← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأصبت في سبأ مورث ملكها ... يسبي املوك ولا يدب لها الضرا فكأنما تابعت تبع رافعاً ... أعلامه ملكاً يدين له الورى والحارث الجفني ممنوع الحمى ... بالخيل والآساد مبذول القرى وحططت رحلي بين ناري حاتمٍ ... أيام يقري، موسراً أو معسرا ولقيت زيد الخيل تحت عجاجةٍ ... يكسو غلائلها الجياد الضمرا وعقدت في يمنٍ مواثق ذمةٍ ... مشدودة الأسباب موثقة العرى وأتيت مجدك وهو يرفع منبراً ... للدين والدنيا ويخفض منبرا وخططت بين جفانها وجفونها ... حرماً أبت حرماته أن تحفرا تلك البدور تتابعت وخلفتها ... سعياً فكنت الجوهر المتخيرا قال أبو الحسن: أراه احتذى في هذه الأبيات الأخيرة حذو أبي الطيب في ابن العميد حيث يقول: من مبلغ الأعراب أني بعدها ... جالست رسطا ليس والإسكندرا ولقيت بطليموس دارس كتبه ... متبدياً في ملكه متحضرا ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا نسقوا لنا نسق الحساب مقدماً ... وأتى " فذلك " إذ أتيت مؤخرا

стр. 72

وقوله " خوص نفحن بنا البرى " ... البيت، معنى مشهور، وهو في الشعر كثير، ومنه قول بعض أهل العصر، وهو أبو جعفر بن هريرة التطيلي يصف إبلاً: كأنصاف البرى وتدق عنها ... شواها دقةً تسع الجلالا وكذلك قوله: " لله أي أهلةٍ " ... البيت، كقول أبي جعفر المذكور: كل عوجاء كالهلال عليها ... كل ذي تدرإٍ كبدر الكمال وأنشدت لابن بياع السبتي: وردت بها التنوفة وهي بدر ... فلم أصدر بها إلا هلالا وقوله: " ورمى علي رداءه من دونهم " أشار إلى لفظ الهذلي دون معناه وهو: ولم ادر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سل عن ماجدٍ محض وذكر الرواة أنه لا تعرف العرب رجلاً مدح من لا يعرفه غير أبي خراش الهذلي هذا، وكان خراش وعمه عروة غزوا فأخذا، وهموا بقتلهما، فنهاهم بنو دارمٍ وأبى بنو هلالٍ إلا قتلهما، فأقبل رجل

стр. 73

من بني دارم فألقى على خراش رداءه، وشغل القوم بقتل عروة، وقال الرجل لخراش: انج، فنجا إلى أبيه وأخبره الخبر، فقال الأبيات التي أولها: حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض فقلت: لا، قال: من قول أبي خراش: " ولم أدر من ألقى عليه رداءه " ... البيت، قلت له: والمعنى مختلف قال: أما ترى حذو الكلام واحداً - وقال القسطلي يمدح الوزير أبا الأصبغ عيسى بن سعيد القطاع: أفي مثلها تنبو أياديك عن مثلي ... وهذي الأماني فيك جامعة الشمل وقد أمن المقدار ما كنت أتقي ... وأرخصت الأيام ما كنت أستغلي وأذعن صرف الدهر سمعاً وطاعةً ... لما فهت من قولٍ وأمضيت من فعل وناديت بالإنعام في الأرض والتقت ... بيمناك أشتات الطرائق والسبل وهذا مقامي منذ تسع وأربع ... رجائي في قيد وحظي في غل كأني لم أحلل ذراك ولم أقم ... مناخ المطايا فيه مرتهن الرحل

стр. 74

وأغض عن البرق الذي شيم للحيا ... وأعقد بحبلٍ منك بين الورى حبلي ولم تصفني خلقاً أرق من الهوى ... ولم تولني نعمى ألذ من الوصل ولم تثن عني في مواطن جمةً ... سيوفاً حداداً قد سللن على قتلي ولم أطوسن الإكتهال محاكماً ... إليك خطوباً شيبت مفرق الطفل وكنت ومفتاح الرغائب ضائع ... ملاذي فهذا بابها ضائع القفل وإني في أفياء ظلك أشتكي ... شكية موسى إذ تولى إلى الظل وهذا البيت من لفظ القرآن العزيز، وقد أقدمت على مثل هذا جماعة من الشعراء من محدثين وقدماء؛ فمن غال متسور، ومن آخذٍ معتذر؛ قال أبو العلاء المعري: كنت موسى وافته بنت شعيبٍ ... غير أن ليس فيكما من فقير وأخذه بعض أهل عصرنا، وهو حسان بن المصيصي فقال للمعتمد ابن عباد: كبنت شعيب إذ زفت لموسى ... ولكن للثراء هنا مزيد ومن آخر من ركب هذا الأسلوب في مكابرة الحقائق، وأضل من ذهب هذا المذهب الغريب، من الاجتراء على الخلق والخالق، المنفتل بقوله: وقد كان موسى خائفاً مترقباً ... فقيراً وآمنت المخافة والفقرا

стр. 75

وستأتي قصيدته هذه في موضعها، وتنتظم القصة عنه بأجمعها. وفي هذه القصيدة يقول القسطلي: ولي الندى أصبحت في دولة الندى ... كأني عدو والبخل في دولة البخل يقتل أخفى اليأس أحيا مطالبي ... ليالي جل الوعد عن رتبة المطل وأبدي للسع الدبر وجهي منازعاً ... وقد فاز غيري سالماً بجنى النحل وهكذا كقول المتنبي: ولا بد دون الشهد من ابر النحل ... وقال ابتن سارة الشنتريني: لها قسمة بين الرواة وبينكم ... فمن قسمة ضيزى ومن قسمةٍ عدل بأفواههم منها جنى النحل كلما ... رووها وفي أستاهكم إبر النحل ومنها: أواصل آناء الأصائل بالضحى ... وزادي من جهدي، وراحلتي رجلي وهذا مما شرحه وأوضحه أبو الطيب بقوله من المنسرح: لا ناقتي تقبل سالرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها شراكها كورها، ومشرفها ... زمامها، والشسوع مقودها ومنها: إذا أحفت الفرسان غر جيادهم ... خصفت برجلي ما تمزق من نعلي

стр. 76

وإن أقبلوا والمسك يندى عليهم ... أتيت وقد ضمخت مسكاً من الوحل وإن شغلوا لهواً بأنعم كفه ... فخدمته لهوي وطاعته شغلي أقر عيون الشامتين وليتني ... أبرد ما تطوي الصدور من الغل أمر بهم ألقلى الثرى وكأنما ... فؤادي من أحداقهن غرض النبل إذا الأسد الضرغام أنفذ مقتلي ... فما فزعي إلا إلى الأرقم الصل وإن ذاب حر الوجه من حر نارهم ... فما مستغاثي منه إلا إلى المهل ومن شيمة الماء القراح - وإن صفا - ... إذا اضطرمت من تحته النار أن يغلي ولا وزر إلا وزير له يد ... تمل على أيدي الربيع فتستملي أبا الأصبغ المعني هل أنت مصرخي ... وهل أنت لي مغن وهل أنت لي معلي فأكسولك الأيام من حر ما أشي ... وأملأ سمع الدهر من سحر ما أملي وحتى متى أعطي الزمان مقادتي ... وقد قبضت كفي على قائم النصل أيحتقب الركبان شرقاً ومغرباً ... غرائب أنفاسي وألقاك في الرجل وينتقل الشرب الندامي بدائعي ... وهيهات لي من لذة الشرب والنقل وضيف بحيث الطير تدعى إلى القرى ... يضيق به رحب المباءة والنزل وسيف يقد البيض والزغف مقدماً ... يروح بلا غمدٍ ويغدو بلا صقل وذو غرةٍ معروفة السبق في المدى ... وقد قرح التحجيل من حلق الشكل قوله: " ومن شيمة الماء القراح ".. البيت، هو قول ابن أبي عيينة المهلبي. ولا بد للماء في مرجلٍ ... على النار موقدةً أن يفورا

стр. 77

وينظر أيضاً معناه - من طرفٍ عليل - إلى بيت عمارة بن عقيل: وما النفس إلا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدر كان صفواً غديرها وأخذه المعري وزاد حتى كاد يخفيه فقال: والخل كالماء تبدو لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر وقوله: " وذو غرةٍ " ... البيت، من قول أبي الطيب: وإن تكن محكمات الشكل تمنعني ... ظهور جري فلي فيهن تصهال وقال أبو العلاء المعري يصف قصيدته من جملة أبياتٍ فقال: حجلت فلم يرها الذي قيدت له ... وغدت بآفاق البلاد تجول كالطرف يقلقه المراح صبابةً ... بالجري وهو مقيد مشكول وقال أبو الوليد بن زيدون: ثوى صافناً في مربط الهون يشتكي ... بتصهاله ما ناله من أذى الشكل وكرره ابن زيدون في موضع آخر فقال: وأن الجواد الفائت الشأو صافن ... تخونه شكل وأزرى به ربط وقال عبد الجليل للمعتمد بن عباد من جملة أبيات هي ثابتة في موضعها مكن هذا المجموع:

стр. 78

أتتك على خلائقها جيادي ... وإن كان الضياع لها شكالا وقال القسطلي يمدح المرتضى، آخر ملوك بني مروان، من قصيدة أولها: جهادك حكم الله من ذا يرده ... وعزمك أمر الله من ذا يصده وطائرك اليمن الذي أنت يمنه ... وطالعك السعد الذي أنت سعده يقول فيها: وبيعة رضوان رعى الله حقها ... لمن بيعة الرضوان إذ غاب جده فأصبح في رأس الرياسة ناجه ... ونظم في جيد الخلافة عقده مسرته مأوى الغريب وستره ... ولذته خير المقل ورفده وأجناده في موقف الروع روضه ... وأعلامه في مورد الموت ورده نلاعب آرام الفلا من هباته ... وآرامه غر الطراد وجرده ونفترش الديباج من جود كفه ... وما فرشه إلا الجواد ولبده ومن برح البيض الحسان بوجده ... فبالبياض في الهيجاء برح وجده [وكل إمام ناصر أنت صنوه ... وكل إمام قاهر أنت نده نموك إلى بيت النبوة وابتنوا ... لك الشرف الفرد الذي أنت فرده فأفخر بمن قرب النبيين فخره ... وأمجد بمن مجد الخلائف مجده] وله من أخرى في المنصور بن أبي عامر: ألم تعلمي أن الثواء هو التوى ... وأن بيوت العاجزين قبور تخوفني طول السفار وإنه ... لتقبيل كف العامري سفير

стр. 79

ذريني أرد ماء المفاوز آجناً ... إلى حيث ماء المكرمات نمير فإن خطيرات المهالك ضمن ... لراكبها أن الجزاء خطير ومنها في وصف وداعه لمن تخلفه، وذكر ابنه الصغير، بما لا شبيه له ولا نظير، ولا مثيل ولا عديل: ولما تدانت للوداع وقد هفا ... بصبري منها أنة وزفير [تناشدني في عهد المودة والهوى ... وفي المهد مبغوم النداء صغير] عيي بمرجوع الخطاب ولفظه ... بموقع أهواء النفوس خبير تبوأ ممنوع القلوب ومهدت ... له أذرع محفوفة ونحور فكل مفداة الترائب مرضع ... وكل محية المحاسن ظير عصيت شفيع النفس فيه وقادني ... رواح بتدآب السرى وبكور وطار جناح البين بي وهفت بها ... جوانح من ذعر الفراق تطير لئن ودعت مني غيوراً فإنني ... على عزمتي من شجوها لغيور ولو شهدتني والهواجر تلتظي ... علي ورقراق السراب يمور أسلط حر الهاجرات إذا سطا ... على حر وجهي والأصيل هجير وأستنشق النكباء وهي بوارح ... وأستوطئ الرمضاء وهي تفور وللموت في عين الجبان تلون ... وللذعر في سمع الجريء صفير ومنها: وقد خيلت طرق المجرة أنها ... على مفرق الليل البهيم قتير

стр. 80

ودارت نجوم القطب حتى كأنها ... كؤوس مهاً وإلى بهن مدير لقد أيقنت أن المنى طوع همتي ... وأني بعطف العامري جدير ومنها: ولما توفوا للسلام ورفعت ... عن الشمس في أفق السماء ستور وقد قام من زرق الأسنة دونها ... صفوف ومن بيض السيوف سطور رأوا طاعة الرحمن كيف اعتزازها ... وآيات صنع الله كيف تنير وكيف استوى بالبر والبحر مجلس ... وقام بعبء الراسيات سرير فجاؤوا عجالاً والقلوب خوافق ... وولوا بطاء والنواظر صور ومنها: وضاءل قدري في ذراك عوائق ... جرت لي برحاً والقضاء عسير وما شكر النحعي شكري ولا وفى ... وفائي - إذ عز الوفاء - قصير أثرني لخطب الدهر والدهر معضل ... وكلني لليث الغاب وهو هصور وقد تخفض الأسماء وهي سواكن ... ويعمل في الفعل الصحيح ضمير وتنبو الردينيات والطول وافر ... ويبعد وقع السهم وهو قصير وله من أخرى في ابن أزرق، وهي أيضاً من حر كلامه، وسحر نظامه: أخو ظمأ يمص حشاه سبع ... وأربعة وكلهم ظماء

стр. 81

كأنجم يوسف عدداً ولكن ... برؤيا هذه برح الخفاء خطوب خاطبتهم من دواه ... يموت الحزم فيها والدهاء تراءت بالكواكب وهي ظهر ... وآذن فيه بالشمس العشاء [فهل نظري تخفى أو بصدري ... وضاق البحر عنها والفضاء] وكلهم كيوسف إذ فداه ... من القتل التغرب والجلاء وإن سجن حواه فكم حواهم ... سجون الفلك والقفر القواء نقائذ فتنة وخلوف ذل ... ألذ من البقاء به الفناء وإن أقوت مغاني العز منهم ... فكم عمرت بهم بيد خلاء وإن ضاقت بهم أرض فأرض ... فما بكت لمثلهم السماء [شموس غالها ذعر وبين ... فهن لكل ضحية هباء] وكم لبسوا من النعمى بروداً ... جلاها عن جسومهم الجلاء وكم عسفوا إليه لج بحرٍ ... تلاقى الماء فيه والسماء [فما ظفروا بمثلك نجم سعدٍ ... به لهم إلى الأمل انتهاء] ولكن عدلوا منه حساباً ... له فيما دعوك له قضاء كما زجروا من اسم أبيك فألاً ... فردت فيه قبل الزاي راء وله من أخرى: فما تجاوزت قرن الموت معتسفاً ... إلا وقرني رخيم الدل بارعه

стр. 82

تحيتي منه تقبيل ومعتنق ... يشدني غله عنه وجامعه لم أخلع الدرع إلا حين شققه ... عن صبح صدري ما تحمي مدارعه ولا توقيت سهماً من لواحظه ... يذيب سيفي وفي قلبي مواقعه غضن تجرع أنداء الغمام فما ... تطوق الدر إلا وهو جارعه يميس طوراً وسكر الدل عاطفه ... وتارةً وانثناء الوشي لاذعه فاستفرغ الخصر كثباناً تباعده ... وأنبت الصدر رماناً يدافعه فبت تحت رواق الليل ثانيه ... والشوق ثالثنا والوصل رابعه والسحر يسحر من لفظ ينازعني ... والمسك يعبق من كأس أنازعه راحاً يمد سناها نور راحته ... لولا المها لجرت فيها أصابعه كأنما ذاب فيها ورد وجنته ... وشجها ريقه المعسول مائعه فيا ظلام نجوم الليل إذ عدمت ... بدر السماء وفي حجري مضاجعه [ويا حنين ظباء القفر إذ فقدت ... غزالهن وفي روضي مراتعه مجال طرفي وما حازت لواحظه ... وحر صدري إذا ما ضمنت أضالعه] والطرف مرآة عيني أستدل بها ... على الصباح إذا م خيف ساطعه جوناً أزيد به ليل الرقيب دجىً ... ويستنير لي الإصباح لامعه فبات يعجب من ظبي يصارعني ... وقد يرق على ليث أصارعه

стр. 83

وما رأى قرناً أعانقه ... إلا وودع نفساً لا تراجعه حتى بدا الصبح مشمطاً ذوائبه ... يطارد الليل موشياً أكارعه كأن جمع ضلال حان مصرعه ... وأنت بالسيف يا منصور صارعه قال أبو الحسن: قوله " موشياً أكارعه ": جعل ذوائب الصبح مشمطة من ممازجة الليل له، وجعل أكارع الليل موشية من ممازجة الصبح لها، وجعل آخر الليل من مواخره وهي متصلة بأول الصبح، وآخر الصبح من مقادمه وهي المتصلة بآخر الليل، وأصاب في الإشارة إلى التشبيه لأنه أومأ إلى أن الصبح كالثور الوحشي وهو أبيض، والثيران الوحشية كلها بيض، وأكارعها موشية خاصة. وإنما ألم القسطلي في هذا بقول أعرابي يصف ليلةً: خرجنا في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها فمحت صور الأبدان، فما كدنا نتعارف إلا بالآذان. وقوله: " فيا ظلام نجوم الليل " ... البيت، من مليح المعاني، وقد أخذه إدريس بن اليماني، فقال من جملة أبيات هي ثابتة في موضعها من هذا المجموع: بدر ألم وبدر الليل ممحق ... والأفق محلو لك الأرجاء من حسد تحير الليل فيه أين مطلعه ... أما درى الليل أن البدر في عضدي - وله من أخرى في علي بن حمود؛ قال ابن بسام: وهذه القصيدة له طويلة، وهي من الهاشميات الغر، بناها من المسك والدر، لا من الجص

стр. 84

والآجر، لا بل خلدها حديثاً على الدهر، وسر بها مطالع النجوم الزهر؛ لو قرعت سمع دعبل بن علي الخزاعي، والكميت بن زيد الأسدي، لأمسكا عن القول، وبرئا إليها من القوة والحول؛ بل لو رآها السيد الحميري، وكثير الخزاعي، لأقاماها بينة على الدعوى، ولتلقياها بشارةً على زعمهما بخروج الخيل من رضوى؛ وقد أثبت أكثرها إعلانا بجلالة قدرها، واستحساناً لعجزها وصدرها، وأولها: لعلك يا شمس عند الأصيل ... شجيت لشجو الغريب الذليل فكوني شفيعي إلى ابن الشفيع ... وكوني رسولي إلى ابن الرسول فإما شهدت فأزكى شهيد ... وإما دللت فأهدى دليل على سابق في قيود الخطوب ... ونجم سناً في غثاء السيول [ينادي الثرى لسقام الضياع ... ويشكو إلى الملك داء الخمول] [وعز على العلم مثواه أرضاً ... على حكم دهرٍ ظلوم جهول] ويعجب كيف دنا من علي ... ولم تنفصم حلقات الكبول وكيف تنسم آل النبي ... وأبطأ عنه شفاء العليل وأطواد عزهم ماثلات ... له وهو يرنو بطرف كليل وأبحرهم زاخرات إليه ... ويرشف في الثمد المستحيل [تجرأ من جنتي مأربٍ ... بخمط وأثل وسدر قليل]

стр. 85

ومنها: شريد السيوف وفل الحتوف ... يكيد بأفلاذ قلب مهول تهاوت بهم مصعقات الرع ... د في مدجنات الضحى والأصيل بوارق ظلماء ظلم تبيح ... دمى من حمى أو دماً من قتيل فأذهل مرضعةً عن رضيع ... وأنسى الحمائم ذكر الهديل فما تهتدي العين فيها سبيلاً ... سوى سبل العبرات الهمول [ولا يعرف الموت فيها طريقاً ... إلى النفس إلا بعضب صقيل] ركبت لها محملاً للنجاة ... وصيرت قصدك فيه عديلي فردت على عقبيها المنون ... بواق مجير ورأي أصيل وقد سمتها بنفيس التلاد ... على أنفس ضائعات الذحول نفوس حنت قوس عطفي عليها ... فكن سهام قسي الخمول ومعنى هذا البيت كقول الرضي مما أنشده الثعالبي: هن القسي من النحول فإن سما ... طلب فهن من النجاء الأسهم قال الثعالبي: وما أحسن ما جمع بين القسي والأسهم، وما أراه سبق إليه على هذا الترتيب. قال ابن بسام: وقد قال بعض أهل عصرنا وهو عبد المجيد بن عبدون من جملة أبيات هي ثابتة بموضعها من هذا المجموع:

стр. 86

جوانح كالقسي رمت ثبيراً ... بفتيان - أقلني - بل نبال وقال أبو العرب الصقلي: وحط بنا عن ناجيات كأنها ... قسي رمت منا البلاد بأسهم وفي هذه القصيدة يقول القسطلي: ومن دوننا آنسات الديار ... نهاب الحمى موحشات الطلول مغاني السرور لبسن الحداد ... على لابسات ثياب الذهول خطيبات خطب النوى والمهور ... مهارى عليها رحال الرحيل فمن حرة جليت بالجلاء ... وعذراء نصت بنص الذميل ولا حلي إلا جمان الدموع ... تسيل على كل خد أسيل فبدلن من طول خفض النعيم ... بشق الحزون ووعث السهول ومن قصر الليل تحت الحجال ... بهول السرى تحت ليلٍ طويل ومن علل الماء تحت الظلال ... صلاء القلوب بحر الغليل ومن طيب نفحٍ بنور الرياض ... تلظي لفحٍ بنار المقيل ومن أنسها بين ظئر وتربٍ ... سرى ليلها بين ذئب وغول ومن كل مرأى محياً جميل ... تلقى الخطوب بصبر جميل لعل عواقبه أن تتم ... فيهدي الغريب سواء السبيل إلى الهاشمي، إلى الطالبي، ... إلى الفاطمي العطوف الوصول

стр. 87

فسمي جدك عمرو الكرام ... بهشم الثريد زمان المحول وضيف حتى وحوش الفلاة ... وأهدى القرى لهضاب الوعول وإن أبا طالب للضيوف ... لأطلب من ضيفه للنزول يروح عليهم بغر الجفان ... ويغدو لهم بالغريض النشيل فأنتم هداة حياة ومرت ... وأنتم أئمة فعل وقيل وسادات من حل جنات عدن ... جميع شبابهم والكهول وأنتم خلائف دنيا ودينٍ ... بحكم الكتاب وحكم العقول ووالدكم خاتم الأنبياء ... لكم منه مجد حفيٍ كفيل تلذ بحملكم عاتقاه ... على حمله كل عبٍ ثقيل ورحب على ضمكم صدره ... إذا ضاق صدر أب عن سليل ويطرقه الوحي وهناً وأنتم ... ضجيعاه بين يدي جبرئيل وزودكم كل هدي زكي ... وأودعكم كل رأي أصيل قوله: " فمن حرةٍ جليت بالجلاء " ... البيت، كقول أبي عبد الله بن شرف القرواني من جملة أبيات: بات كرسيها الجلاء فأضحت ... في ثياب الجلاء للناس تجلى قال ابن بسام: وانتحى ابن شرف، فيما وصف من فتنة قيروانه

стр. 88

منحى القسطلي في شكوى زمانه، والحديث عن الفتن، فكاثر البحر بوشلٍ مشفوه، وجارى الريح بكودن لا فضل فيه. وفي القسم الرابع من هذا الديوان جملة من شعره، شاهدة على ما أجريت من ذكره. وقال أبو عمر في الخليفة خيران العامري صاحب المرية، وهو متوجه إلى سرقسطة سنة سبع وأربعمائة، ورأيت إثبات بعضها لحسنها: لك الخير قد أوفى بعهدك خيران ... وبشراك قد وافاك عز وسلطان هو النجم لا يدعى إلى الصبح شاهد ... هو النور لا يبغى على الشمس برهان إليك شحنا الفلك تهوي كأنها ... وقد ذعرت من مغرب الشمس غربان على لجج خضر إذا هبت الصبا ... ترامى بنا فيها ثبير وثهلان مواثل ترعى في ذراها مواثلاً ... كما عبدت في الجاهلية أوثان وفي طي أسمال الغريب غرائب ... سكن شغاف القلب شيب وولدان يرددن في الأحشاء حر مصائب ... تزيد ظلاماً ليلها وهي نيران إذا غيض ماء البحر منها مددنه ... بدمع عيون تمتريهن أشجان وإن سكنت عنها الرياح جرى بها ... زفير إلى ذكر الأحبة حنان

стр. 89

يقلن وموج البحر والهم والدجى ... تموج بنا فيها عيون وآذان ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا ... سوى البحر قبر أوسوى الماء أكفان وهبنا رأينا معلم الأرض هل لنا ... من الأرض مأوى أو من الإنس عرفان وصرف الردى من دون أدنى منازل ... تباهى إلينا بالسرور وتزدان تقسمهن السيف والحيف والبلى ... وشطت بنا عنها عصور وأزمان كما اقتسمت أخدانهن يد النوى ... فهم للردى والبر والبحر إخدان ظعائن عمران المعاهد مقفر ... لهن وقعر الأرض منهن عمران هوت أمهم ماذا هوت برحالهم ... إلى نازح الآفاق سفن وأظعان كواكب إلا أن أفلاك سيرها ... زمام ورحل أو شراع وسكان فإن غربت أرض المغارب موئلي ... وأنكرني فيها خليط وخلان فكم رحبت أرض العراق بمقدمي ... وأجزلت البشرى علي خراسان وإن بلاداً أخرجتني لعطل ... وإن زماناً خان عهدي لخوان سلام على الإخوان تسليم يائسٍ ... وسقياً لدهر كان لي فيه إخوان نودعهم شجواً بشجو كمثل ما ... أجابت حفيف السهم عوجاء مرنان ويصدع ما ضم الوداع تفرق ... كما انشعبت تحت العواصف أغصان إذا شرق الحادي بهم غربت بنا ... نوى يومها يومان والحين أحيان فلا مؤنس إلا شهيق وزفرة ... ولا مسعد إلا دموع وأشجان وما كان ذاك البين بين أحبة ... ولكن قلوب فارقتهن أبدان فيا عجباً للصبر منا كأننا ... لهم غير من كنا وهم غير من كانوا قضى عيشهم بعدي وعيشي بعدهم ... بأني قد خنت الوفاء وقد خانوا

стр. 90

وأفجع بمن آوى صفيح وجلمد ... ووارت رمال بالفلاة وكثبان وجوه تناءت في البلاد قبورها ... وإنهم في القلب مني لسكان وما بليت في الترب إلا تجددت ... عليها من القلب الموجع أحزان هم استخلفوا الأحباب أمواج لجة ... هي الموت أو في الموت عنهن سلوان ومنها: ولا يأس من روحٍ وفي الله مطمع ... ولا بعد من خيرٍ وفي الأرض خيران متى تلحظوا قصر المرية تنزلوا ... ببحر ندى يمناه در ومرجان وتستبدلوا من موج بحر شجاكم ... ببحر لكم منه لجين وعقيان فتى سيفه للدين أمن وإيمان ... ويمناه للآمال روح وريحان ففضت سيوف حاربته وأيمن ... وشاهت وجوه فاخرته وتيجان وبالخير فتاح وبالخير عائد ... وبالخيل ظعان وللخيل طعان لها الكرة الغراء عن كل شارد ... أضاءت لهم منها ديار وأوطان ورد بها يوم اللقاء زناتةً ... كما انقلبت يوم الهباءة ذبيان بكل كمي عامري يسوقه ... لحر الوغى قلب على الدين حران حليهم بيض الصوارم والقنا ... لها وحلاهم سابغات وأبدان فأي صقور قلبت أي أعين ... إلى أي ليث ردها وهي خلدان عيون بها كادوا العلا ففقأتها ... فهم في شعاب الرشد والغي عميان

стр. 91

وما لهم في ظلمة بعد كوكب ... وما لهم في مقلةٍ بعد إنسان يضيق بهم رحب القصور وودهم ... لو احتازهم عنها كهوف وغيران وأنسيتهم حمل القنا، فسلاحهم ... عليك - إذا لاقوك - ذل وإذعان وأنى لفل القبط في مصر موئل ... وقد غيل فرعون وأهلك هامان حفرت لهم ف يوم قبرة بالقنا ... قبوراً هواء الجو منهن ملآن يطير بها هام ونسر وناعب ... ويعدو بها ذئب وذيخ وسرحان فلو نشر الأملاك يومك فيهم ... لألقى إليك التاج كسرى وخاقان ولو رد في المنصور روح حياته ... غداة لقيت الموت والموت غرثان وناديت للهيجاء أبناء ملكه ... فلباك آساد عبيد وفتيان جبال إذا أرسيتها حومة الوغى ... وإن تدعهم يوماً إليها فعقيان كتائب بل كتب بنصرك سطرت ... ووجهك " بسم الله " والسيف عنوان هو السيف لا يرتاب أنك سيفه ... إذا نازل الأقران في الحرب أقران واسمر يسري في بحار من الردى ... بيمناك لكن يغتدي وهو ظمآن تلألأ نوراً من سناك سنانه ... وقد دعت الفرسان للحرب فرسان فلله ماذا أنجبت منك عامر ... ولله ماذا ناسبت منك قحطان ولله منا أهل بيت رمتهم ... إلى يدك العليا بحور وبلدان وكلهم يزهى على الشمس بالضحى ... وبدر الدياجي أنهم لك جيران وقد زاد أبناء السبيل وسيلة ... وحلوا فزادوا أنهم لك ضيفان

стр. 92

فما قصرت بي عن علاك شفاعة ... ولا بك عن مثلي جزاء وإحسان @إيجاز الخبر عن إمارة علي بن حمود الذي ذكر قال أبو مروان: هو علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن حسن [بن حسن] بن علي بن أبي طالب، ﵃. د وذكر ابن قتيبة أن نفراً من ولد إدريس بن عبد الله بن حسن أيام طلبه الرشيد فحبسه عند جعفر بن يحيى فروا إلى المغرب فوقعوا ببلاد أفريقية، ثم رفضتهم آفاقها إلى طرف بلاد البربر فنكحوا إليهم وتبربروا معهم. قال أبو الحسن: وقد بلغني أن عقبهم إلى اليوم هنالك. وقد قدمت فيما نقلته من كتاب ابن حيان في أخبار الخليفة سليمان السبب الذي أوطأ لعلي ابن حمود ثبجها، وأوضح له منهجها، حتى خرج من عمائها، وعرج إلى شمائها، ونكتب هاهنا ما نصه أيضاً أبو مروان من كيفية مقتله وخبره، بقرطبة أوله وآخره، بعد أن نبرأ من التطويل، ونحذف إن احتجنا إلى ذلك بعض الفصول.

стр. 93

قال ابن حيان: بويع علي بن حمود في باب السدة من قصر قرطبة يوم الاثنين لسبع بقين لمحرم سنة سبع وأربعمائة، ثاني اليوم الذي أدرك فيه بثأر هشام المؤيد؛ ولم يتخلف أحد عن بيعته، ووصلوا إليه على طبقاتهم، فكرم منازلهم، وأجمل خطابهم، وتسمى ليومه من الألقاب السلطانية بالناصر لدين الله: لقب قد سبقه إليه أبو أحمد بن المتوكل العباسي بالمشرق، وتبعه فيه أيضاً عبد الرحمن ابن محمد بهذا الأفق. ولما صارت لعلي بن حمود الخلافة تقدم من القهر للناس بالغلبة والإرهاب لهم بما خامر القلوب من هول سطوته، ولا سيما برابرة العسكر لما أحل بهم من الذل والقتل فدهشوا منه، وقادهم مديدة قود الإبل المخطوطة، وأعدى عليهم الخصوم، حتى صار أقل الرعية يرفع أعتاهم إلى الحكام بما شاء من وجوه الدعاوى فتجري عليهم الأحكام؛ فبرقت للعدل يومئذ بارقة خلب لم تكد تقد حتى خبت، وتبين أن البرابر أطوع خلق الله لمن أخافهم. وجلس علي بنفسه لمظالم الناس، وهو مفتوح الباب، مرفوع الحجاب، للوارد والصادر، يقيم الحدود مباشراً بنفسه، لا يحاشي أحداً من أكابر قومه. فانتشر أهل قرطبة

стр. 94

في الأرض ذات الطول والعرض، وسلكت السبل ورخا السعر، وأرقوا الأغذية، وشاموا النساء وطلبوا النسل، وكان أكثرهم يقول بالعزلة، واتخذوا الحلواء على طول عهد بها، ورجوا الإقالة فخانهم الأمل عما قليل، وارتكبوا في المحنة. ومن بعض ما جرى في مجلس له من مباشرته إقامة الحدود بنفسه، وجلوسه حيث لم يجلس قط خليفة أنه قدم إليه عصابة من البرابر الأكابر في جرائم تجاوزت حد النكال، فأمر بضرب أعناقهم، وعشائرهم ينظرون خفوة لا ينسبون، ولا يجسرون عليه في شفاعة. وبهذا المجلس وشبهه ما فتن أهل قرطبة بابن حمود أشد فتنة. وخرج يوماً على باب عامر فالتقى بفارس من البرابر قدامه حمل عنب، فاستوقفه وقال له: من أين لك هذا العنب - قال: أخذته كما يأخذ الناس؛ فأمر بضرب عنقه، ووضع رأسه وسط الحمل، وطيف به البلد كله. وكل أفعاله كانت حسنة عند الرعية إلى أن أوقعهم في أعظم بليةٍ. وكان علي بن حمود تلقاعةً، شديد الإصابة بعينه، لا يكاد

стр. 95

يفتح عينيه على شيء يستحسنه إلا أسرعت الآفة إليه؛ وله في ذلك نوادر عجيبة، ولربما قال للنفيسة من نسائه: واري محاسنك عن عيني ما استطعت، فإني شاح عليك من عيني، وأنا أحب الاستمتاع بك، أو كلاماً هذا معناه، أخذته عن حظئةٍ له زادتني من عجائبه. واستمر مع أهل قرطبة نحواً من ثمانية أشهر في أحسن عشرةٍ، ثم آنس منهم الكراهية لدولته، وبلغه أيضاً قيام المرتضى بشرقي الأندلس فعزم على إبادة أهل قرطبة وإخلائها، فلا يعود لأئمتهم المروانية سلطان آخر الدهر، ثم يعود إلى ساحله، ويجمع شمل برابرته، فيضرب بهم جميع الأندلس. فانقلب سريعاً ظن التجميل الذي كان يظهره لهم وانصرف إلى حزبه البربري فآثره، وأغضى على سوء ما كانوا عليه من الظلم والحيف، فوقع أهل قرطبة وغيرهم في حالتهم مدة سليمان، من استطالتهم عليه. وصب على أهل قرطبة ضروباً من التنكيل والمغارم، وانتزع السلاح منهم، وهدم دورهم، وقبض أيدي الحكام عن إنصافهم، وأغرم عامتهم، وتوصل إلى أعيانهم بأقوام من شرارهم، ففتحوا له أبواباً من البلايا أهلك بها الأمة، وتقربوا إليه بالسعاية، وقرن بجميع الناس الأشراط، ووكل بهم الضغاط، فما شئت من مكشف عن اليمين والشمال، متلول الجبين مذال القذال، قد صار شطر الناس أشراطاً على سائرهم، قلما تلقى أحداً منهم إلا بموكل عليه، حتى

стр. 96

كأن الكرام الكاتبين بدوا للأبصار، فأخذت على الناس الأقطار، فأظلمت الدنيا وأبلس أهلها وغشيتهم من أمر الله ما غشيهم، فلزموا البيوت، وتطمروا في بطون الأرض، حتى قل بالنهار ظهورهم وخلت أسواقهم، فإذا دنا المساء وكف الطلب عنهم، انتشروا تحت الظلام لبعض حاجتهم. وامتحن معه جماعة من الأعيان، ممن خدم في مدة سليمان، فاعتقلوا وصودروا بأموال. وامتهن بعضهم بالضرب حتى صانعوا على أنفسهم بجملة من المال ففدوا أنفسهم وأمر بإطلاقهم؛ فلما أحضرت دوابهم للركوب، قبضت جميعها، وانطلق القوم رجلاً إلى بيوتهم، فكانت عندهم أعظم آفة جرت عليهم؛ وكان منهم أبو الحزم ابن جهور، وأحمد بن برد الأكبر وغيرهما. فهذه جملة من أخباره، في حالي صلاحه وفساده، ووقتي رضاه وسخطه. @كيفية مقتله فلما شنأته القلوب، وأثقلته الأوزار، والتقت عليه الأكف، وخلصت فيخ النجوى، وتوالى عليه الدعاء، نظر الله إلى عباده، وسلط عليه أضعف الخليفة: صبياناً أغماراً من صقالبة بني مروان كانوا أقرب الناس إليه، وأدناهم من حرمته، وأحقرهم في عينه، جسرهم الله تعالى على الوثوب عليه بموضع أمنه، في حمام قصره، لا عن مواطأةٍ من

стр. 97

أحد إلا ما ألقاه الله تعالى في نفوسهم له، وكانوا ثلاثة من الصقلب رفقاء، فيهم وصيف حسن الوجه جدا كان يخف عليه اسمه: منجح ولبيب وعجيب؛ دبروا جميعا عليه فقتلوه ليلا غرة ذي القعدة من سنة ثمان وأربعمائة، وقد دخل الحمام سحرا فابتدره منجح بكوب نحاس ثقيل صبه على رأسه، فشجه فغشي عليه، ونادى صاحبيه فوجدوه بالخناجر حتى برد، وسدوا عليه باب الحمام، وتسللوا وصعدوا إلى سقف بعض القصور، وكمنوا في مخاب هنالك كانوا يعرفونها فلم يحس بهم. ولما استطال نساؤه بقاءه بالحمام دخلن عليه، فلم يرعهن إلا مسيل دمه، وهو قتيل ممزق الإهاب. ولم يستتم النهار حتى صح عند الناس مقتله وخبر الفتك به؛ ففرج عنهم غم عظيم، وابتهلوا بشكر خالقهم. واجتمعت زناتة ووجهوا من حينهم إلى أخيه القاسم صاحب إشبيلية يومئذ، فوافى قرطبة رسوله ليقف على صحة وفاة أخيه بالمعاينة، وخاف أن تكون حيلة منه عليه هنالك، فكشف له عنه وتحققه، فانكفأ إلى صاحبه، ولحق القاسم فأخرج إليه جسد أخيه، فصلى عليه وأمر بإنفاذه إلى مدينة سبتة فدفن بها.

стр. 98

كانت مدة علي بن حمود - من يوم قتل سليمان إلى يوم قتل - واحدا وعشرين شهرا وسبعة أيام؛ فانقضى أمر علي على هذه السبيل، وصار خامسا لمغتالي جبابرة الملوك في الإسلام بأيدي عبيدهم وأتباعهم في الحمام خاصة: أحدهم الفضل بن سهل ذو الرياستين وزير المأمون، ثم أبو سعيد الجنابي صاحب القرامطة، ثم الديلمي المنتزي باصبهان بعد الثلثمائة، ثم ناصر الدولة الحسن بن حمدان المنتزي بالأندلس بعد الأربعمائة، مع مزيته عليهم ببراعة الشرف وحرمة القرابة، فاغتدى علي في ذلك القران بسوء مصارع هؤلاء المبعوثين آية وموعظة. على أن قتل الملوك والأثمة بأيدي الفحول من عبيدهم وأصحابهم - من غير هذا النمط وعلى خلاف هذا - كثير يشق إحصاؤهم والله بأنبائهم البالي سرائرهم. وكان الأغلب على علي بن حمود السخاء والشجاعة على عطوله من الفهم والمعرفة، وبراءته من الخير جملة.

стр. 99

@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي حفص بن برد الأكبر @وإثبات جملة ما انتخبته من نظمه ونثره، @مع ما يتعلق بذكره: قال أبو الحسن: كان أبو حفص في ذلك الأوان واسطة السلك، وقطب رحى الملك؛ استقل ببهائه وجلاله، ورفل في بكره وآصاله، وبرز على نظرائه وأشكاله. وبنو برد ينتمون لبني شهيد بالولاء. وقلد أبو حفص هذا ديوان الإنشاء بعد ابن الجزيري ثم كتب عن سليمان المستعين وغيره من أمراء الفتنة فأسمع الصم بيانا، واستنزل العصم إبداعا وإحسانا؛ وقد أخرجت من رسائله، ما يعرب عن فضائله، ويوضح مشهور دلائله؛ وكانت وفاته بسرقسطة سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وقد نيف على الثمانين.

стр. 100

@ما أخرجته من ديوان رسائله في أوصاف مختلفة فصول له من العهد المعقود للناصر عبد الرحمن بن أبي عامر: هذا ما عهد به أمير المؤمنين هشام المؤيد بالله - أطال الله بقاءه - إلى الناس عامة، وعاهد الله عليه من نفسه خاصة، وأعطى به صفقة يمينه، بيعة تامة، بعد أن أمعن النظر، وأطال الاستخارة؛ وأهمه ما جعل الله له من إمامة المسلمين، وعصب به إمرة المؤمنين، واتقى حلول القدر بما لا يؤمن، وخاف نزول القضاء بما لا يصرف، وخشي - إن هجم محتوم ذلك عليه، ونزل مقدوره به، ولم يرفع لهذه الأمة علما تأوي إليه، ولم يوجرها ملجأ تنعطف عليه - أن يكون بلقاء الله تعالى مفرطا إليه، ساهيا عن أداء الحق إليها. وتقصى عند ذلك طبقات الرجال من أحياء قريش وغيرها، ممن يستحق أن يسند الأمر إليه، ويعول في القيام به عليه، ممن يستوجبه بدينه وأمانته وهديه ورعيه، بعد اطراح الهوادة، والتبرؤ من الهوى، والتحري للحق، والتزلف إلى الله تعالى بما يرضيه، وإن قطع الأواصر وأسخط الأقارب، عالما أن لا شفاعة عنده أعلى من العمل الصالح، [وموقنا أن لا وسيلة إليه أزكى من الدين الخالص] ؛ فلم يجد أحدا هو أجدر أن

стр. 101

يقلده عهده، ويفوض أمر الخلافة إليه بعده، في فصل نفسه، [وكرم خيمه] ، وشرف مركبه، وعلو منصبه، مع تقواه وعفافه، ومعرفته وإشرافه، وحزمه وثقافه، من المأمون الغيب، الناصح الجيب، النازح على كل عيب، ناصر الدولة أبي المطرف عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر، وفقه الله. وفي فصل منه: مع أن أمير المؤمنين - أيده الله - بما طالعه من مكنون العلم، ووعاه من مخزون الأثر، أمل أن يكون ولي عهده القحطاني الذي حدث عنه عبد الله بن عمرو بن العاص بتحقيق ما أسنده أبو هريرة إلى النبي ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه ". فلما استوت له به الأخبار، وتقابلت عند فيه الآثار، ولم يجد عنه مذهبا، ولا إلى غيره معدلا، خرج إليه عن تدبير الأمور في حياته، وفوض إليه النظر في أمر الخلافة بعد وفاته. وله فصل من رقعة كتبها عن المظفر بن أبي عامر يقول فيها: وإن من أعجب العجائب ما يجترئ عليه بعض أهل خدمتنا من نبذ عهودنا إليهم بعد توكيدها، وحل عقودنا عليهم بعد تشديدها، ساهين عما يتعرضون له من النقمة، لا يحذرون وقوع المحذور، ولا

стр. 102

يتوقعون حلول التغيير، قد وله أفئدتهم جهل الواجب، وران على قلوبهم ما أضاعوه من الحق، فلم يرجوا لله وقارا، ولا وفوا سلطانه إجلالا وإكبارا. وقد قال بعض السلف الصالح: إن من إجلال الله إجلال السلطان عادلا كان أو جائرا. ولا أحسب الذي غرهم بنا، وجرأهم علينا، إلا ما وهب الله تعالى لنا من الحلم مع المقدرة، والكظم عند الحفيظة. وذلك وإن كان سجية غالبة، وخليقة لازمة، فرب شنع تحت مخيل النعماء، وغصص في شهي الغذاء، وشرق في نمير الماء. وبين أيديكم - معشر الخدمة - ولا أخص بندائي صغيرا ولا كبيرا، ولا أعني بعيدا دون قريب، ولا أنبه غائبا دون شاهد، ونصب أعينكم، وحشوا أسماعكم عهد المنصور، ﵁، لم يقدم زمانه فينسى، ولا أتت دونه الدهور فيبلى، ثابت على جماعتكم، ولازم لكافتكم، من خاص وعا، ودان وشاحط، صدره التوبيخ باستكتاب الجهلة، واستعانة الضعفة، واستكفاء العجزة، ممن قلت معرفته، واتضعت همته، فلم يبلغ أن يحكم الخط فيقيم حروفه، ويراعي المداد فيجيد صنعته، ويميز الرق فيحسن اختياره، وعجزه الحزم النافذ والحكم الصادع، بأن تكون صدور كتب الاعتراضات وعنواناتها وتواريخها والأعداد في رؤوس رسومها، بخطوط أيدي القواد والعمال، من كان منهم كاتبا فبيده، ومن لم يكتب

стр. 103

فبخط كاتب له معروف، وأن تكون تسمية طبقات الأجناد فيها قائمة الخطوط بينة الحروف، وفي تضاعيفه ألية نحن أولى من أبرها، ووفى بها؛ على أنه إن ورد لأحد من الخدمة بعد وصول ذلك العهد إليه كتاب اعتراض أو عمل في رق ردي، بمداد دني، أو خط خفي، فيه لحن أو كتاب على بشر في عدد أو رأس رسم ما لم يخف أو يقع في حشو الكتاب ويعتذر منه، ليبطلن سعي كاتبه فيما كتب، وليعاجلن بعقوبة العزل وإغرام المال الثابت عدده في القنداق. وفي فصل منها: وإن قوما من خدمة الحضرة قد عادوا لما نهروا عنه، فكتبوا الخط الدقيق في دني الرقق، دقة من هممهم، ودناءة في اختيارهم، وجهلا بأن الخط جاه الكتاب، وسلك الكلام، به ينظم منثوره، وتفصل شذوره، ونبله من نبل صاحبه، وهجنته لاحقة بكاتبه، ما اقترفوه من العصيان، وأقدموا عليه من خلف السلطان؛ وأنا أعطي الله عهدا لئن ارتفع إلى - بعد بلوغ عهدي هذا أقصى حدود المملكة، وانتهائه أبعد أقطار الطاعة - كتاب على الصفات المذمومة والأحوال المسخوطة، من رق أو مداد أو خط، لأوفين لصاحبه بما قدم إليه من الوعيد إن

стр. 104

شاء الله؛ فليحذر من حضر منهم أو غاب أن يخالف ما حددناه، أو يجوز ما شرعناه. وله عنه إلى هذيل بن رزين: أما بعد - آتاك الله رشدك، وأجزل من توفيقه قسطك - فإن الله تعالى خلق الخلق غنيا عنهم، وأنساهم بمهل غير مهمل، بل ليحصي آثارهم، وليبلوا أخبارهم؛ وجعلهم أخيافا متباينين، وأطوارا مختلفين؛ فمنهم المختص بالطاعة، ومنهم المبتلى بالمعصية، وبين الفريقين أقوام خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم؛ ولو شاء الله لكان الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، ولذلك خلقهم. والسعيد من خاف ربه، وعرف ذنبه، وبادر بالتوبة قبل فواتها، واستعطى الرحمة قبل منعها. وإن كنت تركت قصدك، وخالفت رشدك، ونكبت عن سبيل سلفك، فلم يوحشك ممن شردت عليه مكروه نالك به، ولم يؤنسك ممن جنحت إليه، أمل لم تطمع فيه إلا لديه، بل كنت من المخاوف، بعيدا من

стр. 105

المكاره، قريب المكانة، رفيع الدرجة، مصدرا في أهل النصيحة والثقة؛ خلا أنه حدث بينك وبين الحاجب ما لم يزل يحدث بين القواد والعمال على قديم الزمان مما لم يبلغ أن يخرج ذا الرأي الأصيل عن طبقته، ولا يجاوز أن يزيد المحنق على المحك في خصومته، والله عليم أن أمير المؤمنين لم يبخسك في تلك الهبات حظا، ولا أولاك إعراضا، ولقد اعتنى بمصلحتك، وعزم على إزاحة علتك، حتى يتهيأ من ذلك ما يفي بأملك لو انتظرته، واستقام فيه ما يزيد على طلبتك لو صبرت عليه، ولك في القدر المقدور فسحة، وفي القضاء المحتوم مندوحة؛ ولن تضيق بك السبيل عند أمير المؤمنين، وأنت بين طاعة سالفة، واستقامة موروثة، وبين إنابة منتظرة، وتوبة متقبلة، فإحدى الحالتين تحط الذنوب الكبيرة، وتغطي على العيوب الكثيرة؛ فالآن - عصمك الله - واللبب رخي، والمركب وطي، وبابك إلى رضى أمير المؤمنين مفتوح، وسبيلك إلى حسن رأيه سهل، ولا يذهب بك اللجاج إلى عار الدنيا ونار الآخرة - إياك ومصارع الناكثين، وحذار موارط الغادرين. وله من أخرى عن سليمان إلى جماعة العبيد: إن الله تعالى قسم لأهل بيتنا بني أمية من السلطان الموصول لهم بخلافة النبوة ما حازه لهم دون سائر قريش، وسراة رجالها وافرة، وبيوت شرفها عامرة، فكان أول من أجمع عليه خيار الصحابة بالشورى والاختيار عثمان بن عفان أمير المؤمنين ذو النورين، وصهره عليه

стр. 106

السلام مرتين، فلم ينكر فضله هاشمي، ولا دافع إمامته قرشي، ولا نازعه الخلافة عربي ولا عجمي؛ ثم غلب الشقاء على أقوام فنالوا منه ما انفتح عليه باب الفتنة، إلى يوم القيامة، فيالها مصيبة صدعت شمل المسلمين، وأوهنت أركان الدين؛ وافترق أهل الإسلام بعده فرقتين، ثم لم تجتمعا إلا على رجل منا، لرضاء الله عن سيرتنا، وأنس المسلمين إلى حسن مأخذنا، وفضل سياستنا؛ فكانت الجماعة على معاوية بن أبي سفيان كاتب الوحي وصهره ﵇ ورديفه؛ فبلغ من ضبط الأمور، ولين الولاية، وجهاد العدو، وجباية الفيء، وبث العدل، وإدرار العطايا، ما لا يجهله ملي ولا ذمي. وورثه ابنه وابن ابنه؛ ثم صير الله تعالى خلافته إلى مروان بن الحكم جدنا الأعلى أمير المؤمنين، دوسر قريش المفتي بتوفيقه، والحاكم في الأمة بتسديده؛ فألقت إليه بالمقاليد الكافة، وتداولها بنوه آباؤنا الخلفاء الراشدون بالمشرق والأندلس إلى يومنا هذا، والله متم نعمته علينا كما أتمها على آبائنا من قبل، إن ربنا حكيم عليم. وفي فصل منها: ولم تزل الأثمة منا مقبلة على مواليها، مختصة لعبيدها، تقدمهم في الثقة، وتقربهم بالمودة، وتعدهم لحوادث الأمور، وتقذف بهم في معضلات الخطوب، فيتولون من اجتهادهم لهم ما أوجبت لهم منهم المحبة الخالصة، حتى شرف القوم ونبلوا، وسما ذكرهم ونسبوا إلى مشهور أنسابهم، ومذكورين بيوتاتهم؛ فهم الذين تسمعون عنهم وتعرفون رياستهم كآل خالد، وبني أبي عبدة

стр. 107

وبني شهيد، وبني بسيل، وبني حدير، وغيرهم من أشراف موالينا. وقد أفضى الأمر إليكم، معشر الموالي؛ فهذا اسمكم إذ قد رفع الله عنكم العبودية به، وأخرجكم من رق الملكة، وصيركم منا، وخلطكم بنا، وأفضى بأنسابكم إلينا، والولاء لحمة، فمولى القوم منهم، وملعون من انتمى إلى غير أبيه، وادعى إلى غير مواليه. هذا حكم الديانة على لسانه ﵇؛ وأما حكم الدنيا وسير أهل السداد والصلاح فيها، فلا يخرج أيضاً أن يكون ضلعكم معنا، وميلكم إلينا، وتعصبكم لنا، فنحن أحق الناس بكم، وأجدر أن نعمل عمل آبائنا في أمثالكم، من مواليهم الذي أجرينا ذكرهم، فإن نقمتم حالا مزقت الشمل، ونعيتم أمرا صدع الجمع، فتلك الفتنة التي يعق فيها الابن أباه، ويقتل لها المسلم أخاه، أجارنا الله وإياكم منها، وكشف لنا ظلمتها. وفي فصل منها: ولعلنا فيما ساءكم من تلك الهنات، ونالكم من الفجعات، أوجع قلوبا، وأشد غموما. فسبحان من لو شاء لأطلعكم على غيبنا فيكم، وعرفكم إشفاقنا عليكم؛ وكيف لا يكون ذلك وكذلك وما زلتم الشعار والدثار، لا نؤثر عليكم، ولا نثق إلا بكم - فإن يكن الشيطان قد نزغ بما نزغ به بين ابني آدم فمن بعدهما من ذريته، فقد آن أن تثوب الحلوم فتعود السيوف في أغمادها، والنبال في كنائنها

стр. 108

ونحن نعاهد الله ألا نؤاخذ أحدا بذنب، ولا نناله بعقوق له ولا بأذى، ولا ننطوي له على إحنة، بل نغفر ونصفح ونزيد في العطاء، ونترككم بمواضعكم التي ارتضيتموها، تدر عليكم جباياتها، وتخصكم منافعها، ولا ننسئ في أموركم إذا سمعتم وأطعتم. وله عنه إليهم في مثل ذلك من رقعة، يقول في فصل منها: زعم كاتب صحيفتكم أنه ما دامت خلافة سلفنا إلا بطبقتكم، ولا عزت إلا بدعوتكم، وهذا قول من لا علم له، فلم تظهر طبقتكم إلا حديثا، ولا كثر عددكم إلا قريبا، ولم تزل الخلافة عزيزة، والسلطان قائما بأولياء الحق وأنصار الدين، العارفين بفضل الطاعة وموقعها من رضاه تعالى، وبنقص المعصية وموقعها من سخطه. والمنة عليكم لمن عرفكم - معشر العبدى - بالله، وأدخلكم في دينه، واستنقذكم من الضلالة، وأخرجكم من الكفر، ثم اصطنعكم ونوه بكم بالتصرف في الخدمة، فنلتم بذلك البغية، وهيهات أن تقضوا الحق كله، فأقصروا عن شأوكم، فذلك أولى بكم. وفي فصل منها: وأقسمتم على أن من حسبناه من رؤسائكم كان أولى بالسياسة، فأني لكم ذلك وما أنتم منه - وإنما مدبرون مسوسون أتباع مربوبون؛ وسر التدبير نازح عنكم، والسياسة القويمة محجوبة

стр. 109

دونكم؛ ومتى بلغكم قط عن عبد ثرب على مولاه فأفلح، أو سمعتم بجندٍ شغب على مدبره فأنجح - والحق لا يضره قلة أهله، والباطل لا ينفعه كثرة جمعه، فإن العاقبة للمتقين، وحزب الله هم الغالبون؛ مع أن سفهاء كل طبقة أكثر من حلمائها؛ وقد رأيتم قديماً نتيجة آراء السفهاء، وكيف أخنى على أهله بموتٍ ذلك التدبير، وطالما جهدنا في الصلاح، وحاولنا قطع الشغب، ودفت الفنتة، فأبى الله إلا ما أراد على أيدي رؤسائكم، الذين أتيتم على عهدهم. وأما من طلبنا من أصحابكم فإنهم قوم خدموا العمالات، تصرفوا في الولايات، وعابوا على الجباة، وخلدت عليهم في الديوان الحسبانات؛ فهم الذين طولبوا في سبيل الحق، ورمي منهم دون الكل بالبعض، وأخذ فيهم وفي أسبابهم بالرفق دون العنف فاعتدوه ظلماً، وغلى صلاح مآل أمرهم إذ قوربوا، والجميع على ذلك في خير من العافية، وبحظ من الكافية، وأمدٍ من النظرة، إلى أن يأذن الله ببلوغ ما يشاء من المدى. وليس كل ما يبلغكم من التشنيع ويتصل بكم من الإرجاف يلتفت إليه ذوو العقول، ولا يصغي إليه أهل التحصيل. وفي فصل منها: وأما ما ألصق بكم كاتب صحيفتكم إذ قال: إن لم يعمل بما أردتم أجبتم دعوة من يناديكم؛ فليت شعري من ذا المنادي الذي إليه تلوى الأعناق عنا، أم إلى تفزعون إن فارقتم عصمتنا - أما إن غركم الشيطان، وأسلمكم الخذلان، لتقرعن من الندم الأسنان، بحيث لا ينفعكم أسف، ولا يجدي عليكم لهف؛ والله تعالى ودينه وخلافته في غنىً عمن عند عليه وحاده، وألحد في الإسلام عنه وشاقه، وخرج عن الجماعة، وشق عصا الأمة، واستخف بحقوق

стр. 110

الأئمة، ونازع الأمر أهله، واعترض من الرأي فيما ليس من شأنه على من صيره الله اليه، وأسلمه في يديه، واجتباه واصطفاه على علمٍ به. ولولا أن أمير المؤمنين عرف أن ملأكم لم يجتمع على هذا الكتاب، وتيقن أن أهل السداد منكم لم يرضوا هذا الخطاب، لكان له في ذلك نظر يقيم الأود، ويعدل الميل، مع أن الحلم والكظم من أخلاقه، والرفق والأناة من شيمه؛ فاقبلوا أدبه، وانتفعوا بموعظته، فلو كشف لكم الغطاء واجتلى عليكم الغيب، لعلمتم أن أمير المؤمنين لا ينام عن مصالحكم، ويني في منافعكم، ولا يسعى إلا فيما يرد ألفتكم، ويجمع كلمتكم. وله عنه من أخرى إلى ابن ... إن العاقبة للتقوى، وإن كلمة الله هي العليا، ولا تبتئس فإن الحق دامغ الباطل، وإن لاحت للكذب بارقة، وهبت له نافحة، فإنما ذلك استدرج لأهله، وإملاء لحزبه؛ ثم يأخذهم بما اجترحوا، ويوبقهم بما اكتسبوا؛ وقد علم الناس أن هذين الخارجين علينا، الناكثين بيعتنا، موسومان بإحسانا. أما الطالبي فرفعناه من أوضع ملاحق الجند إلى أعلى مراتب أهل الخطط، ونوهنا بذكره، وأشدنا باسمه، وأشركناه في سلطاننا، وصرفنا إليه طائفةً من جندنا
следующие страницы →