٦ - الزهرة: من الأزهار، وهو الإشراق والإنارة، ومنه أزهر الصبح أي أنار وأشرق، وذلك لضيائها وإشراق نورها.
٧ - عطارد: من العطردة، وهي السرعة والخفة، وذلك لسرعة حركته وامتزاجه بكل ما يجاوره وسرعة استحالته إليه.
٨ - القمر: من القُمْرة، وهي شدة البياض، ومنه لون أقمر إذا كان أبيض شديد البياض.
والشمس تجمع على شموس، كأنهم جعلوا كل ناحية منها شمساً كما قالوا لمفرق الرأس مفارق؛ قال الشاعر:
حَمْيَ الحديدُ عليهمُ فكأنَّه ... وَمَضانُ برقٍ أو شعاعُ شموس وتصغيرها شُمَيْسة، وقد شمس يومنا وأشمس يَشْمس ويُشمِس - بالضم والكسر - إذا كان ذا شمس، وأقمر الليل يقمر إذا كان ذا قمر، وليلة مقمرة وقمراء إذا طلع القمر فيها من أولها إلى آخرها.
стр. 247
فراغ
стр. 248
الباب العاشر
في تأويل رؤيا الأجرام العلوية وما يتعلق بها في المنام كل مذهب حكماء الفلاسفة والإسلام
٥٩٣ - رؤيا النهار والليل:
قال حكماء اليونان: رويا النهار في النوم خير من رؤيا الليل، لأن النهار وقت المعاش والليل وقت البطالة والعطلة، إلا لمن يكون الليل أوفق له وأليقَ بحاله، مثل الهارب والآبق والمستتر المتواري ومن أشبهم، فإن رؤيا الليل أوفق له من رؤيا النهار.
٥٩٤ - رؤيا الشمس والقمر والسماء والكواكب (١) :
١ - الشمس: تدل على السلطان وعلى جميع الحيوانات، لأنّ قواها بها، فمن رأى الشمس على أحوالها الطبيعية من الضياء والنور والسير وجهات الطلوع والغروب دلّ على انتظام أموره وصلاح معاشه، بواسطة سعادة السلطان؛ ومن كان في غمّ أو حيرة ورأى أن الشمس طالعة والعالم مستنير بنورها زال عنه الغمّ والتحير، وكذلك إذا رآها من يرجو شيئاً نال ما يرجوه ويؤمله.
وحكي أن رجلاً رأى أنه ينظر في الشمس فيرى صورته فيها؛ فرزق ابناً صار ملكاً عظيماً.
وكما أن طلوع الشمس جيد فغروبها رديء، لأنه يدل على اليأس والتحير. وكان رجل أرمد العين، فرأى في النوم أن الشمس غابت، فعمي بصره، لأن الشمس في العالم بمنزلة العين في الجسد.
وطلوع الشمس من جهة أخرى غير مشرقها رديء مذموم، وكذلك من رأى الشمس على لون غير لونها من السواد والحمرة والعتمة والظلمة دلَّ على الفساد والشر،
стр. 249
ومن رأى أنها أظلمت بحيث لا تضيء ألبتة أو غابت كان رديئاً، إلاّ إن كان هارباً أو عازماً على عمل شيء في الخفية؛ وكثرة الشموس في النوم رديء لأن كثرة الرؤساء تفسد النظام.
٢ - القمر: يدل على امرأة عظيمة القدر، وكما أن الشمس تدل على صاحب
البيت فكذلك القمر يدل على سيدة البيت، ويدل على السفر أيضاً لسرعة سيره.
ورأى رجل القمر فقال للمعبر: رأيت كأني قريب من القمر وكلمته، فقال له
المعبر: تسافر في البحر، فكان كما قال. ثم بعد سنة رأى هذا الرجل بعينه هذا المنام بعينه، فرجع إلى ذلك الموضع، فسأل المعبّر عن المنام فقال: تبتلى بحمى الدق، فقال صاحب المنام: سألتك عن تفسير هذا المنام قبل هذه السنة فقلت: تسافر في البحر فسافرت، والآن تعبره على حمى الدق، والمنام واحد، فما الفرق؟ فقال له المعبر: المنام الأول رأيته لخمس ليال خلون من الشهر والقمر على شكل السفينة، فلما قربت منه دلَّ على ركوب السفينة، والآن رأيت الهلال وقد بقي من الشهر ليلة واحدة، وهو في غاية الدقة والهزال، فيدل على أنك تصير مثله في الدقة، وإنما يكون ذلك بحمى الدق، فكان كما قال: وكل ما تدل عليه الشمس يدل عليه القمر أيضاً إلا أن ما يدلّ عليه القمر أقل وأنقص مما تدل عليه الشمس، ويكون ذلك الأمر الذي دل عليه القمر من جهة النساء.
٣ - رؤيا الكواكب (١) : قال اليونانيون: رؤيا الكواكب لمن ينوي السفر جيدة، ولمن يعمل عملاً في الخفية، لأن الكواكب إنما تظهر بعد غيبة الشمس، ولا تضيء إضاءة كثيرة، وأن السماء مثال البيت، فمن رأى أنه سقط عليه من السماء كوكب، سقط من أهل بيته أحد على حسب قدر الكوكب الذي رأى في المنام.
وحكي أن رجلاً رأى في المنام أنه يأكل النجوم، فاتفق أنه صار منجماً، وكان يتعيَّش بصناعة التنجيم.
ورأى رجل أنه ظهر في السماء شهب وكواكب كثيرة، فقال له المعبر: هذا يدلّ على أن السنة حارّة يابسة لأن هذه الآثار إنما تتولد في مثل هذه السنة، وقد جُرِّب ذلك فكان كما قال.
стр. 250
آراء العرب في ذلك (١) : قالت العرب: الشمس تدلّ على السلطان الأعظم. فمن رأى أنه قرب من الشمس أو أخذ منها شعاعاً ونوراً دلَّ على قربه من السلطان. ونال منه مرتبة علية ودرجة رفيعة.
القمر (٢) : يدل على وزير السلطان، والهلال على ولد مبارك، أو ولاية جليلة، أو ربح في تجارة. وقال جاماسف: ينصر على عدوه ويظفر به.
الزهرة: تدل على زوجة الملك، وعطارد يدل على كاتبه، والمريخ يدلّ على اسفهسلاّره، والمشتري يدلّ على خادمه، وزحل يدل على صاحب النقمة والعذاب؛ وكبار الكواكب تدل على الروساء، وصغارها تدل على العوام.
والقمر إذا رؤي على الأرض دلّ على الزوجة، وإذا رؤي في السماء دلّ على الوزير. ومن رأى القمر في بيته تزوّج بامرأة كبيرة القدر.
وكثيراً ما تدل الشمس على الأب، والقمر على الأم، والكواكب على الإخوة خصوصاً إذا كانوا تحت حُكْمِ الوالدين، مثل منام يوسف ﵇، فإن الشمس كان أباه، والقمر أمه، والكواكب إخوته الذين سجدوا له.
قال المصنف: ومن المجرّب أن من رأى أنه ينظر إلى السماء، والكواكب، والهواء صافٍ والكواكب نيّرة والسماء بادية، فإنه إن كان في كرب وغمّ فرج عنه كربه وغمه، ونال مسرة وانشراح صدر. وقد جرب ذلك مراراً.
٥٩٥ - رؤيا السماء (٣) : من رأى أنه صعد إلى السماء وهو ينظر إلى الأرض فإنه ينال رفعةً، فإن رأى أنه دخل في السماء وغاب فيها فإنه يموت ويرجع إلى الآخرة. ومن رأى كأن سهيلاً طلع عليه دلّ على إدباره وخراب بيته. لأنه لا يطلع في البلدان العامرة بل في البراري، ومن طلعت عليه الزهرة نال الإقبالَ إلى آخر عمره، ومن طلع عليه المشتري ناله ملك ورفعة إلى آخر عمره. ومن رأى الفلك كأنه يدور تحوّل من حالٍ إلى حال أو من دار إلى دار أو من بلدٍ إلى بلد.
وقال أرطاميدورس (٤) : من رأى الكواكب تحت السقف دلّ على خراب بيت
стр. 251
صاحبها حين تكون الكواكب تدخل بيته، ويدل على موت رب البيت ودليل المنازل والكواكب ذوات الأذناب في الرؤيا مثل الذي تفعله إذا ظهرت في اليقظة.
وطلوع الفجر لمن رآه نور وهداية كما أن الليل لمن رآه ضلال وغمة. وكل ما رؤي في الشمس والقمر من حدوث كسف أو خسف فهي حوادث رديئة تحدث بالملك أو وزيره، وباقي الكواكب على التفسير المتقدم في حوادثها تدلّ على الحوادث فيمن عرفت به. ومن رأى الشمس استترت بالسحاب فإن الملك يعرض له مرضٌ يسير ويبرأ منه. وكذلك في القمر وبقية الدراري السبعة. كل درب منها يدل على من هو منسوب إليه في التعبير المتقدم، والله أعلم.
تمّ الجزء الأول
стр. 252
الجزء الثاني من الكتاب سماه
طل الأسحار على الجلنار في الهواء والنار، وجميع ما يحدث بين السماء والأرض من الآثار، وجعله أبواباً كثيرة جمعت جميع ما فيها في عشرة أبواب.
الباب الأول - في الفصوت الأربعة بقول كلي: فصل الربيع والصيف والخريف والشتاء.
الباب الثاني - في كلب البرد وشدته ودفع القرّ بالجمر؛ ودلائل المطر ودلائل
الصحو ومعرفة الشتاء الذي يطول وهل يتقدم أو يتأخر. والمطر المتقدم والمتأخر.
الباب الثالث - في البرق وحنين العرب به لأوطانهم، والرعد والغيم والرباب
وهالة القمر وقوس قزح على مذاهب العرب والفلاسفة.
الباب الرابع - في السحاب الثقال والمطر والاستسقاء والحجا، وهي الفواقع التي يرسمها قطر المطر على الماء، ومنع المطر من تزاور الاخوان. وآراء الفلاسفة في المطر والثلج والبرد والجليد.
الباب الخامس - في القول بالأنواء من الحظر والإباحة في الشرع - ومعنى قولهم ناء الكوكب.
الباب السادس - في الرياح الأربع والنكب والإعصار - وهي الزوبعة - والزلزلة وتغيير الهواء بحسب هبوب الرياح على رأي الأطباء والقدماء.
الباب السابع - في تقدم المعرفة بالحوادث الكائنة في العالم السفلي من جهة كسوف النيرين وطلوع الهالة وهبوب الرياح العواصف وطلوع قوس قزح وخفقان البرق وجلجلة الرعد وسقوط البَرَد في سني الروم والعرب. منقول عن الحكماء.
الباب الثامن - في النار ذات اللهب وما تعلق بها ونار النفط والصاعقة ونار الفحم والكوانين.
الباب التاسع - في أوصاف الشموع وقطّ الشمعة والفانوس والطوافة والقناديل والجلاسات وثريا المساجد والمشعل والسراج والمسرجة.
الباب العاشر - في تعبير ما اشتمل عليه من الآثار العلوية وغيرها في المنام.
стр. 253
فراغ
стр. 254
الباب الأول
في الفصول الأربعة بقول كلي في فصل الربيع والصيف والخربف والشتاء
٥٩٦ - فصل الربيع (١) : أوله نزول الشمس برج الحمل، وهو في خمسة (٢) عشر يوماً من آذار، ويوافقه من شهور القبط برمهات، ومن شهور الروم مارس. وطبعه معتدل لممرّ الشمس على خط الاستواء، وآخره نزول آخر جزء من برج الجوزاء. وهو أفضل الفصول لمناسبته لمزاج الروح والدم، ولذلك تحمر فيه الأبدان بما يحدثه من الدم المعتدل وعجزها عن تحليله، ولهذا السبب تهيج فيه الأمراض المزمنة لتحريكه لموادّها، ويكثر فيه الرعاف والخوانق والدماميل والصداع العروق، ويجب أن يستعمل في ابتدائه الفصد والإسهال والقيء بحسب الواجب، وكذلك الرياضة المعتدلة، ويتجنب الامتلاء من الطعام والأشربة والأشياء الحارة والحرّيفة، ويجب الميل فيه إلى المبردات المطفئة.
٥٩٧ - فصل الصيف (٣) : أوله نزول الشمس السرطان، وهو في خمسة عشر (٤) يوماً من حزيران، ويوافق من شهور القبط بؤونه، ومن شهور الروم يونيه. وآخرة نزول الشمس آخر جزء من السنبلة، وطبعه حار يابس لأن الشمس تكون في غاية ارتفاعها في الشمال وتسامت الرؤوس وتسخن، وهو أحرّ الفصول، وتكثر فيه المرّة الصفراء والسوداء ويقل فيه البلغم والدم، وتضعف القوى لتحليله، وتصفر فيه
стр. 255
الألوان، ويضعف الهضم، وتعرض فيه الحميات المحرقة والغب والرمد وما أشبهه، ويجب أن لا يستعمل فيه القيء أكثر لمن، يسهل عليه، وتقلل فيه الرياضة، ويمال إلى الراحة والسكون، وتستعمل فيه الأشياء المطفئة المطفئة المبردة أكثر مما تستعمل في الربيع.
٥٩٨ - فصل الخريف: أوله نزول الشمس أول الميزان، وهو سبعة عشر يوماً من أيلول، ويوافق من شهور القبط توت، ومن شهور الروم شتنبر، وآخره نزولها آخر القوس؛ وفيه تعود الشمس إلى الاعتدال، وطبعه بارد يابس باعتدال لتقدم فصل الصيف عليه، وقربه من الشتاء، وهو مضاد لمزاج الدم، وتكثر فيه الأمراض لاختلاف أحواله، وتكثر فيه حميات الربع والسرطانات القوابي، ويعظم فيه الطحال لتوليده السوداء ولذلك يجب أن لا يستعمل فيه الاسهال والقيء بل تسكن الأخلاط ويقلل الغذاء، ويلزم التدبير الجيد، وتحذر الفواكه، ويتجنب الجماع والاستحمام بالماء البارد والنوم على الامتلاء.
٥٩٩ - فصل الشتاء (١) : أوله نزول الشمس الجدي، وهو في خامس عشر كانون الأول، ويوافق من شهور القبط كهك، ومن شهور الروم دجنبر، وهو نهاية انحطاط الشمس، وآخره نزولها آخر جزء من الحوت، وطبعه بارد رطب لبعد الشمس عن سمت الرؤوس، وهو أبرد الفصول وأعونها على الهضم لتقويته الحرارة الغريزية بحصره إياها، وأكثر الأمراض الحادثة فيه البلغمية وأمراض العصب ووجع الحلق والنحوحة والزكام وذات الجنب، ولذلك يزاد في الرياضات والغذاء وتكون الأغذية فيه إلى الغلظ والقوة كاللحمان وغيرها، وإن اضطر إلى استفراغ فالإسهال فيه خير من الفصد.
القول في الفصول بالتفصيل.
١ - الربيع:
أفرد له المصنف مقالة قائمة بذاتها في سابع جزء من هذا الكتاب تتضمن تفضيله على سائر الفصول، وجعلها أبواباً عدة رأيت إيرادها في هذا المكان للجمع بينه وبين بقية الفصول مما تقدم القول عليها.
٦٠٠ - روي (٢) عن رسول الله ﷺ قال: " ثلاث يُحْيينَ
стр. 256
القلب: النظر إلى الماء الجاري وإلى الخضرة وإلى الوجه الحسن " وفي رواية " النظر إلى الخضرة، والإثمد عند النوم، والوجه الحسن ".
وعنه ﷺ : " النظر في وجه المرأة الحسناء والخضرة يزيدان في البصر ".
وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعجبه أن ينضر إلى الخضرة وإلى الحمام الأحمر.
٦٠١ - وكتب (١) عمر بن الخطاب ﵁ إلى أمراء الأجناد: مُروا الناس أن يخرجوا إلى الصحاري أيام الربيع فينظروا إلى آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها.
٦٠٢ - وقال (٢) أمير المؤمنين علي ﵇: إذا دخلت البساتين فأَطِلْ تأمُّلها، فإن فيها جلاء للبصر، وارتياحاً للهم، وتكرمةً للطباع، وتسكيناً للصداع.
٦٠٣ - وقال بقراط (٣) : من لم يبتهج لرؤية الربيع وتبسم أنواره فهو عديم حسّ، أو سقيم نفس.
٦٠٤ - وقيل لماسرجس (٤) : لمَ أبصار أهل الرساتيق أصحّ وطعامهم ثقيل؟ فقال: ما أعرف لذلك علة إلاّ كثرة وقوع أبصارهم على الخضرة.
٦٠٥ - وقال بعضهم: الربيع بهجة الدنيا ومجمع المنى.
٦٠٦ - وقال الشاعر:
ثلاثة مُذهبة للحزن ... الماء والخضرة والوجهُ الحسن ٦٠٧ - القاضي الجرجاني (٥) :
ألم ترَ أنوار الربيع كأنما ... نَشَرْنَ على الآفاقِ وشياً مذهباً
فمن شجرٍ أظهرنَ فيه طلاقة ... وكان عبوساً قبلَ ذاك مقطبا
ومن روضةٍ فضَّ الشتاُء حِدادَها ... فوشَّحَ عطفيها مُلاءً مطيبا
سقاها سلاف الغيث فأصبحت ... تَمايلُ سكراً كلما هبّتِ الصَّبا
стр. 257
٦٠٨ - الأُسواري:
أوائل رُسْلٍ للربيع تقدَّمَتْ ... على حُسْنِ وجه الأرض خيرَ قدومِ
فراقتْ لها بعدَ المماتِ حدائقٌ ... كواسٍ وكانت مثلَ ظهر أديم
كأن اخضرار الروضِ والنورُ طالعٌ ... عليه سماء زُيِّنَتْ بنجوم
إذا اقتصَّها طَرْفُ البصيرِ بلحظةٍ ... توهما مفروشةً برقوم
تردّت بظلٍّ دائمٍ وتضاحكت ... بضحكِ بروقٍ في بكاء غيوم ٦٠٩ - الخليع (١) :
ضحكتْ ضواحي الأرض لما رقرقت ... طهراً بهن مدامعُ الأنواءِ
فترى الرياضَ كأنّهن عرائسٌ ... يُنْقَلْنَ من صفراءَ في حمراءِ ٦١٠ - البسامي (٢) :
أما ترى الأرض قد أعطتكَ زهرتها ... مخضرة واكتسى بالنور عاريها
فللسماء بكاءٌ في جوانبها ... وللربيعِ ابتسامٌ في نواحيها ٦١١ - أبو العلاء السروري (٣) :
أما ترى قُضُبَ الأشجار قد لَبِسَتْ ... أغصانُها (٤) بعد عُرْيٍ كسوةَ الكاسي
منظومةً بسموط الدر لابسةً ... حسنا يبيح دمَ العنقودِ للحاسي
وغردت خطباءُ الطيرِ ساجعةً ... على منابر من وردٍ ومن آس ٦١٢ - أبو هلال العسكري (٥) :
انضر إلى الصحراء كيف تزخرفَتْ ... وإلى دموعِ المزنِ كيف تُذْرَّفُ
وعلى الربى حُلَلٌ وشاهنّ الحيا ... فمسّهم وَمُعَصَّبٌ ومفوّفُ
وملابسُ الأنواءِ منها سُنْدُسٌ ... ومضاجعُ الأنداء منها زخرفُ
نَمَّ الرياض على الرياح كأنما ... ذكَّرْتَكَ الكافور حين يُدَوَّفُ
стр. 258
وعلى التلاعِ من الأقاحي حُلَّةٌ ... وعلى البقاع من الشقائق مُطْرَفُ
والغيمُ تنفشُةُ الرياحُ عشيّةً ... كالقطن في زُرْقِ الثياب يُنَدَّفُ
والقَطْرُ يهمي وهو أبيضُ ناصع ... ويصيرُ سيلاً وهو أغبر أكلفُ
والبرقُ يلمعُ مثلَ سيفٍ يتنضى ... والسيلُ يجري مثلَ أفعى تزحفُ ٦١٣ - أبو بكر الصنوبري (١) :
إن كان في الصيف أثماٌر وفاكهةٌ ... فالأرضُ مُسْتَوْقَدٌ والجوُّ تنورُ
وإن يكن في الخريفِ النخلُ مُخترفاً ... فالأرضُ محصورةٌ والجوّ مأسور
وإن يكن في الشتاء الغيمُ متصلاً ... فالأرضُ عريانةٌ والأفقُ مقرر
ما الدهرُ إلا الربيع المستنيرُ إذا ... جاء الربيع أَتاكَ النَّوْرُ والنور
فالأرضُ ياقوتةٌ والجوُّ لؤلؤة ... والنّبتُ فيروزجٌ والماءُ بلّور
لا تعدمُ الأرضُ كأساً من سحائبه ... فالنبتُ ضربان: سكرانٌ ومخمور
فيه جنى الورد منضودٌ مُوَرَّدَةٌ ... به المجالسُ والمنثورُ منثور
حيث التفتَّ فقمريٌّ وفاختةٌ ... وبلبلٌ وَوَرَاشِينٌ وزرزور
يطيبُ حول صحاريه المقامُ كما ... تطيبُ في غيره الحاناتُ والدور
فكلُّ ظهرٍ علونا فيه دَسْكَرةٌ ... وكلّ بطنٍ هبطنا فيه ماخور
تبارك الله ما أحلى الربيعَ فلا ... يغْرُرْ مُقَايِسَهُ بالصيفِ مغرور
من شمَّ طِيبَ تحيَّاتِ الرّبيع يقلْ ... لا المسكُ مسكٌ ولا الكافور كافور ٦١٤ - ابن وكيع (٢) :
فُرِشَ الفضاءُ بأحمرٍ وبأصفرٍ ... وبدتْ لنا حُلَلُ الربيع الأَزهرِ
حُلَلٌ تُعَدُّ إذا اجتهدتَ مقصراً ... في وصفها وتكونُ غيرَ مقصر
فترى الرياضَ كأنهن عرائسٌ ... يخلطنَ بين تمايُلٍ وتبختر
في جوهرٍ فاتَ الجواهرَ قيمةً ... لو أنه يبقى بقاءَ الجوهر
سرٌّ أسرَّ به السحائب في الهوا ... فأذاعه فانذاع أَجملُ منظر
سرٌّ طواه فلم يكن مستحسناً ... حتى أُشيعَ فكان أحسنَ مظهر
стр. 259
زمنٌ أغرّ لو اشتريتَ بطيبه ... طيب الحياة (١) لكنتَ أَحسنَ مشتري
متزيِّن زَيناً ولم يقصد لها ... متضمخ عطراً ولم يتعطّر
وافى على أَثَرِ الشتاء كأنه ... إِقبالُ جَدٍّ بعد أمرٍ مُدْبر
فكأنَّ ذاك كان وجه مهدِّدٍ ... وكأن هذا جاء وَجْهَ مبشِّر ٦١٥ - وله (٢) :
انظرْ إلى حُسْنِ الربيع وما جَلَتْ ... فيه عليك طرائفُ الأنوارِ
أبدتْ لنا الأمطارُ فيه بدائعاً ... شهدت بحكمة مُنْزِلِ الأمطار
ما شئت للأسحارِ في صحرائه ... من درهم بَهِجٍ ومن دينار
وجواهرٍ لولا تغير حُسْنِها ... جلَّت عن الأثمانِ والأخطار
من أبيضٍ يَقَقٍ وأصفرَ فاقعٍ ... مثلِ الشموس ُقِرَّن بالأقمار
دارٌ لو اتصل البقاءُ لأهلها ... لتشوقوا لنعيم تلك الدار أستغفر الله تعالى عن ابن وكيع وعن المصنف في إيراد هذا أالبيت فإنه قال:
دارٌ لو اتصل النعيمُ لأهلها ... لم يحفلوا بنعيم تلك الدّار فلم أجسرْ على ذكره كما ذكراه، وغيّرتُهُ على هذه الصورة: إنهم مع اتصال النعيم لهم يشتاقون إلى نعيم تلك الدار. وصَّلَ الله تعالى إليها بكرمه.
٦١٦ - ابن الرومي (٣) :
ونرجسٍ كالثغورِ مبتسمٍ ... له دموعُ المحدّقِ الشاكي
أَبكاه قَطْرُ الندى وأضحكَهُ ... فهو من القَطْرِ ضاحكٌ باكي ٦١٧ - ابن طباطبا (٤) :
نظر إلى زهرِ الرياضِ كأنه ... وشيٌ تُنَشِّرُهُ الأكُفُّ مُنَمْنَمُ
والنَّوْرُ يهْوي كالعقودِ تبدَّدت ... والوردُ يخجل والأَقاحي تبسم
ويكادُ يُذري الدمعَ نرجسُهَا إذا ... أضحى، ويقطر من شقائقها الدّم
стр. 260
هذا معنى بديع في طلّ الشقائق لم يُسبق إليه، وذلك ان الحكماء قالوا:
إن لون الماء لون إنائه، فلما كانت الشقائق كالإناء لطلّها ظهر عليها أحمر كالدم.
٦١٨ - الخباز البلدي (١) :
وروضةٍ بات ساري الطلِّ ينسجُهَا ... حتى إذا التحمتْ أضحى يُدَبِّجها
يبكي عليها بكاءَ الصبِّ فارقه ... إلفٌ فيضحكها طوراً ويبهجها ٦١٩ - التنوخي:
ونرجسٍ كأنّه نواظرٌ ... يَقْطُرْنَ عذباً بارداً على الظما
إذا بدا الطلُّ عليه خِلْتَهُ ... غرقى عيونٍ في بحورٍ من بكا ٦٢٠ - السَّروي (٢) :
غدونا على الروضِ الذي طَلَّهُ النَّدى ... سُحَيْراً (٣) وأودج الأباريق تُسْفَكُ
فلم أرَ شيئاً كان أحسنَ منظراً ... من النَّوْرِ (٤) بجري دمعُهُ وهو يضحك ٢ - الصيف:
٦٢١ - هو أحدّ الفصول، وأكثرها أمراضاً وإضعافاً للقوى والأفعال، مع كثرة خشاش الأرض والذباب وَكَرْبِ الأنفاس فيه، بركود الهواء وعدم الالتذاذ للطعام والشراب، لضعف الهضم وقلة برد الماء، وكذلك النكاح يعظم ضرره فيه.
وإنما يُحْمَدُ من الصيف فاكهته وهي سبب استقامته، وأما معاقرو الشراب فالصيف عندهم عذاب لما يولّده الشراب فيه من إسخان البدن وإحماء المزاج، فهم
стр. 261
يمدحون الشرب في كل فصل من الفصول ويتزاورون فيه ويستدعون فيه المعاقرة إلا فصل الصيف فإنهم يذمونه، قال أبو نواس:
ثلاثةُ أشهرٍ فيها العذابُ ... حزيرانٌ وتموزٌ وآبُ وقال ابن المعتز (١) :
قد مضى آُب صاغراً لعنة الل ... هـ عليه ولعنةُ اللاعنينا
وأتانا أَيلولُ وهو ينادى ... أَلصبوحَ الصبوحَ يا غافلينا ٦٢٢ - يقال للشيء إذا ضربته الشمس ولم يستره عنها شيء؛ صهرته وصقرته وصَخَدتْهُ وصَمَحَتْه، والوديقةُ شدّة الحر، يقال: أودقَ الناس إذا اشتدّ عليهم الحر، وأصل الوديقِ والتودُّقِ الدنوُّ والاقتراب، ومنه تودَّقت الأتان للعَيْرِ إذا أمكنت نفسها من النزو.
قال ابن الرقاع:
تودَّقَتْ شمسُهُ حتى إذا حميت ... منها الجماجمُ كادتْ يومَهَا تَقفُ ٦٢٣ - قيل لأعرابي (٢) : كيف كان الهواء البارحة؟ قال: مات فلم يكن له نَفَس.
٦٢٤ - وقال آخر (٣) : سُدَّتْ طُرُقُ الرياح، وانسدّت بذلك طرق الأرواح.
٦٢٥ - شاعر (٤) :
ويومٍ كأنَّ المصطلينَ بحرّه ... وإن لم يكنْ جمرٌ قيامٌ على الجمرِ ٦٢٦ - آخر (٥) :
ويوم من الشّعْرَى يذوبُ لعابُهُ ... أَفاعيه في رمضائِهِ تتململُ
стр. 262
٦٢٧ - الكميت (١) :
وخرقٍ تعزفُ الجنّان فيه ... لأفئدة الكُماةِ به وجيبُ
قطعتُ ظلامَ ليلتِهِ ويوماً ... تكادُ حصى الاكامِ به تذوبُ ٦٢٨ - ابن أبي الثياب (٢) :
وهاجرةٍ تشوي الوجوهَ كأنّها ... إذا لَفَحَتْ خدّيَّ نارٌ تَوَهَّجُ
وماءٍ كَلَوْنِ الزيتِ ملحِ كأنَّه ... بوجديَ يُغلى أو بهجرك يُمْزَجُ ٦٢٩ - قال أبو حنيفة الدينوري: أخبرني غير واحدٍ من العرب أنّ القيظ إذا أفرط عندهم وصهرت الهواجر الرمل آض مثل الملَّة لا يستطيع حيوان يعلوه، فربما راع الوحش ذعر ذلك الوقت فيقع فيه، فلا تلبث أطلاقُها أن تتصل. وهم يتحدثون عن شدة الحرّ بكلّ عجيب، وبذلك ينطق شعرهم، وكيف ما كان فهو أهون عليهم من البرد. والأطباء يحمدون الحر الشديد والبرد الشديد بالنسبة إلى الاقليم وجريان العادة فيه. وقال حكيمهم: خير شتائكم الشديد بردُهُ، وخير صيفكم الشديد حرّه. وكانوا يستعيذون من الشتاء السخن. قال الأصمعي: ما وقع الطاعون قطّ إلا في شتاءٍ سخن أو بعقبه
٦٣٠ - ومن لوازم الصيف المراوح، وهي ثلاثة أنواع (٣) : مراوح الخُوص، ومراوح الأديم، ومراوح الخَيْشِ.
٦٣١ - قال السريّ الموصلي في مراوح الخوص (٤) :
ومبثوثةٍ في كلِّ شرقٍ ومغربٍ ... لها أمهاتٌ بالعراقِ قواطنُ
تحرّكُ أنفاسَ الرياح حراكها ... كأن نسيمَ الريح فيهنَّ كامن ٦٣٢ - ابن أبي الندى المعري (٥) :
وقابضةٍ لعنان النسيم ... تصرِّفُةُ حيث شاءتْ هبوبا
стр. 263
فمن حيثُ شاءت أهبَّتْ صَباً ... ومن حيث شاءت أهبَّتْ جنوبا
إذا أقبل القرّ كانت عدواً ... وإن أقبل الصيفُ كانت جيبا ٦٣٣ - حسان بن نمير المدعو عرقلة (١) :
ومحبوبةٍ في القيظ لم تخلُ من يد ... وفي القرّ تخفوها أكفُّ الحبائبِ
إذا ما الهوى المقصورُ هيجّ عاشقاً ... أتت بالهوا المدودِ من كلِّ جانب ٦٣٤ - ابن معقل (٢) :
ومروحةٍ أهدت إلى النفسِ روحها ... لدى القيظ مشبوباً باهداءِ ريحها
روينا صن الريح الشمال حديثها ... على ضعفه مستخرجاً من صحيحها ٦٣٥ - علي بن صاحب تكريت (٣) :
يا سائلي عن نسيمٍ طيَّ مروحةٍ ... أهدتْ سروراً بترجيعٍ وترويحٍ
أما ترى الخوصَ أهدى من مراوحه ... ما أودعته قديماً نسمةُ الريح ٦٣٦ - ومما يكتب على مروحة لشرف الدين التيفاشي المصنف:
أنا في الكف راحةٌ ... لصحيحٍ وذي عِلَلْ
أنا سترٌ لعاشق ... عندما يخلسُ القبل
أنا مخفٍ لوجنةٍ ... خجلت أيسرَ الخجل
أنا أُهدي إليكمُ ... ارجَ الزهر إنْ ذبل
أنا وحدي كروضة ... جادها واكفٌ هَطِلْ
أنا بي يُبْعَثُ الندي ... مُ على الكاسِ إن غفل
مجلسٌ لا أزوره ... ليس في قربه أملْ ومما يكتب على مروحة ملك:
تأملْ إلى ما قد حويتُ من الفخر ... لخدمةِ مَلْكٍ جلَّ في رفعةِ القدر
وفكّرْ تجدْ منه ومني روضةً ... يمرّ بها طيبُ النسيم على البحر
стр. 264
٦٣٧ - قال شاعر:
دقيقةُ الجسم لها ساعدٌ ... تسعد من تحييه أَنفاسُهَا
محبوبةٌ في القيظِ مهجورة ... في القرّ لا يقربها ناسها
كأنها من بيتِ مال الهوا ... ان لوحت تنفضُ أكياسها ٦٣٨ - قال أبو الفوارس سوار بن إسرائيل الدمشقي (١) : كنتُ عند السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فحضر إليه رسول أمير المدينة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومعه قود وهدايا، فلما جلس أخرج من كمه مروحةَ سعفٍ بيضاء، عليها سطران من نساجةِ السَّعف الأحمر وقال: الشريف يخدم السلطان، وقال: خذْ هذه فما رأيت أنت ولا أبوك ولا جدُّك مثلها، فاستشاط صلاح الدين غضباً، فقال الرسول: لا تعجل بالغضب قبل تأملها، وكان صلاح الدين ملكاً حليماً، فإذا عليها مكتوب:
أنا من نخلةٍ تجاورُ قبراً ... ساد مَنْ فيه سائر الناس طرا
شملتني سعادةُ القبرِ حتى ... صرتُ في راحة ابن أيوب اقرا وإذا هي من خوص النخل الذي في مسجد رسول الله ﷺ ، فقبلها صلاح الدين ووضعها على وجهه.
٦٣٩ - مروحة الأديم: وتسمى الهندية وهي نوعان إحداهما مستديرة إلا موضع النصاب لا غير، والأخرى مستديرة ثم يقطع ربع دائرتها الذي يلي الوجه.
٦٤٠ - الشريف:
مروحة الهند إذا ما بَدَتْ ... فوصفها من فلسفيٍّ حكيمْ
كأنها البرجاسُ في دَوْرِهَا ... لكنها دائرة من أديم
وأعطتِ الجلاّسَ أنفاسَها ... عدلا فكانت لولباً للنسيم ٦٤١ - الشيخ شرف الدين التيفاشي المصنف:
وبدر تمّ غدا ينفي الحرورَ كما ... ينفيه مُشْبِهُهُ في الأفق إنْ طلعا
стр. 265
يهدي لأَرواحنا روحاً بمروحة ... من الأَديم إذا ما حُسْنُها برعا
كالشمس ترعدُ من بدرٍ ألمَّ بها ... مقارناً كاسفاً من جرمها الربعا
حظ اللحاظ وحظّ الروحِ قد جمعا ... فيه لكل جليسٍ يأتيان معا ٦٤٢ - وله:
ومروحةُ الهند من فيلهم ... أُقيمُ على ذاك برهانَهُ
أَلستَ تراها إذا روَّحَتْ ... كما روَّح الفيل آذانه
وتعدلُ صاحبها في النسيم ... ينال ويشمل جيرانه ٦٤٣ - ولابن خروف (١)(٢) :
ومروحةٍ إنْ تأملتها ... ترى فلكاً دائراً في اليدِ
وَتُطْوى وَثُنْشَرُ من حسنها ... فتشبه قُنْزُعَةَ الهدهد ٦٤٢ - مروحة الخيش: هذه المروحة محدثة في زمن بني العباس؛ ذكر جحظة البرمكي في كتابه " في العطر " قال: كان سبب حدوث مروحة الخيش أن هرون الرشيد دخل يوماً على أخته علية بنت المهدي في قيظ شديد، فألفاها قد صبغت ثياباً بزعفران وصندل، ونشرتها على الحبال لتجف، فجلس هارون بمقربة من تلك الثياب المنشورة، فجعلت الريح تمرُّ على الثياب فتحمل منها ريحاً بليلة عطرة، فوجد لذلك راحة من الحرّ واستطابه، فأمر أن يصنع له في مجلسه مثله، فكثر واستعمله الناس.
٦٤٥ - ومن ملح ألغاز الصاحب بن عباد فيها قوله لأبي العباس الخازن في يوم قيظ: ما يقول الشيخ في قلبه؟ فلم يفهم عنه، أراد في قلب " الشيخ " وهو " خيش ".
٦٤٦ - كشاجم (٣) :
وبيتٍ نشيِّدُهُ في الهجير ... على غير أسٍّ وثيقِ البناء
стр. 266
ونهجرهُ عند لفحِ الشتاء ... إذا كان عنّا قليلَ الغناء
فيا لك بيتاً بناهُ الحكيم ... حصيناً من الحرِّ رحبَ الفناء
ويحملُ ماءً كحملِ السَّحابِ ... وليس يجودُ بغير الهواء
إذا قام قام على أربعٍ ... ومن بين أثوابهِ ثوبُ ماء
حكى فرساً باتَ في جُلِّهِ ... وقد أسبلَ الغيثَ تحت السماء ٦٤٧ - ابن حمدون مصنف " التذكرة ":
ومرسلةٍ معقودةٍ دون قصدها ... مقيّدةٍ تجري حبيساً طليقها
يمرُّ حفيفُ الريح وهي مقيمة ... ويسري وقد سُدَّتْ عليها طريقها
لها من سليمان النبي وراثةٌ ... وقد ضربت آل النبيط عروقها
إذا صدق النوءُ السماكيُّ أمحلت ... وتمطر والجوزاء دانٍ حريقها
تحيّتها إحدى الطبائع أنها ... لذلك كلُّ روحٍ صديقها ٦٤٨ - شاعر (١) :
وجاريةٍ نشأتْ بين الغصونِ غمامةٌ ... من الندّ إلا أنَّها ليس تهطلُ
وَعُلَّ بماءِ الوردِ خَيْشٌ كأنه ... على خِدْرِهِ ثوبُ العروسِ المصندل ٦٥٠ - علي ابن صاحب تكريت ملغزاً في الخيش (٢) :
ما ذاتُ خدرٍ حصانٌ كان منشؤها ... بين الحواضرِ لا بين الأعاريبِ
منقادةُ طالَ ما أهدتْ أزِمّتها ... روحاً إلى كلِّ محرور ومكروب
شدّت صليباً وزنّاراً وما عَرَفَتْ ... دينَ المسيح ولم تركنْ إلى حُوب
تسري إذا قيل للقوم المسيُر ولا ... تسعى على أربعٍ كالخيل والنيب
مصلوبةٌ ما رأت عيباً ولا اجرحتْ ... ذنباً فتلحظها في زيّ مصلوب
ككاعبٍ يومَ عيدٍ تعتلى لَعِباً ... أرجوحةً بين أتراب كواعيب
стр. 267
تروى وتظمأ أحياناً وما عرفت ... كغيرها طَعْمَ مأكولٍ ومشروب
يميتها القرُّ في المشتى ويُنْعِشُها ... حرُّ الهجيرِ بترجيع وتأويب
نواظبُ الغُسْلَ عن طُهْرٍ وما ارتكبت ... يوماً مباضعةَ الشبان والشيب
في ذيلها ديمةٌ في الصيفِ ساكبةٌ ... بالقَطْرِ والقطرُ فيه غير مسكوب ٣ - الخريف:
٦٥١ - سمي (١) خريفاً لأن الثمار تُخْرَفُ فيه أي تجنى وتقطع، ومنه اشتق الخَرَفُ للشيخ، وهو ذهاب العقل، كأن عقله انقطع. وقال أبو حنيفة: لم يذكر أحد من العرب الخريف في الأزمنة لأن الخريف عندهم ليس اسماً للزمان، وإنما هو اسم لأمطار أواخر الشتاء.
ووصف عليّ بن حمزة الخريف فقال: الخريف ثمرة الربيع، كالشجرة التي تُثْمِر ولولا الثمرة لم تكن في الشجرة منفعة.
وفي الخريف تحصل أصناف ما يتمول، وتدَّخر أقوات الخلائق الممسكة لأرواحها إلى الخريف القابل، وفيه يكون الزعفران، وله على جميع أنوار الربيع فضل، وله ورد يطلع كنصل السهم وقرن الخشف، في لون الياقوت الأزرق واللازورد المشُوف كالعيون الشهل وأعراف الطواويس، يتفتح عن شعر كخطوط الذهب وكشرر نار تلوح من حدائق البنفسج كألسن الحيات المنضنضة، ويطلع ورد الزعفران البري في السنة مرتين، غير أن البري ليس له زعفران ولا حشيش، وفيه يُجْتنى النخل وتحرز أعسال النحل وتقطف الأعيان التي فيها المنافع، وتُجْنى الأقطان التي قيها لباس الناس وزينتهم أحياء وسترتُهم أمواتاً، وفيه يقطف اللوز والجوز والعناب والزعرور وغير ذلك، وفيه تتناكح ذوات الأظلاف الانسيّة والوحشية، وفيه مطارح البزاة وسائر الجوارح، وفيه الأترجُّ وأوراقه، وله ورد كالفاغية وينفتق عن مثل خرز الزبرجد، ويعظم وتُشْرَبُ خضرته صفرةً، فإذا خلصت الصفرة صار كقلالٍ ظاهرها ذهب وباطنها فضة. فيها حبّ كاللؤلؤ والمرجان، وقشره ينفع الممعود، وله إذا عُرِكَ أريجٌ ذكي، ويستخرج منه دهنٌ أذكى من الند، وله حماض لذيذ يطيب للمقرور وينفع المحرور، وإذا تصرمت الرياحين في البساتين فالأترجّ غضٌّ طري، وقد اجتمع فيه وفي العنب الطبائع الأربع.
стр. 268
وقال أبو محمد ابن المقتدر: وفيه يكال الأرز، وهو أحد الأقوات المحتاج إليها، ولا يقوم مقامه شيء لأنه أولى أغذية بني آدم صغاراً وكباراً، وقد يُستغنى به عن الحنطة ولا يستغنى بها عنه، لأنه يغذو المراضيع في الأوقات لتي لا يصلح لهم أكل الخبز فيها، وبغلَّته وعظمها وكثرة ريعها يضرب المثل.
وفي الخريف يبلغ قصب السكر الذي هو قوام أبدان الناس، وحاجتهم إليه ماسة، ولا يعتاضون بغيره، فهو أطعمة الأصحاء وحلواهم، وفيه شفاء المرض وأقواتهم، لأنه أصل سائر الأشربة والمعاجين الحارة والباردة والمزوّرات والأغذية، وهو قوام الناس في صحتهم وغَناؤهم في أمراضهم؛ وفيه تخرج الجوارح من قرنصتها ويُستحبّ الصيد وتكثر محاليف الدراج، ويمكن الصيادين (١) من جهات كثيرة: أحدها أن الغلات تكون قصاراً لم تطل فتمنع وتستر ما يستتر بها من الطير والوحش، وأخرى أن الجوارح لا تعمل في الحرّ إلا ساعةً في برد الهواء، وقد تعمل في الخريف والشتاء طول نهارها، والكلاب فلا تعمل في الحرِّ بوجه ولا سبب ولا تطعم نهاراً، والملوك والمترفون الذين يخرجون إلى الصيد بالجوارح لا يعرّضون بنفوسهم لحرّ الهواجر، ولا يخاطرون بمهجتهم من أجل الصيد، ولا ينشطون له إلا في البرد وطيب الهواء والزمان.
وفي الخريف يقدم طير الشتاء من الجبال والبلاد الباردة، مثل الكراكي والإوز واللغالغ مما يتصيّد بالجوارح وسائر آلات القنص والرمي بالبندق وغيره.
وفيه تُقطَع أنابيب الأقلام وتجلب من كلّ مكان، وهو أوان إدراكها وصلابتها واستقامتها، ولولا الأقلام وقفت أمور الناس ولم تنمَّ لهم شهادة ولا قضيّة ولا بيع ولا شراء، ولا تُضْبَط العلوم وتقيّد الأخبار إلا بها.
وفي الخريف يكون الدرّ الذي جعله الله زينةً للعباد، وحبِّبَ للناس وتجمَّل بلبسه سائر الأمم. وفُضِّل على سائر الأحجار النفيسة من الذهب وغيره، مع ما فيه من المنافع والبرء من الأمراض الصعبة وإدخاله في الأكحال، وهو أنفسُ ذخيرة وأخفُّها محملاً. وقد يمكن الانسان أن يحمل معه من الجواهر ما قيمته خمسمائة ألف درهم لا تعييه ولا تؤذيه. ولا يمكنه حملُ ألف درهم إلا بمشقة ولا يستتر ولا يخفى، ولذلك أدّخره الملوك وجعلوه عدّة للشدائد.
والخريف أصحُّ السنة زماناً وأسلمها أواناً، والشمس فيه بالميزان، وهو أحد الاعدلين المتوسطين حين أطلعت السماء حوافل انوائها، وتأذَّنت بانسكاب مائها،
стр. 269
وصَفَت الموارد من كدرها، وتهذّبت من عكرها، وخلصت الأرض من حمارة قيظها ورمضائها؛ وإجماع الناس على محبة ريح الشمال وإيثارها على الرياح الأربع مشهور لا اختلاف فيه، وإنما تحمد في الخريف لا في الربيع لأنها في ذلك الزمان تقوي النفوس، وتجذب للناس النشاط والظرف، وتصلح عليها المرضى وتقوى أجسامهم، وكل علّة يطول مكثها إنما تحدث في إقبال الصيف وتُقلع في إقبال دخول الشتاء، وهي تستحيل في الربيع بخلاف هذا لأنها تتلف الغلاّت وتفسدها، ولا يكون سقوط البَرَد فيه إلا في الشمال ولا تكون الزلازل والصواعق إلاّ معها، وقوله : (فأهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتية) ، قال المفسرون هي ريح الشمال.
وفي الخريف إقبال كل خير، وفيه المطر الوسميّ الذي يتباشر به الناس ويتبركون به، وتكثر عليه العمارة وتزيد فيه الأنهار، ويكره المطر في الربيع لأنه يفسد الغلاّت ويهدم المنازل، فهو في الخريف سقيا وشراب، وفي الربيع صواعق وعذاب، وفي هذا غيثٌ يُرجى صلاحه، وفي ذاك غيث يُخشى فساده؛ وبرد ماء الخريف مستطاب دون ماء سائر السنة؛ وكانت العرب تقول في من مات في أول الخريف: مات ولم يشرب ماء الخريف. وكان ابن الرومي يفضل الخريف على سائر فصول السنة، وقال وهو يجود بنفسه: ما آسى من دنياكم إلاّ على ثلاث: هواء التشارين والرطبِ الأزاد كأنه أولادُ الملوك في الغلائل الممسكة، واطلاعةٌ في وجه نجاح.
٦٥٢ - أبو نواس (١) :
أتى أيلولُ وانقشعَ الحرورُ ... وأخبتْ نارها الشعرى العبورُ
فقوما فالقحا خمراً بماءٍ ... فإن نتاج بينهما السرور
نتاجٌ لا تدر عليه أمّ ... وحملٌ لا تُعَدُّ له الشهور
إذا الكاسات كر بها علينا ... تكوّنَ بيننا فَلَكٌ يدور ٦٥٣ - شاعر:
انظر دمشقَ وقد رقت محاسنها ... كغادةٍ أَعْصَرَتْ بالحسنِ في الغيدِ
أجرى الخريفُ أصيلاً في الغصون بها ... صبحاً فأثْمرَ تبراً كلُّ أُملود
تمَّتْ بها ذهبياتٌ ذهبن بأل ... بابِ الذين سبوا ماءَ العناقيد
стр. 270
وسلسل البرد في السّلسال من بردى ... (١) نفحُ النسيم سرى من فوقَ يَبرودِ ٦٥٤ - جحظة البرمكي:
ما بالُ أيلولَ يدعوني وأتبعه ... إلى الصَّبوح كأني عبدُ أيلولِ
ما ذاك إلاّ لأنّ العيشَ مقتبل ... والليلُ ملتحفٌ بالبرد والطول
وقد بَدَتْ طَلَّةٌ شجواً تخبرنا ... عن الخريف بقصْفٍ غير مملول
ولاح وجهُ سهيلٍ فهو جوهرة ... حمراء قد ركبتْ في وسط إكليل ٦٥٥ - عبدان بن عبد الله الأصفهاني يصف الخريف ويفضله على الربيع:
راب الربيعُ عيونَ قومٍ أغفلوا ... طيبَ الخريفِ وسجسجَ الأَشجارِ
لما عن اغباش الشتا قد سرحوا ... أنسوا بنور الحرِّ والأنوارِ
فلها نثارٌ في الخريفِ يفوقها ... حُسناً على الجنّاتِ والأنهار
تحكي دنانيراً لنا أوراقُها ... ولها فضيلةُ مطعمِ الأثمار
وخلا الربيعُ من النعيم فما لنا ... فيه سوى الأرواحِ والأمطار
ومخافة الهدّارِ إثرَ صواعق ... ترمي البلادَ وأهلَها بالنار
فاسعدْ بتشرينين وانعمْ فيهما ... (٢) متعوذاً بالله من آذار
واشرب على ورديهما مشمولةً ... من زعفران طالعٍ وبهار
يغنيك عن وردِ الربيع، وعرفُهُ ... عن شمِّ عَرْفِ لطيمةِ العطَّار ٦٥٧ - أحمد بن إبراهيم:
قمْ بنا نصطبحْ وقد برد الل ... يلُ لشرابها ورقَّ الأصيلُ
وبدا للعيونِ يزهر في الصب ... ح سُهَيْلٌ كأنّه قنديل
وتولَّتْ حرارةُ القيظِ عنَّا ... حين ولّى مُوَدِّعا أيلول ٦٥٨ - شاعر:
باكرنا الدهر بِسَرَّائِهِ ... وكفَّ عنّا بأسَ بأسائِهِ
وجاءنا أيلول مستبشراً ... يُثني على الزَّهرِ بآلائه
أما ترى الرقة في جوه ... تناسب الرقَّةَ في مائه
стр. 271
انظرْ إلى أنواعِ أثماره ... قد ضمَّها في بَرْدِ أحشائه
راحتْ عليها نسماتُ الصبا ... تقرصها في برد أفيائه
انظر إلى رمَّانِهِ ضاحكاً ... حمراؤه في وجه بيضائه
أيلولُ عضوٌ من زمان الصبا ... لكنه من خَيْرِ أعضائه ٦٥٩ - أبو سعد الأصبهاني:
يهناك إِقبالُ الخري ... ف عليك بالوجه الرضيِّ
تمّ اعتدالاً في الكما ... لِ فجاء في خُلُقٍ سَوِيِّ
وينوبُ ورد الزعفرا ... ن به عن الوردِ الجني
أهدى إليك المهرجا ... نَ يميسُ في زي الهدي
قد ضُمِّخَتْ بالزعفرا ... ن وهيئت في حُسْنِ زي
وتحلَّتِ التفاحَ والاتر ... ج في نظمِ الحلي ٦٦٠ - الباذاني (١) :
وأسعدك الله بالمهرجان ... إذا ما انقضى عنك عاماً يَكُرّ
ولا زلتَ في عيشةٍ كالخريف ... فإن الخريفَ جميعاً سحر
ترى الماءَ فيه وذاك الهواء ... يجلوهما نَسْمُ ريحٍ عطر
وأترجّه عاشقٌ مدنفٌ ... إذا ما رجا طيبَ وصلٍ هُجِرْ
ولونُ سفرجله حائلٌ ... وأحسبه من صدودٍ حذر
وتفاحهُ فوقَ أغصانه ... خدودٌ خجلن لوحي النظر
وما كنتُ أحسبُ أن الخدودَ ... تكونُ ثماراً لتلك الشجر ٦٦١ - ابن المعتز:
هات كأسَ المدامِ في أيلولِ ... بَرَدَ الظلُّ في الضحى والمقيلِ
وخَبَتْ جَمْرَةُ الهواجرِ عنّا ... واسترحنا من النهارِ الطويلِ
وخرجنا من السموم إلى رو ... ح شمالٍ وطيبِ ظلٍّ ظليل
стр. 272
ونسيمٍ يبشر الأرضَ بالقط ... ر كذيلِ الغلالة المبلول
وكأنّا نزدادُ قرباً من الجنّ ... ة في كلِّ شارقٍ وأصيل
ووجوهُ البلادِ تنتظر الغي ... ثَ انتظار المحبِّ رَجْعَ الرسول (١) ٦٦٢ - شاعر:
قم فاسقني يا خليلي ... من المدام الشَّمولِ
أوْلَى الشهورِ بقصفٍ ... شعبانُ في أيلول ٦٦٣ - جحظة البرمكي (٢) :
لا تُصْغِ للعذل إنَّ العذلَ تضليلُ ... واشرب ففي الشرب للأحزان تحليلُ
فقد مضى القيظُ واجتثت رواحله ... وطابتِ الراح لما آل أيلول
فليس في الأرضِ نبتٌ يشتكي مَرَهاً ... إلا وناظرُهُ بالطلِّ مكحول ٦٦٤ - شاعر:
أيلولُ وقتُ مسرَّةِ الإنسان ... وأوانُ طيب الراح والريحان
فصلٌ له بنسيمه ونعيمه ... صِفَةٌ تحاكي جنَّةَ الرضوان ٦٦٥ - ابن الحجاج (٣) :
أيلولُ والعيدُ واعتلال ال ... هواءِ في الليلِ والنهارِ
وشهرُ شوَّالَ في تكافي ... ساعاتِ أيامِهِ القصار
أربعةٌ تقتضيك دِيْنَ ال ... سماع واللهو والعقار
فاشرب لها بالكبير إنَّ ال ... كبير للسادةِ الكبار ٦٦٦ - الباخرزي:
ألا فاسقني الراحَ مشمولةً ... أُرَوّحْ بها القلبَ من كلِّ غمّ
стр. 273
فانَّ الخريفَ أعار الرياض ... من الحُسْنِ والطيبِ أوفى القسم
فأصبح صَفْصافها بينها ... كما بان عن مَوْضع الفصْدِ دم
وشُبِّه غربانُ أشجارها ... بسودِ القلانس فوق القمم ٦٦٧ - الشريف الطوسي:
حلَّ الخريفُ على الأَغصانِ وانتثرت ... أوراقُهُ غيرَ ما يبقى على الحِقَبِ
كانتْ غلائلها خُضْراً وقد صُبِغَتْ ... بصفرةٍ مثل لونِ الورس والذهب
واستطردَ القيظُ إذ ولّت عساكره ... واستبردَ الظلُّ فاقدحْ جمرةَ العنب
واغنمْ بها العيشَ في تشرينَ منتهزاً ... فالقيظُ في رحلةٍ والقرّ في الطلب ٦٦٨ - وله (١) :
خُذْ في التدبر في (٢) الخريفِ فإنه ... مستوبَلٌ ونسيمُهُ خَطَّافُ
يجري مع الإنسان جَرْيَ حياته ... كصديقه ومن الصديقِ يُخافُ ٦٦٩ - التيفاشي المصنف:
أبدى الخريفُ لنا حسناً وإحساناً ... إذ بزَّ من كسوةِ الأوراقِ أغصانا
فأصبحتْ كرشيقِ القدِّ ذي هيف ... نشوانَ أَملحَ ما يأتيكَ عريانا ٦٧٠ - تأخر الحسن بن سهل عن مجلس محمد بن عبد الملك الزيات بغير سبب، فكتب إليه محمد:
قالوا جفاكَ فلا عهدٌ ولا خبرٌ ... ماذا تراه دهاهُ قلتُ أيلولُ
شهرٌ تحولُ حبالُ الوصلِ فيه فلا ... عَقْدٌ من الوصلِ إلا وهو محلول فأجابه الحسن:
أَنى يحولُ فتىً أَعليتَ رتبتَهُ ... فناله بكَ تعظيمٌ وتبجيلُ
فأنت عُدَّتُهُ في نيلِ نعمته ... وأنت في كلّ ما يخشاه مأمول
ما ليس لعهده من والدٍ ولدٌ ... ولا أخٌ من أخ والحبلُ موصول
стр. 274
ما غالني عنك أيلولٌ ولذته ... وطيبه ولنعمَ الشهرُ أيلول
الليلُ لا قِصَرٌ فيه ولا طولُ ... والجوُّ صافٍ ورحلُ الكاسِ مرحول
والعودُ مستنطَقٌ عن كلِّ معجبةٍ ... يضحي بها كل سيف وهو مسلول
لكنْ توقع وشك البينِ عن بلدٍ ... تحلُّ فيه فسلكُ الدمع محلول قال ذلك لأنه كان مزمعاً سفراً.
٦٧١ - والخريف عند معاقري الخمر أخو الربيع، لبرد مائه، واعتدال هوائه، وكثرة أزهاره وثماره، واستواء ليله ونهاره، واستطابة المدام، بعد تكرهها في زمن القيظ، وطيب الندام.
٤ - الشتاء:
٦٧٢ - الشتاء جامع لذَّات أرباب النعم، وامتع أوقات ذوى الهمم، لأن فيه تظهر هممهم، وعند هجومه تتبيّن نعمهم، من أنواع المطاعم والمشارب والملابس والمساكن وغير ذلك مما يظهر فيه خلل حال منْ دون طبقتهم، حتى أنه لتجتمع لهم فيه فواكه الصيف والخريف ومشمومات الربيع، ويُمكنهم من الإلتذاذ بالاستكثار من الطعاج والشراب والنكاح، والتنعم بأصناف الملابس مما لا يمكن استعماله في الصيف وحمارة القيظ، فلأجل ذلك يثلبون الصيف ويمدحون الربيع والشتاء والخريف.
٦٧٣ - قال: ولم اسمع في مدح الشتاء كقول أبي هلال العسكري (١) :
لستُ أَنسى منه دماثةَ دَجْنٍ ... ثمَّ من بعده نضارةَ صَحْوِ
وجنوباً تبشرُ الأرضَ بالقط ... ر كما بُشِّرَ العليلُ ببرو
وغيوماً مطرزاتِ الحواشي ... بوميضٍ من البروقِ وخفو
كلما أرختِ الجنوبُ عراها ... جمع القطرُ بين سفلٍ وعلو
وهو يعطيك حين هبَّتْ شمالاً ... بردَ ماءٍ منها ورقةَ جو
واستعار العراءُ منه لباساً ... سوف يمنى من الرياح بنضو
وكأنَّ الكافور موضعُ ترب ... وكأنَّ الجمانَ موضع مرو
стр. 275
٦٧٤ - وله:
وإذا شَتَوْتَ أمنتَ لسعةَ عقرب ... كالنار طارتْ من زنادٍ قادح
قد خِلْتَها تسعى بِسُبْحةِ عابدٍ ... كلاَّ لقد تمشي بصعدة رامح ٦٧٥ - ابن عبد السّلام خطيب سنجار:
أظنّ آذار أهدى من خمائله ... لشهر كانونَ أنواعاً من الحللِ
أو الغزالةُ من طول المدى خرفت ... فما تفرِّقُ بين الجدى والحمل ٦٧٦ - أبو تمام (١) :
رقَّتْ حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حَلْيِهِ يتكسَّرُ
نزلت مُقَدَّمةُ المصيفِ حميدةً ... ويدُ الشتاءِ جديدةٌ لا تكفر
لولا الذي غرس الشتاءُ بكفّه ... قاسى المصيفُ هشائماً لا تثمر
مطرٌ يذوب الصحوُ (٢) منه وبعده ... صحوٌ يكادُ من الغضارة يمطر
غيثان فالأَنواء غيثٌ ظاهرٌ ... لك وجهه والصحوُ غيثٌ مضمر
وندىً إذا ادَّهنتْ به لممُ الثرى ... خِلْتَ السحابَ أتاه وهو معذّر ٦٧٧ - روى أبو هريرة ﵁، أن رسول الله صل الله عليه وسلّم قال: " اشتكت النارُ إلى ربّها فقالت: أيْ ربّ أكلَ بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف. قال: فأشدّ ما تجدون من الحرّ من حرّها، وأشد ما تجدون من البرد من بردها ".
وعن أبي عاصم قال: أتيت أصحاب النبيّ ﷺ في الشتاء فوجدتهم يصلّون في البرانس والأكسية وأيديهم فيها.
٦٧٨ - أحمد بن فارس اللغوي (٣) :
إذا كنت يؤذيك حرُّ المصيفِ ... ويبسُ الخريفِ وبردُ الشتا
ويلهيك حُسْنُ زمانِ الربيع ... فأَخْذُكَ للعلم قلْ لي متى
стр. 276
٦٧٩ - يحيى بن صاعد (١) :
يشتهي الإِنسانُ في الصيفِ الشتا ... فإذا جاء الشتا أنكرَهُ
فهو لا يرضى بحالٍ أبداً ... قُتِلَ الإنسانُ ما أكفره ٦٨٠ - علي بن عبد الله الطوسي (٢) :
هجم البردُ والشتاءُ وما أَم ... لك إلا روايةَ العربيّه
وقميصاً لو هبَّتِ الريحُ لم يب ... قَ على عاتقيَّ منه بقيه ويقلُّ الغَناءَ عني فنونُ العلم إن أَعصفتْ شمالٌ عَرِيَّه ... ٦٨١ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : " الشتاء ربيع المؤمن ".
٦٨٢ - وعن عمر بن الخطاب ﵁: " الشتاء غنيمةُ العابدين ".
٦٨٣ - وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " خير صيفكم أشدُّهُ حرًّا، وخير شتائكم أشدُّه برداً، وإن الملائكة لتشتكي الشتاء رحمةً لبني آدم ". ٦٨٤ - وعن إسحاق الخطيب قال: " الرأي في الشتاء أجمع، والوعظ في القلوب أنجع ".
٦٨٥ - قيل لأعرابي (٣) وقد هجم القرّ: ما أعددتَ لهذا الفصل الضارب، بجرانه، الجاري إلى أوانه ملء عنانه؟ قال: " أعددتُ له عُرْيَ المتنين، وحفاء القدمين، وقلقلة الفكّين، ودمعَ العينين، وسيلانَ المنخرين، مع شدّة الرعدة، وقرفصاء القعدة، وذرب المعدة، وكسوفِ البال، وفرطِ البلبال، وقلَّةِ المال، وكثرةِ العيال ".
٦٨٦ - وعن ابن عباس قال (٤) : " إنَّ الملائكة لتفرحُ بذهاب الشتاء رحمةً للمساكين ".
стр. 277
٦٨٧ - دخل أعرابيٌّ خراسان فلحقه الشتاء فأقام بسمرقند، فلما طاب الزمان عاد إلى وطنه، وكان ينزل البصرة، فسأله أمير البصرة عن خراسان فقال: جنّة في الصيف وجهنم في الشتاء؛ فقال له: صف لي الشتاء بها، فقال: تهبُّ الرياح، وتضجر الأرواح، وتدوم الغيوم، وتكثر الغموم، وتسقط الثلوج ويقلُّ الخروج، وتغور الأنهار، وتجفُّ الأشجار، فالشمس مريضة، والعين غضيضة، والوجوه عابسة، والأغصان يابسة، والمياه جامدة، والأرض هامدة، يفترشون اللبود، ويلبسون الجلود، نيرانهم تثور، ومراجلهم تفور، لحاهم صُفْرٌ من النيران، وثيابهم سود من الدخان، والمواشي من البرد كالفراش المبثوث، والجبال من الثلج كالعهن المنفوش، فأما من كثرت نيرانه، وَثَقُلَ ميزانه، فهو في عيشة راضية، وأمّا من قلّت نيرانه، وخفَّ ميزانه، فأمّه هاوية، وما أدراك ما هيه، نارٌ حامية، فقال له الأمير: ما تركت عذاباً في الاخرة إلاّ وصفته لنا في الدنيا.
٦٨٨ - وكان عمر ﵁ إذا حضر الشتاء تعاهد الناس، وكتب إليهم بالوصيّة، إن الشتاء قد حضر وهو عدوّ، فتأهبوا له أهبةً من الصوف والجباب والجوارب والخفاف المنعلة، واتّخذوا الصوف شعاراً، والقطن دثاراً، فإن البرد عدوّ سريعٌ دخوله، بعيد خروجه.
٦٨٩ - قال كعب الأحبار: أوحى الله إلى داود ﵇ أن تأهبْ لعدوّ وقد أظلَّكَ، قال: يا ربِّ من عدوي وليس يحضرني، قال: بلى، الشتاء.
٦٩٠ - قال الأصمعي: كانت العرب تسمّي الشتاء الفاضح.
٦٩١ - وقيل لامرأة منهم: أيّما أشدّ عليك القيظ أم القرّ؟ قالت: يا سبحان الله من جعل البؤس كالأذى؟! فجعلتِ الشتاء بؤساً والقيظَ أذىً.
٦٩٢ - قال يحيى بن صالح: كنّا نأتي إسماعيل بن عياش فيكرمنا ويبرُّنا ويقدم لنا من الفواكه ما يتخيّره ويقول: كلوا فإن الله تعالى وصف الجنّة بصفة الصيف لفواكهها، لا بصفة الشتاء، فقال (في سِدْرٍمَخْضُودٍ وطلحٍ منضود وظلٍّ ممدود وماءٍ مسكوب وفاكهة كثيرة) .
٦٩٣ - خرج مسعر بن حزام يوماً فإذا أعرابيّ في الشمس يقول:
جاء الشتاءُ وليس عندي درهم ... ولقد يَغَصُّ بمثلِ ذاك المسلمُ
стр. 278
قد أُلْبِسَ الناسُ الجبابَ وغيرها ... وكأنّني بفناءِ مكةَ مُحْرم ٦٩٤ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : استعينوا على حرّ الصيف بالحجامة، واستعينوا على برد الشتاء بأكل التمر والزبيب.
٦٩٥ - وعن مجاهد قال: مَثَلُ المؤمن كمثل النملة تجمع في صيفها لشتائها.
٦٩٦ - الحسن بن مسعود بن الوزير الدمشقي الحافظ بمرو:
يا سادتي ما عاقني عنكمُ ... قلىً ولكنْ قلّةُ الكُسْوَه
بردٌ وثلجٌ ووحولٌ ولا ... خفّ ولا لبدٌ ولا فروه
وكيف من أحوالُهُ هكذا ... بمروَ في بحبوحة الشتوه ٦٩٧ - منصور بن أحمد الأزدي (١) :
فذدْ بردَ الشتاء بحرِّ راحٍ ... كوردِ الخدِّ ضُرِّجَ بالحياءِ
فبردي والشتاء وبردُ زهدي ... شتاءٌ في شتاء في شتاء
стр. 279
فراغ
стр. 280
الباب الثاني
في كَلَبَ البرد وشدّته ودفع القرّ بالجمر، ودلائل الصحو، ومعرفة الشتاء الذي يطول، وهل يتقدم أو يتأخّر، والمطر المتقدّم والمتأخر.
٦٩٨ - قيل لأعرابي (١) : ما أشدّ البرد؟ قال: إذا أصبحت الأرض نديّة، والسماء نقية، والريح شآمية.
٦٩٩ - ورُئي أعرابي (٢) يرتعد يوم قرّ فقيل له: تحوّل إلى الشمس، فقال: الشمس اليوم تحتاج إلى قطيفة.
٧٠٠ - وهب الهمذاني (٣) :
يومٌ من الزمهرير مقرورُ ... عليه ثوبُ الضباب مزرورُ
كأنما حَشْوُ جوِّه إِبَرٌ ... وأرضُهُ فرشها قوارير
وشمسُهُ حُرَّةٌ مخدَّرةٌ ... (٤) ليس لها من ضيائها نور ٧٠١ - أعرابي قتله البرد:
إليك اعتذاري من صلاتيَ قاعداً ... على غير طُهْرٍ مومياً نحو قبلتي
فليس ببردِ الماءِ عنديَ طاقةٌ ... ولا قوةٌ عندي على ثني ركبتي
ولكنني أحصيته ربِّ جاهداً ... وأخرجُ مما فاتَ في وجه صيفتي ٧٠٢ - سُئِلَتْ أعرابية عن أصعب الشتاء في البادية فقالت: يوم الريح الباردة.
стр. 281
٧٠٣ - ابن المعتز (١) :
قد منع الماء من المسّ ... وأمكنَ الجمرُ من اللمسِ
فلستَ تلقى غيْرَ ذي رعدةٍ ... أو مسلمٍ يسجدُ للشمس ٧٠٤ - أبو محمد المطراني (٢) :
وشتاءٍ يخنقُ الكل ... بَ فلا يعلو هريرُهْ
كلّما رام هريراً ... زمّ فاه زمهريره ٧٠٥ - بعضهم: يومٌ جَمَدَ خمره، وخَمَدَ جَمْرُهُ.
٧٠٦ - قال الشيخ شرف الدين التيفاشي المصنف: أنا أحكي ما شاهدته بنفسي لا ما أرويه عن غيري وهي: أني لما رحلتُ إلى الشرق، وَعِكْتُ بحرَّانَ في زمن الشتاء، واحتجت إلى عمل مزوّرة باسفاناخ وبيضٍ، فطبخ الاسفاناخ وأخذ الغلام بيضاً ليكسرها ويعملها في المزورة، فاستعصى كسرها، وأنا أستحثه، فاعتذر بأن البيض لم يُكْسَر، فاستشطتُ غضباً، فناولني البيضة وقال: اكسرها أنت، قضربتُ بها جانب الصحفة ضرباً خفيفاً، على العادة في كسر البيض، فلم تنكسر، فتابعت الضرب وقوّيته فلم تنكسر، فضربت بها الحائط على أنّها تتلفُ والحائط من طوب كبير له دهر طويل، فصادفّتْ حرفَ طوبة، فانكسرتْ الطوبة والبيضة صحيحة، فبهتُّ ونظرت إلى موضع الضربة في البيضة فإذا في القشرة التي لها شقاق خفيّ كالشعرة، فأدخلت رأس السكين فيه وقلعت القشرة فإذا بالبيضة جامدة، فقلت: القها في المزورة فألقاها ثم غرف المزورة، وإذا ببياض البيضة قد نضج بعض النضج وهو جامد، والصُفرة جامدة ليّنة لم تعمل النار فيها شيئاً، فحدثت بذلك بعض أهل حرّان، فأخبرني أن البيض عندهم يقدحون به الزناد في الشتاء، فيظهر منه الشرار كحجر الزناد، ويجمد عندهم كلّ مائع، ولا يشربون الماء إلا بعد أن يسخّن.
ودخلت آمد في الشتاء فوجدت الثلج يتراكم على الطرق حتى يسدّ الشوارع، وهم يمشون على الأسطحة ويعبرون الشوارع فوق الثلج.
стр. 282
وسرت من جزيرة ابن عمر إليها ستة أيام بلياليها لم أشاهد شمساً من السحب ولا أرضاً ولا جبلاً ولا وادياً ولا شجرة ولا مدرة إلا بالثلج، وكنّا نعبر على الأنهار وهي جامدة، ونستقي إذا أردنا الماء ونطبخه في القدور فنرى أعلاه جامدا وأسفله الذي يلي النار ذائبا؛ وأخبرت أن أقفال الحديد تنضّم أرياشها لشدة البرد حتى تفتح باليد.
قال: وأما أنا فوضعت يدي على شباك حديد في مدرسةٍ فوجدت كلذع النار، فرفعت يدي وقد بقي شيء من جلدة كفّي وأناملي على قضبان الحديد.
٧٠٧ - دخل بعض الأعراب الجبل، فجعل أنفه يرعم من شدة البرد، فرفع يده ووجأه وقال: لا والذي جلّ وعلا ما رأيتُ عضواً أنتن منك ماءً، إذا جمد كل شيء فأنت تذوب، وإذا ذاب كلُّ شيءٍ فأنت تجمد.
٧٠٨ - قال الأصمعي: دخلت على الرشيد هارون في يوم قرّ فقال: أنشدني أبلغ ما قيل في شدة البرد، فأنشدته لمرّة بن محكان السّعدي (١) :
في ليلة من جُمادى ذاتِ أندية ... لا يبصرُ الكلبُ من ظلمائها الطنبا
لا ينبحُ الكلبُ فيها غيرَ واحدةٍ ... حتى يلفَّ على خيشومه الذّنبا فقال: أريد أبلغَ من هذا، فأنشدته لأختِ عمروٍ ذي الكلب (٢) :
لا ينبحُ الكلب فيها غيرَ واحدةٍ ... حتى الصباحِ ولا تسري أفاعيها فقال: أريدُ أبلغَ من هذا، فأنشدته (٣) :
وليلةِ قرٍّ يصطلي القوسَ ربُّها ... وأسهمَهُ اللاتي بها يتنَّبل فقال حسبك ما بعد هذا شيء.
٧٠٩ - ابن المعتز (٤) :
جاء الشتاء بشمألٍ وصبا ... يلقاهما المقرورُ بالضدِّ
стр. 283
فالزمْ قرارك لا تكنْ شرها ... تشقى بطولِ الحرصِ والكدّ
إن العقارَ فغادِهِ سحراً ... درياقُ لسعِ عقاربِ البرد ٧٠٩ - كشاجم (١) :
وليس للقرّ غيرُ صافيةٍ ... تدفعُ ما ليس يدفعُ الدِّلَقُ
درياقُ أفعى الشتاءِ وهي إذا ... سَلَّ علينا سيوفَهُ دَرَقُ ٧١٠ - عبد الله بن علي السكاكيني (٢) :
إذا هبَّتْ الأرواحُ فاجعلْ دثارها ... إذا التحف الأقوامُ دُكْنَ المطارف
ثلاثةَ أرطالٍ شراباً معتّقاً ... (٣) وكنْ آمناً من شرّها غيرَ خائف
فإن دثارَ المر من تحتِ جلده ... أخفُّ وأدفا من دثارِ الملاحف ٧١١ - شاعر (٤) :
ذَكَر الصِّبا وزمانه فصبا ... وتمايلت أَعطافه طربا
شيخٌ يكادُ يطيرُ من طَرَبٍ ... بين الكروم إذا رأى العنبا
ويعودُ ريعانُ الشباب له ... غضاً إذا ما خمسةً شربا
لا يصطلي في القرّ غير لظى (٥) ... لهبِ الكؤوس فيربحُ الحطبا ٧١٢ - دلائل الصحو:
قالوا: انظر إلى الهلال حين يطلع، فإن رأيته لثلاث ليال دقيق القرنين نقيّاً صافياً فإنه دليل على قلّة المطر تلك الأيام، إلى أن يستوي القمر، فإذا استوى وامتلأ فانظر إليه، فإن رأيته صافياً فإنه دليل على قلّة المطر فيما بقي منه، فإن رأيت حواليه دارةً عند امتلائه، ورأيتها مُحْدِقَةً به مستوية، فإن ذلك دليل على قلَة المطر فيه. وكذلك إذا
стр. 284
رأيت الشمس عند طلوعها في الشتاء بيضاء نقيّة فهو دليل على قلّة المطر. وإذا رأيتها عند غروبها نقيّة صافية ليس فوقها سحاب فذلك فذلك دليل على صحو ليلتها، ثم إذا طلعت قبل طلوع الشمس سحابة فلا ترجُ مطراً في ذلك اليوم. وإذا مالت للغروب فرأيت شعاعها كأنه مظلم وكأن حواليه سحاباً أسود فلا مطر لها. وإذا نعق الغراب مترسّلاً غير متدارك لنعيقه فذلك دليل على قلة المطر، وإذا اجتمعت الغربان فنعقتْ دلّت على مثل ذلك.
٧١٣ - دلائل المطر:
انظر إلى القمر حين يطلع ابن ثلاث ليالٍ وأربع ليال، فإن رأيته غليظ القرنين فيهما ظلام فذلك دليل على المطر، وإذا رأيته لأربع ليال وله دارة حمراء فهو دليل على المطر. وإذا رأيته يطلع عند امتلائه فيه سواد وحمرة فهو دليل على الشتاء والمطر. وإذا رأيت الشمس عند غروبها وعن شمالها من ناحية الجنوب وقريب منها سحاب فإنه يكون مطر. وإذا رأيتها عند طلوعها وإلى جانبها سحاب أسود فإنه يكون مطر. وإذا رأيت عليها سحاباً ورأيت الطير يتغسَّل فيكثر تغسله فإنه مطر. وإذا رأيت سحابةً على البحر منخفضة فذلك دليل على وقوع الشتاء وشدّته وامتناع البحر. وإذا رأيت القوس الذي في السماء يطلع مضعفاً (١) فذلك دليل على كثرة الأمطار. وإذا رأيت حول القمر دارة أو دارتين أو ثلاثاً فإنه دليل على كثرة الأمطار. وإذا رأيت البروق لامعةً متتابعة فاعلم أنّ المطر بتلك الناحية. وإذا رأيت البقر تنظر نحو الجنوب فإنه يكون مطر. وإذا رأيت الذرَّ يجمع الطعامَ ورأيت الدجاج تقرقر فإنه يكون مطر. وإذا رأيت الخطاطيف يطرن على وجه الماء ويصحن فإنه يكون مطر. وإذا سمعت نعيق الغراب في الليل دلّ على كثرة المطر. وإذا رأيت العنكبوت تساقط من سقوف البيت دلّ على شدّة الشتاء، وإذا رأيت الفأر تنتقل من موضع إلى موضع دلّ على شدّة الشتاء، وإذا رأيت الغنم تنزو وتجري أشراً دلّ على الشتاء والمطر. وإذا رأيت الذئاب تدنو من مساكن الناس وتتوثَّب على الغنم في مواضع الأنيس دلّ على شدّة الشتاء. وإذا رأيت الكلب يبحثُ الأرض فهو دليل الشتاء. وإذا رأيت موقد النار يعالجها فيتعذّر عليه إيقادُها دلّ على الشتاء والمطر. وإذا رأيت ضوء السّراج غير قويِّ النور دلّ على المطر. وإذا رأيت قدور الفخار أو النحاس حين توضع على النار ترمي الشرر من أسافلها فذلك دليل على كثرة الأمطار.
стр. 285
٧١٤ - دلائل الشتاء الذي يطول:
إذا رأيت شجر البلوط والسنديان قد كثر حمله من الثمر دلّ على طول الشتاء
وشدّته. وإذا أردت معرفة الشتاء هل يتقدم أم يتأخر فانظر إلى مجيء الغرانيق فإن رأيتها تتقدّم رفوفاً جُملاً فإن الشتاء يتقدم، وإن رأيتها تتقدّم مقطعة فإن الشتاء يتأخر. وإذا رأيت الغنم تبحث الأرض بأظلافها وتمد أعناقها إلى الجنوب دلّ على طول الشتاء.
٧١٥ - معرفة المطر المتقدّم والمتأخر:
إن جاء مطر بعد القطاف بعد غيبوبة الثريا فإن السنة كثيرة المطر. وإن جاء المطر بعد غيبوبة الثريا تكون السنة متوسطة فيما بين البكيرة والمتأخرة. وإن ابتدأ المطر بعد أن تغيب الثريا فإن السنة تكون متأخرة. وفي " الفلاحة الرومية ": ينبغي أن يُتَوقّع اليوم الرابع والعشرون من تشرين الآخر، وهو عند تسمية الروم نوامبر (١) ، فإن كان في أوله حركة الهواء فإن أمطار السنة تكثر، وإن كانت الحركة في انتصافه فإن أمطار السنة متوسطة، وإن كانت الحركة في آخره كانت أمطار السنة متأخرة.