← Адаб

Адаб · id 1032

سرور النفس بمدارك الحواس الخمس

أحمد بن يوسف التيفاشي

Полный текст (444 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فأنشأته قطعاً ثمَّتَ ما ... زال وما زالتْ به حتى اتصل وطأطأتْ للأرض من أكنافه ... وسدَّدَتْ منه الفروجَ والخلل حتى إذا كان بعيداً فدنا ... وكان في السير خفيفاً فثقل وأسمع الأصمَّ صوتَ رعده ... ووقَّر السمعَ الصحيح أو أَعَلّ وأبصر الأكمهُ ضوءَ برقه ... وخطف الطرفَ الحديدَ أو أكل وضنَّ حتى قيل هذا حاصبٌ ... من السماءِ أو عذابٌ قد نزل ونحن مصنوعٌ لنا مدبَّرٌ ... فيه ولكنّا خلقنا من عجل حُلَّتْ عزاليه بسرَّ من رأى ... فلم يزلْ يُعِلُّها بعدَ النهل إذا تلكا هتفَ الرعدُ به ... ولمعتْ فيه البروقُ فهطل ليلَ التمامِ والنهار كلَّه ... متصلاً من غدوة حتى الأصل فما ونى حتى اتقى الناسُ أَذّى ... إفراطِهِ وقالتِ الأرضُ بَجَلْ ٨٢٨ - البحتري (١) : ذاتُ ارتجازٍ بحنينِ الرعدِ ... مجرورةُ الذيلِ صدوقُ الوعدِ مسفوحةُ الدمع لغيرِ وجد ... لها نسيمٌ كنسيم الورد ورنّةٌ مثلُ زئيرِ الأُسْدِ ... ولمعُ برقٍ كسيوفِ الهند جاءَتْ بها ريحُ الصَّبا من نجدِ ... فانتثرتْ مثل انتثار العقد فراحتِ الأرضُ بعيشٍ رَغْدِ ... من وشي أنوارِ الربى في برد كأنما غُدْرانها في الوهدِ ... يلعبنَ من حَبَابِها بالنَّرْدِ ٨٢٩ - أبو العباس الكندي: ساريةٌ في غَسَقِ الظلامِ ... دانيةٌ من فَلَكِ الغمامِ كأنها والبرقُ ذو ابتسام ... كتيبةٌ مُذْهَبَةُ الأعلام دَنَتْ من الأرضِ بلا احتشام ... ثم بكتْ بكاءَ مستهام وانتثرتْ بسابغ الإنعام ... وثروةٍ تَحْكُمُ في الإِعدام ٨٣٠ - آخر: أَقبل كالذَّوْدِ رغت شواردُهْ ... حتى إذا ما أبحرتْ رواعدُهْ

стр. 317

وذُهِّبَتْ بِبَرْقَها مطاردُهْ ... عادَتْ بما سرَّ الثرى عوائده وانتثرتْ في روضها فرائده ... شاهدةً بفضله مشاهده منظومةً من شُكْرِهِ قلائده ... ٨٣١ - أبو العباس النامي (١) : خليليَّ هل للمُزْنِ دمعةُ عاشقٍ ... أم النار في أحشائها وهي لا تدري أشارتْ إلى أرضِ العراق فأصبحتْ ... وكاللؤلؤ المنثور أَدْمُعُهَا تجري تسربل وشياً من خزوز تطرّزت ... مطارفها طرزاً من البرق كالتبر سحابٌ حكى ثكلى أصيبت بواحدٍ ... فعاجت له ببن الرياضِ على قبر فوشيٌ بلا رقمٍ ونقشٌ بلا يدٍ ... ودمعٌ بلا عينٍ وضحكٌ بلا ثغر ٨٣٢ - السري الرفّاء: غَرَّاءُ تنشرُ للورى أعلاما ... عمَّ البلادَ صنيعُها إنعاما مرَّتْ بظمآنِ الثرى وبروقها ... تسري وأدمعها تفيضُ سجاما مثلَ المحبِّ ترقرقَتْ عَبَراتُهُ ... والشوقُ يُذْكي في حشاه ضراما فَغَدَتْ عيونُ الزَّهْرِ فيه كأنها ... مُقَلٌ ترى طيبَ المنام حراما أهدى الحيا للورد في عَرَصَاتِهِ ... خجلاً وزاد الياسمينَ غراما وتشقَّقَتْ قُمُصُ الشقيقِ فخلتها ... في الروضِ كاساتٍ مُلئنَ مداما ٨٣٣ - الباخرزي: يومٌ تدرَّعَ جوُّهُ بغيومه ... فاسودَّتِ الآفاق بعدَ ضيائها وتفجَّرَتْ فيه السحابُ وَحَلَّلَتْ ... فيه العزالي كي تجودَ بمائها وتجاوبَتْ فيه الرعودُ وسللت ... قضبُ البروقِ تلوحُ في أرجائها فالجوّ ليلٌ والغيومُ تمدّه ... واليومُ صبحٌ مات في احشائها ٨٣٤ - أبو الفوارس سعد بن محمّد حيص بيص (٢) : دانٍ يكادُ الوحشُ يكرعُ وسطه ... وتناله كفُّ الوليدِ المرضَعِ

стр. 318

متتابعٌ جمٌّ كأنَّ رُكامه ... كَبّاتُ قيصرَ أو سرايا تبع زجلُ الرعودِ يكادُ (١) يخدج عنده ... شاءُ الملا ويموتُ سَخْل الموضع فهمى فألقى بالعراء بَعاعَهُ ... سحًّا كمندفعِ الأتيّ المترع فتساوتِ الأقطار من أمواهِهِ ... فالقارَةُ العلياء مثلُ المدفع وغدا سرابُ القاع بحرَ حقيقةٍ ... فكأنّه لتيقّنٍ لم يخدع متعظماً غَصَبَ الوحوشَ مكانها ... تيارُهُ فالضبُّ جارُ الضفدع ٨٣٥ - دخل الحسين بن مطير الأسدي على والٍ وليَ المدينة، فقيل له: هذا أشعر الناس، وكانت سحابة مكفهرّة ارتفعت وتتابع برقها ورعدها، فأراد أن يمتحن مادتهم له ووصفهم إياه، فقال له: صفها، فقال: بديها (٢) : غُرٌّ محجّلة دوالحُ ضُمِّنَتْ ... حَمْلَ اللقاح وكلُّها عذراءُ سُحْمٌ فهنَّ إذا كظمن فواحمٌ ... وإذا ابتسمن فإنّهنّ وضاء مستضحكٌ بلوامعٍ مستعبرٌ ... بمدامع لم تَمْرِها الأقذاء فله بلا حزنٍ ولا بمسرّة ... ضحكٌ يراوح بينه وبكاء كثرت لكثرةِ ودْقِهِ أطباؤهُ ... فإذا تحلَّلَ فاضت الأطباء وكأنّ بارقَهُ حريقٌ تلتقي ... ريحٌ عليه وعرفجٌ وألاء لو كان من لججِ السواحلِ ماؤه ... لم يبق في لجج السواحلِ ماء فعلم الوالي فضيلته وصدَّقَ شهادتهم له. ٨٣٦ - ابن المعتز (٣) : روينا فما نزدادُ ريًّا على ظما ... وأنتَ على ما في القلوبِ شهيدُ شقوفُ بيوتي صِرْنَ أرضاً أدُوسُها ... وحيطانُ بيتي ركّعٌ وسجود ٨٣٧ - محمّد بن هانئ (٤) : ألؤلؤٌ دمعُ هذا الغيثِ أم نُقَطُ ... ما كان أحسَنَهُ لو كان يُلْتَقَطُ

стр. 319

بين السحابِ وبين الريح ملحمةٌ ... قعاقعٌ وظبا في الجوِّ تُخْتَرط كأنّه ساخطُ يرضي على عجلٍ ... فما يدومُ رضىً منه ولا سخط أبدى الربيعُ إلينا روضةً أُنفاً ... كما تفتح عن مكنونه (١) السقط غمائمٌ في نواحي الجوِّ عاليةٌ ... جُعْدٌ تحدَّرَ منها وابلٌ سبط والبرقُ يظهرُ في لألأءِ (٢) طَلْعَتِهِ ... قاضٍ من المزن في أحكامِهِ شطط والأرضُ تبسطُ في خدّ الثرى ورقاً ... كما تُنَشَّرُ في حافاته البسط والريح (٣) تنفث أنفاساً معطَّرةً ... مثل العبير بماء الورد يختلط ٨٣٨ - قال الشيخ شرف الدين التيفاشي ﵀ لم أسمع في سحاب أفرغ ماءه أبدع من قول أعرابي شاعر (٤) : كأنه لما وهى سقاؤه ... فانهلَّ من كلِّ غمامٍ ماؤه حمَّ إذا حمّشه قلاؤه ... الحمّ: الشحم، وحمشه: قلاه حتى ذهب دهنه؛ شبه السحابة التي هراقت ماءها بقطعة شحم قليت حتى ذهب دهنها وبقي الشحم بلا دهن، وقد أبدع في هذا التشبيه. ٨٣٩ - ولابن المعتز (٥) : جاءتْ بجفنٍ أكحلٍ وانصرفت ... مرهاءَ من إسبالِ دمعٍ منسكبْ الاستسقاء: ٨٤٠ - روي أن رسول الله ﷺ كان إذا استسقى قال: اللهم اسقنا سُقْياً واسعةً وادعةً نافعة، تسقي الأموال والأنفس طيباً هنيئاً مريّاً مريعاً طبقاً مجللاً، يشبع به بادينا وحاضرنا، تنزل لنا به من بركات السماء، وتخرج لنا به بركات الأرض ويجعلنا عندك من الشاكرين، إنك سميع الدعاء. ٨٤١ - ومن خطبة أمير المؤمنين علي ﵇ في الاستسقاء (٦) : وإنَّ الله عزّ

стр. 320

وجلّ يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات، وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكّر متذكر، ويزدجر مُزْدَجر. وقد جعل الله سبحانه الاستغفار سبباً لدرور الرزق ورحمة للخلق، فقال (استغفروا ربَّكُمْ إنَّهُ كانَ غفّاراً، يُرسِلِ السماءَ عليكمْ مِدْرَاراً) فرحم الله امرءاً استقبل توبته، واستقال خطيئته، وبادر منيَّته. اللهم إنا خرجنا إليك من تحت الأستار والأكنان، وبعد عجيج البهائم والولدان، راغبين في رحمتك، وراجين من فضل نعمتك، وخائفين من عذابك ونقمتك، اللهم فاسقنا غيثك ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسّنين، ولا تؤاخذنا (١) بما فعل السفهاء منّا يا أرحم الراحمين. اللهم إنّا خرجنا إليك نشكو إليك ما لا يخفى عليك، حين ألجأتنا المضايق الوعرة، وأجاءتنا المقاحط المجدبة، وأعيتنا المطالب المتعسرة، وتلاحمت علينا الفتن المستصعبة. اللهم إنا نسألك أن لا تردَّنا خائبين، اللهم انشر علينا غيثك وبركتك، ورزقك ورحمتك، واسقنا سُقيا نافعةً مرويةً معشبة تُخْلِفُ (٢) بها ما قد فات، وتحيى بها ما قد مات، تروى بها القيعان، وتسيل البطنان، وتستورقُ الأشجار، وترخص الأسعار، إنك على كل شيء قدير. ٨٤٢ - ومن دعاء آخر: اللهمَّ اسقنا ذُلُلَ السحاب دون صعابها. وهذا من الكلام العجيب الفصاحة، لأنه شبّه السحاب ذوات الرعود والبوارق والرياح الصواعق بالابل الصعاب التي تقمص برحالها وتتوقص بركابها، وشبه السحاب الخالية من ذلك بالإبل الذلل التي تحتلب طيّعةً وتقتعد سمحةً. ٨٤٣ - شاعر: مضى الناسُ يستسقون من كلِّ وجهةٍ ... بها كلُّ مسموعِ الدعاءِ مجابِ فوافاهم الغيثُ الذي سمحتْ به ... لهم بعد ذاك المنعِ كلّ سحاب ٨٤٤ - إسماعيل الحمدويي (٣) : وفي ظنهم أَنْ قد أُجيبَ دعاؤهم ... وما علموا أني غسلت ثيابي

стр. 321

٨٤٤ - ب - وقال آخر: قد قلت إذ خرجوا لكي يستمطروا ... لا تقنطوا واستمطروا بثيابي لو في حزيرانٍ هممتُ بغسلها ... غطَّى ضياء الشمس جَوْنُ سحاب ٨٤٥ - شاعر (١) : خرجوا ليستسقوا وقد نشأتْ ... مشمولةٌ شَرِقٌ بها السَّفْحُ حتى إذا وقفوا لدعوتهم ... ودموعهم بخدودهم سَحُّ كُشِفَ الغمامُ إجابةً لهمُ ... فكأنّما خرجوا ليستصحوا ٨٤٦ - دخل أعرابيٌّ (٢) المسجد وبه أبو علقمة النحويّ يدعو دعاء الاستسقاء، قال الأعرابي وألحّ في سؤاله، فقال أبو علقمة: ارفق حتى نفرغ من دعائنا ثم نعطيك أحمر اللون وازناً، ثم ابتدأ فقال: اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمدٍ وعظِّمْهُ وكرِّمْهُ اللهم من أرادنا بسوء فأحطِ السوء برأسه كإحاطة القلائد بترائب الولائد، وأرسِخْهُ على رأسه كرسوخ السجّيل على رؤوس أصحاب الفيل، اللهم اسقنا سقياً مغيثاً مريًّا مريعاً تاماً عاماً مثعجراً مجلجلاً هزجاً مسحنفراً ودقاً سحًّا سفوحاً طبقاً تخصُّ به حاضرنا وبادينا، تنبتُ به زروعنا وتحيى به ضُروعنا، إنك على كل شيء قدير. قال: فوثب الأعرابي مولياً، فقال أبو علقمة: يا أعرابي أين يراد بك؟ قال: إلى جبلٍ يعصمني من الماء، يا خليفة نوحٍ في قومه. ٨٤٧ - أبو على ابن مقلة الوزير: لا يكن للكاس يومَ ال ... غيثِ في كفِّكَ لبثُ أو ما تعلمُ أنّ ال ... غيثَ ساقٍ مستحثّ ٨٤٨ - كشاجم (٣) : باكر الصبحةَ هذا ... يومُ عُودٍ وَمُدامِ ما ترى بالله ما أَح ... سَنَ آداب الغمامِ بدأ القطرُ بِطَلّ ... ثم ثَنَّى برهَامِ وانجلى مثلَ انجلاءِ ال ... غمدِ عن مَتْنِ الحسام

стр. 322

كافتتاحٍ حَسَنٍ زيَّ ... نَهُ حُسْنُ ختام مُسْتملاً منكَ أفعا ... لَكَ في حُسْنِ النظام فاشربِ الراحَ بأرطا ... لٍ وطاساتٍ وجام إنما الدنيا كوهمٍ ... أو كأحلام منام لا ترومَنَّ بعيداً ... وارضَ بالأمرِ الموامي لا تدع وُسْطَى من الحا ... ل لأحوالٍ جسام كلُّ شيءٍ يُتَوَقَّى ... نَقْصُهُ عندَ التمام ٨٤٩ - منصور الهروى (١) : يومُ دجنٍ هواؤُه ... فاختيٌّ رداؤه مطرتنا مسرّةً ... حين صابَتْ سماؤُهُ أشبه الماءَ راحُهُ ... وحكى الماء راحه ٨٥٠ - محمد بن أبي أمية (٢) : أما ترى اليوم قد رقَّتْ حواشيه ... وقد دعاك إلى اللذاتِ داعيه فبادرِ اللهوَ واغنمْ طيبَ ساعته ... فإن للدَّجْنِ ديناً يقتضينيه وجاد بالقَطْرِ حتى خلتُ أنَّ له ... إلفاً نآه فما ينفكُّ يَبْكيهِ ٨٥١ - ابن وكيع: بكى الغيثُ عند ابتسام الزَّهَرْ ... وهبَّ النسيمُ ورقَّ السَّحَرْ ووافتْكَ أنفاسُ ريح الصَّبا ... مسمكةً من ثمارِ الشجر وأعلنتِ الأرضُ أخبارها ... فلم أر أطيبَ منها خبر فناديتُ هل من فتىً فاتكٍ ... يقومُ فيسطو بجيشِ الفِكَرْ ويطَّرحُ العقلَ في جانبٍ ... فما العيشُ بالعقلِ إلاّ كدر فلبَّى دعائي فتىً عالمٌ ... بأنَّ الزمانَ كثيرُ الغير يبادرُ عَصْرَ الصما أنْ (٣) يفوتَ ... وعصرُ الصبا فرصةٌ تبتدر

стр. 323

وقام وقمتُ إلى قهوةٍ ... تميتُ الهمومَ وتحيي البطر إذا الهمُّ حاولَ منها الفرارَ ... فليس له دونها من وَزَرْ يطوفُ بها غُصُنٌ ناضِرٌ ... تمكَّنَ مهتزُّهُ مِنْ قمر ٨٥٢ - محمود القوهستاني: قمْ فاسقني فالأفق أغلظَ حجبه ... وتقطّبت فيه أسرَّةُ زاجِر وتصادمَتْ صَدَفُ السحاب بنحرِهِ ... فتكسَّرَتْ عن مُودعات جواهر فتباشر الروضُ الأريضُ بلقطها ... فلذاك أقْبلها ثغورَ أزاهر لا شيءَ أحلى من تهكّمِ كاسِنا ... متضاحكاً لبكا السحابِ الماطر ٨٥٣ - ابن عنين، لغز في الميزاب (١) : وما مُسْبَطِرٌّ ماؤه متدفّقٌ ... من الطهر يأتي غيرَ زورٍ ولا كَذِبْ يمجّ بما منه الخليقةُ كُلُّهُمْ ... ولا روحَ فيه إنَّ هذا من العجبْ ٨٥٤ - شاعر في فواقع الماء (٢) : كأنَّ غديرَ الماءِ بين حبابه ... وفيه شخوصٌ قُمْنَ مثلَ الأناملِ مساميرُ تبرٍ تعتلي برؤوسها ... مراراً وطوراً تعتلي بالأسافلِ ٨٥٥ - الغنوي فيها أيضاً: كأنما القَطْرُ على مياهها ... إذا بدا يطلعُ من حيثُ انهبط قبابُ درٍّ بينها وصائِفٌ ... في رقصهنَّ يرتمين بالليط الليط: قشرة القصبة، والجمع لِيَطٌ، شبَّه به ما تطاير من نقط المطر إذا وقعت على الماء. ٨٥٦ - ابن الخياط الدمشقي (٣) : ويومٍ أخذنا به فرصةً ... من العيش والعيشُ مستفرَصُ

стр. 324

لدى بركةٍ حركت راؤها ... فليست تزيد (١) ولا تَنْقُصُ تغنَّى لنا طرباً ماؤها ... وقامتْ أنابيبها ترقص يريك الجواهرَ تقبيبُهَا ... وهنَّ طوافٍ بها غُوَّصُ ٨٥٧ - شاعر في الفواقع وهي الحجا: لقد سُرَّ بهذا اليو ... م من منزلنا القاعُ ففيه للحجا رقصٌ ... وللميزابِ إيقاعُ ٨٥٨ - بهاء الدين زهير الكاتب الصالحي (٢) : على حُسْنِ النواعير ... وأصواتٍ الشحارير وقد طاب لنا وَقْتٌ ... صفا من كلِّ تكديرِ فقم يا ألفَ مولاي ... أدِرْهَا غيرَ مأمور نزلنا شاطئَ النيلِ ... على بُسْطِ الأزاهير وقد أضحى له بالمو ... ج وجهٌ ذو أسارير وفي الشطِّ حبابٌ مث ... ل أَنصافِ القوارير ٨٥٩ - محمد بن عبد المنعم الخيمي (٣) : إذا ما رمى بسهام القطار ... على هَدَفِ الماءِ قوسُ الغمامِ رأيتَ الفواقعَ في سَطْحِهِ ... رؤوسَ نصالٍ لتلك السهام ٨٦٠ - وله: إذا ما الغديرُ رماه الغمامُ ... بأسهمِ قطرٍ عليه وَكَفْ تخالُ الفواقعَ في سطحه ... رؤوس نصالِ سهامِ الهدف

стр. 325

٨٦١ - أبو المعالي ابن إسرائيل (١) : وطفاءُ غادرتِ الغدي ... ر بِصَوْبِها المتدفِّقِ وكأنَّما أبدى الحبا ... ب بمائه المترقرق درراً مجوّفة نثر ... ن على فراشٍ أزرق ٨٦٢ - الشريف ابن دفتر خوان: كأنَّ قبابَ القطر من فوق مائِهِ ... كراتٌ من البلّور تطفو وتغرقُ كأنَّ نجوماً جُوِّفَتْ كلما بدت ... لنفحِ الصّبا من رقةٍ تتمزّق ٨٦٣ - أبو الحسن ابن عبد الكريم الأنصاري: تناثر فوق سطحِ الماءِ قَطْرٌ ... له حُسْنٌ يجلُّ عن القياسِ كأنَّ فواقعاً ظَهَرَتْ عليه ... تضاريسُ الزجاجِ بظهرِ كاس ٨٦٤ - وله: وبركةِ ماءٍ يُرى صَفْوُهَا ... كصفوِ زجاج غدا يلتمحْ وحَبَّبَها نثرُ قطرِ السما ... فحبَّبَها وأثارَ الفرح كأن الفواقعَ من فوقها ... فصوصُ الزجاج بظهرِ القدح ٨٦٥ - ابن كاتب قيصر: نهرٌ كنصلِ السيف أُحْكِمَ صَقْلُهُ ... صافي المتونِ كمقلةِ الحرباءِ جادَتهُ غاديةٌ فصاغ بقطرها ... حبباً كحبِّ الفضةِ البيضاء فتخالهنَّ لآلئاً قد فارقتْ ... أصدافَها وَطَفَتْ بوجه الماء ٨٦٦ - وله: ونهرٍ تولَّى القطرُ صَوْغَ حبابه ... فأَطلعه مثلَ الجمان عيانا كذا القطرُ فيما قيل والقولُ واسعٌ ... إذا ما أصابَ البحرَ صار جمانا

стр. 326

٨٦٧ - يوسف بن حمدان (١) : ولقد ذكرتكِ والنسيمُ مُعَنْبِرٌ ... والبحرُ منبعثٌ بلا أمواجِ والمزنُ يقطرُ فوقه فكأنه ... درّ تساقَطَ فوق صَرْحِ زجاج ٨٦٨ - كتب القاضي التنوخي إلى الوزير المهلبي: سحابٌ أتى كالأمن بعد تخوُّفِ ... له في الثرى فعل الشفاءِ بمدنفِ أكبَّ على الآفاق إكبابَ مطرقٍ ... تذكر أو كالنادم المتلهف ببرقٍ لو المقرورُ أصبح يصطلي ... من الأرض في قلب الشتاء به دفي ومدَّ جناحَيْه على الأرض جانحاً ... فراح علبها كالغرابِ المرفرف غدا البحر بحراً زاخراً وانثنى الضحى ... بظلمته في ثوبِ ليلٍ مسجَّف يعبِّسُ عن بَرِقٍ به متبسم ... عبوسَ بخيلٍ في تبسُّم مُعْتف دُجَاهٌ إذا ما لاحتِ الشمسُ مُبْطِلٌ ... سناها كمنٍّ مبطلٍ منَّ مسعف كأنَّ التماعَ البرق في ظلماته ... هدىً في ضلالٍ يبتدي ثم يختفي تحاولُ منه الشمسُ في الجو مخرجاً ... كما حاول المغلوبُ تجريد مرهف إذا وَصَلَتْهُ شمألٌ صدَّ قاطعاً ... صدودَ المعنَّى عن عذولٍ معنِّف فأفرغ ماءً قال واردُ شربه ... أسلسالُ ماء أم سلافةُ قرقف غدا رحمةً للناس غيري فإنه ... عليَّ عذابٌ ماله من تَكَشُّف سحابٌ عداني عن سحابٍ وعارضٌ ... مُنِعْتُ به عن عارضِ متوكّف ٨٦٩ - أبو تمام: وعلمتُ ما يلقى المزورُ إذا همت ... من ممطرٍ ذفرٍ وطينِ حفافِ فجفوتُكُمْ وعلمتُ في أمثالها ... أنَّ الوَصُولَ هو القَطُوعَ الجافي ٨٧٠ - آخر (٢) : منع الوحلُ أن نؤدي الحقوقا ... ويزورَ الصديقُ منا الصديقا سيّما العاجزُ الضعيفُ إذا قا ... ل له الراكبُ الطريقَ الطريقا

стр. 327

٨٧١ - أبو بكر الأرَّجاني (١) : أمولانا (٢) الوزير دعاءَ عبدٍ ... بِصَفْحِكَ من عقابك مستجيرِ أَجِرني من زمانٍ قد (٣) حباني ... بقربك ثم نافسَ في حضوري إلى يمناكَ أشكو فيضَ سُحْبٍ ... كما تشكو الجنودُ إلى الأمير عداني القطر عن غيث بغيثٍ ... وعوَّقني مطيرٌ عن مطير وأظمأني إليكَ وهل سمعتم ... بغيثٍ ملهبٍ غُللَ الصدور ٨٧٢ - الصاحب بن عباد (٤) : إني ركبتُ ووجه الأرضِ كاتبةٌ ... (٥) على ثيابيَ خطاً ليس ينفهم فالأرضُ محبرةٌ والحبرُ من لثق ... والطرسُ ثوبي ويمنى الأشهب القلم ٨٧٣ - الشريف الموسويّ يعتذر عن الزيارة باللثق: عذراً إذا الغيثُ طما وطنَّبا ... وواصلتْ فيه الرياحُ السُّحُبا حتى اكتسى منها النهارُ غيهبا ... وجلَّل الوحلُ الربى والرحبا إن قام فيه راجلٌ تجوربا ... وإنْ مشى المرءُ به تكبكبا كأنَّ تحت كلِّ رِجْلٍ لولبا ... آراء الفلاسفة في المطر والثلج والبرد والجليد: ٨٧٤ - قالوا: إن من هذه الأشياء المتولّدة في الجو ما يكون تولّده عن البخار المتصعِّد من الرطوبات التي في الأرض، بسبب حرارة الأشعة الواردة عليها من الأجرام العلوية وانعكاسها عنها إلى الجو، وأكبرها شعاع الشمس؛ ومنها ما يكون عن الدخان، ومنها ما يكون عنهما معاً. أما البخار فإن ما تصاعد منه ومادَّته ضعيفة والحرّ عليه غالب فإنه يستحيل إلى الهواء، وقلَّ ما يتكوّن منه شيء، وما تصاعد منه مستعلياً وله مادة وصادفه برد الليل قبل ترقيه إلى الطبقة الباردة من الهواء تكاثف ونزل

стр. 328

طلاٍّ، وهو ما يُحَسُّ به من الأنداء وقت الأسحار. وإن اشتد البرد على الطلّ بعد تكاثفه بحيث يجمده نزل صقيعاً، وهو ما تشاهده على وجه الأرض وقت الغدوات كالصِّفاح اللامعة. وما تصاعد منها إلى الطبقة الباردة تكاثف بالبرد سحاباً منضغطَ الأجزاء، وهو ما تشاهده في الجو كالجبال السائرة، فإن غلب عليه البَرد بحيث جمَّده قبل انعقاده، صار ملحاً متحللاً أبيض لمخالطة الهواء لأجزائه، وقلّ ما يكون في غير الشتاء، وإن انعقد ما نزل هابطاً لثقله من سعة محيط إلى ضيق مركز على خطوطٍ مستقيمة فتجتمع أجزاوه وتتشكل بقطرات المطر فينزل مطراً، وعلى حسب التفاوت في القرب والبعد والاجتماع يكون كثير القطرات، وأكثر ما يكون في الربيع لبعد المسافة التي ينعقد السحاب فيها، وان قوي البرد عليه بعد تشكّله بقطرات المطر جمد ونزل بَرَداً، وربما استولى على قطرات المطر من الجوّ حر أوجب حصر البرودة الشديدة في باطنها، فانعقد منه برد، ومثل هذا إنما يكون في أيام الربيع، ولهذا قد تشاهد البرد في الربيع وباطن حبّاتِه أشدّ جموداً من ظاهرها؛ وربما كانت مادة هذه الأشياء أيضاً الهواء، إلاّ أن تكاثف البخار واستيلاء البرد عليه لتلطفه بالحرّ يكون أسرع وأشدّ، ولهذا كان تكاثف بخار القدر وانعقاده بإضافة البرودة أسرع من بخار الحمام، لتفاوتهما في التلطف بالحرارة، وعلى حسب تفاوت المواضع في صعود الأبخرة منها وشدّة البرد وضعفه في جوّها يكون التفاوت في زيادة هذه الأشياء وقلّتها، حتى أن ما كَثُرَت أبخرته من البقاع كالبحار كان أكثر مطراً، وما قلت أبخرته كان أقلّ، وما كان برد جوه أشدّ، كان ثلجه وبرده وصقيعه أكبر، كقلل الجبال والمواضع المرتفعة. الثلج: ٨٧٥ - شاعر (١) : أقْبَلَ الثلجُ في غلائلِ نور ... يتهادى كاللؤلؤِ المنثورِ فكأنّ السماءَ زُفَّتْ إلى الأر ... ضِ (٢) وكان النثارُ من كافور

стр. 329

٨٧٦ - أبو تمام (١) : من يزعم الصيف لم تذهبْ بشاشته ... فغيرُ ذلك أمسى يزعمُ الجبلُ غدا له مِغفَرٌ في رأسِهِ يَقَقٌ ... لا تهتك البيضُ فَوْدَيْهِ ولا الأَسَلُ ٨٧٧ - صرّدر (٢) : يا طيبَ يومٍ حَجَبَتْ شمسه ... سحائبٌ تُمْطِرُ كافورا لما توارتْ تحتَ أستارها ... مجَّتْ لنا من ريقها نورا ٨٧٨ - المتنبي (٣) : بيني وبين أبي عليٍّ مثله ... شُمُّ الجبال ومثلهنَّ رجاءُ وَعِقابُ لبنانٍ بهيف بقطعها ... وهو الشتاءُ وصيفهنَّ شتاء لبسَ الثلوجَ بها عليَّ مسالكي ... فكأنّها ببياضها سوداء ٨٧٩ - طلب الموفَّق بالله في بغداد في سنة من السنين، وقد تغيّر فيها الهواء في آذار، ثلجاً فلم يوجد إلاّ عند إنسان واحدٍ ممن كان يبيع الثلج، فاستام فيه جملةً عظيمةً، إلى أن وكس إلى خمسين ديناراً، فأمر بها الموفق له من خريطة الركوب، فلما أُحضرت بين يديه قال: لا يراني الله أشرب شربةً بخمسين ديناراً، ثم أمر أن يتصدق بها، ودعا بطرخونٍ فمضغه وشرب الماء عليه، ولم يشترِ الثلج، فلما علم صاحب الثلج ذلك قال؟ لكنّي أنا لا أبخل على نفسي به، فشربه. ٨٨٠ - الصنوبري (٤) : الجوُّ بين مضمّخ ومضرّج ... والروضُ بين مزخرفٍ ومدبَّجِ والثلجُ يهطلُ كالنثار فقم بنا ... نلتذُّ بابنةِ كرمةٍ لم تمزج

стр. 330

ضَحِكَ (١) النهارُ وبان حُسْنُ (٢) شقائقٍ ... وزهت غصونُ (٣) الوردِ بين بنفسج فكأنَّ يَوْمَكَ من غلائلِ فضّةٍ ... والنورُ من ذهبٍ على فيروزج ٨٨١ - كشاجم (٤) : الثلجُ يسقطُ أم لجينٌ يُسْبَكُ ... أم ذا حصى الكافورِ ظَلَّ يُفَرَّكُ راحتْ به الأرضُ الفضاءُ كأنها ... من كلِّ ناحيةٍ بثغرِكَ تَضْحَكُ شابت (٥) مفارقُها فبيَّنَ شَيْبها ... طرباً وعهدي بالمشيب يُنَسِّك وتزيّتِ الأشجارُ فيه ملاءة ... عما قريبٍ بالرياحِ تُهَتَّكُ والأرضُ من أرج الهواءِ كأنها (٦) ... ثوبٌ يعنبر تارةً ويمسَّكُ كانت كعودِ الهندِ طُرِّيَ فانكفا ... بعد النصاعة وهو أسودُ أحلك فاستنطق العودَ الصموتَ (٧) فإنما ... تتحرّك الأَطرابُ حين يُحَرَّكُ ٨٨٢ - قال أبو غسانة الشاعر المجيد: كان بمدينة السلام رجل وقّاد يلقب بغراب، واسمه بيان بن سعيد بن زلزل، وكان مفلسفاً، ثم غُلِبَ على عقله، ومن شعره أن البرد اشتدّ في سنة إحدى ومائتين وسقط ثلجٌ لم يُعْهَدُ بالعراق مثله، وغراب هذا يشرب مع ندمائه، قبل وسواسه، من أهل حرفته، وأقام الثلج يوماً وليلة، فقال بعضهم: قولوا في هذا اليومِ شيئاً، ثم ابتدأ هذا القائل فقال: يا حبَّذا اليومُ اليقَقْ ... والقطنُ يندفُ في الأُفُقْ حثّوا الكؤوسَ فإنَّها ... تنفي عن القلبِ الحُرَقْ انظرْ فقد نثرَ الغما ... ئمُ وردَهُ البيضَ الورق أو لؤلؤاً متتابعاً ... من سلكه لمّا انخرق

стр. 331

وقال آخر منهم: يومٌ أغرُّ مُحَجَّلٌ ... يبكي على الأرض السما والغيمُ ينثرُ لؤلؤاً ... قد خانه سلكٌ وهى وكأنّما جمع السحا ... ئب ثغر ربات الهوى فرمى بهنَّ مجمشاً ... أحبابهنّ وما ونى أو مثل أهداب لري ... ط تترامى (١) إذ رمى قمْ يا غلامُ فهاتها ... ودعِ المعاتبِ في لظى وقال آخر منهم: يومٌ من الأيام معروفُ ... والبرْسُ برسُ الجوِّ مندوفُ كأنَّ ما نُشِّرَ في أفقه ... ريطُ ملاءٍ وهو مصفوف ينثرُ دراً خانه سِلْكُهُ ... فهو على الأَقطارِ مرصوف فاشربْ وهاتِ الكاس اني امرؤ ... قلبي عليها الدهرَ موقوف في مجلسٍ غيّب عُذَّالُهُ ... فهو بأهل الفضلِ محفوف وقال آخر منهم: يومٌ من الأيام مشهور ... فيه علينا الدرُّ منثورُ قد نَدَفَ المزنُ لآفاقه ... فانحطَّ نور بعده نور أو قُطِعَ السوسنُ في جوِّه ... فهو على الأقطارِ محدور فداركِ الشربَ أقيكَ الردى ... فأنت في شُرْبكَ معذور وقد أتاكَ الثلجُ مستعجلاً ... في كفِّه للحثِّ منشور وقال غراب: احثثْ كؤوسك واسقنا ... فالوردُ في الآفاق يُنْفَضُ جاءت عروسُ الدَّجن تخ ... طرُ في حُليِّ الدرِّ تُعْرض وردُ الربيعِ مورَّدٌ ... والوردُ في كانونَ أبيض قمْ يا غلام فهاتها ... حمراءَ نحو الثغر تركض أو ما ترى نِعَمَ السما ... ء ويومنا يومٌ مفضَّضُ وكأنما نَثَرَ السحا ... ئبُ فيه كافوراً مرضض

стр. 332

فقاموا كلهم فسجدوا لغراب فقال: ما علمت أنه يبلغ بكم من الجهل أن تعبدوا أسود طمطمانياً، أقسمت لأهجرنكم، ثم قال: وكيف أُنغص عيشي في يومي هذا بالبعد عنكم، أنا أحنث وأكفّر عن يميني، ثم قال: كفّرْ يمينَكَ يا غرابْ ... ودع التقاضيَ في الشرابْ وارجعْ إلى غُرَرِ الأنا ... م وكلِّ مختارٍ لباب واشربْ على الدرِّ الذي ... يأتيك من نَثِر السحاب درٌّ تجمد في الهوا ... ء وفي مساقِطِهِ يذاب ثلجٌ أتاك مبرداً ... قلبَ المحبِّ عن التصاب فإذا تجمد مطفئاً ... جدَّ الهوى لك في التهاب وارفضْ مقالَ العاذلي ... ن وعدِّ عن جلِّ العتاب واصمم عن القولِ الذي ... لا يُشْتَهَى ودعِ الخطاب واركب هواكَ فإنه ... رغمٌ لعذّالٍ غضابْ قال شرف الدين: فأخذ ابن المعتز أبياته الضادية فأغار عليها، وربما رويت لغير ابن المعتز، فقال (١) : ذهِّبْ كؤوسك يا غلا ... م فانَّ ذا يومٌ مفضَّضْ الجو أحلى بالبيا ... ض وفي حليِّ الدرِّ يعرض أظننتَ ذا ثلجاً وذا ... درٌّ من الأغصانِ ينفض وردُ الربيعِ مورد ... والوردُ في كانونَ أبيض فزاد في أبياته بقوله " ذَهِّبْ كؤوسك " ليذكر الفضة والذهب. ٨٨٣ - ولبعض المحدثين: ويومٍ واضحِ اللّون ... وضوءُ الشمسِ مستورُ له جيبانِ من ثلج ... فمحلولٌ ومزرور ووجهُ الأرضِ مبيضٌّ ... عليه الثلجُ منثور كأنَ الغيمَ كافورٌ ... وظهر الأرض كافور

стр. 333

٨٨٤ - قال: ومما يناسب حكاية هذا الوقاد، وإن لم يكن من هذا الباب، ما يحس أن دويدة الوقاد - واسمه داود بن سلم - كان يحبّ غلاماً هاشمياً من ولد إبراهيم الإمام، وكان يلقّب بالعابد، وكان يكلّم " دويدة " سرّاً وينهاه أن يُعْلِمَ بخبره ومحبته له أحداً، فكان كذلك، ثم غلب عليه العشق فأخبر بعض من كان يأنس به، فأعاد ذلك الخبر على الغلام، فهجره ومنعه من قربه، وكان الغلام يبكّهر إلى الجمعة فيصلى ويقرأ إلى أن تصلّى الجمعة، ثم كذلك إلى العصر وينصرف، فسمي العابد لذلك، قال الطوسي: فإني لفي الجامع يوم الجمعة، والغلام إلى جانبي، ودويدة في بعض الصفوف يرى الغلام، والغلام لا يعلم، وهو في صلاته، إذ كتب دويدة رقعة ورمى بها في حِجْرِ الغلام فأخطأته، ووقعت بيني وبينه، وإذا فيها: يا مفرداً في كمالِهِ واحدْ ... وسيداً ليس فوقه سائدْ وأكرمَ الناسِ في الورى والدْ ... له طريفُ العلاءِ والتالد هبني جَحَدْتُ الهوى مع الجاحد ... كم لي على ما جحدتُ من شاهد قلبٌ حزينٌ ومقلتا ساهد ... وَسُقْمُ جسمٍ على الضنى زائد رعيُ نجومٍ ومدنفٌ واجدْ ... ونومُ عينٍ وطرفه شارد يا مكثراً في صلاته جاهدْ ... رغَّبني فيك قلبك الزاهد فاعفُ عن العبد أيها العابد ... فلستُ فيما كرهتَ بالعائد يا نائماً عن بليّتي هاجد ... أسهرني منك طَرْفُكَ الراقد قال: فقال لي الغلام: ما هذه الرقعة؟ فكتمته حياءً منه، فأبى إلا أن يقرأها، فدفعتها إليه فقرأها وخجل، فقال: خطّ دويدة وشعره، وقد بلغ منّا ما يؤذينا وقد شهَّرنا في الناس، قال: فوجدت مساغاً فقلت: لو كلَّمته وأدنيته اشتريت بذلك لسانه، ومنعته من قول الشعر الذي يُحْفَظُ ويسير، قال: أفعلُ ما أشرت به، ثم انصرفا، ولقيتُ دويدة فعرَّفته، فشكر لي ذلك، وعاد الغلام إلى ما كان عليه. ٨٨٥ - خبر وقاد آخر: كان ببغداد رجل وقاد يعرف بشعر الزنج (١) ، وكنيته أبو الجعد، وكان قد قام مع

стр. 334

سهل بن سلامة (١) حين ظهر أمره لثلاثٍ بقين من شعبان سنة إحدى ومائتين، ودعا الناس إلى لقيام معه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان أبو الجعد هذا نقيب نقبائه، وكان ينتف لحيته لا يدعها تظهر، فعوتب في ذلك فقال: يلومني الناس في حَصْدي مزارعَ لم ... تُنْجِبْ ولا أثمرتْ يوماً لجانيها مزارعٌ سَلَبَتْ وجهي بشاشَتَهُ ... لا بارك اللهُ ربُّ الناسِ لي فيها فلستُ أتركها تنمي إذا نبتت ... فالنتفُ يحصدها والنتف ينشيها إذا أمتُّ مناغيها بأنملتي ... تعرَّضَ الكيد لي فيها فيحييها كأنها ويدُ الأيام تذكيها ... أشب رميتَ بنار في نواحيها ولو أردتُ بقاءً كان معترضاً ... من دونه نار لبٍّ بتُّ اذكيها وليس يَرْض به خلقٌ لِسَؤْأتِهِ ... فكيف أرضى لوجهي منه توجيها قال: أخذه من قول بعض المحدثين، وقد عوتب في نتف لحيته، فقال: أيرضى أحد أن يكون مثلها في استه؟ قالوا: لا، قال: فشيء لا يرضاه أحدٌ في استه كيف أرضاه أنا لوجهي؟. ٨٨٧ - الباخرزي (٢) : يومٌ دعانا إلى حثِّ الكؤوسِ به ... ثلجٌ سقيطٌ وغيمٌ غيرُ منجابِ وأفرطَ البردُ حتى الشمسُ ما طلعت ... إلا مزمِّلةً في فرْوِ سِنْجابِ ٨٨٧ - السري الموصلي (٣) : سكنت إلى الرحيل فكيف أثوي ... (٤) بأرضٍ لم تكنْ مُلْقَى الرحالِ ألمَّ بِرَبْعِها (٥) ثلجٌ فألقى ... مُلِمَّ الشيب في لمم الجبال

стр. 335

تلألأت الربى لمّا علاها ... كأن على الربى أثواب آل كأنَّ ذرى الغصونِ، لبسنَ منه ... حلى الكافور، رباتُ الحجال تجولُ العينِ فيه وهو فيها ... كَشُهْبِ الخيل رُحْنَ بلا جلال وأُسْدٍ من أسودِ الراح تسطو ... شمائلها على أسدِ الرجال وساقٍ كالهلالِ يديرُ شمساً ... على الندمانِ في مثل الهلال يخطّ له بمسكٍ صولجان ... فتذهب نون (١) وجنتِهِ بخال ترى الأقداحَ من بيضٍ خفافٍ ... يصرّفها ومن حُمرٍ ثقال ٨٨٨ - كشاجم (٢) : اشربْ (٣) فهذي صبيحةٌ قرّه ... واليومُ يومٌ سماؤهُ ثَرَّه ثلجٌ وشمسٌ وصوبُ غاديةٍ ... (٤) فالأرضُ من كلِّ جانبٍ زهره باتتْ وقيعانُها زبرجدةٌ ... وأصبحتْ قد تحوَّلتْ دُرَّه كأنّها والثلوجُ تُضحكها ... تُعارُ ممن أُحبّه ثغره كأنَّ في الجو أيدياً نثرت ... ورداً علينا فأسرعت نثره شابتْ فَسُرَّتْ بذاك وابتهجتْ ... وكان عهدي بالشيبِ يستكره فاشربْ على الثلج من مشعشعةٍ ... كأنها في إنائها جمره قد جُلِيَتْ في البياضِ بلدتنا ... فاجلُ علينا الكؤوسَ في الحمره البَرَدْ: ٨٨٩ - أبو بكر الصديق ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأكل البَرَدَ. وعن أنس بن مالك ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : " مثل المؤمنِ إذا صح من مرضه كمثل البردة تقع من السماء في صفائِها ولونها ". ٨٩٠ - أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة (٥) : لله ندمانُ صدقٍ بات مصطلياً ... ناراً من القدح الملآن تستعرُ

стр. 336

والأرضُ فضيّةُ الآفاقِ تحسبها ... شمطاءَ حاسرةَ قد مسَّها كبر وكلُّ نجدٍ ووهدٍ قد أطلَّ به ... (١) روضٌ تحلّى بِنَوْرٍ ماله زهر وللأقاحي ثغورٌ فيه باسمةٌ ... فيها من الثلج ريقُ باردٌ خَصِر كأنّ في الجوِّ أشجاراً منورةً ... هبَّ النسيم عليها فهي تنتثر ٨٩١ - الصنوبري (٢) : تعالى اللهُ خالقُ كلِّ شيءٍ ... بقدرته (٣) وبارئ كلِّ نفسِ لقد أضحى جميعُ الأرضِ تجري ... كواكبه بسعدٍ لا بنحس ألمْ ترَ كيف قد لبستْ رباها ... من الثلج المضاعف أيَّ لبس ثياباً لا تزال تذوب ليناً ... إذا الأيديعَرَضْنَ لها بلمس كأنَّ الغيم مما بُثَّ منه ... على أرجائها ندّافُ بِرس فحاذرْ أنْ يفوتكَ يومُ دَجْنٍ ... فيومُ الدَّجْنِ يعدلُ يومَ عرس وغادِ الشّربَ بكراً لم ينلها ... بنان لا ولا قُرِعَتْ بلمس كأنَّ يد الغلام إذا استقلّت ... إليَّ بكاسها خضبت بورس إذا ما كان وجهك نصبَ عيني ... متى تغشى (٤) فما أرجو بشمس؟! ٨٩٢ - شاعر (٥) : جاءتْ تهادَى في برودٍ من حِبَرْ ... تنثرُ دراً كان لو ذاب مَطَرْ يطيرُ في الجوِّ كنوار الزَّهَرْ ... أو شررٍ لو كان للماءِ شرر ٧٩٣ - المأموني (٦) : وبيضاءَ كالبلّور جاد بها الحيا ... فأَهوتْ تهادى بين أجنحةِ القطر تذوبُ كقلبِ الصبِّ لكنّه جوٍ ... بنارِ هواهُ وهيَ مثلجة (٧) الصدر

стр. 337

٨٩٤ - السري الموصلي (١) : كأنما سماؤُهُ ثاكلةٌ ... تبكي علىالأرضِ بدمعٍ مُنْعَقِدْ تبعثُهُ ريحُ الصَّبا فيبتدي ... في جوِّهِ روحاً وفي الأرضِ جسد ٨٩٥ - الباخرزي: ورزينة الحصيات غيَّض رحمها ... زهرَ الربيع فبات يتلو غيضها ترمي بجامدةٍ كأنَّ تشتتي ... يومَ استقلَّ الحيُّ أَجمدَ فيضها بَرَدٌ حكى بَيْضَ الحمام ولم تزلْ ... من خوفه تُلْقي الحمامةُ بيضها العرب تقول: إن البرد إذا سقط اسقطت الحمامة بيضها. ٧٩٦ - الشريف الموسوي: الثلجُ يسقطُ في أَثنائِهِ بَرَدٌ ... فاقدحْ لنا لهباً وامزجْ لنا لهبا فالجوُّ يمطرنا من سُحْبِهِ درراً ... ونحن نشربُ في أرجائِهِ ذهبا ٨٩٧ - أبو فراس (٢) : والجو ينثر دراً غير منتظم ... والأرضُ بارزةٌ في ثوبِ كافور والنرجسُ الغضُّ يحكي حُسْنُ منظره ... صفراءَ صافيةً في كأس بلور ٨٩٨ - أبو عامر ابن شهيد (٣) : الا مَسَح الله القطارَ حجارةً ... تصوبُ علينا والغمامَ غموما وكانت سماءُ الله لا تمطر الحصى ... لياليَ كنا لا نطيشُ حلوما فلما تحولنا عفاريت (٤) جنةٍ ... تحوَّلَ شؤبوبُ الغمام رجوما ٨٩٩ - قال أبو منصور الثعالبي (٥) : أول ما عُرِفَ به فضل السلامي في الأدب أنه لما دخل الموصل حسده شعراؤها، وقصدوه بالأذى، وادعوا عليه السرق

стр. 338

والانتحال، وأرادوا امتحانه، فقال لهم أحد الخالديَّين: أنا أكفيكم أمره، ثم اتخذ لهم مجلس شراب احتفل فيه ودعا السلاميَّ وأفاضل الشعراء بالموصل وطعموا وشربوا، فبينا هم كذاك إذ صابت السماء فتوقف جميع من بالمجلس، وانبرى السلاميّ فقال بديهاً: لله درُّ الخالديِّ ال ... ماجد (١) النَّدْبِ الخطيرِ أَهدى لماءِ المزن عن ... د جموده نارَ السعير حتى إذا صدر العتا ... بُ إليه (٢) عن حنق الصدور بعثتْ إليه بعذره ... من خاطري أيدي السرور لا تعتبوه فإنه ... أَهدى الخدودَ إلى الثغور فسلَّم جميعهم إليه واعترفوا بفضله. ٩٠٠ - قال الشيخ شرف الدين المصنف: نزل بمصر برد عظيم في سنةٍ، وأقام يُباع في السّوق أياماً، ولم يُعهد مثله بمصر، وقتل طير الجوّ، فأنشدني أبو بكر ابن محمد بن عثمان الأسلمانيني في ذلك، وكان في شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة: قلْ للرماة تنحَّوْا عن مقاعدكم ... فقد كفى الله رميَ الطير كلَّ يدِ وأصبح الجوُّ يرميها فيصرعها ... من حالقٍ بمصيباتٍ من البرد وتوفي هذا الشاعر في رمضان من السنة المذكورة. ٩٠١ - الأمير أبو الفضل الميكالي في الجليد (٣) : ربِّ جنين من حياً نمير ... مهتَّكِ الأستارِ والضميرِ سللته من رحم الغدير ... كأنّه صحائفُ البلور أو أُكَرٌ تجسَّمتْ من نور ... أو قِطَعٌ من خالصِ الكافور لو بقيت سلكاً على الدهور ... لعطَّلَتْ قلائد النحور وأخجلتْ جواهرَ البحور ... وسميت ضرائرَ الثغور يا حُسْنَهُ في زمن الحرور ... إذ قَيْظُهُ مثلُ حشا المهجور

стр. 339

يُهدي إلى الأكبادِ والصدور ... رَوْحاً يحاكي (١) نفثةَ المصدور ٩٠٢ - الباخرزي ملغزاً في الجليد: لا أُحاجي في زمرةِ الفضلاء ... غيرَ خلٍّ خصصته باخاءِ في شبيهِ البلّور رُدَّ إلى الما ... ء وقد كان قبلُ عَيْنَ الماء ينذُر الحرَّ بالهزيمة برداً ... فهو المنذر بن ماء السماء ٩٠٣ - ابن الرومي (٢) : لبسَ الشتاءُ من الجليدِ جلوداً ... فاشربْ فقد عاد الزمانُ جديدا كم مؤمنٍ قرصته أظفار الشتا ... فغدا لسكِّانِ الجحيم حسودا وترى طيورَ الجوِّ في أرجائه ... تختارُ حتى النارَ والسفودا ولو أرتميتَ بفضل كاسك في الهوى ... رجعتْ إليك من العقيق عقودا يا صاحبَ العودين لا تهملهما ... حَرِّقْ لنا عوداً وَحَرِّكْ عودا ٩٠٤ - ابن شرف القيرواني (٣) : لله ليلتنا (٤) وقد جَمَدَ الحيا ... في الأرض فيها والسماءُ تذوبُ والكاسُ كاسيةُ القميصِ كأنها ... قداً ولوناً (٥) معصمٌ مخضوب مشروبةٌ للبِّ شاربةٌ وما ... شيء سواها شاربٌ مشروب منِّي إليه ومن يديه إلى فمي ... فالكاسُ تطلعُ بيننا وتغيب ٩٠٥ - وليَ حباب العجمي الأهواز لمعاوية، وكان طويل اللحية، فمرض فكان يأكل الثلج والجليد، فنهاه الأطباء عن ذلك فقال: أنا أمضغه وأرمي بثقله.

стр. 340

الباب الخامس في القول في الأنواء من الحظر والإباحة في الشرع ومعنى قولهم ناء الكوكب ٩٠٦ - روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إنّ الله يقول ما أنعمتُ على عبادي من نعمةٍ إلاّ أصبحتْ طائفةٌ منهم بها كافرين، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، فأما من آمن بي وحمدني على سقياي فذلك الذي آمن بي وكفر بالكوكب ". وروي عنه ﷺ أنه قال: " لو أن الله حبس المطر عن الناس سبع سنين ثم أرسله، أصبحت طائفة به كافرين، يقولون مطرنا بنوء المِجْدَح ". ٩٠٧ - قال: هذا كما قال الصادق الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم، وذلك أن العرب يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، أي أنّ المطر كان من أجل أن الكوكب ناء، وبذلك جاءت أشعارهم وكلامهم في الأنواء. وعنه جاء النهي في الحديث. وأما إذا كان قولهم مطرنا بنوء كذا، أي مطرنا في نوئه على شبيه ما يقولون: مطرنا في غُرَّةِ اليوم، ومطرنا في الليالي الأربعينية، لم يكن في ذلك شيء يكره، لأن المعنى حينئذ يكون لتحديد الوقت، كأنه قال: مطرنا حين غابت الثريا وحين طلع السِّماك، أي في ذلك الحين والزمان. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ للعباس بن عبد المطلب ﵁، وهو يستسقي للناس (١) : " يا عمَّ رسول الله كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تعرض في الأفق سبعاً.

стр. 341

وقال ابن عباس ﵄ لامرأة: خطّأ الله نوءها، يريد خطّأها للغيث؛ وابن عباس في قوله : (وتجعلون رزقكم انكم تكذبون) ، إن تأويله الأنواء، وكان علي نضَّر الله وجهه يقرأ (وتجعلون شكركم) . والحظر والإباحة راجعٌ إلى ما بيّناه من المذهبين في قول من يقول إنّ المطر بطلوع الكوكب أو كان عند طلوعه. ٩٠٨ - وأما معنى قولهم ناء الكوكب: العرب تقول: ناء الكوكب ينوء نوءاً وتنواءً. ونوؤه عندهم أوّل سقوطٍ يدركه في الأفق بالغداة، قبل امّحاق الكوكب بضوء الصبح؛ واشتقاق هذا اللفظ في اللّغة من السقوط وقيل النوء: النهوض والاستقلال، وإنما سمّي سقوط الكوكب نوءاً لطلوع الرقيب لا لسقوط الساقط. وقيل لو كان كذلك لم يكن على العرب مؤونة في أن يجعلوا النائي هو الطالع، وأن يتركوا الساقط، فيقولوا: مطرنا بنوء البلدة، وإذا كان المطر مع سقوط الذراع، لأنه حينئذ يكون مع طلوع البلدة، وهم لا يقولون هذا ولا يعتدّون بنوء البلدة، وكذلك نوء الثريا، كأنهم يضيفونه إلى رقيته للآفل. ولبس بمدفوع أن النوء في كلام العرب النهوض، ولكنه نهوض الذي كأنه يميله شيء ويجذبه إلى أسفل، ومنه قوله تعالى: (ما إنّ مَفَاتِحَهُ لتنوءُ بالعُصْبَةِ أولي القوَّةِ) وزعم الفراء أنّ النوءَ السقوط والميلان، وأن أبا ثروان أنشده في صفة رام ٍنزع في قوس: حتى إذا ما التأمتْ مفاصِلُهْ ... وناءَ في شقِّ الشمالِ كاهِلُهْ يريد أنه لما نزع مال عليها، وقوله: " التأمت مفاصله " أي لزم بعضها بعضاً لشدّة النزع، فالنوء على هذا التفسير من الأضداد، يكون بمعنى النهوض والسقوط. قال أبو حنيفة: ولو لم يكن النوءُ إلا للنهوض لكان لقولهم ناء النجم - وهم يريدون سقط - مذهب على طريق التفاؤل، كأنهم كانوا كرهوا أن يقولوا سقط، فقالوا ناء بالضدّ. كما قالوا سليم للديغ، ومفازة للفلاة المتلفة. فأما من ذهب إلى أنَّ الكوكب ينوء ثم يسقط، فإذا سقط فقد انقضى نوؤه ودخل نوء الكوكب الذي بعده، فإنَّ تأويل النوء في قول هؤلاء هو التأويل المشهور: إن الكوكب إذا سقط النجم الذي بين يديه أظلَّ هو على السقوط فكان أشبه شيء حالاً بحال الناهض، ولا نهوض به، حتى يسقط، لأن الفلك يجتره إلى الغؤور، فكأنه متحاملٌ تعبٌ قد غلبه.

стр. 342

٩٠٩ - وأما الأنواء: ١ - الشرطان: نوؤه ثلاث ليال، وهو عندهم نوء محمود مذكور في نظمهم ونثرهم. ٢ - البطين: ونوؤه ثلاث ليالٍ، وهو غير محمود ولا مذكور، قال ابن الأعرابي: يقال أنه ما ناء البطين والدبران أو أحدهما فكان له مطر إلا كان ذلك العام جدباً. ٣ - الثريا: نوؤها خمس ليالٍ وقيل سبع وهو من الأنواء المحمودة. ٤ - الدبران: نوؤه ثلاث ليالٍ وقيل ليلة، وهو غير محمود ولم يسمع لنوئه في شعر العرب ذكر. ٥ - الهقعة: نوؤها ستُّ ليالٍ ولا يذكرون نوأها إلاّ بسوء. ٦ - ثم الجوزاء: وهي مذكورة النوء مشهورة والهقعة رأسها. ٧ - والهنعة: ونوؤها ثلاث ليال، وهو من نوء الجوزاء لا يكاد يفرد. ٨ - الذراع المقبوضة: ونوؤها عشر ليالٍ، وقيل ثلاث ونوؤها أول الأسد. وما بين الهقعة والغفر من الأنواء اسدية كلّها، وهي ثمانية أنجم، أولها الذراع وآخرها السماك، وليسله في السماء نظير في كثرة الأنواء، ونوء الذراع محمود عندهم موصوف، وربما نسب إلى الذراع، وربما نسب إلى المرزم، وهو أحد كوكبيها، وربما نسب إلى الشعرى الغميصاء وهو كوكبها الآخر وهو أنور كوكبيها. ٩ - والنثرة: ونوؤها سبع ليال وهو من الأنواء المذكورة. ١٠ - والطرف: ونوؤه ست ليال، ولم يُسْمع بذكره مفرداً في كلامهم في النوء لغلبة الجبهة عليها. ١١ - الجهبة: ونوؤها سبع ليال وهو من الأنواء المذكورة المشهورة. ١٢ - الزبرة: ونوؤها أربع ليال وقل ما تفرد أيضاً عندهم بالذكر لغلبة الجبهة عليها. ١٣ - الصرفة: ونوؤها ثلاث ليال، ولا يكاد يسمع له في أشعارهم ذكر، وهو داخل في أنواء الأسد. ١٤ - العواء: ونوؤها ليلة وليس من الأنواء المسعودة المتواصفة.

стр. 343

١٥ - والسّماك الأعزل: ونوؤه أربع ليال، وهو مذكور مشهور، وكثيراً ما يذكر معه السماك الرامح، وليس ينوء معه، ولكنهما متقاربان في الطلوع. ١٦ - والغفر: ونوؤه ثلاث ليال وقيل ليلة. ١٧ - والزبانى: ونوؤها ثلاث ليال، وهي نجوم العقرب، وللعقرب أربعة أنجم: الزبانى أوّلها والشولة آخرها. ١٨ - والاكليل: ونوؤه أربع ليال. ١٩ - وقلب العقرب: ونوؤه ليلة، وهو غير محمود. ٢٠ - والشولة: ونوؤها ثلاث ليال وقيل ليلة. ٢١ - وسعد الذابح: ونوؤه ليلة وقلّ ما يذكر. ٢٢ - وسعد السعود: ونوؤه ليلة وليس بالمذكور. ٢٣ - وسعد الأخبية: ونوؤه ليلة. ٢٤ - الفرغ الأول: ونوؤه ثلاث ليال. ٢٥ - والفرغ الثاني: ونوؤه أربع ليال، وهما من الأنواء المذكورة، يذكران بأسمائهما في جملة نوء الدلو. ٢٦ - والحوت: ونوؤه ليلة وليس بالمذكور، يغلب عليه ما قبله وما بعده فلا يذكر. وللعرب في جميع ما ذكرناه من هذه الأنواء نظمٌ ونثر معروف.

стр. 344

الباب السادس في الرياح الأربع والنكب والاعصار - وهى الزوبعة - والزلزلة وتغير الهواء بحسب هبوب الرياح على رأي الاطباء والقدماء ٩١٠ - روي عن النبي ﷺ أنه قال (١) : " لا تسبّوا الريح فإنها من نفس الرحمن " قالوا: معناه يتنفس بها الكرب ويذهب الجدب والوباء، ومنه: اللهم نفّس عني، أي روّح. وعنه ﷺ أنه كان يدعو إذا هبّت الريح فيقول: " اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً " معناه راجع إلى ما ذكرناه، وبين الريح والرياح فرق عند العرب، وسيأتي ذكره. قال ابن عباس ﵄: هاجت ريحٌ أشفق منها رسول الله ﷺ ثم استقبلها وجثا على ركبتيه وقال: " اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا " وعن ابن عمر ﵄ أنَّ الرياح المذكورة في القرآن ثمان: أربعٌ رحمة وأربع عذاباً. فأما التي هي الرحمة فالمبشرات والمرسلات والذاريات والناشرات، وأما التي هي العذاب فالصرصر والعقيم وهما في البر، والقاصف والعاصف وهما في البحر. ٩١١ - وذكر أئمة التفسير ﵃ أن لفظ الريح والأمطار لم يأت في القرآن العزيز إلاّ في الشرّ كما لم يأت لفظ الرياح إلا في الخير. قال في الرياح: (وهو الذي يُرْسِلُ الرياحَ بشراً بينَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) . (الأعراف:٥٧)

стр. 345

قالوا في تعليل الرياح: إنها لا تأتي إلا للخير لأنها جمع، الجنوب والشمال والصبا لأنها لواقح، والعذاب ريح واحدة وهي الدبور لأنها لا تلقح. وقرئت بشراً بالباء، فمن قرأها نشراً بالنون فمعناه: حياة طلقة كحياتهم بالنشور، ومن قرأها بشراً بالباء ففيه وجهان: أحدهما أنها بشرى بالمطر، والثاني لأنّ الناس يستبشرون بها. وقوله: (بين يدي رحمته) يعني المطر، لأنه رحمة من الله لخلقه. وأما قوله : (وأرسلنا الرياح لواقح) ففيه قولان: أحدهما لواقح السحاب حتى يمطر، والآخر: لواقح الشجر حتى تثمر. وقال في الريح: (وفي عادٍ إذْ أرْسَلْنَا عليهمُ الريحَ العَقيم) ، وقال: في الأمطار: (وأمطرنا عليهمْ حجارةً من سِجِّيل) ، وقال: (وأمطرنا عليهمْ مطراً فساءَ مَطَرُ المُنْذَرين) ، وجميعُ ما في الكتاب العزيز جاء على هذا الأسلوب، وهو معنى دعائه ﷺ " اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً ". ٩١٢ - وقال علماء اللغة: إذا وقعت الريح بين الريحين فهي النكباء، وإذا وقعت بين الصبا والجنوب فهي الجربياء، فإذا هبّت من جهات مختلفة فهي المتناوحة، فإذا جاءت بنفسٍ ضعيف ورَوْحٍ فهي النسيم، فإذا كانت شديدة فهي العاصف، فإذا اشتدَّت حتى تقلع الخيام فهي الهّجوم، فإذا حرَّكت الأشجار إلى أن تقلعها فهي الزعزعان والزعزع، فإذا جاءت بالحصباء فهي الحاصب، فإذا هبّت من الأرض كالعمود نحو السماء فهي الإعصار، فإذا هبّت بالغبرة من فهي الهبوة، فإذا كانت باردة فهي الحَرْجَفْ والصّرْصَروالعَرِيّة. فإذا كان مع بردها ندى فهي البليل، فإذا كانت حارّة فهي الحرور والسّموم، بالفتح فإذا كانت تخرق البيوت فهي الخريق، فإذا كانت لا تلقح شجراً ولا تحملُ مطراً فهي العقيم. ٩١٣ - وجمع الريح أرواح، وهو مما يغلط الناس فيه فيجمعونه على أرياح قياساً على قولهم رياح وهو خطأ فاحش، قال ذو الرمة: إذا هبّتِ الأرواحُ من نحو جانب ... به أهل ميّ زاد وجدي هبوبها وقالت ميسون بنتُ بحدل، لما نُقِلَتْ إلى معاوية بالشام،. تحنُّ إلى البادية من أبيات: لبيتٌ نخفقُ الأرواحُ فيه ... أَحبُّ إليَّ من قَصْرٍ مُنيفِ والعلّة في ذاك أن أصل ريح روح، لاشتقاقها من الروح، لأنها تعيش بها.

стр. 346

وإنما أبدلت الواو ياء في ريح ورياح للكسرة التي قبلها، فإذا جمعت على أرواح فقد سكن ما قبل الواو وزالت العلّة التي نوجب قلبها، فلهذا وجب أن تعاد إلى أصلها، كما أعيدت لهذا السبب في التصغير فقيل رويحة. ٩١٤ - قال خالد بن صفوان (١) : الرياح أربع: الصبا ومهبّها فيما بين مطلع الشرطين إلى القطب، ومهبّ الشمال فيما بين القطب إلى مسقط الشرطين، وما بين مسقط الشرطين إلى القطب الأسفل مهبّ الدبور، وما بين القطب الأسفل إلى مطلع الشرطين مهبّ الجنوب. ٩١٥ - وحكي (٢) عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب أنه قال: الرياح ستّ، القّبول وهي الصبا، والدّبور والشمال والجنوب والنكباء وريح سادسة يقال لها محوة، وجعل ما بين المغربين مخرج الدبور، وجعل ما بين مشرق الصيف إلى القطب مخرج النكباء، وجعل ما بين القطب إلى مغرب الصيف مخرج الشمال، وجعل ما بين مغرب الشتاء إلى القطب الأسفل مخرج الجنوب، وجعل ما بين القطب الأسفل إلى مشرق الشتاء مخرج مَحْوة، قال أبو حنيفة: والناس على قول خالد. ٩١٦ - وأما الأصمعي فإنه قال (٣) : معظم الرياح أربع، وحدَّهُنّ بالبيت الحرام فقال: القبول التي تأتي من تلقاء الكعبة، يريد التي تستقبلها، وهي الصَّبا، والدبور التي تأتي من دبر الكعبة، والشمال التي تأتي من قبل الحجر، والجنوبُ من تلقائها، يريد تلقاء الشمال. قال: وكل ريح انحرفت فوقعت بين ريحين من هذه فهي نكباء. والمنجمون على قول الأصمعي يجعلون مهبّ الصبا من وسط المشرقين اللذين هما مشرقا الصيف والشتاء، ومهبّ الدّبور من وسط المغرب، ومهبّ الشمال من نفس القطب الأعلى، ومهبّ الجنوب من نفس القطب الأسفل، وما هب بين هذه الحدود فهو عادل عن مهبّ الأربع ناكب عنها، فالقبول هي الشرقية لأنها تجيء من مطلع الشرق، والدبور تناوحها وهي الغربية، وهكذا هاتان الريحان في جميع الأرض: مهبّ الصّبا بكل بلد من قبل شرقه، ومهبّ الدبور من قبل مغربه، وكذاك الريحان الأخريان مهبُّهُما بكلّ بلدٍ من جهة القطبين.

стр. 347

٩١٧ - وقال أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي (١) : الرياح المعروفة أربع: الصّبا وهي تسلّي عن المكروب، والجنوب وهي تجمع السحاب، والشمأل وهي تعصره وتفرقه، فهي الرياح كلُّ واحدة منها فيها خير، والدبور تهدم البنيان وتقلع الشجر وهي المذكورة قي القرآن فقال: الريح العقيم، وريح عاصف، وريح صرصر. وكل موضع جرى فيه ذكر الرياح في القرآن فإنه يرجع إلى الثلاث التي تقدّم ذكرها، فيراد بها الرحمة، وإذا جرى ذكر الريح فالمراد به الدبور، والمراد بها العقوبة، وعنه ﷺ قال (٢) : " نُصِرْتُ بالصَّبا وأهلكتْ عاد بالدَّبور ". وقد نظم ذاك أبو شجاع السهروردي فقال: " قال لنا يحيى الخطيبُ المصقعُ ... وهو نقابٌ لوذعيٌّ مقنعُ إن الرياحَ الذارياتِ أربعُ ... منها النعامى والصبا والزعزع ثم الدبور مرُّها لا ينفع ... قد أهلكتْ عاد بها وتبّع والريحُ في الوحي إليها يرجع ... وفي الثلاثِ الخيرُ حين تُجْمع ٩١٨ - مهدي بن الملوح (٣) : إذا الريحُ من نحو الحبيب تنسَّمَتْ ... وجدتُ لرياها على كبدي بَرْداً على كبدٍ قد كاد بها الهوى ... صدوعاً وبعضُ الناسِ يحسبني جلدا ٩١٩ - هدبة بن خشرم (٤) : ألا ليتَ الرياحَ مسخراتٌ ... لحاجتنا تراوحُ أو تؤوب فتبلغنا الشمالُ إذا اتتنا ... وتبلغ أهلنا عنَّا الجنوب ٩٢٠ - كلاب بن عقبة (٥) : بنفسي وأهلي من تجنَّبتُ دارَه ... ومن لا أرى لي من زيارته بُدَّا ومَنْ لا تهبُّ الريحُ من نحوِ أرضه ... فتبلغني إلا وجدتُ لها بردا

стр. 348

٩٢١ - شاعر (١) : ما هبَّتِ الريحُ من تلقاءِ أرضكمُ ... إلا وجدتُ لها برداً على كبدي ولا تنسمتُ أخرى أستفيقُ بها ... إلا وجدتُ خيالاً منكِ بالرصد ٩٢٢ - ابن الرومي (٢) : ونسيمٍ كأنّ مسراهُ في الأروا ... ح مَسْرَى الأَروحِ في الأجسادِ ٩٢٣ - قال ابن حمدون: كان الفتح بن خاقان يأنس بي ويطلعني على الخاصّ من أمره، فقال لي مرة: أعلمتَ أني انصرفتُ من مجلس أمير المؤمنين البارحة فلما دخلتُ منزلي اسقبلتني فلانة جاريتي، فلم أتمالك أن قبّلتُها، فوجدتُ من شفتيها هواءً لو رقد المخمور فيه لصحا، فكان هذا مما يُسْتَحْسَنُ من كلام الفتح بن خاقان، فسمع به أبو الفرج الوأواء الدمشقي فقال (٣) : رعى الله ليلاً طاب إذ زار طيفه ... فأفنيته حتى الصّباحِ عناقا بطيبِ نسيمٍ منه يستجلبُ الكرى ... فلو رقد المخمورُ فيه أفاقا ٩٢٤ - الشريف الموسوي لغزاً في الريح: وما شيءٌ ولا شيء تراه ... بلا جسدٍ بذي جسم لطيفِ يسيرُ فليس تدكه المهارى ... ولا هو بالسُّكَيْتِ ولا القطوف ولا نَصَبٌ عليه إذا تمادى ... ولا يخشى من السيرِ العنيف ٩٢٥ - وله: إذا خلا الجوُّ من هواءٍ ... فعيشُهُمْ نقمةٌ وبوسُ فهو حياةٌ لكلِّ حيٍّ ... كأن أنفاسَهُ نفوس ٩٢٦ - مذاهب العرب في استطابة الريح مختلفة لأسباب: أحدها المساكن، فإن منها ما تطيب فيه الرياح الباردة كالأغوار والوهود، ومنها ما تطيب فيه الرياح

стр. 349

الدفيئة كالجبال والنجود، والسبب الآخر علاقتهم وهوى نفوسهم، فإن من كان له منهم محبوب نأى عنه أستطاب النسيم الهاب بينه وبينه كائناً ما كان من الأهوية فإن كان صادراً عنه حمله التحية والسلام، وإن كان وارداً عليه استشفى به من الآلام، كقول ذي الرمة (١) : إذا هبَّتِ الأَرواحُ من نحو جانب ... به أهلُ ميّ هاج شوقي هبوبها هوىً تذرفُ العينانِ منه وإنما ... هوى كلِّ نفسٍ أين حلَّ حبيبها والسبب الثالث: استطابة الهواء من حيث خصوصيته في نفسه، كما يستطيبون الصبا لأنها شتوية كثيرة الأمطار مباركة طيّبة ليّنة البرد قليلة العجاج، ويستطيبون الجنوب لأنها تجيء بالسحاب والمطر وفيه الحياة والخصب وهي دفئة ليّنة الدفء، وهي أدوم الرياح هبوباً، وتكون في الصيف والشتاء معاً. ٩٢٧ - فأما القبول فقد زعم بعضهم أنها كلُّ ريحٍ طيبة ليّنة لا أذى فيها كائنة ما كانت من الرياح، لا أنه اسم لريح بعينها مخصوصة،. وإنما سمّيت قبولاً لأنها طيبة تقبلها النفس وتلتذّ بها؛ قال: وليس ذلك بصحيح، بل القبول اسم يخصُّ الريح الشرقية، وهي الصّبا، سميت قبولاً لأنها تأتي من قبل الكعبة، كما سميت الدّبور دبوراً لأنها تأتي من دبرها. ٩٢٨ - فأما الدبور والرياح النُّكْبُ كلّها فإنهم لا يستطيبون شيئاً منها، ولا تجيء في أشعارهم إلا في معرض الذم لا المدح، وسبب ذلك أنّ الدبور من رياح القيظ، لا تكون إلاّ فيه، وهي مع ذلك مهياف. ٩٢٩ - والنكب (٢) أربع فنكباء الصبا والجنوب مهيافٌ ملواحٌ ميباسٌ للبقل، وهي تجيء بين الريحين، ونكباء الشمال معجاج مصراد لا مطر فيها ولا خير، ونكباء الشمال والدبور ريح قرة وربما كان فيها مطر قليل، ونكباء الدبور والجنوب ريح حارة وهي الهيف، وقد تتفرّع فتكون أكثر من أربع. وإذا ذكرت العرب في أشعارها الريح الشآمية فإنما يريدون بها الشمأل، لأنها تأتي من ناحية الشام، وإذا ذكروا الريح اليمانية فإنما يريدون بها الجنوب، لأنها تأتي من ناحية اليمن، والصبا شرقية لأنها تأتي من مطلع الشمس في الصيف.

стр. 350

الصبا: ٩٣٠ - قال ﷺ (١) : " نصرت بالصّبا وأهلكتْ عادٌ بالدبور ". ٩٣١ - تزوج رجل من تهامة امرأةً من أهل نجد، فقالت له يوماً: ما فعلت ريحٌ كانت تأتينا ونحن بنجدٍ يقال لها الصَّبا لا أحسبها عندكم، فقال لها: حجزها عنك هذان الجبلان، فقالت (٢) : أيا جبليْ نَعْمانَ بالله خليا ... نسيمَ الصبا يخلصْ إليَّ نسيمها أجدْ بَرْدَهَا أو تشفِ مني حرارةً ... على كبدٍ لم يبقَ إلا صميمها فإنّ الصبا ريحٌ إذا ما تنفَّسَتْ ... على نَفْسِ مهموم تجلَّتْ همومها قال: ورأيت هذا الشعر منسوباً للمجنون. ٩٣٢ - وللمجنون أيضاً (٣) : ألا حبّذا يومٌ تهبُّ به الصبا ... لنا وعشياتٌ تدانتْ غيومها بنعمانَ إذ أهلي بنعمانَ جيرةٌ ... لليلى وإذ ترضى بدارٍ نقيمها ألا إنَّ أدوائي بليلى قديمةٌ ... وأقتلُ أدواءِ الرجالِ قديمها وإني لمجلوبٌ ليَ الشوقُ كلّما ... بدا ليَ من أعلام ليلى رسومها وقد لامني من غيرِ جُرْمٍ أتيته ... أقاربُ ليلى واستخف حلومها يقولون لي دعها فليلى مشومةٌ ... بنفسي وأهاب يُمْنُ ليلى وشومها ٩٣٣ - شاعر: أيا جبلي طيٍّ متى أنا نتظرٌ ... بعينيَّ يوماً نظرة لا أراكما لقد حُلْتُما دونَ الهوى لا سُقيتما ... ودونَ الصَّبا لا بلَّ قطرٌ ثراكما ٩٣٤ - آخر (٤) : وإني لَتُحْيِيني الصَّبا وتميتني ... إذا هبَّ من بعدِ الشمال جنوبُ وأرتاحُ للبرقِ اليماني كأنني ... له حينَ يجري في السماء نسيب

стр. 351

٩٣٥ - مهيار (١) : يا نسيمَ الريحِ من كاظمةٍ ... شدَّ ما هجتَ الأَسى والبُرَحَا الصَّبا إن كان لا بُدَّ الصَّبا ... إنها كانتْ لقلبي أروحا ٩٣٦ - إبراهيم الصولي (٢) : تمرُّ الصَّبا صفحاً بساكن ذي الغضا ... ويصدعُ قلبي إذ يهبُّ هبوبها قريبةُ عهدٍ بالحبيب وإنما ... هوى كلِّ نفس أين حلَّ حبيبها ٩٣٧ - معدّ (٣) بن حسن بن جبارة: ما ترى الشرقَ كيف يُهدي نسيماً ... كلّما مسَّ يابسَ الصخرِ لانا لم تدعه مجامرُ البرقِ حتى ... طبَّقتهُ من العبيرِ دخانا ٩٣٨ - كان (٤) لبيد بن ربيعة قد آلى في الجاهلية أنْ لا تهبَّ صباً إلا أطعم. وكانت له جفنتان يغدو بهما ويروح على مجالس قومه، فهبّتِ الصّبا يوماً والوليد بن عقبة على الكوفة، فصعد الوليد فخطب ثم قال: إن أخاكم لبيداً نذر في الجاهلية أن لا تهبَّ صبا إلا أطعم، وهذا يومٌ من أيامه، فأعينوه وأنا أوّل كل من يفعل، وأرسل إليه مائة بكرة، وكتب إليه: أَرى الجزّار يشحذُ شفرتيه ... إذا هبَّتْ رياحُ أبي عقيلِ أشمُّ الأنفِ أَصْيَدُ عامريٌّ ... طويلُ الباعِ كالسيفِ الصقيل وَفَى ابنُ الجعفريِّ بحلفتيه ... على العلاتِ والماءِ القليل بنحرِ الكُومِ إذ سحبت عليه ... ذيولُ صباً تجاوبُ بالأصيل فلما وصلت البكرات والأبيات إلى لبيد قال لابنته: أجيبي عنّي، فلعمري لقد كنت لا أعيها بجواب شاعر، فقالت:

стр. 352

إذا هبَّتْ رياحُ أبي عقيل ... دعونا عند هبَّتها الوليدا أشمَّ الأنفِ أبيضَ عبشمياً ... أعان على مروءته لبيدا بأمثالِ الهضاب كأنّ ركباً ... عليها من بني حام قعودا أبا وهبٍ جزاك الله خيراً ... نحرناها وأطعمنا الثريدا فَعُدْ إن الكريم له معاد ... ووظني بابنِ أروى أن يعودا فقال: لقد أحسنت يا بنية لولا أنك استزدتيه، فقالت: إنه ملك ولو كان سوقةً ما استزدته، فقال: أنت يا بنيّة في هذا أشعر. الجنوب ٩٣٩ - روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: " الجنوبُ من ريح الجنة ". وعنه ﷺ " ما جَرَتْ جنوبٌ إلا أرسل الله بها عيشاً " وفي حديث: " ولا هبَّت جنوباً إلا سال منها وادٍ ". ٩٤٠ - أبو القمقام الأسدي (١) : لعمرك ما ميعادُ عينيك ولبكا ... بداراءَ إلاّ أن تهبَّ جنوبُ أَعاشرُ في داراءَ من لا أُحبّه ... وبالرمل مهجورٌ إليَّ حبيب إذا هبَّ عُلويٌّ الرياحِ وجدتني ... كأنّي لعلويِّ الرياحِ نسيب ٩٤١ - أبو العارم: إذا هبَّتِ الأرواح من نحو أرضها ... أضرَّتْ بنفسٍ قد أُطيلَ سقامها على أنَّ نَفْحَاتِ الجنوبِ إذا جَرَتْ ... يقرُّ بعيني بَرْدُهَا وانتسامها ٩٤٢ - آخر (٢) : وإن الكثيبَ الفردَ من جانب الحمى ... إليَّ وإن لم آته لحبيبُ

стр. 353

فيا حبَّذا ريحُ الصَّبا حين أعصفتْ ... بقضبانه تحتَ الظلام جنوب ولا خيرَ في الدنيا إذا أنت لم تَزُرْ ... حبيباً ولم يطربْ إليكَ حبيب ٩٤٣ - الأقرع بن معاذ القشيري (١) : يقرُّ بعيني أن أَرى ضوءَ برقةٍ ... يمانية أو أن تهبَّ جنوب وقد شعفتني أمُّ بكر وبغَّضَتْ ... إليَّ نساءً ما لهنَّ ذنوب وقد كنتُ قبل اليوم أحسبُ أنني ... ذلولٌ بأيام الفراقِ ركوب فما برحتْ نفسي تَساقَطُ أنفساً ... وتجمد روحي مرّةً وتذوب يقولون لو عزَّيْتَ قلبك لارعوى ... فقلتُ وهلْ للعاشقينَ قوب ٩٤٤ - جميل بن معمر (٢) : فبالمسكِ تأتيك الجنوبُ إذا جرت ... أم الخمر (٣) أم ريَّا بثينةَ تنفحُ منعّمة لو يدرجُ الذرُّ بينها ... وبين حواشي دِرْعِها (٤) ظلَّ يجرح ٩٤٥ - مالك بن الصّمصامة (٥) : فيا نَخَلاتِ الحيِّ حيِّ ابنِ يكرمٍ ... سقيتنَّ ما دامتْ لكنَّ جنوبُ فيا خيرَ أسماءِ الرياحِ تركتني ... كذي الداء ما يُدْعَى إليه طبيب ٩٤٦ - حميد بن ثور الهلالي (٦) : فلا يُبْعِدِ اللهُ الشبابَ وقولَنا ... إذا ما صبونا صبوةً سنتوبُ لياليَ أبصارُ الغواني وسمعها ... إليَّ وإذ ريحي لهنَّ جنوب ٩٤٧ - رفيع الوابلي: وقد أُعْطِيَتْ فوقَ الغواني محبةً ... جنوبُ كما خيرُ الرياحِ جنوبُها إذا هيَ هبَّتْ زادتِ الأرضَ بهجةً ... وبالسَّعْدِ والبشرى يكونُ هبوبها وإن صعبت كانت شفاءً لذي الهوى ... يمانيةً يستنشرُ الميْتَ طيبها

стр. 354

٩٤٨ - ابن الدمينة (١) : هوى صاحبي ريحُ الشّمالِ إذا جَرَتْ ... وأهوى لقلبي أن تهبَّ جنوبُ ٩٤٩ - كان (٢) للبحتريّ غلام يقال له نسيم، وكان بديع الجمال، وحفَّظه البحتري فنون العلوم وروَّاه الشعر، فصار واحد دهره، وكان البحتري إذا أعسر باعه، وإذا أيسر شكا حبّه ووجده به بالشعر إلى أن يُرَدَّ عليه، وكان هذا دأبه، فباعه على الحسن بن وهب. ولم يزل يمدحه ويذكر وجده وتأسّفه عليه إلى أن طال ذلك عليه، فكتب إليه: أنسيمُ هل للدهر عهدٌ صادقُ ... فيما يؤمّله المحبُّ الوامقُ ما لي فقدتك في المنامِ ولم تزلْ ... عونَ المشوق إذا جفاهُ الشائق أَمُنِعتَ أنت من الزيارةِ رقبة ... منهم فلمْ مُنِعَ الخيالُ الطارق اليومَ جاز بي الهوى مقدارَهُ ... في أهله وعلمتُ أنّيَ عاشق فليهنئ الحسن بن وهبٍ أنّه ... يلقى أحبَّته ونحن نفارق فقال الحسن بن وهب: أريحوني من البحتري، ورده عليه؛ فأخذه وأقام عنده مدة،. ثم أباعه على إبراهيم بن المدبّر، فحظىَ عنده وتمكَّن من قلبه، وجعل البحتريّ يقف له في الطرق ويرفع إليه الرقاع، ويستعطفه بالشعر، وبلغ ذلك إبراهيم فأمره أن لا يركب معه، وأن يلزم داره، وتقدّم بأن تُزاح كلّ علّة له، ولا توصل إليه رقعة من البحتري، ولا يدخل إليه، فأضرَّ ذلك بالبحتريّ، ولم يجد حيلةً لإيصال رقعة إليه إلاّ من جهة سقّاء كان يدخل دار الوزير، فأعطاه دراهم كثيرة، وسأله إيصال رقعته إلى نسيم، فأخذ الدراهم والرقعة، ودفعها إلى نسيم وفيها (٣) : قل للجنوبِ أذا جريتِ فبلّغي ... كبدي نسيماً من جَنابِ نسيمِ أَخُدِعْتُ عنكَ وأنت بدرٌ كاشف ... لليل من غَسَقٍ به يحموم وأقمتَ في قلبي وشخصُكَ بائنٌ ... لا تبعدنْ من ظاعنٍ ومقيم

стр. 355

كَرُمَ الزمانُ ولمتُ فيك ولن ترى ... عجباً سوى كرمِ الزمان ولومي وظلمتُ نفسي جاهداً في ظلمها ... فاسمعْ ندامةَ ظالمٍ مظلوم لا كان صبري أين كان وأنت لي ... ملكٌ وعهدي منك غيرُ ذميم الآن أطمعُ في الوصال ودونه ... عينُ الرقيب وبابُ إبراهيمِ فقرأ الرقعة ورقّ للبحتري، وبكى بكاء شديداً، ودخل عليه إبراهيم الوزير فرآه كذلك فقال له: ضع يدك على رأسي وأصدقني، فدفع إليه الرقعة، فاستحسنها وقال: أتحبُّ أن ترجع إليه فقال: كيف لا أُحبُّ الرجوع إليه، وهو ربّاني وأدّبني وبتأديبه وصلتُ إلى خدمتك؟! فقال إليه إبراهيم: لله درّك، ثم أتى البحتري فقال له: قد فتحنا لك الباب، وصرفنا الرقيب، ونسيمٌ موهوبٌ لك، وجميع ما يحتوى عليه ملكه من مالٍ وبزٍ وكراع، ولكن على شرط، إنه وحقّ رأس أمير المؤمنين إن بلغني أنك بعته بعد هذا لأسترجعنّ منك جميع ما صار إليك ولآمرنّ بقتلك، قال: لك ذلك، فأخذ الغلام وجميع ما كان له، وحلف لا يبيعه أبداً، وكتب إلى الوزير يشكره: يكلُّ لساني عن مديحك بالشعر ... وأعجزُ أن أجزي صنيعكَ بالشكرِ فإن رمتُ شعراً كنت فيه مقصراً ... وإن رمتُ شكراً حرتُ فيه ولا ادري على أن ما تولي وتبلي وتبتلي ... بقدرك والتقصيرُ فيه على قدري الشمال: ٩٥٠ - روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا تسبُّوا الشمالَ فإنّها تقتلُ الأفعى وتخرج أنف الربيع، ويجيء بعدها النتاج والثمار وتغيّر خبث نفس الإنسان. ٩٥١ - سُحَيم العبد (١) : وهبَّتْ شمالٌ آخرَ الليل قَرّةٌ ... ولا ثوبَ إلا درعها وردائيا فما زال بردي طيباً من ثيابها ... إلى الحولِ حتى أَنهجَ البردُ باليا
следующие страницы →