← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فطوقه الزمان بما جناه ... وعلق من عذاريه الذنوبا وأخذه أبو بكر الداني فقال: بدا على خده عذار ... في مثله يعذر الكئيب وليس ذاك العذار شعراً ... لكنما سره عجيب لما أرق الدماء ظلماً ... بدت على خده الذنوب ولعبد الجليل في هذه الصفات عدة مقطوعات، فتح بها جراب السخف، ولم يستتر فيها من العقل بسجف؛ وقد كتبت من شعره في هذا الباب وسواه في القسم الثاني من هذا الكتاب بعض ما اخترناه. ولم أسمع في ذم من عزل عن ولاية حسنه، أحسن من قول بعض أهل عصرنا وهو أبو الحسن البرقي في أبيات تستندر بجملتها وهي: ألآن لما روضت وجناته ... شوكاً وأضحت سلوة العشاق واستوحشت منك المحاسن واكتست ... أنوار وجهك واهي الأخلاق أنشأت تبذل لي الوصال تصنعاً ... خلق اللئيم وشيمة المذاق هلا وصلت إذ الشمائل قهوة ... وإذ المحيا روضة الأحداق فلكم أطلت غام قلبٍ موجع ... كم ألب إليك بالأشواق

стр. 142

ما كنت إلا البدر ليلة تمه ... حتى قضت لك ليلة بمحاق لاح العذار فقلت: وجه نازح ... حتى قضت لك ليلة بمحاق ولأبي الحسن في هذه أيضاً عدة محاسن، إذ كان قد خلع عذاره في صفات المعذرين كقوله: وأزهر حيا بريحانة ... تضوع من عرفها المندل وزاد بنفسج أصداغه ... فقلت الزيادة قد تقبل وقال أيضاً: بأبي الذي خط الجما ... ل بوجه لاماً ونون وأظنته جعل المدا ... د سواد أحداق الجفون خافوا عليه من العيو ... ن فعوذوه بالعيون وهذا كقول عبد الجليل: معذرين كأنما بخدودهم ... طرق العيون ومنهج الأرواح وكأنما صقلوا الجمال وأظهروا ... مشي النمال على متون صفاح وممن عني بهذا الوصف المعري، حيث يقول في ذكر السيف: ودبت فوقه حمر المنايا ... ولكن بعدما مسخت نمالا

стр. 143

قوال في موضع آخر: ولا حسبت صغار النمل يمكنها ... سعي على اللج أو مشي على السعر وقال بعض أهل عصري وهو الوزير أبو محمد ابن عبد الغفور: تريه المنايا الحمر فيه وجوهها ... مخاتلة الأرواح في صور الذر وقال أيضاً بعض أهل أفقنا: جداول ماءٍ ما تسوغ لواردٍ ... ترى النمل غرقى فيه غير الأكارع وقد كرر عبد الجليل معنى بيته المتقدم فقال: ومشت لحاظي في جوانب خده ... حتى أثرن بصفحتيه طريقا وقال أبو محمد بن سارة الشنتريني: ومعذر رقت حواشي حسنه ... فقلوبنا وجداً عليه رقاق لم يكس عارضه السواد وإنما ... نثرت عليه سوادها الأحداق وقال أيضاً بعض أهل عصري وهو ابن رباح أبو تمام الملقب بالحجام:

стр. 144

يا لعبةً بذوي الألباب لاعبةً ... في أصل حسنك معنىً غير متفق خلقت بيضاء كالكافور ناصعةً ... فصرت سوداء من مثواك في الحدق وهو أيضاً القائل في هذا المعنى: وسدواء الأديم إذا تبدت ... ترى ماء النعيم جرى عليه رآها ناظري فصبا إليها ... " وشبه الشيء منجذب إليه " وسمع الوزير أبو جعفر بن جرج من أهل أفقنا قول ابن الجهم: وعائب للسمر من جهله ... مفضل للبيض ذي محك قولوا له عني: أما تستحي - ... من جعل الكافور كالمسك - فعارضه بقوله: وعائب للبيض ذي إفك ... معارض الكافور بالمسك دع عنك هذا وانقلب خاسئاً ... ما النور مثل الظلم الحلك ثم ساعد ابن الجهم فقال: غصن من الآبنوس أبدى ... من مسك دارين لي ثمارا ليل نعيم أظل فيه ... للطيب لا أشتهي نهارا

стр. 145

ولابن جرج أيضاً في مثله: وسمراء باهى كلفة البدر وجهها ... إذا لاح في ليل من الشعر الجعد محببة من حبة القلب لونها ... وطينتها للمسك والعنبر الورد وقال أبو علي ابن رشيق: دعا بك الحسن فاستجيبي ... يا مسك في صبغة وطيب تيهي على البيض واستطيلي ... تيه شباب على مشيب ولا يرعك أسوداد لونٍ ... كمقلة الشادن الربيب فإنما النور عن سوادٍ ... في أعين الناس والقلوب قال ابن بسام: وهذا من الكلام الرائق، المتأخر السابق، في تفضيل السواد على البياض، مع أن ابن الرومي لم يدع فيه لأحد من اعتراض، وقد كان قبله أبو حفص الشطرنجي قال: أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده لا شك إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحده ولما كانت شدة البياض مما يعاب، وأن أكف بعض السودان مشققة وأطرافهم ليست ناعمة لينة، وأن عرفهم خبيث مع الفلح الملازم لأوساط الشفاه، وسائر ما فيهم من هذه الأشباه، نفى ابن الرومي ذلك كله فقال يصف جارية عبد الملك بن صالح السوداء:

стр. 146

سوداء لم تنتسب إلى برص الشقر ولا كلفة ولا بهق ... ليست من العبس الأكف ولا الفلح الشفاه الخبائث العرق ... وبعض ما فضل السواد به ... والحق ذو سلم وذو نفق ألا تعيب السواد حلكته ... وقد يعذب البياض بالبهق أكسبها الحب أنها صبغت ... صبغة حب القلوب والحدق فانصرفت نحوها الضمائر ال ... أبصار يعنقن أيما عنق ولما سمع ابن الرومي قول أبي نواس، وقد نبه نديماً لبلصبوح فأخبر عن حاله، وهو من جيد تشبيهاته: فقام والليل يجلوه الصباح كما ... جلا التبسم عن غر الثنيات قال ابن الرومي في هذه القصيدة: يفتر ذاك السواد عن يقق ... من ثغرها كاللآلئ النسق كأنها والمزاج يضحكها ... ليل تفرى دجاه عن فلق وفضل كلام ابن الرومي على سواه، أنه قدم في التشبيه لمعناه مقدمة أيدته ووطأت له الآذان، وأصغت الأفهام إلى الاستحسان، وهي قوله: " يفتر ذاك السواد عن يقق " وكان سئل أن يستغرق في صفات محاسنها الظاهرة والباطنة فقال: لها حر يستعير وقدته ... من قلب صب وصدر ذي حنق

стр. 147

كأنما حره لذائقه ... ما ألهبت في حشاه من حرق يزداد ضيقاً على المراس كما ... تزداد ضيقاً أنشوطة الوهق وفكر ابن الرومي فيما فكر فيه النابغة إذ أمره النعمان بوصف المتجردة فوصف ما يجوز ذكره من ظاهر محاسنها ثم كره أن يذكر من باطنها ما لا يسوغ لمثله أن يذكره منها، فرد الإخبار عن تلك الصفات إلى صاحبها وهو الملك فقال: زعم الهمام بأن فاها بارد ... عذب مقبله شهي المورد الأبيات، فقال ابن الرومي: وصفت فيها الذي هويت على ال ... وهم ولم انتبذ ولم أذق إلا بأخبارك التي وقعت ... منك إلينا عن ظبية البرق حاشا لسوداء منظر سكنت ... دارك إلا من مخبرٍ يقق ولما سمع الفرزدق يرثي امرأة توفيت حاملاً، حيث يقول: وجفن سلاحٍ قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا وفي بطنه من دارم ذو حفيظةٍ ... لو أن المنايا أنسأته لياليا قال ابن الرومي: أخلق بها أن تقوم عن ذكرٍ ... كالسيف يفري مضاعف الحلق

стр. 148

إن حفون السيوف أكثرها ... أسود، والحق غير مختلق فزاد زيادة بينةً، وعبارةً واضحة، لم تفتقر إلى تفسير أصحاب المعاني، وبلغ من الإجادة، فوق الإرادة. ومناسبة الشعر في المعنى واللفظ كثيرة. ونرجع إلى رسائل أبي المغيرة: فصل من رقعة له: مؤدي كتابي هذا قصد حضرة الحاجب الفاضل، ولم يجد بداً من سبب واصل، إلى رجاء حاصل؛ وأنت هنالك في كل مطلب صالح، ومذهب راجح، الدلو والرشاء، والنهاية والابتداء؛ وللقرشيين ألسنة بالثناء فصاح، ومن أولاهم يداً فقد حمل محاسنه أجنحة الرياح، وكبها في غرة الصباح. فصل من رقعة شفاعةٍ أيضاً: إذا شرب روض الشكر، من حوض البر، أطلع من الزهر، ما يخجل مسك الطرر؛ وتنفس عن نسيم، يشفي حرارة القلوب الهيم، وبحسب القائل يكون المقال، وعلى قدر الجائل يتسع المجال، وأبو الربيع من علم لسانه إن قال، وبيانه قصر أو طال؛ وأنه أشد بناة الكلام حرصاً، إذا وجد آجراً وجصاً؛ وأعظم جياده تهافتاً، إذا وجد ميداناً متفاوتاً، فمن أوثقه براً، طوقه شكراً، ومن خلع عليه ثياب الفضل

стр. 149

من طراز الإكرام، نزع إليه بجياد الحمد من مربط الكلام؛ ولم يزل يمري خلف الطلب، بيد الأدب، ويسري في ظلام الأمور، بسراج المنظوم والمنثور، حتى إذا رأى تلك الأسباب رثاثاً، وعاين مبرم وسائلها أنكاثاً، طلق عرس الشعر ثلاثاً، وصار لا يرى نجعة الأدب، ولو أوطأته على أرض الذهب؛ فمن سماه أديباً فقد عقه، أو وسمه بشاعر فقد أبطل حقه؛ حتى إذا لقي من كريم صوناً، وعلى ما يحاوله عوناً، ذكر فشكر، بثناء كالزهر، تحت أنداء السحر، وأمسك من الآداب، على هذا الذناب، ولولا أن يسر بهذا القدر ذا قدر، لصدق الحملة، ومحاها من صدره جملة، ونزع إلى تصوف يحمد فيه رأيه، ويجنيه ثمر العيش منه سعيه؛ فقد سئم تشبهه بالعيال، ودخوله تحت المنن السابغة الأذيال. وغرضه منك - أعزك الله - رأي أصيل، وإرشاد جميل، وتأنيس يسهل به وعر الزمان، ويثني إليه - إن شاء الله - شارد الأمان. وله من أخرى: أعزك الله - في الاحتماء حسم الداء، ولا عدو للإنسان إلا نفسه، ولا حية ولا عقرب إلا جنسه؛ وليس في الحيوان، أخبث في ذاته من الإنسان؛ فالاحتراس كل الاحتراس، والمعاشرة الجميلة للناس؛ فأبصر بصيرتك، وأحسن سريرتك، ولا تلدغن من جحر مرتين، واذكر المثل السائر في اللاعب بين وتدين؛

стр. 150

والعاقل من حمله كل بلد، ونفق عند كل أحد، وأعقل منه من عرف الناس ولم يعرفوه، فاستراح من أجنبي متكلف، أو قريب غير منصف، ولم يفتقر إلا إلى ربه، ولم يأنس إلا بنور لبه. وله من أخرى: فالأرض قد نشرت ملاءها، وسحبت رداءها، ولبست جلبابها، وتقلدت سخابها، وبرز الورد من كمامه، واهتز الروض لتغريد حمامه؛ والأشجار قد نشرت شعورها وهزت رؤوسها، والدنيا قد أبدت بشرها وأماطت عبوسها؛ وكأن بها قد أطلعت من كل ثمر ضروباً، وأبدت من جناها منظراً عجيباً؛ وإن كنا لا نشارك في تلك إلا بالعيان لا باللسان، وبالطرف لا بالكف، وننالها بالاختلاس لا بالأضراس؛ وللدهر قسم من أقسام اللذة، وصنف من أصناف الشهوة: شهدنا إذ رأيناهم فإنا ... على اللذات في الدنيا شهود وحالي حال للسقام بها اتصال، وللصحة عنها انفصال، يعين على ذلك ضعف البنية، وفساد الأهوية، والتخليط في الأغذية؛ وبعض صلاحها بل كله تعجيلك مطالعتي بحالك، لأسكن إلى ما أوثره من ذلك، وشفع لي بخبر فلان، واشرح لي من خبر فلان، وأين بلغ من تكسبه، وحيث انتهى من تطببه، وكيف ظروفه وخزائنه

стр. 151

ولعوقاته ومعاجنه، وهل ينفذ طبه، وينفق بختجه وحبه؛ وصف لي ما يقوله على الماء، ويبديه من الأدواء، وأهد إلي ما ينمقه من المقال، على الكبد والطحال، ويرقشه من الكلام، في الفالج والزكام؛ فالحمد لمن قرن له ذلك إلى القيام بشريعة الإسلام، والتمهر في الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، والفلج عند الجدال والخصام. وله من أخرى: فكم ليث كامن في غابه، سمعت صريف أنيابه، وقفر أنست في يبابه، إلى عواء ذئابه؛ لا أمر إلا باللص المستلب، ولا ألقى غير الخارب المنتهب؛ وشعاري عند النائبة ألقاها قأتخطاها، والنازلة أراها فاتعداها، قول أبي الطيب: فإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام وأنا أرقب من الزمان صنيعه، وأنتظر الحمام وأتخيل وقوعه؛ وهو يذهب بي إلى قبلة الآمال وأنا لا أصدق، ويسوقني إلى محط الرحال وأنا لا أحقق، ويؤم بي البحر الذي لا تحصى فوائده، والغيث الذي لا يخيب رائده؛ وهللت إحماداً لما سقطت عليه، وعلمت أني في الحرم الذي لا يوطأ رحابه، ولا يطار غرابه، ولا يخضد شجره

стр. 152

ولا يمنع ثمره، ولم ألبث ن نزلت باليفاع الخصيب، وتمكنت من الرشاء والقليب. وفي فصل: وما أعلم نائبةً كفراقك أهد لمتن، ولا نازلةً كنأيك أجلب لحزن، وما كنت أريم ربعك لو كان لي الخيار، ولا أبرح منزلك لو ساعدتني الأقدار. لقد كنت أدركت المنى غير أني ... يعيرني قومي بإدراكها وحدي وله فصل من أخرى: لم أزل أزجر للقاء سيدي السانح، وأستمطر الغادي والرائح، وأروم اقتناصه ولو بشرك المنام، وأحاول اختلاسه ولو بأيدي الأوهام، وأعاتب الأيام فلا تعتب، وأقودها إليه فلا تحصب. حتى إذا غلب الياس، وشمت الناس، وضربت بي الأمثال، فقيل أكثر الآمال ضلال؛ تنبه الدهر من رقدته، وحل من عقدته، وقبل مني، وأظهر الرضى عني؛ وقال دونك ما جمح، فقد سمح؛ وإليك فقد دنا، ما كان في المنى؛ فطرت بجناح الارتياح، وركبت إلى الغمام كواهل الرياح؛ وقلت فرصة تغتنم، وركن يستلم، وطرقت روضة العلم عميمة الأزاهر، فصيحة الطائر، ريا الجداول، باردة الضحى والأصائل، وطفت بكعبة الفضل مصونة الحبر، ملثومة الحجر، عزيز المقام، معمورة المشعر الحرام، فما شئت من محاضرة تجمع بين الدنيا والآخرة، بين يدي نثر يري الإعجاز، ونظمٍ ما أشبه الصدور بالأعجاز

стр. 153

وحديث تقف العقول بإزائه، وتروى بصافي مائه. فحين شمخ بالظفر أنفي، واهتز لنيل الأمل عطفي؛ والدهر يضحك سراً، ويتأبط شراً؛ وقد أذهلني الجذل عن سوء ظني به، وأوهمني نزوعه عن ذميم مذهبه، آلت ألوانه، وفسا ظربانه، ونادى ليقم من قعد، وينتبه من رقد. إنما فترت تلك الفترة، ليكون ما رأيت عليك حسرة وسمحت لك مرة، لتذوق من الأسف عليها كأساً مرة. فرأيت وقد كان غطي على بصري، وعقلت وكنت في عمياء من خبري؛ وقلت: هذا الذي أعهده من لؤمه، وأعرفه من شؤمه، ما وهب إلا سلب، ولا أعطى إلا ساعات كإبهام القطا؛ فيا له من قادر ما ألأم قدرته، وذابح ما أحد شفرته! ولو تسلط علينا من يظهر إلينا شخصه، لأدركته رماحنا، وعصفت به رياحنا؛ وطاح بين موتورين منا: قاصد أبوه قحطان، ومقصوده أبوه كسرى أنو شروان. وما ظنك بصريخ يثوب إليه من يعرب ثائبها، ومن بني ساسان كسرى حفت به مرازبها؛ لكنه أمير من وراء سجف، يسعى بلا رجل ويصول بلا كف. وهذا محلول من قول أبي الطيب حيث يقول: وما الموت إلا سارق دق شخصه ... يصول بلا كف ويسعى بلا رجل وأخذه المعتمد بن عباد فقال:

стр. 154

ولكنها الأيام تردي بلا ظباً ... وتصمي بلا نبل وترمي بلا يد وهو معنى متداول مشهور، وهو في نثرهم ونظمهم كثير. وفي هذه الرسالة لفاظ كثيرة، حلها من معقود الشعراء أبو المغيرة، منها قول محمد بن هانئ الأندلسي: وركبت شأو مآرب ومطالب ... حتى امتطيت إلى الغمام الريحا وله: قد أغنى الله ما يشاء بتمكن بنياته، وثبات أركانه، عن تعاطي القول في تقريظه ووصفه، ورأيت ما هززت مني في خدمة إرادتك ماضي الحز، لين المهز، لو صادف مضرباً ووقع على محز، وإذا احتجت إلى دليل على معتقدي في تأتي أوطارك ومآربك، وحظي في شعب أنحائك ومذاهبك، فالجزء أصغر من الكل. مفتقر إلى البرهان، وكل مقدمة موجودة بالعقل محتاجة إلى الشرح والبيان، وإذا كانت حالنا مبنية على هذا الأبس، وثبتت صورته هذه في النفس، فقد عييت إذا قصرت بي الأقدار، عن موقف الاعتذار. وله من أخرى: وأما فلان فالكلام وإن طال فيه قصير، والواصف دون بلوغ مداه حسير، لله أبوه، صحة إخاء، ومحض وفاء، وحسبك أنه في الرعيل

стр. 155

الأول من إخواني، وفي الصدر المقدم ممن أثق به من أهل زماني، وإن كان فيهم ذو السرو والفضل، والنباهة والنبل. وكل له فضله، والحجول ... يوم التفاضل دون الغرر وليالي الخريف خضر ولكن ... زهدتنا فيها ليالي الربيع وله من أخرى: وإن رأيت تأنيسي بكتايب أجتلي منه وجوه البدور، وجواهر النحور، ودرر الثغور، وأجتني به ثمر السرور، وارتع منه في رياض العلوم، ما بين منثور ومنظوم، نفست من خناق مشتاق كئيب، وأنست من وحشة منفرد غريب، بحيث لا أخ كريم، ولا ولي حميم، فقد صرت، ولا أحيل على الأثر بعد العين، كما قال أحمد بن الحسين: ما مقامي بأرض نخلة إلا ... كمقام المسيح بين اليهود وعرفني بعلو مكارمك، ووضوح معالمك، في درج كتابك، وطي خطابك، بحالي شقيقي في النسب، وشفيعي في الأدب، أبي فلان وفلان: هم الذين أذاقوني مودتهم ... حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا ولله أيام جلا لي الدهر شخصيهما شجني نور، بقلوب أسد

стр. 156

وألحاظ صقور، إذ كنت كالعروس وهما قرطاي، أو كالفلك الدوار وهما قمراي، وأنسنا كالمشتري نازلاً ببرج القوس، وسعدنا كسعد محتبياً بين الخزرج والأوس. وله من أخرى يخاطب بها عن نفسه الفقيه أبا عمر ابن عبد البر: ولقد بقيت حالي بعدك مريضة، وعين آمالي مغضوضة، وأيدي أنسي مقبوضة، وجيوش صبري عنك مفضوضة؛ فقد كان ذلك البعد الطويل أحدث بعض السلوان، وأتى بما في طبيعة الإنسان من النسيان، وإن كان عذا القول لا يقال على الإطلاق، بل على الإضافة لما في الحال بحديث الافتراق، حتى إذا وقع اللقاء تأجج من ذلك الالتياع خامده، وثار راكده، وسال جامده، وكانت حالنا ما قال أبو الطيب: افترقنا حولاً فلما التقينا ... كان تسليمه علي وداعا وله من أخرى: بانعكاس الزمان، انعكست أمثال البيان، كما يروى في خبر الفتى المدعي للكتابة عند عمرو بن مسعدة، أنه عاياه بكتاب من عند

стр. 157

صاحب البريد بخبر بقرة ولدت غلاماً، فأنشأ خطبة مفتتحها: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام. فجذب الرقعة من يده، وبالغ في إجزاك صفده. وإذا تأملت انقلاب الزمان، وما وقع لي مع فلان، انقلبت الخطبة فصارت: الحمد لله خالق الأنعام في بطون الأنام. وأبدأ بحديث اليهودي موصل كتابك: دخل الحضرة عقب جولة كانت لي مع ابن مخامس - حشر الله كليهما مع صاحبه - فوالله لا أعلم حال من منهما أضعف وأظلم، أحال اليهودي بمضادة الدين، أم حال هذا المسلك - فوافى وقد كشفت عوراته، وما زالت مكشوفة، وعرفت سوآته، وما زالت معروفةً، إخباراً عنه، وتحذيراً منه، وإعلاماً بما يستره ذيله، ويشتمل عليه ليله، من قبائح يمليها العار، ويكتبها الليل والنهار. وفي فصل منها: وجاء في مقدمة صهر يصهر به جنبه، وفي نكاح ينكح الردى منه قلبه، يمشي مشي من جمع بين المشتري والزهرة، لا مشي من سعى لتركيب حر على كمرة، وأي درةٍ حاول إخراجها من صدفة، ما أشبه النكرة هاهنا بالمعرفة، قبح الله زماناً يقرب إلى اللئيم حصاناً، وإلى الكريم أتاناً. وله من أخرى، خاطب بها الفقيه أبا محمد بن حزم أثبت منها بعض الفصول فراراً من التطويل، وافتتحها ببيتي أبي نواس: ألا لا أرى مثل امترائي في رسم ... توهمه عيني ويرفضه وهمي

стр. 158

أنت صورة الأشياء بيني وبينه ... فظني كلا ظن وعلمي كلا علم وقفت - كلاك الله - وأنت عين التمام، وعلم الأعلام، على كتاب عنوانه باسمك أسمال، كأنه طلل بالٍ؛ فكلما هززته هوم، أو سألته استعجم؛ معنى كصدى الإنسان، ولفظ كمنهجات الأكفان؛ وأغراض لا يدب فيها سهم مقرطس، وإظلام لا وضح فيه لصبح متنفس، ورطانة تمجها الأسماع، وتجتويها الطباع، فأقمت متبلداً، وعدت على نفسي وقريحتي متردداً، فقالتا: أفق أيها الإنسان، لست بالنبي سليمان، متى وعدناك أن نفهمك كلام الحكل وسرار النمل -! ألم نسلك بك في شعاب الكلام فتغلغلت - ألم تسر في صحرائه بنا فأوغلت - ألم تجر في ميدانه فسبقت - ألم تنر في ظلمائه فأشرقت - هل أحسست بنكول جنان، أو قصور لسان، فيما نظمت كالعقود، على ترائب الفتاة الرود، ونثرت كالنجوم، في صفحة الليل البهيم - قلت: بلى؛ قالتا: فأعرض عن رطانة الزط، وصفير البط، ولا تعج على طللٍ بائد، ودار قد أتى الله بنيانها من القواعد، فقلت: أسرفتما طاغيتين، إن كاتب الصحيفة لندرة الزمان، ولعلم نوع الإنسان، إلا أنه ربما كذب العنوان، ونحل ذلك الهذيان؛ فأعدت النظر، فإذا بك أبا محمد صاحبه، كتاب مبني على الظلم العبقري، والبهتان الجلي، ومكابرة العيان، ومدافعة البرهان، قد طمس

стр. 159

الله أنواره، وأظهر عواره، فجاء كالفلاة العوراء، لا ماء ولا شجر، والليلة الظلماء، لا نجم ولا قمر. وفي فصل منها: فاستقصرت من دفع إليّ كتابك فقلت: من لي بمثل غاشيتك من هذه العصابة، وبأشباه الملمين بك من تلك البابة، ونسيت أبا محمد حاشيتك وشيعتك، التي صرت رئيس مدراسهم، وكبير أحراسهم، تحدثهم عما كان فيهم من العبر، وتخبرهم بما تعاقب عليهم من الصفا والكدر؛ فتارةً عن السامري والعجل، وتارة عن القمل والنمل، وطوراً تبكيهم بحديث التيه، وطوراً تضحكهم بقوم جالوت وذويه؛ حتى كأن التوراة مصحفك، وبيت الحزان معتكفك، وأنا بمعزل، وأنت تحدث وتعزل؛ وتعجبت من حرصي، ونسيت نفسك أبا محمد، حين قطعت البيداء تبلك السماء، وترعدك الجربياء، في وقت تكمن فيه أنواع الحيوان، وأحقها بالكمون نوع الإنسان، لترث حياً قائماً على حاله، مالكاً لماله، يدعو الله عليك، أن استطلت عمره، ونعيت إليه نفسه. وفي فصل منها: ومن ظريف ما في كتابك قولك: أقصرها وأتأخها. ومن أين نفذ

стр. 160

أبصرك، حتى همزتها همز عامر بن الطفيل قرنه في سواد الليل، وما ظنك جعلتها إلا تميمة، لتلك القطعة الكريمة، امتثالاً لقول القائل: ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيبٍ يرقيه من العين ومن ذلك بأن نصبر عليك، ونتأنى بك، وهذا الجواب كما تراه ابن الوقت ونتيجة الساعة، ونفثة من لا يخرج له الكلام عن طاعة، ومن تشغله عن التفاسير كلف السلطان، وتثقله أعباء الزمان، كاد ينتقش في ظهر كتابك قبل حصوله بيدي: فقل فيما يجن عليه ليل ... ويمضي في صياغته نهار هنالك تظهر الآيات حتى ... يقال تناثر الفلك المدار فراجعه الفقيه أبو محمد برقعةٍ قال فيها: سمعت وأطعت لقوله تعالى: ﴿وأ " رض عن الجاهلين﴾ ، وسلمت وانقدت لحديثه ﵇: " صل من قطعك، واعف عمن ظلمك "، ورضيت بقول الحكماء: " كفاك انتصاراً ممن تعرض لأذاك إعراضك عنه "، وأقول: تبغ امرءاً يبتغي ... سبابك، إن هواك السباب فإني أبيت طلاب السفاه ... وصنت محلي عما يعاب وقل ما بدا لك من بعد ذا ... وأكثر فإن سكوتي جواب

стр. 161

وأقول: كفاني ذكر الناس لي ومآثري ... ومالك فيهم يا ابن عمي ذاكر عدوي وأشياعي كثير كذاك من ... غدا وهو نفاع المساعي وضائر وما لك فيهم من عدوٍ فيتقى ... وما لك فيهم من صديق يكاثر وقولي مسموع له ومصدق ... وقولك منبت مع الريح طائر وإني وإن آذيتني وعققتني ... لمحتمل ما جاءني منك صابر فوقع له أبو المغيرة على ظهر رقعته: قرأت هذه الرقعة العاقة فحين استوعبتها أنشدني: نحنح زيد وسعل ... لما رأى وقع الأسل فأردت قطعها، وترك المراجعة عنها، فقالت لي نفس قد عرفت ذكاءها: تالله لا قطعتها إلا يده! فأثبت على ظهرها، ما يكون سبباً لصونها، وقلت: نعقت ولم تدر كيف الجواب ... وأخطأت حتى أتاك الصواب وأجريت وحدك في حلبةٍ ... نأت عنك فيها الجياد العراب وبت من الجهل مستنبحاً ... لغير قرىً فأتتك الذئاب لعمرك تبينت عقبى الظلوم ... إذا انتفضت في الخميس العقاب أنيل المنى والظبا سخط ... وأعطي الرضى والعوالي غضاب

стр. 162

وأقول: وغاصب حق أوبقته المقادر ... " يذكرني حاميم والرمح شاجر " غدا يستعير الفخر من خيم خصمه ... ويجهل أن الحق أبلج ظاهر ألم تتعلم يا أخا الظلم أنني ... برغمك ناه منذ عشر وآمر تذلل لي الأملاك حر نفوسها ... وأركب ظهر النسر والنسر طائر وأبعث في أهل الزمان شوارداً ... تألفهم وهي الصعاب النوافر فإن أثو في أرض فإني سائر ... وإن أنأ عن قوم فإني حاضر وحسبك أن الأرض عندك خاتم ... وأنك في سطح السلامة عاثر إذا كنت في ظهر من العدل منجداً ... فإنك في بطن من الجور غائر ولا لوم عندي في استراحتك التي ... تنفس عنها والخطوب فواقر فإني للحلف الذي مر حافظ ... وللنزغة الأولى لحاميم ذاكر هنيئاً لكل ما لديه فإنها ... عطية من تبلى لديه السرائر [قول أبي المغيرة: " فإن أثو في أرض " ... البيت، أخذه من قول البحتري: وشهرت في شرق البلاد وغربها ... فكأنني في سوسط نادٍ جالس قال ابن بسام: وكان نقش خاتم أبي محمد: يا علي بن أحمد ... اتق الله ترشد فقال له أبو المغيرة: " عليك بفحص التيه " ... البيت] .

стр. 163

وإذا انتهى بنا القول إلى ذكر أبي محمد بن حزم، فأنا ألمع في هذا الموضع بلمعةٍ من خبره، حتى أدل على عينه بأثره؛ فإنه كان كالبحر لا تكف غواربه، ولا يروى شاربه. وقد وجدت للشيخ أبي مروان بن حيان فصلاً أورد فيه ذكره، وجرده - زعم - لشرح أمره، وأنا أثبته بأسره. قال ابن حيان: كان أبو محمد حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة. وله في بعض تلك الفنون كتب كثيرة، غير أنه لم يخل فيها من الغلط والسقط، لجرأته في التسور على الفنون لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زل هنالك، وضل في سلوك تلك المسالك، وخالف أرسطاطاليس واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض في كتبه، ومال به أولاً النظر في الفقه إلى رأي أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وناضل عن مذهبه، وانحرف عن مذهب غيره، حتى وسم به، ونسب إليه، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء وعيب بالذوذ، ثم عدل في الآخر

стр. 164

إلى قول أصحاب الظاهر، مذهب داود بن علي ومن اتبعه من فقهاء الأمصار، فنقحه ونهجه وجادل عنه، ووضع الكتب في بسطه، وثبت عليه إلى أن مضى لسبيله، ﵀. وكان يحمل علمه هذا ويجادل من خالفه فيه، على استرسال في طباعه، ومذل بأسراره، واستنادٍ إلى العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده، ليبيننه للناس ولا يكتمونه؛ فلم يك يلطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا يزفه بتدريج، بل يصك به معارضه صك الجندل، وينشقه متلقيه إنشاق الخردل، فينفر عنه القلوب، ويوقع بها الندوب، حتى استهدف إلى فقهاء وقته، فتمالأوا على بغضه، وردوا قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخ عنه، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به منقطع أثره بتربة بلده من بادية لبلة، وبها توفي ﵀ سنة ست وخمسين وأربعمائة، وهو في ذلك غير مرتدع ولا راجع إلى ما أرادوا به، يبث علمه في من ينتابه بباديته تلك، من عامة المقتبسين

стр. 165

منه، من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة، يحدثهم ويفقههم ويدارسهم ولا يدع المثابرة على العلم، والمواظبة على التأليف، والإكثار من التصنيف، حتى كمل من مصنفاته في فنون العلم وقر بعيرٍ، لم يعد أكثرها عتبة بابه لتزهيد الفقهاء طلاب العلم فيها، حتى أحرق بعضها بإشبيلية ومزقت علانية، لا يزيد مؤلفها ذلك إلا بصيرة في نشرها، وجدالاً للمعاند فيها، إلى أن مضى لسبيله. وأكثر معايبه - زعمول - عند المنصف له، جهله بسياسة العلم التي هي أعرض من إيعابه، وتخلفه عن ذلك على قوة سبحه في غماره؛ وعلى ذلك كله فلم يكن بالسليم من اضطراب رأيه، ومغيب شاهد علمه عنه عند لقائه، إلى أن يحرك بالسؤال فيفجر منه بحر علم لا تكدره الدلاء، ولا يقصر عنه الرشاء، وعلى كل ما ذكرناه دلائل ماثلة، وأخبار مأثورة. وكان مما يزيد في شنآنه تشيعه لأمراء بني أمية، ماضيهم وباقيهم بالمشرق والأندلس، واعتقاده لصحة إمامتهم، وانحرافه عمن سواهم من قريش، حتى نسب إلى النصب لغيرهم.

стр. 166

وقد كان في غرائبه انتماؤه في فارس، واتباع أهل بيته له في ذلك بعد حقبة من الدهر تولى فيها أبوه الوزير المعقل في زمانه، الراجح في ميزانه، أحمد بن سعيد بن حزم لبني أمية أولياء نعمته، لا عن صحة ولاية لهم عليه، فقد عهده الناس خامل الأبوة، مولد الأرومة من عجم لبلة، جده الأدنى حديث عهد بالإسلام، لم يتقدم لسلفه نباهة، فأبوه أحمد على الحقيقة هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدهر برأس رابيةٍ، وعمده بالخلال الفاضلة من الرجاحة والمعرفة والدهاء والرجولة والرأي، فاغتدى جرثومة شرف لمن نماهم، أغنتهم عن الرسوخ في أولي السابقة، فما من شرف إلا مسبوق عن خارجية، ولم يكن إلا كلا ولا، حتى تخطى علي هذا رابية لبلة، فارتقى قلعة إصطخر من أرض فارس، فالله أعلم كيف ترقاها، إذ لم يكن يؤتى من خطلٍ ولا جهالة، بل وصلة بها وسع علمٍ ووشيجة رحمٍ معقومة بلها بمستأخر الصلة، ﵀، فتناهت حاله مع فقهاء عصره إلى ما وصفته، وحسابه وحسابهم على الله الذي لا يظلم الناس مثقال ذرةٍ، عزت قدرته. ولهذا الشيخ أبي محمد مع يهود لعنهمومع غيرهم من أولي المذاهب المرفوضة من أهل الإسلام مجالس محفوظة، وأخبار مكتوبه؛ وله مصنفات في ذلك معروفة، من أشهرها في علل الجدل كتابه المسمى: " الفصل بين أهل الآراء والنحل ". ومن تواليفه " كتاب الصادع والرادع " [في الرد] على من كفر أهل التأويل من فرق المسلمين والرد على من قال بالتقليد. وله كتاب في شرح حديث الموطأ والكلام على مسائله؛ وله " كتاب الجامع " في صحيح الحديث باختصار الأسانيد، والاقتصار على

стр. 167

أصحها واجتلاب أكمل ألفاظها وأصح معانيها؛ و " كتاب التلخيص والتخليص " في المسائل النظرية وفروعها التي لا نص عليها في الكتاب ولا في الحديث. و " كتاب منتقى الإجماع وبيانه من جملة ما لا يعرف فيه اختلاف "، وكتاب " الإمامة والسياسة " في قسم سير الخلفاء ومراتبها والندب إلى الواجب منها، و " كتاب أخلاق النفس "، وكتابه الكبير المعروف ب - " الإيصال إلى فهم كتاب الخصال "، وكتاب " كشف الالتباس، ما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس "؛ إلى تواليف غيرها، ورسائل في معان شتى كثير عددها. ومن شعره يصف ما أحرق له من كتبه ابن عباد قوله: فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويدفن في قبري دعوني من إحراق رق وكاغد ... وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري وإلا فعودوا في المكاتب بدأةً ... فكم دون ما تبغون لله من ستر وله: من ظل يبغي فروع علم ... بدءاً ولم يدر منه أصلا فكلما ازداد فيه سعياً ... زاد لعمري بذاك جهلا

стр. 168

وقال: كأنك بالزوار لي قدر تبادروا ... وقيل لهم أودى علي بن أحمد فيا رب مخزون هناك وصحاك ... وكم أدمع تذرى وخد مخدد عفا الله عني يوم أرحل ظاعناً ... عن الأهل محمولاً إلى بطن ملحد وأترك ما قد كنت مغتبطاً به ... وألقى الذي آنست دهراً بمرصد فوا راحتي إن كان زادي مقدماً ... ويا نصبي إن كنت لم أتزود ويا لبدائع هذا الحبر علي لبن حزمٍ وغرره! ما أوضحها على كثرة الدافنين لها، والطامسين لمحاسنها! وعلى ذلك فليس ببدع فيما أضيع منه، فأزهد الناس في عالم أهله، وقبله أردى العلماء تبريزهم على من يقصر عنهم، والحسد داء لا دواء له؛ انتهى ما لخصته من كلام ابن حيان في خبره. قلت أنا: ولعمري ما عقه، ولا بخسه حقه. وأخبرني الفقيه الحافظ أبو بكر ابن الفقيه أبي محمد ابن العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال: كان لشيخنا الفقيه أبي محمد بن حزم في الشعر والأدب نفس واسع، وباع طويل، وما رأيت أسرع بديهةً منه؛ وشعره كثير، وقد جمعته على حروف المعجم، ومنه ما كتب عنه: هل الدهر إلا ما رأينات وأدركنا - ... فجائعه تبقى ولذاته تفنى إذا أمكنت فيه مسرة ساعةٍ ... تولت كمر الطرف واستخلفت حزناً إلى تبعات في المعاد وموقفٍ ... نود لديه أننا لم نكن كنا

стр. 169

حصلنا على همٍ وإثم وحسرةٍ ... وفات الذي كنا نلذ به عنا حنين لما ولى، وشغل بما أتى ... وغم لما يرجى، فعيشك لا يهنا كأن الذي كنا نسر بكونه ... إذا حققته النفس لفظ بلا معنى قال: وله أيضاً من قصيدة خاطب بها قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن ابن بشر يفخر فيها بالعلم، ويذكر أصناف ما علم، يقول فيها: أنا الشمس في جو العلوم منيرةً ... ولكن عيبي أن مطلعي الغرب ولو أنني من جانب الشرق طالع ... لجد على ما ضاع من ذكري النهب ولي نحو أكناف العراق صبابة ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسف والكرب فكم فائل، أغفلته وهو حاضر ... وأطلب ما عنه تجيء به الكتب هنالك يدري أن للبعد قصةً ... وأن كساد العلم آفته القرب فواعجبا من غاب عنهم تشوقوا ... له ودنو المرء من دارهم ذنب وإن مكاناً ضاق عني لضيق ... على أنه فيح مذاهبه سهب وإن رجالاً ضيعوني لضيع ... وإن زماناً لم أنل خصبه سغب ومنها في الاعتذار من مدح نفسه: ولكن لي في يوسف خير أسوةٍ ... وليس على من بالنبي أئتسى ذنب

стр. 170

يقول - وقال الحق والصدق - إنني ... حفيظ عليم، ما على صادقٍ عتب وأنشدني لنفسه: لا يشتمن حاسدي إن نكبة عرضت ... فالدهر ليس على حال بمترك ذو الفضل كالتبر طوراً تحت ميقعةٍ ... وتارةً في ذرى تاجٍ على ملك وأنشدني أيضاً له: لئن أصبحت مرتحلاً بشخصي ... فروحي عندكم أبداً مقيم ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم وقد كرر هذا المعنى أيضاً فقال: يقول أخي: شجاك رحيل جسم ... وروحك ما له عنها رحيل فقلت له: المعاين مطمئن ... لذا طلب المعاينة الخليل قال أبو عبد الله الحميدي: وقلت له يوماً: قال أبو نواس: عرض للذي تحب بحبٍ ... ثم دعه يروضه إبليس فقل أنت في طريق التحقيق فقال: ابن فول وجه الحق في نفس سامعٍ ... ودعه فنور الحق يسري ويشرق سيؤنسه رفقاً فينسى نفاره ... كما نسي القيد الموثق مطلق انتهى كلام الحميدي.

стр. 171

وأنشدت له أيضاً يما كان يعقده من المذهب الظاهري من جملة أبيات يقول فيها: وذي عذل في من سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول: أفي حسن وجه لاح، لم ترغيبه ... ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل - فقلت له: أسرفت في اللوم ظالماً ... وعندي رد - لو أدرت - طويل ألم تر أني ظاهري، وأنني ... على ما بدا حتى يقوم دليل! @ما أخرجته من شعر أبي المغيره في أوصاف شتى له من قصيدة أولها: أحاجيكم: من قلد القمر القرطا - ... وأسألكم: من ألحف الغصن المرطا - فما جزعي إن جاوزوا الجزع ظاعناً ... ولا ساقط حزني إذا جاوزوا السقطا ومنها: وليدة سر المجد تبذخ نخوةً ... وقد عظمت مجداً وقد كرمت رهطا ولم ترض بالجوزاء عقداً ودملجاً ... ولا قنعت بالنجم شنفاً ولا قرطا تقنصتها والعمر في عنفوانه ... فلا غصني أحنى ولا لمتي شمطا وليل غطى والنجم في الأفق حائر ... فغطى على الأعلام منه الذي غطى وليس وشاحي غير عضب مهندٍ ... أبى حده أن يسأم القد والقطا تشابه عزمي والحسام وهمتي ... ثلاثة أسياف بأمثالها يسطى

стр. 172

وهذا كقول أبي تمام: العيس والبيد والليل التمام معاً ... ثلاثة أبداً يقرن في قرن وأخمده البحتري فقال: اطلبا ثالثاً سواي فإني ... رابع العيس والدجى والبيد وقال الصنوبري أيضاً: حتى تكون لي الطمرة خلةً ... والبيد داراً والحسام رفيقا وقال أبو الحسن السلامي أيضاً: فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشباه كما اجتمع النسر وقال بعض أهل عصرنا: وإلا الثلاث السفع لم يزل الهوى ... لها ابعاً في أعين وقلوب ولأبي المغيرة من أخرى أولها: سرت من لوى خبت إلينا تعسف ... مهامه ذات الجهل والجو أكلف يقول فيها: تبيت بذي الأرطى وقد بات طيفها ... لنا صنماً نحنو عليه ونعكف

стр. 173

هبيك سريت الليل فرعك أسحم ... وثغرك بسام، ولحظك أوطف فأنى أطقت المشي، قدك مائد ... وردفك رجراج، وخصرك أهيف سقى ربعك المألوف، حيث تصدعت ... لي الكبد الحرى، ربيع وصيف فكم لي فيه من جناب وطئته ... كريماً فلا آسى ولا أتأسف وقد شققت فيه البروق جيوبها ... وباتت علينا أدمع الغيث تذرف ليالي بات البان فوق كثيبه ... علي بأنواع الجنى يتعطف إذا ارتج من ردفٍ كثيب مرجرج ... تأود من قد قضيب مهفهف يمد علينا للسحاب سرادق ... ويسحب فينا للجنائب مطرف ولله دري ما أدر مدامعي ... إذا سجعت ورق على الأيك هتف بدا العلم الفر الذي كنت عالماً ... به، وسرى العرف الذي كنت أعرف يذكرني سعداي بالغور ما تني ... مساعدةً إذ لا صدوفي تصدف ولله سلمى يوم أهدى سلامها ... بذي سلمٍ نحوي البنان المطرف ومنها: وما ظبية أدماء تعرو أراكها ... وتعطو وقد أوفى برير وعلف بأحسن منها يوم ريعت لزورتي ... فراغت إلى أترابها تتشوف وقالت: أما تثنيك رقبة حارس ... وأنياب ليث في العرينة تصرف - ودون الذي أملت أجرد سابح ... وأسمر عراص وأبيض مرهف فقلت لها: بعض الذي بك، فانثت ... وأنجز ميعاداً بخيل مسوف

стр. 174

ونلت سقاطاً من حديث وعاقني ... تنزه حرٍ عن خنا وتعفف مساعدني تحت النقابين منظر ... ويسعدني تحت اللثامين مرشف ومنها: وركب سروا والليل عليهم ... سيتوراً من الظلماء لا تتكشف خبطت بهم أكنافه ونجومه ... ورائم أظار على البدر عكف على كل قنعاس كأن لغامه ... - وقد سئم الإرقال - قطن مندف هدايا خطوب بات ينحرها السرى ... ولكنها من باطن الخف ترعف إلى أن أناف الصبح ينفض عرفه ... وطائره في غرة الفجر يهتف فما أنشق إلا عن منادي ابن منذر ... نذيراً بصرف عاقهم عنه يصرف ومنها: يا رب ميدان أتى فيه سابقاً ... وغودر منكوتاً هجين ومقرف وما نام حتى لم مفترق العلا ... فها هي عقد في يديه مؤلف إياس وبسطام بن قيس وحاتم ... وقس ولقمان بن عاد وأحنف وما هذه الأيام إلا مقاول ... تلت سوراً من مجده وهو مصحف إذا مضر الحمراء أدلت بمجدها ... وجرت ذيول الفخر قيس وخندف سما لك قحطان ببنيان سؤدد ... ينيف على تلك المباني ويشرف وله من أخرى: أمن البراق التاح برق ما سرى ... إلا ورد الأفق مرطاً أحمرا أتبعته نظر المشوق بمقلة ... لم تدر مذ عهد الأثيلة ما الكرى

стр. 175

عاينته كالصقر طائراً ... فغدت غرابيب الدياجي نفرا ومنها: وسللت من نار الصبابة صارماً ... وجررت من وفد التصابي عسكرا ومشيت منساباً فقل في أرقم ... وضح النهار له فعاد غضنفرا بتنا، وبات المسك فينا واشياً ... بمكاننا، والحلي عنا مخبرا ورنت بألحاظ تدير كؤوسها ... فينا فنشربها حلالاً مسكرا والليل يلحفني سرابيل الدجى ... جهلاً وقد عانقت صبحاً مسفرا لو جئتنا لرأيت أعجب منظر ... أسد توسد كف ظبي أعفرا ولقد رقيت من الحمى أعلامه ... وشككت لما شمته متغيرا ومنها: إلا ترى المنصور تحت لوائه ... تلق ابنه طلق الجبين مظفرا أو لا تجد في الحفل عاقد حبوةٍ ... هوداً فإنا قد وجدنا حميرا أو تفتقد صمصام عمرو في الوغى ... فلقد سللنا ذا الفقار مذكرا لا غرو جئت البحر إذ أجلى الحيا ... ورأيت يحيى حين لم أر منذرا فإذا دعونا من يجيب لنكبةٍ ... لبت تجيب فخلتها سيلاً جرى شيم غدت قرط الزمان فلم أنم ... حتى نظمت عليه شعري جوهرا لله درك والرماح شوارع ... والبيض تقطع لأمة وسنورا ومقامة لك في الأعادي قد حمت ... أيام قوم قبلها أن تذكرا كان اللسان لها الحسام المنتضى ... والمنبر العالي الأغر الأشقرا غادرت أحشاء البنود خوافقاً ... فيها ومران الوشيج مكسرا

стр. 176

أنسيتنا جذل الطعان وعامراً ... وعتيبة بن الحارثي ومسهرا فإذا أتيتك مادحاً لك لم يجيء ... شعري ليسأل بل أتاك ليفخرا غيري الذي اتخذ المدائح مكسباً ... وسواي من جعل القوافي متجرا أنا ما شعرت لأن أنبه حاملاً ... لكن لأمنع شاعراً أن يشعرا وقوله: " أو نفتقد صمصام عمرٍ و " ... البيت، لفظ حبيب ومعناه، نقله أبو المغيرة: أو نفتقد ذا النون في الهيجا فقد ... جلى الإله لنا عن الصمصام @لمع من أخبار منذر الذي ذكر قال: ونقلت من خط أبي مروان ابن حيان، قال: كان منذر بن يحيى صاحب سرقسطة رجلاً من عرض الجند، وترقى إلى القيادة آخر دولة ابن أبي عامر، وتناهى أمره في الفتنة إلى نيل الإمارة، والانتباذ من العسكر إلى الثغر الأعلى بلده، واقتطاعه لما صير في يده، وكان أبوه يحيى من الفرسان غير النبهاء؛ فأما ابنه منذر فكان فارساً لبق الفروسية، بهي الشارة، مليح التقلب على الدابة، سخياً كريماً خارجاً عن حد

стр. 177

الجهل، يتمسك بطرف من الكتابة الساذجة، وأما غدره فالنار برأس اليفاع، من أفحشه صنعه بهشام المخلوع مولى نعمته ومعلي رتبته، وباعثه إلى الثغر لنصرته، فانقلب ناصراً لعدوه، وغزاه في عقر داره، وأنزله عن سريره، وأسلمه لحتفه، وباع دماء عشيرته أهل قرطبة مجاناً باطلاً بلا ثمن من البرابرة على غير عذر، ولا ضرورة. وعاد بمثلها بمحمد بن سليمان أثيره عندما استجار به في نكبته، فقتله وهو ضيفه، فجاء بها صلعاء مشهورة لم تغسلها معذرة؛ إلا أنه كان كريماً، واتفق على تفضله، وعمرت لذلك حضرته سرقسطة، حتى أشبهن الحضرة الكبرى قرطبة أيام الجماعة، فحسنت أيامه، وهتف المداح بذكره. وكان مع سموه للمعالي من الإيثار لشهواته، والمسارعة لقضاء لذاته، والانهتاك في طلب راحته، والشغف بزي دنياه، والكلف بزخرفها، والتهالك في حبها، على أضلع ما كان عليه من تفرد بشأنها، فاتخذ الجواري الحسان، وملاح الغلمان، فجلب إليه كل علق خطير، وحصل عنده من كل ما وصفناه كثير. وكان لأول ولايته قد ساس عظماء الإفرنج وهاداهم حوطاً للثغر وأهله، وتأنياً للجماعة حتى تثوب لأهل الإسلام، يناهضون بها عدوهم. وكان رؤساء الجلالقة يومئذ ريمند الجليقي وشانجه القشتلي، فسلك معهما سبيل الاسترضاء، والموافقة والاستخذاء، فحفظت أطرافه وكفت المعرة عن عمله، وربما أوقع ببعض أصاغر القوامس في أطرافهم وسبى منهم، وريمند وشانجه باقيان على

стр. 178

معاقدته إلى أن مضى بسبيله، والثغر مسدود لا ثغرة فيه ولا وهي في حاله. وبلغ من استمالة الحاجب منذر لهذين الطاغيتين أن أجريا تصاهرهما على يديه، وكتب عقد النكاح بينهما بحضرة سرقسطة في حفل من أهل الملتين، فقرفت الألسنة منذراً لسعيه في نظم سلك الطاغيتين لما فيه من سوء العاقبة. وقد قيل إن رأي منذر كان في ذلك أحصف، من رأي من قدح فيه وقرف، لنظره في شأن وقته، وعلمه بانصداع عصا أهل كلمته؛ فآثر من الموادعة ما ستر به العورة، وشراه بغليظ الكلفة، واختدع به عظيمي الجلالقة ريمند وشانجه المحدثين أنفسهما يومئذ بمناهضة أهل الأندلس، فألهاهما عن الحرب وحبب إليهما الدعة. وأعقب الحاجب منذر أهل الثغر في مغبة ذلك عاجل السلامة، واستظهروا به على العمارة، فحيوا وعاشوا في نعمة ضافية، وعيشة راضية، لم يتغير به عنهما حال، إلى أن ألوت بمنذر المنية، وقد اعترف الناس لرأيه، وأقروا بسياسته، ولم يأت بعده من يسد مسده، ولم ينفع الله الطاغيتين بصهرهما الذي كانا عقداه للتآلف على المسلمين، إذ أعجل عنه شانجه بن غرسية شيطانهم الرجيم، وهوى أميرهم ريمند ظهير المذكور، وابنه بعده؛ فشتت الله شمل تلك الطواغيت يومئذ وكفى المسلمين شرهم برحمته. واشتمل منذر على قواد تلك الثغور، واستوسقت له هنالك الأمور

стр. 179

واستكتب عدة كتاب كأبي العباس ابن مروس من تدمير، وكأبي عامر ابن أرزق، وابن واجبٍ وغيرهم. قال ابن حيان: وأخبرني الكاتب أبو أمية ابن هاشم القرطبي - وكان من وجوه من خرج عنا أيام الفتنة واستوطن ثغر تطيلة، وما رأيت مثله في أولي البيتوتات فضلاً - قال: اجتاز القومس شانجه بن غرسية صاحب قشتيلة بباب تطيلة صدر أيام الحاجب منذر، وعلينا يومئذ من قبله سليمان بن هود صاحبه، فسلك مجتازاً يريد طرف الثغر الأعلى للاجتماع هنالك بالقومس ريمند صاحب برشلونة، لعقد المصاهرة بينهما، والأنثى من عند شانجه، واطئاً لأرضنا عن علم من منذر والينا، وضمان منه لكف عادية جيشه عنا؛ فأنكره أهل تطيلة وهم يومئذ بحال عزة وقوة، وذهبوا إلى عصيان أميرهم منذر فيه تفادياً من وصمته؛ فنمي ذلك إلى الطاغية شانجه، فلما شارف البلد أرسل يستدعي قوماً من أعيانهم، يكلمهم في سبيله. قال أبو أمية: فكنت في عدد من مضى، فدخلنا محلته يومئذٍ

стр. 180

فخرصتها خيلاً ورجلاً زهاء ستة آلاف، ولم يكن احتفل في حشده، ووصلنا إلى مضربه فإذا هو جالس على مرتبته عليه ثياب من ثياب المسلمين، ورأسه مكشوف أصلع كهل، لم يغلب عليه الشيب بعد، أسمر اللون جميل الصورة؛ فكلمنا بكلام لطيف حسن بين فيه وجه سيره، وذكر ما فارق والينا عليه من المحالفة معه، فعرفناه بكره من وراءنا لاجتيازه، وذهابهم إلى التمرس به، فنهانا عن ذلك وذكر الحرب وعدواءها؛ فانصرفنا عنه وأدينا قوله إلى من خلفنا فلم يتقبله عوام الناس، وحملهم الأنف على أن خرجوا إلى عجل أبطأت في ساقته تحمل أزواد عسكره يريدون نهبها عاصين للمشيخة، فأنهي إليه ذلك، فصرف من أصحابه مقدار خمسمائة فارس ثاروا في وجوه الناس، فخرج البلد بأسره لدفاعهم، فحمل من الخمسمائة قطعة، فولى الناس الأدبار حتى اقتحموا باب المدينة. فما رأيت في النصرانية يومئذ رجالاً مثل رجاله، ولا في ملوك الطواغيت من أعد له به في ركانة مجلسه ورجوليته ودهبه وكمال أدواته، وصدوع كلماته، إلا ما كان من صهره وسميه شانجه بن غرسية صاحب البشكنش الذي تفرد بالرئاسة بعده فكان مثله، بدد الله شيعتهم. وكان من أعظم ما حبا الله به الإسلام يومئذ عند منبعث فتنتهم، ومحدث فرقتهم، وتشتيت كلمتهم، بعد الدولة العامرية بأفقنا، تعجيله حتف أملاك النصرانية المترسين بهم، وتلاحقهم في المدة القريبة
следующие страницы →