناس والانقياد لهم وسرعة الغضب.
الزهرة: لها حسن الخلق والبهجة والشهوة وحب الغناء واللهو واللعب والصلف والترف والتجمل والعدل والطمأنينة إلى كل أحد.
стр. 223
عطارد: له الذكاء والفطنة والحكمة والسكينة والوقار والعطف والرأفة والحفظ والثبوت في كل أمر، والحرص على الديانة (١) وكتمان السر والمحمدة، ورعاية حقوق الإخوان (٢) ، والكف عن الشر (٣) .
القمر: له سلامة القلب، والانطباع بطباع الناس، فيكون ملكاً مع الملوك وسوقياً مع السوقة، كتوم (٤) الشر يشتهي الجمال والمدح، كثير الانبساط إلى الناس، مكرم النفس قويّ (٥) العقل.
٢٤ - النوع الرابع والعشرون: في الأفعال الظاهرة (٦) :
زحل: من كان طالع مولده كان صادق القول والمودة صاحب التؤدة والتجارب بعيد الغور كتوم السر، إذا غضب لم يملك نفسه، مصر على فعله.
المشتري: صادق القول فهم سخي النفس صادق المودة متورع كاره الشر.
المريخ: صاحب الجسارة والاقدام على اللجاج والسَّفه (٧) وفحش اللسان والطيش والخداع.
الشمس: صاحب اللطافة وحب الاشتهار والقوة والغلبة والحدة مع سرعة الرجوع.
الزهرة: السخاء والحرية، والرقة على الاخوان والطاعة لهم، والعجب والزهو وقوة البدن ومنعة (٨) النفس وحب الأولاد وبرهم.
عطارد: صاحب الصبر والظرف وبعد الغَوْرِ وتلوّن الأخلاق، وحب الاطلاع على الأسرار، والحرص على الديانة والذكر وطاعة الله ، مع المكر والخداع.
القمر: يكون طيب النفس كثير الكلام أحياناً، أكبر همته اليسار (٩) واظهار المروءة.
стр. 224
النوع الخامس والعشرون: في الأفعال والطبائع (١) :
زحل: له العدمة الطويلة (٢) والفقر الشديد والثروة، مع البخل على نفسه وغيره، والعسر والنكد والشدائد والهموم والحيرة وإيثار العزلة، والاستعباد للناس بالظلم واستعمال الغش (٣) والحيل والبكاء والحزن.
المشتري: له معونة الناس والاصلاح بينهم وبذل النصفة منهم، وإظهار السرور لكل من يقارنه، والتمسك بالدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصدق الرؤيا، وكثرة الضحك والنكاح والمزاح، وشدة الرغبة في المال والاشتغال والتغرير (٤) بالنفس.
المريخ: له العزلة والأسفار والخصومة والحرب وأعمال الشر (٥) ، وقلة الخير وإفساد الأشإء الصالحة والكذب والنميمة والأيمان الكاذبة، وكثرة الشهوة والنكاح الفاحش، والحرص على القتل، والغصب (٦) والإباق.
الشمس: لها الحرص على الرئاسة، والرغبة في جمع المال، والاهتمام بأمور المعاد، والاقتدار على الأسرار، وقهر ذوي المعاصي، فيضرّ وينفع، ويخفض ويرفع، ويسيء إلى من عاداه (٧) غاية الإساءة حتى يشقي (٨) ، ويُسْعِد مَن (٩) يوده، فإذا كانت في شرفها دلّت على الملوك، وإذا كانت بالضدِّ فعلى الذين زال عنهم الملك.
الزهرة: لها البطالة والضحك والاستهزاء والرقص وحب الخمر واللعب بالشطرنج والنرد وكثرة الأيمان والكذب والخلاعة (١٠) ، والتصدي للرجال والتأنيث (١١) ، وكثرة النكاح من وجوه شنيعة في الدبر والسّحق وحب الزنا والبغاء (١٢) .
стр. 225
عطارد: له حسن التعلم للأدب والعلوم الدينية (١) والمنطق، وهو حلو الكلام ذلق اللسان سريع البيان حسن الصوت، حافظ للأخبار مفسد للمال (٢) ، كثير الرزايا من الأعداء، كثير الخوف منهم، سريع في الأعمال، حريص على الاستكثار من الوصائف، ويدل على السعاية والنميمة (٣) .
القمر: له الكذب والنميمة والاعتناء بصلاح الابدان، والسعادة في المعاش، والسعي في إطعام الطعام، وقلة النكاح، ويكون طيب النفس.
٢٦ - النوع السادس والعشرون: في دلالاتها على طبقات الناس (٤) :
زحل: يدل على أرباب الصنائع، وقهارمة الملوك، ونساء الملك المتعسفات (٥) ، والعبيد، والسفلة والثقلاء والخصيان واللصوص.
المشتري: يدل على الملوك والوزراء والأشراف والعلماء والقضاة والعباد والفقهاء والتجار والأغنياء.
المريخ: يدل على القواد والجنود والنفاطين.
الشمس: تدل على الملوك العظماء والرؤساء وأصحاب الذكر والقضاة.
الزهرة: تدل على الأغنياء ونساء الملوك والزواني والزناة وأولادهم.
عطارد: يدل على التجار والكتاب وأصحاب الدواوين.
القمر: يدل على الملوك والأشراف والأحرار والحرائر.
٢٧ - النوع السابع والعشرون: في الأديان (٦) :
زحل: يدل على اليهودية وسواد اللباس.
المشتري: يدل على النصرانية وبياض اللباس.
المريخ: يدل على عبادة الأصنام وشرب الخمور وحمرة اللباس.
الشمس: تدل على الملك ورفعة التاج على الرأس.
стр. 226
الزهرة: تدل على الإسلام.
عطارد: يدل على مناظرة الناس في كل دين.
القمر: يدل على التدين بكل دين غالب.
٢٨ - النوع الثامن والعشرون: في أرباب أيام الأسبوع وساعاته ولياليه:
الأيام:
السبت لزحل، الأحد للشمس، الاثنين للقمر، الثلاثاء للمريخ، الأربعاء لعطارد، الخميس للمشتري، الجمعة للزهرة، وقد نظمت وضمنت اختيار الأعمال (١) :
لنعم اليومُ يومُ السبتِ حقّاً ... لصيدٍ إنْ أردتَ بلا امتراء
وفي الأحد البناءُ فإنَّ فيه ... بدا الرحمن في خلق السماء
وفي الاثنين إن سافرتَ فيه ... (٢) تنبأ بالنجاح وبالنجاء
وان رمتَ الحجامةَ فالثلاثا ... فذاك اليوم (٣) مهراقُ الدماء
وان (٤) رام امرؤ يوماً دواءً ... فنعم اليومُ يومُ الأربعاء
وفي يوم الخميس قضاءُ خيرٍ (٥) ... ففيه الله يأذنُ بالقضاء
وفي الجمعاتِ تنعيمٌ (٦) بأهلٍ ... ولذَّاتُ الرجالِ مع النساء أرباب الساعات في أيام الأسبوع ولياليه:
أول ساعة من يوم الأحد وليلة الخميس للشمس، وأول ساعة من يوم الاثنين وليلة الجمعة للقمر، وأول ساعة من يوم الثلائاء وليلة السبت للمريخ، وأول ساعة من يوم الأربعاء وليلة الأحد لعطارد، وأول ساعة من يوم الخميس وليلة الاثنين للمشتري، وأول ساعة من يوم الجمعة وليلة الثلاثاء للزهرة، وأول ساعة من يوم السبت وليلة الأربعاء لزحل.
стр. 227
وأما سائر ساعات الليل والنهار فتقسم بين هذه الكواكب على أفلاكها، مثال ذلك: إن الساعة الثانية من يوم الأحد للزهرة التي فلكها دون فلك الشمس، والساعة الثالثة لعطارد الذي فلكه دون فلك الزهرة، والساعة الرابعة للقمر الذى فلكه دون فلك عطارد، والساعة الخامسة لزحل الذي فلكه أول أفلاك الدراري، والساعة السادسة للمشتري، والسابعة للمريخ، والثامنة للشمس، وعلى هذا الترتيب سائر ساعات الأيام والليالي تبتدئ بالساعة الأولى من رب الساعة الأولى، وتسوقها على توالي الأفلاك، كما بيناه.
٢٩ - النوع التاسع والعشرون: فيما لها من البخورات (١) :
زحل: ميعة يابسة. زبيب. جاوشير. قشور كندر. قشور بيض.
المشتري: لاذن. حماما. قردمانا. جنطيانا رومي.
المريخ: بزر اللفت. بسباسة. ساذنج هندي.
الشمس: قشور نارنج. أظافر الجن.
الزهرة: ميعة يابسة، لاذن. كافور. مسك.
عطارد: سنبل الطيب. ورد فارسي. أظافر الجن.
القمر: صندل أبيض وأحمر. قشور بيض النعام. نرجس طري.
واعلم أن بخور الكواكب يختلف بحسب الأغراض والمقاصد المطلوبة بها، والنوازل والأحوال المرادة لها، وقد ذكر في البخورات أيضاً: زحل: ميعة، المشتري: حب الغار، المريخ: سندروس، الشمس: عود، الزهرة: زعفران، عطارد: مصطكي، القمر: كتان.
وفي كتاب هرمس (٢) : أن دخنة زحل: زعفران وقردمانا وقشور الكندر ووسخ الصوف ومخ السنور؛ وفي نسخة أخرى: أفيون واصطرك أجزاء متساوية، يدق ويعجن بأبوال المعز ويعمل فتائل، ويبخر بها وقت الحاجة في مجمرة أَسْرُب. وفي كتاب آخر: أبهل وشيح رومي وتمر عجوة وبزر فنجكست ومرّ أحمر، من كل واحد
стр. 228
خمس أواقي، تدق وتنخل وتعجن بشراب ريحاني، وتقرّص زنة مثقال القرص.
وقال ابن وحشية في أبواب زحل: ينبغي أن يضاف إلى بخورها كلها البرشاوشان، وفي أبواب عطارد: لا بد من شعر الناس وليكن أقل الأجزاء، وفي أبواب المريخ: شعر القرد وليكن أقلّ الأجزاء، وفي أبواب القمر: اليبروح، وفي أبواب الشمس: العود.
واعلم أن جميع هذه البخورات المذكورة على اختلافها صحيحة، وإنما الاختلاف فيها بحسب اختلاف الأغراض المقصودة بأعمالها، وكذلك أيضاً يختلف ما لكل كوكب منها من القرابين والدعوات والأسماء وفصوص الخواتيم ونقوش الفصوص مما يخص كل كوكب منها ويضاف إليه، وقد يختلف ذلك أيضاً بحسب اختلاف الأغراض المطلوبة والمقاصد المرادة بها.
٣٠ - النوع الثلاثون: في قول كلي في دلالات هذه الكواكب السبعة، بالانفراد والاجتماع:
قال أبو معشر في " أسرار النجوم ": المريخ إذا انفرد بطبعه وخلا من كل اتصال ونظر وممازجة ومشاركة لم يدن على شيء من الخير بتة، وربما دلّ على لبوة أو نمر أو على نار لا ينتفع بها ويتأذى بريحها وشررها، وربما دلّ على حرق أو قتل كبير. وزحل إذا انفرد بدلالته دون نظر أو ممازجة أو غير ذلك لم يدل على شيء من الخير، ولكن يدل على براري مقفرة لا أنيس بها، وعلى سروب منتنة هائلة في حال أخرى، وعلى جبال صعبة جرد لا نبات بها في حال أخرى، وعلى آبار مظلمة طوالٍ لا ماء فيها في حال أخرى.
قال شاذان، قلت لأبي معشر: قد ذكر قوم من أهل هذه الصناعة أنه يدل على معادن الحديد والشجر الطوال العادية، قال: كل ذلك بممازجات تقع فيه، أما الحديد فبنظر المريخ إليه نظر مودة، وعطارد والمشتري نظر تربيع أو مقابلة، وأما الشجر الطوال العادي فهو أن يكون في الجوزاء أو في الميزان وتنظر إليه الزهرة وعطارد، وليس عن مودة، فيصير نظر السعود من غير مودة منفعةً، لأن السعود إذا نظرت من مودة عملت الخير وسهلته، وإذا نظرت من عداوة حللت الشر وجعلته إلى الخير في مدة بطيئة فيها مشقَّةٌ وتعبٌ ومؤنة.
٥٨٠ - القول فى اجتماع الكواكب السبعة وافتراقها:
قال أبو معشر: اجتماع الكواكب ممكن، وما رأيته قط، ولا بلغني أن أحداً
стр. 229
رآه، ولكن سمعت مشايخنا يقولون: إنما يحدث الملك العظيم الكبير من القرانات العظيمة.
وقال كهلة الهندي: إذا اجتمعت الكواكب فأسرعها خروجاً يتخذ دليلاً لمدة دوره الأكبر، ثم الذي يليه.
وذكر يحيى بن أبي منصور ومحمد بن الجهم أنه إذا اجتمعت الثلاثة العلوية في حدٍّ أو صورة، ونظرت إليها الشمس، فهو القرآن العظيم الذي يتولد منه الملك والدول العظام، ولا يبالي بالكواكب السفلية بعد ذلك.
قال: كشف سر مصون في بيان السبب الموجب لانفعال هذا العالم السفلي عن العالم العلوي بالطلسمات والسحر والرقى والبخور، قال أرسطو طاليس في كتابه العظيم القدر في الحكمة الملقب ب " أثلوجيا " ومعناه " الربوبية " (١) : الأعمال الكائنة من الرقى والسحر إنما تكون من جهتين، إما بملاءمة واتفاق الأشياء المتشابهة، وإما بالتضاد والاختلاف، وإما بكثرة القوى واختلافها، غير أنها وإن اختلفت فإنها متمِّمة للجزء الواحد، فإنه ربما حدثت الأشياء من غير حيلة احتال لها المحتال؛ والسحر الصناعي كذب لأنه كله يخطئ ولا يصيب؛ فأما السحر الحقّ الذي لا يخطئ ولا يكذب فيه فهو سحر العالم، وهو المحبة والغلبة؛ والساحر العالم هو الذي يتشبه بالعالم ويعمل أعماله على نحو استطاعته، وذلك أنه يستعمل المحبة في موضع، والغلبة في موضع آخر، وإذا أراد استعمال ذلك استعمل الأدوية والحيل الطبيعية، وتلك في منبثّة في الأشياء الأرضية، غير أنَّه منها ما يقوى على فعل المحبة في غيره كثيراً ومنها ما ينفعل في غيره فينقاد له، وإنما بدْء السحر أن يعرف الساحر الأشياء المنقادة بعضها لبعض، فإذا عرفها قوى على جذب الشيء بقوة المحبة الفاعلة التي في الشيء. وقد يوجد في الأشياء شيء يجمع بين النفس والنفس، كالأكَّار الذي يجمع بين الغروس (٢) المتباينة بعضها على بعض. وصاحب الرقى يرقي ويسمي الشمس أو بعض الكواكب، ويطلب إليها ويفعل ما يريد فعله، لا أنّ الشمس والكواكب تسمع دعاءه وكلامه، لكن إنما وافق دعاء الداعي ورقيةُ الراقي أن تتحرك تلك الأجزاء بنوع من الحركة وتتشكل بنوع من
стр. 230
الشكل، فيحسّ الجزء السفلي تلك الحركة كما يحسّ بعض أجزاء الإنسان بحركات بعض، وذلك بمنزلة وتر واحد ممتد تحرّك أسفله فتحرك أعلاه، وربما حُركت بعض الأوتار فتحرك الوتر الآخر، كأنه أحسّ بحركة ذلك الوتر، فكذلك أجزاء العالم: ربما حرك المحرك بعض أجزائه، فيتحرك لتلك الحركة جزء آخر، كأنه يحسّ بحركة ذلك الجزْ، لأن أجزاء العالم كلها منظومة بنظامٍ واحد، كأنها حيوان واحد وانسان واحد، وربما حرّك الضارب العود فتتحرك أوتار العود الآخر لتلك الحركة، كذلك العالم الأعلى: ربما حرّك جزء من أجزاء هذا العالم مبايناً لصاحبه مفارقاً فيتحرك بحركته جزء آخر، وهذا يدلّ على أن بعض أجزاء العالم يحسّ بالآثار الواقعة على بعض أجزاء العالم - كما بيناه - قال: فكما أن بعض أجزاء الحيّ تحسّ بالأثر الواقع على بعضٍ كذلك يحسّ بعض أجزاء العالم بالأثر الواقع على بعض لشدة اتصالها وائتلافها واتحاد بعضها ببعض.
قال: ونقول إن لكل الأشياء الأرضية قوى تفعل أفاعيل عجيبة، وإنما نالت
تلك القوى من الأجرام السمائية، فمن استعمل تلك الأشياء الطبيعية ذوات القوى العجيبة (١) في الغرض الملائم لذلك الفعل، رأى تلك الأثار في الشيء الذى أراده.
قال: وربما أثر بعض أجزاء العالم في بعض آثاراً معجبة بلا حيلة يحتالها أحد، وربما جذب بعض أجزاء العالم بعضاً جذباً طبيعياً، فيتوحد به، وربما عرض من دعاء الداعي وطلب الطالب أمور عجيبة أيضاً بالجهة التي ذكرناها آنفاً، وذلك أن يكون دعاؤه (٢) يوافق تلك القوى، فتنزل إلى هذا العالم وتوثر آثاراً عجيبة، وليس بعجب أن يكون الداعي ربما سُمِعَ منه، لأنه ليس بغريب من هذا العالم، ولا سيما إذا كان الداعي مؤمناً صالحاً.
فإن قال قائل: فما تقولون إذا كان صاحب الدعاء شريراً، وفعل تلك الأفعال العجيبة؟ قلنا: إنه ليس بعجب أن يكون المرء الشرير يدعو أو يطلب فيجاب إلى ما دعا وطلب، لأن المرء الشرير يستقي من النهر الذي يستقي منه المرء الصالح، والنهر لا يميز بينهما بل يسقيهما جميعاً، فإن كان هذا هكذا ورأينا المرء - شريراً كان أو صالحاً - ينال من الشيء المباح لجميع الناس، فلا ينبغي أن يعجب من ذلك.
стр. 231
فإن قال قائل: فالعالم إذن كله بأسره ينفعل فيعمل بعضه الآثار في بعض، قلنا: إن العالم الأرضي هو الذي ينفعل، وأما العالم السمائي فإنه يفعل ولا ينفعل، وإنما يفعل في العالم الأرضي أفاعيل طبيعية ليس فيها فعل عرضيّ، لأنه فاعل غير منفعل من فاعل آخر جزئي، فأفاعيله كلها طبيعية ليس شيء منها عرضاً، لأنه إن عرض فيها عارض فلا يكون بغاية الإتقان والصواب.
قال محمد بن موسى (١) : قال: حدثني يحيى بن أبي منصور، دخلت على المأمون، وعنده جماعة من المنجمين، وعنده رجل تنبأ ودعا له القضاة والفقهاء، ولم يحضروا بعد، ونحن لا نعلم، فقال لي ولمن حضر من المنجمين: خذوا طالعاً لدعوى رجلٍ في شيءٍ يدعيه، وعرفوفي ما يدلّ حاله عليه، من كذبه في دعواه أو صدقه. ولم يعلمنا المأمون أنه متنبئ، فأخذنا الطالع وأحكمنا موقع الشمس والقمر في دقيقة واحدة مع دقيقة الطالع، وسهم السعادة وسهم الغيب في دقيقة الطالع، والطالع الجدي، والمشتري في السنبلة ينظر إليه، وعطارد والزهرة في العقرب (٢) ينظران إليه، فقال من حضر من القوم: كل ما يدعيه صحيح، وأنا ساكت، فقال لي المأمون: قل، فقلت: هو في طلب تصحيحه (٣) ، وله به حجة زهرية عطاردية، وتصحيح الذي يدعيه لا يتمُّ له ولا ينتظم، فقال لي: من أين؟ قلت؟ قلت: لأن صحة الدعاوى من المشتري، والمشتري ينظر إليه نظر موافقة، إلا إنه كاره لهذا البرج، فلا يتمّ له التصديق والتصحيح، والذي قالوا من حجة عطاردية زهرية فإنما هو من جنس الخداع، والمنجمون يتعجبون (٤) منه، فقال المأمون: أحسنت، لله درّك! أتدرون من الرجل؟ قلت: لا، قال: هذا يدعي النبوة، قلت له: يا أميرالمؤمنين، معه شيء يحتجُّ به؟ فسأله فقال: نعم معي خاتم ذو فصين ألبسه فلا يتغير مني شيء، ويلبسه غيري فيضحك ولا يتمالك من الضحك
стр. 232
حتى ينزعه، ومعي قلم شامي أكتب به، ويأخذه غيري فلا تنطلق به يده، فقلت له: هذه الزهرة وعطارد قد عملا عملهما. فأمره المأمون بعمل ما ادعاه، فعمله، فقلنا: هذا ضرب من الطلسمات. فما زال به المأمون أياماً كثيرة يستنزله عن دعواه ويرغبه ويعده بالاحسان حتى أقرّ بصورة عملت في الخاتم والقلم، وتبرأ من دعوى النبوة، وأعلمه أنه إنما جعل ذلك سبباً للوصول إليه، فوهبه المأمون ألف درهم، ووجدناه أعلم الناس بعلم النجوم، وهو من أصحاب عبد الله بن السريّ، وهو الذي عمل طلسم الخنافس في دور كثيرة من دور بغداد.
قال أبو معشر: نزلت في خانٍ ببعض قرى الريّ في قافلةٍ، ومعنا كاتبٌ من أهل بغداد، فلما استقرّ بنا المجلس أكلنا وأخرجتُ شراباً كان معي، فعرضت على الكاتب فشربنا، وذكرنا النجوم، فإذا هو قد نظر في شيء منها، فسألني عن القمر أين هو في الغد؟ فقلت: في تربيع المريخ فهل لك أن نقيم غداً؟ قال: نعم إن ساعدنا المكارون على ذلك، فكلمناهم فأجابوا على أن نعطيهم العلف، وسألنا أهل القافلة أن يقيموا فأبوا وسخروا منا وأنكروا ما قلنا، فأقمنا وارتحلوا، ونظرت في الارتفاع عند رحيلهم فإذا الطالع الثور وفيه المريخ، والمقر في الأسد، فقلت لهم: الله الله في أنفسكم، فامتنعوا من المقام ومضوا، وأقمت أنا والكاتب، فلم يبعدوا حتى رأينا جماعة من القافلة دخلوا علينا مجردين، وقد قطع عليهم الطريق على فرسخين من الموضع، وقد قتل بعضهم وأخذ ما كان معهم، فلما رأوني أخذوا لي الحجارة والعصي وقالوا: يا ساحر يا كافر قتلتنا وعاملت علينا وقطعت علينا الطريق!! فخلصت منهم بعد جهد، والتزمت أن لا أكلم أحداً من العوام والسوقة بشيء من أسرار النجوم.
قال أمير من اأراء أفريقية يوماً لشاعر ظريف من شعراء مجلسه: أيّ برج لك في السماء؟ فقال: واعجبا منك، أنا ما لي بيت في الأرض، يكون لي برجٌ في السماء؟! فضحك وأمر له بدار يسكنها.
стр. 233
فراغ
стр. 234
الباب التاسع
في شرح ما تشتمل عليه أسماء الأجرام العلوية وما يتصل بها واشتقاقه (١) :
٥٨١ - السماء: تذكر وتؤنث والتأنيث أكثر، وفي التنزيل العزيز: (والسماء بنيناها بأيد) ، وفي التذكير: (السماء منفطر به) ، وقد تلحق الهاء مع المدة فيقال سماءة، وتلحق أيضاً مع غير مدة فيقال سماة، وأما السماوة بالواو فسماوة كل شيء أعلاه، وسميت سماء لعلوها، وكل ما علا فهو سماء، ومنه سماء البيت وسماوته. وتسمى الجرباء لمكان كواكبها، شبهت بالبثور في جلد الأجرب، وتسمى الرقيع اسم علم لها وفي الحديث: " من فوق سبعة أرقعة " كقولك سبع سموات.
٥٨٢ - الفلك: اسم يقع على الاستدارة، ومنه سميت فلكة المغزل، ويقال تفلَّك ثدي الجارية إذا استدار.
٥٨٣ - القطبان: نقطتان في الفلك إحداهما في الشمال والأخرى في الجنوب، والكواكب كلها تدور حول القطبين؛ قال الشاعر:
مالت إليه طلانا واستطيف به ... كما تطيفُ نجومُ الليل بالقُطُبِ قال أبو عمرو الشيباني: هو القُطب والقِطْب - بضم القاف وكسرها - والقطب الشمالي ظاهر لنا تدور حوله بنات نعش الصغرى والكبرى، وأما القطب الجنوبي فليس يظهر بشيء من جزيرة العرب.
٥٨٤ - الأفق: للسماء آفاق وللأرض آفاق، فآفاق السماء ما انتهى إليه البصر راجعاً مع وجه الأرض من جميع نواحيها. وهو الحد بين ما بطن من الفلك وبين ما ظهر.
стр. 235
قال الراجز (١) يصف الشمس:
فهي على الأُفْقِ كعين الأَحْولِ ... صغواء قد كادتْ ولما تفعلِ شبهها بعين الاحول لميلان عينه في إحدى الشقين، والصغواء: المائلة للمغيب.
وأما آفاق الأرض فأطرافها من حيث أطافت بك، قال الراجز (٢) :
يكفيك من بعض ازديار الآفاق ... سمراء مما دوَّسَ ابنُ مِحراقْ السمراء: الحنطة، ودوّس وداس بمعنى واحد.
وكبد السماء وسطها، وعين السماء اختلف اللغويون فيها اختلافاً غير بعيد، مداره على أن عين السماء بين الجنوب والدَّبور عن يمينك إذا استقبلت قبلة العراق، وعين السماء مظنة للمطر إذا نشأت منه السحاب.
٥٨٥ - المجرة (٣) : جاء في الأثر أنها سرج السماء، كأنها مجمع السماء، كشرج القبة، وسميت مجرة على التشبيه لأنها كأثر السحب والمجر، وتسميها العرب أمَّ النجوم لأنها ليس في السماء بقعة أكثر عدد كواكب منها، كما يقال أمّ الطريق لمعظمها، قال تأبط شراً (٤) :
يرى الوحشةَ الأُنسَ الأنيسَ ويهتدي ... بحيث اهتدت أمُّ النجوم الشوابكِ ٥٨٦ - الهواء: - ممدود - هو القبو الذي بين السماء والأرض، وهو السكاك - بفم السين - والسكاكة والُّلوح بضم اللام والسِّحاح - بسين مفتوحة غير معجمة وحاء.
٥٨٧ - البروج: في التنزيل العزيز: (والسماء ذات البروج) وفيه، (ولقد جعلنا في السماء بروجاً) ، والناس مجمعون على أنها اثنا عشر برجاً، وتسميها كل أُمّة بلغتها، ويتفقون في المعنى على معاني لغة العرب، ويبدأون كما يبدأ العرب بالحمل ويسمى الكبش ثم يعدون على الولاء الثور والجوزاء - وتسميها المنجمون التوأمين، فأما الصورة فيسمونها الجبار والبشر وليس هما عند
стр. 236
العرب - والسرطان والأسد والسنبلة - وتسميها المنجمون العذراء - والميزان والعقرب - وتسميه العرب الصورة - والقوس - وتسميها المنجمون الرامي - والجدي والدلو والحوت - وهو السمكة.
ولم تسمّ البروج بهذه الأسماء لأن كواكبها مشابهة في الصورة للأسماء المسماة بها، كما يظن كثير من العوام وأشباه العوام، وإن كنا نرى العقرب صورةً للعقرب، والجوزاء صورة إنسان، ولو كان ذلك لم يسمّ باقي البروج بأسماء صور غير موجودة فيها؛ على أن هذه الصور أيضاً غير ثابتة في أماكنها بل هي منتقلة على تأليف كوابها نقلةً خفية يعلمها أهل القياس والرصد جميعاً علمَ مشاهدة واضطرار، وتخفى على العوام وأشباههم، فهي بتنقلها تخرج من برج إلى برج، وأسماء البروج غير زائلة عنها، وإن زال نظم الكواكب. ومن الدليل الظاهر أيضاً على ذلك أن الذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك منسوبة كلها إلى أعضاء الأسد، وهي ثمانية منازل، وإنما البرج منزلان وثلث، فأنت تجد - على هذا - الأسد متفرقاً في أكثر من ثلاثة أبراج، وكذلك في العقرب وغيره من المنازل إذا استقريته وجدته على ما وصفت، واسم البرج في لغة العرب مشتق من البروج، وهو الظهور، ومنه برج البناء، وتبرج المرأة وهو تعرضها لأن تظهرَ وتُرىَ.
٥٨٨ - المنازل: وتسمى نجوم الأخذ:
قال الله : (والقمر قدرناه منازل) وهي ثمانية وعشرون منزلة بلا خلاف، وتسمى نجوم الأخذ كان منها ما هو نجم واحد، وكان منها ما هو أكثر، وقد قيل للثريا " نجم " - اسم علم - وهي ستة كواكب، والنجم وإن كان اسماً علماً للثريا وقد شهرت به، فقد يقولون: هذا نجم الثريا، إذا جعلوه اسماً لجماعة كواكبها، ويقولون: هذه نجوم الثريا، إذا جعلوا كل كوكب منها نجماً. وسميت نجوم الأخذ لأخذ القمر (١) كل ليلة في منزل منها، وقيل: الأخذ: نزول القمر كل ليلة منزلاً من منازله يقال أخذ القمر نجم كذا وكذا، إذا نزل به، وقيل: نجوم الأخذ النيازك، وهي التي رُمي بها مسترق السمع لأنها تأخذه، والعمل على القول الأول. وأول المنازل:
١ - الشرطان (٢) : واحدها شَرَط. وشرط - بالإسكان - أيضاً، وهما كوكبان
стр. 237
على اثر الحوت، يقولون هما قرنا الحمل، والشرط في لغة العرب القرن.
٢ - ثم البطين (١) : وهي ثلاثة كواكب خفية على أثر الشرطين بين يدي الثريا، وقد تكلموا به مكبراً فيقولون البطن، ويزعمون أنها بطن الحمل.
٣ - ثم الثريا (٢) : وهي النجم، ولا يتكلمون بها مكبرة وهي تصغير ثروى، مشتقة من الثروة في العدد، وهي الكثرة، وهي انثى ثروان، كعطشى انثى عطشان. والمذهب في تصغيرها كالمذهب في تصغير جميعة، حقرت لقلتها وصغرها. والنجم اسم علم لها قد غلب عليها، يقال: طلع النجم، وغاب النجم، ويقولون: الثريا ألْيَة الحمل.
٤ - الدبران (٣) : الكوكب الأحمر الذي على أثر الثريا، بين يديه كواكب كثيرة مجتمعة، من أدناها إليه كوكبان صغيران يكادان يلتصقان، يقال هما كلباه، والباقي غنيمته، ويقولون قلاصه، قال ذو الرمة يشبهه (٤) :
وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماءٍ محلّقُ
يدف على آثارها دبرانها ... فلا هو مسبوق ولا هو يلحق
بعشرين من صغرى النجوم كأنها ... واياه في الخضراء لو كان ينطق
قلاصٌ حداها راكبٌ متعممٌ ... هجائن قد كادت عليه تَفَرَّق
قُرانى وأشتاتاً أجدَّ يسوقها ... إلى الماء من قرن التنوفة مطلق قرن التنوفة: أعلاها، والمطلق: الذي تطلب إبله الماء، وهو من الطلق في القرب ثم الورد.
وسمي دبراناً لدبوره الثريا، ويسمى تالي النجم، وتابع النجم، ثم كبر حتى عرف بالتابع مفرداً من غير إضافة، وكذلك حادي النجم من أسمائه والمجدح - بضم الميم وكسرها. والمنجمون يسمونه: " قلب الثور ". وليس كل كوكب دبر كوكباً يسمى دبراناً، وقد يُخَصُّ الشيء من بين جنسه بالاسم حتى يصير علماً له، وإن كان معناه يعم الجميع، كما سمي هذا النجم دبراناً والثريا نجماً.
٥ - الهقعة (٥) : هي رأس الجوزاء، وهي ثلاثة كواكب صغار مثفاة،
стр. 238
وتسمى الأثافيَّ تشبيها بها. وقال ابن عباس ﵁ لرجل طلق امرأته عدد نجوم السماء: يكفيك منها هقعة الجوزاء، أي تبينها ثلاث. ويقال للدائرة التي تكون بشقّ الفرس الهقعة، يقال منها: فرس مهقوع، وهي تكره.
٦ - الهنعة (١) : كوكبان بينهما قيد سوط في رأي العين، وهما على أثر الهقعة ويقال للهنعة الزرّ. وسميت الهنعة لتقاصرها عن الهقعة والذراع المبسوطة، وهي بينهما منحطة عنهما، يقال: أكمة هنعاء: إذا كانت قصيرة.
٧ - الذراع (٢) : هي ذراع الأسد المقبوضة (٣) ، وللأسد ذراعان: مبسوطة ومقبوضة، فالمقبوضة منهما هي اليسرى وهي الجنوبية، وبها ينزل القمر، وسميت مقبوضة لتقدم الأخرى عليها، والمبسوطة: هي اليمنى، وهى الشمالية. وكل صورة من نظم الكواكب فميامنها مما يلي الشمال، ومياسرها مما يلي الجنوب.
وأحد كوكبي الذراع المبسوطة هي:
٨ - الشعرى الغميصاء (٤) : وهي تقابل الشعرى العبور، والمجرة بينهما. وقد تكبر فيقال: الغمصاء، والغموص - بفتح الغين - ويقال لكوكبها الآخر الشمالي المرزم: مرزم الذراع، وهما مرزمان هذا أحدهما، والآخر في الجوزاء. وقيل الذراع المقبوضة بأسرها هي المرزم. وتقول الأعراب في أحاديثها: كان سهيل والشعريان مجتمعة، فانحدر سهيل وصار يمانياً وتبعته العبور، عبرت إليه المجرة، وأقامت الغميصاء، فبكت لفقد سُهيل حتى غمصت، والغَمَصُ في العين ضعف ونقص.
٩ - النثرة (٥) : ثلاثة كواكب متقاربة أحدها كأنه لطخة، يقولون: هي نثرة الأسد، أي انفه.
١٠ - الطرف (٦) : كوكبان بين يدي الجبهة، ويقولون: هما عينا الأسد.
١١ - الجبهة (٧) : جبهة الأسد، وهي أربعة كواكب خلف الطرف معرضة من
стр. 239
الجنوب إلى الشمال سطراً معوجاً، بين كل كوكبين منها قدر الذراع، والجنوبي منها هو الذي يسميه المنجمون: " قلب الأسد ".
١٢ - الزُّبرة والزَّبرة معاً (١) : زبرة الأسد، وهي كوكبان على أثر الجبهة بينهما قيد سوط في رأي العين، والزبرة كاهل الأسد وفروع كتفيه، ويسميان الخراتبن الواحدة خراة، ويقال الخرتان، كأنه شبه بالخرتِ وهو الثقب.
١٣ - الصرفة (٢) : كوكب واحد نير على أثر الزبرة، ويقولون هو قُنْبُ الأسد، والقنب: وعاء القضيب، وسمي صرفة لانصراف الحرّ عند طلوعه غدوة، وانصراف البرد عند سقوطه غدوة.
١٤ - العواء (٣) : قيل أربعة أنجم، وقيل خمسة، وهي خمسة لمن شاء، ومن شاء ترك واحداً، إلا أن خلقتها خلقة كتابة الكاف القائمة غير مشقوقة؛ وليست بالنيرة، وهي على أثر الصرفة؛ وسميت العواء بالكوكب الرابع الشمالي منها، وإذا عزلت هذا الكوكب الرابع كانت الثلاثة الباقية مثفَّاة الخلقة، وهم يجعلون العواء وركي الأسد، وآخرون يجعلونها محاشَهُ، ويجعلها آخرون كلاباً تتبع الأسد، وكأن هؤلاء تأولوا اسمها، والمحاش: حشوة البطن. والعواء يمد ويقصر. ويقال لها: عواء البرد، يزعمون أنها إذا طلعت أو سقطت جاءت ببرد، فلذلك قيل لها: عواء البرد.
١٥ - السماك٤: سماكان أحدها الأعزل، والقمر فلا ينزل الآخر وهو الرامح، وسمي رامحاً لكوكبٍ صغير بين يديه يقال له: راية السماك، وسمي الآخر أعزل لأنه لا شيء بين يديه، كأنه عندهم لا سلاح معه، قال كعب بن زهير يصف ناقته (٥) :
فلما استبان الفرقدانِ زَجَرْتُهَا ... وهبَّ سماكٌ ذو سلاحٍ وأعزلُ وهم يجعلون السماكين ساقي الأسد، وأحد السماكين جنوبي وهو الأعزل، والآخر شمالي. قال ابن كناسة: وربما عدل القمر فنزل بعجز الأسد وهي أربعة كواكب بين يدي السماك الأعزل منحدرة عنه في الجنوب، وهي مربعة على صورة
стр. 240
النعش يقال لها عرش السماك وتسمى " الخباء " وهم يجعلون لها في الأنواء حظاً، وسمي سماكاً لسموكه وإن كان كل كوكب قد سمك، وهذا مثل ما ذكرنا في الدبران.
١٦ - الغفر (١) : كواكب بين زبانى العقرب وبين السماك الأعزل خفية، على خلقة العواء، وهي ثلاثة ليس لها رابع، والعرب تقول: خير منزلةٍ في الأبد، بين الزبانى والأسد، يعنون الغفر.
١٧ - الزبانى (٢) : زبانيا العقرب أي قرناه، وما كوكبان مفترقان بينما أكثر من قدر قامة الرجل في المنظر، ويقال لهما زبانا الصيف لأن سقوطهما في زمان تحرك الحر.
١٨ - الإكليل (٣) : إكليل العقرب رأسها، وهي ثلاثة كواكب معرضة، بين كل كوكبين منها قدر ذراع في رأي العين.
١٩ - القلب (٤) : قلب العقرب الكوكب النير الأحمر الذي وراء الإكليل، وهم يستحسنونه. والقلوب أربعة هذا أحدها، وقلب الأسد وقد ذكرناه في وصف الجبهة، وقلب الثور وهو الدبران، وقلب الحوت وسيأتي ذكره.
٢٠ - الشولة (٥) : هي إبرة العقرب، وهي كوكبان صغيران مضيئان متقاربان في طرف ذنب العقرب؛ وقالوا: ربما نزل بالفقار فيما بين القلب والشولة، والفقار أحد كواكب ذنب العقرب، يجعلون كل كوكب منها فقرة، وهي ست فقر، والسابعة الإبرة.
٢١ - النعائم (٦) : ثمانية كواكب: أربعة في المجرة، وهي النعام الوارد، وأربعة خارجة عن المجرة منحدرة، وهي النعام الصادر، فكلُّ أربعة منها على شبيه التربيع، وفوقها كوكب إذا تأملته مع كوكبين من النعام الصادر وكوكبين من النعام الوارد شبهتها بناقة، وقيل للوارد وارداً لشروعه في المجرة، وقيل للصادر صادراً لتنحيه عنها.
٢٢ - البلدة (٧) : رقعة من السماء لا كوكب فيها، بين النعائم وسعد الذابح.
стр. 241
ويقولون: ربما عدل القمر أحياناً فنزل بالقلادة، وهي كواكب صغار خفية فوق البلدة تشبه القوس بنبل ومعجس، وتسميها العامة القوس، وتسمي موضع النعائم الوصل.
٢٣ - سعد الذابح (١) : كوكبان غير نيرين، وكذلك السعود كلها، وبينهما في رأي العين قيس ذراع، وذِبْحُهُ كوكب صغير قد كاد يلصق بالأعلى منها، تقول الأعراب: هو شاته التي تذبح، قال الطرماح:
ظعائنُ شمنَ قريحَ الخريفِ ... من الفرغِ والأَنْجُمِ الذّابِحَهْ قريحه: أوله.
٢٤ - سعد بلع (٢) : نجمان نحو من سعد الذابح أحدهما خفيّ جداً وهو الذي بلعه أي جعله بلعاً كأنه يسترطه سمي بلعاً لأنه طلع فيما يزعمون حتى قيل (يا أرض ابلعي ماءك) ولا ندرى ما هذا.
٢٥ - سعد السعود (٣) : كوكبان أيضاً من نحو سعد الذابح، وسمي سعد السعود بالتفضيل عليها لأنّ الزمان في السعدين قبله قسي، وطلوع سعد السعود يوافق منه لينا في دبره؛ قالوا: وربما قصر القمر فنزل بسعد ناشرة وهو أيضاً كوكبان أسفل من سعد السعود.
٢٦ - سعد الأخبية (٤) : ثلاثة كواكب متحاذية متقاربة، فوق الأوسط منها كوكب رابع، كأنها في التمثيل رجل بطة. وقيل: إن السعد منها واحد وهو أنورها، وإن الثلاثة أخبية، وقيل: سمي بالأخبية لأنه إذا طلع انتشرت الهوام، فخرج منها ما كان مختفياً بالبرد، لأن طلوعها في قبل الدفء، والسعود متناسقة بعضها على أثر بعض.
٢٧ - الفرغ الأول (٥) : هو فرغ الدلو، والدلو أربعة كواكب مربعة واسعة، بين كل كوكبين منها قدر قامة الرجل أو أكثر في رأي العين، فهم يجعلون هذه الكواكب الأربعة عراقي الدلو؛ وفرغ الدلو مصبّ الماء من بين العرقوتين، وقد يقولون لهما: العرقوة العليا والعرقوة السفلى بدل الفرغ الأول والفرغ الثاني.
стр. 242
٢٨ - الفرغ الثاني (١) : وهو العرقوة السفلى كمثل الفرغ الأول، وقد يقال للفرغ الأول ناهزا الدلو المقدمان، والفرغ الأسفل ناهزا الدلو المؤخران، والناهز الذي يحرك الدلو ليمتلئ. قالوا: وربما يقصر القمر أحياناً فينزل بالكربِ الذي وسط العراقي الأربع، والكرب من الدلو ما يُشَدّ به الحبل على العراقي.
٢٩ - الرشا (٢) : هو السمكة، وهي كواكب في مثل خلقة السمكة، وفي موضع البطن منها من الشق الشرقي نجم منير به ينزل القمر، يسمونه بطن السمكة، والمنجمون يسمونه " قلب الحوت ".
ويقال لما بين المنازل الفرج، فإذا قصر القمر عن منزلة واقتحم التي قبلها فنزل بالفرجة بينهما استحبوا ذلك، إلاّ الفرجة التي بين الثريا والدبران، فإنهم يكرهونها ويستخسونها، ويقال لها " الضيقة "، سميت ضيقة لضيقها عندهم، فإنهم يتواصفون قصر مدة ما بين طلوع النجم وطلوع الدبران.
٥٨٩ - ذكر حظوظ البرج من المنازل:
اعلم أن لكل منزلتين وثلث برجاً. نبدأ بالبروج من الحمل، وبالمنازل من الشرطين:
فللحمل: الشرطان والبطين وثلث الثريا.
وللثور: ثلثا الثريا والدبران وثلثا الهقعة.
وللجوزاء: ثلث الهقعة والهنعة والذراع.
وللشرطان: النثرة والطرف وثلث الجبهة.
وللأسد: ثلثا الجبهة والزبرة وثلثا الصرفة.
وللسنبلة: ثلث الصرفة والعواء والسماك.
وللميزان: الغفر والزبانى وثلث الإكليل.
وللعقرب: للثا الإكليل والقلب وثلثا الشولة.
وللقوس: ثلث الشولة والنعائم والبلدة.
وللجدي: سعد الذابح وسعد بلع وثلث سعد السعود.
وللدلو: ثلثا سعد السعود وسعد الأخبية وثلثا الفرغ المقدم.
وللحوت: ثلث الفرغ المقدم والفرغ المؤخر والرشا.
стр. 243
ولكل برج من هذه البروج رقيب من البروج، ولكل منزل رقيب من المنازل فرقيب كل برج من البروج السابع، ورقيب كل منزل المنزل الخامس عشر، ومعنى الرقيب الذي في غروبه طلوع الآخر، وهو مأخوذ من المراقبة، كأنه يراقب بالطلوع غروب صاحبه؛ قال الشاعر:
أحقاً عبادَ الله أنْ لستُ آتياً ... بثينةَ أو يلقى الثريا رقيبُهَا والمعنى لست لاقيها أبداً لأن هذا لا يكون، وكيف يلتقيان وأحدهما إذا كان في المغرب كان الآخر في المشرق.
٥٩٠ - ذكر حلول الشمس في البرج والفصول:
الشمس تحل برأس الحمل لعشرين ليلة تخلو من آذار، وعند ذلك يعتدل الليل
والنهار، ويسمى الاستواء الربيعي؛ ثم لا يزال النهار زائداً والليل ناقصاً إلى أن يمضي من حزيران اثنان وعشرون يوماً، وذلك أربع وستون ليلة، فعند ذلك ينتهي طول النهار وقصر الليل، ويتصرم ربع الربيع ويدخل الربع الذي يليه، وهو الصيف، وذلك بحلول الشمس برأس السرطان، ويبتدئ الليل بالزيادة والنهار بالنقصان إلى ثلاثة وعشرين ليلة تخلو من أيلول، وذلك ثلاث وتسعون ليلة، وعند ذلك يعتدل الليل والنهار ثانية، ويسمى الاعتدال الخريفي. ويتصرم ربع الصيف ويدخل ربع الخريف، وذلك بحلول الشمس برأس الميزان، ويأخذ الليل في الزيادة والنهار في النقصان إلى أن يمضي من كانون الأول إحدى وعشرون ليلة، وذلك تسع وثمانون ليلة، فعند ذلك ينتهي طول الليل وقصر النهار، وينصرم فصل الخريف ويدخل فصل الشتاء، ويبتدئ النهار في الزيادة، وذلك بحلول الشمس برأس الجدي إلى مسيرها إلى رأس الحمل، وذلك تسع وثمانون ليلة وربع، فعندها ينصرم فصل الشتاء ويدخل الربيع، فعلى هذا دور الزمان. قال: وللناس في ذلك خلاف، وإنما ذكرنا هاهنا ما عليه الجمهور من مذاهب العرب.
٥٩١ - ذكر الشمس والقمر والنجوم المتحيرة (١) :
١ - الشمس: الشرق: الشمس، يقال: آتيك كل يوم طلع شرقه، يريد بذلك شمسه، ويقال طلع الشرق، ولا يقال غاب الشرق، والغزالة من أسماء الشمس عند الطلوع أيضاً، يقال طلعت الغزالة، ولا يقال غابت الغزالة. والجونة: الشمس وذلك لأنها تسود عند المغيب، يقال لا آتيك حتى تغيب الجونة، ولا يقال حتى تطلع الجونة. والجون من الأضداد يكون للأبيض والأسود. ومن أسماء الشمس الاهة، قال
стр. 244
أبو حنيفة: وأظن أنها تأنيث اله، قال: واحسب أنها سميت بذلك لأنها تعبد؛ قال الشاعر (١) :
تَروَّخْنَا من اللعباءِ قَصْراً ... فأعجلنا إلاهةَ أَنْ تؤوبا ويقال لها: العين والسراج، فأما الضحّ فما انبسط من ضوئها على الأشياء. وقرن الشمس أعلاها وأول ما يبدو منها، وحواجبها: نواحيها، وأَياة الشمس شعاعها وضوؤها، وإِيا الشمس - مكسور مقصور - وأياء الشمس - مفتوح ممدود -؛ وزعموا أن أَياء النور أيضاً حسنه وزهرته.
٢ - القمر: يسمى الزبرقان، وبه سُمِّي الرجل، ويقال له أيضاً الساهور، وقيل الساهور نبطي معرب، والدائرة التي تحيط بالقمر الهالة، ويقال لما وقع من ضوئه على الأرض الفخت، يقال: جلسنا في الفخت، إذا جلسوا في القمر. وقال الجواليقي في " ما عرب من كلام العرب " (٢) فأما الشهر فقيل أصله بالسريانية سهر - بسين غير منقوطة - فعرب، وقال ثعلب: سمي شهراً لشهرته وبيانه، لأن الناس يشهرون دخوله وخروجه، وقيل سمي شهراً باسم الهلال لأنه إذا أهل سمي شهراً، قال ذو الرمة (٣) :
ترى الشهرَ قبلَ الناسِ وهو نحيلُ ... ٣ - المشتري: ويقال له البرجيس.
٤ - المريخ: يقال له بهرام، وهما فارسيان جاءا في شعر العرب، والمريخ وزحل عربيان، قال الكميت يصف ثوراً وحشياً (٤) :
كأنه كوكبُ المريخِ أو زُحَلُ ... وقد جاء في شعر العرب أيضاً: الزهرة وعطارد والمشتري، وكلها عربية.
ودرأ الكوكب دروءاً شديداً وهو كوكب دريءٌ من ذلك، وقال أبو زيد: جاء
стр. 245
السيل درءاً إذا جاءك من حيث لا تعلم ولم يصبك مطر. وقال ابن الأعرابي: الدريء الكوكب يدرأ من الشرق إلى الغرب. وهو مضيء؛ وذرو الشمس - معجمة - طلوعها وإشراقها وهو أن يستدير ويخلص ضوؤها. ويقال غابت الشمس وغيرها من الدراري، تغيب غيوباً وغيبوبة، وكذلك آبت تؤوب إياباً، وغارت تغور غؤوراً وغياراً، ووقبت ووجبت، وأفل الكوكب وغيره يأفل أفولاً، وانغمس واغتمس وانقمس - بالقاف أيضاً - واقتحم وسقط وخفق، كل ذلك إذا غاب، ويقال أخفق النجم إذا تهيأ للسقوط ولما يسقط، وخفق إذا غاب. كما يقال خفق الطائر إذا طار فمرَّ وأخفق إذا ضرب بجناحه ليطير ولما يطر. قال الراجز:
كأنها إخفاقُ طيرِ لم يَطِرْ ... ويقال خَوّتِ النجومُ تخويةً، وانصبَّتِ انصباباً، وهوت هوياً، ذلك إذا انحدرت للمغيب.
٥٩٢ - ذكر اشتقاق الكواكب والنجوم والدرارى السبعة السيارة في لغة العرب:
١ - النجم: اشتقاقه من النجوم وهو الظهور. ومنه نجم النبت إذا ظهر وعلا
على الأرض.
٢ - زحل (١) : من التزحل وهو بطء الحركة، لأنه أبطأ الدراري سيراً في قطع الفلك.
٣ - المشتري (٢) : من الشراء وهو الوضوح والظهور، لضياء لونه وصفائه، ومنه الشراء في الحدقة، وهو تقلص الجفن الأعلى عن الأسفل وانفتاح الحدقة.
٤ - المريخ: من المرخ، وهو اللين والاسترخاء، ومنه تمريخ الجسد بتليينه بالدهن، لأن لونه فيه اضطراب ولين في رأي العين.
٥ - الشمس: من الشماس، وهو الامتناع، ومنه شماس الدابة وهو امتناعها عن القياد لرائضها، وذلك لقوة شعاع الشمس حتى تمتنع الأبصار عن تمكن النظر إليه.
стр. 246
٦ - الزهرة: من الأزهار، وهو الإشراق والإنارة، ومنه أزهر الصبح أي أنار وأشرق، وذلك لضيائها وإشراق نورها.
٧ - عطارد: من العطردة، وهي السرعة والخفة، وذلك لسرعة حركته وامتزاجه بكل ما يجاوره وسرعة استحالته إليه.
٨ - القمر: من القُمْرة، وهي شدة البياض، ومنه لون أقمر إذا كان أبيض شديد البياض.
والشمس تجمع على شموس، كأنهم جعلوا كل ناحية منها شمساً كما قالوا لمفرق الرأس مفارق؛ قال الشاعر:
حَمْيَ الحديدُ عليهمُ فكأنَّه ... وَمَضانُ برقٍ أو شعاعُ شموس وتصغيرها شُمَيْسة، وقد شمس يومنا وأشمس يَشْمس ويُشمِس - بالضم والكسر - إذا كان ذا شمس، وأقمر الليل يقمر إذا كان ذا قمر، وليلة مقمرة وقمراء إذا طلع القمر فيها من أولها إلى آخرها.
стр. 247
فراغ
стр. 248
الباب العاشر
في تأويل رؤيا الأجرام العلوية وما يتعلق بها في المنام كل مذهب حكماء الفلاسفة والإسلام
٥٩٣ - رؤيا النهار والليل:
قال حكماء اليونان: رويا النهار في النوم خير من رؤيا الليل، لأن النهار وقت المعاش والليل وقت البطالة والعطلة، إلا لمن يكون الليل أوفق له وأليقَ بحاله، مثل الهارب والآبق والمستتر المتواري ومن أشبهم، فإن رؤيا الليل أوفق له من رؤيا النهار.
٥٩٤ - رؤيا الشمس والقمر والسماء والكواكب (١) :
١ - الشمس: تدل على السلطان وعلى جميع الحيوانات، لأنّ قواها بها، فمن رأى الشمس على أحوالها الطبيعية من الضياء والنور والسير وجهات الطلوع والغروب دلّ على انتظام أموره وصلاح معاشه، بواسطة سعادة السلطان؛ ومن كان في غمّ أو حيرة ورأى أن الشمس طالعة والعالم مستنير بنورها زال عنه الغمّ والتحير، وكذلك إذا رآها من يرجو شيئاً نال ما يرجوه ويؤمله.
وحكي أن رجلاً رأى أنه ينظر في الشمس فيرى صورته فيها؛ فرزق ابناً صار ملكاً عظيماً.
وكما أن طلوع الشمس جيد فغروبها رديء، لأنه يدل على اليأس والتحير. وكان رجل أرمد العين، فرأى في النوم أن الشمس غابت، فعمي بصره، لأن الشمس في العالم بمنزلة العين في الجسد.
وطلوع الشمس من جهة أخرى غير مشرقها رديء مذموم، وكذلك من رأى الشمس على لون غير لونها من السواد والحمرة والعتمة والظلمة دلَّ على الفساد والشر،
стр. 249
ومن رأى أنها أظلمت بحيث لا تضيء ألبتة أو غابت كان رديئاً، إلاّ إن كان هارباً أو عازماً على عمل شيء في الخفية؛ وكثرة الشموس في النوم رديء لأن كثرة الرؤساء تفسد النظام.
٢ - القمر: يدل على امرأة عظيمة القدر، وكما أن الشمس تدل على صاحب
البيت فكذلك القمر يدل على سيدة البيت، ويدل على السفر أيضاً لسرعة سيره.
ورأى رجل القمر فقال للمعبر: رأيت كأني قريب من القمر وكلمته، فقال له
المعبر: تسافر في البحر، فكان كما قال. ثم بعد سنة رأى هذا الرجل بعينه هذا المنام بعينه، فرجع إلى ذلك الموضع، فسأل المعبّر عن المنام فقال: تبتلى بحمى الدق، فقال صاحب المنام: سألتك عن تفسير هذا المنام قبل هذه السنة فقلت: تسافر في البحر فسافرت، والآن تعبره على حمى الدق، والمنام واحد، فما الفرق؟ فقال له المعبر: المنام الأول رأيته لخمس ليال خلون من الشهر والقمر على شكل السفينة، فلما قربت منه دلَّ على ركوب السفينة، والآن رأيت الهلال وقد بقي من الشهر ليلة واحدة، وهو في غاية الدقة والهزال، فيدل على أنك تصير مثله في الدقة، وإنما يكون ذلك بحمى الدق، فكان كما قال: وكل ما تدل عليه الشمس يدل عليه القمر أيضاً إلا أن ما يدلّ عليه القمر أقل وأنقص مما تدل عليه الشمس، ويكون ذلك الأمر الذي دل عليه القمر من جهة النساء.
٣ - رؤيا الكواكب (١) : قال اليونانيون: رؤيا الكواكب لمن ينوي السفر جيدة، ولمن يعمل عملاً في الخفية، لأن الكواكب إنما تظهر بعد غيبة الشمس، ولا تضيء إضاءة كثيرة، وأن السماء مثال البيت، فمن رأى أنه سقط عليه من السماء كوكب، سقط من أهل بيته أحد على حسب قدر الكوكب الذي رأى في المنام.
وحكي أن رجلاً رأى في المنام أنه يأكل النجوم، فاتفق أنه صار منجماً، وكان يتعيَّش بصناعة التنجيم.
ورأى رجل أنه ظهر في السماء شهب وكواكب كثيرة، فقال له المعبر: هذا يدلّ على أن السنة حارّة يابسة لأن هذه الآثار إنما تتولد في مثل هذه السنة، وقد جُرِّب ذلك فكان كما قال.
стр. 250
آراء العرب في ذلك (١) : قالت العرب: الشمس تدلّ على السلطان الأعظم. فمن رأى أنه قرب من الشمس أو أخذ منها شعاعاً ونوراً دلَّ على قربه من السلطان. ونال منه مرتبة علية ودرجة رفيعة.
القمر (٢) : يدل على وزير السلطان، والهلال على ولد مبارك، أو ولاية جليلة، أو ربح في تجارة. وقال جاماسف: ينصر على عدوه ويظفر به.
الزهرة: تدل على زوجة الملك، وعطارد يدل على كاتبه، والمريخ يدلّ على اسفهسلاّره، والمشتري يدلّ على خادمه، وزحل يدل على صاحب النقمة والعذاب؛ وكبار الكواكب تدل على الروساء، وصغارها تدل على العوام.
والقمر إذا رؤي على الأرض دلّ على الزوجة، وإذا رؤي في السماء دلّ على الوزير. ومن رأى القمر في بيته تزوّج بامرأة كبيرة القدر.
وكثيراً ما تدل الشمس على الأب، والقمر على الأم، والكواكب على الإخوة خصوصاً إذا كانوا تحت حُكْمِ الوالدين، مثل منام يوسف ﵇، فإن الشمس كان أباه، والقمر أمه، والكواكب إخوته الذين سجدوا له.
قال المصنف: ومن المجرّب أن من رأى أنه ينظر إلى السماء، والكواكب، والهواء صافٍ والكواكب نيّرة والسماء بادية، فإنه إن كان في كرب وغمّ فرج عنه كربه وغمه، ونال مسرة وانشراح صدر. وقد جرب ذلك مراراً.
٥٩٥ - رؤيا السماء (٣) : من رأى أنه صعد إلى السماء وهو ينظر إلى الأرض فإنه ينال رفعةً، فإن رأى أنه دخل في السماء وغاب فيها فإنه يموت ويرجع إلى الآخرة. ومن رأى كأن سهيلاً طلع عليه دلّ على إدباره وخراب بيته. لأنه لا يطلع في البلدان العامرة بل في البراري، ومن طلعت عليه الزهرة نال الإقبالَ إلى آخر عمره، ومن طلع عليه المشتري ناله ملك ورفعة إلى آخر عمره. ومن رأى الفلك كأنه يدور تحوّل من حالٍ إلى حال أو من دار إلى دار أو من بلدٍ إلى بلد.
وقال أرطاميدورس (٤) : من رأى الكواكب تحت السقف دلّ على خراب بيت