Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
من كبار أملاكها آخرهم يحيى بن إسماعيل بن ذي النون، ولديه توفي بمدينة سالم سنة خمس وثلاثين. وكان أبو عمر هذا إنما تصرف كاتبا، وطلع شهابا ثاقبا، بأفق المشرق، وإنما ذكرته هنا لأن بلده وبلد سلفه باجة، إحدى مدن الجانب الغربي من الأندلس، وقاعدة بلاد ساحل البحر المحيط الرومي.
ونقلت ما أثبت في هذا المجموع من رسائل بني الباجي من قراطيس تعاليق، وبطائق وقعت إلي تفاريق، منسوبة لهم في الجملة، وربما اختلطت رسائل الابن والأب لهذا السبب، وهذا الذي أصف وأشرح، مما لا يضر ولا يقدح، لا سيما في رواية حكاية لا يخل بها نسبتها إلى من يحكها، يحكها، وفي نشر نسيجة لا يغض من بهجتها إضافتها إلى من لم يحكها، وإنما هي ملح منثور أو منظوم، وليست بحقائق علوم، فنتكلف في صحة الأسانيد، والفرق بين سعيد وسعيد، والفصل ما بين عبيد وعبيد. وعلى أي حال ورد هذا المجموع، من مجهول أو معلوم، في منثور أو منظوم، فبديع رائق، ومخر إن شاء الله سابق.
جملة من رسائله في أوصاف مختلفة
له من رقعة عن ابن هود إلى المعتضد:
كثرت - أيدك الله - محامدك فصارت زاد الرفاق، وأشرقت
стр. 1122
محاسنك فرمت بساطع نورها إلى الآفاق، ففي كل سبيل طليعة من ثنائك مرحل، وفي كل أفق بريد من أنبائك يتعلل، [٣٩ أ] ولفضائلك المأثورة حملة يتباينون في القدر، ويتفاضلون في النشر، وكلهم موجز وإن حاول أن يطنب، ومقتصد وإن حاول أن يسهب، والله يصون ما ألبسك من المكرمات، ويزيد فيما خولك من الصالحات، بمنه.
وأنا لا أزال بفضل خلوصي إليك، وصدق انجذابي لك، وشدة اغتباطي بموهبة الله السنية فيك، مصيخا إلى كل داع بشعارك، وحامل لآثارك، مستهديا لطيب أحاديثك ومبهج أخبارك، فإذا ظفرت بمحدث عنك فقد نلت جذلي، وإذا وقفت على خبر من لدنك فذلك من أملي.
وفلان لحق بجهتي، طاعتك، وعنده أوفى بضاعة من رفيع ثنائك، وأحسن إشاعة بجميل أنبائك، وهو الناطق القؤول، والصادق المقبول، فعرض تلك البضاعة الزكية في معرض نفاقها، وقصد بها أقوم أسواقها، وأهدى ذلك العلق السني إلى مستهديه، وأداه إلى يد مقتنيه؛ ولما أن صدر عنها، بعد انقضاء وطره منها، وقد ضمخها بذكرك، وقام فيها بشكرك، تقت إلى مواصلتك معه، وتجديد العهد الكريم على يده، فأصحبته كتابي هذا مخبرا عن مقامه في بث مناقبك، وواصفا لحاله في نشر محامدك، ومحيلا عليه في وصف ودي، والإخبار عما عندي.
وله من تعزية إلى ابن أبي عامر في ابنه المعتز: بأي لسان - أيدك الله
стр. 1123
أخاطبك مذكرا، أو بأي مقال ألاطفك مصبرا، وقد أذهلتني فجأة الخطب، وتركتني طائر القلب واللب، وقد رماني ساعد الزمان حين رماك، وأصماني سهمه كما أصماك، وثارت إلي فجائعه من حيث ثارت إليك، ودارت علي وقائعه من حيث دارت عليك. ولو كان ما طالعني خطرة حلم، لكفى به داعية بث وألم، فكيف إذا كان يقينا يقطع أمل المؤمل، ويبطل رجاء المرتجي المتعلل -!
وورد كتابك الجليل ناطقا بلسان الرزية، مقصدا سهم الفجيعة في المعتز بالله، ابنك، ومعتمدي - كان - فإنا لله! ! أي زرء ما أفظعه في القلوب، وأي خطب ما أشنعه في الخطوب، وأي مصاب ما أحقه بالأسى ونبذ الأسى، لولا أمر الله تعالى. ولا أجد - أيدك الله - لهذه الفادحة قدرا، ولا أقيس بها أمرا، ولا أكاد أقول في مثلها صبرا، فإنها سالبة الأذهان، وجامعة الأحزان، وخبيثة الحدثان، وكبيرة نوائب الزمان.
وفي فصل منها: ونحن مأمور فينا، ومحكوم علينا، يملكنا خير المالكين، ويحكم فينا أعدل الحاكمين، ولو شاء الله لم يخلقنا، فضلا عمن خلق منا ولنا، وقد أنعم عليك بنعمى متعك بها ما شاء، ثم صنع في بعض ما شاء، فإن تقابل بالاحتساب قدره النازل، وبالتفويض
стр. 1124
قضاءه العادل، فأحر بحزنك أن يعود سرورا، وبصدعك أن يكون بثواب الله مجبورا.
وله من أخرى مثله: كتابي عن نفس مستطارة بلوعتها، وكبد مذابة بروعتها، وعن قلب شعاره برح الجوى، وأعشاره نهب الأسى، تفجعا لما فجعك، واشتراكا في عظيم المصاب معك، وأسفا على من فقدناه فقدان السمع والبصر، ورمينا فيه بأفظع الحوادث والغير، فأنا لله وإنا إليه راجعون، بها يعتصم العارفون، وإلى حقيقتها يرجع المسلمون.
وإن كتابك ورد منبئا عن صورة حالك، وتوفية رزئك حقه من الأسف، وإعطاء مصابك بقدره من اللهف، فسد على نفسي - فاديتك - ثنايا الصبر، ووقع منها موقع الهيثم من الجمر، ولعمر الله إنه الرزء، [فليس كمثله الأرزاء، التي] يحسن فيها العزاء، وإنك بالبث والحزن لحقيق، ثم إنك بالصبر والاحتساب لخليق، ولولا أني أثق برجوعك إليه، وتأييد الله تعالى في الاحتمال عليه، لسلكت في الذكرى طريق المحتشد [٣٩ ب] ، وأنفدت فيها وسع المجتهد، على أني باستهدائها
стр. 1125
جدير، وإلى سماعها فقير. وما اقتباسي إلا منك، ولا اقتدائي إلا بك، جعلك الله في تلقي هذا الزرء، وتحمل هذا العبء، قدرة رشدٍ للجازعين، وأسوة هدىً للغافلين.
وله من أخرى إلى ابن هود بعد خروجه عنه: كتب مملوكه الملتحف في نعمائه، المتقلب في الآئه، من فلانة، وما قطع مرحلةً، ولا احتل منزلة، إلا ودأبه وصف معاليه، ونشر أياديه؛ وأما مفارقة ذراه فيكاد الإشفاق يصمي الجنان، ويدمي الأجفان، وينفي السلوان، وهو أمر حم واقترب، وقضاء سبق وغلب، وأنا مع انفصالي عن ذلك الكنف الجليل المأمول، والفناء العزيز الموصول، الذي عمرته في ظل الإكرام والتوجيه، ومهاد الإنعام والترفيه، غير خارج من عداد متن يتقلب فيه، وجملة من يراوحه ويغاديه، لأن فضلة بي حيث كنت محيط، وأملي به منوط، وتشيعي له مشهور، واعترافي بعوارفه لدي مأثور، وسيعلم مولاي أني صحبت فاعتدلت، ثم فاقرت وما اختللت، بل أعظمت وأجللت، وأثنيت فاحتفلت، والله الحسيب بالنيات والأعمال، الشهيد على الأقوال والأفعال.
ومن أخرى له: سيدي، ومن أبقاه الله للكرم يتبوأ سطته، والشرف يدرع بردته، والعز يلبس سرباله، والفخر يسحب أذياله، بأي لسان - أعزك الله - أناجيك على بعد الدار، وقد أخرست عن واجب الشكر لساني، وطمست على وجوه بياني، بما أضيفت من حلل برك التي
стр. 1126
أخجلتني، وطوقتني من مننك التي ألجمتني، بالهدية السنية التي لا يزال الدهر ينثرها، وأيدي الثناء تنشرها، فكم من علقٍ نفيسٍ شافهني منها بلسان إلي نجوم السماء، ودان لها تفويت كل روضة غناء، وتحدث بها الكرم المحض، وأشاد بذكرها الثناء الغض، وحق لهدية أهداتها أناملك المستهلة السحائب، وجادت بها راحتك الثرة المواهب، أن يعنو لها القمران، ويحاسن بها زماننا كل زمان، فلو أن البحر عاينها طامياً لما ساجلك، والغمام شاهدها هامياً لاما طاولك.
وله من جواب على كتاب عتاب: المودات - أعزك الله - إنما تثبت دلائلها، وتصح مخيلها، بمضمرات الفؤاد، لا بمزورات المداد، وبمعتقدات الحقائق، لا بمعهودات البطائق، وفي علمه تعالى أني من الاعتداد بمجدك، والاعتلاق بحبل ودك، والإسناد إلى كرم عهدك، بمنزلةٍ لا يتعاطى إدراكها أحد، ولا تطول يد صفائي فيها يد، وفي نفسك النفسية من ذلك أعدل شاهد، وأصدق رائد.
وقد ورد كتابك ففضضته عن مثل عقارب لاسبةٍ، وسهام نافذة صائبة، من عتاب صدع قلبي، وفت في عضدي، وتقريع لم أقف ببابه، ولا جذبت بأسبابه، ومعاني العتاب - أعزك الله - إذا وردت على سليم منها، نزيه عنها، متحفظ من وقوعها، متحرز من جميعها، أساءت
стр. 1127
ظنه، وأطالت فكره، واشغلت سره، ولا سيما على بعيد الدار، نائي المحل، مشتاق إلى الإخوان، متأسفٍ على فقد الخلصان، مستشعر حرماناً لزم، وزماناً جار وظلم. وأما الهنات التي أطلقت عنان العتب عنها في ميدانٍ فسيح، وجريت في إيرادها جري الشفيق النصيح، فليست بهنات مخلقة لعرضٍ، ولا قاطعة عن فرضٍ، وربما غيرت عندك صفتي فتنكرت عليك، ومثلك من حكم الخبر على الخبر، وقنع بالعين دون الأثر.
وله من أخرى عن ابن هود إلى ابن ذي النون [٤٠أ] يشكره باطلاق ابن غصن من السجن: كتابي - أيدك الله - كتاب أعريته من ذكر الوداد، وعدلت فيه عن وصف الاعتقاد، خرقاً لعادة المتوددين، وصفحاً عن طريق المتصنعين، على أني - علم الله - في الصدر المقدم ممن يواليك، والرعيل الأول ممت يتشيع فيك، وأفردته بشكر يدك البيضاء، وحميد صنيعتك الغراء، التي طوقت بها جيد الأدب، طوقاً يبقى على الحقب، ووضعت على نار الذكاء، وقوداً يسطع بطيب الثناء، مزاحماً بفضل همتك كلكل الزمان، وقد أناخ على الفهم بجران، ومحافظاً على حرمة الكرم وقد أعرض عن ثقلها الثقلان، أنفةً من أن يضيع حذاء نظرك حق أديبٍ، وتقطع بمرأى عينك نفس لبيب، وأنت عين الآداب، وعمدة ذوي الألباب، فيعود عليك من أهلها ملام، ويقول قائلها ضاع عند أوفى البرية ذمام، فلله همتك التي أبت إلا الحفاظ السليم، وشيمتك التي لم ترض إلا لمقام الكريم، ويدك التي أنتعشت
стр. 1128
بها الأديب أبا مروان بن غصن من هوة العثار، وفككته من قبضة الإسار، فأحييته وهو مشفٍ على البوار، فإنها يد مسيح الكرام، ومبدعة حسنة الأيام، فلو كانت للمكارم صورة لكانت هذه الصنيعة كحل طرفها، أو كانت للجد روضة لكنت المستبد بطيب عرفها، أو لو نطقت ألسن الآداب لفدتك، أو أرسلت نخبة الثناء لما تعدتك، وإن كثير الشكر ليقل في جنب ما أسديت، وبالغه ليقصر عن الغاية التي لها تصديت، لأنك ضمنت حياة نفس، ونشرت دفين رمسٍ، فكأنك أحييت جميع الورى، ونشرت كلب مستودع في الثري، وأنى يقاوم هذا الصنيع، ولو تظاهر على فرضه الجميع، وعند الله كفاء ما أوليت من جميل الفعل، وجزاء ما أتيت في سبيل الفضل.
وله من أخرى على لسان البهار إلى ابن هود: أطال الله بقاء المقتدر بالله، مولاي وسيدي، ومعلي حالي ومقيم أودي، وأعذني من خيبة العناء وعصمني معه من إخفاق الرجاء، ولا اشمت بي عدواً من الرياض يناصبني، وحاسداً من النواوير يراقبني، وقد علم الورد موقع إمارتي، وغنى بلطيف إيمائي عن عبارتي، وإنها تحية الزهر حياك بها، وخبيئة ذخرها لك وأهلك لها، وقد أتيت في أواني، وحضرت وغاب أقراني، ولم أخل من خدمتك رتبتي ومكاني، ولم أعر من الحضور بين يديك نوبتي وزماني، وأنا عبد مطيع مسخر، ومملوك يتصرف مدبر، حقيق بأن يحسن إلي فأدنى، وجدير بأن تهتبل بي ولا أجفى، لأني سابق حلبة النوار، وأول
стр. 1129
طلائع الأزهار، وأنا ناظر الفضل وعينه، ونضار الروض ولجينه، وقائد الظرف وفارسه، وعاقد مجلس الأنس وحارسه.
وفي فصل منها: فهل لمولاي أن يحسن إليّ صنيعاً، ويكرم النور جميعاً، ويدنيني فأرقى إلى أختي الثريا سريعاً، في مجلس قد أخلصته سحائبه، وأفرغت الحسن عليه والطيب ضرائبه، وجهك بدره، وغرتك فجره، وأخلاقك زهره، وثناؤك دره وعطره؛ وتعمل في أمر الدنيا رأيك، وتترك الهموم حيث تركها الناس قبلك، ولو صلح الكمد لأحد لكنت أنا أحق من لزمه، وأثبت عليه قدمه، لأني سريع الذبول، وشيك الأفول، لا يصحبني الظهور إلا قليلاً، ولا أمنح من متاع السرور إلا تعليلاً، غير أني مغتنم لساعاتي، آخذ من الأنس بقدر استطاعاتي، وقديماً أكرمني مولاي فلا يهني، ووصلني فلا يصرمني، ومنحني فلا يحرمني:
لا تهني بعدما أكرمتني ... فشديد عادة منتزعه [٤٠ب] ولابن الحناط رقعة في وصف هذه الرسالة، منها فصل قال فيه: بعثت إليك برسالة الوزير الكاتب أبي عمر الباجي في البهار، منقولة بخطي على اختلاله، واختلاف أشكاله، إلا أن حسن الرسالة، وموضعها من البلاغة والجزالة، يغطي على قماءة خطي، ودناءة ضبطي، فاجتلها - أعزك الله - عروس فكر، لحظها حبر، ولفظها سحر، ومعناها بديع، ومنتهاها رفيع، ومرماها سديد، ركب اللفظ الغريب فاعتن له المراد البعيد، يطمع ويؤيس، ويوحش ويؤنس، فأما إطماعها فيما تحرز من لدونة
стр. 1130
ألفاظها وسهولة أغراضها، وأما إياسها فبما يعجز من امتثالها، ويبعد من منالها، والله يمتعك برياض الآداب تجتني أزهارها، وتنتقي خيارها.
ولأبي عمر في نزول الغيث بعد القحط: إن الله تعالى قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعةً للفضل، ومنحاً يبسطها إذا شاء إنعاماً وترفيهاً، ويقبضها إذا أراد إلهاماً وتنبيهاً، ويجعلها لقوم صلاحاً وخيراً، ولآخرين فساداً وضيراً، ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الولي الحميد﴾ (الشورى: ٢٨) .
وإنه كان من امتساك السقايا، وتوقف الحيا، ما ريع به الآمن، واستطير به الساكن، ورجفت الأكباد فزعاً، وذهلت الألباب جزعاً، وأذكت ذكاء حرها، ومنعت السماء درها، واكتست الرياض غبرةً بعد خضرةٍ، ولبست شحوباً بعد نضرة، وكادت برود الرياض تطوى، ومدود نعم الله تزوى، ثم نشر تعالى رحمته، وبسط نعمته، وأتاح منته، وأزاح محنته، فبعث الرياح لواقح، وأرسل الغمام سوافح، بماء دفق، ورواء غدق، من سماءٍ طبق، استهل جفنها فدمع، وسمح دمعها فهمع، وصاب وبلها فنقع، فاستوفت الأرض رياً
стр. 1131
واستكملت من نباتها ورئيا، فزينة الأرض مشهورة، وحلة الزهر منشورة، ومنة الرب موفورة، والقلوب ناعمة بعد بوسها، والوجوه ضاحكة بعد عبوسها، وآثار الجزع ممحوة، وسور الشكر متلوة، ونحن نستزيد الواهب نعمة التوفيق، ونستهديه في قضاء الحقوق، إلى سواء الطريق، ونستعيذ به من المنة أن تعود فتنةً، ومن المنحة أن تعود محنة.
وإحسان بني الباجي كثير، وترسيلهم مشهور، اندرج لهم فيه بديع، ولا يتسع لاستيفائه هذا المجموع.
وهذه أيضاً جملة من شعر أبي عمر
قال من قصيدة في المعتمد، وقد طاعت له غافق والمدور أولها:
أنارت لك الدنيا ووجهك أنور ... وجلت عطاياها وقدرك أكبر
ودار كما شئت القضاء مساعداً ... فجاءت ولاءً غافق والمدور
أزرتها بحر الكتائب مزبداً ... فألقت عنان الطوع رضوى وصنبر ومنها:
стр. 1132
يقول مثارو الجن إذ ذعروا به ... هي الأرض تسعى أم هو البحر يزخر
سرى فاستطيروا خيفةً من نذيره ... ولم تك ليلاً قبله الجن تذعر
فتوح يموت الحاسدون شجىً بها ... فليت حليف الغي يحيا فيخبر ومنها:
لئن جهد المداح فيك فأطنبوا ... فإنك أعلى في النفوس وأخطر [٤١أ]
فدتك مسوك لا ملوك كما ادعوا ... إذا ظفروا يوماً زهوا وتجبروا
ولله منك القول والعقد صحةً ... إذا سد مسموع وخالف مضمر
وعصر تحلى منك بالأحد الذي ... له في يد السبق اللواء المشهر
وأيام سعد في ظلالك أوطنت ... تراح بها الآمال دأباً وتمطر
نفى حسنها عن ناظري طائف الكرى ... فأنعم ساعاتي بها حين أشهر
وأمتعني جو نضير وسلسل ... نمير وممتد المطارف أخضر
وكم مورد في الأرض يشفى به الصدى ... ولكن نداك الغمر أحلى وأنضر
أهنيك أم هذا الأنام بأنعمٍ ... جميعهم في حليها يتبختر
وهل تلتقي الأجفان إلا على الرضى ... وأنت على الدنيا الإمام المؤمر وله فيه من أخرى أولها:
لا زال عزك يخضع الأطوادا ... ويذل في آجامها الآسادا
لله أيام بقربك أنعمت ... ما ضرها أن لم تكن أعيادا
стр. 1133
راقت محاسنها وطاب نعيمها ... فأتى الزمان حدائقاً وعهادا
أسفي على زمنٍ مضى في غيرها ... يا ليت ذاهبه استعيد فعادا وهذا كقول أبي العلاء:
وأطربني الشباب غداة ولى ... فليت سنيه صوت يستعاد وفيها يقول ابن الباجي:
من مبلغ عني الأحبة إذ نأت ... أوطانهم والمعشر الحسادا
أني وجدت الجو طلقاً بعدهم ... والماء مصقول الأديم برادا
فليكبت الأعداء أنك واحد ... رجح الجموع وقلل الأعدادا
لله معتمد عليه مؤيد ... بالنصر منه عفا وجاد وذادا
لا يصرف النصحاء عزم سماحه ... سبحان من طبع الجواد جوادا
جود يفيض البحر منه ومنة ... في البأس يدهش ذكرها الأنجادا
وأناة حلمٍ في إباء حفيظةٍ ... كالأرض تطلع سوسناً وقتادا وله من قصيدة في تأبين المقتدر بن هود، أولها:
كأنك ما اتخذت القصر دارا ... ولا أوقدت بالعلياء نارا
ولا غدت الجموع عليك خرسا ... يهابون السكينة والوقارا
سكينة ألمعي في حباها ... شمائل تكسب الأنس النوارا
خلائق يستنير الفضل منها ... رياض الحزن سامرت القطارا [٤١ب]
стр. 1134
تعالى الله كيف هوى ثبير ... ووافى البحر مسقطه مغارا
أسر الدهر مقتدر المعالي ... فلم يا بدر فارقت السرارا -!
أباح لهاجم الحدثان منه ... زعيماً لم يزل يحمي الذمارا
وطال به الزمان وكان قدماً ... يجير على الزمان من استجارا
ربيب وقائعٍ بليت عليه ... حمائله وما حمل العذارا
لتبك الخيل مرسلها رياحاً ... تلوث بمفرق الشمس الغبارا
وبيض الطبع مصلتها بروقاً ... وصفر النبع مقدحها شرارا في ذكر الأديب أبي الحسن ابن الاستجي
وكان شاعراً مجيداً، وإماماً في سائر التعاليم محموداً، وله سبق لا ينكر، وحق لا يؤخر، وإحسان لا يزال يذكر، أنشد له أبو الوليد ابن عامر في كتابه المسمى ب - " البديع في فصل الربيع " قال، أنشدني أبو الحسن ابن الاستجي لنفسه:
قد قلت للروض ونواره ... نوعان تبري وفضي
وعرفه مختلف طيبه ... صنفان خمري ومسكي
ووجه عبد الله قد لاح لي ... وهو من البهجة دري
стр. 1135
شم غرسك الأرضي إن الذي ... أبصرته غرس سماوي
حسنك نوري بلا مريةٍ ... وحسن عبد الله نوري ومعنى البيت الرابع من هذه ناظر إلى قول الآخر:
لا تقس غرس ربنا ... بالذي يغرس البشر وقال يمدح المعتضد ويصف الشقائق:
إن الشقائق من حم الخدود قد اش ... تقت ومسودها من حالك اللمم
كأنها في المروج الخضر آنية ... حمر قد اضطربت من قانئ الأدم
يا ابن الذي قد حماها في منابتها ... فلم تزل في حمى منه وفي حرم
معروفة باسمه في كل مطلعٍ ... محفوظة المنتمى مرعية الذمم
جدد لها من وكيد العهد حرمتها ... وصل لها محدث الإكرام بالكرم أشار إلى أن جده كان النعمان الذي نسب إليه الشقائق، وروي أنه مشى يوماً في بعض شأنه، فأفضى إلى موضع فيه من هذه الشقائق كثير فقال: احموها، فحميت، فسميت بذلك شقائق النعمان، حكى ذلك أبو حنيفة ورفعه إلى الأعشى، وذكر أنه كان حاضر النعمان يومئذ.
وأذكرها هاهنا قطعاً من الشعر، ما ضرها أن لم تكن قطعاً من الزهر
стр. 1136
تعلقت بذكر ابن الاستجي هذا، بارى بالمعارضة فيها صدور الرتب، وأفراد أهل الأدب ممن كان بإشبيلية في ذلك الزمان، أخرجتها من كتاب " البديع في فصل الربيع " لأبي الوليد بن حبيب المذكور.
قال أبو الوليد: أنشدني أبو الحسن ابن الاستجي لنفسه يمدح القاضي ابن عباد من جلة قصيدة: [٤٢أ]
كأنما الورد لما ... وشت يد المزن أرضه
كواكب في سماءٍ ... من الزبرجد غضه
كأن طل الأقاحي ... مدامع من فضه
أو لؤلؤ فوق أرضٍ ... من المها مبيضه
كأنما الورد صدر ... أبقى به اللثم عضه
كأنما النهر نصل ... جلا الصياقل عرضه
كأنما الشمس في الجو ... حين تقطع عرضه
وجه ابن عباد الند ... ب حين تأمل قرضه
حوى بطول يديه ... طول الثناء وعرضه ومن شعر أبي الوليد ابن عامر في معارضته من جملة قصيدة:
стр. 1137
انظر إلى النهر واعجب ... بحسن مرآه وارضه
قد حل بين رياض ... من النواوير غضه
من نرجس مثل لون ال ... مهجور فارق غمضه
وأقحوان أنيقٍ ... بروده مبيضه
كأنما النهر أفق ال ... سماء عانق أرضه
وقد كسا عدوتيه ... بحومة الزهر مخضه
كما ابن عباد الند ... ب قد كسا الصون عرضه وقال ابن القوطية في ذلك:
بشاطئ النهر نور ... كسا الدرانك أرضه
نمارق وزرابٍ ... من النواوير غضه
فالورد وجنة خود ... غراء بيضاء بضه
كما البنفسج خد ... أبقى به اللثم عضه
والياسمين نجوم ... حازت من الحسن محضه
حكى سجايا ابن عبا ... د الكريم وعرضه وقال ابن الأبار من جملة أبيات:
стр. 1138
شقائق شق قلبي ... رواؤها وافتضه
كأنما الأرض منها ... خريدة مفتضه
ونرجس متغاضٍ ... كأنما الحزن مضه
يرنو بطرفٍ كليلٍ ... كمن يحاول غمضه
وسوسن إن تشمه ... فكالوذائل بضه
أو ألسن الدر صيغت ... أو الطلى المبيضه
والأقحوان نجوم ... ليس ترى منقضه ثم خرج إلى المدح بأبيات حذفتها لطولها.
وقال أبو الاصبغ بن عبد العزيز:
يا من تأمل نوراً ... فيه النواوير غضه
وعاين الحسن منها ... قد زين البعض بعضه
فالنرجس الغض تبر ... في صفرة منه محضه
والأقحوان بياضاً ... كأنه سمط فضه
والورد ماء ونار ... سالا على وجه بضه
ضدان في صحن خد ... قد ألفا بعد بغضه
стр. 1139
والمدح حذفته.
وعارضهم القاضي ابن عباد بسطاً لأمانيهم، وعجباً بما أوردوا من ألفاظهم ومعانيهم، وكأنه نقد على ابن عبد العزيز هذا شيئاً في التشبيه، فقال يعرض به ويعاتبه فيه:
أبلغ شقيقي عني ... مقالةً لتمضه
بأن وصف الأقاحي ... الذي وصفت لم ارضه
هلا وصفت الأقاحي ... بأكؤسٍ من فضه
أو النجوم تساقط ... ن في المها المبيضه في أبيات غير هذه.
وقال ابن حصن في ذلك:
نبه جفونك للرو ... ض واهجرن كل غمضه
قد نبه الطل منه ال ... جفن الذي كان غضه
من بين ورد كخد ال ... حبيب حاولت عضه
وسوسنٍ قد حكي لي ... سوالف الغيد بضه
ومن بهارٍ تدلى ... جماجم منه غضه
стр. 1140
كأنه معرض عن ... محدث لم يرضه [٤٢ب]
ومن أقاح يباهي ... مصفره مبيضه
كأنه نقر التب ... ر في مداهن فضه ولم أسلك في هذه الأشعار طريق الاختيار، إذ ليس فيها حظ لمختار، وإنما أثبتها لما تعلق بها، وذكرت بسببها، ولا أعطل جيد التأليف من مخشلبها.
فصل يشتمل على مقطوعات أبيات لجماعة من الأدباء
كانوا بعصر المعتضد عباد، ولم أجد لهم أشعاراً تفسح لي
في طريق الاختيار، إلا ما أثبت لهم الوزير أبو عامر
ابن مسلمة في عرض كتابه المترجم ب - " الحديقة " فكل
ما أثبت لهم في هذا الفصل فمن كتابه نسخت،
ومن خط يده نقلت
فمنهم الوزير أبو الأصبغ بن عبد العزيز أنشد له في قفول الخيري ورحلة البهار:
رحل الربيع عليه بند موال ... وأقيم للخيري راية وال
في شهر كانون أديل وقوضت ... أيام بهجته فهن خوالي
стр. 1141
فاشكر أوائله فهن نوافج ... واحمد أواخره فهن غوالي
وإذا سررت بخل صدقٍ وافدٍ ... ورضيته فانظر إلى الترحال وأنشد له:
هام قلبي بغزالٍ ... أتمنى منه عطفه
شرب الكأس وأبقى ... عامداً في الكأس نطفه
فعلمنا أنه ير ... غب أن يمنح رشفه
كشفت لي لولا الحميا ... ما خصصناك بتحفه
كشفت من سره ما ... لم تكن تأمل كشفه
وبدا في الخد منه ... خجل خالط طرفه
فجني الورد فيه ... وأنا أمنع قطفه قال أبو عامر: وكتب إليّ وإلى ابن الأبار وقد رأى معنا غلاماً فيما سلف وسيماً، ثم عذر وأدبر، بأبيات أولها:
أمفترسي ظبيٍ أغر غرير ... ومقتنصي بدرٍ أنار منير
لئن نلتما بالسحر من كل غرة ... ففي مقل الغزلان كل غرور
وقد رحم الرامي المصيب فريسة ... ويرزقها بالسحر كل سحور
أثرت من الصيد الذي قد عقرتما ... وكم عاقر للصيد غير مثير
وسعد الفتى في عمره جالب المنى ... إليه وفي الحرمان كل عسير
فطيبا جميعاً واطربا وتمكنا ... فليس الذي أدركتما بيسير
هل الراح إلا وجهه ورضابه ... فإن جمعت حلت بغير نكير
стр. 1142
فأجابه ابن الأبار:
لعمرك إن الظبي غير غرير ... وإن محيا البدر غير منير
بدت لحية في وجهه هي لحنة ... أتاحت له موتاً بغير نشور [٤٣أ] ومنها:
إذا لم أقل إلا براحٍ وراحةٍ ... فما قدر ذنبي في اغتفار قدير
ساقعد عن ناهي النهى في اجتنابها ... وإن قام في فودي شاهد زور
هل العيش إلا أن أقبل ثغرها ... وأصغي إلى بم أجش وزير
خبرت بني الأيام شرقاً ومغرباً ... فآثرتها إذ لم أفز بأثير وأنشد له أيضاً بما خاطب به ابن الأبار:
أما وخد له معذر ... ومبسم الخاتم المجوهر
وخصره المتعب المعنى ... بثقل ما ضاق عنه مئزر
ولمةٍ أسبلت أثيثاً ... كأنه وابل معطر
وورد خديه بعد سكرٍ ... والغنج من حظه المحير
إن لعينيه في فؤادي ... أشد من وقع كل خنجر
إن خلته ضيغماً قطوباً ... أو أسداً عابساً غضنفر
فهو من الحسن كل بدر ... وهو من الطيب كل عنبر
ريقته خمرة ولكن ... شيب شذاها بطعم سكر
لو كان في الخلد مثل هذا ... تاه على الحور أو تكبر
في شبهه قال مثل هذا ... من أحسن الوصف ثم ندر
" مظفر كاسمه مظفر ... أخلاق ليث وخلق جؤذر "
стр. 1143
فأجابه ابن الأبار بهذه الأبيات:
لست بصاب إلى معذر ... بل أنا في حبه معذر
لا أعشق الظبي ذا لجام ... لأنه في الظباء منكر
أهواه والخد منه صبح ... حتى إذا ما دجا تغير
أحسن ما فيه أن تراه ... بين مهاةٍ وبين جؤذر
متوجاً لمةً تبدى ... بتاج كسرى وملك قيصر
إن ماس فالمرط منه مثر ... بما حوى والوشاح معسر
يرفق بالخلق حين يغضي ... وينظر الموت حين ينظر
متى يلم عاذل عليه ... يبدو له وجهه فيعذر
كم علني الراح ثم حيا ... أحوى مريض الجفون أحور
كأنما سحر وجنتيه ... نوم اجفانه لتسهر
ما زلت أشتفها ونقلي ... طلاه والمبسم المجوهر
أمكن من طرةٍ وثغرٍ ... فصرت في جنةٍ وكوثر وأنشد للوزير أبي الاصبغ بن سعيد:
وما أنس لا أنس المدامة بيننا ... يناولنيها وهو بالسحر نافث
ويجعل نقلي ريقه بعد رشفها ... فيا لك من طيب على السكر باعث
فسكران من خمرٍ ومن رشف ريقه ... وبينهما من سحر عينيه ثالث
стр. 1144
وأنشد له:
يا أيها الساقي الذي بعثت لنا ... يمناه من مزن الغمام رذاذا
لا تسقنيها دون ملء كؤوسها ... وإذا سجدت بها إليك فماذا
إني اتخذت الغي رشداً والهوى ... ديناً ولذت عن الرشاد لواذا
فامزج بريقك لي الكؤوس وقل لنا ... خذ، تلقني لكبارها أخاذا وأنشد له:
بالغت في عذلي وفي تأنيبي ... وفي الراح حين وعظتني بمشيبي
هيهات لست بتائب عن شربها ... ما دام شربها أقل ذنوبي
إن كان أكربني المشيب فإنها ... راح تروح بكربة المكروب
فلأشربن لكي أدافع كربها ... عني وأطرب فوق كل طروب وأنشد لأبي إسحاق بن خيرة الصباغ [٤٣ب]
يوم كأن سحابه ... لبست غمامي المصامت
فالغيث يبكي الضحى ... كمثال أجنحة الفواخت
والرعد يخطب مفصحاً ... والجو كالمحزون ساكت
والروض يسقيه الحيا ... والنور ينظر مثل باهت
فاطرب ولذ بحسنه ... واشرب فإن العمر فائت
стр. 1145
صرفاً كأن حبابها ... در على العقيان نابت
تحكي خلال الحاجب الز ... اكي المغارس والمنابت
عباد السامي الذرى ... والمجد حيث النجم ثابت
ملك إذا نطقت علا ... هـ بمعرك فالخطب صامت
أو طاش عقل معاشرٍ ... في ضنك حرب فهو ثابت وأنشد له أيضاً:
انبذ مقال النصيح ... ودن بشرب الصبوح
ورح وباكر مداماً ... كالشمس وقت الجنوح
خرقاء يلثغ منها ... لسان كل فصيح
إذا تناولت منها ... حسنت كل قبيح
رقت على ظهر كسرى ... وعهد عادٍ ونوح
فليس توجد إلا ... بنور لونٍ وريح وأنشد له:
رب ليلٍ طال لا صبح له ... ذي نجوم أقسمت أن لا تغور
في دجى ليلٍ بهيمٍ حالك ... يستوي الأكمه فيه والبصير
فتراها حائرات في الدجى ... زاهرات كمصابيح تنير
قد هتكنا جنحه عن فلقٍ ... من خمورٍ ووجوه من بدور
إذ بدت شبهتها في كأسها ... نار إبراهيم في برد ونور
وامتطينا للملاهي مرحاً ... خيل راحٍ بمنايانا تدور
صرعتنا إذ علونا ظهرها ... في ميادين التصابي والسرور
стр. 1146
فنعانا العود في ميتتنا ... بأبح البم إسعافاً وزير
فرفعنا من كؤوس نكسٍ ... وفتحنا من عيون بفتور
فكأن حين قمنا معشر ... نشروا بعد مماتٍ من قبور وأنشد لأبي بكر بن نصر الإشبيلي:
أهدت إليّ روحي براح يمينها ... راحاً أرق من الهواء وأعتقا
فكأن حب حبابها في وجهها ... در على أرض النضار تفرقا
وكأن شخص الكأس شمس وشحت ... قمراً فغاض شعاعها وتمزقا
لله درك من زمان لم يزل ... حلو الحلى رحب الجناب معتقا
زمن هصرنا عيشه فكأنه ... من جود إسماعيل كان منمقا
الحاجب الملك الذي حجب الورى ... عن كل مكروهٍ يخاف ويتقى
وكأنه بيديه صور نفسه ... فأجادها كيف اشتهى وتأنقا وأنشد لمحمد بن ديسم الإشبيلي:
امزح حمياً الكؤوس واشرب ... بنفثةٍ من رضاب ألعس
راحاً تمطى بطون راح ... لها خلال الضلوع مكنس
يدير منها البنان خمراً ... صبغة ماء اللجين ملبس
ملك زها رفعةً ومجداً ... كما زكا محتداً ومغرس [٤٤أ]
стр. 1147
تطلع أنواره شهاباً ... إن عارض للخطوب عسعس
ويذعن الموت حين يسطو ... ويبسم الموت حين يعبس وأنشد له في ترك الشراب:
تجافيت عن شربي لها لا لعفةٍ ... ولم يك إقصائي لها عن تحرج
وإن أك قد عرجت عن حق حبها ... فما أنا عن تفصيلها بمعرج وأنشد له في مثله:
ولم أجتنب شرب المدام لعفةٍ ... ولم ألحق الصهباء ذماً ولا عذلا
تنافرني أن صرت ضداً لشكلها ... فليست لنا أهلاً ولسنا لها أهلا وأنشد لأحمد بن محمد البلمي الإشبيلي:
ولقد رشفت مدامةً ... أشهى من الثغر البرود
بكراً ولكن عهدها ... من عهد عادٍ أو ثمود
لانت لنا لكن لها ... بعقولنا بطش شديد
تبدو وقد نظم المزا ... ج من الحباب لها عقود
وإذا توارت بالحلو ... ق بدا سناها في الخدود
وكأنني مولى الورى ... والناس كلهم عبيد
стр. 1148
ومدامة ورسيةٍ أعملتها ... عرضت علي بشربها أعمالي
فكؤوسها بصفائها كلآلئٍ ... وشرابها في جوفها كالآل وأنشد له صاحب كتاب " البديع ":
انظر ونزه ناظريك بروضةٍ ... غناء ما زالت تراح وتمطر
لتريك من صنعاء صنعة وشيها ... بمطارف من تستر لا تستر
ألوانها مثنى وطيب نسيمها ... يقصى العبير بها وينسى العنبر وقال:
أما ترى النرجس الغض الذكي بدا ... كأنه عاشق ذابت ذوائبه
أو المحب اشتكى لما أضر به ... فرط السقام فعادته حبابئه وقال:
رب نيلوفر غدا يخجل الرا ... ئي إليه نفاسةً وغرابه
كمليك للزنج في قبةٍ بيضا ... ء يدنو الدجى فيغلق بابه
стр. 1149
وأنشد للوزير أبي بكر بن القوطية في تجنيس القوافي، عارض بها طريقة أبي الفتح البستي:
سقاني كأسه ولها ... دبيب زادني ولها
غزال إن رأى ولهي ... زها عن قصتي ولها وقال:
ومنادم لم أرض من أشري به ... فندمت إذ أصبحت غير شريبه
يا ليت ما ألقاه من أرقي به ... وسهادي انفردا بعين رقيبه وقال:
ومدل بسقيه يتلقى ... ندماه بسطوة واقتدار
فمن أسأل الرجوع لداري ... قال لي: اشرب فلست في وقت دار وقال في المردقوش:
عنبري اللون في الخلقة قد ... فاق طيباً كل مشموم وبذ
ذو جلابيب له قلصها ... فأتت خلقاً كآذان الجرذ [٤٤ب]
стр. 1150
ولذا سموه إذ أشبهها ... مردقوشاً باشتقاق يومئذ أشار إلى ما حكاه بعضهم أن المراد بالفارسية: الأذن، والقوش: الفأر.
وقال في الترنجان:
وأخضر فستقي اللون غض ... يروق بحسن منظره العيونا
ذكي العرف مشكور الأيادي ... كريم عرفه يسلي الحزينا
أغار على الترنح وقد حكاه ... فزاد على اسمه ألفاً ونونا وأراه سمع قول صاعد اللغوي فيه، حيث يقول:
من طيبه سرق الأترج نكهته ... يا قوم حتى من اشجار سراق ولكنه عكسه، إذا اقتبسه، وترك الرائحة ومال إلى الاسم.
وقال في التفاح:
وجلنارية مسكية النفس ... كأنها جذوة في كف مقتبس
قد أشربت من صباغ الله حمرتها ... كأنها غرة أوفت على لعس
كريمة من بنات الفرع ما حضرت ... إلا وحضت على اللذات والأنس
حافت فنكستها لما كلفت بها ... فإن دعوت أجابت باسم منتكس قوله: " حافت " هو " تفاح " مقلوب.
وقال في السفرجل:
стр. 1151
وزعفرانية في ثوب محزون ... تروق طعماً وشماً في البساتين
مصفرةٍ من بنات الحسن تحسبها ... في زغبها ميتاً في ثوب تكفين
قد رنحت فوق أغصان ترجحها ... وفلكت كثدي الربوب العين وقال في الأترج:
جسم من النور في ثوب من النار ... كأنه ذهب من فوق بلار
فابيض باطنها واصفر ظاهرها ... كأنها درهم من تحت دينار
محفوفة برماح من منابتها ... مشحونة بين أرواح وأمطار
عطرية لم تطيب للقاء ولا ... مدت يميناص إلى حانوت عطار وقال في الخوخ:
وطيب الريق عذب آب في آب ... وزار مشتملاً في زي أعراب
مخمل الثوب لم تخمل رئاسته ... بين الفواكه من نقصٍ ولا عاب
خالسته نظري فاحمر من خجلٍ ... خداه ثم انثنى عني كمرتاب
من اسمه فيه مقلوباً ومبتدئاً ... أربى على اللوز في تطريز جلباب يريد أن الخوخ يقرأ من طرفيه؛ وفيه يقول:
لم أر كالفرسك جلبابا ... كأنه قد سكن الزابا
من طرفيه يتأتى اسمه ... فإن تفطنت له ثابا وقال في الفستق: [٤٥أ]
صدف أبيض نقي ... ذو بهاءٍ ورونق
متفر عن جوهر ... أخضر فيه مطبق
كل صبغٍ يعزى إلى ... لونه قيل فستقي
стр. 1152
وقال في العناب:
أما ترى ثمر العناب موقرةً ... بكل أحمر لماعٍ من الخرز
وقد تدلت به الأغصان مائلةً ... مثل العثاكيل من صدر إلى عجز
وقد حمتها عن الأيدي أسنتها ... حذار مفترس أو خوف منتهز وقال:
ما طلعت في قوسها ... إلا بدا قوس قزح
نفس وما من نفسٍ ... روح ولكن لا شبح
شرارة تلمحها ... قرارة لمن لمح
ولست من شرابها ... ولا لها بمقترح
ولا أنا مغتبق ... بها ولا بمصطبح
لكنني أمدحها ... تظرفاً في من مدح الوزير أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر الايادي
أحد الأفراد امجاد من إياد، وهو وإن كان في وقتنا البحر الذي لم يبلغ بالتحصيل، والصبح الذي لا يفتقر معه إلى دليل، فإني أجريت ذكره في نفس هذا الديوان نفساً، واجتلبت قطعةً من شعره أقمتها للآداب عرساً، وجعلتها لألباب الشعراء والكتاب مدوساً، مع أنه أعلى قدراً، وأبهر ذكراً، من أن يعبر الدهر عن علاه، أو يدعي الشعر أنه من حلاه؛ ولم أظفر عند تحريري هذه النسخة بشيء من نثره، فلذلك اقتصرت على جملة من شعره، جعلتها ذريعةً إلى إجراء ذكره، ولولا ترتيب اقتضاه
стр. 1153
هذا التأليف، وقضى به التصنيف، لحل ذكره من هذا الديوان محل زحل من الفلك، والتاج من مفرق الملك.
وقد قدمت في أخبار القاضي ابن عباد من إظلام أفقه - كان - على الأشكال، واجتماع فرقه من الأغفال، بما أغنى عن إعادة المقال. وكان الفقيه جده محمد بن مروان بن زهر، منشأ تلك الدولة العبادية أول من تثنى عليه الخناصر، وتشير إليه القلوب والنواظر، وتفتقر إلى ما لديه الألباب والبصائر، فضاقت دولته عن مكانه، ضيق صدر العاشق عن كتم أشجانه، واسترابت لجلالة شانه، استرابة المنافق بتلجلج لسانه؛ وأهمه أمره حتى أخرجه عن بلده، واستصفى ذات يده، فلحق بشرق الأندلس، وأقام بها بقية عمره، بين جاهه ووفره، وفي حصنٍ حصينٍ من سلامة سره وجهره.
ونشأ ابنه الوزير أبو مروان عبد الملك بن محمد فما بلغ أشده، حتى سد مسده، بل ما خلع تمائمه، حتى استوفى مناقبه ومكارمه، وورث مباديه وخواتمه، ومال إلى التفنن في أنواع التعاليم من الطب وغيره من العلوم، فجمع شعاعها، واستوفى أجناسها وأنواعها، وجذب بضبعها، وفرق بين غربها ونبعها، ورحل إلى المشرق لأداء حج الفريضة فملأ البلاد جلالةً، ورجح الأطواد أصالةً، ولم يلق أحداً من زعماء تلك الأقطار إلا عول على ما عنده، وتجاوز في الأخذ عنه عفوه وجهده.
стр. 1154
ونشأ أبو العلاء زهر بن عبد الملك فاخترع فضلاً لم يكن في الحساب، وشرع نبلاً قصرت عنه نتائج الألباب، وكنا نتوقع الحمام حتى سطا، وننتجع الغمام إلى أن أعطى، لو ساجل البحر لفضحه، أو وازن الدهر لرجحه، نشأ بشرق الأندلس والآفاق تتهادى عجائبه، والشام والعراق تتدارس بدائعه وغرائبه، ومال إلى علم الأبدان، فلولا جلالة قدره، لقلنا جاذب هاروت طرفاً من سحره، ولولا أن الغلو آفة المديح، لتجاوزت طلق الجموح، ولكن اكتفيت بالكناية عن التصريح، وصلوات الله على المسيح. [٤٥ب] ولم يزل مقيماً بشرق الأندلس إلى أن كان من غزوة أمير المسلمين وناصر الدين، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين، في من انضم إليه من ملوك الطوائ إلى حصن لييط ما كان، فشخص الوزير أبو العلاء معهم، فلقيه المعتمد واستماله واستهواه، وكاد يغلب على سره ونجواه، وصرف عليه بعض أملاكه، فحن إلى وطنه، حنين النجيب إلى عطنه، والكريم إلى سننه، ونزع إلى مقر سلفه، نزوع الكوكب إلى بيت شرفه، إلا أنه لم يستقر بإشبيلية إلا بعد خلع المعتمد، ودعا به أمير المسلمين، ﵀، فلباه، وحل من نفسه محلاً لم يحله الماء من الظمآن، ولا الروح من جسد الجبان، وقد أخرجت من ملح أشعاره ما يعطل شذا الزهر، ويخجل سنا الأنجم الزهر.
стр. 1155
جملة من مقطوعاته الاخوانيات
كتب إليه حسام الدولة ابن رزين بهذه الأبيات:
عاد اللئيم فأنت من عدائه ... ودع الحسود بغله وبدائه
لا كان إلا من غدت أعداؤه ... مشغولةً أفواههم بجفائه
أأبا العلاء لئن حسدت لطالما ... حسد الكريم بجوده ووفائه
فخر العلاء فكنت من آبائه ... ونأى السناء فكنت من أبنائه
كن كيف شئت مشاهداً أو غائباً ... لا كان قلب لست في سودائه
وإليك كأساً من ودودٍ ممحضٍ ... مملوءة من وده وصفائه فأجابه الوزير أبو العلاء بقوله:
يا صارماً حسم العلا بمضائه ... وتعبد الأحرار حر وفائه
ما أثر العضب الحسام بذاته ... إلا بأن سميت من أسمائه
ولقد غدا رأي الزمان بمعزلٍ ... حتى استمد الرشد من آرائه
عنت الملوك لفضله وعلائه ... وتبرقعت شمس الضحى لسنائه
شرفت ذا أمل بكأسٍ لو غدت ... سماً لما قابلتها بدوائه
كيما أكون الدهر مكلوءاً به ... وأرى رهين الرمس من شهدائه قال ابن بسام: قول ابن رزين: " فخر العلاء فكنت من آبائه " ...
стр. 1156
البيت، للشعراء تصرف في اشتقاق المدائح من أسماء الممدوحين، ومنه قول ابن الرومي:
كأن أباه حين سماه صاعداً ... رأى كيف يرقى في المعالي ويصعد ولما سمع البحتري هذا البيت قال: مني أخذه في العلاء بن صاعد:
سماه أسرته العلاء وإنما ... قصدوا بذلك أن تتم علاه وقال ابن البين البطليوسي في الوزير أبي الأصبغ بن المنخر:
شم الأنوف لذاك ما سموا بها ... ومن المسمى تؤخذ الأسماء وقال أبو بكر بن سوار في القاضي ابن حمدين: [٤٦أ]
من معشر حمدوا فأحمد سعيهم ... فلذاك ما سموا بني حمدين وقال الصاحب بن عباد: وقد قتل المتنبي من هذا حبلاً اختنق به، فقال:
في رتبة حجب الورى عن نيلها ... وعلا فسموه علي الحاجبا وقال أبو الوليد بن حزم في الوزير أبي العلاء المذكور:
стр. 1157
أما العلاء فلن تزاحمك العدا ... فيه وحسبك أن دعيت له أبا ومن جواب الوزير أبي العلاء له:
أجريت طرفك في العتاب وربما ... - وقيت - من أجرى بلا قصد كبا
عتبي ولا عتب لدي، وإن بنا ... استبدلت برقاً شام لحظك خلبا
لخبا وضمن من سجايا ذاته ... نفحات غدرٍ ضمن هبات الصبا
ولطالما فيه انخدعت إخاله ... نصلاً فلما أن ضربت به نبا
ما كل ناضر دوحةٍ روضاً ولا ... كل ضياء راق حسناً كوكباً وقول الوزير أبي العلاء: " وربما وقيت "، من مليح الالتفات، وهو عند بعض أهل النقد تتميم، والالتفات أول به وأشك بمعناه، ومنه قول كثير:
لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا وقوله: " وأنت منهم " التفات، وقد سماه ابن المعتز: " اعتراضاً " وجعله باباً على حدته بعد الالتفات، وغيره جمع بينهما. وقال النابغة:
ألا زعمت بنو عبسٍ بأني، ... ألا كذبوا، كبير السن فان
стр. 1158
فقوله: " ألا كذبوا " اعتراض؛ وقال بعض العرب:
فظلوا بيومٍ دع أخاك بمثله ... على مشرع يروي ولما يصرد فقوله: " دع أخاك بمثله " التفات مليح؛ وقال عوف بن محلم:
إن الثمانين، وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وقال إسحاق الموصلي: سألني الأصمعي وقال: أتعرف التفاتات جرير - قلت: وما هي - فأنشدني:
أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ سقي البشام وقال لي: أما تراه مقبلاً على شعره ثم التفت إلى البشام فدعا له - وأنشد له ابن المعتز:
متى كان الخيام بذي طلوحٍ ... سقيت الغيث أيتها الخيام وأحسن ابن المعتز في العبارة عن الالتفات، حيث قال: هو انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، وعن المخاطبة إلى الإخبار وتلا قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبةٍ وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف﴾ (يونس: ٢٢) وأنشد لأبي عطاء السندي يرثي عمر بن هبيرة:
стр. 1159
وإنك لم تبعد على متعمدٍ ... بل كل من تحت التراب بعيد وهو عندهم استدراك؛ وأنشد ابن المعتز في هذا النوع لبشار: [٤٦ب]
نبئت فاضح أمه يغتابني ... عند الأمير، وهل علي أمير - وما أملح قول نصيب:
وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا ... سنا بارقٍ نحو الحجاز أطير فقوله: " ولم أخلق من الطير " عجب. ولما سمعت التي قيل فيها هذا البيت تنفست تنفساً شديداً، فصاح ابن أبي عتيق: أواه، زاه!! قد والله أجابته بأحسن من شعره، والله لو سمعك لنعق وطار، فجعله ابن أبي عتيقٍ غراباً لسواده، وأنشدوا للعباس بن الأحنف:
إن تم ذا الهجر يا ظلوم، ولا ... تم، فما لي في العيش من أرب وقال عدي بن زيد، وهو في حبس النعمان:
فلو كنت الأسير، ولا تكنه، ... إذاً علمت معد ما أقول واستقصاء ذكر هذا الباب، مما يضخم حجم الكتاب.
стр. 1160
وقول الوزير أبي العلاء: " ما أثر العضب الحسام بذاته " ... البيت، من مليح المدح في حسن التعرف بجنس السيفية؛ وأبو الطيب ممن اتخذ سبباً إلى سمائها وعرج، وقرع بابها حتى دخل كيف شاء وخرج، كقوله:
لقد رفع الله من دولةٍ ... لها منك يا سيفها منصل وكقوله:
لولا سمي سيوفه ومضاؤه ... لما سللن لكن كالأجفان وكقوله:
تسمى الحسام وليست من مشابهةٍ ... وكيف يشتبه المخدوم والخدم وقال:
قلد الله دولةً سيفها أن ... ت حساماً بالمكرمات محلى
فإذا اهتز للندى كان بحراً ... وإذا اهتز للوغى كان نصلا وقال:
وإن الذي سمى علياً لمنصف ... وإن الذي سماه سيفاً لظالمه
وما كل سيف يقطع الهام حده ... وتقطع لزبات الزمان مكارمه وقال:
إن الخليفة لم يسمك سيفه ... حتى بلاك فكنت عين الصارم
وإذا تتوج كنت درة تاجه ... وإذا تختم كنت فص الخاتم
следующие страницы →