Полный текст (3 281 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
السلام مرتين، فلم ينكر فضله هاشمي، ولا دافع إمامته قرشي، ولا نازعه الخلافة عربي ولا عجمي؛ ثم غلب الشقاء على أقوام فنالوا منه ما انفتح عليه باب الفتنة، إلى يوم القيامة، فيالها مصيبة صدعت شمل المسلمين، وأوهنت أركان الدين؛ وافترق أهل الإسلام بعده فرقتين، ثم لم تجتمعا إلا على رجل منا، لرضاء الله عن سيرتنا، وأنس المسلمين إلى حسن مأخذنا، وفضل سياستنا؛ فكانت الجماعة على معاوية بن أبي سفيان كاتب الوحي وصهره ﵇ ورديفه؛ فبلغ من ضبط الأمور، ولين الولاية، وجهاد العدو، وجباية الفيء، وبث العدل، وإدرار العطايا، ما لا يجهله ملي ولا ذمي. وورثه ابنه وابن ابنه؛ ثم صير الله تعالى خلافته إلى مروان بن الحكم جدنا الأعلى أمير المؤمنين، دوسر قريش المفتي بتوفيقه، والحاكم في الأمة بتسديده؛ فألقت إليه بالمقاليد الكافة، وتداولها بنوه آباؤنا الخلفاء الراشدون بالمشرق والأندلس إلى يومنا هذا، والله متم نعمته علينا كما أتمها على آبائنا من قبل، إن ربنا حكيم عليم.
وفي فصل منها: ولم تزل الأثمة منا مقبلة على مواليها، مختصة لعبيدها، تقدمهم في الثقة، وتقربهم بالمودة، وتعدهم لحوادث الأمور، وتقذف بهم في معضلات الخطوب، فيتولون من اجتهادهم لهم ما أوجبت لهم منهم المحبة الخالصة، حتى شرف القوم ونبلوا، وسما ذكرهم ونسبوا إلى مشهور أنسابهم، ومذكورين بيوتاتهم؛ فهم الذين تسمعون عنهم وتعرفون رياستهم كآل خالد، وبني أبي عبدة
стр. 107
وبني شهيد، وبني بسيل، وبني حدير، وغيرهم من أشراف موالينا. وقد أفضى الأمر إليكم، معشر الموالي؛ فهذا اسمكم إذ قد رفع الله عنكم العبودية به، وأخرجكم من رق الملكة، وصيركم منا، وخلطكم بنا، وأفضى بأنسابكم إلينا، والولاء لحمة، فمولى القوم منهم، وملعون من انتمى إلى غير أبيه، وادعى إلى غير مواليه. هذا حكم الديانة على لسانه ﵇؛ وأما حكم الدنيا وسير أهل السداد والصلاح فيها، فلا يخرج أيضاً أن يكون ضلعكم معنا، وميلكم إلينا، وتعصبكم لنا، فنحن أحق الناس بكم، وأجدر أن نعمل عمل آبائنا في أمثالكم، من مواليهم الذي أجرينا ذكرهم، فإن نقمتم حالا مزقت الشمل، ونعيتم أمرا صدع الجمع، فتلك الفتنة التي يعق فيها الابن أباه، ويقتل لها المسلم أخاه، أجارنا الله وإياكم منها، وكشف لنا ظلمتها.
وفي فصل منها: ولعلنا فيما ساءكم من تلك الهنات، ونالكم من الفجعات، أوجع قلوبا، وأشد غموما. فسبحان من لو شاء لأطلعكم على غيبنا فيكم، وعرفكم إشفاقنا عليكم؛ وكيف لا يكون ذلك وكذلك وما زلتم الشعار والدثار، لا نؤثر عليكم، ولا نثق إلا بكم - فإن يكن الشيطان قد نزغ بما نزغ به بين ابني آدم فمن بعدهما من ذريته، فقد آن أن تثوب الحلوم فتعود السيوف في أغمادها، والنبال في كنائنها
стр. 108
ونحن نعاهد الله ألا نؤاخذ أحدا بذنب، ولا نناله بعقوق له ولا بأذى، ولا ننطوي له على إحنة، بل نغفر ونصفح ونزيد في العطاء، ونترككم بمواضعكم التي ارتضيتموها، تدر عليكم جباياتها، وتخصكم منافعها، ولا ننسئ في أموركم إذا سمعتم وأطعتم.
وله عنه إليهم في مثل ذلك من رقعة، يقول في فصل منها:
زعم كاتب صحيفتكم أنه ما دامت خلافة سلفنا إلا بطبقتكم، ولا عزت إلا بدعوتكم، وهذا قول من لا علم له، فلم تظهر طبقتكم إلا حديثا، ولا كثر عددكم إلا قريبا، ولم تزل الخلافة عزيزة، والسلطان قائما بأولياء الحق وأنصار الدين، العارفين بفضل الطاعة وموقعها من رضاه تعالى، وبنقص المعصية وموقعها من سخطه. والمنة عليكم لمن عرفكم - معشر العبدى - بالله، وأدخلكم في دينه، واستنقذكم من الضلالة، وأخرجكم من الكفر، ثم اصطنعكم ونوه بكم بالتصرف في الخدمة، فنلتم بذلك البغية، وهيهات أن تقضوا الحق كله، فأقصروا عن شأوكم، فذلك أولى بكم.
وفي فصل منها: وأقسمتم على أن من حسبناه من رؤسائكم كان أولى بالسياسة، فأني لكم ذلك وما أنتم منه - وإنما مدبرون مسوسون أتباع مربوبون؛ وسر التدبير نازح عنكم، والسياسة القويمة محجوبة
стр. 109
دونكم؛ ومتى بلغكم قط عن عبد ثرب على مولاه فأفلح، أو سمعتم بجندٍ شغب على مدبره فأنجح - والحق لا يضره قلة أهله، والباطل لا ينفعه كثرة جمعه، فإن العاقبة للمتقين، وحزب الله هم الغالبون؛ مع أن سفهاء كل طبقة أكثر من حلمائها؛ وقد رأيتم قديماً نتيجة آراء السفهاء، وكيف أخنى على أهله بموتٍ ذلك التدبير، وطالما جهدنا في الصلاح، وحاولنا قطع الشغب، ودفت الفنتة، فأبى الله إلا ما أراد على أيدي رؤسائكم، الذين أتيتم على عهدهم. وأما من طلبنا من أصحابكم فإنهم قوم خدموا العمالات، تصرفوا في الولايات، وعابوا على الجباة، وخلدت عليهم في الديوان الحسبانات؛ فهم الذين طولبوا في سبيل الحق، ورمي منهم دون الكل بالبعض، وأخذ فيهم وفي أسبابهم بالرفق دون العنف فاعتدوه ظلماً، وغلى صلاح مآل أمرهم إذ قوربوا، والجميع على ذلك في خير من العافية، وبحظ من الكافية، وأمدٍ من النظرة، إلى أن يأذن الله ببلوغ ما يشاء من المدى. وليس كل ما يبلغكم من التشنيع ويتصل بكم من الإرجاف يلتفت إليه ذوو العقول، ولا يصغي إليه أهل التحصيل.
وفي فصل منها: وأما ما ألصق بكم كاتب صحيفتكم إذ قال: إن لم يعمل بما أردتم أجبتم دعوة من يناديكم؛ فليت شعري من ذا المنادي الذي إليه تلوى الأعناق عنا، أم إلى تفزعون إن فارقتم عصمتنا - أما إن غركم الشيطان، وأسلمكم الخذلان، لتقرعن من الندم الأسنان، بحيث لا ينفعكم أسف، ولا يجدي عليكم لهف؛ والله تعالى ودينه وخلافته في غنىً عمن عند عليه وحاده، وألحد في الإسلام عنه وشاقه، وخرج عن الجماعة، وشق عصا الأمة، واستخف بحقوق
стр. 110
الأئمة، ونازع الأمر أهله، واعترض من الرأي فيما ليس من شأنه على من صيره الله اليه، وأسلمه في يديه، واجتباه واصطفاه على علمٍ به. ولولا أن أمير المؤمنين عرف أن ملأكم لم يجتمع على هذا الكتاب، وتيقن أن أهل السداد منكم لم يرضوا هذا الخطاب، لكان له في ذلك نظر يقيم الأود، ويعدل الميل، مع أن الحلم والكظم من أخلاقه، والرفق والأناة من شيمه؛ فاقبلوا أدبه، وانتفعوا بموعظته، فلو كشف لكم الغطاء واجتلى عليكم الغيب، لعلمتم أن أمير المؤمنين لا ينام عن مصالحكم، ويني في منافعكم، ولا يسعى إلا فيما يرد ألفتكم، ويجمع كلمتكم.
وله عنه من أخرى إلى ابن ...
إن العاقبة للتقوى، وإن كلمة الله هي العليا، ولا تبتئس فإن الحق دامغ الباطل، وإن لاحت للكذب بارقة، وهبت له نافحة، فإنما ذلك استدرج لأهله، وإملاء لحزبه؛ ثم يأخذهم بما اجترحوا، ويوبقهم بما اكتسبوا؛ وقد علم الناس أن هذين الخارجين علينا، الناكثين بيعتنا، موسومان بإحسانا. أما الطالبي فرفعناه من أوضع ملاحق الجند إلى أعلى مراتب أهل الخطط، ونوهنا بذكره، وأشدنا باسمه، وأشركناه في سلطاننا، وصرفنا إليه طائفةً من جندنا
стр. 111
ووثقناه هم من أعمالنا. وأما المعيطي فإن البلاد نبت بجده فلفظته إلى جدنا ﵁، فآواه وواساه؛ وامتثلنا مثل ذلك في هذا الضعيف المتعير، فوهبنا له خطير ما استوهب، ويسرنا عليه عسير ما طلب، وألحقناه بثقاتنا. فاستبقا في ميدان الغدر، وجمحا إلى مدى الغمط والكبر، جاحدين بحقنا، منتحلين لما لم يجعلهما الله له أهلاً. وأمير المؤمنين دافع لهما بحقه عليهما، ومستعين بالله ثم بإحسانه إليهما.
وفي فصل منها: وأما ما وصفت به نفسك، وعرضته علينا من مجاهدة المارقين، ومناضلة الناكثين، وضمنته من حشد الأجناد قبلك، واستنفار أهل عملك، وما سمحت به من الإنفاق على جميعهم من مالك، فأنت أهل لكل ذلك، وخليق بالوفاء به، وقد بذلت جهدك، وقضيت حق إمامك، فأرضيت ربك، وزكيت نفسك، ورفعت في الغابرين ذكرك؛ وصدقت ظن أمير المؤمنين، وحققت تفرسه فيك، وهو يرجو أن يجتزئ بمن حوله من أنصاره، ويكتفي بمن في حضرته من الأجناد، فهم على أجمل بصيرة في نصره، وعلى أثبت نية في الذب عن سلطانه، والله يعينه وإياهم ويؤيده معهم، وإن احتاج إليك فما أطيب نفسه عليك، وأوثقه بإجابتك أو دعائك، بارك الله فيك، ومتعه بك، فأنت سيفه الفاصل، وسهمه النافذ.
стр. 112
وله عنه إليه أيضاً: ويجب أن تزيد في رتبتك، وتهذب جمال جهتك، وتسعى في توفير محاسنك، وتكثير مناقبك؛ وإن كنت بحمد الله ومنه كامل الأدوات، كثير الحسنات؛ ولكن الزيادة من فضل الله محبوبة من النجباء، مطلوبة من النبلاء؛ وأنت صدرهم السابق وهاديهم المبرز؛ وقد نبذنا إليك في كتابنا مع فلان نبذةً لم نضعها دون غاية البيان، ولم يسعنا إلا إيضاح الدليل وإقامة البرهان.
وله عنه إلى منذر بن يحيى: وأما أمر عليّ بن حمود فعلى ما أعلمناك به من الضعف والوهن، وإنما يطمع في من عندنا والله يبطل طمعه، وقد أوحشنا بطء أخبارك عنا، وإن كنا لا نشك في أنك على جميع ما تصرفت به، وفي كل ما تقلبت فيه، كما نحبه ونهواه، فذاك حظك منا، وموقعك من ثقتنا، وعلى ذلك فإن بواعث الإشفاق جمة، وعوارض التوقي كثيرة، وقد توالت المحن، وطالت الفتن، ونجم النفاق، وشاع الخلاف أهواء أوليائنا.
وله من أخرى إلى ابن صمادح: وإن للبغي مصارع لا تعدو أهله، وللنكث عواقب لا تخطى معتقده، وقد علمت الكافة ما أولاه أمير المؤمنين فلاناً من إحسانه، وأفاضة عليه من معروفه، فرفعه من الحضيض، وانتعشه عند الجريض، ونوه به بعد الخمول، وكثرة وهو قليل، فلم يشكر الله نعمة، ولا وفى له بذمة، وظل يبني الغدرة على غير أسٍ فخر بناؤه، وانتضل في الرميات في غير هدف فصافت سهامه
стр. 113
وأصحابه يتساقطون علينا في كل حين أفواجاً، ويتتابعون إلينا نزاعاً أرسالاً، لما يبدو من ضعف آرائه، وخبث مذاهبه، وقبح غدره، وتناكب أمره، حتى اتسع عليه الخرق، وأعضله الفتق، واستنفر له وجه الخلائق، وأسلمه غرور الشيطان، فأصبح نادماً سادماً، وأمسى حائراً بائراً، ونكال الله تعالى نازل به، وسخطه منزل عليه، وبأسه منصرف إليه.
وفي فصل من أخرى: أنالك في فلتات تحجب حسن الظن بمن أسبغت عليه النعمة، ووجبت لربه الحجة في أداء النصيحة. وقد اندرجت في أثناء هذه الفتنة خطوب استعمل فيها أمير المؤمنين الثقة بمن لم يتق الله في النصيحة له ولرسوله ﵇ ولخليفته ولجماعة المسلمين، ولم تصدق نيته ولم يصح خبره، ولا رأي لمكذوب. فأوطأه عشوةً، وزخرف له كذبةً على إثر كذبة، ومنى الأماني، وقرب المواعيد، ونمق الزور، ولبس الأمور، وأمير المسلمين يوجس الخيفة، ويخشى الخديعة، ويرى أعلام الريبة، حتى وضح الفجر، وصرح عن زبدته المحض، وليس هو بأول من أحسن فضاع إحسانه، واصطنع فسقطت صنائعه. وفي فضل الله عوض من كل فائت، وفي جزائه خلف من كل ضائع، وفي إقبال رحمته غنىً عن كل مدبر، وللأيام عقب تديل الكره بالرضى، وتنسخ الشدة بالرخا.
وله من أخرى عن عليّ بن حمود إلى منذر بن يحيى: وما أنكرت شيئاً مما ذهبت إليه من التأني والتثبت، ولا اعتقدنا إلا رأيك في نظر الاجتماع، وترقب الالتئام، لترتفع الشبهة وينجلي الشك، وإن كان مذهبنا في هذه الأمة مشهوراً، واحتسابنا الأجر في صلاحها معروفاً
стр. 114
وقيامنا لنصرها وسخاؤنا بأنفسنا وأموالنا لاستنقاذها، لا ننوي إلا وجهه تعالى، وإلا فقد علم من عرفنا، وأيقن من أنصفنا، أننا كنا عيش هني، ولبب رخي، وعمل واسع، ومال وافر، وجند مطيع، وحصن منيع؛ وفي دون ذلك ما أقنع من عرف الدنيا بحقيقتها، وأجزأ من أنزلها منزلتها؛ وما كفى من لا يعدل بالسلامة ولا يبيع بالغبن، ولا يركب الأهوال، ولا يقتحم المهالك، مغررا بدمه، مخاطرا بنفسه، لحطام تافه، وظل زائل، ومتاع قليل، وانا لنرجو منه تعالى أنه لم ييسر ما يسر من آمالنا إلا عند اطلاعه على نيتنا فيها، فنحن بعين الله، ونواصينا بيده، والملك والأمر له.
وفي فصل: والشروط التي خططتها بيدك، وأردت معرفة رأينا بإمضائها، فإنها لعمر الله قليلة في استحقاقك، ولو اتسعت البلاد لأضعاف ما تليه، لكنت لذلك عندنا أهلا في كفايتك وضلاعتك وضبطك وحزمك. فأما الاعتماد عليك في الرأي والقصد إليك بالمشورة فهو الذي لا نعدوه بك ولا نجاوزه فيك، ونحن بذلك أحظى، والفائدة لنا فيه أعلى.
وقد أنفذنا كل ما دعوت إليه من تنفيذ سجلاتك على ما في يديك من الأعمال، واعتقدنا لك ولجميع أهل الصغور - حرسهم الله - الأيمان المنعقدة والأقسام المغلظة لا تدخل عليهم داخلة يكرهونها، ولا يكلفون كلفة يستثقلونها؛ ولا يخالف بهم طريقة يرضونها، ما سمعوا وأطاعوا.
وفي فصل: ووصيتك بأهل قرطبة وغيرهم مقبولة، ونصيحتك فيهم متبوعة، ولن يروا منا، ولن تسمع فيهم عنا، إلا كما يعجبك
стр. 115
ويسرك، ويجذلك ويبهجك؛ وإنما هدى الله أولهم بأولنا، وأسبغ النعم على سلفهم بسلفنا؛ وهل يؤملون أحنى عليهم وأرأف بهم منا - أم هل لمت آتاه الله رشده، وشرح بالإيمان صدره، رغبة عنا - وهل ينكر فضلنا إلا جاهل مكابر، أو يدافع حقنا إلا معاند خاسر -
وله من أخرى: بلغنا جوابك ناكبا عن الحق، بعيدا عن الإنصاف، خلوا من حسن المعاملة، بداية بالامتنان بما كان منك، بما لو اقتنعت فيه بما بذلنا من الشكر لركبت سنن المنصفين، وسلكت سبيل المحسنين، فقد قيل: إن الشكر وإن قل، ثمن لكل نوال وإن جل؛ كما قيل: إن المنة تفسد الصنيعة. ولو نظرت في أخبار الماضين، وكشفت عن سير الأولين، لوجدت ملوك الأمم على قديم الزمان قد تعاملت بالتعاون، وتواصت بالترافد، وإن شحطت ديارها، واختلفت أديانها؛ وجعلت ذلك بينها حقوقا تقضى، وفروضا تؤدى، فالدهر أطور والأيام دول. وقد علمت أن الذي سامحتنا فيه لم تقدم إليه إلا على شروط اشترطتها، وأطماع استدعيتها، فقضيناك كل ما ملكناه، تقدمت، ولا صحبة سلفت، ولو هربت عن هذا الجفاء دهرك، وأنفقت في السلامة من هذا الخطل عمرك، لكنت لنفسك ناظرا، وفي صفقتك تاجرا؛ فإن كنت أردت معرفة العي، كفى بذلك عيا من القول، وزللا من الرأي. وإن قلت إنك لم تعرف مكاننا من الخلافة
стр. 116
ووارثتنا الإمامة، عن أسلافنا الماضين، وأجدادنا الأقربين، وجهلت أننا في نصابها وذروتها، وأقعد الناس بها وأقواهم عليها، فقد كابرت العيان، ودافعت البرهان.
[وله عنه في معنى الرعية: إن الله تعالى قلدني من رعاية عباده، وحملني من سياسة خلقه، وعصب بي من تدبير أمورهم وإصلاح شؤونهم، وألزمني من النظر لهم، والعمل بما يصلحهم، ما لا حول لي فيه ولا قوة عليه إلا بمعونه وتأييده، ولا هداية إلا بتوفيقه وتسديده. وإن الرعية من السلطان، بمكان الأشباح من الأرواح، صلاحهما وفسادهما متصلان، ونماؤهما ونقصانهما منتظمان، إذ كانت الرعية عنصر المال، ومادة الجباية، بها قوام الملك، وعز السلطان، ورزق الأجناد، التي بها يقاتل العدو وينصر الدين، وتحمى الحرم، ولما تأملت أحوال أهل عملك من كورة جيان وذواتها، وحصلت ما يلزمهم أداؤه هذا العام من الطعام في العشور الواجبات، تكنفهم من شفقتي، وأحاط بهم من عواطفي، ما أدى إلى رفع مؤونة طعامهم، وإعفائهم مما يلحقهم فيه من العنت، ويرجع عليهم من الدرك، وكلف الحمولة إلى الأهراء، وما يتبع ذلك من الانتقاص ويتصل بالكيل من التطفيف، وتسقط التبعات، ويخف الثقل،. فانظر عندما يرد كتابي في توزيع ما يجب على أهل عملك من الناض عن كذا وكذا من القمح والشعير، حساب كل مدي من القمح ستة دنانير، ومن الشعير ثلاثة؛ واشمل بتوزيعها الناس كافة، غير محاش منهم أحدا. وليكن ذلك على العدل، وتحري الحق، واعتماد الصدق، بمشاهدة قاضي الجهة، وموافقة شيوخ الرعية ووجوهها، وأهل المعرفة بمواقع وظائفها، إن شاء الله] .
стр. 117
وله من أخرى، عن المظفر بن أبي عامر، حين قتل عيسى بن سعيد القطاع وزيره: أيها الناس - وفقكم الله لعصمته، واستنقذكم برحمته - إن من علم منكم حال الخائن عيسى بن سعيد بالمشاهدة، ورأى مبلغ النعمة عليه بالمحاضرة، فقد اكتفى بما شهد، واجتزأ بما عاين وحضر؛ ومن غاب عنه كنه ذلك من عوامكم بانتزاح منزل أو لاتصال شغل، فليعلم أنا أخذناه من الحضيض الأوهد، وانتشلناه من شظف العيش الأنكد، فرفعنا خسيسته، وأتممنا نقيصته، وخولناه صنوف الأموال، وصيرنا حاله فوق الأحوال؛ فدلله بذلك المنصور مولاي رضي الله تعالى عنه، فاعتمدته ومهدت له فرش الكرامة، وبوأته دار الفخامة، وأسبغت من نعمي عليه، ما أحوج الخاصة والعامة إليه، فلم يقم لله تعالى بحق، ولا قابل إحسانه بصدق، ولا عامل رعيتنا برفق، ولا تناول خدمتنا بحذق؛ بل أعلن بالمعاصي، واستذل الأعزة وذوي الهيئات والمروءات، ونافرهم وأنس بأضدادهم، ونبذ عهودنا، وخالف سبلنا، وكدر على الناس صفونا؛ حتى إذا ملكه الأشر، وتناهى به البطر، وغلت به الأمور، وغره بالله الغرور، حاول شق عصا الأمة، وهد ركن الخلافة والأمانة، بما احتجن من حرام المال، واستمال من طغام الرجال؛ فحجته نعمنا عنده، وخصمته عوارفنا لديه، وكشف لنا سر نيته، حتى صرعه بغيه، وأسلمه غدره، وأخذه الله بما اجترم، وأوبقه بكا اكتسب، فأعجلناه عن تدبيره، وصار إلى نار الله وسعيره.
стр. 118
قوله: " فحجته نعمنا عنده، وخصمته عوارفنا لديه " محلول من قول أبي تمام حيث يقول:
أألبس هجر القول من لو هجرته ... إذن لهاجني عنه معروفه عندي وأخذه أبو تمام من قول عمران بن حطان إذ ظفر به الحجاج فقال: اضربوا عنق ابن الفاجرة، فقال له عمران: بئسما أدبك أهلك يا حجاج! كيف أمنت أن أجيبك بمثل ما لقيتني به - أبعد الموت منزلة أصانعك عليها - فأطرق الحجاج استحياءً وقال: خلوا عنه. فلما رجع إلى أصحابه قالوا: والله ما أطلقك إلا الله فارجع إلى حربه معنا، قال: هيهات! غل يداً مطلقها، واسترق رقبةً معتقها، ثم قال الأبيات التي أولها:
تالله لا كدت الأمير بآلةٍ ... وجوارحي وسلاحها آلاته وفي فصل منها: وقد زالت التقية ووجب الصدق. ألا من سمع هذا الكتاب وأخبر عنه من تلك الطبقة فليرد إلينا مالنا، وليخرج لنا عن حقنا؛ وليحذر أن يجعل لنا عليه سبيلاً. فإنما هي أشياء غلب عليها إما من صميم مالنا فلم يتورع فيه عن الخيانة، وإما من
стр. 119
أموال الله بأيدينا فلم يؤد فيها الأمانة، وما ظهرنا عليه منها فمصروف إلى سبيله من مصالح المسلمين في أرزق أجنادهم، ونفقات ثغورهم. وأنا زعيم لمن سارع بما في يديه، وبادر بما عنده، أن نعرف له طاعته، ونشكر مباردته؛ ومن توانى وتربص، وقعد ونكص، أن نصه بحيث وضع نفسه من الظنة، وأثبت عليها من التهمة، وننتهي به نهاية النكال البالغ؛ فلا ينظرن جارم لدينا إلا في ذمة.
@تلخيص التعريف بخبر الوزير عيسى بن سعيد
@المذكور، من الأول إلى الآخر، ومقتله على
@يدي المظفر عبد الملك ابن أبي عامر
قال ابن بسام: وكان عيسى بن سعيد المعروف بابن القطاع قيم دولة ابن أبي عامر وحامل لوائها، والمستقل بأعبائها، ومالك زمام إعادتها وإبدائها. طلع في فلكها قبل دورانه، ودل على ما أخفاه طي كتابها دون عنوانه؛ وأنا أشرح - حين أفضى بي القول إلى ذكره - كيف كان غروبه وطلوعه، ومن أين اتفق طيرانه ووقعه؛ على ما قدمت والتزمت، وحسبما ضمنت ونظمت.
قال ابن حيان: لم يكن لعيسى بن سعيد مأثرة سلف، ولا بيت تقدم، خلا أنه [كان] عربي النجار، من قوم يعرفون ببني الجزيري من كورة باغه. وكان أبوه معلماً، فاختلف عيسى إلى الديوان، وصحب
стр. 120
محمد بن أبي عامر وقت حركته في دولة الحكم؛ فبلغ به المنازل الجليلة، وكان عنده مشهوراً بيمن النقيبة، وأخباره معه كثيرة.
وتبحبح عيسى بعد مهلك المنصور بن أبي عامر في دولة ابنه عبد الملك، فتناهى في الاكتساب بالحضرة وجميع أقطار الأندلس ضياعاً ودوراً، فات الناس إحصاؤها، واشتمل على الملك هو وولده وصنائعه. وكان لهم مع ذلك في سائر أعمال السلطان نصيب، وعلى كل عامل وظيف، ولم ينفذ توقيع إلا بأمره، ولا تم أمر إلا بمشورته. وكثر أعداء عيسى لوقته؛ فاحترس منهم جهده، وتيقظ في حراسة نفسه، ووالى كثيراً من وجوه أهل الدولة، تصاهر لهم ببنيه وبناته، فسمت جماعته، ثم تصاهر أخيراً إلى ابن أبي عامر، والذكر من عنده، زوج ابنه المكني أبا عامر أخت عبد الملك الصغرى من بنات المنصور، فتمت تلك المصاهرة في سنة ست وتسعين وثلثمائة، وكانت وليمة عظيمة. وتناهت بعد أمور عيسى في الجلالة، وأخذته الألسنة.
واتفق أيضاً عليه أن عبد الرحمن بن المنصور انبسط على أخيه عبد الملك في أول دولته بصحبة طائفة تخل به، فعرف عيسى أخاه عبد الملك بذلك؛ فحمله على كف عبد الرحمن عنه، فحقد على عيسى ورصد السعي عليه، واستفسد أيضاً السيدة " الذلفاء " أم عبد الملك وأساء إلى صنيعتها " خيال " أم ولده، والغلبة كانت عليه، ومن يتصل بهما بسبب نكاح عبد الملك بنات الجنان مولاته، كانت قد تأدبت بأدب
стр. 121
أهله، وأخذت الغناء من محسنات قيانه، فنظرها عبد الملك يوماً فراعته، وهان عليه لفرط عفته زواجها، فأنكرت عليه ذلك والدته، فاستراح في الأمر مع عيسى فصوبه له وأمضاه. وبنى عبد الملك بها، فحقدت أمه على عيسى. ثم اتهم آخراً بالعظمى من مداخلته للولد أبي بكر هشام بن عبد الجبار بن الناصر للقيام على عبد الملك وأخذ الملك عنه. وكان عيسى لا يحضر مجلس شراب عبد الملك إلا في الندرة أو الدعوة تقع؛ استعفاه من ذلك لضعف شربه، فأمكن أعداءه القول فيه لغيبته بما شاؤوا، وزاد الأمر حتى تنكر له عبد الملك، ففهم عيسى بعض ذلك لقوة حسه، وأهمته نفسه، وأعمل الحيلة في خلاصها؛ فسما عند ذلك إلى الغدر بالعامرية أولياء نعمته، والانقلاب مع المروانية الموتورة بدولته، وإقامة الولد أبي بكر هشام المذكور على الخليفة هشام المؤيد ابن الحكم، وأخذ الخلافة عنه لضعف استقلاله والقطع لدولة ابن أبي عامر قطعاً لا بقية معه. وكان عيسى خليطاً لهشام بعد المنصور صاحبه، محمولاً ما بينهما على السلامة، فدعا هشاماً إلى ذلك وراسله سراً ولقيه خفيةً، وقرب له مأخذه على يده لمنزلته من آل العامرية، وأن جندها لا تخالفه بحيلة. فاستجاب هشام، فيما ذكروا، وأخذ بيعته عليه، وساعده جماعة، وكاد يتم الأمر
стр. 122
وأعد رجالاً للفتك بعبد الملك، فسار أحدهم إلى نظيف الفتى الكبير مولى ابن أبي عامر، فتنصح له بالقضية فأعلم عبد الملك بها لوقته، فاشتغل باله، وترجح في أمر عيسى وخاف أن السعاية من كياد عدوه، إلى أن أنهى إليه صاحب المظالم أبو حاتم بن ذكوان ما أقلقه، ولم يرتب به لثقته؛ وحدثه أن رجلاً يعرف بابن القارح الوزان كان متخصصاً من العامة، وله بالولد أبي بكر هشام المذكور اتصال؛ فحكى عن نفسه أنه رأى نزول عيسى عليه ببعض بساتينه، وأنه سمع ابن عبد الجبار يقول له: يا أبا الأصبغ، والله إني لخائف والخطر عظيم؛ فقال له عيسى: ومن تخاف - أو ليس الملك بيدي، والجند طوعي، والناس راضون بفعلي - ثم افترقا، فجاء ابن القارح، فأعلم ابن ذكوان، فطار إلى عبد الملك بالخبر، فبطش عبد املك بعيسى. وكانت صورة قتله واطأ عليه أخاه عبد الرحمن ومن يليه من أصحابه، فشدوا عزيمته، وعقد معهم مجلساً للشرب، وبعث عن أكثر أصحاب عيسى، فجلس للشرب بالمجلس الكبير المشرف على النهر لعشر خلت من ربيع الأول سنة سبع وتسعين. ثم أرسل عن عيسى وقد
стр. 123
مضى من الشرب وقت، فجاءه رسوله وهو قد بدأ يشرب أيضاً مع نفر من أصحابه فيهم أبو حفص بن برد وغيره.
قال أبو حفص: فلم نرتب بدعائه، وبادر بالركوب نحو عبد الملك، والقضاء قد جد به، فلما وصل إليه أظهر الاستبشار به وأقبل عبد الملك عليه بوجهه وأعلى مجلسه وأخذوا في شأنهم. فلما دارت الكؤوس أخذ عبد الملك في معاتبته والتعرض لما قرف به عنده؛ وعيسى ينزعج من ذلك، ويقلد الكأس ملامته هنالك، إلى أن صرح عبد الملك بما في نفسه، وألقى القدح، وأقبل يسبه ويغلظ له؛ فأحس عيسى بالشر، ورابه نظر القوم إلى العيون، وطفق يعتذر ويحتج في إبطال ما قرف به ويشد القسم على فساده، ويناشده في إراقة الدم، وعبد الملك لا يلتفت إليه، إلى أن اعتلى الكلام وكثر اللجب، فقبض عبد الملك على سيفه من جانب الفراش فصبه على عيسى، وقد قام فزعاً؛ فاستقبل وجهه بضربة، فسقط عيسى ثم أعاد عليه، وشاركه أصحابه بسيوفهم حتى هبروه، وحز رأسه ووضع جانباً. وأمر عبد الملك أيضاً بقتل صاحبيه ابن خليفة وابن فتح فهبرا بالسيوف، واختلط المجلس، ولحق كثيراً من أهله دهشة حملت بعض من كان بقربه من الأعاجم إلى أن رمى بنفسه في النهر هرباً من القتل، فطاح في اللجنة. وأمر برفع رأس عيسى بباب
стр. 124
الزاهرة، وما زال هنالك إلى أن فتحت الزاهرة على يد ابن عبد الجبار المهدي، وذهبت الدولة العامرية.
وقام عبد الملك من ذلك المجلس، وأمر بتغيير ما وقع، ثم لم يعد إلى الشرب فيه - زعموا - حياته. وأنفذ في الوقت ثقات خدمه إلى منازل عيسى وأصحابه وكتابه، فاستصفى ما فيها وسجن أولاد عيسى الأكابر بمطبق الزاهرة، وأمر ابنه بطلاق أخت عبد الملك فطلقها، ولم تزل خليةً إلى أن ذهبت دولة قومها فراجعها. وكان الناس يحسبون مال عيسى التراب كثرةً. فما وجد له منه شيء؛ وتعجب الناس من ذلك، حتى إن أولاده إلى آخر أمرهم ما فارقهم الإقلال والمسغبة. وأعظم الناس قتل عيسى لجلالة قدره، وسار منهم إلى الزاهرة خلق عظيم ينظرون إلى رأسه.
قال ابن حيان: وكنت في جملة من نظر إليه، واستبنت الضربة بخده الأيمن. وكان أبو العلاء صاعد بن الحسن اللغوي منقطعاً إلى عيسى، فكان أول من أنشد عبد الملك، على سبيله من سرعة الانقلاب، شعراً يقول فيه:
فتلك هامته في الجو ناطقة ... تحدث الناس من آياتها عبرا
مكتوبة الوجه بالهندي يقرؤه ... من ليس يقرأ مكتوباً ولا سطراً
стр. 125
ومن أغرب ما وردت به الرؤيا بعد قتله أن رجلاً من الصلحاء رأى في النوم كأن رأسه ينشد على الخشبة التي كان عليها:
بان الخليط وشفني وجدي ... وبقيت أندب ربعهم وحدي فآذنت الرؤيا ببين آل أبي عامر وصدقت إلى مديدة. انتهى ما لخصته من كلام ابن حيان في خبره.
ومن شعر أبي حفص بن برد، مما خاطب به أبا العلاء صاعداً بن الحسن اللغوي من أبيات يقول فيها:
أبا العلاء تعريض ذي مقة ... أهدى لك الود محضاً غير مقطوب
ناء بغربته والفهم نسبته ... وكم دني قصي في المناسيب
وصار في غربة الآداب مغترباً ... أما كفى الدهر عض دون تغريب
أولاك محمدةً من بعد تجربة ... لا يصلح الحمد إلا بعد تجريب
أنت الذي لم يعاشر مثله رجلاً ... في العلم والظرف والآداب والطيب
تحصيل فضلك للحساد معجزة ... وكنه عملك شيء غير محسوب
أما اللغات فلا يعقوب يبلغ ما ... وعيت منها ولا أشياخ يعقوب
[وأنت رب القوافي الشاردات به ... تحدى وسيقتها في كل أسلوب
إنا نناديك للجلى وأنت لها ... طب تعالج فيها كل مطلوب]
فهل شعرت ببدر طاف بي غلساً ... رخص البنان كحيل العين مخضوب
стр. 126
أهدى إلى أرقٍ - لو حازها - سنةً ... لم تعد بي مزج تصديق بتكذيب
حياً تحية ذي أنسٍ بنا وجلا ... قناع وجهٍ طويل الصون محجوب
فقلت: أهلاً ورحباً، من هداك لنا ... ليلاً - فرد بتأهيل وترحيب
وقال: ماذا ترى - قلت: الغزالة في ... ثوب احمرار من الظلماء غربيب
قال: اتئد! قلت: قد أبصرتها قبلاً ... فقال: حلاً، فقلت: الحل مطلوبي
[قال: تحر فلا تشطط بنا سرفاً ... فقلت: ليس سوى التقصير مرغوبي]
ثم اعلمي أنني من حبكم دنف ... قالت: علمت فلا تخضع لمحبوب
قلت: الوصال، فقالت: مه بلى وعسى ... وفي عسى فرجة ترجى لمكروب
ثمت ولت فأبقت في الحشا ضرماً ... يذكو بدمع على الخدين مسكوب
فالآن فازجر أو اسجع إن هممت به ... كسجع شق أو الأفعى أو الذيب
هذي عبارتها فالأمر مشترك ... تلقى أفانينه طراً بتهذيب فأجابه أبو العلاء صاعد بأبيات يقول فيها:
لبيك ألفاً، أبا حفصٍ، إجابة من ... يد لي إليك بودٍ غير مأشوب
أبعد خمس وسبعين التحفت بها ... حتى قرعت لهذا الدهر ظنبوبي
رمينني بسهامٍ غير طائشةٍ ... حور زرين على صم الأنابيب
يا من يرقع بالآمال ما خرقت ... يدا الليالي، قبيح صبوة الشيب
ناديتني لخيالٍ عز طائفه ... إلا ليوم عصيب إذ تنادي بي
حتى أقيك شذا الأيام عن عضدٍ ... ملدد وحسام غير مخشوب
إياك والموعد الخوان تقبله ... فلا أمانة للعس المخاضب
стр. 127
فاكتب على جمدٍ ما قد وأتك به ... وضعه في الشمس يذهب غير مصحوب
ولا تكونن قرحاناً نصبن له ... حتى عدون عليه عدوة الذيب
[الله في قلبك المزجور عن دده ... لا تسلمينه لتسهيد وتعذيب]
فقد نجوت وما صدقت فورته ... مهشم القدح مهضوم الأنابيب
شيخ الوزارة جني الكتابة إن ... ركبت منها طريقاً غير مركوب
فلا تسومن شيخاً طار طائره ... سوم الشبيبة في لهو الخراعيب
وأنت منفرد المضمار منصلت ... غمر البديهة رواض المصاعيب قوله: " ولا أمانة للعس المخاضيب " من قول كثير:
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين وقوله: " فاكتب على جمدٍ ... البيت، كقول ابن العميد:
متقلب يأتيك أثبت عهده ... كالخط يرقم في بسط الماء
стр. 128
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي المغيرة عبد الوهاب بن حزم،
@وإثبات ما تخيرت له من النثؤر والنظم، مع
@ما يتعلق به، ويذكر بسببه
قال ابن بسام: كان أبو المغيرة هذا ظبة الحسام، وواسطة النظام، وفارس ميدان البيان، وذات صدر الزمان، حل من زهر الفضائل، محل السنان من المعامل، والزبرقان من المنازل، وتمت به غرر المحامد، تمام الصلات بالعوائد، ومجهول اللغة بمعلوم الشواهد. ودولة عبد الرحمن بن هشامٍ المستظهر المتقدمة الذكر كانت مهبة الذي منه عصف، ومجاله الأول الذي فيه تصرف، ألقى إليه زمامه، وأخدمه أيامه؛ ثم عتب عليه في بعض الأمر، فلحق ببلاد الثغر، فهناك تسحب على الدول، تسحب الهوى على العذل؛ وامتزج بملوك العصر، امتزج الماء بالخمر، ولو طال مداه لم يذكر معه سواه، ولا اعترف بتفضيله أحبته وعداه.
نقلت من خط أبي مروان بن حيان قال:
ولحق أبو المغيرة ببلاد الثغر، وقد اعتلت طبقته في النظم والنثر، وكتب
стр. 129
عن عدة من الأمراء، ونال حظاً عريضاً من دنياهم، إلا إنه اعتبط شاباً شاباً بعد أن ألف عدة تواليف، وشجر الأمر بينه وبين الفقيه أبي محمد بن حزم ابن عمه، وجرت بينهما هنات ظهر عليه فيها أبو المغيرة، وبكته حتى أسكته، لأنه كان أنبه من أنبه من أبي محمدٍ في حضور شاهده، وذكاء خاطره، وحسن هيئته، وبراعة ظرفه، وجودة أدبه، وهو كان في زمانه في الجد والهزل صاحب اللواء، في مجالس الأمراء، مستنجزاً للبيضاء، مقتضاً للشقراء، وتصور في قلوب الروساء فأجزلوا أرزاقه فعظمت صلاته وهباته؛ انتهى كلام ابن حيان.
قلت أنا: وقد أخرجت من رسائله العميدية، وقصائده اللبيدية، ومما جرى بينه وبين ابن عمه ما يسحر الألباب، ويبهر الشعراء والكتاب.
@جملة من رسائله في أوصاف شتى
كتب إليه أبو عليّ بن ربيب القروي رقعة يقول فيها:
إني فكرت في بلدكم أهل الأندلس إذ كان قرارة كل فضل، ومقصد كل طرفة، ومورد كل تحفة، إن بارت تجارة أو صناعة فإليكم تجلب، وإن كسدت بضاعة فعندكم تنفق، مع كثرة علمائه، ووفور أدبائه، وجلالة ملوكه، ومحبتهم للعلم
стр. 130
وأهله، ورفعهم من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم في رجال الحرب يقدمون من قدمته شجاعته، وعظمت في الحروب، نكايته؛ فشجع عندكم بذلك الجبان، وأقدم الهيبان، ونبه الخامل، وعلم الجاهل، ونطق العيي، وشعر البكي، واستنسر البغاث، وتنثعبن الحفاث، وتنافس الناس في العلوم. ثم هم مع ذلك في غاية التقصير ونهاية التفريط، من أجل أن علماء الأمصار دونوا فضائل أعيانهم وقلدوا الكتب مآثر أقطارهم، وأخبار الملوك والأمراء، والكتاب والوزراء، والقضاة والعلماء، فأبقوا لهم ذكراً في الغابرين، ولسان صدق في الآخرين؛ وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم، كل امرئ منهم قائم في ظله لا يبرح، وثابت على كعبه لا يتزحزح؛ يخاف إن صنف أن يعنف أو تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، لم يتعب نفساً أحد منهم في مفاخر بلده، ولم يستعمل نقساً في فضائل ملوكه، ولا بل قلماً بمناقب كتابه ووزراءه، ولا سود قرطاساً بمحاسن قضاته وعلمائه؛ على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغاً، ولم تضق عليه المسالك هنالك، ولكن هم كل أحد منهم أن يطلب شأو من تقدمه من رؤساء
стр. 131
العلماء، ليحوز قصب السبق ويفوز بقدح ابن مقبل، ويأخذ بكظم دعبل، ويصير شجىً في حلق أبي العميثل: فإذا أدرك تلك البغية، وجاءته بعد المنية، دفن علمه معه، ومات ذكره، وانقطع خبره. ومن قدمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم، فألفوا دواوين يبقى لهم ذكر يتجدد طول الأبد.
فإن قلت: إنه كان ذلك من علمائكم، وألفوا كتباً لكنها لم تصل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق، لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب، أو دلجة قارب، لو نفث ببلدكم مصدور، لأسمع ببلدنا من في القبور، فضلاً عمن في الدور والقصور، وتلقوا قوله بالقبول، كما تلقوا ديوان ابن عبد ربه منكم الذي سماه ب - " العقد ". على أنه يلحقه فيه بعض اللوم، إذ لم يجعل فضائل بلده، واسطة عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه، لكنه أكثر وطول، وأخطأ المفصل، وأطال الهز بسيف غير مقصل، وقعد به ما قعد بأصحابه من ترك ما يعنيهم، وإغفال ما
стр. 132
يهمهم: فأرشد أخاك - أرشدك الله - إن كان عندك في ذلك الجلية، وبيدك فصل القضية، إن شاء الله.
فراجعه أبو المغيرة برقعةٍ حذفت أكثر فصولها لطولها، منها:
أبقاك الله من حميمٍ صريح الود، أهدى تحيته على البعد، فإن الفهم رحم، والأدب ما بين أهله وسائل وذمم؛ وليس عدم الترائي والعيان، بقاطعٍ للأسباب والأقران، ولا تنائي الديار والمنازل، بقادحٍ في الأذمة والوسائل؛ فالكتاب عوض عن الكلام، والتواصل بالنفوس لا بالأجسام، وما زلت أتنسم ذكرك، فأترسم قدرك، وأسمع خبرك فأرى خبرك، حتى أرادت الأيام كشف الر، ورفع الستر؛ فوقفت على الصحيفة التي ظاهرها ديباج مرقوم، وباطنها لؤلؤ منظوم، ووشي محوك، وذهب مسبوك؛ فرأيت صور الأدب باهرة المرأى والعيان، شاهدةً لك بأذلق لسان، وأصدق بيان، أنك أبو عذرتها، ومالك جملتها، وواحد فنونها، ووارد معينها، وقادحة جناحها، وصبا رياحها، فسألت سؤال العالم، وبحثت بحث اليقظان المتغافل، وادعيت الحيرة وأنت أهدى في تلك الفلا، من فارط القطا، لتعلم أين المخطئ والمصيب، وكيف الجواب والمجيب؛ والله يوفق من المراجعة لما يرضيك، ويكون وفق أمانيك، وما أجهل أني على نفسي أبتهل بهذا الدعاء، لمن أسر حسواً في ارتغاء.
стр. 133
فأول ما قدمت في كتابك ما يقدمه ذو الفضل والنبل في الثناء على بلدنا وأهله، ووصفت الجميع على اختلاف طبقاتهم، وتباين درجاتهم، من آرائهم التي نحوها، وعلومهم التي وعوها، بأوفر الأقسام، واحتلالهم من ذلك بالغارب والسنام؛ حتى عارض الجبان الأسد، وناطح الجوزاء الجلمد، وناطق الأعجم الفصيح، وبارى الجاهل العالم، وجارى القاعد القائم، تحاسداً على الفضائل. هذا معنى كلامك لم أورد ألفاظه، وإن أصميت أغراضه، إشفاقاً من أن أفضح كلامي به، وأدل على قصور آلتي بمجتلبه، فأكون كمن جمع بين الشبه والذهب، وقرن الدر إلى المخشلب؛ ثم قلت: إن ذكر الفتى عمره الثاني، والميت المجهول لا الفاني؛ فكم من هالك آثاره كاشفة عيانه، وواصفة قدره وشانه، وحي أثوابه كفنه، وجهله جننه. وهؤلاء الذي أنضيت في وصفهم جياد مدحك، وهتكت ظلامهم بغرة صبحك، على غير هذا الرأي مقيمون، وبخلاف هذا المذهب قائلون. فوليت في حيز وعزلت، وارتفعت في حال ونزلت، وأتيت بغاية المحال، وهو إثبات الضدين في حال، ثم زدت في التعليل، وبالغت في الاجتماع على التمثيل، باعتمادك تكذيب من قال: إن الذي قاله غيرك لو وقع لكان قرب المسافة التي هي شوط جارٍ، بل غمضة سارٍ، توجب حل الشك، وانجلاء الإفك؛
стр. 134
فعجبت من أمنك مراجعاً لا يقصد في أدب المقابلة قصدي، ولا يعقد على سانح أخوتك عقدي؛ يجعل جوابك قول القائل:
لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي وغفراً غفراً لهذا العقوق؛ وخذه بإزاء قولك: تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق. وعلى كل حال فقد نادينا لو أسمعنا، وطرنا لو وقعنا؛ وما أشبهنا بالغريبة التي خبرها يدفن، وشرها يعلن، يتعب أحدنا نفسه، ويرهف حسه، ويعارض السيف بفهمه، والبحر بعلمه، والنار بذكائه، والزمان بمضائه، ونتائج فكره محجوبة، وبنات صدره غير مخطوبة:
[إن يسمعوا ريبةً طاروا لها فرحاً ... عنه وما سمعوا من صالح دفنوا] وفي فصل منها: ولو لم يعلم لنا خبر، ولا ظهر منا أثر، وبقينا لا يعرف مكاننا، إلا بإخراج قسمة الأقاليم لنا، والحاجة في الجغرافيا إلى ذكر صقعنا، لكان عذراً في التقصير عن اشتهار الفضل لائحاً، وإن كان نهجنا إلى أخذه والعلم به واضحاً؛ وإن كنت بإطلاق قولك، قد
стр. 135
جاهرتنا - وحقك - بالظلم مجاهرة أنا أعجب كيف انقاد كريم طبعك لها، وأعجب أيضاً من بخوعي لك، ووقوفي عن الانتصاف منك، وأنا أعلم أن عندكم لنا تواليف تطيرون بها، وأشهد بتقصير أربابها فيها؛ وإن وداً عقل لك لساني، ولم يجر إلا بما تؤثره وتختاره بناني، لود يفضح الروض في حزنه، برائق حسنه، ورضوى في هضبه، بثقل وزنه، ونوء السماك في هتنه، بوابل مزنه؛ وما هي إلا شيمة قديمة فيكم أهل الجهة الظاهرة أعلامها، الباهرة علومها وأفهامها.
قال ابن بسام: وخرج أبو المغيرة في رسالته هذه إلى التطويل، وبالغ في الاحتجاج بفصول، هي عادلة عن هذه السبيل؛ وختمها بذكر جملةٍ من تواليف أهل الأندلس، أضربت عن تسميتها لشهرتها.
وله فصل من رقعة: وعسى أن يكون شراء ذلك الديوان شراء التجار الأكياس، من المدبرين القائلين بارتضاع الكاس؛ وهمك أن يكون أبو الحسين وسيطك، وجماله شفيعك، فهو ممن كان له في الحسن لواء مرفوع، وحلة تزري بالوشي الصنيع، فعفى تلك الآثار ما سال من عذاره، وطمس ليل اللحية ما كان أشرق من نهاره؛ لا جرم لقد بقيت خيلان كالآثار الدالة على الديار، والحلي السقيط، المخبر عن بين الخليط؛ وإذا تأملتها قد اشتمل الشعر عليها، وزحف من كل جانب إليها، ذكرت قول أبي الطيب:
стр. 136
برسوم كأنهن نجوم ... في عراص كأنهن ليال وله حديث ستستظرفه إذا سهلت له إذنك، وأعرت له أذنك.
وأبو المغيرة في دعابته هذه كما قرأته في فصل كتبه أبو عبد الرحمن ابن طاهر إلى الوزير ابن عبد العزيز مع غلام وسيم، قال فيه: هذا الفتى كما تراه يطلب خدمة، وبه حشمة، ويزعم أنه يحمل حمله، ويؤتي كل حين أكله؛ وقدماً عهدتك تحن إلى هذه العصافير، فإنها حمر الحواصل صفر المناقير.
وعرضت على أبي المغيرة رسالة بديع الزمان في الغلام الذي خطب إليه وده بعد أن عذر، وبقل وجهه وأزهر، فعارضها برقعةٍ يقول فيها: ورد كتابك تنشد ضالة ودنا، وترقع خلق عهدنا، وتطلب ما أفاتته جريرتك إلينا، وذهبت به جنايتك علينا، أيام غصنك ناضر، وبدرك زاهر، لا نجد رسولاً إليك غير لحظة تخرق حجاب الدموع، أو زفرة تقيم منآد الضلوع؛ فإن رمنا شكوى ينفث بها مصدورنا، أو يستريح إليها مهجورنا، لقينا دونها أمنع سد، وأفدح رد. وقلت: أهذا الطامع في أن يطالع القمر الطالع، والراغب في أن يصاحب النجم الثاقب - لشد ما زاد، وأبعد ما أراد! حاول تألف الظبي الشارد، وهصر الغصن المائد، بدمعة صبها، وزفرة شبها، أما علم أن لحظي سهم: القلوب أغراضه، وأني ظبي: النفوس رياضه - فننصرف عنك كما أتينا، ونقف كما جرينا، ونعود إلى نار الوجد بك نصلاها، ونار البعد عنك لا نبرح مغناها؛ حتى إذا طفئت تلك النيران، وانتصف منك الزمان
стр. 137
بشعرات أغضت علالك كسوفاً، وقلبت ديباجك صوفاً، وأعادت نهارك ليلاً، وناحت عليك تلهفاً وويلاً، وأطار حمامك غرابها، وحجب ضياءك ضبابها؛ فصار عرسك مأتماً، وعاد وصلك محرماً:
وبت مداماً تسر النزيفا ... فأصبحت تجرع خلا ثقيفا
وصرت حجازاً جديب المحل ... وقد كنت للطالب الخصب ريفا أقبلت تنسل إلينا لواذاً، وتطلب منا عياذاً، قد أنساك ذل العزل عز الولاية، وأولاك طمعاً نسيانناً تلك الجناية، أيام ترشقنا سهام ألحاظك رشقاً، وتقتلنا سيوف ألفاظك عشقاً؛ وتميس غصناً، فتثير حزناً، وتطلع شمساً، فتغيب نفساً، خدودنا أرض نعالك، وصدورنا حد مجالك، ونفوسنا مهاد خبك، وقلوبنا ميدان حربك؛ فالآن نلقاك بدمعٍ قد جف، ووجد قد كف، وعزاء قد أيد، وصبر قد غار وأنجد، وهوىً قد أراح رواحله، وأطاع عاذله، وسلو قد قرب ركائبه، واسعد طالبه؛ وننظر منك إلى روضٍ قد صوح، وسار قد أصبح، وأعجم قد أفصح، ومبهم قد صرح؛ فلا شك وقد رفع الغطاء، ولا إفك وقد برح الخفاء، ولا لوم وقد وقع الجزاء؛ فهلا ذكرت المثل الممتهن: الصيف ضيعت اللبن، ونسيت من أحرقت قلبه صداً، وأقلعت خلبه رداً؛ وملأت حوانحه ناراً، وتركت نومه غراراً؛ أن يوفيك قرضاً، ويجازيك حتى ترضى، حين نكس علمك
стр. 138
وعثرت قدمك، وضاقت طرفك، وأظل أفقك، وخوى نجمك، وخاب قدحك، وفل سيفك، وحط رمحك. فاطو ثوب وصلك، فلا حاجة لنا إلى لباسه، وازو طارق شخصك، فلا رغبة لنا في إيناسه، فما نشتهي اليوم زيارة رمس من زهد فينا أمس:
حانت منيته فاسود عارضه ... كما تسود بعد الميت الدار قوله: " وبت مداماً تسر النزيفا " ... البيت: أخذه ابن عبادة المعروف بابن القزاز، وأوجزه غاية الإيجاز فقال:
يا عقاراً صار خلاً ... وملاذاً للبعوض
سر فما لي فيك حظ ... كان ذا قبل الحموض
ما أبالي بعد أكل ال ... زبد من طرح المخيض والبيت الذي تمثل به أخيراً لعلي بن بسام البغدادي، من جملة أبيات قالها في أخيه جعفر، منها:
يا من نعته إلى الإخوان لحيته ... أدبرت والناس إقبال وإدبار
قد كنت ممن يهش الناظرون له ... تغض دونك أسماع وأبصار
стр. 139
لله در فتىً ولت شبيبته ... وكل شيء له حد ومقدار
فيا لدهر مضى ما كان أحسنه ... إذ أنت ممتنع والشرط دينار
أيام وجهك مصقول عوارضه ... وللرياض على خديك أنوار
حانت منيته فاسود عارضه ... كما تسود بعد الميت الدار وكان ابن بسام هذا في أوانه، باقعة زمانه، لم يسلم منه عصره أمير ولا وزير، ولا من أهل بيته صغير ولا كبير؛ وكان أخوه جعفر الذي ذكر من أهل الجمال الفائق، وفيه يقول:
حان المنية يا أبا العباس ... فدع المكاس فلات حين مكاس
ما بال وجهك بعد كثرة نوره ... قد سودوه بحالك الأنقاس
أين الدنانير التي عودتها ... هيهات جاء الشعر بالإفلاس
كانت تجد ثيابه ديباجة ... فاستبدلت حلساً من الأحلاس
وكذا البناء فغير مرتفعٍ إذا ... كانت بليته من الآساس وهو القائل في أبيه وقد بنى داراً.
شدت داراً خلتها مكرمةً ... سلط الله عليها الغرقا
ورأيناك صريعاً وسطها ... ورأيناها صعيداً زلقا واشتهار شعره في أبيه وأخيه وأهل عصره، يمنعني عن ذكره؛ ويذكر الشي بالشيء إذا كان من واديه، أو نظر إلى ألفاظه أو معانيه.
стр. 140
ولما اتفق أن يكون علي بن بسام هذا سمي، واجتمعت بالوزير أبي محمد عبد المجيد بن عبدون أول لقائي له بشنترين في جملة أصحاب المتوكل، فأول مجلس اجتمعت معه فيه، وسمع بعض الإخوان يدعونني باسمي، فقال لي: أنت علي ابن بسام حقاً - قلت: نعم، قال: أو تهجو حتى الآن أباك أبا جعفر وأخاك جعفراً - قلت له: وأنت أيضاً عبد المجيد - قال: أجل، قلت: وحتى الآن فيك ابن مناذر يتغزل - فضحك من حضر لهذا الجواب الحاضر. وخبر ابن مناذر مع عبد الوهاب الثقفي أوضح من أن يشرح. وكان من أجمل فتيان ذلك الأوان، وآدبهم وأظرفهم، فكلف به ابن مناذر وتعشقه، فاعتبط لعشرين سنة، فرثاه بذلك القصيد الفريد، الذي يقول فيه:
فلو إن الأيام أخلدن حياً ... لعلاء أخلدن عبد المجيد وأما صفات المعذرين من الغلمان، فقد جرت خيول فرسان هذا الشان، بهذا الميدان، وتفننوا في ذلك نثراً ونظماً، وتطاردوا فيه مدحاً وذماً. وممن ذمهم من أهل عصرنا عبد الجليل، حيث يقول:
وأمرد يستهيم بكل وادٍ ... وينصب للشجى خلداً صليبا
دعوت دعاء مظلوم عليه ... وكان الله مستمعاً مجيبا
стр. 141
فطوقه الزمان بما جناه ... وعلق من عذاريه الذنوبا وأخذه أبو بكر الداني فقال:
بدا على خده عذار ... في مثله يعذر الكئيب
وليس ذاك العذار شعراً ... لكنما سره عجيب
لما أرق الدماء ظلماً ... بدت على خده الذنوب ولعبد الجليل في هذه الصفات عدة مقطوعات، فتح بها جراب السخف، ولم يستتر فيها من العقل بسجف؛ وقد كتبت من شعره في هذا الباب وسواه في القسم الثاني من هذا الكتاب بعض ما اخترناه.
ولم أسمع في ذم من عزل عن ولاية حسنه، أحسن من قول بعض أهل عصرنا وهو أبو الحسن البرقي في أبيات تستندر بجملتها وهي:
ألآن لما روضت وجناته ... شوكاً وأضحت سلوة العشاق
واستوحشت منك المحاسن واكتست ... أنوار وجهك واهي الأخلاق
أنشأت تبذل لي الوصال تصنعاً ... خلق اللئيم وشيمة المذاق
هلا وصلت إذ الشمائل قهوة ... وإذ المحيا روضة الأحداق
فلكم أطلت غام قلبٍ موجع ... كم ألب إليك بالأشواق
стр. 142
ما كنت إلا البدر ليلة تمه ... حتى قضت لك ليلة بمحاق
لاح العذار فقلت: وجه نازح ... حتى قضت لك ليلة بمحاق ولأبي الحسن في هذه أيضاً عدة محاسن، إذ كان قد خلع عذاره في صفات المعذرين كقوله:
وأزهر حيا بريحانة ... تضوع من عرفها المندل
وزاد بنفسج أصداغه ... فقلت الزيادة قد تقبل وقال أيضاً:
بأبي الذي خط الجما ... ل بوجه لاماً ونون
وأظنته جعل المدا ... د سواد أحداق الجفون
خافوا عليه من العيو ... ن فعوذوه بالعيون وهذا كقول عبد الجليل:
معذرين كأنما بخدودهم ... طرق العيون ومنهج الأرواح
وكأنما صقلوا الجمال وأظهروا ... مشي النمال على متون صفاح وممن عني بهذا الوصف المعري، حيث يقول في ذكر السيف:
ودبت فوقه حمر المنايا ... ولكن بعدما مسخت نمالا
стр. 143
قوال في موضع آخر:
ولا حسبت صغار النمل يمكنها ... سعي على اللج أو مشي على السعر وقال بعض أهل عصري وهو الوزير أبو محمد ابن عبد الغفور:
تريه المنايا الحمر فيه وجوهها ... مخاتلة الأرواح في صور الذر وقال أيضاً بعض أهل أفقنا:
جداول ماءٍ ما تسوغ لواردٍ ... ترى النمل غرقى فيه غير الأكارع وقد كرر عبد الجليل معنى بيته المتقدم فقال:
ومشت لحاظي في جوانب خده ... حتى أثرن بصفحتيه طريقا وقال أبو محمد بن سارة الشنتريني:
ومعذر رقت حواشي حسنه ... فقلوبنا وجداً عليه رقاق
لم يكس عارضه السواد وإنما ... نثرت عليه سوادها الأحداق وقال أيضاً بعض أهل عصري وهو ابن رباح أبو تمام الملقب بالحجام:
стр. 144
يا لعبةً بذوي الألباب لاعبةً ... في أصل حسنك معنىً غير متفق
خلقت بيضاء كالكافور ناصعةً ... فصرت سوداء من مثواك في الحدق وهو أيضاً القائل في هذا المعنى:
وسدواء الأديم إذا تبدت ... ترى ماء النعيم جرى عليه
رآها ناظري فصبا إليها ... " وشبه الشيء منجذب إليه " وسمع الوزير أبو جعفر بن جرج من أهل أفقنا قول ابن الجهم:
وعائب للسمر من جهله ... مفضل للبيض ذي محك
قولوا له عني: أما تستحي - ... من جعل الكافور كالمسك - فعارضه بقوله:
وعائب للبيض ذي إفك ... معارض الكافور بالمسك
دع عنك هذا وانقلب خاسئاً ... ما النور مثل الظلم الحلك ثم ساعد ابن الجهم فقال:
غصن من الآبنوس أبدى ... من مسك دارين لي ثمارا
ليل نعيم أظل فيه ... للطيب لا أشتهي نهارا
стр. 145
ولابن جرج أيضاً في مثله:
وسمراء باهى كلفة البدر وجهها ... إذا لاح في ليل من الشعر الجعد
محببة من حبة القلب لونها ... وطينتها للمسك والعنبر الورد وقال أبو علي ابن رشيق:
دعا بك الحسن فاستجيبي ... يا مسك في صبغة وطيب
تيهي على البيض واستطيلي ... تيه شباب على مشيب
ولا يرعك أسوداد لونٍ ... كمقلة الشادن الربيب
فإنما النور عن سوادٍ ... في أعين الناس والقلوب قال ابن بسام: وهذا من الكلام الرائق، المتأخر السابق، في تفضيل السواد على البياض، مع أن ابن الرومي لم يدع فيه لأحد من اعتراض، وقد كان قبله أبو حفص الشطرنجي قال:
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده
لا شك إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحده ولما كانت شدة البياض مما يعاب، وأن أكف بعض السودان مشققة وأطرافهم ليست ناعمة لينة، وأن عرفهم خبيث مع الفلح الملازم لأوساط الشفاه، وسائر ما فيهم من هذه الأشباه، نفى ابن الرومي ذلك كله فقال يصف جارية عبد الملك بن صالح السوداء:
следующие страницы →